جنتنا المفقودة: شعور العبودية

Herkul | | العربية

من أكبر المشاكل التي يعاني منها المؤمنون اليوم عدمُ قدرتهم على أن يجعلوا الأفكار الجميلة التي يردّدونها والكلمات الطيبة التي يتفوّهون بها جزءًا من طبيعتهم، ناهيك عن عدم استطاعتهم أن يبلغوا أفق الإخلاص والإحسان في أعمالهم، إننا لم نستطع أن ننسلخ من الإيمان التقليدي ألبتة، وبالتالي لم نستطع أن نوطّد صلتنا مع الله تعالى، ولا أن نسلِّم مخلصين لأوامر دينه، ولا أن تقشعرّ قلوبنا وتفيض أعيننا من الدمع عند ذكره، وفي الغالب لا نشعر بعاطفةٍ تعادل حنين الأم الرؤوم لفلذة كبدها الذي تنتظره في لهفةٍ واشتياق.

قد لا يستطيع الإنسان في بداية الأمر إنشاءَ علاقة وطيدة مثل هذا مع الله سبحانه وتعالى، وقد لا يملك هذا القدر من الشعور، ومع ذلك لا بد أن يطمح على الأقل إلى مثل هذا الشعور والإحساس، وأن يحدد أهدافه جيدًا، ويوحِّد مطالبه؛ لأن مَن لم يوحّد مطالبَه وقبلَتَه يستحيلُ عليه قطعًا الوصول إليه سبحانه وتعالى.

ليتنا استطعنا أن نذيب أنانيّتنا في حوضٍ كبيرٍ كما يذوب السكّر ويتلاشى في الشاي! أو كما يقول الصوفية: “ليتنا استطعنا أن ننسلخ من “أنا”، ونرسو في ميناء “نحن”، ثم نجتاز “نحن”، ونرتقي إلى أفق “هو”!”، ليتنا تلاشينا تمامًا ذاتًا وأنانيةً! إذًا لَكُنّا وصلْنا إلى أفقٍ مختلفٍ تمامًا، وخِلْنا الوجود كله حبيبًا وفيًّا، وقلنا كما يقول الشاعر “نيازي مصري”:

ظننتُ أنه لم يبق في العالم حبيب
فلما تخلّيتُ عن نفسي رأيتُ كلَّ شيءٍ حبيبًا

يجب أن نعلم أنه طالما ظلت أنفسُنا وأنانيتُنا حجابًا للحقيقة! بمعنى أنه طالما ظللنا نقول: أنا، أنا… فلن نفوز بالوصال مع الله سبحانه وتعالى. وما أجمل قول الشاعر الصوفي:

أنى تتجلّى لعبدٍ يقول ها أنا ذا
فلن أراك ظاهرًا حتى أكون غائبًا

ومن ثم علينا أن نتضرّع إلى ربنا سبحانه وتعالى في أدعيتنا قائلين: اللهم إن تجليك منوطٌ بغيابي، فلا تحرمني منك يا إلهي بإظهار نفسي وأنانيتي.

يجب أن يكون تقديرنا للشيء تبعًا للقيمة التي يحملها هذا الشيء، فالأشياء التي نقوم بها بمقتضى بشريّتنا، علينا أن نستنفذها ضمن الدائرة المشروعة، وعند فعل ذلك يجب أن نراعي حقوق أنفسنا وعائلتنا ومحيطنا الاجتماعي، ولكل هذا إطارٌ وحدودٌ بحسب الحاجة والضرورة، أما بالنسبة لمعرفة الله ومحبته والتوجّه إليه بالعبودية؛ فليس لها إطارٌ أو حدودٌ، ففي هذه المسألة يجب أن نتطلّع إلى الذرى دائمًا، وأن نرنو بأبصارنا إلى أعلى فأعلى قائلين: هل من مزيد؟!

 ينبغي أن نطمح إلى معرفة الله بأن نرفع أيدينا قائلين: اللهم عرّفنا بذاتك، وألوهيتك، وربوبيتك، وجاهك، ومنزلتك، وأسمائك السبحانية، وصفاتك القدسية كما عرّفتَ عبادَك المقربين من الأنبياء والمرسلين”.. وعلينا عند فعل ذلك أن نسأل الله أن يُشعِرَنا بمحونا وعجزنا أمامه حتى لا يُداخلنا العجبُ والغرور.. فمن ناحية يجب أن نطمح إلى أعلى الكمالات، ومن ناحية أخرى أن نتحرّك مدرِكين عجْزَنا عن الوقوف والاستواء بدون فضل الله وعنايته عز وجل.

ومهما تعمّقْنا في العبودية يجب أن نعي أننا لم ولن نستطيع أن نؤدّي حقّ عبوديّتنا لربّنا جلّ وعلا، وحتى في اللحظات التي نستغرق فيها في العبودية علينا أن نقول بصدقٍ وإخلاصٍ: “ما عبدناك حقّ عبادتك يا معبود!”، علينا أن نتجنّب كلّ أنواع الادعاءات، ولا نطمح إلى المقامات الكبيرة، وأن نعتبر العبودية له هي أسمى المقامات، وأن نتمسّك بفكرة أن نكون بين الناس فردًا من الناس، فلا نجري وراء مقامات مثل الغوثية والقطبية والمهدية، يجب أن نعلم أن المعرفة الحقيقية هي أن نتجمّل بالتواضع والحياء ونكران الذات ونحن نحلّق في سماء العبودية.

ولا يمثّل هذا الموقف تناقضًا بالنسبة للإنسان، كما أنه ليس شعورًا بالدونية، إنما هو نتيجة طبيعية للتعامل وفقًا لمقتضى الحال.. هذا هو الموقف الذي يجب أن نتبنّاه في عبوديتنا لله رب العالمين، لكن إن تمثَّلْنا الموقف نفسه مع الناس وخاصّة مع المتكبّرين والمستبدّين؛ فقد أهنَّا أنفسنا، واستولى علينا ما يُسمى بالشعور بالعقدة الدونية.

إن إظهار التواضع وإنكار الذات أمام الله يرفعنا أيّما رفعة، ويوصلنا في النهاية إلى منزلةٍ نتقدم بها حتى على الملائكة وهم عباد الله المكرمون.. فلقد ارتقى مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم بعبوديته إلى المعراج، وتقدم على الملائكة ومن بينهم جبريل وميكائيل بتواضعه لربّه جل وعلا، حتى إنه صلى الله عليه وسلم قال من باب التحدث بالنعمة: “مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا لَهُ وَزِيرَانِ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ وَوَزِيرَانِ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ، فَأَمَّا وَزِيرَايَ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ فَجِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ، وَأَمَّا وَزِيرَايَ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ فَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ[1]، ولكن كما جاء في حديث الشفاعة كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تحدّث عن مقامه ومنزلته عند ربه يقول: “وَلَا فَخْرَ”، وهو وإن لم يصرح بهذا اللفظ فقد كان قلبه ينبض به دائمًا.

وفي هذا الشأن يمثّل المقربون الذين يتبوؤون منزلةً كبيرةً عند الله عز وجل القدوة لنا؛ فلقد كانوا يتطلّعون دائمًا إلى معرفة الله، ويحاسبون أنفسهم محاسبةً قاسيةً في هذا السبيل، وينسبون كلَّ ما يملكونه لله عز وجل، لم ينسبوا شيئًا إلى أنفسهم في نجاحاتهم، بل ولم يدَّعوا الأفضلية على أحد.

فما الذي يدّعيه الإنسان لنفسه؟! وهو الذي خُلِق من ماء مهين وسيصل به الحال في النهاية إلى أن يكون عظامًا نخرة كما ورد في القرآن الكريم! أليس كلّ ما نملكه منه سبحانه وتعالى؟! ومهما كان قدر عبوديتنا له، ومهما بلغنا من المقامات فهذا لا يعني أننا وفّينا بواجبنا ومسؤوليتنا تجاهه سبحانه وتعالى، إننا عاجزون عن شكره على نِعَمه كما ينبغي، أو التعرف عليه بحقّ، أو أن نتوجّه إليه بالعبودية الحقة.. وهكذا فإن السبيل إلى الوصول إلى العبودية الحقة هو القدرة على إدراك عجزنا هذا، وعندما ندرك ذلك نكون قد توّجْنا عبوديتَنا.

هذه هي جنتنا المفقودة بالنسبة للكثيرين منا، فيجب أن نعمل على الوصول إليها، وأن نحلِّق مرة أخرى بمعرفة الله، ومحبة الله، والشوق إلى الله، وأن نرتفع أعلى وأعلى، وندفع بظهور أيادينا كلَّ ما سوى ذلك، فإن لم تكن الصلة قويّةً بين قلوبنا وبين الله ورسوله الأكرم صلى الله عليه وسلم فستظلّ الكلمات التي تنساب من أفواهنا مجرد ادعاء.. قد يكرمنا الله فنكون كلَّ شيءٍ، ولكن يجب أن ننظر إلى أنفسنا على أننا لا شيء.. وعلى هذا يتوقف انبعاث المسلمين من جديد بعد أن أصبحوا مجتمعًا نصف ميت، يسير بلا بوصلة، ولا يعي ما يفعل.

[1] سنن الترمذي، المناقب، 17.

مفهوم العطلة عند المؤمن

Herkul | | العربية

يخرج الناسُ في يومنا الحاضر لقضاء العطلة في أوقاتٍ معيَّنةٍ من العام؛ بغية أن يتخلّصوا من رتابة العمل، وينعموا بالراحة والمتعة كما يحلو لهم، فيهجرون بيوتهم في أشهر الصيف خاصّةً، ويبتعدون عن أماكن عملهم، ويتوجّهون المصايف والمنتجعات السياحية، وبينما يفعل البعض هذا ضمن دائرة الشرع يغرق الآخرون في الغفلة ويرتكبون المعاصي والموبقات؛ حيث تلهيهم أماكن العطلة والأنشطة التي تُمارس فيها عن دينهم وتُبعدهم عن ربهم، فالبعض يستغلُّ عطلته في تهدئة روحه وإعادة شحن طاقته، بينما البعض الآخر لا تزيده العطلة إلا تعبًا وإرهاقًا.

والعطلة في أحد معانيها تعني الاستسلام للخمول والكسل، بيد أننا نستخدمها اليوم بمعنى أخصّ، فماذا تعني العطلة بالنسبة للمسلم؟ وكيف للمسلم أن يقضي هذه الشريحة من الوقت؟

شأن المؤمن أن يكون في حركةٍ دائبة، فإذا فرغ من عملٍ نصب إلى عمل آخر، فهو يستريح حين يتعب من عمله، وحين يستريح يشتغل بعملٍ آخر، ولقد أشار القرآن الكريم إلى ضرورة ألا يستولي الكسل والخمول والتوقف والركود على حياة المسلم، يقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ (سورة الشَّرْحِ: 94/7-8). وعلى ذلك فإن المؤمن يجد راحته في تبديله لعمله، وانتقاله من عملٍ إلى آخر، وأيًّا كان العمل الدنيوي الذي يشتغل به لا ينسى ربَّه، ولا يبتعدُ عنه، فإذا ما ضاقت نفسه من الأعمال الدنيوية التقط أنفاسه وشغل نفسه بالصلاة والدعاء وقراءة الأوراد والأذكار.

أجل، الإنسان بمقتضى فطرته يملّ ويسأم من عمل الشيء نفسه دائمًا، فإذا ما أصابه الملل من العمل الذي يقوم به انتقل إلى عمل آخر، وتخلص من ملله وضجره بالاشتغال بأمرٍ آخر، فمثلًا حين يرهقه عملٌ ذهني أو فكري ينتقل إلى نشاط بدني، وإذا أتعبه العمل البدني اتجه هذه المرة إلى شيء ينشّط قلبه وروحه، وبذلك يكون قد أدى كلَّ ما تتطلّبه بنيتُه المادية والمعنوية، وأقبل على أيّ عملٍ يعمله بعشقٍ وشوقٍ ونشوةٍ، بلا سأمٍ ولا ضجر.

هذا هو معنى الراحة والاسترواح بالنسبة للمؤمن، فراحته في الوثوب من عملٍ إلى آخر على الدوام، ولا مكان في حياته للدعة والخمول، وهذا يعني أن يعيش المسلمُ الحياةَ بكل جوانبها المختلفة، وأن يزيح عن نفسه التعب في عملٍ ما بالاشتغال بعملٍ آخر، فإذا استوعبنا هذا الملمح اللطيف والسرّ الكبير في هذا الأمر الموجّه -في الآية الكريمة- إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم استطعنا أن نستثمر حياتنا كلها بشكلٍ أكثر بركةً وفاعلية وإنتاجية.

أجل، قد يتعب الإنسانُ من العمل الذي يقوم به، ويصيبه الضجرُ والملل من الاشتغال بالشيء نفسه دائمًا، ويشعر بالحاجة إلى الراحة والاسترواح والخروج إلى العطلة، لكن المسلم لا يقضي وقته سدًى حتى أثناء العطلة، ولا يستغرق في المتعة بلا قيد أو اعتدال، فاستراحته لا تمنعه من الاشتغال بأعمال أخرى في مجالات مختلفة، بمعنى أنه في حركة وعمل حتى في وقت راحته. 

فمثلًا مخيّمات القراءة التي ينظّمها الإنسانُ مع أصدقائه لها الكثير من المنافع الذهنية والقلبية والروحية، كما أنها فرصةٌ للراحة والاستجمام، ويا حبّذا لو أقيمت مثل هذه المخيمات في الأرياف واستَنْشَق الإنسانُ الهواءَ النقيَّ الذي تتّسم به الأرياف، وابتعد عن مشاغله الدنيوية، وانزوى في مكانٍ هادئ يروّح فيه عن نفسه، ويتخلّص فيه من تعبه؛ عندها سيأخذ قسطًا من الراحة وسيلبِّي حاجتَه إلى العطلة، ويتغذّى معنويًّا.

ولو أُتيحت الفرصة يمكن أن تُقام هذه البرامج بين الأسر، ويُشجّع الأطفال على الاشتراك فيها، ويمكن للذين يشعرون بالملل والضيق من بيوتهم وأعمالهم واشتغالهم بنفس الشيء طوال الوقت أن يجدوا راحتهم في القيام بالأنشطة المتنوعة في هذا الجوّ المتميّز، وإلى جانب الأنشطة الترفيهية يمكن مثلًا تعليم تلاوة القرآن، ومطالعة الكتب، وقراءة الأذكار والأوراد، وتنظيم البرامج النافعة.

لقد ازدادت المشاغل والأعمال واشتدت ضغوطات الحياة في عصرنا إلى أن أصبح الناس لا يستطيعون أن يخصّصوا وقتًا كافيًا للقراءة والعبادة والغذاء الروحي، وربما تكون أوقاتُ العطلة فرصةً للقيام بمثل هذه الأعمال التي لم تحن الفرصة للقيام بها في أيام العمل، فبفضل الأنشطة المختلفة ننعم بالراحة ونستثمر وقتنا بشكلٍ جيّد، فضلًا عن ذلك فإن مثل هذه الأنشطة تُبعدنا عن الجوّ الخانق المملّ للحياة اليومية، وتخلّصنا من الإلف والتعوّد، وتتيح لنا الفرصة لنعيش حياتنا بشكل أكثر حيويّة وفاعليّة.

قد يمكن للإنسان أن يقرأ وحده الكتب، ويشغل نفسه بالدعاء، وقراءة الأوراد والأذكار، ولكن إذا اجتمع عددٌ من الناس في مكانٍ ما تحملهم على ذلك النوايا الحسنة والمقاصدُ العالية، وكان مدارُ حديثهم حول الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ فسيتشكّل من خلال هذا التجمّع عالمٌ خاصّ بهم، ويتهيّأ جوٌّ مختلف لهم، ويتوطّد التآزر والتفاعل فيما بينهم.. كما أن تنفُّسَ هذا الجوِّ يخلق تأثيرًا مختلِفًا في عالم الإنسان القلبيّ والروحيّ والعاطفي، حيث ينفتح في هذا الجوّ على عوالم أخرى، وينفعل بمشاعر مختلفة، ويشعر وكأنه يسير في أروقة الجنة، ويخرج من هنالك وقد استراح ذهنيًّا وبدنيًّا، وتنشّطَ روحيًّا، وبهذه الطاقة التي استمدّها من هذا الجو يحافظ على حيويته لفترة طويلة من الوقت.

أجل، لا مجال للكسل والخمول في حياة المؤمن، فلقد كان السعي والجدُّ والاجتهاد والحركة الدائبة من المقوّمات التي رفعت المسلمين في العصور الأولى للإسلام إلى الذرى، أما ما أهلكَنَا فهو الولع بالراحة، والحرص على متعة النفس، والركون إلى الدعة والخمول، ومتى ما تخلّى العالم الإسلامي عن السعي والاجتهاد وبدأ يستسلم للنوم والراحة أصبح لعبةً في أيدي الطغاة والمستبدين.

الجميع يخرج للعطلة كما يحلو له، ويطوِّر من نظام حياته وفق ذلك، ويجدّ ويكدح طوال العام من أجل قضاء عطلة جميلة فقط.. هذا ما يفكر فيه الجميع.. أما المؤمن فلا يفعل شيئًا لمجرّد أن الآخرين يقومون به، فلديه مقوّماتٌ خاصّةٌ بحياته، ومن ثم لا يركن إلى الدعة والخمول، لا في وقت العمل ولا في وقت العطلة، لا سيما الذين نذروا أنفسهم لخدمة الدين وجعلوا فلسفتهم في الحياة العيشَ من أجل إحياء الآخرين، عليهم أن يعيشوا ضمن الدائرة التي حددت إطارها المصادرُ الرئيسة في تراثهم الثقافي، وأن يكون لديهم إرادة وتصميم على العمل على نحو لا يسمح بتسرّب الكسل والخمول إلى حياتهم، فإن شعروا بالحاجة إلى الراحة بمقتضى طبيعتهم البشرية قاموا بعطلتهم وهم يحافظون على معالمهم الذاتية.

 

الانهزام أمام نقاط الضعف

Herkul | | العربية

تكمن في طبيعة الإنسان آلياتٌ مهمّة تتعلّق بالجانب الروحي لممثّل الإرادة والإحساس والشعور واللطيفة الربانية والسر والخفي والأخفى؛ كما توجد أيضًا آليّاتٌ سلبيّة تتعلّق بالنفس يمكن للشيطان أن ينفذ منها، يمكن أن تسمّى هذه أيضًا نقاط الضعف البشرية.. ولقد تناول بديع الزمان سعيد النورسي أبرز هذه الآليات السلبية ونقاط الضعف في رسالته “الهجمات الست”[1]، وحذرنا منها؛ وهي “حبُّ الجاه والشهرة” و”الخوفُ” و”الطمعُ” و”العنصريةُ” و”الأنانيةُ” و”حبّ الدعة والراحة”، ولا جرم أن نقاط الضعف لا تقتصر على هذه فقط، فمن الممكن ذكر العديد من النقاط المتعلّقة بهذا الشأن.

قد تختلف هذه الميول ونقاط الضعف التي تتعلّق بالنفس من شخصٍ لآخر، بمعنى أن ابتلاء كلّ شخصٍ يختلف عن الآخر، فمثلًا قد يُبتلى البعضُ بحبّ المنصب، وحتى يحافظ على هذا المنصب ويستفيد من قوته؛ يرتكب الكثير من الجرائم والآثام.

ومع هذا فهناك أناس لا يعانون من هذه المشكلة ولا يرومون إلى تقلّد المناصب والمقامات، وحتى وإن عُرضت عليهم بعض المناصب مثل الإدارة أو الإدارة العامّة أو عضوية البرلمان أو الوزارة ؛ يُعرضون عنها ولا يلتفتون إليها، لكن قد يكون لديهم ضعفٌ أمام المال والثروة، وفي سبيلهما يجثون ويخضعون، ويسلكون كلّ الطرق المشروعة وغير المشروعة، ويملؤون جيوبهم وخزائنهم دون تحرٍّ للحلال والحرام، وينتهكون حقوق الآخرين، ويتنازلون حتى عن أسمى قيمهم.

وهناك آخرون لا يتغلّب عليهم حبُّ المنصب ولا حبُّ المال، ولكنهم يستسلمون لأهوائهم ورغباتهم الجسمانية، ويخضعون للحيوانية الكامنة في ذواتهم، ولقد ذهب أناسٌ كثيرون حتى اليوم ضحيّةً لهذا الضعف، وما أكثر العائلات التي تشتّتَتْ والمجتمعات التي تعفّنت من الداخل بسبب هذا الضعف!

وقد يقع الكثيرون أيضًا في أيامنا في أَسر الشهوة، وبالتالي يصبحون عرضةً لاستغلال الآخرين من شياطين الإنس والجن الذين يستغلون هذا السلاح في تقييد حركة العديد من القامات السامقة وإرغامهم على فعل ما يريدون، فإذا ما اقترفت هذه القامات ذنبًا ناشئًا عن هذا الضعف سارعوا مضطرين إلى أن يأخذوا على أنفسهم العهود والمواثيق حتى لا يفتضح أمرهم؛ ولهذا لا يقدرون على التصدي للظلم والقهر، بل لا ينبسون ببنت شفةٍ، وعند ذلك يُفسح المجال أمام الذين قيدوا ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم مستفيدين من هذا الضعف؛ لتقديم مسرحياتهم اللعينة ومؤامراتهم الخبيثة براحةٍ واطمئنان.

وهناك أناس لا يغلبهم أيٌّ من نقاط الضعف المذكورة آنفًا، فلا يركنون إلى متاع الدنيا، ولا يركضون وراء المنصب، ولا يتعلقون بالحياة البوهيمية، ولكن أكبر ضعفهم هو الخوف، وبسببه لا يُظهِرون أدنى مقاومةٍ أمام أيّ تهديدٍ أو خطرٍ بسيطٍ، بل يخضعون على الفور، ويفعلون كلَّ ما يُفرَض عليهم خوفًا من أن يقعوا ضحيةً لفاعلٍ مجهول، أو تضيع ما في أيديهم من الفرص المتاحة لهم، ورغم أن أصحاب النوايا السيئة قد عجزوا عن تقييدهم بالمال فإنهم بسبب ما يستشعرونه من خوف لديهم يجعلونهم عديمي التأثير والفاعلية، بل ويسلسلون أيديهم وأرجلهم، ويستخدمونهم كالخدم والعبيد.

ومن نقاط الضعف البشري المهمة أيضًا الجشع والطمع والشره، وكم أفلس أناسٌ بسبب هذا الضعف الناشئ عن توهّم الخلود، وطول الأمل! وهو ما أشار إليه مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم بقوله: “لَوْ كانَ لاِبْنِ آدَمَ وادِيَانِ مِن مَالٍ لَابْتَغَى وَادِيًا ثَالِثًا، وَلَا يَمْلأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إلَّا التُّراب”[2].

ومن نقاط الضعف الأخرى التي تُعتبر اختبارًا للإنسان حبُّ الشهرة، ولقد انزلقت أقدامُ كثيرٍ من الناس بسبب رغبتهم في أن يُشار إليهم بالبنان، وأن يكونوا محلَّ تقديرٍ واهتمام من الآخرين، وحرصهم على أن يتركوا ذكرًا جميلًا وراءهم، وقد يقوَى هذا الشعور لدى البعض ويشتد، فيرغبون في أن تدوم شهرتهم حتى بعد وفاتهم وليس في حياتهم فقط، فيرغبون مثلًا في أن تشارك الجموعُ الحاشدة في تشييع جنازتهم، وأن يُدفنوا داخل مقابر مقببة ومنمقة ومزخرفة، بل ويعتنون عناية خاصة بما يُكتب على شواهد قبورهم بعد وفاتهم، ولا أدري بمَ ينتفع الميت من هذا الأمر، فمنكرٌ ونكير لا يلتفتان لهذه الأمور! أجل، إن حبَّ الشهرة قد أذلّ كثيرًا من الناس حتى اليوم، وجعلهم يرتكبون الكثير والكثير من الآثام.

والذين راحوا ضحية هذه النوعية من نقاط الضعف لم ينصفوا إنسانيتهم، بل انهزموا أمام حيوانيتهم، وأصاب الشللُ والقصور خصائصَهم البشرية، فهذه النوعية من نقاط الضعف تنخر في جسد الإنسان مثل السوس في الشجر، وتمنعه من أن يعبر عن نفسه بقوة وشجاعة، أو أن يصدح بالحق والحقيقة، ولهذا يتحوّل إلى شيطان أخرس أمام الظلم والجور، ولقد كُتب على الكثير من البائسين أن يعيشوا مثل المفلوج الذي عجزت يداه عن الحركة في هذه الدنيا البائسة التي انطفأ نورها وأظلم نهارها وتجمد ربيعها، وهذا هو سبب تحوّل الدنيا إلى عالمٍ من الظلم والقهر والاضطهاد، ويرجع ذلك إلى نقاط ضعفنا وثغراتنا وأخطائنا وعيوبنا.

والواقع أن خَلق الإنسان بفطرة مهيأةٍ لمثل هذه المشاعر ليس شرًّا مطلقًا، فثمّة مواضعُ يجب أن تُصْرَف فيها هذه المشاعر، وَجِهاتٌ لا بد أن تُصَرَّف عنها، ولذا أُدرِجت في ماهية الإنسان، لكنها تحوّلت إلى نقاطِ ضعفٍ بسبب صرفها في الاتجاه الخاطئ.. فلو أن العبد تمسّك بأركان الدين الأساسية التي هي منبع الهداية، ودخل في كنف ربه بالتقوى، وتمتّع بالدقة والحساسية في اجتناب المحرمات وأداء الفروض؛ فسيستقرّ كلُّ شيءٍ في مكانه الصحيح، ويتفادى العبدُ نقاط الضعف هذه وما يلحقها من أضرار، ويصبح إيمانه وتقواه بمنزلة الدرع الذي يقيه الذنوب والآثام، بل وينال ثواب العبادة بمجاهدته نقاط ضعفه هذه.

أجل، علينا أن نتوخّى الحيطة والحذر دائمًا ونحن نتعامل مع صنوف الابتلاء التي ذكرناها آنفًا أو التي لم يسعنا المجال لذكرها. ومن ثَمَّ يجب أن نفحص -باستمرارٍ- الأسوار التي تقينا حيل الشيطان ودسائسه وهمزاته ووساوسه، ونرمّمها على الدوام؛ حتى نسدّ الشقوق والثغرات، ولا نسمح للشيطان بالدخول من أي منفذٍ كان، علينا ألا نسمح بتغلغل شياطين الإنس والجن بيننا، وتسلُّلهم إلى عالمنا القلبي والروحي، وتحريكهم لأنفسنا الأمارة بالسوء، يجب أن نعطي الإرادة حقّها عند التصدّي لرغباتنا وأهوائنا، وأن نقاوم الذنوب والآثام بشجاعةٍ وقوّة، لا ينبغي أن نكون عبيدًا للإمكانات المادّية، والمقامات والمناصب، والصيت والشهرة، والجسمانية والشهوة… يجب ألا نتعلق بنعيم الدنيا الزائل، بل نرنو بأبصارنا إلى النعيم الأبدي، ولْنعلمْ أن الملذّات والأذواق المشروعة تكفي لمتعتنا وإشباع رغبتنا، فلا داعي ولا موجب لمباشرة الحرام.

وهذا من شأنه أن يقي الإنسانَ من الوقوع في دركات الحيوانية، ويجعله يحلّق في سماء الكمالات الإنسانية، وهذه هي أركان الطريق المؤدي إلى أفق الإنسان الكامل.

 

[1] هو القسم السادس من المكتوب التاسع والعشرين من كتاب “المكتوبات” للأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي.

[2] صحيح مسلم، الزكاة، 117.

الترابط

Herkul | | العربية

ركز بديع الزمان سعيد النورسي على ضرورة أن تقوم العلاقة بين الذين وهبوا أنفسهم لخدمة الإيمان والقرآن على التفاني الذي يعرّفه بقوله: “أن يفنى كلٌّ في الآخر؛ أي أن ينسى كلُّ أحد مزاجَه الشخصي ومشاعرَه النفسية الخاصة، ويعيش فكرًا مع مزايا إخوانه وفضائلهم”[1]. ونقول بشيء من الإيضاح: التفاني هو أن ندرك حاجةَ بعضنا للبعض الآخر، وأن نفرح بإنجازات إخواننا، وأن نؤثرهم على أنفسنا عند اللزوم، ولا ريب أن مثل هذا الأفق يشكّل مستوًى متقدِّمًا للغاية في الأخوّة الدينية التي أمر بها الإسلام، ومن يعملون بهذه الروح تترسخ بينهم وبين إخوانهم وحدةٌ كاملة نتيجة تشابكهم وترابطهم القوي فيما بينهم.. فمَثَلُهم كمَثل الحجارة التي تشكّل القبة الواحدة، يتشابكون ويتلاحمون، ويحمي بعضُهم بعضًا من السقوط.

ويلفت القرآن الكريم أنظارنا إلى مسألة الترابط فيقول: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ (سورة الصَّفِّ: 61/4). وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول معبّرًا عن هذا المعنى: الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كالْبُنْيانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا”[2].

أجل، إن القوة تنشأ عن مثل هذا الترابط القوي، فالذين يعملون معًا ويتعاونون فيما بينهم يحرزون نجاحات تتجاوز قواهم وقدراتهم الشخصية، أما الذين يعملون بمفردهم معتمدين على إمكاناتهم الذاتية دون اعتبار للآخرين؛ فإنهم وإن حقّقوا نجاحًا جزئيًّا فلن يُكتب لهذه النجاحات الديمومةُ والتأثيرُ على نطاق واسع، لكن إذا أضافوا قابلياتهم إلى قابليات الآخرين، ووحّدوا مواهبهم وقدراتهم مع مواهب الآخرين وقدراتهم، وتوجّهوا إلى هدفٍ واحدٍ؛ فسيقهرون الصعاب، ويعبرون الجبال الشامخات التي كان يُظَنّ أنها لا تُقهر.. والتاريخ حافل بأمثلة كثيرة على ذلك.

وإن مثل هذا الترابط من شأنه أن يعزّز قوّتنا المعنوية، ويمكّننا من السير إلى المستقبل دون تعثُّرٍ أو تبعثرٍ، ويشكّل قوة جذبٍ للآخرين، ويجعل من غلافنا الجوي مركزًا للجاذبية، ولا شك أن الذين يجتمعون حول فكر وشعورٍ واحدٍ، ويترابطون فيما بينهم؛ يجذبون انتباه الآخرين، وخاصّة أولئك الذين يتحرّكون وفقًا للمزاج الجماهيري.

الأهم من هذا كلّه أن مثل هذا الترابط يجلب المحبة الإلهية، وبالتالي العناية الإلهية، يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: “يَدُ اللَّهِ مَعَ الجَمَاعَةِ”[3]، فإذا كان الله قيّد عنايته وإعانته بترابطنا وتماسكنا على سبيل الشرط العادي، ثم فشلنا في تحقيق هذا الترابط؛ فهذا يعني أننا سنُحرَم من هذه المعونة. أما إذا ترابطنا فستشملنا العناية الإلهية، ومن شملتهم عناية الله لا يضرهم أحد، بل إنهم بفضل هذه العناية سيسيرون نحو هدفهم دون توقف أو تردد رغم كل المساعي التي تهدف لإعاقتهم.

وثمة جانب آخر للمسألة، وهو أن الأمة المحمدية لا تجتمع على ضلالة، كما صرحت بذلك بعضُ الأحاديث الشريفة، وهذا هو السبب في جعل الإجماع أحدَ مصادر التشريع الإسلامي، وتكمن الفكرة نفسها وراء تقرير القرآن بأن الشورى هي أبرز صفات المجتمع المؤمن؛ لأن معدل الخطإ بالنسبة للذين يتشاورون ويتذاكرون بعض القضايا هو احتمالٌ بعيدٌ جدًّا مقارنةً بمعدّل خطإ الشخص الواحد، فالحقيقة إنما تبزغ من تصادم الأفكار وتنوّعها، فأحيانًا يستفيد مئات الأشخاص من رأي شخصٍ واحدٍ، حيث إن كلَّ فردٍ من أعضاء مجلس الشورى يدلي بدلوه ويُسهِم بتجربته في الموضوع المطروح.

وقد تكون الإصابة في اتخاذ القرارات لطفًا خاصًّا من الله تعالى لهؤلاء الذين يعملون في إطار الوعي الجمعي نتيجة ترابطهم فيما بينهم وتشابكهم كأحجار البنيان المرصوص؛ بمعنى أن الذين يوحّدون جهودهم ويتعاونون فيما بينهم يظفرون بعنايةٍ وتوجّهٍ خاصٍّ من الله تعالى؛ حيث يوفقهم الله، ويقيهم السقوط في الضلالة والأخطاء الكبيرة.

أما الذين يتصرّفون بمفردهم فهم أكثر عرضةً للخطإ، ولا يتغيّر الوضع حتى لو كانوا دهاةً عباقرةً؛ لأن الإنسان مهما كان عالِمًا ذكيًّا فعِلمُه وفكرُه قاصران لأنهما صادران عن فردٍ واحدٍ لا يستطيع أن يدرك كلّ الأحداث والتفاصيل في آنٍ واحدٍ، فضلًا عن أن الأفراد قد يخضعون في قراراتهم واختياراتهم لأهوائهم ورغباتهم، وعلى ذلك فيجب أن نثق بالنتائج التي توصّل إليها الذين حصروا همتهم حول غاية سامية في ضوء الشورى، لا الخطط التي وضعها أحد أصحاب القدرات الكبيرة منفردين.

لقد بدأنا موضوعنا بالحديث عن التفاني والترابط والأخوة، وكل هذه أوصافٌ مهمّة وضوابط ضرورية للوصول إلى النجاح في الخدمات المبذولة، لكن تشكيل مثل هذا الترابط، وتكوين مثل هذه الأخوّة الصادقة، وحفظ روح الوحدة التي تتشكّل فيما بعد؛ يستلزم جهودًا مضنيةً، من أجل ذلك لا بدّ من خضوع الأفراد لتدريب جاد، وإن لم يُتوخَّ الحذر فربما تدخل مشاعر الحسد والغيرة في العمل بمرور الوقت، وتتعارض الأنانيات، وتنشأ النزاعات والصراعات، فترى الذين يرنون بأبصارهم نحو مقامات ومناصب معينة تحدوهم الرغبة في الظهور والشهرة والتعبير عن الذات، بل ويحاولون التأثير في الناس من خلال لفت أنظارهم إلى نجاحاتهم، وكما ينشأ هذا كثيرًا بين أهل الدنيا فكذلك قد يحدث بين أرباب الخدمة الإيمانية والقرآنية، وهذا أكثر ما أخشاه.

ينبغي للمؤمن أن يصرّ على دفن مزاياه وفضائله في تراب الخفاء، وأن يقدِّر ويبارك أصغرَ الخدمات التي تصدر عن الآخرين، وإذا كان لا بدّ من وضعِ أحدٍ في مكانٍ تستهويه نفسه فعليه أن يقدّم غيره وليس نفسه، وأن يؤثِر أخوانه على نفسه دائمًا في المقامات المادية والمعنوية.

فمن أجل أن نقي أنفسنا من الحسد، وما ينشأ عنه من حقدٍ وغلٍّ وعداءٍ فلا ينبغي إثارة عرق الحسد لدى الناس، ولا نحاول إبراز فضائلنا ومزايانا؛ فإنكم عندما تقولون: “لقد قلت هذا، وكتبتُ ذاك، وفعلت ذلك” فإنكم تحرّكون مشاعر الحسد في أعماق قلوب الآخرين؛ لأن إظهار النفس ولو بقدر ضئيل يُشعر الآخرين بالانزعاج وعدم الارتياح، وهذه هي إحدى نقاط الضعف الشديدة لدى الإنسان الذي يرغب دومًا في إبراز نفسه، وينزعج من إبراز الآخرين لأنفسهم، وقليل ما هم الذين لا ينزعجون من ذلك، ويتمكنون من قمع مشاعر الغيرة لديهم.

ولكن إذا كان علينا تقدير الناس، ولفت الأنظار إلى نجاحاتهم، والتصفيق لهم، وتشجيعهم على عمل المزيد من أعمال الخير؛ فعلينا أيضًا ألا نكلّفهم فوق ما يطيقون؛ بأن نزكّيهم أمام الله، أو نمدحهم بما يُغريهم ويُطغيهم، فإذا تكلمنا لا نبالغ فيما نقول، ولا نمدح أحدًا بما ليس فيه، ولا نقدِّره بقدرٍ فوق قدره، وأن نعمل على أن يكون كلامُنا مطابقًا للواقع، فإن تحرّكنا ضدّ هذه المعايير التي وضعها دينُنا فسننال صفعةً تنافي مقصدنا.

فالاستقامة هي من أهم آليات الأخلاق والحياة الإسلامية؛ وتعني تجنب الإفراط والتفريط، والابتعاد عن كلّ أنواع الغلو، وإظهار الأهمية اللازمة لكل شيءٍ، وبهذا المعنى يضع أربابُ الصراط المستقيم كلَّ شيء في نصابه، فيتجنبون المبالغات ومدح الناس على النحو الذي لا يطيقون، ويرون الجماليات المبذولة، ويقدرون قدر أصحابها دون الإخلال بالموازين المذكورة آنفًا؛ لأن الحديث عن الخدمات التي بذلها الآخرون، والثناء على أصحابها، والشعور بالامتنان لهم، والدعاء لهم؛ هو مقتضى الاعتراف بالجميل لهم، فالاعتراف بالجميل يشجِّع الناس ويحفزهم أكثر على فعل الخير، كل هذه مقاييس مهمّة لدرْءِ الحسد، والحفاظ على الأخوّة.

لنفترض أن لنا إخوةً يعملون في مكانٍ ما في سبيل إعلاء كلمة الله، وقاموا بأعمال عظيمةٍ ترسم البسمة على وجوهنا جميعًا، فلا بد أن نجد وسيلةً نتكلّم من خلالها عن مزاياهم حتى لا نحوجهم إلى الحديث عن أنفسهم؛ فلربما كانت تراود أحدَهم رغبةٌ في الحديث عن نفسه وأعماله، أو نوى هذا وخطّط له من قبل، فإن تداركْنا الأمر، ولفتْنا الأنظارَ إلى أعماله فلن ندع له شيئًا يتحدّث عنه.

عندما كان بديع الزمان سعيد النورسي يعدّد دساتير الإخلاص ركز على مبدإ: “الافتخار بمزايا إخواننا وشكرنا لهم”. أجل، إذا كان لا بد من إبراز مزيّةٍ أو الافتخار بها فلا بدّ أن تكون مزايا إخواننا، وليست مزايانا نحن، وبدلًا من الحديث عن أنفسنا نتحدّث عن إخواننا، وإذا كان لا بدّ من تفضيل أحدٍ فليكن إخواننا وليس أنفسنا، فمثلُ هذا الأمر يحول دون الحسد، ويقينا الكبر والغرور، ويرسِّخ روح الأخوّة فيما بيننا.

فإن لم ننتبه لذلك فلن نستطيع التغلّب على الحسد والغرور والشقاق والخلاف، ولن نحافظ على الوحدة والاتحاد فيما بيننا، ولن نعمل في وئامٍ ووفاقٍ؛ وهذا كله يحطّ من ثوابنا، ويحبط من أعمالنا، ويجعلنا نسير ونسير، ولكن دون أن نحرز تقدُّمًا فعليًّا.

[1] بديع الزمان سعيد النورسي: اللمعات، اللمعة الحادية والعشرون، ص 224.

[2] صحيح البخاري، الصلاة، 88، المظالم 5؛ صحيح مسلم، البر، 65.

[3] سنن الترمذي، الفتن، 7.

السطحيّةُ وركودُ الهمم

Herkul | | العربية

يرى “أحمد حلمي فِيلِيبَه لِي (Filibeli Ahmet Hilmi)” -وهو من المفكّرين البارزين في أواخر العهد العثماني- أن ثمَّةَ عائقين يحولان دون تقدُّم المسلمين؛ أوّلهما: ركود الهمم، والآخر: هو الاكتفاء بالمعرفة السطحية.. ووفقًا لقناعتي القاصرة: فإن اختزال تخلّف العالم الإسلامي في هذين السببين تضييقٌ للمسألة، ومع ذلك فهذان العاملان يضطلعان بدورٍ كبيرٍ في عصرنا الحاضر.

وركودُ الهمم يعني باختصارٍ: الرضا بالوضع القائم، وعدم بذل الجهد للمضيّ قدمًا.. ولقد تطرّق بديع الزمان سعيد النورسي رحمه الله إلى هذه المسألة، وبيّن أن الاكتفاء بالموجود نوعٌ من دنوّ الهمة، فإذا ما ارتضت الأمة بالركود والانحطاط في اقتصادها وثقافتها وحضارتها وحياتها العلمية والبحثية؛ فهذا يعني أنها قد استسلمت للتفسّخ والاضمحلال؛ لأن ركود الهمم ينشأ عن الكسل والبطالة، والمجتمعُ الراكدُ الثابت في مكانه لا مجال فيه للتطوّر والتقدّم، ولا مناص من تحلُّله وتفسُّخه مع مرور الوقت.

والمجتمعاتُ التي يستولي عليها ركودُ الهمم لا تستطيع مواكبة العصر الذي تعيش فيه، وحتى لو كانت على وعيٍ بعصرها زمنيًّا فإنها تظلُّ دائمًا متخلّفة من حيث العقلية عن معاصريها، والذين لا يستطيعون فهم العصر الذي يعيشون فيه يتعذّر عليهم التحكّم في الزمان، وبالتالي لا يمثّلون أيّ نفعٍ للناس في زمانهم لأن عقولهم ما زالت حبيسةً متخلّفةً في العصور القديمة، فما زالوا يستخدمون الأدوات والوسائل القديمة التي عفا عليها الزمن لأنهم لم يستطيعوا تجديد أنفسهم بما يتناسب مع مقتضيات العصر، وهؤلاء وإن اعتقدوا أنهم سيصلون إلى مكانة ما بهذه الطريقة فإنهم في الواقع على خطإٍ كبيرٍ.

أما المشكلة الأخرى التي كشف عنها “أحمد حلمي فيليبه لي” فهي السطحية.. والسطحيّةُ عكس التعمّق؛ وتعني الاكتفاء بالمعلومات السهلة البسيطة المتاحة، وإهمال القراءة العميقة، وعدم إجراء أبحاث متعمقة؛ وهذا كلُّه من المشاكل التي يعاني منها المسلمون حاليًّا، ومع الأسف هذا هو واقعُنا البائس، فلا يمكن لمن ينظر إلى الأحداث بنظرة سطحية، ومن يقرأ بسطحية، ومن يقنع بالأفكار السطحية؛ أن يطرح أفكارًا عظيمةً أو مشاريعَ متعدّدة الجوانب، فحتى الآن لم يستطع أصحاب النظرة السطحيّة للكون أن يصلوا إلى الله تعالى الذي يتجلّى بأسمائه وصفاته في كلّ الذرّات، والذين حاولوا فهم الإسلام بنظرة سطحية توصلوا -للأسف- إلى استنتاجاتٍ خاطئةٍ حوله، والذين نظروا إلى مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم بسطحيّةٍ لم يستطيعوا أن يتعرّفوا عليه بقامته وقدره العاليَين، والذين قرؤوا القرآن المعجز البيان بسطحيّةٍ قد عجزوا عن اكتشاف جواهره، بل ورأوه عبارةً عن مجموعةٍ من الأساطير. أجل، إن النظرة السطحية لا يمكن أن ترتقي بالإنسان إلى أيّ مكانة.

فرغم شيوع المعرفة وسهولة الوصول إلى المعلومات في عصرنا الحاضر فإننا نلاحظ أن السطحيّة قد ازدادت بشكلٍ أكبر، فقد بات مصدر المعرفة بالنسبة للكثيرين اليوم عناوين الصحف، ومواقع التواصل الاجتماعي، ففيهما يبحث الناس عن المعلومات التي يحتاجونها، ويسعون إلى أن يتعرّفوا على كلِّ شيءٍ من خلالهما، ولكن هذه المصادر يصعبُ عليها أن تمنحَ معلومةً أكيدةً موثوقة، أضف إلى ذلك كمّيّة التلوّث المعرفي في هذه المصادر، ففيها مقالات وأخبار وفيديوهات هدفها توجيهُ أنظار الناس إلى جانبٍ معيّن أحيانًا، وخداعُهم أحيانًا أخرى، حتى ينشغلوا بالمنشورات والجدالات اليوميّة العقيمة.. وفي هذه المصادر تُعدّ السيناريوهات، وتُصوَّر الأفلام، وتُبثّ الأخبار المثيرة، بحيث يتهافت عليها الناس، وينجرفون وراءها، ويبتعدون عن عوالمهم الذاتية، وعندها لا يستطيعون مواجهة مشاكل العالم الذي يعيشون فيه، وبالتالي لا يتمكّنون من وضع حلولٍ عمليّةٍ مفيدة لها.

الاستفادة من مستجدّات العصر

إننا لا نستطيع فهم “الكتاب المسطور” ولا “الكتاب المنظور” بأبعادهما العميقة لعجزنا عن التخلّص من السطحيّة؛ علمًا بأن هذين الكتابين قد خضعا في عصور الإسلام الأولى إلى التحليل والتدقيق، وتمّ التوصل من خلالهما إلى حقائق عديدة، فلو نظرنا إلى المؤلّفات التي حُرِّرت في القرون الخمسة الأولى للهجرة لأدركنا مدى انتعاش الحركة العلمية والفكرية في تلك الفترة؛ فقد نشأ فيها علماء كثيرون، وحرِّرت مؤلَّفاتٌ خالدة، ولكن مع الأسف تلاشت هذه الحيوية واختفى هذا التعمّق مع مرور الوقت، وحلّ محلّهما التقليد والسطحيّة. ومما يؤسَفُ له أن عصر التنوير الذي انتعشَ في مدارس الغرب مؤخّرًا لم يطرق أبواب مدارسنا في الفترة الأخيرة، فكُرِّرت المؤلفات المحرَّرة منذ قرون، ولم تُضَف إليها معلومات جديدة، ولم تُمهّد السبل للابتكارات الجديدة والتطوّرات الحديثة.

والحقُّ أن كلَّ مؤلَّفٍ من هذه المؤلَّفات كان رائعةً فنّيّةً في حدّ ذاته، وكلُّ كاتبٍ من أولئك الجهابذة الغابرين كان علّامةً في تخصّصه، إلّا أنّهم قد حرّروا مؤلّفاتهم بتأثيرٍ من حياتهم العلمية والثقافية، وبما يتماشى مع ظروف عصرهم وتطوّراته، في حين حدثت تغيُّراتٌ كبيرةٌ وثوراتٌ عظيمةٌ فيما بعد، فكان يلزم متابعة هذه التغيّرات عن قربٍ، وكان لا بدّ للعقليّة العِلميّة الإسلامية من إجراء عملياتٍ تجديديّةٍ تتناسب مع شروط العصر، ولكن حدثَ ركودٌ كبيرٌ في الفترات اللاحقة، وتعذّر علينا أن نتابع التغيّرات والتطوّرات في الغرب، فلم تُحلَّل عوالمُ الوجود والأحداثِ لا في ضوء القرآن والسنّة، ولا من خلال المعلومات الحديثة التي تمّ الوصول إليها، فلو تجاهلْنا كلَّ هذه الحقائق في أيامنا ولم نتفوّقْ على المؤلفات المكتوبة منذ قرون فلن نستطيع التخلُّص من ركود الهمم والسطحية.

كان كلٌّ من الإمام الغزالي، وفخر الدين الرازي، والقاضي البيضاوي، والإمام التفتازاني، والإمام الجرجاني، وغيرهم من العلماء؛ قامةً عاليةً، قدّموا مؤلفات رائعة تعلّمنا وسنتعلّم منها الكثير والكثير، ولكن لا يمكننا اعتبار أفكارهم بمثابة نصوص القرآن والسنة، ولا يمكننا مساواتها بفهم الصحابة رضوان الله عليهم، أو أخذُها وتلقّيها عنهم دون قيدٍ أو شرطٍ، فإذا ما نحّينا جانبًا الأحكامَ الثابتة غير المتغيّرة التي نصّوا عليها في مؤلفاتهم فلا يمكننا أن نتجاهل أيضًا أنهم قدّموا آراءً تخضع لتأثير الفترة التي عاشوا فيها، إننا لا نستطيع معالجةَ النوازل اعتمادًا على مؤلّفات العلماء السابقين وأفكارِهم وتأويلاتهم الماضية فقط، ودون الأخذ بمستجدّات العصر.. يجب أن نفهم الماضي وما حُرِّر فيه من مؤلَّفات، وأن نستفيد منها بشكلٍ صحيح، لكن لا يجب أن نُلزِم أنفسنا بها ونحبسَ عقولنا بين دفّتيها.. إن ما ذكرناه لا يستوعبه أصحابُ النظرة السطحية، فهم يُرجِعون كلَّ مسألةٍ يعالجونها إلى الماضي لأنهم لم يتخلَّصوا من التقليد رغم تغيُّر الزمان وتقدم الإنسانية في العلوم والفنون، ولذلك لا يزال التخلُّف في أن يكون قدرَنا ومصيرَنا.

في العهد الأخير للدولة العثمانية نشأ العديد من المفكّرين والعلماء المحقّقين أمثال: أحمد نعيم، وحمدي يازِرْ، وإسماعيل فَنّي، وفريد كام، وبالطبع بديع الزمان سعيد النورسي.. فهؤلاء العلماء تمردوا على الركود والسطحية والتقليد، وحاولوا فتح أعين المسلمين وتوسيع آفاقهم، بل كان هناك مَن ينتمي إلى مذاهب فكرية مختلفة أمثال “بشير فؤاد” و”جلال نوري”، ومع ذلك قاموا بجهود تجديدية مهمّة، لقد كان هؤلاء العلماء مفكّرين ومنفتحين على أعماق فكرية مختلفة بالنسبة لعصرهم.

ورغم أن رجال الدولة العثمانية قاموا بأعمال كبيرة وأبرزوا نجاحات باهرة في المجالين الإداري والعسكري فلم يتسنّ لهم -مع الأسف- إظهار نفس الحيوية والنشاط في الساحة العلمية والفكرية، لا سيّما وأنه قد حدث ركودٌ خطيرٌ في الحياة العلمية، فلم نعد نرى هذا العشقَ المفرِطَ للعلمِ والحقيقةِ والبحثِ والدراسةِ في الدولة العثمانية كما كان الحال في القرون الأولى للإسلام.. ومع ذلك فقد نثرت الدولةُ العثمانية -بتأثيرٍ من مكتَسَبات الماضي- ما في جعبَتِها من جواهر، وأنبتت ما في أرضِها من ثمارٍ يانعةٍ كان منها هؤلاء العلماء الذين ذكرناهم آنفًا، لقد بذل هؤلاء جهدًا كبيرًا لتمزيق حُجُب الغفلة وأستار الأُلفةِ، وإنهاء حالة الجمود في الساحة العلمية والفكرية، والانتقال من التقليد إلى الإبداع والتحقيق، وإثارة الحماس لدى الناس من جديد، ومع ذلك لم تحدث صحوة جماعية في الحياة العلمية والفكرية، واستمرّ هذا الوضع حتى عصرنا الحالي.

والآن دعونا نتناول هذه المسألة من بعض الجوانب:

الحلول المستدامة

يمكن القول إن النفور من القراءةِ والبحثِ مرضٌ اجتماعي، وهو من أكبر العوامل في تأخير هذه الصحوة، كما أن مدى فهمنا لما نقرؤه هو مسألةٌ جديرة بالنقاش أيضًا، فكم منا يقرأ ويُخضِع ما يقرؤه للنقاش والنقد والتحليل، ويعقد المقارنات، ويحلل ويجمع المعلومات التي حصّلها! والأصعبُ من ذلك أن عدمَ القراءة وعدمَ التعلُّم وعدمَ الفهم بات لا يحرّك فينا الشعور بالانزعاج! لقد أصبحنا نقنع بالمعلومات السطحية أو التي تأتينا عن طريق السماع من هنا أو هناك، وكما قلتُ في البداية: لا ينبغي أن ننسى وسائل الإعلام وشبكات الاتصال الرقمية التي تسبّبت في هذه المشكلة والتي تستحوذ على الجميع اليوم.

قد تبدو هذه السطحيّة عاديّةً إلى حدٍّ ما بالنسبة للناس العاديّين، ولكن المؤسف أن المشتغلين بالعلم حتى لم يتخلّصوا أيضًا من هذه السطحية، فمثلًا لماذا لا يعرف الشخص الذي يعمل في مجال علم الاجتماع كلَّ ما هو ضروريٌّ لمعرفته حول هذا الموضوع؟! لماذا لا يقوم الشخص المتخصّص في الاقتصاد بتدريب نفسه جيّدًا في هذا المجال؟! ولماذا لا يفتح العلماء المتخصّصون في العلوم الإسلامية كالحديث والفقه والكلام آفاقًا جديدة للإنسانية؟!

طالما لم ينشأ مثقفون حقيقيّون يوجّهون المجتمع فلن يتحقّق أيُّ تطوُّرٍ جادّ.. فهذا الوضع يصبّ في مصلحة القادة المستبدّين الذين يريدون إدارة المجتمع كالقطيع، فهؤلاء لا يريدون للمجتمع أن يتعلّم ولا أن يكون مثقّفًا؛ لأنهم يعتقدون أن “رعيَ” و”قيادةَ” المجتمع الجاهل هو الأيسر بالنسبة لهم.. إنهم يريدون مجتمعًا يوافقهم الرأي، ويفكّر على النحوِ الذي يرغبون، ولا يستطيعُ ولا يفكّرُ في تجاوزِ الحدود التي وضعوها لهم، فهم يخشون المعارضة والنقد والاعتراض، وينزعجون من وجود أشخاصٍ يسيرون على الطريق الذي يعتقدون صحته، ويدافعون عن الحقيقة، ويتمرّدون على القهر والظلم؛ لأنهم يخافون من عجزهم عن قيادة مجتمع بهذا المستوى وإدارتِه وتوجيههِ في الاتجاه الذي يرغبون فيه.. ولنتذكّر دائمًا أن هؤلاء الإداريين المستبدّين يضطلعون بدورٍ مهمٍّ أيضًا في تخلّف المسلمين اليوم.

وإزاء ذلك فإنّ المهمّة التي تلقي بظلالها على عاتقنا هي إعلانُ الحربِ على كل أنواع الجهلِ والتعصّبِ والتقليدِ والسطحيّةِ وركودِ الهمم؛ وكذا استغلالُ كلّ الإمكانات التي بحوزتنا للقضاء عليها، ومن الضروري أن نبذل قصارى جهدنا لإثارةِ حماسِ الناس وعشقِهم للقراءة والبحث والتفكير من جديد، ولا ننسَ أن الجغرافيا التي نعيش فيها تحتاج إلى أنشطةٍ تأهيليّةٍ وإصلاحيّةٍ مستدامةٍ، وليس إلى إسعافاتٍ أوّلية مؤقّتة أو حلول تضميديّة أو مسكّنات قصيرة المدى، قد ننجحُ في إنعاش الناس إلى حدٍّ ما إذا جعلناهم يتنفسّون من خلال أسطوانات الأكسجين، ولكن هذا حلٌّ مؤقّتٌ قصير المدى، ولا بدّ للمشاكل المزمنة أن تظهرَ مرة أخرى طالما لم يُطبّق العلاج المطلوب.. وبالمثل تمامًا فثمّة حاجةٌ ماسّة إلى تبديد هذا الجوِّ المظلِم المملّ الخانق الذي نعيش فيه.

ومن يستطيعون تحقيق ذلك يكونون قد قدّموا فوائد جمّةً ومُسْتَدَامَةً للإنسانية، وتركوا من ورائهم ذكرى جميلةً، وهذا يتوقّف على مدى التعرّف الجيّد على العصر، والتشخيص الجيد للمشكلات والنوازل، ووضعِ الخطط السليمة لمعالجتها، ثم بذل الجهد والعمل الجادّ في هذا الاتجاه، لا بد من أن ننشئ قواعد متينة، ثمَّ نبني عليها مباني قوية؛ جديرةً بمواجهة العواصف المدمّرة ومقاومة الأمواج المتلاطمة.

 

أجر الصبر

Herkul | | العربية

“عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ”[1]، كما أن حسناته وعباداته وطاعاته تكسبه أجرًا وثوابًا، فإنّ صبره ومثابرته في مواجهة المصاعب والمتاعب تُكسِبه أجرًا وثوابًا أيضًا، فعلى المؤمن إن أصابه مكروهٌ، أو نزلت به مصيبةٌ أو بليّةٌ تكدّره وتقضّ مضجعه أن يفكّر كيف يضخّ ثوابًا جديدًا في حوض أجره ومثوبته، وأن يسعى إلى الحصول على مرضاة الله. يقول الشاعر التركي “ضياء باشا”:

محكومٌ على كلِّ حيٍّ في هذا العالم تذوُّقُ الآلام
أروني إنسانًا عاش مرتاحًا بلا ابتلاءٍ أو أسقام

فما شَهِدَ التاريخ إنسانًا عاش دون ابتلاء، وكلٌّ يأتيه ابتلاؤه -قليلًا أو كثيرًا- حسب مستواه، ففي الحديث: “إنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءَ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ”[2]، فأحيانًا يعيش الإنسان في وفرةٍ ورغدٍ من العيش، وأحيانًا أخرى يتعرّض للشدائد والمشقّات.. وأحيانًا يسير على الطريق المستقيم في راحةٍ واطمئنان، وأحيانًا أخرى يضطرّ إلى أن يتجاوز الطرق الوعرة والمنحدَرات وأن يعبر بحارَ القيح والصديد التي تعترض سبيله.. وأحيانًا يواصل رحلته في ثقةٍ وأمان، وأحيانًا أخرى يعترض طريقَه الأعداءُ.. الحياة هكذا دواليك، ولا بدّ للإنسان أن يمضي في سبيله وهو على وعيٍ بكلّ هذا.

 فواجبُنا هو الصبرُ في مواجهة الصعوبات التي تعترضنا على طول الطريق، ومواصلةُ السير دون اكتراثٍ لهذه الصعوبات والمشقّات، فقد يواجه الإنسانُ خلال رحلته أحداثًا مفاجئةً تصدمه، فعليه حينها ألا يهتزّ أو يهلع، وليحذرْ من الانزلاق في مسبّة القدر؛ لأن مفخرة الإنسانية صلوات ربي وسلامه عليه يقول: “إنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى”[3]، وهذا يعني أن الصبر الذي يحظى بالقبول عند الله هو الصبرُ في أولى لحظاتِ وقوع المصيبة، حيثُ المشاعر في ذروة فورانها، ولم تُعرَفْ بعدُ أسبابُ الحادثة والحِكْمَةُ منها، فهنا تكمن الصعوبة؛ لأن الإنسان يمكن أن يقنع نفسه بالصبر بعد تأويله للحادث ومراجعته وتقييمه للأجر الذي سيناله نتيجة صبره، هذا أيضًا صبرٌ، ولكنه بالتأكيد لن يعادل الصبر الذي يكون عند الصدمة الأولى.

إن الصبر الذي عرّفه النبي صلى الله عليه وسلم يعود على الإنسان بثوابٍ يفوقُ ثوابَ أعظم العبادات، ويرقى به مرة واحدة إلى أعلى الكمالات وكأنه صاروخٌ انطلق لتوّه من منصّة الانطلاق، وبهذا الصبر أيضًا يجد المرءُ نفسَه في مصافِّ الملائكة الكرام، وبهذا الصبر أيضًا يرتقي الإنسان إلى أوج الكمالات الإنسانية.. وإنّ آهات المبتلين وزفرات أنفاسِ الصابرين لهي أرجى عند الله من أصدق الأدعية وأخلص أشكال التوسّل والتضرّع. يقول الشيخ “محمد لطفي أفندي”:

هل ثمة دواء أعظم من البلاء؟!
هل هناك سبب آخر للثواب والغفران؟!
هل توجد قيمة تُعادِل قيمةَ البلاء؟!
المبتلون يحبهم الرحمن

ومن ثَمّ يقع على عاتقنا أن نتوجّه إليه سبحانه متوسّلين متضرّعين أن يدفع عنا البلاء والمصائب التي نزلت بنا، وأن نعتبر كلَّ كارثةٍ تصيبنا -على الصعيد الفرديّ أو الأسريّ أو الاجتماعيّ- فرصةً للاقتراب من الله عز وجل، وأيًّا كان البلاءُ الذي نزل بنا فعلينا أن نعتبره إحسانًا بمختلف طول الموجات يرسله الله تعالى لحثِّ عباده على التوجّه إليه، فمرادُ الله تعالى من هذه البلايا أن يصل بنا إلى التوحيد الحقيقي، فنقوم الليل من أجله، ونذرف الدموع في حضرته.. إنه سبحانه يريد أن يرانا ونحن نتوجّه إليه بأنّاتنا وآهاتنا، ونتضرّع إليه سبحانه وتعالى بأدعيتنا وخشوعنا.. ولذلك من الضروري أن نحوِّل البلايا والمصائب إلى فرصةٍ للاقتراب من الله بدلًا من التذمّر منها.

ويمكن أن نفكّر على العكس من ذلك: قد تبدو بعض المكاسب الدنيوية التي نتحصّل عليها حلوةً خضرة بالنسبة إلينا، فمثلًا قد نطرب بتصفيق الناس وتقديرهم، ونستغلّ سيكولوجية الجماهير ونجرّهم وراءنا.. وقد نكون أصحاب مقامٍ وسُلطةٍ نتحكّم بهما في القوّة السياسيّة والاقتصاديّة، وننشئ من خلالهما سلطنتنا، لكن يجب أن نعلم جيّدًا أن كلّ هذا لا يَزِن عند الله جناح بعوضةٍ، فهذه كلُّها قد تكون فخاخًا وحيلًا شيطانيّة، فلو لم تستغلّوا الإمكانات والفرص المتاحة لكم في سبيل إقامة صرح روحكم فليس لكم من عملكم إلا المشقّة والتعب، وكلُّ شيءٍ لا يخدم غايتكم السامية عبثٌ وخداع.

ما هي غايتنا السامية؟ ما هي غاية حياتنا التي ينبغي ألا تغيب عن بالنا لحظةً واحدةً؟ أليست هي إعلاء كلمة الله؟! أليس تحبيبُ الله ورسوله صلى الله عليه وسلم إلى الناس هو الغاية التي ألقت بنا في الطرقات وشكّلَت سعينا نهارًا وآهاتنا ليلًا؟! أليست هي تحفيز القلوب على الوصال به سبحانه وتعالى عن طريق كسر الحواجز وإزالة العقبات بين الله والعباد؟! أجل، لا قيمة عند الله للسلطنات الدنيويّة ولا تعدل عنده جناح بعوضة، أما الخدمات الصغيرة التي تؤدَّى في سبيل إعلاء كلمة الله فإنها تفوقُ الجبالَ وزنًا عند الله سبحانه وتعالى.

فإن سلكتم هذا الطريق، وحصرتكم همّتكم على تحقيق هذه الغاية، وبذلتم وسعكم في هذا السبيل؛ فلن تعوقكم التعرّجات، ولن تضلّكم المنعطفات، ولن تنخدعوا بمكر الشيطان ودسائسه، ولن تغرّكم أنفسكم، ولن تستسلموا لأنانيّتكم، ولن تنهزموا أمام رغباتكم ونزواتكم، فإذا كانت حياتكم قائمةً على الغايات والمثل العليا فستكون عاقبتكم على ما حَيِيْتُمْ عليه، ثم تستقبلكم الملائكة بالتحية والترحاب قائلةً: (سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين).. فهل تفضّلون الدنيا وزينتَها وأبّهَتها أم احتفاءَ الملائكة ومباهاتها بكم؟! وهل تفضلون أن تسيروا في طريقٍ ينتهي بكم إلى قبرٍ مظلِمٍ أم في طريقٍ ينتهي بكم إلى أجواء مليئةٍ بالبهجة والسرور؟! هل تريدون أن تتبعوا خطوات الشيطان أم هديَ الحبيب صلى الله عليه وسلّم؟! يجب على الإنسان أن يحسن الاختيار منذ البداية، فينتخب الطريق الصحيح الذي يسير فيه، فإذا ما اختار طريقه أولًا فلن يكون هناك داعٍ للخوف والقلقِ من أيِّ شيءٍ.

ومعلوم لدى الجميع أن الأعداء يشعرون بعدم الارتياح لسير الناس في سبيل الله، ويبذلون قصارى جهدهم لردعهم عن الطريق الذي يسيرون فيه ويضعون لهم العصيَّ في العجلات، ويرونهم حقيقين بكلّ أذًى واضطهادٍ، ويسعون ما استطاعوا إلى الإساءة إليهم.. فما انقرضَ الظالمونَ يومًا، وكما تقول العبارة المشهورة: “إن لكل موسى فرعونًا”، فكم من فرعونٍ ونمرودٍ وقفَ أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم! وكم اضطرّ السلفُ الصالح إلى مكافحة المفسدين والظالمين! وإذا ما نظرنا إلى تضرُّعات المجدّدين العظام فيما بعد -وهم في حالة الاضطرار- فسندرك كم كان هؤلاء أيضًا يعيشون في كربٍ دائمٍ!

إن الوفاء بحقِّ دائرة الأسباب هو ما يقتضيه احترامنا لأوامر الله التكوينيّة، لكن السائرين في طريق الأنبياء لا بدّ أن يتعرَّضوا لما تعرَّضَ له أنبياؤهم من ظلمٍ وطغيانٍ، فواجبُنا بعدَ بَذْلِ الجهد أن نتحلّى بالصبر الجميل إزاء هذا كلّه. يقول الشاعر “إبراهيم تنوري”:

ما أعذب البلاء إن كان من جلالِهْ!
وما أحلى الوفاء إن كان من جمالِهْ!
فكلاهما للروح صفاء
فما أحلى لطفه! وما أعذب قهره!

وثَمَّة حكمةٌ جميلةٌ تقول: “الصبرُ هو المفتاح السرّي للوصول إلى الخلاص وتحقيق المأمول”، فمن ظفرَ بهذا المفتاح نجح في فتح العديد من الأبواب بإذن الله.

الخلاصة: قد يكون هناك غُولٌ يتربّص بنا في كل زاوية، وقد تنهال علينا المصائب والبلايا من كلِّ ناحية، وما يجدرُ بالمؤمن في هذه الحالةِ هو أن يتحلّى بالصبرِ ورباطةِ الجأش والثقة، ويتحمّل الشدائد والمشقّات، وألّا يسمح للذعر بالتسلّلِ إلى قلبه ولا ينكص على عقبيه.. وعلى الجانب الآخر فقد تُظْهِرُ الدنيا مفاتنَها وحلاوتها وخضرَتها؛ فالجديرُ بالمؤمن أن يصبرَ أيضًا على مفاتنها وألّا يتعلّق بلذائذها المؤقّتةِ الزائلة، وأن يواصل سعيه في سبيل إقامة صرح روحه.. فلا بأس في حياةِ الفقر والعَوَزِ، ولا بأسَ في الرحيل عن هذه الدنيا الفانية بلا مالٍ أو مُلْكٍ، أو أن تعترض حياتَنا الشدائدُ والصعابُ، المهمُّ هو أن نخرجَ منها غانمين فائزين.

[1] صحيح مسلم، الزهد والرقائق، 64.

[2] مسند الإمام أحمد، 45/10.

[3] صحيح البخاري، الجنائز، 32، 43؛ صحيح مسلم، الجنائز، 14، 15.

استغلال الظلم والطغيان لصالحنا

Herkul | | العربية

استثمار الظلم والاضطهاد

سؤال: يشيع الظلم والاضطهاد في معظم أرجاء العالم الإسلامي، فماذا يعني كل هذا بالنسبة لنا؟ وما الذي يجب القيام به إزاء المشهد الحالي؟

الجواب: لا جدال في شيوع الظلم والاضطهاد والاستبداد والتحكم والتسلط والقمع في شتى أرجاء العالم الإسلامي اليوم ولو بمستويات مختلفة، وليس هذا بجديد، بل هي مشكلة قائمة منذ قرنين أو ثلاثة، ويمكن القول إن العالم الإسلامي منذ أكثر من قرن وهو يرزح تحت نير الاحتلال، ربما انتهى الغزو المعلَن أو ما يُسمى بالاستعمار، ولكن تلاه غزو خفي وهذا أخطر وأشدّ منه بكثير، فالقوات الاستعمارية لم تدع المسلمين وشأنهم؛ ذلك أنهم فتحوا المدارس، ونفذوا مشاريع مختلفة، وربوا من خلالها أشخاصًا يرونهم قادرين على تمثيل أفكارهم الخاصة، وأبرزوهم وقدموهم على أنهم النخبة المثقفة في تلك الدول، وقلدوهم أكثر المناصب حيويةً في الإدارة والاقتصاد والبيروقراطية والإعلام… إلخ، وعهدوا إليهم بالوظائف الحساسة والمواقع الإستراتيجية، إلى أن جعلوا على رأس هذه الدول رجالَهم الموثوقين لديهم في شتى أرجاء العالم، وتحكموا في مقدرات هذه البلاد من خلالهم.

لقد سبق وأن طرحت رأيي حول مصطلح العالم الإسلامي في مناسبات مختلفة، فالرأي عندي أنه لا يوجد الآن ما يُسمَّى بالعالم الإسلامي؛ فعند النظر إلى الوضع العام للمسلمين اليوم لا تقع أعيينا على جماعات إنسانية مثالية، منفتحة الأفق، تتسم بالنظام والانتظام، لها غايات سامية، ومظاهر أنيقة، وأهداف رصينة، أو لها إنجازات سابقة تنبئ عما يمكن إنجازه في المستقبل، وكأنها راضية بما تتعرض له من بؤس وتشرّد وظلم واضطهاد، ففي ظل هذا الوضع لا نستطيع حتى استثمار الظلم والاضطهاد اللذين نتعرض لهما لصالحنا؛ ولهذا فإنني أخشى أن أسيء الأدب مع الإسلام عندما أنسب مثل هذا العالم إليه قائلًا: “العالم الإسلامي”.

كان من المتوقع أن يتسبب كلُّ هذا الألم والآهات في ظهور صحوةٍ ما، وكان من المنتظر أن يُثير الظلم والاضطهاد انفعالاتنا، وأن يشحذا إراداتنا، وأن يحفّزا فكرة الرجوع إلى القيم الذاتية لدينا، وأن يكونا بمنزلة المنارة التي تهدينا إلى الطريق القويم.. ولو حدث هذا لقلنا إننا خرجنا رابحين من أتون الظلم والاضطهاد؛ لأنه لا يُعدّ خاسرًا من يقدّم واحدًا اليوم ويربح عشرةً غدًا.. إن هذه البلايا والمصائب تقول لنا أحيانًا بلسان حالها: “لقد حَبَوْتم بما فيه الكفاية، فهيا عودوا إلى رشدكم، وقوموا واستووا على عودكم”. وهناك مثلٌ يشيع على ألسنة العامة يقول: “أحيانًا تكون المصيبة الواحدةُ كفيلةً بتعليمنا ما عجزت عنه ألفُ نصيحة”؛ أي إن من يحسن قراءة الرسالة التي تأتي بها المصيبة ويتعلّم ويعمل بمقتضاها لا يُعدّ خاسرًا.

انطلاقًا من هذه التجارب المؤلمة التي عشناها يجب أن نحسن تحديد وتشخيص ما نحتاج إلى الحصول عليه فيما بعد، فحتى الآن لم ندع بابًا ما طرقناه ولا قائدًا لم نجرِ خلفه، ولكن في كلِّ مرّة نرجع صفر اليدين، ولا نستطيع الحصول على ما نأمله.. فكانت طريقُنا دائمًا وعرةً يصعبُ السيرُ فيها؛ لأننا كنّا نحاول -باستمرارٍ- الوصولَ إلى الهدف بأساليب الآخرين وبوصلتهم، والواقع أن هذا كلّه يقول بلسان حاله: “كفى تجوالكم في الأودية الأخرى، فقد فعَلْتُم ما فعلتم ولكن لم تجدوا بغيتكم، فارجعوا إلى دينكم من جديد، وعودوا إلى مصادركم الذاتية، وستجدون ما تأملون”.

 حاصل القول: إن الخسائر التي مُنينا بها حتى اليوم هي نتيجة ابتعادنا عن قيمنا الذاتية، والطريق الأمثل لتلافي هذه الخسائر هو العودة إلى قيمنا الذاتية مرة أخرى.

من جانب آخر إن الإنسان إذا تمكّن من إدراك المشاكل والأزمات التي يعيشها بعمقها الذاتي فسيشعر أنه وقع في مأزقٍ، فإذا وعى ذلك بدأ ينتفض للتخلّص من هذا الوضع، أما المؤمن فيأخذ في التوسّل والتضرّع إلى الله بشكلٍ غير مسبوق.. وهكذا فإننا إذا توجهنا إلى الله بعجزنا واضطرارنا فسنكون قد سلكنا وسائل الكسب من جديد، وبرجوعنا إليه تعالى مرة أخرى -وهو المعبود بحقٍّ والمقصود بالاستحقاق- نكون قد نجونا من السير على غير هدًى بلا معبد أو معبود، وحينما تنقطع الأسباب كلّيّةً، ونشعر بعجزنا تمامًا نتوجّه إليه سبحانه وتعالى، ونبثّه شكوانا، وننتظر المدد منه فقط لا من أحد سواه، فهو ملجأُ العاجزين وملاذ المضطرين.

فلو أثار الظلم والاضطهاد فينا مثل هذه الأفكار وحرّكانا في هذا الاتجاه لكنا استغللناهما لصالحنا، ولكن للأسف أثار الضغط والقهر والظلم في المسلمين العنفَ والتعصّبَ أحيانًا، وشجّعت على ذلك بعضُ الدوائر التي أساءت استخدام إحساسنا بالقهر والاضطهاد، ولذلك ظهرت بعض المنظمات الإرهابية والعمليات الانتحارية دون النظر إلى جواز ذلك في الدين أم لا! ودون اعتبار هل يمكن الوصول بذلك إلى الهدف الصحيح أم لا؟! والحال أن كلّ هذا لم يزد الأمور إلا سوءًا، ولم يُفِد إلا في زيادة المظالم والاضطهادات القائمة ودوامها؛ لأنه من الواضح أن الأهداف الصحيحة لا يمكن الوصول إليها بالطرق والأساليب الخاطئة.

ومن ثَمَّ لا بد التركيز على نوعية الطريقة والإستراتيجية التي يجب اتباعها من أجل الخروج من الأزمة التي نتخبط فيها، والتغلب على مشكلة الهوية التي نعيشها، وإعادة تهيئة أنفسنا وترتيبها من جديد، فإن لم تُحدّد الطريقة الصحيحة للنضال أو تُوجّه قوة المسلمين وطاقتهم في الاتجاه الصحيح؛ فإن الخطوات المتخذَة قد تؤدي إلى عكس الهدف. وفي هذا الصدد وضع لنا بديع الزمان سعيد النورسي منهجًا ذا أهمّيّةٍ بالغة؛ ركّز فيه على مسألة الإيمان، وأكّد على التحرّك الإيجابي، وشدّد على ضرورة إدخال السيف المادّي في غِمده، مشيرًا إلى أن الغلَبَةَ على المدنيين إنما تتحقّق بالإقناع لا بالضعط والإجبار”[1].

أجل، إن أول ما يجب القيام به في هذا الخصوص هو تجهيز كلّ فردٍ بالإيمان تجهيزًا كاملًا، فالذين يؤمنون بالله ويرتبطون به من صميم قلوبهم يتحرّكون وفقًا للمبادئ التي غرسها الإيمان في قلوبهم، وينشرون الأمان ويبثّون الثقة فيمن حولهم، فلا يكونون بيدقًا لأحد، ولا يتقبّلون الأفكار التي تتعارض مع مشاعرهم وأفكارهم، ولا تنطلي عليهم حيلة أحد، فإن اضطروا إلى مكافحة الدوائر المجبولة على العداء واصلوا كفاحهم في نطاق الإطار الذي حدده الدين.. لا يفكّرون في الموت أو القتل، بل يحرصون على الحياة من أجل إحياء الآخرين.

الأساس في ديننا هو الحياة والإحياء، فالموت في حدّ ذاته ليس بمهارة أو دهاء، إن الإنسان في الحرب لا يحارب من أجل الموت، فالأصل هو الحفاظُ على “الدين والنفس والعقل والنسل والمال “، وحمايةُ صرح الإسلام، نحن لا نسعى للموت ولكن إذا ما لاح أمامنا أثناء الحفاظ على هذه الأشياء أقدمنا عليه وألقينا بأنفسنا في أتونه، فالموت في هذا السبيل يعني قيمة كبيرة، فإذا ما ظهرت صحوةٌ عامةٌ في أي مكانٍ بالعالم فنحن على استعدادٍ للتضحية بأرواحنا جميعها ولو كان لأحدنا ألف روح، لكن استهدافَ الموتِ بشكل مباشر قد يكون أحيانًا هروبًا إلى الأيسر، فالأصل هو السعي للانبعاث كلَّ يومٍ في سبيل إحياء الآخرين، فعلى الإنسان أن يستثمر الحياة وما فيها من فرصٍ هيأها الله له حتى يُكسبها -أي الحياة- قيمتها الحقيقية، ولا يبيعها بثمن بخس، وليحقّق بفضلها غايةً ساميةً هي خيرٌ من الدنيا وما فيها.

فمن المتعذّر أن نستعيد كرامتنا التي فقدناها بأناسٍ لم يصلوا إلى الكمال في الإيمان، ولم يتجهّزوا بما فيه الكفاية من حيث الدين؛ أي لا يستهدفون غايةً ساميةً، ولا يعرفون العالم الذي يعيشون فيه، ولا يدرون ما هي الآداب والأركان، ولا بأناسٍ يبتغون كلَّ شيءٍ جاهزًا؛ همّتُهم ضعيفةٌ، وقلوبُهم خاوية، ولهذا السبب ما زلنا نعيش في الظلم والطغيان، ولا نستطيع أن نستغلّهما لصالحنا.. فعلى الرغم من وجود أشياء إيجابية قد تمّ إنجازها هنا وهناك، فإنه من الواضح أننا لم نستطع القيام بما ينبغي.

وإن السبيل إلى تحسين هذا الوضع المؤسف هو التحلّي بالإيمان السليم والفكر المستقيم، إلى جانب العمل بحزمٍ وعزمٍ وإصرار واعتدال.

[1] بديع الزمان سعيد النُّورْسِي: سيرة ذاتية، ص 116.

مرض الكبر

Herkul | | العربية

الكبر داء عضال، أضلَّ الشيطانَ، وجعله يحيد عن الطريق القويم، وما زال يغوي تلامذتَه وأتباعه في كل عصر وحين.. بل يمكن القول: إن الشيطان يتوسّل بهذه الصفة الشنيعة التي أبعدته عن ربه لإغواء تلامذتِه وإضلالهم، فيزيّن لهم أنفسهم حتى يروها كبيرة، ويستولي عليهم جنون العظمة شيئًا فشيئًا، ولا ينتهي الأمر عند هذا الحد، بل يرغبون في أن يعترف الآخرون بعظمتهم، وأن يتوجهوا إليهم بالتصفيق والتهليل، وأن يُسمعوهم كلمات المديح والإطراء والمداهنة.

لا جرم أن الكبر مرضٌ نفسيٌّ وداءٌ قلبيٌّ، وليس من السهل لمن أصيب بهذا المرض ونخرت جرثومتُه في بنيته أن يظلَّ راسخًا وثابتًا على إيمانه؛ لأن الكبر من أخطر العقبات التي تحول دون دخول الإنسان إلى الدين، كما أنه عقبةٌ كؤودٌ تمنع الإنسان من الثبات على الدين، وإن هؤلاء المتكبرين لَيتجوّلون في وديان النفاق تارةً، ويتدحرجون رأسًا على عقبٍ في مهاوي الكفر تارة أخرى.

أجل، قد يبدو هؤلاء الذين أصيبوا بداء الكبر مسلمين شكلًا وقالبًا؛ يفعلون ما يفعل المسلمون، يصلّون كما يصلّون، ويصومون كما يصومون، ولكن صلة الأغلبية منهم بربهم إما ضعيفة للغاية وإما لا توجد تمامًا؛ لأنهم غافلون لا دراية لهم بماهيتهم، جاهلون لم يستطيعوا التعرّف على ربّهم بحق، مخدوعون لم يستطيعوا تحديد العلاقة بينهم وبين ربهم بشكلٍ صحيحٍ.

إن الصفات المذمومة مثل العُجب والفخر والغرور والكبر -على حد تعبير الإمام الغزالي- من المهلكات؛ أي إنها جراثيم تودِي بالإنسان إلى المهالك والكوارث، فإذا مرض الإنسان وانهزم أمام هذه الجراثيم فلن يُنجيه ذهابُه إلى المسجد وصلاتُه وصيامُه من العاقبة الوخيمة؛ لأن في وجود هذه الأمراض استجلابًا واستدعاءً لأمراض أخرى.. فهؤلاء الحمقى المتغطرسون الذين اعتادوا النظر إلى الآخرين من برجٍ عاجي ينتقلون من مرضٍ إلى آخر، ويدورون في دائرة مفرغة من الأمراض، فإذا ما أبحروا في مثل هذا المحيط أو بالأحرى في مثل هذا الغي مرةً؛ لا يمكنهم الرجوع مرة أخرى، ولا يستطيعون التخلّص من ذنوبهم الفكرية والبدنية التي ساقهم إليها كبرهم.. حفظنا الله!

الإسلام الحقّ

التواضع والخجل ونكران الذات مبادئُ أساسيةٌ ومهمّة للغاية في الإسلام.. لا سيما لمن كرّسوا حياتهم لخدمة الإيمان والقرآن، وذلك كي يعرفوا مكانتهم عند الله عز وجل، ويكونوا على دراية بفقرهم وعجزهم، ويكونوا قادرين على إنكار ذواتهم باستمرار، ويتحاشوا أيّ ادعاء أمام الله، ويتحلّوا بالتواضع، ويخفضوا أجنحة التواضع لجميع المخلوقات، حتى إذا ما وقفوا أمام المرآة، ونظروا إلى أنفسهم أو شاهدوا أنفسهم في مرايا وجدانهم بحسب بنيتهم الداخلية قالوا: “ألف ألف الحمد لله على هذا القدر الذي وصلتُ إليه، وكان من الممكن ألا أبلغه، فالحقّ أنني أقف بعيدًا عن الإنسانية الحقّة والإسلام المثالي، فشتّان ما بيني وبين الإسلام، وهيهات بين ما وضعني الله فيه وبين ما أتجول فيه الآن”.. ولكن من المهمّ ألا تكون هذه المشاعرُ مُصطنَعةً أو مجرّد كلامٍ يتفوّه به اللسان، بل يجب أن تكون نابعةً من صميم القلب.

والواقع أن وقوف المؤمن أمام الله خمس مرات في اليوم، وركوعه وسجوده له سبحانه وتعالى؛ رموزٌ تشير إلى التواضع ونكران الذات، والإنسان من خلالها يتذكّر موقعه أمام الله، ويدرك أن الكبر والغرور لا يليقان به؛ لأن الكبرياء والعظمة من صفات الله عز وجل.. وفي الحديث القدسي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: “الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا، قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ”[1]؛ لأن من يدّعي الكبر أمام الله يكون كمن جعل نفسه شريكًا مع الله.. بناءً على ذلك ينبغي لنا ونحن نصلّي أن نستشعر في وجداننا كلَّ المعاني التي تذكّرنا بها الصلاة، وأن نجعلها صدى قلوبنا، وجزءًا لا يتجزّأ من طبيعتنا.

أما من لم يستطع أن يجعل التواضع ونكران الذات جزءًا من طبيعته؛ فلن يستطيع أن يحدّد موقعه بشكلٍ صحيح، أو يعيش حياةً محورُها المحاسبة والمراقبة، وبالتالي لا يستطيع أن يرى أخطاءه وعيوبه، وطالما لم يستطع أن يراهما فسيظلّ يبحث عن المذنب في الخارج، ومن لا يرَى عيبَ نفسه يبحث عن عيب غيره، ومثل هذا الشخص يتخبّط في دوّامة الأنانية، ويلجأ إلى شتّى السبل للتّستّر على عيوبه وقصوره، وعند اللزوم يضع أجندات مصطَنَعةً، ويبحث عن مذنبين جددٍ، ويلقي بالتبعة عليهم، ويُشغل الرأي العام بهم، غرضُه من ذلك أن يوجّه الأنظار إلى اتجاهات أخرى حتى لا ينقِّب أحدٌ عن مساوئه، ويتهرّب من الأخطاء والذنوب التي اقترفها بشكلٍ أو بآخر.

المنافق أشدّ خطرًا من المشرك

بعض الأشخاص يحملون مرض النفاق بجانب الكبر، وكلُّ واحدٍ منهما يغذّي وينمّي الآخر، لكن أخطر هؤلاء الأشخاص هم الذين يُضمِرون العداء للإسلام والمسلمين رغم أنهم يشهدون الصلاة ويتظاهرون من المسلمين؛ لأنه من الصعوبة بمكان التعرّف على هؤلاء بوجوههم الحقيقية، وإننا لا نسيء الظنّ بمن يزاحموننا في الصف الواحد، ويركعون ويسجدون معنا، ويطوفون حول الكعبة ويعتمرون معنا، فمظهرُهم الصالح يخدعنا ولهذا كانوا أخطر أعداء الدين.

لقد عانى النبي صلى الله عليه وسلم في مكة من أعداءٍ على شاكلةِ أبي جهل وعتبة وشيبة وابن أبي معيط، ولكن المعاناة تضاعفَتْ عندما انتقل إلى المدينة، فبعدَ أن كان يواجه الكفر الواضح بات يواجه المنافقين من ذوي الكفرِ الخفيّ وعلى رأسهم عبد الله بن أبيّ بن سلول، فقد كان يشهد الصلاة مع الصحابة رضوان الله عليهم، ويقول بما يقول به المسلمون، ويفعل ما يفعلون، وبالتالي لم يستطع أحدٌ أن يميّز هل الكلمات التي تنطلق من بين شفتي مثل هذا المنافق نابعةٌ من صميم قلبه أم لا؟!، إذ لا بدّ من فطنةٍ نبويّةٍ يمكنها التعرّف على حقيقة هؤلاء المنافقين؛ لأن هؤلاء كانوا ماهرين في التخفّي والتمويه، يتظاهرون أنهم ملائكةٌ رغم أنهم شياطين في الحقيقة، ولهذا كان يصدّقهم الكثير من الصحابة، فإذا ما همّ أحدٌ بمعاقبة المنافقين؛ دافعوا عنهم قائلين: “كيف تفعلون هذا بأخ ٍ لنا من المؤمنين؟!”.

إن ممّا يؤسَفُ له أنّ الكبر والنفاق انتشرَا كثيرًا في عصرنا الحاضر الذي يسميه بديع الزمان سعيد النورسي بعصر “السفياني”.. ولهذا العصر مراحل مختلفة لا يمكن الجزم متى ستنتهي، فستظل هذه المراحل وتدوم حتى اللحظة التي يتنبّه فيها المؤمنون ويميزوا بين الحقّ والباطل، ستظلّ شبكة النفاق تستميل المسلمين السذّج، وتجرّهم حيث تريد، وتستخدمهم وتجعلهم يفعلون ما تتمنّى، وبالطبع ستضيع أجيالٌ عديدة في هذه الفترة.

لهذا السبب فإننا بأمسّ الحاجة إلى الإنسان الذي ينقصم ظهره تواضعًا ومحوًا أمام الله، الذي يعنّف نفسه ويوبخها باستمرار، فالمؤمن الحقّ الذي يؤمن بالله صدقًا لا يأخذُه الغرور من عبارات المدح والثناء التي تنهال فوقه، بل إنه يعتبر المديح إهانةً وسُبةً له، ويشعر بالحرج عندما يُصارَح بنجاحاته التي حقّقها؛ لأنه يعلم أن صاحب كلّ هذه النجاحات هو الله سبحانه وتعالى، والذين يخدمون الإنسانية ويحاربون النفاق والسفيانية هم أبطال التواضع هؤلاء.

[1] سنن أبي داود، اللباس، 29؛ سنن ابن ماجه، الزهد، 16.

الانسلاخ من الأنانية

Herkul | | العربية

يذكر بديع الزمان سعيد النورسي في إحدى رسائله أن هذا العصر هو عصر الأنانية، ويوصي المسلمين بإذابة ﺃﻧﺎﻧﻴﺘهم ﻛﻘﻄﻌﺔ ﺛﻠﺞٍ ﻓﻲ حوض الشخص المعنوي المترشّح من المجموعة[1]، وبالرغم من أن إذابة الثلوج في القطبين -الشمالي والجنوبي- تضرّ بالتوازن البيئي إلا أن إذابة ثلوج الأنانية على العكس من ذلك، فلها منافع عديدة في حفظ التناغم على الأرض وسلامة المجتمع؛ لأن تفاقمَ الأنانية وتضخُّمَها سببٌ رئيسٌ من أسباب الصراعات والاضطرابات والخلافات في الأسرة والحياة الاجتماعية والعلاقات الإنسانية.

وإذ يُشبّه بديعُ الزمان الأنانية بِكُرة الثلج فإنه لا يقتصر على الإشارة بأن إذابة الأنانية هي الهدف دونما توضيح، بل ويرشدنا إلى كيفية تحقيق ذلك فيقول: “منذ ثلاثين سنة وأنا أصارع طاغوتين: “أنا” في الإنسان، و”الطبيعة” في العالم، فللّه الشكر والحمد، وبتوفيق الأحد الصمد، وبفيض القرآن المجيد؛ تمخّضت المصارعة عن قتل الطاغوتين وكسر الصنمين”[2].

ولم يكتَفِ من هذه المسألة بِبَسْطِها نظريًّا، بل جسَّدَ عمليًّا بمعيشته وأطواره وسلوكياته السبيل إلى العبودية الحقة والتواضع ونكران الذات.. لقد حرّر مؤلَّفات خالدةً تهدف إلى إنقاذ إيمان الأجيال، وتوضّح لهم السبيل، ومع ذلك لم ينسب شيئًا إلى نفسه من هذه المؤلفات، بل كان يخاطب نفسه دائمًا بمثل هذه الكلمات التي لا تحتاج إلى مزيدٍ من الشرح والتحليل: “فيا نفسي! لا تقولي: إنني مظهر الجمال، فالذي ينال الجمال يكون جميلًا. كلا، إنكِ لم تتمثّلي الجمال تمثُّلًا تامًّا، فلا تكونين مظهرًا له بل ممرًّا إليه.. ولا تقولي أيضًا: إنني قد اُنتُخبتُ من دون الناس كلهم، وهذه الثمرات إنما تظهر بواسطتي، بمعنى أن لي فضلًا ومزيّة! كلا، وحاشَا لله، بل قد أُعطيتِ تلك الثمرات لأنكِ أحوج الناس إليها، وأكثرهم إفلاسًا وأكثرهم تألّمًا”[3].

ومؤلفاته المعروفة بـ”رسائل النور” مشحونة بمثل هذه المحاسبات والمواجهات مع النفس.. فمثلًا يقول في موضع آخر: “يا نفسي المرائية! لا تغترّي قائلة: إنني خدمت الدين، فإن الحديث الشريف صريحٌ بـ”أَنَّ اللهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ[4]، فعليكِ أن تعدّي نفسكِ ذلك الرجل الفاجر، لأنكِ غير مزكَّاة”[5].

وما أقلّ الذين يجاهدون أنفسهم ويصارعونها ويسعون إلى تربيتها وتزكيتها مثل بديع الزمان! أحيانًا كان الأستاذ النورسي يتحدّث بنعم الله تعالى وفضله عليه، فيظنّه البعض -ممن لا يعرفونه- أنه يفعل ذلك افتخارًا ورياءً، والحال أنه رجل التوحيد الكامل الذي بلغ الذروة في عدم الاعتداد بالنفس، وعدم الاكتراث بها، وفي نسبةِ جميع الجماليات والألطاف إلى صاحبها الحقيقي، وما كان يهدف من تحديثه بنعمة الله عليه توجيهَ الأنظار إليه، بل تقوية الروح المعنوية لأولئك المحيطين به الذين يعيشون تحت الضغط والاضطهاد.

والواقع أن أصل العديد من المشاكل الأخلاقية والبشرية هو الابتعاد عن الله وعدم الالتزام بما يجب تجاهه؛ لأن من لا يعرف الله ولا يدرك عظمته وكبرياءه يداخله الكبر والغرور، ويتوهّم العظمة في نفسه، ولهذا أكد بديع الزمان سعيد النورسي في مؤلفاته على الإيمان بالله ومعرفة الله ومحبة الله، وحاول تعريف العباد به سبحانه وبأسمائه وصفاته. أجل، إن من يصل إلى شعور إيماني عميق بحقّ الذات الإلهية يرتقي في مدارج حياة القلب والروح، وينسلخ من الأنانية.

إن جوهر العبودية يتجلّى في قدرةِ الإنسان على تحديد وضعه وموقفه بشكلٍ صحيحٍ إزاء الحقّ سبحانه وتعالى، وشعورِه بعجزِه وفقره، وإدراكِه أنه لا شيء أمام الله تعالى الذي هو كلّ شيءٍ.. قد يسيء البعضُ فهمَ هذا ويرى أنه معقَّد، لكنّنا لا نتكلّم عن موقفنا تجاه هذا أو ذاك من بني البشر، وإنما نحاول تحديد موقفنا تجاه الخالق سبحانه وتعالى صاحب القدرة المطلقة والإرادة غير المحدودة، الذي يقلّب السماوات والأرض كحبّات السبحة؛ لنؤكّد على أننا لا شيءَ بالمقارنةِ مع الأبدي السرمدي اللامتناهي جلَّ شأنُه، وأن كلّ ما نتمتّع به من جماليّات ناشئٌ عنه سبحانه وتعالى.

فإن كنا نريد أن نتخلّص من هذا الجوّ الضيّق الخانق للأنانية فعلينا أن ننوِّر مجالسنا بذكر الحبيب المحبوب سبحانه وتعالى على الدوام، وأن ننسى أنفسنا، ونربطَ كلَّ شيءٍ به جلَّ وعلا، وأن تتعلّق أنظارُنا وقلوبنا به سبحانه وتعالى، فالقضايا التي لا علاقة لها به تعالى هي قضايا ثانوية مهما بدا حجمها كبيرًا، وقيمةُ القضايا الثانوية في الواقع تعتمد على مدى ارتباطها بالله سبحانه وتعالى.. إننا نجتمع أحيانًا ونتذاكر بعض القضايا لساعات طويلة، ولكن إن لم يَدُرْ حديثُنا حول الحقائق الإلهية للحبيب سبحانه وتعالى؛ فستظهر الأنانية، وستلوحُ في الأفق المواقفُ النرجسيّة، وينشأ التوتّر، وتُنزع البركة، ولا يُتوصَّل إلى النتائج المرجوّة.

فإن أثريتم مجالسكم وعمّقتموها بالقرآن والذكر والعبادات والطاعات والتفكّر والدعاء ومطالعة الكتب فسيضفي الحقُّ سبحانه وتعالى أبعادًا متنوّعة على عزمكم وجهدكم وإصراركم وسعيكم، ويوفّقكم سبحانه إلى تحقيق الأمور التي عزمتم عليها وجعلتموها غايتكم المثلى.. إنني لا أريد أن أسيءَ الظنّ بالآخرين فأقترف ذنبًا، ولكن عليّ أن أقول: إن لديّ قلقًا ومخاوف بالغة بشأن استمرار اجتماعاتنا ومباحثاتنا واستشاراتنا على هذا المنوال؛ حيث يخيَّل إليّ أننا لا نستطيع حبك نسيج أفكارنا بذكر المحبوب سبحانه وتعالى.. ويرجع السبب في ذلك إلى عدم قدرتنا على التخلّص من الأنانية، وإلى محاولتنا ردَّ كلِّ شيءٍ إلى أنفسنا، وانشغالِنا بأفكار نفسيّة مزاجيّة؛ ولذلك لا نجد بركةً فيما نقوم به من أعمال.

بناءً على ذلك لا يمكن القول إننا بذلنا جهدًا كافيًا للتخلّص من الأنانية، وجعلِ التواضع ونكران الذات جزءًا من طبيعتنا.. ربما لا يدرك الكثيرون ما يحملونه من أنانية، ولذا لا ينزعجون منها، ولا يبذلون جهدًا ولا يعملون على أنفسهم للتخلّص منها. أجل، كم إنسانًا رفع يديه إلى الله قائلًا في تحسّر وتضرّع: “إلهي! ما لي غيرك! فخلّصني من براثن هذا الوحش المسمى بالأنانية!”.. وفي الحقيقة فقد كانت هذه هي أهمّ وظائف التكايا والزوايا قديمًا؛ لقد كان الناس فيها يقومون بمجاهداتٍ وخلواتٍ ورياضاتٍ روحيّةٍ وسَيرٍ وسلوكٍ وغير ذلك من أجل التخلّص من أنانياتهم التي شكّلت جدارًا سميكًا بينهم وبين الله سبحانه وتعالى.

لا سبيل للوصول إلى الله طالما لم يتخلّ الإنسانُ عن نفسه، أما المهووس بنفسه، الذي يعيش في عالمه الخاص، ويتحدّث عن نفسه في حلّه وترحاله؛ فلا يمكن أن يصل إلى المعيّة الإلهية.. فلو كنا نريد أن نجد الله في قلوبنا ونتوجّه إليه بكلّ كياننا فلا بدّ أن نتخلّص من كلِّ العقبات التي تحول بيننا وبينه تعالى.. فلو كنا نرجو القرب والمعية -لا سيما في هذا العصر الذي أُلِّهت فيه الأنانية- فعلينا أولًا أن نبذل جهدًا مضاعَفًا من أجل الانسلاخ من براثن الأنانية.. لقد تخلّفنا -مع الأسف- عن الطرق التي ينبغي قطعُها معنويًّا لأنّنا لا نتعامل مع هذه الأمور بحقيقتها وحجمها الحقيقي.

ونظرًا لأننا لم نفكّر في هذا الأمر بما فيه الكفاية، ولم نمرِّرْ أقوالَنا وأعمالنا من مصفاة المحاسبة والمراقبة؛ لم نستطعْ أن ندرك كيف تسلّلت الأنانية بخبثٍ إلى أكثر نوايانا صدقًا، وأعظم عباداتنا إخلاصًا، وأكثر خدماتنا تضحيةً وفداءً.. إننا لا يمكن أن نفوز بالإخلاص أو نسْلَم من وساوس النفس دون جهادٍ دائمٍ وعميقٍ، المهمّ هو أن نُخلِص في الأعمال الصالحة التي نقوم بها، فوصولُ الأعمال إلى قيمةٍ تعلو القيم عند الله تعالى يعتمد على هذا الأمر، وكلُّ ما سوى ذلك عبثٌ لا طائل من ورائه بالنسبة للمؤمن، فالأصل هو مرضاة الله تعالى ورضاه والفوز بمحبته.. فيجب على الإنسان أن يستهدف هذه الغاية طوال حياته، وأن يسعى وراءها على الدوام، فإن ركّزنا كلَّ رغباتنا وطلباتنا على هذه النقطة، ونجحنا في تحقيق ذلك؛ فستتفتت أنانيّتنا، وتذوب وتتلاشى.

يجدرُ بنا أن نستمرَّ في تذكير بعضِنا بهذه القضايا التي حاولتُ عرضها، وأن نعبِّر عنها في كلِّ مكان، وأن نعيد تأهيل أنفسنا في هذه المرحلة.. فإذا انحرَفَتْ محاوراتُنا ومباحثاتُنا عن إطارها قليلًا فلا بدّ أن نعيدها إليه مرّةً أخرى دون أن نؤذي أحدًا أو نسيءَ إلى أحدٍ، ولا ننسَ أبدًا المصدرَ الذي تتفجّر منه النعم، فلو أننا تخلّصْنا من أنانيّتنا، ونسَبْنا كلَّ شيءٍ إلى الله، وربطْنا كلَّ أمورِنا به، وأدَّينا عبوديَّتنا بإخلاصٍ؛ فسيتكرّم الله تعالى علينا بنعمٍ تفوق ما أنعم به علينا حتى الآن دون أن يلتفتَ إلى صغرنا وضعفِنا وعَدَمِنا؛ لأن تحميل الأشياء الصغيرة مهامَّ عظيمةً من شأنه سبحانه وتعالى.. لا يعجزه شيءٌ في الأرض ولا في السماء وهو السميع البصير.

[1] بديع الزمان سعيد النورسي: الملاحق، ملحق قسطموني، ص 147.

[2] بديع الزمان سعيد النورسي: المثنوي العربي النوري، ص 225.

[3] بديع الزمان سعيد النورسي: الكلمات، الكلمة الثامنة عشرة، ص 248.

[4] صحيح البخاري، الجهاد والسير، 182؛ صحيح مسلم، الإيمان، 178.

[5] بديع الزمان سعيد النورسي: الكلمات، الكلمة السادسة والعشرون، ص 543.

طغاة عصرنا

Herkul | | العربية

سؤال: ما الرسائل الموجّهة لحكام عصرنا من الآيات الكريمة التي ذُكر فيها طغاة مثل: فرعون والنمرود؟ وهل يمكن القول إن شيئًا من صفات الفرعنة موجودٌ لدى القادة المستبدّين الذين لا يقدرون شعوبهم؟

الجواب: من أكبر مشاكل عصرنا على الساحة السياسية اليوم هو التناقض والاختلاف الكبير بين أقوال السياسيين وأفعالهم؛ فالقادة في العديد من دول العالم يقدمون وعودًا كبيرة لشعوبهم؛ فلا يفتؤون يتحدثون عن الديمقراطية وحرية التعبير والمساواة.. لكن المؤسف أن أفعال الكثيرين منهم تُكذِّب ما يخرج من أفواههم، وغالبًا ما يكون من الخطإ الحكم على أحد القادة من خلال كلامه عما إذا كان ديمقراطيًّا أو جمهوريًّا أو يحترم حرية الفكر والضمير الإنساني؛ إذ من الواجب النظر إلى ممارساتهم وتطبيقاتهم حتى يُفهم مدى صدقهم ووفائهم بما يقولون؛ فيا تُرى هل يستطيع الناس في البلاد والمجتمعات التي يحكمها هؤلاء أن يفكروا ويعبروا بحرية عن أفكارهم؟ هل يمكنهم أن يمارسوا -بحرّيّة- القيمَ التي يؤمنون بها دون أن يواجهوا أية ضغوط أو قيود؟! لا بدّ من تحرّي هذا.

هناك اهتمامٌ بالغٌ ودفاعٌ كبيرٌ في عصرنا هذا عن أهمية الحقوق والحريات الأساسية في العديد من دول العالم؛ فالحرية مهمة حقًّا؛ إذ يجب أن يكون الإنسان حرًّا في كل الأمور؛ فيجب أن يكون قادرًا على التفكير كما يريد، والبوح بما يفكر فيه، وعَيْشِ حياته بالطريقة التي يريدها، طالما أنه لا يؤذي أحدًا، ويحترم خصوصيات الآخرين، ولا ينتهك حدود حرّيّة غيره.. بيد أنه لا ينبغي أن تبقى الحرّيّة مجرّدَ قولٍ، بل يجب أن تجري في ربوع الحياة بطرق مختلفة بحسب الزمان والمكان؛ فعلى الرغم من وجود خطابات متقدّمة للغاية حول حقوق الإنسان والحريات في عالمنا المعاصر؛ إلا أنه من الواضح أن عديدًا من الدول المتقدّمة نفسها لم تصل بعدُ إلى المستوى المطلوب من الحريات؛ إذ يُلاحظ أن كثيرًا من القادة يمارسون الاستبداد تحت ستار الديمقراطية، ومع أن هؤلاء الأشخاص يتحدّثون عن الحرية في كلّ مناسبة تقريبًا، إلا أنهم -في الواقع- يعتبرون الحرية حكرًا عليهم فقط، بينما الحرمان والتسلّط جديرٌ بالآخرين، ولعل أخطر أنواع الاستبداد هو هذا النوع من الاستبداد المتواري تحت درع الديمقراطية.

ليس من الصواب قصرُ الاستبداد على فترات معينة، وعلى بلدان معينة؛ فلقد وُجِدَ منذ أن وُجِدَت البشرية، وسيظلّ موجودًا دائمًا، حتى وإن غيّر من شكلِه ونمطِه.. ومن المؤسف أنه يوجد في عصرنا العديد من الطغاة في بلدان مختلفة من العالم يتخذون القرارات ويُصدرون الأحكام بأنفسهم، ويضطهدون الآخرين بطريقة لا يقبلها أيّ نظامٍ قانوني، ويدمّرون القيم الإنسانية، لكن كثيرًا من الناس لا يدركون استبداد هؤلاء؛ لأننا بشكل عام دائمًا ما نبحث عن الطغاة والمتفرعنين في الماضي وفي الأوقات والبيئات التي لم تُذكر فيها الديمقراطية قط، كما أنّ عدمَ وجود معايير واضحة وملزمة لمن ينبغي أن يطلق عليه طاغية وديكتاتور يفتح السبيل أيضًا أمام الفراعنة المعاصرين، ولهذا السبب فإن عمليات الفساد البشرية هذه -التي يقودها الشيطان- تستمرّ في الإضرار بالإنسانية.

وكما ورد في السؤال، فإن آيات مختلفة من القرآن تركّز على الطغاة والمستبدّين أمثال فرعون والنمرود -حتى وإن لم يذكر الاسم بوضوح- وعلى إنكارهم وتكذيبهم للأنبياء، وتمرّدهم وعنادهم، والضغوط التي مارسوها ضدّ شعوبهم، ومختلف المظالم التي ارتكبوها.. وعند تلاوة هذه الآيات، يمكن أن يُرى بوضوح شديد موقفُهم غير الأخلاقي تجاه حرية العقيدة، وفرضُهم لرغباتهم الخاصة، وعنادُهم في ذلك.

إننا نضخّم -في كثير من الأحيان- من حجم الفراعنة والنماردة والمستبدين والطغاة بمختلف أنواعهم ممن عاشوا في الماضي؛ حتى إننا نرى طغاة عصرنا أخف أذًى منهم، لذلك لا نشعر تجاه المعاصرين بالغضب الذي نشعر به تجاه الغابرين.. دعْكَ من الغضب، فقد صار من المعتاد أن يرى البعضُ هؤلاء الطغاة كالملائكة أو مخلوقات مقدّسة غُسِلت بماء زمزم.. ألا ليتَ مقارنة تفصيلية تُعقَدُ بين الطغاة المذكورين في القرآن وطغاة اليوم من حيث كلامهم وأفعالهم! فإن أمكن إجراء مثل هذه المقارنة، فقد يظهر أن طغاة الماضي كانوا في بعض النواحي أكثر ديمقراطيةً من طغاة اليوم.

نعم، يحكي القرآن في آياتٍ كثيرةٍ قصصَ الأنبياء مثل: نوح وصالح وهود وشعيب وموسى عليهم الصلاة والسلام، ويُفسح المجال أيضًا للحوارات التي تدور بين الأنبياء والأقلية الأوليغارشية التي تهيمن على مصير المجتمع، وهناك نقطة لافتة للانتباه في هذه الحوارات؛ ألا وهي: أنه على الرغم من أن العديد من هؤلاء الطغاة سخروا من الأنبياء، ووجهوا لهم تهديدات مختلفة، ووجهوا إليهم اتهامات وشتائم شديدة، إلا أنهم لم يترددوا في الدخولِ في حوار معهم ومنحِهم الحقّ في الكلام، وعندما صرّح الأنبياء بأفكارهم ودعوا قبائلهم إلى الدين والإيمان وإلى الله؛ لم يُباغتوهم، ولم يعتقلوهم ويسجنوهم من فورهم، بل منحوهم الفرصة للتعبير عن أنفسهم بطريقة أو بأخرى، وقد ورد في العديد من الآيات، تحذيرات الأنبياء ونصائحهم لشعوبهم، وردودهم على ذلك.

ولكم إن شئتم، أن تخرجوا أمام الطغاة الذين ملكوا موقع الحكم، وسنّ القوانين وإنفاذها، والوصاية على المجتمعات، وحَاوِلوا التعبير عن أنفسكم، تُرى إلى أي مدى سيمنحونكم هذه الفرصة؟! فبهذه الطريقة ستتاح لكم الفرصة لمقارنة الحاضر بالماضي، إنني أرى أن أفعال طغاة الماضي تبقى هينة وبسيطة جدًّا في مواجهة الفظائع التي تُرتكب في أماكن كثيرة من العالم في عصرنا.

إن الحوارات التي دارت بين موسى عليه السلام وفرعون لافتةٌ للانتباه، فعلى سبيل المثال: خرج موسى عليه السلام أمام فرعون الذي يدّعي أنه إلهٌ، فقال له: ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (سورة الأَعْرَافِ: 7/105)، وفي مواجهة مثل هذا المطلب التفت فرعون والأقلية الأوليغارشية المحيطة به إلى قومهم، يسألونهم عن رأيهم؛ فيُقترَح جمعُ أمهر السحرة من مختلف مناطق المدينة، ويُوصَى بتحدّي موسى عليه السلام؛ إذ يخيّل إليهم أن المعجزات التي أظهرها موسى كانت مجرّد سحرٍ، ويبدأ فرعون التحدّي مقترِحًا عقدَ مناظَرَةٍ عمليّة هكذا بقوله: ﴿فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى﴾ (سورة طَهَ: 20/58)، ومن الجدير بالملاحظة أنه يترك لموسى عليه السلام أمرَ تحديد الزمان والمكان، ويتيح له مثل هذه الفرصة ليتنافس مع السحرة في حضور الشعب.. علاوة على ذلك، فقد كان لموسى عليه السلام الحرية في أن يقول لهم علانيةً: ﴿وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ (سورة طَهَ: 20/61).

فهل يمكن أن يُقال: إن طغاةَ عصرِنا منفتحون على الحوار إلى هذا الحدّ، ويمكنهم أن يكونوا متسامحين أمام الناس والأحداث التي قد تضرّ بحكمهم؟ تفضلوا.. قفوا في حضرة أحدهم.. وحاولوا التعبير عن آرائكم باسم القيم الإنسانية والعالمية؛ فهل يمكنكم بسهولةٍ أن تقدموا الرسائل التي لديكم باسم الإنسانية؟! أم أنكم لن تستطيعوا ذلك؟!

نعم، لا ينبغي البحث عن الطغاة في الماضي فحسب؛ إذ يمكن العثور على العديد من المؤهلين للاستبداد في جميع الأوقات والمناطق، بدءًا من آلية النفس التي في داخلنا وصولًا إلى عبيد الغطرسة والمصالح الذين يحبون استعباد الآخرين، وستدركون هذا الخطر الكبير قطعًا عندما تدققون في الأمر بحساسية وفقًا لمعايير القرآن والسنة.

ويمكن القول: إن مشركي قريش -الذين مارسوا كلّ أنواع الاضطهاد والإيذاء ضدّ نبينا صلى الله عليه وسلم- كانوا أكثر ديمقراطية من طغاة عصرنا؛ لأنهم بحثوا لفترة طويلة عن طرق للحوار مع مفخرة الإنسانية بعد أن بدأ في نشر رسالته، وجاؤوه بعروضٍ مختلفة واستغلوا فُرصًا وبدائلَ مختلِفةً من أجل ثنيه عن دعوته.. وعلى الرغم من أن الرسالة التي جاء بها نبيُّنا صلى الله عليه وسلم قد وجهت ضربة قوية لأفكار الشرك في ذلك اليوم ومهدت الطريق لتغييرٍ جذريٍّ في عالم الشرك في ذلك العصر، إلا أنهم لم يهاجموها على الفور، بل حاولوا أولًا حلَّ القضية عبر الحوار؛ فذهبوا أكثر من مرة إلى “أبي طالب”، وقدموا له عروضًا مختلفة.. إنني لا أعتقد أن طغاة اليوم سيكونون متسامحين مع الأفكار والكيانات والتغييرات التي يعارضونها، حتى ولو بقدر ما كان أبو جهل وعتبة وشيبة وأبو سفيان الذي كان مشركًا في ذلك الوقت، إن مجرد ذكر مثل هذه التغييرات الجذرية يكفي لأن يدفع طغاة اليوم إلى الجنون.

قد لا يكون من الضروري أن تخرجوا أمام طغاة عصرنا وتقولوا شيئًا ما، أو حتى تفعلوا شيئًا ما، من أجل إثارة غضبهم.. فإذا كانوا يرونكم خصومًا محتمَلين أو أعداءً، فإنهم يعلنون الحرب عليكم فورًا، ويبحثون عن طرقٍ للتعدّي عليكم بأية وسيلة.. وعلى الرغم أنَّه من أهم قواعد القانون الثابتة ألا تستند العقوبات إلى الشبهات والاحتمالات بل إلى أحداث ثابتة بالدليل، وأن الأفعالَ التي لا تُوصَف بالجرم في القانون لا يُعاقَب عليها؛ إلا أن هذه القواعد لا تُلزِم الطغاة أبدًا، فإن عدم تبنّي فلسفتِهم يكفي لنيل عقابهم، في حين أنه إذا ما سُعي إلى معاقبة الناس وفقًا لأفكارهم، فلن يبقى على وجه الأرض إنسان إلا وسيُعاقب، وسيبدأُ أيُّ شخصٍ يستحوذ على القوة في مهاجمة أيِّ شخصٍ لا يقف في صفّه، ويبحث مظلومو اليوم وضحاياه عن فرصةٍ ليُذيقوا الطرف الآخر نفس المعاملة غير العادلة التي كان أذاقهم إياها.. لذلك لا تتوقف الفوضى في العالم، فالطغاةُ الذين لا يعترفون بالقانون والعدالة إنما هم بلاءٌ متسلّطٌ على الإنسانية جمعاء.

ولهذا السبب يجب على الإنسانية أن تكافح كلّ الطغاة وجميع الديكتاتوريين الذين يتنمرون علانية، والمنافقين الذين يخفون طغيانهم بالقيم الإنسانية العالمية، والفسادَ الاستبدادي المتدني العاجز حتى عن حماية شرف الاستبداد نفسه… لأنه لا ولن يتسنى تأسيس عالمٍ أكثر سلامًا وازدهارًا وحرية إلا من خلال القضاء على الاستبداد والظلم ومحوِه من على وجه الأرض.

عشق الصحابة للتبليغ

Herkul | | العربية

على الإنسان أن يؤمن بداية بحقيقة الرسالة التي يبلغها للآخرين وضرورتها وأهمّيتها، ويصدّق بها من صميم قلبه؛ حتى تؤتي هذه الدعوةُ ثمارها، وتلقى حسنَ القبول.. وهذا الأمرُ من أكبر العوامل التي جَعلت للحقائق السامية صدًى في القلوب خلال وقت يسير، لا سيما تلك التي بلغها الرسول صلى الله عليه وسلم وطبقها، وأخذها عنه أصحابه الكرام رضوان الله عليهم وبلغوها للآخرين بعد أن امتثلوها تمامًا، لقد كانوا يؤمنون إيمانًا يقينيًّا بالدين الذي يمثلونه ويبلّغونه أكثر من إيمانهم بمجيء الغد بعد اليوم أو بشروق شمس اليوم التالي بعد غروبها اليوم، لم يساوِرْ سادتَنا الصحابةَ رضوان الله عليهم أدنى شكّ فيما وعدهم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، فقد كانوا يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر أكثر من إيمانهم بأنّ حاصل جمع اثنين مع اثنين يساوي أربعة.

لا شك أن المرء يُجازَى في الآخرة على إيمانه أو إنكاره، فمن يؤمنون بالرسالة التي بلّغها مفخرةُ الإنسانية صلى الله عليه وسلم للبشرية؛ بنعيم الجنة والسعادة الأبدية مبشَّرون، ولمشاهدة جمال الحق تعالى مرشَّحون، وإلى أفق الرضا الإلهي يسيرون.. وهذا السير منهم بهذه الأحوال في الدنيا يشبهُ رحلةَ صعودٍ نحو العالم الملكوتي.. أما عاقبة الذين سلكوا طريق الإنكار فهو التردي إلى أسفل سافلين، والتعرض للخسران المبين، وتذوّق العذاب الأليم.

لقد كان سادتنا الصحابة رضي الله عنهم يوقنون بمجازاة الإيمان والكفر في الآخرة، وكان يحدوهم شوقٌ عارمٌ للأخذ بأيدي الإنسانية إلى طُرق الخير، فكانوا في حرصهم على التبيلغ يقتدون بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يواسيه ربُّه بقوله سبحانه وتعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ (سورة الْكَهْفِ: 18/6).

أجل، لقد كاد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعده أتباعه الصادقون حسب مراتبهم؛ أن يهلكوا أنفسهم حتى يرقى الناس إلى أعلى الكمالات، ويفوزوا بالجنة، ويُتوِّجوا نعيمَهم الأخروي بالرضا والرضوان.

أما نحن فمع الأسف فقدنا هذا الشعور والحرص على التبليغ والاشتياق له، ولم يعد يحدونا هذا الشوق العارم لتبليغ الحقّ والحقيقة إلى الآخرين، ولا تذهب نفسنا حسرات على الذين انغرزوا في مستنقعات الكفر والضلال، بل ذهب الأمر بالكثيرين إلى أن قالوا: “لماذا تهلكون أنفسكم من أجل التبليغ عن الله سبحانه وتعالى، فلقد خلق الله جهنم ليدخلها بعض الناس!” وأغلب الظن أن القائلين بذلك لا يعلمون ماهية جهنم، ولا يدرون ما الذي يخسره من يضيّع إيمانه، ولا يدركون معنى الخلود والخسران الأبدي؛ فليس من الجدير بإنسان يتحلّى بإيمان كامل وقلب سليم وعقل رشيد ألا يكترث ولا يبالي بحال البشرية التي سقطت في دوامة الكفر، وما زالت تتخبّط وتنتفض داخلها.

وهكذا فما جعل الصحابة رضوان الله عليهم متميّزين عن غيرهم هو فهمهم العالي، وحساسيّتهم الشديدة تجاه هذه المسألة.. فقد كانوا ينظرون بعينٍ إلى الجنة، فيرون أنها ليست بالمكان الذي يجدر التضحية به، وينظرون بعينٍ أخرى إلى جهنم فيحاولون مدّ يد العون إلى الآخرين عسى ألا يسقِط اللهُ أحدًا في نارها! كانت لديهم غاية سامية وهدف نبيل، وكأنهم كانوا يعيشون لهذه الغاية فقط، وهو ما يمكن أن نطلق عليه “غاية الإحياء”، فهؤلاء كانوا يعيشون من أجل غيرهم، وليس من أجل أنفسهم، يعيشون من أجل إحياء الآخرين، ويبذلون التضحيات حتى يحيا الآخرون، ولو لزم الأمر أقبلوا على الموت في هذا السبيل فرحِين مستبشِرين، فلا معنى عندهم لحياةٍ لا تزيّنها هذه الغاية، فهم يرون أن مَن حُرموا هذه الغاية يشبهون القبور المتحركة.

إنّ المولى سبحانه وتعالى عندما أرسل مفخرةَ الإنسانية صلى الله عليه وسلم بالرسالة؛ كأنه أرسل معه أناسًا على استعدادٍ تامّ لتقبّل هذه الرسالة الإلهية بكلِّ صدقٍ وإخلاصٍ، والعمل على نشرِها في بقاع العالم.. وإلا كيف يمكن تفسير موقف أمّنا السيدة خديجة، وسيدنا أبي بكر، وسيدنا عمر، وسيدنا عثمان، وسيدنا علي، وغيرهم من السابقين الأولين رضي الله عنهم أجمعين! ففي الوقت الذي كان فيه الوحي يتنزّل ببضع آيات على صاحب الرسالة لم يتردّد هؤلاء في تقبّل الرسالة التي جاءهم بها النبي صلى الله عليه وسلم، وحرصوا على تبليغها للآخرين..

فعندما نزل الوحيُ أوَّلَ ما نزل، أخبر عليه الصلاة والسلام زوجَه السيدة خديجة رضي الله عنها، فردّت عليه بكلماتٍ تعكس بحقٍّ إدراكَها الواعي وفهمها العميق.. وإيمانُ سيدنا أبي بكر رضي الله عنه بمجرّد سماعه بالرسالة المحمدية دون تردّدٍ، وتبنّيه الدعوة وحرصُه عليها بكلّ طاقتِهِ؛ ليس بالأمر الذي يُستهان به.. ولم يختلف موقف غيرهم من السابقين الأولين عن موقف هؤلاء، فبعد أن تبوّأ كلُّ واحدٍ منهم مكانه خلف سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتقوا -بشكلٍ مذهلٍ- ارتقاء عموديًّا. أجل، كأن الله تعالى لما أرسل الإنسان الكامل صلى الله عليه وسلم بالرسالة التي ستغيِّر لون العالم وشكله وزخارفه؛ أعدَّ أصحابه وبَرْمَجَهُم على هذا الأمر حتى يتسنّى لهم مساعدته والوقوف بجانبه، وقد ترك إيمانُهم العميق وتسليمُهم التام وتوكّلُهم الكامل تأثيرًا مختلفًا في نفوس المخاطَبين.

وكان لانصباغ هؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين في جوّ النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن خرجوا للتو من الجاهلية أثرٌ كبير في أن يصبحوا أبطالَ عرفانٍ ورجالَ قلبٍ وروحٍ قادرين على إرشاد الإنسانية خلال مدة وجيزة.. فمن تشاركوا معه نفس المكان، وتنفّسوا أجواءه، وشهدوا سلوكه وأفعاله ونظراته ومواقفه، لم يحدث أن رصدوا ولو كذبةً واحدةً في كلّ أقواله وأفعاله وأحواله.. لقد كان صلى الله عليه وسلم بأحواله وأفعاله يبعث الثقة والطمأنينة في نفوس مخاطبيه، فلمّا انصبغ هؤلاء بفكره ومشاعره ارتقوا معنًى وروحًا خلال زمنٍ يسيرٍ، ولا غرابة في ذلك فمن المتعذّر أن يدخل أحدٌ في أجوائه ولا يتأثّر به، المهم أن لا يحمل حكمًا مسبقًا إزاء الرسائل التي يبلغها، لقد كان صلى الله عليه وسلم يتمتّع بجاذبية قوية لدرجة أن الذين كانوا لا يزالون حتى ذلك اليوم يعيشون في الأوحال؛ استطاعوا بفضله التخلّص بسرعةٍ مما كانوا فيه، واغتسلوا وتطهروا كما لو كانوا يغتسلون بماء الكوثر، وارتقوا إلى أن تجاثوا على الركب مع الملائكة كفرسَي رهان.

لقد تبوّأ سادتنا الصحابة رضوان الله عليهم مكانهم خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وآمنوا به إيمانًا جازمًا، وجعلوا تبليغ رسالته أعظم أمانيهم وأسمى غاياتهم، ولذلك كانوا على درجةٍ عالية من الدقة والحساسية في أسلوب تقديم هذه الرسالة المباركة، فأحسنوا تمثيلها تمثيلًا قويًّا لا يبعث على الريب والاعتراض، ثم نقلوا عوالمهم الروحية إلى الآخرين منتهجين أسلوب العقل والرفق واللين.

وهكذا فإن أكثر ما نحتاجه اليوم هو أفق الصحابة هذا، فلو أننا آمنّا -بهذا القدر- بالقيم التي نتبنّاها، وحرصنا على تبليغها إلى الصدور الظامئة؛ فسنجعل حتى من سجوننا مدارسَ يوسفيّة لنا كما فعل الأستاذ بديع الزمان سعيد النُّورْسي، ونسعى للنفوذ إلى قلوب الآخرين دون أن نضيِّع ولو ذرّةً واحدةً من الوقت الذي وهبه الله لنا، ونلقي بذور الحبّ والإيمان قدر ما نستطيع في كل أنحاء العالم.

 

أفق المعية والقربى

Herkul | | العربية

سؤال: يُقال: ينبغي لمن وهبوا قلوبهم لخدمة الإيمان والقرآن أن يدركوا أفق “لِي مَعَ اللهِ وَقْتٌ” حتى يتمكنوا من الحفاظ على نضارتهم ونشاطهم ويستطيعوا التأثير في الآخرين؛ فهلّا توضّحون هذا قليلًا؟

الجواب: النص الكامل -الذي وردت فيه تلك العبارة المذكورة في السؤال، والتي تُروى على أنها حديث- هو: “لِي مَعَ اللهِ وَقْتٌ لَا يَسَعُنِي فِيهِ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ”[1]، وتَرِدُ هذه العبارة في بعض المصادر هكذا: “لِي وَقْتٌ لَا يَسَعُنِي فِيهِ غَيْرُ رَبِّي[2]، ورغم شهرة هذه العبارة على أنها حديث نبوي -لا سيما بين أرباب التصوّف- إلا أنه لا وجود لمثل هذه الرواية في الصحاح.. وإنما الصحيح هو وصفُ عليٍّ كرّم الله وجهه لحال رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: “كَانَ رَسُولُ اللهِ إِذَا أَوَى إِلَى مَنْزلِهِ جَزَّأَ دُخُولَهُ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ جُزْءًا لِلَّهِ وُجُزْءًا لِأَهْلِهِ وَجُزْءًا لِنَفْسِهِ”[3].

وقد جرى تناول هذه العبارة وتداولها من قبل أرباب التصوّف بصفةٍ عامّة من ناحية السير والسلوك الروحاني، وطُرحت آراء مختلفة حولها؛ فرآها البعض مقام الحيرة، كما عبر عنها البعضُ بمفاهيم من قَبيل الدهشة، والقلق، والهيمان.. وثمة آخرون تناولوها من ناحية السُّكْر، والمحو، والفناء.. ويمكن القول: إن هذه العبارة تشير إلى مقامٍ تُستوعب فيه دائرة الأسماء استيعابًا كاملًا، أو يُقفَزُ منه إلى دائرة الصفات، بل انمحت فيه الأسماء والصفات واختفَتْ، وصار المرء مشغولًا بالذات الإلهية تمام الانشغال، أي: إنها نقطة المعية مع الله؛ فمن يدري ما سيحصل عليه السعيدُ المُبحِرُ في ساحة المفاجآت هكذا، وأيُّ ملجإٍ من الواردات والمواهب سيحظى به!

قد لا تتيسّر هذه المرتبة للجميع؛ فربما تكون مقامًا أو رتبةً يصل إليها المقربون أو أقرب المقربين فقط، غير أن كلَّ إنسانٍ يمكنه أن يدخل في مناخ من القرب، ويتقدّم نحو عرش الكمال الخاص به بحسب درجته، المهم بالنسبة لذلك الإنسان أن يكون لديه مثل هذا العزم والتصميم على إدراك أفق القربى بغض النظر عن المسار الذي اتُّبع لتحقيق ذلك؛ إذ يمكن لأيِّ شخص أن يسلك طرقًا مختلفة ويستخدم وسائل متباينة للوصول إلى هذه النقطة؛ فمثلًا لفتَ بديع الزمان الانتباه إلى طريق العجز والفقر والشوق والشكر، وأضاف لها التفكر والشفقة في بعض المواضع.

إنَّ العملَ -أيْ وضع العلم موضع التطبيق- وترسيخَ وحدة العلم والعمل أمرٌ لا بدَّ من التركيز عليه في سبيل إدراك أفق القرب من الله، فلا ينبغي للإنسان أن يدعَ الحقيقةَ التي عرفها حبيسةَ النظرية فحسب، بل يجب عليه أن يستوعبَها جيّدًا ويحرّرَها ويحوّلها إلى تطبيقٍ وأفعال.. فإذا كان يؤمن يقينًا بذلك، ويصل إلى درجة التحقيق في إيمانه، ويطبّق الحقائق التي يعرفها ويؤمن بها، فإنه يحظى بفضل الله تعالى وإحسانه وإنعامه؛ فلا جرَمَ أن العمل يغذّي الإيمان، فتتحوّل العبادات مثل: الصلاة والصوم والأوراد والأذكار إلى إيمانٍ عميقٍ جدًّا في ماهيتنا لا يمكننا فهم طبيعته بشكلٍ كاملٍ، وإن بقاء المعرفة -للأشياء التي لا تُستَوعَب ولا تُمتثل ولا تُنسب إلى الطبيعة ولا تُطبق- داخل إطار النظرية لا يُقرِّبُ الإنسان إلى الله، وشرطُ نفع العمل وإفادتِه هو تطبيقه واستمراريته.

وكما أشرنا، فقد سعى سالكو درب الحق إلى كسب أفق القربى من الله بطرق مختلفة، وبذلوا جهدهم لتحقيق ذلك، واعتبر أكثرُهم تحقيقَ ذلكَ غايةً مثلى في حياتهم، فعاشوا وفقًا لذلك.. وإن كلَّ هذه الطرق وسائل مهمّة في سبيل الوصول إلى الحقيقة التي عبرت عنها عبارة “لي مع الله وقت”.. وعند النظر إلى القضية من هذه الزاوية، يمكن ملاحظة أن حقيقة الوصول إلى المعية الإلهية واسعةٌ جدًّا؛ حيث يمكن لكل فردٍ أن يصل إليها من زاوية مختلفة وفقًا لقدراته وقابلياته، فيشعر بوارداتها ويستمتع بها.. وكلُّ مرشّح للقربى يمكنه أن يدركها بقدر اتساع مرآة روحه وقلبه؛ فيمكنه أن يُحرز تقدُّمًا بقدر عمق إيمانه ومعرفته بالله، وجدّيّته في عبادته وطاعته؛ طالما أنه يبذل جهدًا ويسعى في هذا الاتجاه.

يجب على كل روح مؤمنة أن تسعى إلى بلوغ هذا الأفق، وخاصة مَنْ لديهم رسالة مهمة؛ فيجب عليهم أن يسعوا إلى تمثيل حقائق الإيمان والإسلام والإحسان الواردة في حديث جبريل[4] على أعلى مستوى؛ لأنه لا يمكن توقّع شيءٍ من خدمة الإيمان على يدِ مَن لم يكتمل إيمانه أساسًا؛ فستحيل على من يتعثّر في الإيمان أن يؤثّر في الآخرين، وإن ما يقوله ويفعله شخصٌ -باسم الدين- لم يستطع الوصول إلى شعور الإحسان؛ لا يمكن أن يتعدّى مجرّد الضجيج والقيل والقال، ولا الكذبَ والخداعَ والنفاقَ والتباهي، ونظرًا لأن أمثال هؤلاء الأشخاص لا يستطيعون التخلّص من ازدواجيّة الأقوال والأفعال، فيتعذر أن يكونوا مقنعين في نظر الآخرين، ولا يمكن أن يوفّروا الثقة لمن حولهم.

إن امتثال الإنسان الصدق بالمعنى الحقيقي في مشاعره وأفكاره ومواقفه وسلوكياته يعتمد على وصوله إلى شعور الإحسان، والإحسانُ -بحسب وصف نبينا صلى الله عليه وسلم- هو أن يعيش المرء وكأنه يرى الله، مرتبطًا على الأقل بفكرة أنه تعالى يراه، والإحسانُ ذو مراتب لا نهائية، فينبغي لرجل الدعوة أن يتصرّف موقنًا على الأقل بأن الله تعالى يراه، وأن يشعر أنه يخضع دائمًا لمراقبة الله؛ فيستطيع التخلّص من الكذب والرياء والخيلاء، ذلك أن مثلَ هذا الشعور ومثلَ هذا الإحساس، ينعكس فورًا على أطوار الشخص وسلوكياته؛ فيبعده عن الذنوب والأخطاء ومواطن الزلل وعدم الاتزان، ويمنعه من التراخي ومن الاستسلام للنفس، ومن الانغماس في الدنيا، ويؤثر على جميع أفعاله من جلوس ونهوض ونوم وأكل وشرب، ويوجهه في جميع قراراته وخياراته.

إذا بلغ الإنسان أفقًا يبدو فيه وكأنه يرى الله، وخاصةً بالصعود إلى مرتبة أعلى، فإن الكثرة تنمحي وتزول من أمام عينيه، ويبدأ بمراقبة الله في كلِّ شيءٍ، وعلى حدّ تعبير مولانا جامي: “اقصد الواحدَ فسواه ليس جديرًا بالقصد، اُدْعُ الواحدَ فما عداه لا يستجيب، اطلب الواحدَ فغيرُه ليس أهلًا للطلب، شاهد الواحدَ فالآخرون لا يشاهَدون دائمًا، بل يغيبون وراء ستار الزوال، اعرف الواحدَ فما لا يوصل إلى معرفته لا طائل من ورائه، اذكر الواحدَ فما لا يدلّ عليه من أقوال وأذكار هراءٌ لا يغني المرءَ شيئًا”[5]… فهو يعتبر الانشغال بما سواه عبثًا.

ليس من الممكن لشخصٍ عاجزٍ عن الوصول إلى شعور وإدراك كهذا أن يصل إلى الإيمان الحقيقي، ولا إلى الإخلاص التام، وبالتالي فإنه لا يستطيع التخلّص من التقليد ومن الإسلام الشكلي، ولا يستطيع الانسلاخ من الرياء والخيلاء. وغالبًا ما تنتهي بالفشل محاولاتُ مثل هذا الشخص لتبليغ الدين ونشره؛ لأنه يكذّب ما يقوله اليومَ بما يفعلُه غدًا؛ وتخلو أقواله وأفعاله من الاستقامة والعزيمة، ونتيجة لذلك يفقد مصداقيّته، ولو أنه نجح مؤقّتًا في التأثير على الجماهير وجرّهم من ورائه، فإن ثمار سعيه وجهوده لن تدوم، ومهما لمع وتألّق لفترةٍ قصيرةٍ، فسيتلاشى وينمحي سريعًا؛ فحفاظُ الإنسان على تألّقه ولمعانه مرهونٌ بدوام توجّهه إلى مصدر النور.. وكما تفقد الفقاعات على سطح البحر بريقَها عندما يُحال بينها وبين الشمس فكذلك يفقد المنفصلون عن الله أيضًا بريقهم.

وخلاصة القول: لا نجاحَ لأرباب الهدف والغاية المثالية -لا سيما الذين يمثّلون الدعوة النبوية- إلا بشرطٍ خاصّ، ألا وهو أن تكون علاقتُهم بالله قوية.. والحقُّ تعالى قد يحسن علينا برحمته إحسانًا وإنعامًا يفوق مزايانا ومواهبَنا وتوقُّعاتنا، فبينما لا نستحقّ إلا أن نكون مجرّد جنودٍ إذ به يجعلنا قادة، إننا نرجو هذا رحمةً منه؛ لأنه المُنعم والمُكرم، ومع ذلك فقد خلق العالمَ دارًا للحكمة، وغالبًا ما يُسيِّرُ أفعالَه بشأننا بشكلٍ متوازٍ مع إرادتنا في دائرة الشرط العادي.. لذا فإنه من المهمّ للغاية إلامَ وبأيِّ قدرٍ نميلُ، وماذا وبأيّ قدرٍ نطلبُ، وما مدى الجهد والسعي الذي نبذله لتحصيل الأشياء التي نطلبها، وما مدى ثباتنا وإصرارنا على جهودنا هذه!

إذا أردنا أن نأخذ مكاننا بين عباد الله المقبولين ونكون مؤثِّرين في الآخرين فعلينا أن نتطلّع إلى أفق “لي مع الله وقتٌ”، يجب أن نترك العالم كلّه وما فيه وراء ظهورنا، وتكون لنا أوقاتٌ نقضيها مع ربِّنا فقط، ويجب أن نجتهد ونكدّ وننفقَ أعمارنا للحصول على مثل هذه المعية والقربى.

[1] المناوي: فيض القدير، 6/4؛ العجلوني: كشف الخفا، 2/173.

[2] القشيري: الرسالة القشيرية، 1/190.

[3] الترمذي، الشمائل المحمدية، ص 192؛ البيهقي، شعب الإيمان، 3/24.

[4]  ويُقصَدُ به حديث عُمَر بْن الْخَطَّابِ رضي الله عنه إذ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا”، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ، وَيُصَدِّقُهُ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ، قَالَ: “أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ”، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِحْسَانِ، قَالَ: “أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ”، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ، قَالَ: “مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ”، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَتِهَا، قَالَ: “أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ”، قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَبِثْتُ مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ لِي: “يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟”، قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: “فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ”. (صحيح مسلم، الإيمان، 1)

[5] بديع الزمان سعيد النورسي: الكلمات، الكلمة السابعة عشرة، ص 237.

!مَا أَحْلَمَكَ يَا رَبَّنَا

Herkul | | العربية

إن الأذهان والأفكار اليوم ملوّثةٌ إلى حدٍّ كبير، وإنّ بعضَ من يمسكون زمام القوة في أيديهم يدبرون المؤامرات واحدة تلو الأخرى ضدَّ من يرونهم معارضين ويتصوّرونهم أعداء لهم، فلا يتورّعون عن ظلمٍ، ولا يكفّون عن قمعٍ.. أفكارهم الملوثة تنعكس على ألسنتهم وأقوالهم.. يختلقون الأكاذيب، ويثيرون الافتراءات، ويكيلون الشتائم والإهانات؛ فإذا كان لا محالة من إطلاق اسم عليهم فلنقل: “هم المجتهدون في اختلاق الأكاذيب وإثارة الافتراءات وإكالة الشتائم والإهانات”؛ وهذا ما يجعلنا نتصوّر أنهم ربما يفكرون فيها في حلّهم وترحالهم، ويُشغلون بها أذهانهم، ويعبّرون عنها بألسنتهم.

فلا الأحكام الدينية ولا القيم الأخلاقية، ولا الخوف من الآخرة، ولا المواقع والمناصب التي يتبوؤونها تمنعهم من ممارسة هذه الأفعال المشينة، فلا يكترثون بأيِّ وديان الضلالة يتيهون.. إن الذين يمثّلون الدولة من هؤلاءِ لا يستنكفون عن ذكر الكلام القبيح البذيء الذي يستحيي منه الإنسان العادي أمام الجماهير، ولا أحد يدري ما القدوة التي يمثلونها بهذه الأفعال والسلوكيات غير اللائقة؛ فالأنبياء العظام والعلماء الفخام والأولياء الكرام لم يُسمع أنه صدر عن ألسنتهم الطاهرة ولو واحدٌ في الألف من هذه الكلمات؛ رغم اضطرارهم إلى العيش في أقسى الظروف وأكثرها سوءًا.

فما أشد الأذى الذي لاقاه النبي صلى الله عليه وسلم من قومه! وما أقسى الإهانات التي تعرض لها! وما أكثر الضرر الذي ناله منهم! ورغم ذلك لم يتفوّه بكلمةٍ غير لائقة في حقّ أحدٍ، ولم يُهِنْ أحدًا، ولم يسخرْ من أحدٍ! فإن كانت معاييرنا هي نفس المعايير التي وضعها النبي صلى الله عليه وسلم، فإن ما لا يتوافق مع هذه المعايير يسمى خللًا وانعدام توازن.

ثمة أناس في أيامنا مختلّون ذهنيًّا، مضطربون وجدانيًّا، ملوّثون كلاميًّا؛ لا يمكن التنبّؤ بما يفعلون، ولا بما يقولون ويخاطِبون؛ لأنه عندما تتجرّد الأحوال والتصرّفات من الموازنة والانضباط؛ تُرتكب شتى أنواع المنكرات، لا سيما هؤلاء الذين يمسكون في أيديهم زمام القوّة والسلطة؛ فإنهم يدبرون المؤامرات، وينصبون الفخاخ والمكائد، ويرتكبون من الظلم وينتهكون من الحقوق ما إن رآهم إنسان لا يتمالك نفسه حتى يقول كما قال سيدنا أبو بكر رضي الله عنه: “مَا أَحْلَمَكَ يَا رَبَّنَا”؛ لأن ما يفعلونه شيء لا يُغتفر.

إحالة الظالمين إلى الله جل جلاله

ليفعل الظالم ما شاء، أما المظلوم فجديرٌ به -وخاصة إن كان ذا مروءةٍ وقد استوعب قيمَ الإسلام جيدًا- أن يتضرّع إلى الله قائلًا: “اللهم أصلح حال الظالمين، وارزقهم اللّين، وأرشدهم إلى الحقّ والحقيقة، ووفّقهم إلى العيش بشكلٍ إنساني، وقوِّم ضلال قلوبهم، واغفر لنا ولهم، واقهر من لا يُرجى صلاحُه منهم، اللهم إنا نفوّض إليك أمر هؤلاء المعتدين الذين يتلذّذون بالقمع والاضطهاد”، ومهما حاولنا فالأمر بيد الله، هو الذي سيحبط مؤامراتهم، ويجعل كيدهم في نحورهم، فإن الله يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفلته، فإذا جاء حكم الله، وصدر الأمر الإلهي بمعاقبة الظالمين فلا عاصمَ لهم من أمر الله! فلطالما الأمر مفوض إليه تعالى فلا همّ ولا كرب!

والواقع أننا لسنا فقط من يعاني المآسي والآلام، فلقد عانى الكثيرون وعلى رأسهم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من مثل هذه الأمور، فرغم أنه تاجُ الرؤوسِ، صاحبُ العزة والشرف، وتقف له الملائكة احترامًا وتبجيلًا؛ ؛ فقد تعرّض للكثير من الأذى والاضطهاد من قومه؛ حتى إن سيدنا أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان يتساءل كيف يمهل الله هؤلاء الظالمين ولا يعاقبهم قائلًا: ما أحلمك يا ربنا! وهذا يعني أنه كان يجد صعوبة في تفسير ما يحدث، وكأنه يقول: كيف يحدث هذا لنبيٍّ جاء يرشدنا إلى الفلاح الأبدي، وينير عالمنا، ويفتح أعيننا وآذاننا على الحقائق، ويقوّي أحاسيسنا ومشاعرنا؟! وإزاء ذلك القهر والاضطهاد كان يواسي نفسه: ما أحلمك يا ربنا!

أجل، مهما كان الوضع فعلينا أن نقوم بما تقتضيه شخصيَّتُنا وطبيعتنا، فلنفوضْ أمر الظالمين إلى الله، ولنسلِّم له الأمر خاضعين لحكمته، ولا نلوِّث عالمنا القلبي والروحي بمشاعر الحقد والانتقام، ولا ندنّس ألسنتنا بالكلام السيئ، ومهما كانت الصعوبات والمشاكل التي نعيشها فلا يجب أن نتخلى عن الرفق واللين، ولا نحرم غيرنا من صدقة التبسّم، يقول الشاعر “تُوقادي زاده شكيب”: ” أبكي من داخلي وإن كنتُ أضحكُ، قلبي يئنّ ويتوجع وإن كان وجهي يتهللُ”.. فرغم أن مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم كان مهمومًا ويحمل من الأعباء أثقلَها ويتلوّى حسرةً وألـمًا؛ فما ضنّ بالابتسامة على من كانوا يتلهّفون إلى رؤية الابتسامة على وجهه.. لقد أعطى صلى الله عليه وسلم إرادته حقّها، وعرف كيف يستر الآلام التي تتأجّج في داخله، ولم يكشف عنها لمخاطبيه.

وإن قيلَ: ما سبب معاناته؟ وما الذي كان يقض مضجعه ليلًا ويزيد من همومه نهارًا؟ فالجواب هو: إن ما كان يؤرّقه هو اندفاعُ البشرية نحو الجحيم كما لو كانت عالقةً في فيضانٍ لا يمكن إيقافه، وافتقادُها الطرق المؤدية إلى الجنة، وابتعادها عن الخير والجماليات، وانفتاحها على القبائح والسيئات.. لقد كاد النبي صلى الله عليه وسلم أن يهلك نفسه حتى يعود الناسُ إلى رشدهم، لكنّه ومع ذلك كلّه لم تفارق الابتسامة وجهَه، ولم تودِّع البشاشةُ قسماتِه، كان دائمَ البِشْرِ، يمنح الأعيُنَ سرورًا، والقلوبَ انشراحًا وحبورًا.

الأرواح المهمومة

ثمة عوامل كثيرة اليوم تُغرق الإنسانَ في المآسي والمعاناة! وفي ذلك يقول الأستاذ “نجيب فاضل”: “كيف لا تهتمون أمام انقلاب القيم وتدهورها في المجتمع! وكيف لا تشعرون بالألم والمعاناة إزاء انغماس الكثيرين في الملذّات رغم ما يحدث حولهم من شدائد وأهوال وكأنه لا يوجد شيءٌ آخر في العالم!

لقد حفلَ التاريخ بشخصيّاتٍ عظيمةٍ جعلَت همَّها الأوحدَ أمّتَها؛ فعاشت مثلَ هذه المآسي والمكابدات.. وهذه هي “المكابدة النبوية”، أو ما يمكن أن نسميه بـ”المعاناة المقدسة”؛ لأن دقيقةً من مثل هذه المعاناة الداخلية إزاء الأحوال العامة للإنسانية، بل ثانيةً منها؛ تعادل يومًا مشحونًا بالعبادات.

إن التلوّيَ وانقصامَ الظهر من أجل إعانةِ الإنسانية، ورفعِ الغشاوة عن أعينها، وإرشادِها إلى الحقائق، وفتحِ آذانها، وإشعارِها بالحقّ والحقيقة؛ له قدرٌ كبيرٌ عند الله، وهذا ما دفع “سفيان بن عيينة” إلى أن يقول: “لو أن محزونًا بكى في أمّةٍ لرحم الله تعالى تلك الأمة ببكائه”[1].

إننا في حاجّة ماسّةٍ اليوم إلى هذه الأرواح المضحّية المهمومة التي تهتمّ بِهَمّ غيرها، وتدرك ما يقع في المجتمع من انهيارات وانقلابات أخلاقية، فتتألّم لما يحدث في أعماق روحها، وتتجافى جنوبها عن المضاجع، فتنهض من فراشها وتتجوّل في الدهاليز كالمجانين متسائلة: “ما هذه الحال التي آلت إليها الأمة؟ متى سينتهي هذا الهذيان؟ متى سينتهي هذا التشرذم والانفصال؟!” إنها ومع كلِّ ذلك تحافظ على ألّا تقع في ذمّ القدر.

أجل، إنها -من جهةٍ- ترى ما يجري داخل المجتمع من انكسارات، وتتألّم لها، و-من جهةٍ أخرى- لا تحيد عن أفق الرضا، ولا تضطلع بتصرّفات وسلوكيّات تذمّ القدر.. تقول دائمًا: “رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبِيًّا وَرَسُولًا”، مبديةً احترامها لقدر الله؛ فهي تعلم جيّدًا أن المراد الإلهي هو الأساس في تحصيل الجماليات المنشودة، والله تعالى لا يسيّر إجراءاته الإلهية وفقًا لأهوائنا، بل يفعل ما تقتضيه سننه الكونية.

أجل، إن كل شيءٍ بأمرِ الله تعالى، وما يقع علينا نحن العباد على سبيل الشرط العادي -بعد استنفاذ الأسباب- هو: “التحسُّر، والأنين، والتلوّي، والدعاءُ إلى الله والتضرع إليه من أجل إسكات الأفواه الشريرة بالعقاب الإلهي ودحر الظالمين الجائرين”.. يقول الله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ (سورة النَّمْلِ: 27/62)، فإن بلغ الدعاءُ أفقَ القبول أجرى اللهُ تعالى على عباده أفضالًا مفاجئةً من حيث لم يحتسبوا، وجعل للمؤمنين الصادقين صدًى حسنًا يدوّي في كلِّ أرجاء الأرض.

حاصل القول: إن ما يقع على عاتق الأرواح السامقة التي تهتمّ بهموم الإنسانية هو أن تحصر كلَّ همّتِها وجهودِها في حلِّ المشاكل التي تعانيها البشرية وترميمِ قلاعها المتهدّمة، وفي الوقت ذاته تبث شكواها إلى الحق تعالى، وتشعر في وجدانها بالسلبيات المتشابكة التي تتخبّط فيها الإنسانية، وتتوجّه إلى الله قائلةً في أنين وأسًى: “اللهم أنت الملجأ والملاذ، فلا تكلنا إلى غيرك!”.

[1] القشيري: الرسالة القشيرية، 1/268.

غايةُ الإحياء

Herkul | | العربية

المراد بـ”غاية الإحياء” أن يفكر المرءُ في سعادة الآخرين بدلًا من سعادته نفسه، وأن يضحّي بسعادته من أجل سعادة الآخرين، وأن يعيشَ ليكون مصدرًا لحياة الآخرين، بل وأن يتخلّى عن حياته عند اللزوم حتى يحيا الآخرون.

إنها الغايةُ الأسمى بالنسبة للإنسان، فالأنبياء عليهم السلام وهم أعلى المقامات بين البشرية وأتباعُهم العظام الذين ساروا على إثرهم؛ لم يفكّروا في أنفسهم، ولم يعيشوا من أجل أنفسهم قط، بل كانت رغبتهم الوحيدة أن ينسلخ الناس من رغباتهم الجسدية وأهوائهم النفسية، ويرتقوا في مدارج حياة القلب والروح، ويصلوا إلى حالٍ تُرضي الله عز وجل..

لقد ظلّ هؤلاء العظماء طوال حياتهم يكافحون من أجل إنارة عوالم الآخرين المظلمة، وفي سبيل ذلك كانوا يخاطرون بقضاء حياتهم في الظلام، فيركضون -والشموعُ بأيديهم- في ظلماتٍ بعضُها فوق بعض من أجل إشعال شموع الآخرين المنطفئة؛ فتجرعوا العذاب، وذاقوا الويلات، وقضوا حياتهم في دوامةٍ من الآلام والمعاناة؛ حتى يخلقوا نفَسًا وصوتًا جديدًا للإنسانية، ورغم هذا كله لم يُبدوا أدنى شكايةٍ أو تأوّه من حالهم، بل كانوا على قدرٍ كبير من المروءة، حتى إنهم سامحوا ظالميهم وعفَوا عنهم.

كان ديدنُهم دائمًا قولَ الله تعالى: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (سورة الشُّعَرَاءِ: 26/109)، فلم يتشوّفوا إلى أيِّ غرضٍ أو مكسَبٍ دنيوِيّ، بل بذلوا الغالي والنفيسَ من أجل الله، فعاشوا حياتهم بهذه المروءة ورحلوا إلى الآخرة وهم على نفس المستوى؛ وبذلك تركوا سمعةً طيبةً وذكرى جميلة للأجيال المتعاقبة..

لم يرغبوا في أن تلتصقَ أسماؤُهم بالخدمات التي قاموا بها، قدوتُهم في ذلك المهمومُ الكبير في هذا العصر الأستاذ بديع الزمان “سعيد النورسي” الذي استكثر على نفسه حتى أن يَعرِفَ أحدٌ قبرَه، وكأنّ هذه الرغبةَ التي تنبع من إخلاصه العميق قد لاقت قبولًا على الفور من الله تعالى، فقد أُخرِجَ جثمانُه الطاهر من القبر بعد موته ببضعة شهور، ونُقِلَ إلى مكان مجهول، ولكن الله تعالى حفظ أسماء هؤلاء كذكرى جميلة، ولم يقدر أحدٌ على محوِ أسمائِهم وذكراهم وسيرتِهم من أذهان الناس وألسنتهم.

ومن خلال الفترة التي عاشوها فقد تركوا بصمات في الأذهان بسيرتهم، وتمثيلهم الجميل للدين، وأقوالهم، وأفكارهم، ومؤلفاتهم، فظلّ الناس الذين جاؤوا من بعدهم يذكرونهم بالخير ويدعون لهم بظهر الغيب، وظلَّ الكثيرون يطوفون في أفقهم، ويدورون في فلكهم، ويشكّلون هالةً نورانيّة حولهم حتى بعد وفاتهم بمئات السنين.. وفقنا الله تعالى إلى معرفة هؤلاء العظام على الوجه الصحيح، وإلى مشاركتهم آفاقهم، وإلى نيل شفاعتهم!

فها هو بديع الزمان سعيد النورسي أحد الأتباع المخلصين للأنبياء الكرام، وأقرب الكبار لنا يقول: “إن رأيتُ إيمان أمّتنا في خيرٍ وسلامٍ فإنني أرضى أن أُحرق في لهيبِ جهنّم؛ إذ بينما يحترقُ جسدي يرفلُ قلبي في سعادةٍ وسرورٍ”[1].. وبذلك أثبت ألّا همَّ له سوى أمّتِه، ورغم ذلك كله فقد حوّل الظالمون والمستبدون في تلك الفترة حياتَه إلى جحيم، واجتهدوا في مسحِ أيِّ ذكرى له من الأذهان، واستماتوا في القضاء على دعوته، لكنّهم فشلوا في مساعيهم أيَّما فشل، فلقد ظلّت مؤلفاته القيمة تنير طريق الناس عبر العصور والدهور.

وكذلك سار طلّابُه الذين يلتفّون حوله على الدرب نفسه، فأعرضوا عن الدنيا وزهدوا فيها، وتكبّدوا مختلف الصعوبات، وتجرعوا صنوفَ الحرمان، وقدّموا أرواحهم فداءً لهذه الدعوة، فلم تستطع المحاكم ولا المنافي ولا السجون أن تُثنيهم عن هذه الغاية التي نذروا لها أنفُسَهم وأنفاسهم.. لقد دفعوا ثمن صحبتِهم لبديع الزمان، فلاقوا من الآلام ما لاقوا، إلا أنهم لم يتركوا أستاذهم أو يُسلِموه للوحدة طيلةَ حياتهم، وبفضل هذا الوفاء والصدق والتضحية والتفاني أنقذوا إيمان الكثيرين، وفتحوا أعينهم على الحق والحقائق.

لقد تجشم هؤلاء الأبطالُ كلَّ الصعوباتِ من أجل سِلم وسلامة الإنسانية، ولم يتشوّفوا إلى أيّ غرضٍ دنيويّ، حتى إن أمثال “زبير كُونْدُوزْ آلب”، و”طاهري موتلو” و”خُلوصي أفندي”؛ قضوا حياتهم في منزلٍ بسيطٍ، وغرفة متهالِكة.. ولو شاؤوا لجمعوا مالًا وفيرًا، ولأحرزوا أملاكًا ورفاهية فريدة، لكن لم يتطلّع أيٌّ منهم إلى غرضٍ من أغراض الدنيا، ولم يدرْ بخلدهم سوى الخدمة في سبيل الله.

إنَّ هؤلاء المخلصين الذين نذروا أنفسهم للخدمة في سبيل الله قد اتّخذوا لأنفسهم فكرة “العمل الإيجابي البنّاء” منهجًا وأساسًا، فلم يقعوا في أخطاء من قبيل: عدم تقبل الآخر، أو الوقوف حجر عثرة أمام خدمات الآخرين بدافع من الحسد والغيرة؛ لأن هؤلاء ليسوا كأمثال الفراعنة في ترويج الدعايات السلبية من أجل تدمير أعمال الخير التي يقوم بها الآخرون، بل كانوا يقتدون ويسيرون على نهج نبيِّهم وصحابته وأستاذهم إلى أن نسوا حياتهم، فتحركوا بروح الإيثار وتحرقوا شوقًا لإحياء غيرهم.

 إن هؤلاء الأبطال الذين نأمل أن يأخذوا مكانهم خلف سادتنا الصحابة الكرام رضوان الله عليهم بما قدموه من تضحيات وما تكبدوه من مشقات وآلام؛ كان كلٌّ منهم صرحًا للإنسان الكامل بالمعنى النسبي، لقد رأيناهم هكذا، وصدّقناهم هكذا، وسنظلّ نذكرهم بالخير ما حَيِيْنا..

لقد حاول الأستاذ النورسي رحمه الله وطلابه الذين التفّوا حوله، ومن سبقهم من الكبار والعظماء؛ أن ينفثوا الروحَ في غيرهم طوال حياتهم، فلم يذوقوا طعم الراحة قط، ومضت أعمارُهم في كَبَدٍ ومعاناة؛ فمَن لم يتعرّض للقمع والاضطهاد ولم يُضيّق عليه الخناق ولم يُسَقْ إلى المنفى ولم يُزجّ به في السجن في سبيل غايته السامية؛ لا يُنتظر منه الكثير، لأن الإنسان يبرهن على صدقه وإخلاصه عندما يثبت على موقفه رغم ما يتعرّض له من قمعٍ وتضييقٍ واضطهاد في سبيل إقامة عالمه الروحي والقلبي.

ما من نبيٍّ إلا وقد تعرّض للأذى والطرد من موطنه؛ فسيدُنا زكريا عليه السلام شُقَّ جسدُه بالمنشار، وسيدنا يحيى عليه السلام قتلَه قومُه بوحشيّةٍ وهمجيّة، وسيدنا إبراهيم عليه السلام أُلقي به في النار، وسيدنا موسى عليه السلام نُفي من بلده، وسيدنا يوسف عليه السلام أُلقي به في الجبّ، وبيع في سوق النخاسة، وزُجَّ به في السجن.. وسيدنا نوح عليه السلام تحمّل كلَّ الإهانات من قومه، وغيرهم وغيرهم كثير.. فإذا كان هذا هو طريق الأنبياء، وإذا كان هذا هو ثمن إقامة الحق والحقيقة، وإذا كان اختبارُ الصدق والإنصاف يقتضي ذلك؛ فعلينا أن نصبر ونتحمّل.

أمّا المتطفلون الذين يجرون وراء مصالحهم الشخصية ومنافعهم الذاتية ومستقبلِهم الخاصّ فإنهم لا يقفون على أقدامهم إلا من خلال استغلالِ بني جلدتهم، وما يَعِدُون أمّتَهم إلا غرورًا، إنهم يمكرون ويستغلون الوضع، ويستبيحون كل الوسائل غير المشروعة، ويتسلّطون على الأمة، ويمصّون دماءها، ويمزقون شرايينَها.. قد يمهلهم اللهُ، ولكنه بعد حين سيأخذهم أخذَ عزيزٍ مقتدِرٍ مثل كل الطغاة والمستبدّين، وبينما سيُذكر أولئك الناذرون الذين جعلوا حياتَهم فداءً لنهج الأنبياء كذكرى جميلة؛ سيُذكر هؤلاء المتطفلون كذكرى قبيحة، وستنهال عليهم اللعنات.

[1] بديع الزمان سعيد النورسي: السيرة الذاتية، ص 492.

أسس الانبعاث

Herkul | | العربية

عند ذكر كلمة “الانبعاث” فإنّ أوّل ما يتبادر إلى الذهن هو البعثُ بعد الموت، وعلى ذلك فإن “الانبعاث” هو مفهوم يرتبط على الأكثر بالكائنات الحية، غير أن هذه الكلمة قد تُضاف أحيانًا إلى أمور أخرى؛ مثل انبعاث الفكر، وانبعاث المؤسسة.. والقاسمُ المشترَكُ بين الاستعمال الحقيقي للكلمة والمجازي لها هو أن الشيء الذي فقد حيويّته، ولم يعد قادرًا على أداء مهمّته الحيوية، وأوشك على الذبول والانطفاء؛ يبدأ في استعادة عافيته من جديد، ويرجع إلى حالته الأولى مرة أخرى، ويقوم بطفرةٍ وحركةٍ جديدة.. وبهذا المعنى نستعمل أيضًا كلمة “الانبعاث” عند التعبير عن صحوة المسلمين واستواء ظهورهم بعد البؤس الذي لازمهم لقرنين أو ثلاثة قرون.

حقيقة الأمر أن وقوف الإنسان على قدميه وانبعاثَه بالمعنى الحقيقي في الآخرة يتوقّف على انبعاثه في الدنيا من حيث فكره الديني، ومن لم يعشْ انبعاثًا في الدنيا فليس له أن يعيش انبعاثًا في الآخرة! فهل يمكن أن يُسمّى انبعاثًا خروجُ الإنسان من قبره لِيُساقَ إلى جهنم بالسلاسل فيُحاسَب على الجرائم التي ارتكبها في الدنيا كما يُساق المحكوم عليه بالإعدام إلى المشنقة ويداه مغلولتان إلى عنقه؟!

من هذه الجهة فإن الانبعاث يبدأ في الدنيا، فالذين يظفرون بمثل هذا الانبعاث المجازي في الدنيا عن طريق إقامة صرح أرواحهم سيعيشون هذا الانبعاث في الآخرة أيضًا بشكل حقيقي.. ندعو الله أن يرزقنا مثل هذا الانبعاث في هذه الدنيا! وأن يبعثنا على حياةٍ نشعر فيها بنشوة الانبعاث الحقيقي في الدار الآخرة!

يقول المرشد الكامل وشمس سماء العرفان الأستاذ النورسي رحمه الله ويوضح الطريق إلى هذا الانبعاث: “انسَلْ من الـحيوانية، ودع الـمادية، وارتق في مدارج حياة القلب والروح”[1]، فأكثرية الناس يسعون وراء نزعاتهم النفسية، ويعيشون في فلك الجسمانية، ولا ينشغلون إلا بمتعهم المادية فقط؛ بمعنى أن عيونهم دومًا على الدنيا، يستمتعون بكل ملذاتها وكأنهم مخلدون فيها، ولا يقنعون بما في أيديهم، بل يطلبون المزيد دائمًا، ويرنون بأبصارهم إلى من يعيشون في سعة ورخاء، ويقولون: “لِمَ نُحرَم هذه الجماليات!”، حيث يطمحون في أن يعيشوا حياة الأبهة والرفاهية؛ وهو ما نسميه الدنيوية، فمن لم يستطع أن يتخلّص منها فلا انبعاث له؛ ولهذا أرشدنا بديع الزمان سعيد النورسي إلى سبل العيش في أفق حياة القلب والروح.

ومَن ارتقى في أفق القلب والروح في هذه الدنيا فاز في الآخرة بعالَمٍ مختلفٍ رحْبٍ، وهنالك يتذكر عهده مع ربه، ويفهم سرّ “قالوا بلى”. وبينما يدّعي الآخرون عدمَ درايتهم بهذا العهد نجده يستشعر في وجدانه بالميثاق الذي أخذه الله على بني آدم في عالم الذّرّ، حين قال لهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾، فقالوا: ﴿بَلَى﴾ (سورة الأَعْرَافِ: 7/172)، وينظر إلى الأحداث بنظرة فاحصة أكبر، ويقيمها بنظرة شمولية أكثر، ويحيك نسيجها من خلال تمرير الخيط بين السبب والنتيجة؛ وبالتالي يصل إلى بُعدٍ آخر، ويدرك معنى أن يعيش حياةً إنسانية صافية.. فلا انبعاث في الدنيا لمن لا يستشعر كل هذا بعمقٍ في وجدانه، ولا يراعي آداب وأركان خطّ السير.. يقول الأستاذ النورسي مخاطبًا هؤلاء: “يا أيتها القبور المتحركة برجلين اثنتين، أيتها الجنائز الشاخصة! ويا أيها التعساء التاركون لروح الحياتين كلتيهما.. وهو الإسلام، انصرِفوا من أمام باب الجيل المقبل، لا تقفوا أمامه حجرَ عثرةٍ، فالقبور تنتظركم.. تنحَّوْا عن الطريق ليأتي الجيل الجديد الذي سيَرفع أعلامَ الحقائق الإسلامية عاليًا ويهزّها خفّاقةً تتماوج على وجوه الكون”[2].

كما يبشرنا الأستاذ النورسي بوقوع انبعاثٍ قويٍّ في المستقبل فيقول: “كونوا على أمل؛ إن أعظم صوتٍ مُدَوٍّ في انقلابات المستقبل هو صوت الإسلام الهادر”[3].. وهو هنا لا يتجاهل الآخرين، ولا يدينهم ولا يستخف بهم؛ لأن بديع الزمان لا يقول بانقطاع كلّ الأصوات الأخرى، أو أن صوت الإسلام سيخنق كلّ الأصوات، بل يقول إن صوت الإسلام سيكون أكثر الأصوات دويًّا وسموًّا، وهذا يعني أن الأصوات الأخرى ستظلّ مسموعةً، ولكن صوت الإسلام سيكون الأكثر تميُّزًا وبروزًا بينها.. فإذا رفع الناس رؤوسهم ونظروا إليه قالوا: “إلى الآن ونحن نتجول عبثًا هنا وهنالك، في حين أن الصوت والنفس اللذين كنا ننشدهما حاضران هنا”؛ أي إنهم سيجدون في الإسلام الصوت والنفس اللذين كانت تنشدهما أرواحهم وأفئدتهم.

وحتى يعيش الناس مثل هذا الانبعاث عليهم أن يتوجهوا إلى الروح والمعنى منسلخين من القوالب والأشكال، وأن يصلوا إلى أفق حقّ اليقين عبر إجراء دراسات تفصيلية حول الأوامر التشريعية والتكوينية، وعلى حدّ تعبير الأستاذ “نجيب فاضل” فإنَّ عليهم حلجَ الحوادث والأشياء وتحليلَها وتوليفها؛ حتى يستخلصوا منها أقراص العسل وحزم المعاني الجديدة، لا بدَّ أن يواصلوا طريق المعرفة بِنَهَمٍ وشهيّة لا تعرف الشبع، وأن يرسّخوا إيمانهم باستمرار، وأن يجتهدوا في إحراز أفق الإحسان؛ بمعنى أن يعيشوا حياتهم في إطار فكرة: “اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك”، وأن ينظموا حياتهم بحسب ذلك، وإلا صعب عليهم التخلّصُ من الاعوجاجِ والالتواءِ والسيرُ على استقامة.. إنَّ مما يؤسَف له أن كثيرًا من الناس قد افتتنوا بالدنيا، ولم يستطيعوا بلوغَ هذا الأفق من الإيمان والإخلاص والإحسان واليقين، فصاروا يقضون حياتهم في دوامة من الرغبات اللعينة مثل الاستمتاع في الفيلات والمنتجعات، وإشارة الناس إليهم بالبنان، وإحراز المناصب والمقامات.

إن من يعيش وفقًا لفكرة “اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك” يشعر دومًا بمراقبة الله له، وتنمحي من أمام عينيه رؤية ما سواه.. فهو يشرع في عمله لله، ويعمل لأجل الله، ويعطي لوجه الله، ويأخذ لرضا الله.. والحاصل أنه في كلّ حركاته وتصرّفاته يحرص على رضا الله، ومن وصل إلى مقام الإحسان في عالمه الفكري والشعوري لا ينفكّ الإخلاص ورضا الله عن أعماله، ومن رُزق الإخلاص وفاز بالرضا استنارت كلُّ ثانية في حياته وتلألأت.

عودًا على ذي بدء؛ إن رأس الأمر هو الإيمان بالله؛ أي أن تؤمن بوجود الله تعالى ووحدانيته، ولكن ينبغي ألا يقتصر الإنسان على الإيمان السطحي التقليدي، بل عليه أن يسعى إلى تقويته وترسيخه؛ بحيث يكون لديه تصديق قاطع لا ريب فيه بوجود الله تعالى، وهو ما نسميه الوصول إلى مستوى الإذعان في الإيمان، والتشبّع به كلّيّة.. ولقد أكّد القرآن الكريم في مواضع عديدة على العمل الصالح بعد ذكر الإيمان مباشرة، وكأن العمل الصالح من متطلبات الإيمان، ومن ثَمّ يجب على المؤمن الصادق -بالإضافة إلى إيمانه الراسخ بالله- أن يباشر أعمالًا طاهرةً نقيّة خاليةً من العيوب، سليمةً من الشرك والعجب والرياء، لا يستهدف من ورائها إلا رضا الله؛ بمعنى أن يجعل كلّ عباداته وطاعاته تدور في فلك الإخلاص.

ومثل هذه الحياة الإيمانية والتعبدية الدائمة تولِّد ما يسمى “محبة الله”، فالمؤمنون الذين يعيشون حياتهم بهذين البعدين الإيماني والتعبدي يحبون الله حبًّا جنونيًّا، فينشأ عن هذه المحبة “الشوق إلى لقاء الله”، وهذه هي الذروة التي ننشدها ونستهدفها، وهي الجديرةُ بأن نلحّ بالدعاء في طلبها، فالأمر يستحقّ ذلك، وقيمةُ المرء بقدر ما يطلبه، فمن يطلب رضا الله ورضوانه يصل إلى قيمةٍ تفوق جميعَ القيم، ولكن ينبغي للإنسان عند طلب هذه الذروة ألا يغضّ الطرف عن الطرق والجسور التي توصله إلى هنالك، ويعمل على قطعها واجتيازها منذ البداية واحدة تلو الأخرى.

فمع الأسف أزهِقت روحُ الدين، وسُرق عشقنا وحماسنا، وأُبعدنا عن ذاتيتنا، وأُدخِل الدين تحت وصاية الأنظمة والإرادات السياسية، وضُحِّيَ بالدين في سبيل أغراضٍ دنيويّةٍ زائلةٍ لا قيمة لها، ولم يبق إلا الإسلام الشكلي نتسلّى به.. وحتى مستوى عباداتنا الشكلية باتت محلّ نقاش، فلننظر ونحكم: هل إذا حزَبَنا أمرٌ ونحن نؤدّي عباداتنا ضيّعْنا هذه العبادات في سبيل هذا الأمر أم لا؟! وهل يا تُرى سننصرف عن الأوراد والأذكار بحجّة أننا نقوم بأمرٍ مهمّ؟! وإذا فعلنا ذلك كيف سنحبّب ربَّنا للآخرين ونحن لا نحبّه حبًّا جنونيًّا؟! وكيف سندعو الآخرين إلى سبيل الله ونحن أنفسنا لسنا على سبيله؟! وكيف سنكون وسيلة للانبعاث في عالم الإنسانية ونحن لا نعيش انبعاثًا في عالمنا الداخلي؟!

كل هذه أمورٌ نفتقدها.. ربما نُلزِم الآخرين بتكاليف معينة باسم الإسلام في حين أننا في هذا الموضوع نسير أضعف السير، فيا تُرى هل نحبّ الذات التي نعمل على تحبيبها للآخرين بالقدر الذي تشتاق إليها نفوسُنا؟ يُروى أن “فرحات” خرق الجبال من أجل حبه لـ”شيرين”، فماذا فعلنا نحن للوصول إلى محبوبنا؟ هل حلجنا كتابَ الكون لشعورنا بالشوق والاشتياق إلى ملء وعاء معرفتنا؟ هل لم نكتف بما في أيدينا وطلبنا المزيد؟ أي هل بذلنا جهدَنا ومساعينا في سبيل أن نحب الله صدقًا، ونكون عبادًا لربّنا حقًّا؟ هذه هي أكثر الأشياء التي نحتاجها.

فإن لم يكن لدينا مثل هذا العزم والثبات والجهد والسعي؛ فلن نتخلّص من التقليد، ولا يعدو إسلامنا أن يكون إسلامًا نظريًّا تقليديًّا، ومن كانت حالهم هكذا فلن يقدروا على إحداث انبعاثٍ جديد.

 

[1] بديع الزمان سعيد النورسي: اللمعات، اللمعة السابعة عشرة، ص 188.

[2] بديع الزمان سعيد النورسي: صيقل الإسلام، ص 411.

[3] بديع الزمان سعيد النورسي: السيرة الذاتية، ص 173.

حب الدنيا

Herkul | | العربية

حبُّ الدنيا لا حدود له عند الإنسان.. فالإنسان يتعلق بالدنيا ويركض وراء رغبات وأهواء لا تنتهي وكأنه لن يموت أبدًا، والعجيبُ أن هذه المشاعر لا تضعف ولا تقلّ أبدًا حتى وإن تقدم بالإنسان العمرُ، ففي الحديث الشريف: “لا يَزالُ قَلْبُ الكَبِيرِ شابًّا في اثْنَتَيْنِ: في حُبِّ الدُّنْيا وطُولِ الأمَلِ”[1].

إن حبَّ الدنيا وطول الأمل أمورٌ يدعم ويغذّي بعضُها بعضًا، ومَن يحبّ الدنيا يعقدْ عليها آماله ويعشْ وكأنه سيُخلَّدُ فيها أبدًا.. فتوهُّمُ الخلودِ يأتي في المرحلة الأولى من طول الأمل.

وكما هو معلومٌ تحدّث بديع الزمان سعيد النورسي رحمه الله عن ثلاثة وجوه للدنيا[2]، وأشار إلى ضرورة الإعراض عن وجهها الذي ينظر إلى جسمانيتنا ويشحذ غفلتنا؛ لأن هذا الوجه هو الذي يجعلنا نركض وراء عرض الدنيا وكأننا سنخلد فيها، وهو الذي يُلهينا ويبعدنا عن ربنا عز وجل؛ بأن يُدخل في أذهاننا أوهامًا توحي بتوهّم الخلود.

ويُعرّف الأستاذ النورسي الدنيا في موضع آخر من رسائل النور فيقول: “الدنيا غدّارةٌ مكّارةٌ، إن متَّعَتْك مرّةً كلَّفَتْكَ وجرَّعَتْكَ ألفَ ألمٍ، وإن أطعمَتْك عنبًا مرّةً صفعَتْك ألفَ مرّة”[3]، وللأسف ينشد إنسان اليوم في هذه الدنيا الفانية ما يُكتسَب في الآخرة، ويحاول أن يناله في الدنيا.

الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ

إن متاع الدنيا وملذّاتها المؤقتة يخدع الكثيرين، بل يمكن القول إن هذا الأمر قد ازداد بنسبة كبيرة في عصرِنا الراهن، وفي القرآن الكريم: ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ﴾ (سورة إِبْرَاهِيمَ: 14/3).. ومع أنَّ هذه الآية الكريمة قد نزلت في غير المؤمنين، وقصَدَت الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخِر، ويرون الدنيا كلَّ شيء؛ إلا أنه لا بدَّ للمسلمين أن يستلهموا منها الدروس والعبر.

وينبغي التوقّف عند أمرين مهمّين في هذه الآية: أولهما: هو صدّ الناس عن سبيل الله، والآخر: هو تعويج طريق الحقّ؛ وهذا يعني أن الإنسان الذي يؤْثر الحياة الدنيا على الآخرة عمدًا يتعرّض لإصابات خطيرة أو يُصاب بفيروسٍ من شأنه أن يدمّر حياته المعنوية دون وعيٍ منه، وإنسانٌ مصابٌ هكذا يتّخذ مع الوقت موقفًا مناهضًا للدين وللمؤمنين.. ولو رجعنا إلى كلام الأستاذ النورسي مرة أخرى نجده يقول: “إن في كلّ إثمٍ وخطيئةٍ طريقًا مؤدّيًا إلى الكفر، وكلُّ ذنبٍ يلج القلب يشقّ جروحًا غائرةً في قلوبنا، ويفجّر قروحًا داميةً في أرواحنا”[4]، ومن ثم لا بدَّ من تحديد خطِّ السير بشكل جيد للغاية في بداية الأمر، وتحقيق توازنٍ حقيقيٍّ بين الدنيا والآخرة.

إن الذي يجعل الدنيا هدفَه الأساس ومعشوقَه الحقيقي، ويقف بمعزلٍ عن الدين؛ يصلُ مع الزمن إلى نقطةٍ معيّنة، ويدخل في حلقةٍ مفرَغةٍ؛ بحيث إنه يظلّ بعيدًا عن الدين، ويسعى إلى صدِّ الآخرين عن سبيل الله أيضًا، وبذلك يحول دون وصول الناس إلى المعتَقَدِ الصحيح والفكر السليم؛ سواء كان ذلك عن قصدٍ منه أم لا.

 ثم إن مثل هذا الشخص يحرص على تعويجِ الطريق القويم الذي أرشدَ إليه الدينُ وتحريفِ مساره؛ فيتكلم ضدّ الدين، وينتقد القيم التي جاء بها الدين، ويصرف الناس عنها، ومن ثَمّ يقوده الطريقُ المعوجُّ الذي سلكه من البداية إلى أخطاء كبرى، ولو فتَّشْتم في أخيلتكم، وتجوَّلْتم داخل مجتمعكم، وراجعتم تجاربكم فستلاحظون أن نسبة كبيرة من هذه الأمور تحدث الآن، فالكثيرون ما زالوا يتخبطون في مثل هذا الغيِّ الذي انزلقوا فيه.

والواقع أن الحياة الدنيا ليست بالمكان الذي يجدرُ بالإنسان أن يختاره؛ لأن عاقبتها معروفة، فحتى ولو أراد الإنسان واجتهدَ فإنه لا ولن يستطيع البقاء في الدنيا على الدوام؛ فثمة رحلةٌ أمامه إلى القبر.. ولذلك يتحدّث بديع الزمان سعيد النورسي عن هؤلاء الذين يتشبّثون بالدنيا ويفضّلونها على كلّ شيءٍ بسبب طول الأمل وتوهّم الخلود فيقول: “يا أسفى! لقد خُدعنا، فظننا هذه الحياة الدنيا مستقرّةً دائمة، وأضعْنا بهذا الظنّ كلَّ شيءٍ! نعم، إن هذه الحياة غفوةٌ قد مضت كرؤيا عابرة”[5].

وبما أن الدنيا قد انفتحت اليوم على الناس بكلِّ مفاتنها فقد انخدع بها الكثيرون، وعاشوا حياتهم وكأنهم خالدون فيها أبدًا، ولا جرم أن الركون إلى الدعة والراحة، والاشتغالَ بالأهل والعيال، والرغبةَ في العيش والبقاء؛ يصرف الناسَ عن شعور المجاهدة في سبيل دينهم.. لقد تسلّط حبُّ الدنيا على كثيرٍ من الناس، فدمَّر آخرتهم وجعلهم من الخاسرين.. ونظرًا لأنهم ركّزوا على الدنيا فقط، وأَوْلَوها كلَّ اهتمامهم؛ لم يستطيعوا التفكير أو رؤية شيءٍ آخر، ولو فعلوا فإن الدنيا تبدو أكثر جاذبيةً لهم، ولذلك فإنهم يستغلون اختياراتهم في هذا الاتجاه.

وإنهم بهذه النظرة يخسرون آخرتهم، كما يضيّقون الدنيا على أنفسهم، ويحوّلونها إلى سجنٍ لهم، فلا يجدون الراحة والسكينة فيها مطلقًا، وإنني أعجب من حال هؤلاء المولعين بالدينا! كيف ينغمسون في ملذّات الدنيا رغم علمهم بأن القبر يقف ماثلًا أمامهم بعظام السابقين النخرة، وأنهم عما قريب سيكونون تحت ترابٍ تنتشر فيه العقارب والحيات. ربما لا يتمكنون من فهم حقيقة الأمر بشكل كافٍ؛ بسبب ثملهم بالملذات الدنيوية أو لأنهم يعيشون نوعًا من التنويم المغناطيسي؛ وإلا فإن الحياة القصيرة التي تنتهي بالموت إلى القبر لا تُسمَّى حياة. وحياةٌ قصيرةٌ هكذا لا تكفي أن تُسعد الإنسانَ حتى ولو كانت قطعةً من الجنة، فما يجعل الجنةَ جنةً هو أبديتها، وارتباطُها بالله تعالى.

والملحدون مخدوعون تمامًا في هذه المسألة، بل وبعض المؤمنين أيضًا تغرّهم الحياة الدنيا فيفتنون بها، ويوجد أيضًا بين الذين كرسوا أنفسهم للغاية المثلى مَن استولت عليهم الدنيوية والعلمانية إلى حدٍّ ما، ولو اطّلعتم على حال أكثر الناس تديّنًا لوجدتم بينهم من يضع خططه وبرامجه وفقًا لدنياه؛ حيث أسَرَتْهم الراحة والركون إلى الدعة والخمول، وانهزموا أمام حرصهم وأطماعهم. فهذا الجرثوم الذي يعيش داخل الملحدين يصيب المؤمنين أيضًا ويُمرضهم روحيَّا، ويمكن القول إن هذا يقبع وراء كل سلوكٍ خاطئ.

الثبات والحزم أمام الدنيا

من أهم سبل الوقاية من شرور الأمراض المعنوية مثل حب الدنيا، والحرص والطمع فيها؛ تقويةُ الصلة بالله تعالى، فلو لم يقوِّ الإنسان صلته بالله تعالى بما يتناسب طرديًّا مع تقدمه في العمر فقد خسر في زمن هو أدعى للكسب، لقد كانت التكايا والزوايا قديمًا -وأقول قديمًا لأنها لم تعد في أيامنا تقوم بوظيفتها المنوطة بها- كانت تعطي جرعةَ مناعةٍ من تأثير مثل هذه الجراثيم، فكانت النفوس تجدُ من خلال التكايا والزوايا خلاصًا من هذه الأمراض بفضل تزكية النفس وتصفيتها وتنقيتها، لكن للأسف لم تعد هذه الفرصة متاحة الآن، فالكثيرون يركضون وراء دنياهم، ويعيشون حياتهم تبعًا لهواهم، حتى أصبح من المألوف إيثار الدنيا على الآخرة.. فالجميع يسعى بأقصى سرعة وراء الدنيا، لا همّ لهم سوى اقتناص أكبر قدرٍ منها، فإن لم ننتبه فمن الممكن أن نقع تحت التأثير الإشعاعي للأفكار والمشاعر الدنيوية، ونستهلك نِعَم الآخرة في الدنيا.

فمن الأهمية بمكان الوقوف في ثباتٍ وصمودٍ أمام الدنيا لا سيما في هذا العصر الذي تكشف فيه الدنيا عن مفاتنها المبهرة، وتُوقِعُ الناسَ في شباكها، ولكن هذا ليس سهلًا يسيرًا، فلا بدّ للذين يحسبون أنهم يتقدمون بخطى ثابتةٍ على أرضٍ تكثر فيها المزالق والعثرات أن يتوخّوا أعلى درجات الحذر، فثمة حاجة ماسة إلى بذل الجهد واستيفاء الإرادة حقّها، ندعو الله رب العالمين أن يثبت قلوبنا على دين الإسلام!

حاصل القول: إن الناس ولو شاخوا وتقدّم بهم العمر فإن حبّ الدنيا الكامن في داخلهم وتوهّم الخلود فيها، وغير ذلك من المشاعر لا تشيخ، بل تقوى وتزداد.. من أجل ذلك يجب بذل مزيد من الجهد لقمع هذه المشاعر الضارة وتهذيبها، والسبيل إلى ذلك هو التفكير في فناء الدنيا، ومحاسبة النفس، والشعور بالشوق إلى الله والآخرة، والتعلق بالعبادة، والاشتغال بالخدمة في سبيل الله كلّما زاد حبّ الدنيا والرغبة في المقام والمنصب وتوهّم الخلود، بهذا فقط يستطيع الإنسان حماية طريق سيره حتى نهاية العمر، فإن لم نتحكم في أهوائنا، ونحاسب أنفسنا، ونرغم النفس على عمل الصالحات؛ فلا يمكننا أن ندرك خطورة الأمراض المعنوية التي أشار إليها الحديث، ولا كيف أنها ستقلبنا رأسًا على عقب، حفظنا الله تعالى جميعًا من هذه العاقبة الوخيمة. آمين.

[1] صحيح البخاري، الرقاق، 5.

[2] الدنيا لها ثلاثة وجوه: الوجه الأول: ينظر إلى أسماء الله الحسنى ويبين آثار تلك الأسماء ونقوشها، وتؤدي الدنيا -بهذا الوجه- وظيفة مرآة لتلك الأسماء بالمعنى الحرفي، فهذا الوجه مكاتيب صمدانية لا تحد، لذا يستحق العشق لا النفور، لأنه في غاية الجمال. الوجه الثاني: وجه ينظر إلى الآخرة، فهو مزرعة الآخرة، مزرعة الجنة، موضع أزهار أزاهير الرحمة الإلهية، وهذا الوجه جميل كالوجه الأول يستحق المحبة لا التحقير. الوجه الثالث: وجه ينظر إلى أهواء الإنسان، ويكون ستار الغافلين، وموضع لعب أهل الدنيا وأهوائهم، هذا الوجه قبيح دميم، لأنه فانٍ، زائل، مؤلم، خداع. (الكلمات، الكلمة الثانية والثلاثون، ص 728).

[3] بديع الزمان سعيد النورسي: المثنوي العربي النوري، ص 280.

[4] بديع الزمان سعيد النورسي: اللمعات، اللمعة الثانية، ص 11.

[5] بديع الزمان سعيد النورسي: الكلمات، الكلمة السابعة عشرة، ص 247.

إرساء روح الأخوة

Herkul | | العربية

سؤال: ما الذي يجب مراعاته حتى لا يكون تنوّع المشاعر واختلافُ الأفكار التي يحملها مَنْ يسيرون نحو هدفٍ واحدٍ سببًا للفرقة والخلاف؟

الجواب: بادئ ذي بدء أرى من المفيد التركيز على نقطةٍ أشِير إليها في السؤال أيضًا، فمن الأهمية بمكان أن يكون للإنسان غاية مثالية، وأن يحدّد لنفسه هدفًا ومقصدًا واضحًا، فالإنسان الذي يخرج لتبليغ دين الله في كل الأرجاء عليه أن يستوعب جيّدًا منذ البداية ماهية الطريق التي يسلكها، وخصوصياتها، وما الذي ستقوده إليه هذه الطريق، ولا يكتفي بربط الأمر بالتصديق العقلي، بل يحرص على أن يسير قلبه ومشاعره ولطائفه في نفس الاتجاه الذي يسير فيه عقله، وأن يحصر همّته ويبذل وسعه في سبيل تحقيق غايته المثالية، وأن يظلّ في هذا الاتجاه على الدوام.

القواسم المشتركة

فإذا كان هؤلاء الأشخاص المختلفون فكرًا وشعورًا قد تكاتفوا من أجل قضيّةٍ واحدةٍ، وحدّدوا الطريق التي يسيرون فيها والغاية التي يطمحون لتحقيقها، وتمكنوا من إقامة التعاون والتناغم القلبي فيما بينهم؛ فهذا يعني أن ثمة قواسم مشتركة تجمع بينهم.. ولا ننسَ أنه كلما زادت القواسم المشتركة بين الناس، وكلما زاد وعيهم بها؛ كان من السهل عليهم التفاهم والاتفاق؛ ولهذا السبب لفت بديع الزمان سعيد النورسي الانتباه إلى النقاط المشتركة التي تجمع بين المؤمنين في رسالته “الأخوة”، ورتّبها على حسب الأهمّيّة وسردها واحدةً تلوَ الأخرى.. وهذا أمرٌ لا بدّ من التأكيد عليه؛ فثمّة حاجة ماسّة إلى تحديد القواسم المشتركة واستيعابها جيدًا، ومن ثمّ تفصيلها، وتبليغها للناس بأسلوب لائق.

على سبيل المثال قد لا يكفي بالنسبة للجميع الحديثُ عن القاسم المشترك للإسلام من أجل إقامة الوفاق والاتفاق بين المسلمين، فهذه القضية تحتاج إلى مزيد من التفصيل والشرح ومشاركة المشاعر والأفكار، ولقد أشار الأستاذ النورسي رحمه الله إلى هذا الأفق بقوله: “إن خالقكم واحد، مالككم واحد، معبودكم واحد، رازقكم واحد… وهكذا واحد واحد إلى أن تبلغ الألف، ثم إن نبيكم واحد، دينكم واحد، قبلتكم واحدة… وهكذا واحد واحد إلى أن تبلغ المائة، ثم إنكم تعيشون معًا في قرية واحدة، تحت ظل دولة واحدة، في وطن واحد… وهكذا واحد واحد إلى أن تبلغ العشرة”[1].

والمقصود مما ذُكر هنا من أعداد مثل العشرة والمائة والألف ليس الكم بل الكيف، فبديع الزمان يلفت الانتباه بهذه الأعداد إلى أهمية القواسم المشتركة، فيعبر عن أهمية الكيف بالكم، وكما أن حقيقة الوحدانية تسبق حقيقة النبوة، فلا شك أن وحدة الدين والقبلة أسمى وأعلى من أن تُقارن بوحدة القبيلة أو العشيرة التي ينتسبُ إليها، فلو حُدّدت القواسم المشتركة بشكل جيد، وأُكِّدَ عليها في كل مناسبة؛ وتقبّلها الإنسان في عالمه القلبي والعقلي؛ فمن الممكن حينذاك منع الصراعات والنزاعات بنسبة كبيرة.

كلُّنا بشرٌ، نحمل أنواعًا مختلفة من الحساسيات ونقاط الضعف، ولا ريب أننا ننزعج أحيانًا من كلام البعض أو أفعالهم أو تصرّفاتهم، إلا أن للقواسم المشتركة التي تحدثنا عنها آنفًا تأثيرًا قويًّا في توحيد الصف وجمع الكلمة؛ حيث إن من يأخذ هذه القواسم بعين الاعتبار ويستخدم إرادته في هذا الاتجاه يمكنه أن يتجاهل عوامل الانقسام والإقصاء، ويغض الطرف عنها.. فإن عِظمَ القواسمِ المشتركة التي تُلزمنا بالوحدة والاتحاد تُصغِّر في عينيه عوامل الصراع وتقضي عليها، فيبادر هذا الشخص إلى أن يقمع بإرادته العديدَ من السلبيات التي لا يستطيع تقبّلها وفقًا لطبيعته الشخصيّة، ويقول: طالما ربنا واحد، ونبيّنا واحد، وقبلتنا واحدة، ونتقاسم همًّا واحدًا، ونعيش معًا في بلدة واحدة، ونسعد بأشياء واحدة، ونتعرض لهموم واحدة، فلِم أفسد الأخوة التي بيني وبين إخوتي؟!”.

الوفاء بحق الإرادة

ورغم ما ذكرناه فلا بدّ أن ندرك أنه لا يمكن تجنّب الخلافات تمامًا مهما فعلْنا، وهذا يرجع إلى سببين رئيسين:

الأول: أن الإرشاد والتبليغ والنزعةَ إلى الخير والتربيةَ قد لا يحدثون التأثير نفسه عند الجميع، فمهما حاولتم إقناع الناس بأيِّ غايةٍ مثاليّة، أو اجتهدتم في إعادة تأهيلهم أو في إنعاش المشاعر الإنسانية بينهم؛ فسيكون هناك بالتأكيد أناسٌ يتبعون النفس والشيطان، وقد لا يُحدث الوعظ والنصيحة والتبليغ والإرشاد التأثيرَ نفسه في الجميع.

 الثاني: أن الله تعالى خلق الناس مختلفين، وخصّ كلَّ فردٍ بسمات متباينة، فإن لم تُراع هذه الاختلافات؛ فقد تتحوّل إلى أداة للنزاع والصراع.

لذا فعلينا أن نفي بالمسؤولية الملقاة على عاتقنا، وأن نبذل قصارى جهدنا لإبعاد الناس عن الأفعال والسلوكيات غير الإنسانية، وأن نبيّن لهم أنه لا يجدر بالإنسان الاعتداء على الآخرين واغتصاب حقوقهم والشجار معهم ومناطحتهم، ينبغي أن نسعى كلَّ ما في وسعنا في سبيل انسلاخ الناس عن الحيوانية، وانفصالهم عن الجسمانية، وارتقائهم في مدارج حياة القلب والروح.

ولو شاء ربك لجعل الناس أمّةً واحدة ولا يزالون مختلفين، ولذلك خلقهم.. لو شاء الله لجعل الناسَ على مشربٍ واحدٍ ومزاجٍ واحدٍ، وبالتالي فلا تتباين أفكارهم ومشاعرهم، ولا يتنازع أحدٌ مع أحدٍ، ومن ثم لا تعد هناك حاجة إلى الإرادة، بيد أن دخول الجنة تفضُّلٌ من الله على الإرادة على مستوى الشرط العادي، فالإيمانُ وفهم الإسلام والوصولُ إلى مشاعر الإحسان؛ كلُّها جماليّات أسبغها الله على الإرادة، والله تعالى ميّز الإنسانَ عن باقي المخلوقات بالإرادة، بل إن الإنسان يتميز عن الملائكة بقدرته على استخدام إرادته؛ لأن الملائكة لا يملكون إرادةً بالمعنى الذي نعرفه أو لديهم إرادة لكنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يُؤمرون.

وهكذا فإن ما يقع على عاتق الإنسان الذي تميّز عن سائر المخلوقات بالإرادة والاختيار هو الوفاء وإعطاء الإرادة حقها؛ حتى يستطيع العمل مع إخوانه في وفاقٍ واتّفاق، المهمّ هو أن يكون الإنسان قادرًا على القيام بذلك دون إثارة ضجّةٍ أثناء السير في الطريق متّجهًا نحو الهدف، وأن يكون على توافقٍ حتى مع الذين لا يفكّرون مثله، ولا يتصرّفون مثله، ويخالفونه في أفكاره ومشاعره. أجل، قد يتلاعب البعض بأعصابنا، وقد يخالفوننا في أحوالهم وأفعالهم وأفكارهم ومشاعرهم، وربما ننزعج بسير بعضهم وضحكهم وإيحاءاتهم، لكن الله تعالى قد أعطانا سلاحًا مهمًّا للتغلّب على مثل هذه المشاعر السلبية، فلو استخدمناه في محلّه؛ فلن نخضع لتأثير مثل هذه المشاعر والأفكار السلبية، ولن نسمح بانعكاسها على أفعالنا وتصرفاتنا، بل إننا ربما سنرى هذه الأفعال المنفّرة القبيحة بالنسبة لنا الآن أشياء جميلة ورائعة في المستقبل.

وجهة نظر

ولو لاحظنا فإن معظم المواقف والسلوكيات التي تصيب الناس بالتوتّر والعصبية ليست من الأشياء التي يحظرها الدين، غالبًا ما يرجع هذا الأمر إلى تقييماتنا الذاتية وعاداتنا ووجهات نظرنا، فمن يفكر بسلبيّة وينظر إلى من حوله بسلبيّة يرى المشكلات في الجميع، فيجد في كلّ واحدٍ فيهم ما يعيبه عليه أو ينتقده فيه، فنراه ينزعج من كلام هذا، ومن وقع أقدام ذاك، ومن نمط عمل ذلك، ومن سلوكيات هؤلاء.

ولبديع الزمان سعيد النورسي كلامٌ نفيسٌ في هذا السياق، حيث يقول: “مَنْ أحسن رؤيته حَسُنتْ رويّته وجمل فكره، ومن جَمُلَ فكرُه تمتّع بالحياة”[2]، فإذا نظرنا إلى الأمر بشكل معكوس فسنلاحظ أن الشخص الذي يفكر بسلبية، ولا تقع عينه دومًا إلا على الجانب القبيح من الأشياء، ويضخّم الأشياء الصغيرة؛ فإنه دائمًا يسخط على حياته، وينزعج ويضيق صدرُه من كل ما يراه ويسمعه؛ لأنه يقيس كلَّ مسألةٍ بمعاييره الذاتية، والأدهى من ذلك أنه يحكم منذ البداية على أيّ موقفٍ أو سلوكٍ بأنّه مزعج، ولا ينفكّ عن التفكير في ذلك في حِلِّه وترحاله، فيجعل حياته غير قابلة للعيش فيها، ولو أنه عوّد نفسه على التفكير بشكلٍ جميلٍ؛ فسيتجاهل ويتعامى بعد فترة كلَّ هذه الأمور السلبية، فلا يزعجه تنوُّع المشارب والأمزجة والمذاهب. ولكن أنوه مرة أخرى على أن هذا منوطٌ باستيفاء الإرادة حقها، وبذل الجهد قليلًا.

الجنة محفوفة بالمكاره

يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “حُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكارِهِ[3] وهذا يعني أننا سنواجه صعوباتٍ شديدةً على النفس عند السير في طريق الجنة، فكما أن أداء العبادات على الوجه الأكمل، والابتعادَ عن المحرمات يثقلان على النفْس؛ فإن تحمُّلَ رفقاء الطريق، والصبرَ على أذاهم وجفائهم أيضًا؛ لَيُعدَّان من مشاقّ الطريق إلى الجنة.

ويتوقّف التغلّب على هذه الصعوبات على التعمّق في الإيمان، والتخلّق بأخلاق الإسلام، فإذا أصبح الناس يعانقون بعضَهم ويتراحمون فيما بينهم بعدما كانوا في الجاهلية ينهش بعضُهم لحم بعضٍ، ويتناحرون فيما بينهم؛ فهذا يرجع إلى التخلّق بأخلاق القرآن والإسلام، لا ريب أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا ذوي أمزجة وطبائع مختلفة، حتى إن أبا بكر رضي الله عنه كان يختلف طبعه تمامًا عن طبع عمر رضي الله عنه، وكذلك كان أبو ذر وعثمان رضي الله عنهما، ورغم كل هذه الفروق في الأمزجة والطبائع أقاموا أخوّة ملحميّة فيما بينهم، وبحسب قول الرسول صلى الله عليه وسلم: “كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا[4] كانوا متشابكين بإحكام مع بعضهم البعض، وحتى وإن وقع بينهم موقفٌ غير لائق أحيانًا فسرعان ما كانوا يعالجونه، وقد صار هذا المجتمع بطلَ الإرادة بفضل قدرته على استيعاب الوحي جيّدًا.

فلو أننا جعلنا الإيمان والإسلام والإحسان جزءًا من فطرتنا لاستطعنا ترقيق حدّة طبعنا، وتهذيب مشاعرنا السلبية شيئًا فشيئًا، وأدركنا حينئذ أن ما كنا نعتبره مشكلة حتى ذلك اليوم لم يكن كذلك في الحقيقة، واستوعبنا فكرة خلقِ الله تعالى كلَّ إنسانٍ على مزاجٍ مختلِفٍ وطبيعةٍ متباينةٍ، وقيّمنا تصرفات الآخرين وسلوكياتهم بمعايير الدين وليس بمعاييرنا الذاتية.

ولا ننسَ أن الإنسان جُبِل على اقتراف الذنوب وارتكاب الأخطاء، وأن له عدوين لدودين هما النفس والشيطان.. فإذا توقعنا أنه سيظلّ طوال حياته لا ينحرف عن الاستقامة ولن يقترف أيّ ذنبٍ؛ فقد نُصاب بخيبة أمل؛ حيث إن كلَّ شيءٍ متوقَّعٌ من الإنسان؛ لأنه مخلوقٌ مؤهّل للتنقل في ساحةٍ واسعة بين أعلى عليين -وهي أرفع مكانة يمكن لمخلوق أن يصل إليها- وبين أسفل سافلين -وهي أحطّ وأدنى دركة يمكن لمخلوق أن يتدنى إليها- فينبغي أن يسلِّم الإنسان بهذه الحقيقة في البداية، وأن يقيم علاقاته مع الناس على هذا الأساس، وأن يأخذ في اعتباره ما يمكن أن يصدر منهم من سلبيات.

فهل يأمن أحدُنا على نفسه في هذا الموضوع؟! أو مَن منا يودّ أن تُكشف عيوبه وتظهر أخطاؤه؛ فيبتعد عنه أصدقاؤه؟! يجب أن نعلم جيدًا أن ما نتوقّعه من الناس يتوقّعه الناس منّا أيضًا، المهمّ هو أن نعرف كيفية التعامل مع الناس على الرغم من اختلافاتهم وأخطائهم وعيوبهم، وأن نجد وسيلةً للتوافق معهم، وألا نسمح للسلبيات بأن تفسد الوحدة والتضامن فيما بيننا.

أولى الأولويات

يجب على الذين استهدفوا أعلى مرتبةٍ -وهي رضا الله- وحصروا همتهم على أسمى هدف -وهو دعوة الناس إلى الله- أن يكونوا متسامحين أكثر مع رفقاء دربهم لا سيما على من نذروا أنفسهم، والذين يتبنَّون هذه الفكرة لا يضخّمون الأشياء الصغيرة، ولا يجعلون من اللامشكلةِ مشكلةً، ولا يفسدون الأخوّة التي فيما بينهم، لأنهم يعلمون أن طريق الحق تحفّه بعض الصعوبات والمشقات ويتحملون ويصبرون على هذا، نظرًا لأنهم يعلمون أن الوفاق والاتفاق هما أعظم وسيلة للفوز بالتوفيق الإلهي فإنهم لا يحوِّلون وفاقهم واتفاقهم إلى خلافات وصراعات؛ حتى لا يكونوا حجر عثرةٍ أمام عناية الله.

من المتعذر اليوم أن نقول: لقد تمكّنّا من تأسيس أخوّة قويّة بالقدر الذي تحقّق بين المهاجرين والأنصار، ورغم هذا فإن قدرتَنا على السير في هذا الطريق دون صراعٍ أو خلافٍ كبير بيننا يُظهر بوضوح أن عنايةً من الله تشملنا.. فإذا كان الله تعالى يقابل هذا القدر الزهيد من الأخوّة بهذا القدر الوافر من العناية والرعاية؛ فربما لا تقع بيننا مشاكل كبيرة بفضل الأخوّة القويّة الصادقة التي سنعزّزها فيما بيننا، ومَنْ يدري! فقد يتفضّل المولى علينا بألطافٍ ونِعَمٍ كثيرة، وحينذاك نحن أيضًا لن نهدر قوتنا وطاقتنا بمحاولة معالجة المشاكل والاضطرابات فيما بيننا وتعويضها، ولكن سنستخدمها للقيام بتنفيذ خدماتنا على نطاق أوسع فأوسع.

إن إقامة روح الأخوة على المستوى المطلوب تعتمد على التركيز خاصةً ودومًا على الأخوة وتحفيز الناس على ذلك. أجل، يجب أن نركّز باستمرار على فكرة الإيمان وشعور الأخوّة وفلسفة الخدمة؛ بغض النظر عن الأسماء والألقاب والنظام والأداء والبيروقراطية والإدارة، وأن نبذل جهودنا لتطوير هذه المفاهيم بكل جوانبها في الأرواح، وأن نُعِدّ البرامج ونطوِّر الأنظمة وننشئ المنظمات من أجل إنعاش هذه الجهود والمساعي، ولا بد أن يكون الموضوع الأساس في اجتماعاتنا هو مذاكرة المسائل المتعلقة بالله ورسوله والدين والإيمان، لا بدّ أن نركّز على هذه الأمور لدرجة أننا ننسى ما لا بد أن نناقشه أحيانًا من أجل الخدمة، ولا نتذكّره إلا أثناء الخروج من الباب، وعندها نقول مثلًا: “لقد سمحوا لنا بفتح خمس مدارس في المكان الفلاني”، أو نقول: “ما دمنا قد اجتمعنا فلنتشاورْ حول هذه المسألة أيضًا”.

إننا مع الأسف قد أفسدنا ترتيب الأولويات، واعتقدنا أن القضايا الثانوية هي القضايا الأصلية، ومن ثم فعلينا أن نعلم أننا إذا أخّرنا ما لا بدّ من تقديمه، وقدّمنا ما لا بدّ من تأخيره؛ فلن نتخلّص من الصراعات والنزاعات، ولن نتغلّب على المشاكل والاضطرابات.. فبعضُ المشاكل التي نشهدها اليوم تكمن وراءها مثل هذه الأسباب.. فإن وضعَ الإستراتيجيات وإعدادَ البرامج وتنظيمَ الأنشطة وغيرها من القضايا المهمّة التي تصبّ في مصلحة الخدمة ليست هي القضايا الأكثر أهمّية لدينا.. إن أهم شيءٍ بالنسبة لنا هو أن نحافظ على ذاتيتنا، وأن نتغذى روحيًّا، وأن نكتشف أعماقنا مرّة أخرى، وأن نبتغي بذلك رضا الله دائمًا، وأن نحرص على القيام بما يحملنا إلى أفق الرضا، أو كما نقول دومًا: الحديث عن الحبيب جل وعلا.

[1] بديع الزمان سعيدد النورسي: المكتوبات، المكتوب الثاني والعشرون، ص 321.

[2] بديع الزمان سعيد النورسي: المكتوبات، نوى الحقائق، ص 372.

[3] صحيح مسلم، الجنة، 1.

[4] صحيح البخاري، الصلاة، 87؛ صحيح مسلم، البر والصلة، 65.

معضلة الأسلوب في التبليغ

Herkul | | العربية

إن كلَّ مؤمنٍ مكلَّفٌ بتبليغ دينه في حدود قدراته ومؤهلاته وإمكاناته وموقعه، لكن معرفة الكتاب والسنة سطحيًّا لا يكفي وحده لتبليغ الدين، فلا بد من وضع خطة جيدة وتحديدِ ما ينبغي القيام به في البداية لتحقيق هذه الوظيفة المهمة، لكن للأسف لما لم يتّبع العديدُ من المسلمين اليوم المنهج السليم في الإرشاد والتبليغ صرفوا الناسَ عنهم، بل ونفّروهم من الدين، علمًا بأن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “بَشِّرُوا وَلَا تُنفِّرُوا، وَيَسِّرُوا وَلَا تُعسِّرُوا”[1]، فمن الأهمية بمكان عدم التشديد في قضايا الدين، وعدم إشعار الناس بأنها شيء غير قابل للتطبيق، وعدم صرف الناس عنه.

إن الدين الإسلامي يقوم على اليُسْرِ والتيسير.. وإن الغلوَّ في الدين، والتنطّعَ فيه، وعدمَ مراعاة طبائع البشر وفطرتهم لهو أمرٌ يخالف روح الدين.. فقد أوصانا النبيُّ صلى الله عليه وسلّم بتجنّب الغلوّ في الدين، وأمرَنا بالتيسير والتبشير، ونهانا عن التعسير والتنفير، فينبغي للمؤمن الحقيقي أن يراعي ما يجذب الناسَ ويجتنبَ ما ينفّرهم، وأن يكون ديدنُه تيسيرَ الأمر على الدوام، وأن يحاول أن يكسب القلوب باللين والشفقة.

صرف الناس عن الدين

للأسف ينفِّر الكثيرون اليوم الناس من الدين بسبب شدتهم وغلظتهم.. ونظرًا لجهلهم بما يبلّغون ومتى وأين يبلغون، ولعدم تمكّنهم من تحديد الأسلوب الملائم لكلّ مخاطَبٍ يحصل لدى الناس استياءٌ ونفورٌ من القيم الدينية.

وإننا اليوم لنعاني أشدَّ المعاناة بسببِ عدمِ امتثالِ المسلمين بما فيه الكفاية لنهج النبي صلى الله عليه وسلم في التبليغ والدعوة، وعدم عرضهم القضايا الدينية بحكمةٍ وموعظةٍ حسنةٍ كما ينبغي.. ولهذا السبب نفر الآخرون من الدين، وابتعدوا عن المسجد، وانتابهم الخوف والذعر منا بسبب لجوئنا إلى الشدّة والعنف والغِلظة والفظاظة في عرض القضايا الدينية؛ فانصرفوا عنا.

 لقد حطَّمْنا آمالَ الناس بأسلوبنا الخاطئ ومنهجِنا القاصر في التبليغ، إذ إننا لما كاشفْنا الناس بأخطائهم، وحكمنا بعدم أهليتهم وكفاءتهم، وصعَّبنا الدين عليهم؛ أخلَلْنا بالعلاقة بين الله تعالى وعباده، واضطررْنا إلى دفع فواتير باهظة بسبب أخطاء بسيطة وقعنا فيها.

وقد طرقَت أسماعَنا عباراتٌ مؤلمةٌ من قبيل: “ذهبتُ مرة إلى المسجد لأداء صلاة العيد، وليتني لم أذهب!”، كما شهدنا انصراف الكثيرين عن المسجد بسبب الإمام، كما أدّى كلام بعض الوعاظ إلى نفور البعض من الدين؛ وهذا يعني أننا نتعنّت في تبليغ أوامر الدين، فيا تُرى ما الأشياء السلبية التي تكلمنا فيها مع الناس فأبعدناهم عن الدين؟

لنضرب على ذلك مثالًا برجلٍ دخل المسجدَ مرَّةً واحدة لأداء صلاة العيد، فلو حدث وقلتم له: “طوال العام لا تغدو إلى المسجد، ولا تصلي الجُمَع! ثم تنتظر أن يعفو الله عنك لشهودك صلاة العيد فقط!”؛ فسيعتقد أنه من العبث مجيئُه، ولن تطأ قدمُه عتبةَ المسجد مرة أخرى.. بيد أن ما يقع على عاتق رجل الإرشاد والدعوة هو دعم مثل هذا الشخص بكلامه وأفعاله، والأخذ بيده، وعدم السماح بأن ينقطع عن المسجد مرة أخرى بعد ما وطِئَتْه قدمه.

ربما يتخذنا هؤلاء الأشخاص الذين جاؤوا إلينا وطرقوا بابنا مصاعدَ ومعارجَ يرتقون بها إلى الحقيقة، فأرادوا أن يسترشدوا بكلامنا وسلوكياتنا وأحوالنا وتمثيلنا كي يصلوا إلى حيث ينبغي، لكننا أخفْناهم بما رأوه وسمعوه منا وبما لاحظوه من أفعالنا وتصرفاتنا، فأبعدناهم عن الدين ونفّرناهم منه.. والحال أن ما يقع على عاتقنا هو التبشير وليس التنفير.. فإن لم تعرضوا المسألة على المخاطب على أنها شيء سهل وقابل للتطبيق لا سيما في بداية الأمر؛ فسيخاف منكم ويفرّ بعيدًا عنكم.. فمن الأهمية بمكان تيسير الأمر على الناس، وتحاشي تعقيده، وإظهارُه كفكرةٍ قابلةٍ للعيش والتطبيق.. فحتى ولو كنتم تخبرون الناس بأجمل الحقائق، وتضعونهم على الصواريخ والمركبات والطائرات التي تقلّهم إلى الجنة؛ فما زال يتعين عليكم التعامل برفق وعقلانية مع الأمر، وإلا فرّوا منكم، وابتعدوا عن الدين، وبالتالي يسقطون في الضلالة، ويتدحرجون في مهاوي الجحيم.

وبصورةٍ ما أصبحت الشدة والغلظة جزءًا من ثقافتنا، وشاع الضرب والشدة في المكاتب والمدارس ودورات تحفيظ القرآن الكريم، وصارت صورة الشيخ الممسك بالعصا شيئًا اعتياديًّا، فإن لم تُرَ العصا الطويلة بجانب الشيخ توهّم البعضُ قصورًا في المشيخة، ولكن الذين فرّوا من المسجد بسبب الضرب، وابتعدوا عن القرآن، ونأوا بأنفسهم عن الدين؛ ليسوا بالقليل على الإطلاق.. وأنا شخصيًّا أنزعجُ فطريًّا من الشدة والعنف، وإذا قوبلتُ بهذه المعاملة يومًا ما أنفر من مذاكرة دروسي ذلك اليوم، والواقع أن معظم الناس هكذا، فالعنف يصرف الناس عن الحقّ، ولكن للأسف أصبحْنا نقدّس الضرب بحجة أن “الضرب من الجنة”! والحقيقة أن في  الجنة حبًّا وودًّا وعفوًا ورحمةً، فالله تعالى يُذهب عن الإنسان كلَّ صنوفِ الغلّ والحقد والحسد والغضب والحزن، وبالتالي فهذه كلها تصوّرات خاطئة وأساليب غير صحيحة في المجتمع، وتنفير للعباد من ربهم، وليس من السهل تصحيح هذه الأخطاء.

النهج النبوي في ترغيب الناس بالدين

الإرشاد والتبليغ أساس مهمّ للغاية في الدين، بل هو مهمة الأنبياء؛ ولذا يجب على المؤمنين أن يعملوا كل ما بوسعهم لتحقيق هذا الأمر، ولكن لا ننسَ أن الدين هو الذي أمر بالإرشاد والتبليغ، وهو الذي يعلّمنا -أيضًا- كيفية القيام به، فلا يجوز أن ننحّي جانبًا حقائق القرآن الذهبية وبيانات سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم النورانية، ونضعَ إستراتيجيات توافق أهواءنا ورغباتنا.. فإذا ما عملنا بما يخالف نهج نبينا صلى الله عليه وسلم أبعدنا الناسَ -دون وعي مِنّا- عن الدين، فمهما كانت نوايانا، وطالما كان أسلوبنا فاسدًا ومنهجنا خاطئًا فسنتعرض للصفع خلاف مقصدنا.  

بناءً على ذلك فإن أسلم طريق ينبغي اتباعه في هذا الموضوع هو طريق سيد الأنام صلوات ربي وسلامه عليه.. فلقد قام صلى الله عليه وسلم بنشر تكاليف الدين على مدى ثلاث وعشرين سنة دون الإساءة لأحد أو إخافته، وقام بتأهيل الجميع فردًا فردًا، حتى جاء يوم أصبحوا يقومون فيه ربما بأشد التكاليف وأصعبها بحبٍّ وطواعيةٍ.. وبفضل هذا التدريب والتأهيل على مدى ثلاث وعشرين سنة أوصلهم إلى هذا المستوى الراقي، ففي جوٍّ كهذا نشأ أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والعشرة المبشرون بالجنة والصحابة الكرام، ومن ورائهم التابعون الفخام، وتابعو التابعين، رضي الله عن الجميع، فلقد تخلّق هؤلاء بالأخلاق النبوية، فلم يتخلّوا بتاتًا حتى عن أدنى مسألة دينية، ووقفوا بحزم وصلابة أمام صفات الكفر، وبذلوا جهدهم من أجل محوِ الجحود والكفر من الأرض، وتعبيد الطريق لوصول الناس إلى ربهم، وفي النهاية عرّفوا الكثيرين بالحق والحقيقة.. وعلى ذلك فإن حلّ جميع المشاكل التي نشهدها في ساحة الإرشاد والتبليغ لا يكون إلا بالنهج المحمدي.

والواقع أن القرآن والسنة يحتفيان بأدلّةٍ متعدّدةٍ يمكننا أن نستخدمها في عملية الإرشاد والتبليغ، المهم هو تحديد ما يصلح منها لمخاطبة الناس على اختلاف طوائفهم ومستوياتهم، ولكن نظرًا لجهل بعض المسلمين اليوم بهذا، وعدم استعمال هذه الأدلة في مكانها الصحيح حدثَ نوعٌ من النفور إزاء القيم الدينية، بيد أن عرض مسائل الدين بأسلوب محفِّزٍ ومثيرٍ؛ له أهمية بالغة في التأثير على السامعين، فالدين ذو هويّة متكاملة من جميع الجوانب، ويخلو من أيّ نقصٍ أو عيبٍ، وما يقع على عاتقنا هو اتباع الأسلوب الأمثل في الإرشاد والتبليغ، ولفت أنظار الناس إلى جماليات الدين بأقوالنا وأفعالنا، وإن جاز التعبير فتح شهيتهم إلى الدين.

مريض دون مرض

يجب أن نضع في الاعتبار طبائع الناس عند تبليغ جماليات الدين، وتحديد الأسلوب الأمثل الملائم للجميع، والاستعانة بالشواهد والأدلة التي تتوافق مع الجميع على اختلاف فطرتهم وطبيعتهم، وإلا تساوت الدعوة إلى الدين مع التنفير منه، وانصرف الذين يُتوقَّع انجذابهم إلى النور الخالد صلى الله عليه وسلم عنه، وصار من المتعذر ردّهم إليه مرة أخرى.. ومن ثم ينبغي اتباع أسلوب معين حتى عند تبليغ حقيقة “لا إله إلا الله محمد رسول الله” التي هي أصل المنهج؛ حتى لا نُفاجأ بنتائج غير مرغوب فيها.

وللأطباء قول نفيس: “لا يوجد مرض بل يوجد مريض”، ولا يعني هذا عدمَ التسليم بوجود المرض، ولكن لكل مريض مرضٌ مختلف؛ ولذلك يجب عند تشخيص أيِّ مرضٍ من وضع حال المريض بعين الاعتبار، ثم الشروع في التداوي، ولا تختلف مسألة الأسلوب في الإرشاد والتبليغ عن هذا.. فلا بدّ من تقييم وضعِ كلِّ مخاطبٍ بحسب طبيعته العامة وثقافته التي نشأ عليها، ووضع كلِّ هذا بعين الاعتبار عند التعامل معهم، فما يصلح لشخص لا يصلح للآخر، والمنهج المفيد لواحد قد يتسبب في ردِّ فعلٍ عند الآخر.

الأصل في الإرشاد والتبليغ هو إيصال “المعروف” إلى الأفئدة بكل جمالياته، وتبغيض الناس وتنفيرهم من “المنكر”؛ بتعبير آخر: إنقاذ الناس من الانحرافِ والسيرِ في طرق ملتوية، فإن لم تصحِّحْ أقوالُكم وأفعالُكم اعوجاجَهم وتسببت في انحرافات جديدة لديهم؛ فهذا يعني أنكم أضررتم بالدين، فإذا كانت الدعوة على لسان شخصٍ ما ستتسبّب في رد فعل لدى مخاطَبٍ معيَّن؛ فيجب تكليف شخص آخر بمخاطبته، وعلى الداعي أن يستسيغ هذا الأمر، فلا حقّ لكم في كسر خاطر أحدٍ أو إبعاده عن الدين بسبب أقوالكم وأفعالكم وتصرّفاتكم، فالصدقُ ومعرفة الحقيقة لهما أهمية بالغة.. ولكن لا بدّ من التعبير عن الحقيقة بشكلٍ صحيحٍ، أو الإعراض عن ذكرها أحيانًا وتحيّن الوقت المناسب للتعبير عنها فيما بعد.. فكما قال بديع الزمان سعيد النورسي: “عليك أن تقول الحقَّ في كلّ ما تقولُ ولكن ليس لك أن تُذيع كلَّ ما هو حق، وعليك أن تَصْدُقَ في كلِّ ما تتكلمه ولكن ليس صوابًا أن تعلن كلَّ حقيقة”[2].

فمع الأسف يقع الكثيرون ضحية لمثل هذه السلبيات، وقديمًا عندما كان يقابل أستاذٌ أستاذًا آخر يقول له: كم شخصًا قتلتَ”؛ يعني كم شخصًا نفرَ وابتعد من بيوت العلم والعرفان بسببك؟! وجعلته يُهلِك نفسه بنفسه؟! واجبُنا هو إزالة العوائق بين العباد ورب العباد سبحانه وتعالى، والأخذ بأيديهم إليه.. فإذا كان هذا واجبنا فإن عاقبتنا ستكون وخيمة إذا أبعدنا الناس عن ربهم بسبب أسلوبنا الخاطئ، أو شدّتنا وعنفنا وجهلنا بالأمر.. لا بدّ أن يتحلّى أسلوبُنا بالجاذبية التي تقرِّب الناس من الدين، فالحقّ والحقيقة لا يتحمّلان مطلقًا الأسلوبَ المبتذلَ، ولا الفظاظة والغلظة والوقاحة.

 

[1] صحيح البخاري، العلم، 11؛ صحيح مسلم، الجهاد، 6.

[2] بديع الزمان سعيد النورسي: المكتوبات، المكتوب الثاني والعشرون، ص 323.

نسبة النعم إلى صاحبها الحقيقي

Herkul | | العربية

لقد أنعم الله على الخدمة منذ بداية الأمر بانفِتاحاتٍ عظيمة لم نكن نتخيلها وبجمالياتٍ وألطافٍ جليلة لا تخطر على بالنا.. وأهل الدنيا يصفون مثل هذه الأشياء بالمعجزة، أما نحن فيمكننا أن نسميها بـ”كرامة الخدمة” حتى لا يتعارض ذلك مع معايير الشرع، والأوْلَى أن نستخدم تعبير “الإكرام الإلهي”، وأيًّا كان الاسم فلا مراء في أنها أمور غير عادية، فليس بإمكاننا تفسير النعم الجمّة التي حظينا بها بعقولنا القاصرة وجهودنا المحدودة.. لقد هيّأ الله تعالى الفرصة لرجال الخدمة لاستغلال الوضع الراهن بشكلٍ جيّد؛ فهرع إلى مساعدتهم أناسٌ لم يكونوا قط في الحسبان، فلم نكن على دراية جيّدة حتى بواحد بالمائة من الخطط والمشاريع الضخمة التي تقوم بها الخدمة حول العالم، أما جميع التطورات التي حدثت تباعًا فيما بعد فكأنها كانت جزءًا من خطة كلية لله سبحانه وتعالى.

كنا نسير في خدماتنا في أول الأمر مثل سير النملة، لكن جاء يومٌ وشرعنا نركض كالفرس العربي الأصيل، لم نصل إلى هذه الأيام بفطنتنا ودرايتنا وفراستنا، ولا قِبَلَ لنا بتفسير هذا الأمر بحديث هذا أو ذاك، ولا بكتابته، ولا بمهارته الإدارية، ولا بغير ذلك.. فالذي وجَّهنا إلى هذا السبيل، وحمَّلنا هذه المسؤوليات الضخمة، واستخدمنا كعناصر للخدمة إنما هو الله سبحانه وتعالى، لقد أنعم ربنا سبحانه وتعالى علينا بألطافٍ لا تُحدّ، وأسبغ علينا نعمًا لا تُحصى، ليس لنا الادّعاء باستحقاقها، أما ادّعاء الإنسان أنه قد أنجز هذه الخدمات بحوله وقوته؛ فهو ادّعاء كبير وكأنه يقول: “لقد استطعتُ أن أدكّ جبل إفريست”، ومَنْ يساهم بنسبة ضئيلة جدًّا في هذه الخدمات، ثم يدعي مثل هذه الادعاءات الكبيرة فقد وقع في الوقاحة، فلا بد أن نتحلّى بالحذر والإنصاف عند تقييم الخدمات المحقّقة حتى الآن.

السابق ضمانٌ للّاحق

ونحن لا ندري ماذا سيهبنا الله بعد ذلك، ولكن ما نعلمه هو أن ما وهبنا إياه في السابق هو أعظم ضمانٍ لما سيهبنا لاحقًا، فإننا اعتمادًا على الله وثقةً فيه نوقن أنه لن يضيّع مساعينا وإن كانت ضئيلة، ونتطلّع إلى المستقبل بأملٍ ورجاء، المهم هو أن نصدقَ الوعد، ولا نتخلّى عن وفائنا وولائنا، ولا نفقدَ صدقنا وإخلاصنا، ولا ننسبَ إلى أنفسنا فضلًا بسبب تقدّمنا في العمر أو تقادم عهدنا في الخدمة، ولا ننشغلَ بالمقام والمنصب، ولا نقطعَ ألطاف الله بنسبة النعم إلى أنفسنا، ولنفكرْ في الخدمة فقط.. لنفعل الخير ونلقِه في البحر، ولا نفكر في استعادته مجددًا، فالله تعالى -على كل حال- مطّلعٌ ورقيبٌ على كل شيء.. وإذا كان الله تعالى قد أوقف تأييده وإعانته لنا على احتسابنا الأجر عنده، وعلى محونا وتواضعنا وفقرنا وعجزنا؛ فما يقع على عاتقنا هو بلوغ هذا المستوى، والحفاظ عليه.

فإذا حافظنا على هذا المستوى فمن يدري فربما يأتي يومٌ ويشهد العالم تطورات عظيمة، وعندما يحين الأوان يكلف الله الأرواح المتفانية أعمالًا تنشأ عنها جماليات تَدهَش لها عقولُنا وتحار لها ألبابُنا كما جاء في آخر سورة الفتح[1]، فتتفتق البذور التي ألقيناها عن براعم تنمو وتشتد لتصبح فروعًا وأغصانًا تحمل ثمارًا يذهَل لها ويعجَب من شأنها حتى مَن نثروا هذه البذور في التربة، أما الظالمون الجاحدون الذين فقدوا القدرة على الإيمان بقلوبهم، وجُبلت نفوسهم على عداوة كل الفعاليات الجميلة التي تصب في صالح الإنسانية فسيتميزون غيظًا أمام هذا المنظر، وتخفق قلوبهم حقدًا لعدم تمكنهم من عرقلة هذه الجماليات رغم كل مساعيهم.

نريد أن نحتضن الجميع في عالم المستقبل، ونبني جسور الحوار بين الناس، ونعزّز لديهم شعور المشاركة، وننشئ جوًّا من السلام والتسامح، نريد ذلك لكن لا ننسَى أن هذه ليست أعمالًا يمكن إنجازها بالجيوش القوية، والمنظمات العظيمة، فكل ما في الكون يجري بقدرة الله وإرادته، من جانبٍ آخر فجميعنا بشرٌ عاديون، لا نطلب نسبةَ ذلك إلينا، ولا ندّعي أحقّيّتنا في أيِّ شيء، سندُنا الوحيد هو إدراكُنا لعجزنا وفقرنا.

إننا نؤمن بأن الله تعالى يستخلص أحيانًا نتائج عظيمة من أشياء صغيرة للغاية لإظهار عظمته، ودلائلُ ذلك كثيرةٌ في الحياة الاجتماعية كما في الأحداث الطبيعية؛ وبما أن الله سبحانه هو الذي خلق الأكوان العظيمة من جزيئات صغيرة وشقَّ الصخور الصلبة بجذور الفسائلِ الضعيفة والناعمة فقد يكلّف شخصًا بسيطًا بعملٍ تستفيد منه جميع الخلائق، مثل تلك الجماليات المذهلة التي أجراها الله على أيدينا رغم همتنا القاصرة وجهودنا المحدودة.

مرض حب الظهور

أنوّه مرّة أخرى أن كلَّ هذه أمور تحدث بتوجيهٍ وسَوقٍ من الله، فيجب أن نعلم أنها من المنعِم الحقيقي سبحانه وتعالى، وأن نعتبر كلّ نعمةٍ من هذه النعم هي هبة إلهية، وننظر إلى المسألة على أنها سَوقٌ إلهي، وندفع بظهر أيدينا كل الأفكار التي تبعدنا عن التوحيد وتفصلنا عن الله تعالى، وخلاف ذلك نكون قد أظهرنا أنفسنا عن قصد أو بغير قصد، وعزونا كل الجماليات إلى عقولنا القاصرة وقابلياتنا الضعيفة، ونجاحاتنا الذاتية، وإظهار النفس قد يكون بأفعالنا أو بأقوالنا أو بإيماءاتنا، أو بأن نضع أنفسنا في قلب كل شيء، ونتحين الفرص دائمًا لتقديم مثال أو اثنين للأعمال التي قمنا بها، ونحاول أن ننسب كل ما تحقق إلى أنفسنا.

فمثلًا لو كان الحديث يدور حول الخدمة، ثم وصل الكلام إلى الأعمال المتعلقة بمجالنا فإننا نرفع رؤوسنا ونستشرف، ونحاول جذب الأنظار إلينا، بل إننا أحيانًا نلجأ إلى سبلٍ أكثر دهاء من أجل إبراز أنفسنا، حتى نلفت الأنظار إلى الساحة التي نعمل فيها، و-على أي حال- الحاضرون على علم بمن قام بهذه الأعمال، ومن ثَمّ يكون معروفًا من الذي سيتوجه إليه التقدير والثناء، وهذه ألعوبة أخرى من ألاعيب الشيطان، ولا جرم أن الانسياق وراء الشيطان وألاعيبِه يتسبّب في انقطاع النعم.

إن محاولة إبراز الذات، والظهور في المقدمة، والتطلع إلى المدح والثناء؛ كلها نقاطُ ضعفٍ في الطبيعة البشرية، فالنفس ترغب دومًا في أن تنسب إلى نفسها حظًّا من كلٍّ جميلٍ قائلة: “لتلهج الألسنة بالحقّ والحقيقة، ولكن لا أُنْسَ أنا أيضًا من هذا الذكر!”، بل إنها ترغب في إبراز ذاتها عند كتابة مقالٍ من سطرين في مجلة ما، أو كتابة عمود في جريدة ما، أو عند إتاحة الفرصة لها للإدلاء بحديث في التلفزيون من بضع كلمات، وقد يزين الشيطان للإنسان هذه الأعمال التي تستهويها النفس، فيجعل الإنسانَ يقول: “أنا أعرف أيضًا بعض الأشياء، فلم لا أتكلم عن هذه الخدمات، ولمَ لا أكون نافعًا للناس! وعلى هذا لا بدّ من إتاحة الفرصة لي، وتهيئة الجو، وإفساح الطريق أمامي، أليس كذلك؟!” فيتسلّل حبّ الظهور والتطلّع للمدح إليه كما يتسلّل الفيروس القاتل إلى الجسم.

ويظهر مرضُ إبرازِ الذات عند الناس خاصّة مع تقادم الزمن، ويمكن أن نسمي هذا نوعًا من أمراض الشيخوخة، وهذا مرضٌ يصعب التخلص منه، وإن كان لا بدّ فيجب استيفاء الإرادة حقّها، ويجب على الإنسان أن يتمرّد على كلّ فكرةٍ تصبّ في مصلحته الشخصية، وأن يعوّد نفسه على رفض كلّ ادعاء تنسبه النفس إليه مثل: “أنا فعلت، أنا أنجزت، أنا نجحت”، وأن ينزل بالمطرقة على رأس كلّ ما يوحي بالأنانية، وأن ينسب كلّ شيءٍ إلى الله عز وجل، وعليه أن يتغلّب بشكلٍ أو بآخر على أيّ لغوٍ يبرز نجاحاته، حتى وإن كان بطريق غير مباشر أو بالإشارة والتلميح.

مجاهدة النفس

إذا لم يستطع الإنسان تزكية نفسه، والوصول بها إلى التوحيد الحقيقي، والاستسلام حقًّا لله تعالى فقد تختلط بأفكاره وساوس النفس والشيطان، وعليه أن يعتبر كلّ ما يجري حتى اللحظة التي يتجرّد فيها من الحيوانية ويتخلى فيها عن الجسمانية سَوقًا إلهيًّا، وأن ينسلخ بنفسه عن الأمر، وأن يقمع بإرادته وساوسَ نفسه.

إننا نؤمن أن كلَّ الجماليات من الله، وحتى وإن كنا نحن مَن نلمس مفاتيح البيانو؛ فإن الذي أعطى القدرة على العزف والحركة، ووجَّهَنا إلى هذا الطريق، وأصدر الصوت على أيدينا إنما هو الله -مسبّب الأسباب- تعالى، ومع ذلك قد لا يكون من السهل على الشخص أن يفهم ويشعر ويسمع كل ذلك في البداية، ولكن من الأهمية بمكان أن يقهر الإنسان إرادته حتى اللحظة التي يصل فيها إلى هذا الشعور، وأن يُرجع كلَّ أمرٍ إلى الله عز وجل، فإن الإنسان لو مرّن نفسَه على ربطِ كل مسألةٍ بالله تعالى، وجعلَ هذا الأمر طبيعةً وعادةً في نفسه؛ فسيشعر بالاشمئزاز لو أن أحدًا نسب إليه هذا الأمر أو ذاك، ناهيك عن فعل ذلك بنفسه.

أما تجاوز كل هذا، والتغلب على كل حيل النفس وألاعيبها فيعتمد على عمق الصلة بالله تعالى؛ لأن مَن يصل إلى هذا العمق فسيرى كل ما يجري في عالم الأحداث على أنه عبارة عن مظاهر للأسماء الإلهية، أما من وصل إلى أبعد من ذلك في هذا الأمر فيقول: “إن كل هذا عبارة عن تجليات للصفات السبحانية”، والخطوة التالية لذلك هو محو وتلاشي الأسماء والصفات من الذاكرة، والنظر إلى كل ما يحدث في العالم المادي على أنه مما يقتضيه شأنُ ومقام الربوبية، ولكن ليس من السهل الوصول إلى هذا الأفق، فهذا الأمر يتطلب مجادلة ومجاهدة صارمة مع النفس.

وهكذا يجب على الإنسان أن يُجهد نفسه ويجاهدها حتى يفوز بالإخلاص والتوحيد الحقيقي في هذه المسألة، وربما يجب عليه أحيانًا أن يغضّ الطرف عما يتحقق ويترتب على إرادته، فلا ينبغي له أن يضيّع النعمة ويجفّف منابعها بنسبتها إلى غيرها، بل ينسبها إلى صاحبها الحقيقي، ويتوجه بالحمد والشكر إليه؛ حتى تدوم النعم ولا تنقطع، ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (سورة إِبْرَاهِيمَ: 14/7).. وهذا يشبه “بئر زمزم” فكلما أخذتَ منه زاد تدفقًا، ولا ينضب هذا المعين حتى وإن شرب منه الملايين ورووا ظمأهم، وكيف يجفّ وهو يجري بأمرِ مَن لا تنفد خزائنه سبحانه وتعالى!

[1] ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ (سورة الفَتْحِ: 48/29).

الشورى ومسؤولية القادة

Herkul | | العربية

لقد ورثنا عن الماضي ثقافة ثرية، وقيمًا ثابتة، ومصادر مرجعية قوية، ولدينا من المبادئ والقواعد ما نستطيع به قياس وموازنة أحوالنا وأفعالنا وكلامنا وخطاباتنا، كما أننا أبناء ثقافة وحضارة أقامت على مرّ التاريخ دولًا قوية وقدمت خدمات جليلة للدين الإسلامي المبين، فإذا استطعنا استثمار كلّ هذه المقومات التي نملكها بشكل صحيح فلن نحتار أبدًا -بفضل الله وعنايته- في تحديد وجهتنا وطريقنا.

تفسير الدين وفقه السيرة

ومع هذا فلا ننسَ أننا نعيش اليوم في عالمٍ مختلفٍ تمامًا، وهذا يضطرنا إلى تفسير ما لدينا من قيم عالمية حسب ظروف عصرنا، وإلى تحديد الفرق بين المنهج الذي كنا نتبعه بالأمس والمنهج الذي نسير عليه اليوم، وإلى أن ننظر بعين الاعتبار إلى الفرق بين المنهجين، وأن نعيد تقييم القضايا دون تجاهلٍ لهذا الفرق.

وقناعتي أن سبر أغوار السيرة له أهمية بالغة في إعادة تفسير الدين، وتقديمه بما يتناسب مع مفهوم العصر.. فمن الضروري فهم الفلسفة الأساسية للحياة التي كان يعيشها المسلمون في عصر السعادة تحت ريادة النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن إذا ما نقلْنا ما في عصر السعادة بتمامه وبكل حذافيره وعملْنا على تطبيقه دون فهمٍ فقد يتعارض مع روح الدين.. بناء على ذلك يجب استيعاب الأحداث التي وقعت في هذا العهد بكل خلفياتها استيعابًا جيّدًا، واستنباط المبادئ والضوابط، ثم تطبيقها على عصرنا الحاضر.. فإن فعلنا ذلك استطعنا تحديد الطريقة والمنهج والمسار الذي يتناسب مع روح الدين في العديد من الموضوعات التي نشعر بحاجتنا الماسة إليها الآن مثل: محاربة الآثام والمنكرات، ومهمة الإرشاد والتبليغ، والتسامح والحوار.

أجل، من الأهمية بمكان مراعاةُ ظروف العصر والوضع الراهن عند دراسةِ وتفسير الضوابط التي نتمتع بها، وتكييفُها مع ظروف اليوم، ولكن لا ننسَ أن هذا ليس بالأمر الهين، فلو لم ننظر نظرة شمولية إلى الكتاب والسنة، ولم نستوعب روح الدين؛ لظهر العديد من الأخطاء نتيجة ذلك.. وكما لا يُستحقر شيءٌ من البرّ والمعروف؛ فكذلك لا يستصغر شيء من الخطإ والذنوب؛ لأننا إن لم نكترث بالأخطاء الصغيرة نشأت الأخطاء الكبيرة المدمّرة.

لا بد من موازنة ما هو صغير أو ما هو كبير بالنتائج التي تسفر عنهما، فأحيانًا ينتج عن الزاوية الصغيرة في المركز زاويةٌ كبيرةٌ في المحيط، فمثلًا لو لم تأخذوا بمبدإ الشورى، وتحركتم بناء على الاجتهاد الشخصي أو العواطف الذاتية، ونزلتم من فوق “جبل الرماة”، لكانت عاقبة ذلك وخيمة جدًّا ونتيجته خطيرة للغاية.. ولذلك فإنّ أسلمَ الطرق -كما كرّرنا مرارًا- هو إحالة الأمر إلى هيئةٍ تتولّى فحصَه ودراسته، لأن بوارقَ الحقائق تسطع من تبادل الأفكار وتداولها، أما إحالة الأمور إلى القناعات الشخصية فاحتمالية الخطإ فيها كبيرة للغاية.

حق المكانة

وفي هذا الصدد تقع على عاتق من يشغلون منصب المرشدين والقادة أعباءٌ ثقيلة، فلا يخفى ما تكتنفه آراؤهم وتفسيراتهم وتمثيلاتهم وأحوالهم وأفعالهم من أهمية كبيرة؛ لأن الخلَف سيقتفي أثرهم، فإن أحسنوا السيرَ قصَّ هؤلاء الخلفُ إثرهم، ولكن لو انحرفوا واقترفوا بعض الأخطاء؛ انعكس ذلك على مَن خلفهم.. علاوة على ذلك فإن الأخطاء التي يرتكبونها أو التصرفات التي يقومون بها ويُحتمل تأويلها بشكلٍ سلبي؛ إذا تلقفتها القاعدة الشعبية تفاقمت وتعاظمت.. ومن ثَمّ يجب على هؤلاء الروّاد والقادة أن يراعوا ذلك في أحاديثهم وتحرّكاتهم؛ حتى يكونوا مرشدين كاملين يذلِّلون الصعاب أمام أتباعهم، ويسيرون بهم في الاتجاه الصحيح، ويأخذون بأيديهم إلى الأهداف الصحيحة.

قد لا يستطيع بعض أصحاب المناصب الوفاء بحقّ المنصب الذي يتبوّؤونه، ولا يقدرون على التفكير فيما يتطلّبه هذا المنصب، ولا يقومون بالسلوكيّات والتصرّفات التي يقتضيها، ومن ثم تحدث بعض التصدعات والشروخ في المجتمع، ولا شك أن الانحرافات الفكرية، وزلات الألسنة، ولغو الكلام، والأقاويل البعيدة عن المقصد التي تصدر عن هؤلاء أصحاب المنصب؛ قد تؤدي إلى نتائج أشد خطورة عندما تتلقّفها القاعدة الشعبية، فمثلما تصل حمولة عشرة كيلو جرامات إلى أربعين كيلو جرامًا عند سقوطها من مترين؛ وكذلك فإنّ أيّ كلمةٍ نابيةٍ أو فعلٍ غير لائق يصدر من هؤلاء الذين يشغلون منصبًا قياديًّا قد يتسبب في ظهور مشاعر الحقد والكراهية بين أفراد المجتمع، ولهذا يجب على أصحاب المنصب والإدارة أينما كانوا أن يراعوا الدقة في أحوالهم وتصرفاتهم.

حتى لا نقول “ليت”

من الضروري لنا جميعًا -ولا سيما القادة والزعماء- أن نعيش على الاستقامة حتى إذا ما واجهتنا مشكلة يتعذّر تلافيها بالنسبة لنا ولأمتنا لا ننظرْ إلى الوراء ولا نقلْ: “ليتنا فعلنا هذا ولم نفعل ذاك!”؛ فإنه لا فائدة من وراء التحسّر على ما فات، ولذا ينبغي أن نعيش حياتنا الحاضرة بحذر وعنايةٍ فائقة، وأن نحاول ضبط كلامنا ومواقفنا وأفعالنا على نحوٍ لا يضطرنا إلى تصحيحها في المستقبل.

وإن الضمان الوحيد لتفادي الأخطاء وتسيير الأمور في الاتجاه الصحيح هو الشورى. أجل، فكما كررنا مرارًا: “مَا خَابَ مَنْ اسْتَشَارَ”.. فيجب على الجميع لا سيما الذين يشغلون منصبًا قياديًّا أن يتزينوا بالتواضع ويحرصوا على استشارة غيرهم في كلِّ نازلة، فأيًّا كانت هذه النازلةُ أو الموقف عليهم أن يشكلوا هيئةً للشورى من أصحاب الخبرة والمعرفة، وألا يتخذوا قرارًا دون استشارتهم، وأن يحاولوا التوصل إلى أكثر الحلول عقلانية ومنطقية عن طريق المشورة، ولا يتركوا المسائل التي تهمّ العامة إلى القناعات الذاتية التي تجلب الكثير من الأخطاء غالبًا، وإلا يكونون بذلك قد اعتدوا على حقّ العامة؛ ففي الفقه الإسلامي يُعتبَر حقُّ الجمهور أو الحقُّ العام حقًّا لله على اعتبار أن هذا الحقّ ليس له مالك معيّن، وهذا ما يكشف عن خطورة المسألة.

فمع الأسف نجد أن مَن يشغل منصبًا أو مقامًا معينًا يقول أحيانًا: “أنا أفضل مَن يعرف”، فيتصرّف تبعًا لفكره وهواه، وبالتالي يكثر خطؤه، ألا يعلم أنه قد يوجد من هو أكثر فطنةً وعقلًا منه! ومن ينظر إلى المسائل نظرة أكثر شمولية منه؟! ولذا فإن القرارات التي تتخذها هيئة الشورى تكون غالبًا أكثر قربًا من الحقيقة وأبعد ما تكون عن الخطإ مقارنةً بالقرارات التي يتخذها فرد واحد؛ لأن الإنسان مهما كان ذكيًّا فطنًا فإنه لا يستطيع أن يضبط وجهته دائمًا، وقد يظنّ المفسدة هي عين المصلحة، والحال أن ما يراه مصلحةً ونفعًا بالنسبة له قد يدخل في باب المصلحة المردودة، أي التي لا تشهد النصوص الشرعية لنوعها ولا لجنسها بالاعتبار؛ وعليه قد يُصدر أحكامًا تتعارض مع روح الدين، ولا يخفى أن الأنانية والكسل والعناد والخوف وغير ذلك من العوامل تبعد الإنسانَ عن المعقولية؛ لذا يجب على الذين يشغلون هذه المناصب الرجوع إلى أفكار الآخرين والاستعانة بمشورتهم، لا الثقة بعقولهم أنفسهم وقناعاتهم الذاتية فقط.

فإن كنتم تريدون الابتعاد عن الشرك فعليكم أن تعتادوا قول “نحن”.. إننا كل يوم نقرأ في صلواتنا سورة الفاتحة أربعين مرة، وفي كل مرة نقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (سورة الفَاتِحَةِ: 1/5)، بمعنى أننا نعبر بضمير الجمع لا بضمير المفرد؛ لأنه ليس للإنسان أن يرجو التوفيق من الله إلا إذا عمل على إرساء الأخوة الحقيقية، وتقاسمَ مع الآخرين الأعباء الكبيرة الجسيمة، وصَبَّ حسنات رفاقه في حوض حسناته.

إن فوز أصحاب المقامات والمناصب العليا في الآخرة مرهون بمعيشتهم رغمًا عن أنفسهم، فإذا عاشوا من أجل تلبية رغبات أبدانهم وفلسفاتهم وحساباتهم الشخصية خسروا وبطلت أعمالهم. فكما ورد في الحديث الشريف أن أول السبعة الذين يظلهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلا ظلّه: الإمام العادل؛ لأنه من الصعب جدًّا على مَن يمثِّل الإدارة والقوة، ومن بيده مقدرات الأمة كلها، ومن يجري النعيم حوله كالأنهار ألا يحيد عن الاستقامة والعدالة والمروءة والإنسانية؛ فهذا ابتلاء جدُّ عسير لا ينجو منه إلا من عاش رغمًا عن نفسه، متمردًا على أهوائه وشهواته، فإذا نجح ذلك الشخص في الامتحان وتجاوز تلك الصعاب؛ حظي في الآخرة بألطاف خاصة من الله سبحانه وتعالى..

 ومن أهم الطرق التي تعمل على الوفاء بحق المنصب وتحقّق العدالة؛ هو تمريرُ القرارات والآراء والخيارات من مصفاة الشورى، أو ما يمكن أن نسميه معيار الشورى؛ لأن العثور على الصوت الحقيقي والنغمة المتزنة والإشارة الصحيحة يعتمد على معايرة الأمور بميزان الشورى.

معية الحبيب

Herkul | | العربية

سؤال: ما المقصود بمصطلح “معية الحبيب” الذي يجري التركيز عليه بين الحين والآخر في حلقات الدرس؟

الجواب: المعية تعني الرفقة.. أما الذات الذي نقصده بالمعية فهو الله تعالى.. لذلك فإنَّ قصْدَنا من “معية الحبيب” هو الوصول إلى معية ربنا الذي هو حبيب روحنا، وملازمتُه، وأن نشعر في أنفسنا بمرافقته لنا، ونصل معه إلى الأُنس، وأن نستشعر هذا في كل ذرات جسدنا.

وقبل الانتقال إلى الإجابة عن السؤال أود أن ألفت الانتباه إلى أمرٍ معين؛ ألا وهو أنه ينبغي في أثناء التفكير والتحدث والكتابة في الموضوعات المتعلقة بالله تعالى ألا نقيِّم البارئ المتعال من حيث قوالبنا المحدودة، وألا نقيسه ونزنه هو وما يتعلق به من أمور وفق معاييرنا البشرية الخاصة بنا، وعلينا أن نكون حسّاسين وحذرين لأقصى درجة.. وقد نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التفكير في ذات الله تعالى[1]، وحثّنا على التفكير في آلائه والتأمل في أسمائه وصفاته وما خلقه من آثار؛ فالتفكيرُ في ذات البارئ أمرٌ يتجاوز حدود إدراكنا، وبالتالي فإننا عندما ندخل في مثل هذا الطريق نعجز عن التفكير بشكل صحيح، وقد نقع في التجسيم والتجسيد.. نسأل الله السلامة.

المعية في الدنيا

إن المعية التي تعني الوصول إلى الله تعالى والشعور به ذوقًا وكشفًا، من خلال تجاوز الإنسان المسافات المتعلقة ببعده الجسدي، وانسلاخه من الحُجب الجسمانية التي تلفّه؛ هي مقامٌ نطلبه في دعائنا دائمًا.. وإن القلب الذي يتنفّس الأنسَ في جوّ المعية، يطلبه تعالى، وينشغل فيه، ويحس به، ويعمل به، ويبدأ معه، ويظلّ يطوف حول رضاه فحسب، فالمعية الإلهية تعود على أربابها بتجلّيات وصبغة خاصة، حتى إنه عندما يدخل المرء في حضور أحد العظام الروحيين، ويشاركه المناخ نفسه يصطبغ بصبغته.. أي إن مشاعر الإنسان وأفكارَه وحركاته تتأثّر بالوجود في حضرته، حتى إن الولوج في مناخه المستنير ولو لمرة واحدة يمكن أن يسبب تغيّرات في لونه ونمط حياته.. كما ينبغي هنا الحديث عن عظمة الصحابة؛ لأنهم شرُفُوا بمعية الرسول صلى الله عليه وسلم، واصطبغوا بصبغته؛ فما بالكم بالصبغة التي سيصطبغ بها الشخص الذي يحظى بالمعية الإلهية!

وعلى الرغم من أننا نسأل المعية في دعواتنا باستمرار فمن المؤكد أن الوصول إلى مثل هذا المقام السامي ليس سهلًا، فلا يمكن الوصول إلى المعية في الدنيا إلا من خلال “الإيمان بالله” و”معرفة الله” و”محبة الله”.. أي إنكم إن تؤمنوا بالله القدير حقّ الإيمان، وتحوّلوا إيمانكم به إلى المعرفة، وتُتوِّجوا معرفتكم بالمحبة، وتطمحوا دائمًا للوصول إليه والبقاء معه بحبٍّ وشوقٍ حقيقيّين؛ يأخذْكم إلى معيته.. وفي بعض الأحيان يمكنكم أن تشعروا بمثل هذه المنحة في داخلكم بقدر عمق معرفتكم، ويمكن لمن يعيشون حياتهم في بحثٍ وسعيٍ حقيقيّين أن يشعروا بهذا عندما يتوجّهون إلى الله تعالى حقّ التوجه؛ في الركوع، وفي السجود، وفي لحظات الليل الهادئة.. فمثلًا قد يشعر الإنسان بهذه المعية في صورة نسيمٍ قادمٍ منه تعالى، ويمكنه أن يصل بواسطة هذا النسيم إلى حالة مختلفة تمامًا.. فإن شعر به في السجدة فقد يقول: “ليت هذه السجدة لا تنتهي!” وقد يتمنى أن تستمرّ تلك السجدة حتى الموت.

المعية في الآخرة

يتعذّر علينا أن نعرف بالضبط كيف ستتجلّى معية الحبيب في الآخرة؛ لأن كلَّ شيءٍ سيتغير هناك، ستتغير الألوان والأشكال، وربما ستحل الأعراض والجواهر بعضُها محلّ بعضٍ.. ففي عالمٍ ستتغير فيه ماهية كلّ شيءٍ وواقعه، ستفوق فيه المعيةُ أحلامَنا وخيالاتنا كافّة، ويقول الأستاذ بديع الزمان النورسي: “إن قضاء ألف سنة من حياة الدنيا في سعادة مرفهة لا يساوي ساعة واحدة من حياة الجنة! وإن قضاء حياة ألف سنة بسرور كامل في نعيم الجنة لا يساوي ساعة من فرحة رؤية جمال الجميل سبحانه[2].. ولنعلَمْ أن كلَّ ما نعيشه في الدنيا يظلّ مجازيًّا عند مقارنته بالآخرة، فإن الدنيا لهو ولعب، على حدّ التعبير القرآني[3]، إن الحياة في الدنيا تشبه النوم، أما الموت فهو الاستيقاظ من هذا النوم.. “الناس نيامٌ فإذا ماتوا انتبهوا” وستُعاش الحياة الحقيقية في الدار الآخرة.. لذلك سيكون الوصول إلى المعية الحقيقية مأمولًا تحقّقه هناك.. وهناك سترون وتسمعون وتشعرون بمصدر الحياة والجمال والتجلّي والمظاهر الحسنة.

وإنه بحسب العبادات التي تؤدونها هنا وبقدرِ تفانيكم وأفقِ معرفتِكم وحبِّكم وحماسِكم وعمقِ علاقتكم به تعالى؛ ستصلون إلى نِعمٍ وآلاءٍ مختلفةٍ جدًّا في الآخرة، وهناك ستظهر لكم كلّ كلمةٍ وسلوكٍ منكم في شكل مفاجآتٍ مختلفةٍ تمامًا.. وبحسب ما ورد في بعض الروايات فإن الله سبحانه وتعالى سيتجلى بكمال جماله أيام الجمعة -ونحن لا نعرف طبيعة اليوم هناك- وهناك سيرى المؤمنون الذات الإلهية بشكلٍ لا نستطيع أن نعرف كيفيته، قال عليه الصلاة والسلام: “أَمَا إِنَّكُمْ سَتُعَايِنُونَ رَبَّكُمْ فِي الْجَنَّةِ كَمَا تُعَايِنُونَ هَذَا الْقَمَرَ، لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ”[4].

بالطبع هذه كلها عبارات تستخدم لتقريب المسألة إلى أذهاننا.. وإلا فإننا لا نستطيع معرفة كيفيّة وحقيقة الرؤية التي هناك.. وما نعرفه هو أن الجميع سيُفتنون ويثملون بتأثير تلك التجلّيات، وستختلف مشاهدة كلّ شخصٍ عن الآخر وفقًا لعمق أفق معرفته، وكما قال “الشيخ سراج الدين الأُوشي” في منظومته “بدء الأمالي”:

يراهُ المؤمنون بغيرِ كيفٍ *** وإدراكٍ وضربٍ من مِثَالِ

فينسَون النعيمَ إذا رأوهُ *** فيا خُسرانَ أهلِ الاعتزالِ[5]

وكما تبين فإن للمعية الإلهية جوانبَ تتعلق بالدنيا وأخرى بالآخرة.. وهناك نِعَمٌ وهبات عديدة ومختلفة يشعر ويحس بها من يحظى بالمعية الإلهية في الدنيا والآخرة؛ فعلينا أن نسعى للظفر بمعية الله في الدنيا، ونسأل الله تعالى ذلك.. لأن ما يدركه الإنسان ويراه ويناله هنا، تكون بحسبه أيضًا النعم التي ستظهر له في الآخرة، فعلى سبيل المثال فمَن لا يؤمن بالرؤية (رؤية الله)، ولا يستطيع استيعابها في نفسه تمامًا، ولا الدخول إلى مناخها، ولا الإحساس بها؛ يُحرم من مثل هذه النعمة والمنحة في الآخرة.. فما تمتلكونه هنا في الدنيا بدءًا من إيمانكم وإخلاصكم إلى أورادكم وأذكاركم، ومن عبادتكم وطاعتكم إلى حبكم وشوقكم، ستجدونه وتكافَؤون عليه في الآخرة.. سيكافِئ الله كلَّ جهدٍ من جهودكم وسعيكم هنا بما يتجاوز جميع التخمينات والتخيلات في الآخرة.. وهذا هو معنى الآية الكريمة: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (سورة النَّجْمِ: 53/39).

ذكر الحبيب

معيّة الحبيب هي أجملُ نعمةٍ وأهم مِنحة، وإنّ ذكرَ الحبيب وحبَّه ودوامَ الارتباط به لهي أفضل الوسائل في الحصول على هذه النعمة، علينا أن ندعو بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم: “اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَالعَمَلَ الَّذِي يُبَلِّغُنِي حُبَّكَ”[6].

إنّ الذين يصرفون الكلام ويربطونه دائمًا بالله ورسوله وكلامه تعالى، ويرون ما سوى ذلك من الأقوال ثرثرة، ويعتبرون اللقاءات التي لا يُذكر فيها محبوبُهم سبحانه وتعالى اشتغالًا بما لا طائل من ورائه؛ إن هؤلاء هم الأجدر بأن يحظَوا بمنّة الله ومعيته.

يتحقق ذكر الله أحيانًا عن طريق الحديث المباشر عنه، وأحيانًا عن طريق ربط الكلام بالوسائل التي توصِّل إليه.. فمثلًا: تنفتحون على رحابة القرآن وفضائه لدرجة أنها تغمركم في بحر المعرفة؛ فتُبحرون في فضاءاته، وتتجولون بين آياته، وبذلك تنالون مطلوبكم وهدفكم، وأحيانًا ترشدكم أحاديث مفخرة الإنسانية؛ فتصلون تحت رعايته ووصايته صلى الله عليه وسلم إلى محبوبكم الحقيقي، وأحيانًا يزيد التجوّل بين كلمات وسطور كتاب الكون، والتأمل والتدبر في آياته نصيبَكم من معرفة الله، وأحيانًا تنشغلون بمذاكرة الأعمال التي تتحدّث عن الله تعالى طلبًا للحصول على شرف ذكره، وفي النهاية تنقلكم كلُّ هذه الأشياء إلى معيّة الحبيب سبحانه وتعالى.

وحاصل الكلام: لا يصل الإنسان إلى معية الله دون أن يُشبع قلبَه وعقلَه وروحَه وذهنَه وضميرَه وكلَّ حواسّه الباطنية والظاهرية التي وهبها الله له بكلّ ما يتعلّق به تعالى؛ لهذا السبب يجب السعي دائمًا وراء معية الحبيب بشتى الوسائل، وكذلك بذلُ الجهد للتعرّف عليه والشعور به واجتلاب معيّته عبر اغتنام كلِّ فرصة.. وينبغي للإنسان أن يتنفس المعيّة بكلّ ما أنعم الله عليه من نِعمٍ ومِنَحٍ؛ فمن حقّه تعالى علينا وواجبنا نحوه أن نلجأ إليه ونحاول الوصول إلى معيّته، تاركين جميع أنواع الانشغالات الدنيوية مستشعرين اضطرارًا إليه يفوق كل الضرورات.

[1] رُوِيَ عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “تَفَكَّرُوا فِي آلَاءِ اللهِ، وَلَا تَتَفَكَّرُوا فِي اللهِ”. (الطبراني: المعجم الأوسط، 6/250؛ البيهقي: شعب الإيمان، 1/262)

[2] بديع الزمان سعيد النورسي: المكتوبات، المكتوب العشرون، المقام الأول، ص 270.

[3] انظر: سورة العنكبوت: 29/64.

[4] صحيح البخاري، مواقيت الصلاة، 16؛ صحيح مسلم، المساجد ومواضع الصلاة، 211.

[5] الأوشي: بدء الأمالي، البيتان 20-21، ص 41.

[6] سنن الترمذي، الدَّعَوَات، 73.

القمع المجتمعي

Herkul | | العربية

سؤال: يسيطر على بعض الأوساط والدوائر اليوم القلق والخوف من الإسلام والمسلمين، فراحوا يدّعون أن المسلمين سيمارسون القمع والعنف على غيرهم لو أتيحت لهم الفرصة وتوفرت لديهم الإمكانات، أو على الأقل سيمارسون ما يسمى بالقمع المجتمعي ضد الآخرين للحيلولة دون أدائهم طقوسهم وشعائرهم؛ فما مصدر هذا الخوف؟ وهل لهذه الانتقادات والمخاوف من مبرر معقول؟

الجواب: يقول ربنا سبحانه وتعالى في القرآن الكريم مخاطبًا النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (سورة الأَنْبِيَاءِ: 21/107)، وقد صدَّق صلى الله عليه وسلم هذا البيان الإلهي بأقواله وأفعاله، وظل عليه الصلاة والسلام طوال حياته السنية يتعامل مع الجميع بشفقةٍ ورحمةٍ ولينٍ، ولم تختلف هذه المعاملة حتى في الحروب، فلم يحمل أيَّ حقدٍ أو ضغينة، ولم يفكر في الانتقام من أحد، حتى إنه عفا عن مشركي مكة الذين ساموه هو وأصحابَه سوء العذاب.

ولقد حرّم القرآن الكريم شتى أنواع القمع والاضطهاد بقوله: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (سورة البَقَرَةِ: 2/256)، وأكّد على تحريم الجبر والإكراه في آيات عديدة، منها على سبيل المثال: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ (سورة ق: 50/45)، وقوله: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ (سورة الغَاشِيَةِ: 88/22).. فإذا كان البعض رغم كل هذا يتخوّف من المسلمين ويعتقد أنهم سيمارسون القمع على غيرهم فهذا إما يرجع إلى أن المسلمين قد أخطؤوا في فهم الإسلام وتمثيله، أو أن هؤلاء الخائفين قد أخطؤوا في التعرّف على الإسلام والمسلمين، أو أن لهم مقاصدَ أخرى من وراء ترويجهم هذه الأفكار.

والذين مارسوا الضغط والإكراه على الناس حتى اليوم هم -في الغالب- ممثّلو الكفر والإلحاد؛ فهؤلاء هم الذين أذاقوا من ليسوا على شاكلتهم شتى أنواع الظلم والحرمان، وفرضوا أفكارهم وأنظمتهم عليهم مستخدمين في سبيل ذلك شتى الطرق والوسائل، ولكي يجعلوا المجتمعات شبيهة بهم وتابعة لهم فقد مارسوا عليها القمع المجتمعي بأبشع صوره، وهكذا فإنهم يعبرون بين حين وآخر عن هذا القلق وهذه المخاوف؛ لاعتقادهم أن المسلمين مثلهم أو لمقارنتهم المسلمين بأنفسهم.

وأنا لا أستبعد أن يكون بين المسلمين اليوم من لم يفهم الإسلام بما يتناسب مع لبّه وجوهره، ولم يستوعب روح الدين، ولم يُحسن قراءة الحياة السنية للنبي صلى الله عليه وسلم، ولم يتعمق في فقه السيرة، ولم يفسّر الإسلام وفقًا لظروف العصر؛ وبالتالي اتّخذ من الإسلام أداةً للعنف والقمع، وقد شهدنا كثيرًا من الأمثلة على ذلك في الوقت الحاضر.. ولكن علينا أن نعلم جيّدًا أنه لم يَخْلُ دينٌ أو نظامٌ أو أيديولوجيةٌ من وجود جماعات متطرّفة مهمّشة؛ إذ لا توجد قيمة لا يستطيع الإنسان استغلالها لصالحه، ولذلك فمن الخطإ إصدارُ حكمٍ بشأن الإسلام والمسلمين بالنظر إلى حال من أخطؤوا في فهم الدين أو فسّروه تفسيرًا خاطئًا.

أضفْ إلى ذلك قصورَ معرفتهم بالإسلام والمسلمين، فمع الأسف يتوجّس البعض خيفة ممن يصفونهم بالآخر، بل ويضمرون لهم العداوة لأنهم لم يخرجوا خارج حدود الحي الذي يقطنون فيه، ولم تُتح لهم الفرصة لإقامة حوار مع طوائف المجتمع المختلفة.. لأن الإنسان عدوُّ ما يجهله، وقديمًا سمعنا أحدهم يعترف بذلك قائلًا: “لم نخرج من حيِّنا ومنطقتنا”، وبالتالي لم يستطيعوا التعرّف على المجتمع بكل طوائفه وأشكاله وألوانه في أيِّ وقتٍ كان؛ لأنهم عزلوا أنفسهم عن المجتمع، ورأوا أنه من التدني أن يكونوا مع المؤمنين وأن ينزلوا إلى قراهم وبلدانهم؛ ولذلك لم يدخلوا ولم يتعرفوا قطُّ على عالمهم.

وهناك سبب آخر أيضًا وراء هذه الاتهامات التي تُكال للمسلمين، ألا وهو: موقف الكفر من الإيمان.. فمنذ آدم عليه السلام والصراع قائمٌ بين “فاوست ومفستو (Faust-Mefisto)”[1]، وعند النظر إلى الأحداث التاريخية نجد أمثلةً لا حصر لها للصراع بين الإيمان والكفر.. ويمكن القول: إن العديد من الذين يعبرون عن هذه الهواجس والمخاوف التي لا محل ولا مبرّر لها تجاه المسلمين إنما يفعلون ذلك بِمعنًى ما بمقتضى كفرهم وإلحادهم، وتغيير هذا أمرٌ يفوق طاقتنا.

وعندما نفكّر في الأمر على إطلاقه نجد أنه لا يوجد مبرّر معقولٌ للادعاء بأن ممارسةَ المؤمنين لدينهم وشعائرهم سيولّد ما يُسمى بالقمع المجتمعي ضدّ الآخرين.. فإذا ما تم التعامل مع المسألة بمثل هذا المنطق فيمكن تقديم ادعاءات مماثلة بشأن جميع الاختلافات في المجتمع، وعلى سبيل المثال إن صحّ الادّعاء بأن اللاتي يغطين رؤوسهن سيمارسن ضغطًا وقمعًا على الكاشفات رؤوسهن؛ فسيكون عكس هذا الادعاء صحيحًا ومعقولًا أيضًا، ويصل الأمر في النهاية إلى أن يكون الناس جميعًا على شكلٍ ونمطٍ واحد، وهذا أمر مخالفٌ للفطرة الإنسانية المتنوّعة، وضربةٌ قاصمةٌ لإرادة الإنسان وحريته.. فلا يوجد أساس منطقي وعقلاني لمثل هذه الادعاءات.

والذين يدعون أن ممارسة المسلمين شعائر دينهم سيشكِّل ضغطًا عليهم إنما يعترفون عن غير قصد بضعفهم وعجزهم.. وهذا يعني أنهم لا يثقون بأنفسهم ولا بتجاربهم الحياتية، إنهم لا يستطيعون أن يعيشوا في سلامٍ مع أنفسهم، حتى إنه تزعجهم عبادة الآخرين وممارستهم شعائر دينهم، وهذا يعني أنهم في شكٍّ وريبٍ من القيم التي يحاولون إرغام الناس على تقبّلها حتى وإن لم يكن لديهم شكٌّ في أنفسهم؛ لأن الواثقَ في القيم والمبادئ التي يؤمن بها لا يشعر بالضغط من خلال النظر إلى حياةِ أيِّ شخص.. تمامًا مثل الشخص الذي يعرف السباحة لا ينتابه القلق بشأن الغوص حتى في المحيطات الكبيرة، أما الذي لا يستطيع السباحة فإنه يخشى النزول حتى في الجدول.

والمؤمن الحقيقي لديه ثقة بالقيم التي تبناها وآمن بها وجعلها فلسفة حياته، ولا يخشى التعايش مع أتباع الديانات الأخرى والدخول في حوار معهم، والتعرّض لتأثيرهم.. ولذلك لا يحاول أن يمنع الناس من ممارسة عباداتهم، ولا أن يبلّغوا الآخرين الحقائق التي يؤمنون بها، فإن انتابه القلق في هذا الأمر؛ فهذا يعني أن لديه شبهة في دينه، ولم يستقرّ الإيمان بعدُ في قلبه، ومثل هذا الشخص الذي يعيش في الفراغ قد يتحوّل إلى اتجاهٍ آخر إن لم يكن اليوم فغدًا.. والذين لا يعيشون في سلامٍ مع أنفسهم ومع قيمهم الذاتية يخشون الوقوع تحت تأثير الآخرين، وحتى وإن لم يخافوا على أنفسهم فإنهم يخافون من تأثّر الحشود التي يفرضون عليها رؤاهم العالمية؛ ومن ثَمّ يحاولون بشتى أنواع القمع والضغط أن يمنعوا الآخرين من ممارسة عباداتهم وتبليغهم لدينهم.

والحال أن الحرية الدينية والوجدانية والفكرية هي من أبسط الحقوق الإنسانية، وعالم اليوم يسلّم بهذا ويُقرّه.. فمن الطبيعي للغاية أن يؤمن الإنسان بسلامةِ فكرة معينة ومعقوليّتها وفائدتها للإنسانية، ثم يرغب في تبنّي الآخرين لها، سواء أكانت هذه الفكرة اقتصادية أو سياسية أو ثقافية أو أخلاقية أو عقائدية، فلو أنكم اعتقدتم في صدقِ شيءٍ وعدالته فطبيعيّ أن تتمنّوا تقبل الجميع له، وكذلك لو اعتقد الناس بأن الفكرة المطروحة عليهم أو القيم المقدّمة لهم أكثر دقّة وصوابًا ووجدوا أنها تعِد بمستقبلٍ مشرقٍ فسيرجحونها بإرادتهم الحرة ويتبنونها.

فإن كنت أومن بأن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هو ربان السفينة التي تصل بنا إلى ساحل السعادة فسأرغب في ركوب الناس جميعًا في هذه السفينة. أجل، إن كنت أفكر في سعادة الإنسانية فهذا واجبي، لأن هذا ما يقتضيه إسلامي وإنسانيتي.. وإذا نظر الإنسان إلى المسألة على هذه الشاكلة فهذا يعني أنه يفكر في الآخرين، ويهتم لأمرهم، ويرغب في وصولهم إلى الصلاح والفلاح، أما إذا لم ينظر إلى المسألة هكذا فهذا يعني أنه يشك في قيمه الذاتية أو لا يفكر في الآخرين مثل تفكيره في نفسه.

المشكلة الأساسية هنا هي أن يحاول الإنسان إكراه الآخرين على تقبّل القيم التي يؤمن بها من خلال اللجوء إلى الضغط والقمع والإكراه، وهذا ما يجب أن نركز عليه ونناقشه.. وإلا فلا بأس في رغبة الإنسان بمشاركة الآخرين ما يراه صحيحًا طالما يحترم أفكارهم ومعتقداتهم واختياراتهم.. فيمكنه أحيانًا أن يبلّغ الحق والحقيقة مراعيًا الأسلوب والمنهج المناسب في ذلك، وأحيانًا أخرى يحاول أن يكون قدوة للآخرين بأحواله وأفعاله، فإن كانت معيشته وأخلاقه وأحواله مقنعة ومؤثرة في الآخرين فليس لأحد أن ينبس ببنت شفة في هذا الموضوع؛ لأن كلّ إنسانٍ حرٌّ في تقبّلِ الأفكار التي تروق له، واتباعِ من يقتدي بهم.

خلاصة القول: إن لكلّ فردٍ الحقّ في أن يكون له رأيٌ يعمل على إحيائه ومشاركته مع الآخرين.. المشكلة هي أن يفرض المرء وجهة نظره على الآخرين بأيّ شكلٍ من الأشكال، والحال أن وجود أشخاص لديهم رؤى عالمية مختلفة في مجتمعٍ ما يُعدّ ثروة لذلك المجتمع طالما يتمتّع كلّ أفراد المجتمع بحرية الفكر والتصرف.

[1]  “فاوست ومفستو”: بطلا المسرحيةِ المشهورة المسماة “فاوست” للشاعر الألماني الكبير “جوته”، يمثِّل فاوست شابًّا وقع في شباك الشيطان الذي يمثله في المسرحية نفسها “مفستو”، وصراع “فاوست-مفستو” يعني الصراع القديم المستمر بين نوع بني آدم والشيطان.

المصيبة في الدين

Herkul | | العربية

يعيش الإنسان في دار الابتلاء، وهو معرَّضٌ لا محالة لمصائب يقتضيها هذا الابتلاء، من هذه المصائب ما يتعلق بالدنيا، ومنها ما يتعلق بالدين، فأما التي تتعلق بالدنيا فتلك التي تخصّ الحياة المادية والدنيوية، وأما التي تتعلق بالدين فتلك التي تخصّ الحياة الدينية والمعنوية.. لكن المصيبة الحقيقية التي يلزم الخوف منها إنما هي التي تمسّ الدين.

ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ربّه قائلًا: “اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا”[1]مشيرًا بذلك إلى المصيبة الحقيقية التي ينبغي أن نستيعذ بالله منها.

كما يلفت بديع الزمان سعيد النورسي الأنظار إلى هذه المسألة بقوله: “إن الـمصيبة التي تعدّ مصيبةً حقًّا والتي هي مضرّة فعلًا؛ هي التي تصيب الدين، فلا بدّ من الالتـجاء إلى الله سبـحانه والانطراح بين يديه والتضرّع إليه دون انقطاع”[2].

المصائب الدنيوية

ومن المصائب الدنيوية ما يؤثّر في حياة الإنسان الفردية، ومنها ما يؤثّر في حياته الأسرية، ومنها ما يؤثر في المجتمع بأكمله، فمن أمثلة المصائب الفردية: إصابة المرء بالأمراض، واضطراب أموره.. ومن أمثلة المصائب الأسرية: احتدام النزاع والشقاق بين أفراد الأسرة الواحدة.. ومن أمثلة المصائب المجتمعية: الآفات والكوارث التي تتسبّب بخسائر في الأرواح والممتلكات مثل الزلازل والسيول والعواصف والقحط والجوع والأمراض الوبائية.. فهذه المصائب وإن تسبّبت في الحرمان وبعض المشاكل الدنيوية فإنها إذا ما قوبلت بالصبر والرضا فإنها ستكفّر ذنوبَ أصحابها، وسترفع درجتهم عند ربّهم.

وإلى جانب المصائب الأرضية والسماوية هناك مصائب دنيوية تصيب الإنسانَ بأيدي البشر، فكم مرة انجرفت فيها البشرية إلى الحروب! وكم عانت الإنسانية وأنّتْ! وتعرضت لشتى صنوف الأذى والتنكيل تحت حكم الطغاة والمستبدين! وإذا ما نظرتم إلى الأوضاع العامة للعالم اليوم لألفيتم كثيرًا من الأمم والمجتمعات تتأوّه وتتلوّى أمام الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.. وما أكثر الذين ضاقت عليهم الدنيا بسبب طمع الظالمين فيهم وجشعهم تارة! ونتيجة للمؤامرات التي يحيكها الممثّلون الدوليّون تارةً أخرى!

هل هناك كارثة أكبر من سقوطنا إلى هذا الوضع البائس المزري بعد أن حافظْنا على وجودنا كعنصرٍ مهمٍّ في التوازن الدولي لعدّة قرون، وبعد أن كنّا نقوم بدور المخفر الذي يحمي المنطقة من المخاطر المحتملة؟! إن كلّ مصيبةٍ سواء كانت صغيرة على مستوى الأفراد أو كبيرة على مستوى الأمة بأكملها؛ تُقاس أهميتها بحسب حجمها ومستواها.. ورغم أن الإنسان غالبًا ما يتأثّر بالمصيبة التي تنزل به خاصة؛ فإن أصحاب القلوب الكبيرة يشعرون في وجدانهم بنفس ألم المصائب الكبيرة التي تقع ضمن الدائرة الكبيرة.

المصائب الدينية

لكن مهما كان نوع المصائب الدنيوية وحجمها ومستواها فإنها تصغر وتضمحلّ بجانب المصائب الدينية.. فالمصيبة الحقيقيّة التي ينبغي الخوف والفزع منها هي المصيبة التي تؤثر في حياة الإنسان الأخروية وتسوقه إلى الخسران الأبدي.

ومن أمثلة هذه المصائب: التخبّط في الشبهات حول أصول الإيمان، والاستعداد لارتكاب المحرمات في كلّ آنٍ، وعدم توخّي الدقة اللازمة في العبادات والطاعات، وضعف الصلة بالله رب الأرض والسماوات، فكلّ هذه المصائب هي آفات رهيبة يمكن أن تنزل بالإنسان، فهل بعد ذلك يمكن أن نقول إن للمصائب الدنيوية أهمية إلى جانب عدم تعرّف الأجيال بحقّ على الذات الإلهية، وانقطاع صلتهم بربهم عز وجل؟!

أجل، إن المصائب المادية التي تصيب الإنسان في حياته الدنيوية القصيرة تظلّ صغيرة وضئيلة للغاية بالنسبة إلى ابتعاد الناس عن كتاب ربهم وسنة نبيّهم، وتبنيهم لنظم عقائدية وأيديولوجيات نظرية بعيدة عن عالمنا الفكري، وانسياقهم وراء تيارات تُفقدهم حياتهم الأبدية.. ومن الكوارث الكبيرة التي اُبتليت بها حياتنا الدينية قيامُ بعض الشخصيات المرموقة بِلَيِّ أعناق نصوص القرآن والسنة كي تتماشى مع نظرية التطوّر، واتباعُهم للأهواء والشهوات، وانسياقُهم وراء التيارات الحديثة، وتلاعبُهم بالأحكام الدينية، وارتيابُهم في قيمهم الذاتية، وفشلُهم في المحافظة على عزة الدين وكرامته.

أفظع ما في الأمر هو انتشار هذه المصائب والكوارث التي تمسّ الدين وتؤثّر في المسلمين بشكلٍ أو بآخر.. فلم تعد الأسرة تقوم على أسسٍ متينةٍ، وفقدَت دورُ العبادة وظيفَتها، واستولت المفاهيم الوضعية والمادية على المدرسة، وتلوّثت الشوارع بتمامها، وغدا الناس فيها بعيدين عن الدين أو راحوا ضحّيةً للمظاهر والشكليّات.. واختفى من القلوب الخوف من الله، وبدأ الناس يعيشون وكأنه لا وجود للآخرة، وانتشرت بين الأجيال الشابة تيارات فكرية ضالة مثل: الربوبية والإلحاد واللاأدرية أو الأغنوستية، وأُبعِد الناس عن ربهم سبحانه وتعالى ونبيهم صلى الله عليه وسلم تحت مسميات؛ الرجعية والتطرّف والتعصّب.. فكلّ واحدةٍ من هؤلاء بمثابة مصيبة في الدين.

وهذه المصائب التي تضرّ بالدين تؤدي أيضًا إلى بعض المصائب الدنيوية؛ لأنه في مثل هذه الحالة ينتشر الخطف واللصوصيّة والسرقة والفساد والبذاءة بين كل طبقات المجتمع، والذين يمسكون بزمام الأمور ينهبون مال الأمة، ويتعيّشون على حساب المجتمع، والمسؤولون المفترض أنهم مكلفون بالحفاظ على أرواح الناس وأعراضهم وأموالهم يصبحون بالعكس تهديدًا لهم، ويحتدم النزاع بين الناس بسبب تأييد كلِّ طرف للأيديولوجية التي يتبناها، ويظهر الانحلال والتفسخ في المجتمع، ويوصَم الدعاة والمتدينون بالرجعية، ويُتّهمون بالتخلّف، ويتعرّضون لشتى أنواع الظلم والقمع والاضطهاد.

وقد شبه بديع الزمان سعيد النورسي المصائب والكوارث التي تتسلّط على الدين بالدود الذي يتسلّط على الشجرة، فينخرها من جذورها ويحولها إلى شجرةٍ يابسةٍ، وعندها لا تتحمل بنية المجتمع، لأنها ترى أنّ من يمصّ دمها ويقطع عروقها صديقٌ لا عدوّ.. وهؤلاء المنافقون والمراؤون يتنكّرون في زيّكم، ويتظاهرون بأنهم منكم، وفي الخفاء ينخرون الأرض من تحت أقدامكم، ينوّمون الشعب تنويمًا مغناطيسيًّا، ويوجّهون الرأي العام، ويؤثرون في أفكار الشعب بكلامهم وكتاباتهم، فيُظهِرون الأبيضَ أسود، والأسودَ أبيض، ويلجؤون إلى كل الحيل والمؤامرات التي لا يتصورها حتى الشيطان الرجيم من أجل الوصول إلى أهدافهم الخبيثة، وبالتالي يؤججون فتيل التوتر والنزاع داخل المجتمع على الدوام، ويصمتون أمام الظلم الذي يتعرّض له الآخرون طالما أنه لا يمسّ مصالحهم، ولكن على الجانب الآخر يطيش صوابهم ويثور غضبهم وكأن طوفان نوحٍ قد أصابهم عند أبسط المسائل؛ من أجل ترسيخ التصوّر الذي يريدونه في الأذهان.

لما تسلّط البلاء على سيدنا أيوب عليه السلام نادى ربه قائلًا: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (سورة الأَنْبِيَاءِ: 21/83)، ولما سقط يونس عليه السلام في بطن الحوت نادى في الظلمات قائلًا: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (سورة الأَنْبِيَاءِ: 21/87).

فكلا البلاءين اللذين تسلطا على سيدنا أيوب وسيدنا يونس عليهما السلام بمنزلة مصيبةٍ دنيويةٍ من جهةٍ ما، ويحملان تهديدًا لحياتهما الدنيوية، فإذا كانت المصيبة الدنيوية تستدعي هذا القدر من الدعاء فالأولى هو أن نكثر من الدعاء ليل نهار أمام المصائب الدينية، وأن نضع جباهنا على الأرض ملحِّين في التوسّل والتضرّع وكأن هذه المصيبة تمزّق نياط قلوبنا.

ومن الصعب للغاية التعامل مع المصائب التي تمسّ الدين بالعبقرية الفردية والحصافة والإدارة، وفي هذا السياق لا بدّ من الالتجاء إلى الله عز وجل، وإثبات الجدارة بالعبودية، فإذا ضعفت صلة المسلمين بربهم، وانحرفوا عن منهج نبيهم صلى الله عليه وسلم غُلبوا بضعفهم وعجزهم لا بقوّة ومقدرة عدوّهم، وحتى وإن بدا العدو أمامهم ذبابة فهم معرّضون للهزيمة أيضًا، لكن إن كانت صلتهم بربهم قويّةً فلن يجعلهم الله طعمةً لأعدائهم أبدًا.

الحساسيّة تجاه مصيبة الدين

ماذا عسانا أن نفعل إذا لم نكن نتمتّع بالقدر الكافي من الحساسية تجاه المصائب التي تمسّ الدين! فلم نعد نهتمّ بمشاكل المسلمين، أو نتألّم لآلامهم.. فلا ندري تحت أيِّ نوعٍ من أنواع الاختبار والابتلاء تندرج هذه المصيبة؟! إننا بحاجة ماسّة إلى ترميمٍ وتأهيلٍ حقيقي في هذه المسألة، فيجب تدريب الناس على ما هو مهمّ وما هو غير مهمّ، وتوجيه الأرواح مرة أخرى إلى أهمية الإيمان، ولا بدّ من مذاكرة هذا الموضوع على الدوام حيثما حللنا وارتحلنا، وعلينا أن نشرحَ للناس كيف أن الجنة والنار ليستا بالمواضع التي يُستخف بها، وكيف أن البعد عن الله يُحوِّل الحياة إلى سجن كبير، وكيف أن الانحراف عن منهج سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يسوقنا إلى الضلال.

فمع الأسف افتقرَ المسلمون في العصور الأخيرة إلى الوعي بحجم المصائب التي حلّت بهم رغم كثرتها وتواليها وراء بعضها، لقد أصبحنا أمّةً غافلةً مستهتِرةً، حتى الناصحون لنا لا يختلفون عنا، فهم أيضًا يعيشون في غفلةٍ كبيرةٍ، لم نعد نعرف قدر الإيمان وقيمته، فلا نقلق بشأن إيمان الآخرين كما لا نقلق بشأن إيماننا.. إنني حتى اليوم لم أصادف إنسانًا يقول: يا إلهي! ها أنا ذا بين يديك، دعني أكنْ ذبيحة لك، خذ حياتي خمسين مرة، لكن أرجوك لا تسمح لنا بأن نضيّع ذرّة من إيماننا! ولا أرى الانفعال الذي أودّ أن أراه في المؤمن عندما يقابل مصيبة تمسّ الدين، كم منا صلى صلاته وكأنه يعرج من خلالها إلى السماوات العلى؟! وكم منا عمّق أوقاته الفارغة بالتفكر؟! وكم منا سطعت المعاني العلوية في سمعه وبصره وكلامه؟!

نستنتج من ذلك أننا أصبحنا لا نهتمّ كثيرًا بالقضايا الدينية، ولا نثق تمامًا بالقيم التي نتظاهر بأننا متمسكون بها، بينما كان الصحابة رضوان الله عليهم يخافون النفاق على أنفسهم ويخشون الموت على غير إيمان، إننا إذا أغرقنا أنفسنا في التطورات الراهنة، واستولت على عقولنا الأوهام والشبهات، وأهدرنا أوقاتنا في النميمة والثرثرة؛ أصبحنا دون وعي غرباءَ على قضايانا الخاصة وقيمنا الذاتية، فلا نستطيع أن ندرك المصائب التي تمسّ ديننا، ونفقد حساسيتنا في هذه المسألة، ولا نفكر حتى في مشاكل العالم الإسلامي، ولا في حياتنا الأخروية وسعادتنا الأبدية، ناهيك عن التفكير في إنقاذ إيمان الآخرين.

ولهذا لزام علينا وعلى السائرين في المسارات القائمة على الدعوة إلى الإيمان بحسب المهنة التي يمتهنونها؛ أن ننتفض بقوّة، وأن نرجع إلى ذاتيّتنا، وأن نتحلّى بمزيدٍ من الحساسية في هذه الأمور، إننا إذا لم نحقِّق في أنفسنا عُشرَ المستوى المطلوب من الإيمان؛ فليس لدينا الكثير لنقوله للآخرين، فلو أن العلوم التي نحصّلها والكتب التي نقرؤها لا تثير الانفعال في قلوبنا ولا تنبّهنا إلى الحقائق الإيمانية؛ فهذا يعني أنه لا فائدة منها، فتبًّا لذلك العلم وتلك الكتب التي تغرس فينا الأنانية، وتضخّم من نرجسيّتنا، وتدفعنا إلى الثرثرة يمنة ويسرة، وتقودنا إلى التحذلق والغوغائية!

قد ينشأ عند من كانوا متمسكين بدعوتهم في فترةِ شبابهم نوعٌ من الانحلال والانهيار بعد سنٍّ معينة، ولا شكّ أن الله تعالى يوفّق الذين يعيشون على وعيٍ بالوظيفة والمسؤولية الملقاة على عاتقهم ولا يتشوّفون إلى أجورٍ مادية أو معنوية، ولكن مع تقدّم السن والأقدميّة يبدأ البعد عن روح الأمر وجوهره، وتبهت الألوان، وتنمحي الزخارف.. وبدهي أنه لا يمكن التقدّم إلى أيّ مستوى على أيدي المهترئين الخاوين روحيًّا.

إنني لا أقصد من ذلك تثبيط الهمم، لكني أرى أن ثمة أمرًا مهمًّا ينبغي ألا نغفل عنه؛ وهو ضرورة أن نراجع أنفسنا من جديد، بل لا بد من ذلك.

[1] سنن الترمذي، الدعوات، 80.

[2] بديع الزمان سعيد النورسي: اللمعات، اللمعة الثانية، ص 15.

عمى النظام

Herkul | | العربية

إنّ الذين يعملون داخل نظامٍ وكيانٍ معيّن قد يُصابون مع مرور الوقت بما يُسمى “عمى النظام”؛ أو ما يمكن أن نسميه بالرتابة والاستسلام للإلف والتعوّد، فلا جَرَمَ أنّ تكرار الأعمال على الدوام بشكلٍ معين وتنسيقٍ محدَّدٍ روتينيٍّ يؤدّي إلى الرتابة، فإن لم يُراجَع هذا النظام ويُجدَّد على فترات معينة، ولم تُسدَّ الثغرات وتُكمَّل النواقص؛ حصل مع الوقت نوعٌ من عمى النظام، وهذا من شأنه أن يقف حائلًا دون الابتكار والتجديد، وأن يصيب الناس بالعمى في أفكارهم ومشاعرهم.

فإن لم تأخذ الأنظمة -دنيويةً كانت أم أخرويةً- بالتدابير اللازمة السليمة وتلتمسْ أسباب التجديد أصيب العاملون فيها بالعمى، فلا شكّ أن حبس كلِّ شيءٍ داخل أنماطٍ معينة، ووضْعَ كلِّ أمرٍ داخل قوالب محددة؛ يصيب الناسَ بشللٍ في أفكارهم ومشاعرهم، وهذا يؤدّي بدوره إلى تعطُّلِ عجلات العمل والإنتاج وتوقّفِها عن الدوران.. فإن لم يُعالَجْ عمى النظام هذا؛ ضعفت الأنظمة الكبيرة والدول والمؤسسات القائمة وانهارت مع مرور الوقت.

لا أحدَ ينكر أن إنشاء نظامٍ قويٍّ يعمل بانتظامِ ودِقّةِ الساعة له أهميّةٌ بالغةٌ في تحقيق الكفاءة وزيادة الإنتاج، ولكن إذا تعذّر تطوير فلسفة التجديد والابتكار المستمرّ أصبح ذلك بمرور الوقت عقبةً في طريق التجديد والتميّز والكمال؛ لأن الناس إذا رأوا أن كلَّ شيءٍ ثابتٌ في مكانه لن ينهضوا بعمل أبحاثٍ جديدة، وبذلك يكونون قد بنوا بأيديهم سدودًا لا يمكن تجاوزها؛ فلن يشعروا بالقصور والعيوب من حولهم، ولن يستطيعوا مواكبة الزمان، وعليه؛ يُصاب النظام الذي يدورون في فلكه بالتقادم والشيخوخة.

وقد يحدث عمى النظام في كلِّ مكانٍ أو مجالٍ يهيمن عليه نظامٌ ما -صغيرًا كان أو كبيرًا- بدايةً من نظام الدولة حتى الحياة الاجتماعية، ومن عالم التكنولوجيا إلى مؤسّسات التكافل الاجتماعي، فمثل هذه الأنظمة لم تستطع -بعد قيامها- أن تتقدّم عن المركز إلا مسافة بسيطة مكتفية بما لديها من إمكانات متاحة، فلو أن الناس اعتقدوا أن النظام يعمل من تلقاء نفسه ولم يُعملوا عقولهم وقوة تفكيرهم، وكان همُّهم تخفيفَ العبء فقط على النظام القائم؛ فلن يبقى هذا النظام طويلًا، وبعد فترة سيُصاب بالأعطال والعِلل، ويصبح الانهيار أمرًا لا مفرّ منه.

من الواضح متى وماذا سيفعل العاملون ضمن نظام أو مؤسسة قائمة، فهؤلاء -عامة- لا يتجاوزون الأعراف والعادات، ولا شك أن تكرار نفس الأعمال على الدوام يؤدّي إلى الملل والضجر، ويصيب الناس بالعمى، وفي هذا الجوّ تتعذّر الاستفادة -بقدر الكفاية- من القابليات والقدرات الموجودة، وللتّخلّص من ذلك لا بدّ من تجديد الصوت والنفس، وتعديل الأسلوب، وتغيير نمط الحركة، من أجل ذلك فإن تبديل مواقع العاملين من وقت لآخر ووضعهم في أماكن جديدةٍ دون خلق فراغٍ خطيرٍ في مواقعهم القديمة؛ يحول دون عمى النظام، فهؤلاء سيذهبون بتجاربهم إلى مواقعهم الجديدة، ومن يأتون بدلًا منهم يهبُّون على المكان برياحٍ جديدة؛ فيُحقِّق الفريقان نجاحًا غير مسبوق في الأماكن التي لم يطرقها الأقدمون، أو التي لم يستطيعوا النجاح والفلاح فيها؛ وذلك طالما يسمح النظام القائم للقادمين الجدد بإظهار مواهبهم وقدراتهم، ولم يعمل على قمعها وإضعافها.

فإن لم يستطع الناسُ تحقيق هذا بإراداتهم واختياراتهم خلّصهم الله بلطفه الجبري من الوقوع في عمى النظام هذا، ووضعَهم في مأزقٍ حتى يشعروا بالحاجة إلى قلب النظام الذي أسّسوه، وإن مراجعةَ كلِّ شيءٍ من البداية يُشعر الناس بالكشف عن أشياء جديدة تتوافق مع قيمهم وعوالمهم الروحية.. وإن انسلاخهم من العالم السحري الذي يعيشون فيه؛ يفتح أعينهم، ويجعلهم يرون المسائل التي ينبغي تغييرها وتجديدها بشكلٍ أفضل؛ ومن ثَمّ يعملون على تغيير أنماطهم، ووضع أنظمة جديدة تتوافق تمامًا مع روح التجديد.

فإن تواكب العاملون في نظامٍ ما مع ظروف عصرهم، فعدّلوا أنظمتهم وجددوا أنفسهم؛ استطاعوا الحفاظ على ما في كيانهم من حيويّة، وهذا هو السبب في بقاء التكايا والزوايا في تركيا وصمودها مدة طويلة؛ فهؤلاء كانوا يثيرون حماس الناس بما يقومون به من تغييرات وتجديدات، وكأنهم قد أعلنوا الحرب على الرتابة والإلف والتعود.. وكذلك فما من نظامٍ يستمسك بالوسائل التي تزيح حجاب الإلف والتعوّد محافظًا على جوهره وهويته من ناحية، وساعيًا إلى التجديد الدائم من ناحية أخرى؛ إلا ضَمِنَ لنفسه عمرًا أطول في التاريخ وحيويّة أنضج في الهيكل.

لكن ليس الأمر يسيرًا كما يبدو؛ لأن الاعتقاد بأن النظام يسير بانتظام؛ يثبّط الهمّة نحو مراجعةِ النظام من جديد، والتدخّلِ بالإصلاح عند الضرورة، واستبدالِ المواضع التي تحتاج إلى تغيير، وتجديدِ الجوانب الخاملة.. كما أنه يُبطل عمل العقل والمنطق، وفي الحقيقة هناك قدر كبير من اللامنطقية ولكن لا يراها أحد، فكلّ شيءٍ يسير برتابة ويُكرّر نفس الأسلوب، ولذلك فمن الأهمية بمكان وجود أشخاص قادرين على تحطيم هذه الرتابة، والتخلّص من فخّ الروتين، ومراجعة كلّ شيءٍ مرّة بعد أخرى.

فمثلًا تسير معظم الأعمال في إدارات الدولة والأنظمة السياسية والمنظمات الحزبية على نسقٍ ثابت ووتيرةٍ واحدةٍ لا تتغيّر، ومعظم الذين يديرون هذه الأعمال يلتزمون بنصوص اللوائح والقوانين التي يحفظونها ولا يخرجون عنها قيد أنملة؛ ولهذا لا تضيف الأحزاب ولا رجال الدولة غالبًا أشياء جديدة للسياسة العالمية، ولا يطوّرون الدبلوماسيات التي تعد بالمستقبل، ولا يستطيعون إدارة المبادرات المدنية، علمًا بأننا في أمسّ الحاجة إلى كسر هذا الروتين، والبحث عن ابتكارات جديدة، والسعي وراء التجديد؛ دون خروجٍ عن الأُطُرِ والمقاصد الشرعية.

من الأهميةِ بمكان وجودُ نظامٍ قوي ناضج راسخ، وهذا يتطلّب التقويم الجيد، وابتكار أشياء جديدة، مع عدم التخلي مطلقًا عن التحليل والتركيب.

فيجب على الإنسان أن يتساءل حتى عن الموضوعات التي يعلمها جيّدًا، وأن يستفسر حتى عن أكثر الأمور المؤكَّدة لديه، بل يمكنه عند اللزوم أن يعيد النظر مرة أخرى في قوانين الطبيعة المسلّم بها منذ القدم مثل قانون الجاذبية، فأفكارُ البشر معرَّضةٌ للخطإ والقصور على الدوام، فلو اعتبرناها حقائق مطلقة، وجعلناها مسلّمات عقلية؛ فقد قيّدنا أيدينا بأنفسنا، وشللنا عقولنا، وعرقلنا التفكير الحرّ رغم أنه عنصرٌ مهمٌّ في الانفتاح على التجديد.. فلا ينبغي للإنسان أن يسمح لأيِّ شيءٍ بالاعتراض على التفكير الحر ما عدا أوامرَ الوحي المحكمةَ، بل عليه دائمًا أن ينفتح على الأفكار الجديدة، والابتكارات الحديثة، والتطوّرات العصريّة.

وهنا أريد أن أذكّر بما يلي: لا بدّ أن يجري التغيير والتجديد بشكلٍ فطريٍّ طبيعيّ، وأن تكون الاحتياجات محدّدة في هذه المسألة، وأن يُحدَّد جيدًا ما الذي يجب أن يتغيّر، وما الذي يمكن تركه إلى حينه، وليس على الإنسان أن يشدّد على نفسه، ويكلّفها بعمل أشياء جديدة تصنُّعًا وتظاهرًا، فلا يخرب الجماليات التي أنشأها الآخرون لمجرّد إثبات النفس، ولا يبادر إلى المخالفة، كما أنه من الأهمّية بمكان عدم الإقدام على هدمِ ما هو موجود دون وضع خططٍ بديلةٍ، وكذلك عدمُ مقاومة الأنظمة العاملة بدافع التمرّد فقط دون داعٍ، وإلا وقعنا في مزيد من الفوضى والاضطراب في الوقت الذي نرغب فيه بالتخلّص من النظام الأعمى.

آفة الدين ثلاثة

Herkul | | العربية

سؤال: جاء في الحديث: “آفَةُ الدِّینِ ثَلَاثَةٌ: فَقِیهٌ فَاجِرٌ وَإِمَامٌ جَائِرٌ وَمُجْتَهِدٌ جَاهِلٌ”[1]، فما السمات المشتركة التي جعلت من هذه الفئات الثلاث المذكورة في الحديث آفةً للدين؟

الجواب: رغم أن هذا القول الذي رواه ابن عباسٍ رضي الله عنهما قد انتُقد من حيث ضوابط ومعايير علم مصطلح الحديث فلا شك أنه يعبّر من حيث المعنى عن حقيقة مهمّة للغاية، يمكننا أن نتناولها على الشكل التالي:

الفقيه الفاجر

أول الثلاثة هو الفقيه الفاجر، والفاجرُ هو الذي يرتكب المعاصي دون اكتراث، يشتغل بالكتاب والسنة، ويستنبط الأحكام من هذين المصدرين المباركين، ومع ذلك يعيش حياة ملؤُها الفسق والفجور، لا يسير على الطريق المستقيم، ولا يحافظ على استقامته، ويأتي بعض المحرمات، ويقع في الذنب.. على سبيل المثال لا يأبه ولا يراعي حدود الحلال والحرام في كسبه، ولا يتحكم في لسانه ويده، ويلهث وراء أهوائه وشهواته ورغباته ونزواته؛ بمعنى أن علمه لم يرجع عليه بشيء نافع، ولذلك يشبهه القرآن الكريم بالحمار الذي يحمل أسفارًا، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يستعيذ في أدعيته من العلم الذي لا ينفع، كما كان يقول: “مَنِ ازْدَادَ عِلْمًا وَلَمْ يَزْدَدْ فِي الدُّنْيَا زُهْدًا لَمْ يَزْدَدْ مِنَ اللهِ عز وجل إِلَّا بُعْدًا”[2].

فالآثام التي يرتكبها مثل هذا الشخص لا تقتصر عليه وحده، بل تسري إلى غيره من الناس؛ لأنه محطّ أنظارهم، يصغون لكلامه، ويتخذونه مثلًا أعلى في حياتهم.. ولذلك فإن رأوا مثل هذا العالِم -الذي يردّ على أسئلتهم الدينية ويحلّ لهم مشاكلهم المستعصية- يتقلّب في الفسق والفجور فإنّ القوّةَ المعنويّة ستتزعزع لدى الكثير منهم.

إن من يقف على علوم الكتاب والسنة، ويشتغل بالقضايا الدينية على الدوام ثم ينحرف عن الطريق القويم يجرّ الكثيرين خلفه، لا سيما إذا فضّل مثل هذا الشخص الهوى على الهدى؛ فحينئذٍ يخرج الأمر كلّيّةً عن السيطرة.. فلو ادعى هذا الشخص الذي يتزيَّا بزيّ العلماء أن الاختلاس ليس بسرقة؛ اعتقد الكثيرون أن طريق الفساد قد بات متاحًا لهم، فإذا ألبس الرشوةَ ثوبًا آخر انعدمت حساسية الناس إزاء الرشوة، وأضحت كل الأمور تجري في فلكها.

ولذلك تقع مسؤولية كبيرة للغاية على عاتق علماء الدين الذين يرشدون المجتمع ويوجهونه بآرائهم واجتهاداتهم، فالكثيرون يرمقونهم، ويحددون معالمهم وتوجّهاتهم وفقًا لهم، ومن ثمّ لا يقتصر انحراف رجال الدين على أنفسهم فحسب، بل يتعدّى إلى المحيطين بهم، فسقوطُهم لا يشبه سقوط الناس العاديين، لأن خروجهم عن الجادة ينشأ عنه دفعُ المجتمع كله إلى الانحراف، ولذلك قد يكون التأثير السلبي الذي تُحدثه أخطاؤهم في المجتمع أعظم جرمًا وأشدّ خطرًا من وساوس الشيطان وغواياته؛ لأن الشيطان يوسوس للإنسان بالشرّ، فإن لم ينهزم الإنسان أمام أهوائه وشهواته فقد سَلِمَ، أما مَن اكتسى حلّةَ العلماء ولا يكفُّ لسانُه عن ترديد الآيات والأحاديث؛ فحاله مختلِفٌ تمامًا، إذ الناس يُشنّفون له الأسماعَ، فإن تلبّس بأيِّ ذنبٍ أو انحراف أحدث ذلك تأثيرًا كبيرًا في نفوسهم.. فما من عالم لا توافق أفعالُه أقوالَه، ويتراخى في تطبيق أوامر الدين إلا ويتسبّب في تقويض ثقة الناس بالدين.

 وإن الضرر الذي يَلحق بالدين مِن وراء مَن يستغلّه في أهدافه السياسية؛ لا يتساوى مع الضرر الذي يتسبّب فيه شخصٌ عاديّ من عوام الناس، فلو وضعنا كلّ هذا نصب أعيننا أدركنا جيّدًا لماذا كان الفقيه الفاجر أول الفئات الثلاث التي وصفها الحديث بآفة الدين، فلا مشاحة في أن هذا الشخص سيتقدم يوم القيامة مَن أضلَّهم واستغفلَهم، وهو يرتدي ثوب الخزي والعار.

الإمام الجائر

أما الفئة الثانية التي يرد ذكرها في الحديث فهي فئة الإمام الجائر، ويُقصد بالإمام هنا من يدخل ضمن هذا الإطار الواسع ابتداءً من مدير المؤسسة حتى رئيس الدولة، ولا ريب أن أول ما يتبادر إلى الذهن في هذا السياق هو رئيس الدولة وكبار المسؤولين.

فكلما ارتفعت رتبة الإمام العادل ومقامه عند الله تدنّت رتبة الإمام الظالم الذي يستغل منصبه ونفوذه في ظلم الناس والتنكيل بهم.. وكما هو معلوم من الحديث الشريف فإنَّ الإمام العادل هو أول “سَبْعَة يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ”. أجل، إن الإمام الذي لا يستحلّ ولو حبّة شعير يضعها في فمه، ولا يلجأ إلى الكذب ولو بنصف كلمة، ولا يأكل حقّ أحدٍ ولا يسمح بذلك ولو بقدر درهم، ولا يتلاعب بكرامة الناس وشرفهم؛ سيتبوّأ مكانه خلف الأنبياء العظام عليهم السلام يوم القيامة.

وفي المقابل فإن الأئمة الذين يظلمون رعاياهم يكونون آفةً على المجتمع والأفراد كما عبّر الحديث. أجل، لو أن الإداريين المسؤولين عن إدارة الدولة جعلوا ديدنهم ظلمَ شعوبهم وأذيّتهم والتنكيل بهم؛ فهذا يعني أنهم قد أصبحوا آفةً وكارثةً على المجتمع بأكمله، فتدبيرُهم المؤامرات والحيل الشيطانية للتخلّص من المعارضين الذين يتوهّمون أنهم يشكلون خطرًا على أطماعهم في السلطة، والتشنيع عليهم والتشهير بهم دون وجه حقّ، وإلصاق التّهم واختلاق الافتراءات التي تدينهم، وأكلهم مال اليتيم الذي لم يبلغ أشده من خلال تلبّسهم بشتى أنواع الممارسات الفاسدة؛ كلّ هذه الأعمال تُعَدّ مصيبةً في حدّ ذاتها يصعب على أيّ مجتمع تعرّض لها أن يستقيم عوده ويستعيد عافيته من جديد.

ولا شك أن هؤلاء الظالمين يحرم عليهم دخول الجنة ما لم يسامحهم المظلومون، فمهما عملوا من عمل -ولو كان بحجم فتح إسطنبول- فلن ينجوا من عذاب الله وغضبه ما لم ينتهوا عن ظلمهم، ويتحلّلوا ممن ظلموهم.. وكم هو مؤسفٌ أن يتردّى هؤلاء إلى أسفل سافلين بسبب ظلمهم لرعيّتهم والتنكيل بهم؛ بعد أن كان بوسعهم أن يكونوا في ظلّ الله يوم القيامة يوم لا ظلّ إلا ظلّه، وأن يتبوؤوا الذرى السامقة!

وإنّ ذكرَ الإمام العادل تلوَ الفقيه الفاجر له مغزًى كبير للغاية؛ لأنه من الطبيعي أن يتبع إداريو أيِّ بلدٍ طريقَ الظلمِ والجور طالما انحرف فقهاؤه عن الطريق المستقيم.. فمثل هؤلاء الفقهاء عندما يتصدّرون لإفتاء السراي والبلاط فإنهم يتسبّبون في انحراف الحكّام وضلالهم؛ لأنهم يسيئون استغلال النصوص الدينية ويمنحون هؤلاء الإداريين امتيازات وحججًا يتذرعون بها في ممارسة الكثير من الفظائع تحت غطاء شرعي؛ حيث يتكئ هؤلاء الإداريون الظالمون على هذا النوع من رجال الدين، فيمارسون ظلمهم بدافعٍ دينيّ، ولا يتردّدون عند ارتكابهم للمحرمات في إظهار أنفسهم وتبرير تصرفاتهم.

 المجتهد الجاهل

أما الفئة الأخيرة التي يذكرها الحديث فهي فئة المجتهدين الجاهلين، فهؤلاء لا يفهمون الكتاب والسنة فهمًا عميقًا، ولا ينظرون إليهما نظرة متأنية شاملة، ولا علم لهم بفقه السيرة، ورغم ذلك يتصدّرون للاجتهاد.. وهؤلاء كُثرٌ للغاية، فلا يخلو مكان من مجتهد، فبعضهم يثق بنفسه لدرجة تجعله يبغض الأئمة العظام مثل أبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد بن حنبل، ويرى نفسه أفضل منهم.. ولكن إن أمعنتَ النظرَ لألفيتَ معظمَ هؤلاء تعوزهم المعرفة بالكتاب والسنة، مع أنهما المصدران الرئيسان اللذان يقوم عليهما الدين، فلا يحيطون بالقرآن قدر إحاطتهم بخريطة مفتوحة أمام ناظريهم، ولا يستطيعون شرح الآيات، ولا يرشدون الناس بأفعالهم إلى كيفية تطبيق هذه الآيات في الواقع المُعاش، ولا يحيطون بالسنة معرفةً وعلمًا، فلا جرم أن هؤلاء لا يُقبل اجتهادهم بأيّ حالٍ من الأحوال.

وهذا لا يعني انتفاء المجتهدين وانعدامهم، فالاجتهاد مهارةٌ مَن حازها فبوسعه أن يجتهد طبعًا، ولكن لنعلم جيّدًا أن هذا ليس بالأمر الهيّن، فهؤلاء الأئمة العظام قد وهبوا حياتهم لهذا الأمر، واشتغلوا بالعلم صباح مساء، وتذاكروا المسائل الدينية على الدوام، وكذلك فالاجتهاد مسؤوليةٌ وعملٌ خطير لا يستطيع القيام به إلا مثل هؤلاء الذين فقهوا الدين بمصادره الأصلية والفرعية، وليس من يتميّزون بالسطحية والجهالة؛ لأنهم سيحكمون باسم الدين، ويتكلمون باسم الله، ولذلك فإن أخطؤوا فإن أخطاءهم ستعود عليهم بالخسران في الدنيا والآخرة، بناءً على ذلك فإن استبدال المجتهدين الحقيقيين بأشباه المجتهدين هو أكبر كارثةٍ يتعرّض لها الدين.

علماء السوء

ومن الممكن استعمال مصطلح “علماء السوء” للفقهاء الفاجرين والمجتهدين الجاهلين الذين ورد ذكرهم في الحديث، وهؤلاء هم من وقعوا في المنكرات وخالطوها ولم يستطيعوا التخلّص منها، ويلزم أن ننوّه هنا أنه ليس من الصحيح أن نطلق اسم العالم بحقٍّ على مَن لم يعمل بعِلْمه، فالعالم هو الذي اهتزّ قلبه وارتجف وجدانه وانقصم ظهره من خشية الله، فمهما بلغ الشخصُ من رتبة فإنه لن يجني من وراء المعلومات التي حصّلها إلا إرهاق القلب والعقل والوجدان طالما أنه لم يعمل بعلمه، ولم يطبّق ما تعلمه في حياته، فهو جاهل في نظر الدين وإن كان عالمًا في نظر الناس.

والقرآن الكريم يوصينا ويأمرنا في شخص الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بالازدياد من العلم، والسعي لتعلم أشياء جديدة كلّ يومٍ، فيقول: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (سورة طَهَ: 20/114)، ويقول أيضًا عن العلماء: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (سورة فَاطِرٍ: 35/28)، ويصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: “العُلَمَاء وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ”[3].

وفوق كل هذا ثمّة نصوص كثيرة في الكتاب والسنة تشير إلى أهمية العلم، وعظمة العالم؛ لأن العلماء مثلهم مثل النجم القطبي يوجّهون الناس إلى الجهة الصحيحة، وعندما ينظر إليهم الناس يعرفون أيّ الطرق التي توصلهم إلى الجنة، ولكن هؤلاء العلماء إذا اتبعوا طريق الشرّ بأقوالهم وأفعالهم فسينحدرون بأنفسهم ومَن تبعهم إلى أسفل سافلين، فأيُّ خطإ يرتكبه العالم وأيُّ منكَرٍ يأتيه سيعود عليه بعظيم الوبال وشديد النكال؛ لأنه كان سببًا في ضلال الكثيرين الذين يرمقونه بأبصارهم، ويصغون لكلامه، ويقتدون به في أفعالهم وتصرّفاتهم.

 ويختلف هذا الوبال تبعًا للموقع الذي يمثله الشخص؛ فانحراف إمام المسجد لا يتساوى مع انحراف المفتي، وانحراف المفتي لا يتساوى مع انحراف شيخ الإسلام؛ بمعنى أن وبالَ كلِّ شخصٍ يكون حسب حجم ساحة نفوذه وتأثيره.

حاصل القول: كما أن العلم يصير معراجًا يرفع الإنسان إلى أعلى عليين إذا تم استغلاله في طريق الخير؛ فكذلك يمكن أن يكون سببًا في سقوط الإنسان نفسه إن استغله في طريق الشر، فما يقع على عاتق العالِم هو أن يستغل العلم والحكمة اللذين أفاض الله بهما عليه في طريق الخير دائمًا، وعليه أن يسلك الطريق المشروع في كل مسألة، وأن يتحرك في إطار دائرة الشرع، وأن يصبغ العلوم التي تعلمها بالعمل الصالح، فمن أساء استغلال العلم الذي وهبه الله له يأتِ يوم القيامة وعليه وزر نفسه ووزر مَن أضلهم وخدعهم.. حفظنا الله جميعًا من هذه العاقبة الوخيمة! آمين.

[1] علي المتقي: كنز العمال، 10/183.

[2] الديلمي: مسند الفردوس، 3/602.

[3] سنن أبي داود، العلم، 1؛ سنن الترمذي، العلم، 19.

الإسلام مبنيٌّ على اليُسْرِ

Herkul | | العربية

سؤال: بما أنّ الإسلامَ دينُ يُسرٍ وليس دينَ عسرٍ؛ فلماذا تصعب على أجيال اليوم معايشة الإسلام الحقيقي؟ وكيف نفهم هذا الوضع الذي يبدو متناقضًا في الظاهر؟

الجواب: حتى نفهم المسألة فهمًا صحيحًا لا بد أن نؤكد بدايةً على أن العسر واليسر مفهومان نسبيان؛ بمعنى أن هذه المسألة تختلف تبعًا لفهم الأفراد وتصوراتهم، فقد يجد البعض صعوبةً في أداء بعض التكاليف بسبب نمط الحياة الذي اعتادوا عليه رغم أنها في الحقيقة غير صعبةٍ، أما المؤمنون المخلصون الصادقون الذين وصلوا إلى الإيمان التحقيقي وأدركوا حقيقة العبودية فيؤدّون الكثير من الأعمال التي تبدو صعبةً في الظاهر دون مشقّةٍ أو حرجٍ.

والقرآن الكريم يقرر في كثير من آياته حقيقة أن الدين يسر، وأن الله لا يكلف عباده ما لا طاقة لهم به، يقول تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (سورة البَقَرَةِ: 2/286)، ويقول سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (سورة الْحَجِّ: 22/78).

وقد لفت النبي صلى الله عليه وسلم الانتباه إلى ثِنْتَين من المزايا الإسلامية، فقال: “بُعِثْتُ بالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَة”[1]، فالأولى هي “الحنيفية” وتعني التوحيد، والثانية هي “السمحة” وتعني أن الإسلام دينٌ يقوم على السَّعة واليُسْرِ والتسامح.

وفي رواية أخرى يقول صلوات ربي وسلامه عليه: “أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ الحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ”[2]، وفي حديث آخر يقول صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ”[3].

وعند النظر إلى هذه الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة يتبيّن لنا أن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم قد أكدا على أن الدين الذي يقوم في الأساس على اليسر لا يُؤخَذ بالشدة والمغالبة، وإلا أصبح غيرَ قابل للتطبيق، فالدين لم يفرِض أحكامًا يتعذّر القيام بها، ومن ثم فإن التكاليف التي فُرضت على المؤمنين، هي تكاليف يطيقها الإنسان.. فإذا أراد الإنسان أن يصلّي خمسمائة ركعة في اليوم، أو يصوم الدهر كله، أو ينعزل عن الناس، أو يمنع نفسه عن زيارة إخوانه في الله، أو لا يشغل نفسه بمسألة الزواج والأولاد… فهذا يعني أنه يعلن الحرب على الفطرة، ويريد تغيير دفة حياته إلى الوجهة الخاطئة، فمن يحارب الفطرة يتعذّر عليه النصر، ومن ينحرف عن وجهتها لا يستطيع حتى أن يؤدي الأركان الأساسية التي كلفه بها الدين، فالله تعالى هو الأعلم بمكانة عباده من الأوامر التكوينية، وما يستطيعون القيام به وما لا يستطيعون؛ ومن ثم ألزمهم ببعض التكاليف.

إن الإعراض عن الطعام والشراب والزواج ومتعِ الدنيا المشروعة، وكذلك قضاء العمر كله في دور العبادة؛ إنما هي أمورٌ تتنافى مع الفطرة والطبيعة الإنسانية، يستحيل المداومة عليها طويلًا، ولذا استنكر القرآن الكريم الرهبانية عند النصارى بقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ * ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (سورة الْحَدِيدِ: 57/26-27).

فالنصارى فرضوا على أنفسهم الرهبانية رغم أنها لم تُفرَض عليهم، فلم يطيقوا حملها، ولذلك نهى النبي الأكرم صلوات ربي وسلامه عليه الثلاثةَ الذين قرر أحدهم أن يقوم الليل كله، وقرر الثاني أن يصوم الدهر كله، وقرر الثالث ألا يتزوج النساء؛ رغم أن نيتهم هي التفرغ أكثر لعبادة الله عز وجل، ففي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم: “أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي”[4]، وبهذه الكلمات أرشدهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى سبيل الفطرة واليسر.

ولا ريب أن قيام الإسلام على الفطرة واليسر والتسامح، وعدم فرضه تكاليف شاقّة يصعب القيام بها؛ هي ألطاف ورحمات عظيمة من الله تعالى لأمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

التوازن بين النعمة والكلفة

يقول بديع الزمان سعيد النورسي: “إن ﺍﻟﻌﺒﻮﺩيةَ هي نتيجةُ ﺍﻟﻨﻌﻤﺔ ﺍﻟﺴﺎﺑﻘﺔ ﻭثمنُها، ﻟﺎ ﻣﻘﺪﻣﺔ ﺍﻟﻤﻜﺎﻓﺂﺕ ﺍﻟﻠﺎﺣﻘﺔ ﻭﻭﺳﻴﻠﺘﻬﺎ”[5]. أجل، إننا مدينون بكل شيء لله تعالى، وهذا يترتب عليه العديد من المسؤوليات والواجبات المنوط بنا القيام بها، فإننا مهما بلغنا في عبادتنا لربنا سبحانه وتعالى فلن نستطيع أن نوفيه حقه، فهو الذي خلقنا من العدم، وأخرجنا إلى عالم الوجود، ثم منّ علينا بالحياة، بل خلقَنا بشرًا ذوي عقل وشعور، وفوق كل ذلك أكرمنا بالإيمان، فكلُّ نعمةٍ من هذه النعم لها قيمة خاصة بالنسبة إلى غيرها.

إلى جانب هذا كله مَنّ علينا ربُّنا سبحانه وتعالى بنعم لا تعد ولا تحصى، وكل هذه النعم تتطلب شكرًا من جنسها، فالإنسان مكلف بعبادة الله الذي يحيطه بالنعم من كل جانب، وعليه أن يتقبّل هذا الأمر في البداية عقلًا ومنطقًا، وأن يدرك مسؤوليته أمام الله تعالى.. وعلى سبيل المثال فإن مَنْ يحرز بعضَ المزايا الدنيوية كأن يسعد ويشرف بأخذ العلم عن الإمام أبي حنيفة، أو الإمام الغزالي، أو بديع الزمان سعيد النورسي؛ يعرف أن عليه بعض المسؤوليات والالتزامات التي يقتضيها هذا الشرف، وبما أن المؤمنين قد حازوا من الشرف أعلاه؛ وهو العبوديةُ لله، واتباعُ نبيِّه ومصطفاه صلى الله عليه وسلم فهل يا تُرى يدركون عِظم المسؤوليات والواجبات الملقاة على عواتقهم؟!

و”التكليف” و”الكلفة” كلمتان مشتقتان من أصلٍ واحد، فما من تكليفٍ إلا وينطوي على كُلفة؛ بمعنى أن التكليف يصحبه التغلّب على بعض الصعوبات والمشقّات، إلا أن الصعوبات التي تنطوي عليها التكاليف الدينية لا تتجاوز طاقة البشر؛ وهذه أبرز خصلة يتّسم بها دين الإسلام، فكلُّ أمرٍ دنيويّ تتبعه كُلفة كبيرة أو صغيرة، ويدخل ضمن ذلك التكاليف الدينية، ومع هذا فإن الإسلام قابلٌ للمعايشة والتطبيق بكلّ أحكامه، وهذا هو المعنى المقصود من أن اليُسر هو الأصل في الدين.

ولمزيد من التفصيل نقول: إن معايشة أوامر الدين يستلزمُ شيئًا من الصعوبة والكُلفة؛ فمثلًا يصف الرسول صلى الله عليه وسلم مسألة “إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ”[6] على أنها من الأعمال التي تكفّر الذنوب وترفع درجة الإنسان، ويشير صلى الله عليه وسلم في حديث آخر إلى المعنى نفسه، فيقول: “حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ”[7]؛ بمعنى أن دخول الجنة يتوقف على تجشم بعض الصعوبات والمشقات، فالعبادات مثل الصلاة والصوم والزكاة والحج والأضحية تنطوي كل منها على مشقّةٍ خاصّة بها، ولكنها ليست بالعبء الذي لا يطيقه الإنسان، أو يتعذّر عليه القيام به.

من جانب آخر لا يجب قصرُ النظر إلى أوامر الدين ونواهيه على جزئيّة المشقة وجودًا وعدمًا، لأن هذه الأوامر والنواهي تنطوي على العديد من المنافع والمصالح الدنيوية والأخروية، فمثلًا ذكر الله وأداء العبادات والطاعات يُورِثان العبد طمأنينةً في القلب وانشراحًا في الصدر، بحيث لا يمكن الاستغناء عنهما بشيء آخر، والقرآن الكريم يقول: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (سورة الرَّعْدِ: 13/28)، فمن المسلّم به أن كلّ عبادة من العبادات تحتوي على العديد من الفوائد المتعلقة بحياة الفرد سواءً على المستوى الشخصي أو الاجتماعي أو الاقتصادي، وفوق كلّ هذا فإن استحقاقَ العبدِ للنعيم الأخروي وفوزَه برضا الله تعالى ورضوانه يتوقّفان على أداء بعض التكاليف، فإذا ما ربطنا كلَّ تكليفٍ دينيٍّ بالمصالح والمنافع التي تتبعه فلن تتراءى لنا هذه التكليفات -العبادات والمعاملات- صعبةً أبدًا؛ وهذا هو معنى الحنيفيّة السمحة في الدين.

يسّروا ولا تعسروا

رغم أن الدين يقوم على اليسر، ويعِد الإنسانَ بخيرٍ عظيم في حياته الدنيوية والأخروية فإن البعض يراه غير قابل للتطبيق.. إن إنسان هذا العصر جريحٌ روحيًّا ومعنويًّا. أجل، إننا كما قال بديع الزمان سعيد النورسي أمام قلعةٍ مُهدّمة ومدمّرة منذ عصور، فلقد تعرضت أركان الإيمان الأساسية لهزة عنيفة، فراجت الكثير من الأفكار الغريبة حول الذات الإلهية، وانحرف الناس عن نهج النبي صلى الله عليه وسلم، وابتعدوا عن سنته، وانتشر عقوق الوالدين، وتشتَّتَت الأسرة، وضعفت أواصر القرابة والأخوة، واضطربت علاقاتنا الاجتماعية، ولم تؤدَّ التكاليف والواجبات، بل وارتُكِبَت المحرّمات، وكأننا في سفينة انقلبت رأسًا على عقبٍ وتبعثر كلُّ ما فيها.

فثمة حاجة ماسّةٌ إلى ترميم هذه القلعة المهدّمة، وإعادة تجميع السفينة المتناثرة؛ وذلك من أجل إدراك قيمة وأهمية الأحكام الدينية وتنفيذها بدقة عالية مهما بلغت صعوبة الأمر، بعبارة أخرى: لا بد من إرشاد المجتمع وإعادة تأهيله جيّدًا، من أجل ذلك علينا أن نستغلَّ أيَّ فرصةٍ للاجتماع بالآخرين، ونوجّه دفّة الحوار إلى الحديث عن الله تعالى، ونركّز دومًا على مسألة الإيمان، ومعرفة الله، ومحبة الله، والعشق والشوق.. فمن ناحية نجتهد في تمثيل ديننا على أكمل وجهٍ، ومن ناحية أخرى نستغلّ الفرصة في أن نحدّث الناس عن ربِّنا سبحانه وتعالى ورسولنا صلى الله عليه وسلم وجماليّات ديننا.

وعندما نتحدث عن الإسلام فلْنتمسّكْ بالمنهج الذي أقرّه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: “يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا”[8]، ولنركّزْ على الأحكام الموضوعيّة للدين، لا سيما تلك الأحكام الواضحة الراسخة التي نزل معظمها في العهد المدني مثل الصلوات الخمس، وصوم رمضان، وإيتاء الزكاة، واجتناب المحرمات.

ولْنتذكّرْ دومًا أنه إلى جانب هذه الأحكام الموضوعيّة في الدين هناك جهودٌ شخصيّة وتكاليف ذاتية.. فمع أن أولياء الله قد طبّقوا هذه الأحكام الواضحة المعالم والأركان؛ فقد كلفوا أنفسهم بما فوق ذلك، فمنهم من استند على الأوامر المطلقة التي نزلت بمكة، فقضى عمره بأكمله في العبادات والطاعات، وهذه مسألة تتعلق بأفق المعرفة وشعور الإحسان، ومع ذلك فإن عدد الذين يشعرون اليوم بمثل هذه المسؤولية ويتحركون وفقًا لها قليل للغاية.

[1] مسند الإمام أحمد، 5/266.

[2] صحيح البخاري، الإيمان، 29.

[3] صحيح البخاري، الإيمان، 29.

[4] صحيح مسلم، النكاح، 5.

[5] بديع الزمان سعيد النورسي: المثنوي العربي النوري، ص 408.

[6] صحيح مسلم، الطهارة، 41.

[7] صحيح البخاري، الرقاق، 28؛ صحيح مسلم، الجنة، 1.

[8] صحيح البخاري، العلم، 11؛ صحيح مسلم، الجهاد، 6.

الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم

Herkul | | العربية

سؤال: أوصانا النبي صلى الله عليه وسلم وحثنا بوسائل شتى على الصلاة والسلام عليه، فكيف نفهم هذه الوصية؟ وكيف ننفذ هذا الأمر؟

الجواب: حثنا النبي صلى الله عليه وسلم -كما ورد في السؤال- على الصلاة والسلام عليه في كثير من أحاديثه المباركة، ومن ذلك قوله: “إِنَّ أَقْرَبَكُمْ مِنِّي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ أَكْثَرُكُمْ عَلَيَّ صَلَاةً فِي الدُّنْيَا”[1]، وفي حديث آخر: “إِنَّ الْبَخِيلَ مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ”[2].

وفي أحاديث أخرى يعلّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيفية الصلاة عليه؛ ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: “مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ القَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الوَسِيلَةَ وَالفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ؛ حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ”[3].

والمقام المحمود الذي وعد الله به نبينا صلى الله عليه وسلم هو المقام الذي ورد ذكره في سورة الإسراء، يقول تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (سورة الإِسْرَاءِ: 17/79)، وقد ذكر النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن هذا المقام هو مقام الشفاعة؛ أي إن الرسول صلى الله عليه وسلم عندما يحثُّنا على الصلاة والسلام عليه فإنما يريد بذلك الوسيلة التي تمكّنه من أن يمدّ يد العون إلينا وإلى جميع الإنسانية في الآخرة؛ فهو هنا لا يفكّر في نفسه، بل يفكر في أمّته وفي جميع الإنسانية، ويرجو سعادتهما.

وبمثل هذه الأحاديث يدلّنا الرسول صلى الله عليه وسلم على السبيل إلى مرافقته في الآخرة، وإلى إحراز الألطاف والأفضال التي حازها؛ وهذا يبين مدى حرص النبي صلى الله عليه وسلم على أمته ورحمته بهم.. والقرآن الكريم يقول في معرض حديثه عن ذلك: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (سورة التَّوْبَةِ: 9/128).

والواقع أن الصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هي تكليف لنا من ربنا سبحانه وتعالى، وبدأ تعالى بنفسه فقال: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (سورة الأَحْزَابِ: 33/56)، وكما هو معلوم فإن الصلاة بالنسبة لله تعالى تعني الرحمة، وللملائكة تعني الاستغفار، وللمؤمنين تعني الدعاء، وهذا البيان القرآني يُظهر في الوقت ذاته مقام النبي صلى الله عليه وسلم وقدره عند ربه؛ لأن صلاة الله عليه ورحمته ومغفرته له؛ كلُّ ذلك وعدٌ منه تعالى بالسلامة والأمان له صلى الله عليه وسلم. 

ففي سورة الفتح يذكر المولى تبارك وتعالى أنه قد غفر لحبيبه صلى الله عليه وسلم ما تقدم من ذنبه وما تأخر: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ (سورة الفَتْحِ: 48/2)، ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم بفضلٍ من الله وعنايته يقوم بالعمل المنوط به على الوجه الأكمل، ورغم ذلك كان يقول إنه لم يعبد الله حقّ عبادته، ولم يعرفه حقّ معرفته، ولم يشكره حقّ شكرِه، فكان كلَّ يومٍ يستغفرُ الله سبعين أو مائة مرة.. هكذا كان صلى الله عليه وسلم بطلَ المعرفة، وبطلَ الشكر، وبطلَ الاستغفار، وبطلَ الحمد والثناء، لقد كان يفعل ما بوسعه لاستدرار رحمة الرحمن الرحيم، فخصّه الله تعالى بأعظم النعم والألطاف لعلمه بما سيفعل في المستقبل.

إن صلاةَ كلِّ المؤمنين الذين سيأتون حتى يوم القيامة وسلامَهم على مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم؛ أي دعاءهم واستغفارهم له؛ من شأنه أن يرفع مقامه صلى الله عليه وسلم ومنزلته السامية، ولِعلْم الله أزلًا بذلك؛ فقد قطع عليه سبحانه وتعالى كلّ الطرق التي تؤدّي إلى الخطايا والذنوب منذ البداية.. وكما عصمه ربُّه من فعل أيّ ذنبٍ في ما مضى من عمره؛ فكذلك عصمه فيما بقي، ورغم أن صِدقَه وإخلاصه لهما أهمية بالغة في إحراز هذا المقام المحمود؛ فإن صلاة المؤمنين عليه ودعاءهم له باستمرار لهما دورٌ كبيرٌ في هذا الأمر أيضًا، ولما كان ربنا سبحانه وتعالى يعلم جيدًا بما سيقوم به جميع المؤمنين حتى يوم القيامة من الدعاء له فإنه لم يفسح له المجال لارتكاب أدنى الذنوب والمعاصي، بل لم يسمح لها بأن ترِد حتى على خياله.

الصلاة والسلام على رسول الله تعود على صاحبها أضعافًا

إن الصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هي مما تقتضيه محبتنا له صلى الله عليه وسلم وولاؤنا ووفاؤنا له، كما أنها تُعدّ وسيلة مهمة لنيل حبه صلى الله عليه وسلم، ولرقيّنا معنويًّا، يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ”[4]، وهذا خلقٌ إلهيّ، ففي القرآن الكريم يقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ (سورة البَقَرَةِ: 2/152).. وبالمثل لا يدع الرسول صلى الله عليه وسلم حفاوة به إلا ردّ عليها بما يقابلها، ولا يدع دعاء له دون أن يجازي عليه صاحبه ويكافئه.

فلو كان مطلبنا أن يحبنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأن ننال شفاعته يوم القيامة، وأن نكون في جواره في الجنة فعلينا أن نحبه حبًّا جمًّا؛ لأن محبتنا ووفاءنا له وسيلةٌ مهمّة للفوز بحبّه، وذِكرنا له هو استدعاء لذكره، بل إن إظهار وفائنا لهذا الإنسان العظيم الذي أحبه الله وفضّله على كلِّ خلقه؛ هو استدعاء لحب الله لنا، وعلاوة على ذلك كلّه فإن حبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم هو شرط الإيمان؛ ففي الحديث الشريف: “لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ”[5].

فكم من المكاسب التي ستعود علينا من صلاتنا وسلامنا عليه صلى الله عليه وسلم! فلربما يجعل من نفسه حبلًا يمدّه إلينا إذا أوشكنا على السقوط، أو يتوسّل إلى ربنا سبحانه وتعالى بالنيابة عنا، أو يتمثّل بروحانيته ويمدّ لنا يده في أشدّ الأوقات تأزُّمًا، وأكثر الظروف احتياجًا له، ومن ثم فإن السبب في تأكيد النبي صلى الله عليه وسلم على هذه المسألة هو إيقاظ النيام من سباتهم، وتخليص الغافلين من غفلتهم، وفي النهاية تشويقهم إلى السبيل الذي يعود عليهم بالخير العميم.. وبإيجازٍ: فإن إظهار محبّتنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحفاوتِنا به سيرجع علينا أضعافًا مضاعفة، وسيكون سببًا في سموّنا ورقيّنا.

أجل، فالصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم هي تعبيرٌ عن محبّتنا وولائنا له صلى الله عليه وسلم، والمحبّ يريد دومًا أن يتشبّه بمحبوبه، المهمّ هو التحرّك بما يتماشى مع نمط حياته صلى الله عليه وسلم، واتباع سنته السنيّة.. فإن أقمْنا حياتَنا وفق سنّته؛ أضحت أعمالُنا الاعتيادية اليومية من قيامٍ وقعودٍ وأكلٍ وشربٍ ونومٍ في حكم العبادة.

ولذلك أعطى السلف الصالح الصلوات والتسليمات أهمية خاصّة، فحرروا حولها كتبًا، وجعلوا منها أورادًا؛ فعلى سبيل المثال دبّج “محمد بن سليمان الجزولي” كتابًا بعنوان “دلائل الخيرات”، جمع فيه أشهر الصلوات والتسليمات على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الكتاب من أشهر الكتب المقروءة لدينا، وكذلك كتاب “دلائل النور”، وهو كتاب جامع للصلوات أيضًا، كان من بين كتب الأوراد والأذكار التي يداوم عليها بديع الزمان سعيد النورسي، وكتاب “القلوب الضارعة”، وهو كتاب جامع للصلوات والأدعية المباركة.. وهكذا فإن الصلوات والتسليمات هي بمثابة منصّة انطلاق تنطلق من خلالها الأوراد والأذكار خفّاقة إلى الذات الإلهية.

حياةٌ محورُها السنّة

الصلوات والتسليمات هي دليلٌ على الولاءِ القلبي لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم والسيرِ على نهجه؛ ولذلك فلا ينبغي أن نكتفي بالصلاة والسلام عليه، بل يجب أن نبذل وسعنا لأن نحيا حياتنا كلها وفق سنته، فلقد كان الصحابة الكرام رضوان الله عليهم يتلقّفون أيَّ كلمة تنساب من شفتيه صلى الله عليه وسلم ويعملون بها على أكمل وجه، وقد انتقلت أقواله وأفعاله وأوامره ونصائحه إلينا من خلال الكتب، وعن طريق الأمة المحمدية التي طبقت كلَّ هذا في حياتها، فعلينا نحن المسلمين أن نتعامل مع الأمر بنفس الدقة والحساسية.. لا بدّ أن تصبح سنّتُه السنية منهجَ حياتنا، إننا إن لم نتّبعه فلا بدّ أن يشوب حياتَنا نوعٌ من القصور والنقص، مهما كنا أذكياء، ومهما أحسنّا التخطيط لحياتنا، وكذلك لن تبلغ أعمالُنا درجة الكمال إلا إذا أخضعْنا خطَطنا لأفعاله وسلوكياته وأفكاره ووصاياه صلوات ربي وسلامه عليه.

وكما رفع الله النبيَّ الأكرم صلى الله عليه وسلم مقامًا عاليًا وربطَ به كلَّ شيءٍ وكأنه مركز اتصال؛ فعلينا نحن أيضًا أن نظلَّ مخلصين له، وأن نستمد منه النور الذي يضيء لنا الطريق المؤدي إلى الله، ولا يجوز لنا أن نتنازل أو نتخلّى عن أيٍّ من الأمور التي عهد بها إلينا.

قد تُحرز الإنسانية تقدُّمًا كبيرًا في العلوم والأفكار والفلسفة، وتنشئ أنظمة بالغة الأهمية، وتعرض ضوابط جيدة للغاية فيما يتعلق بالحياة الفردية والعائلية والاجتماعية، وقد ينفتح علماء النفس والتربويون على اكتشافات جديدة في التربية البشرية، ومن الممكن أيضًا أن تعِد العلومُ الطبيعية الإنسانيةَ بخيرٍ وجمالٍ عظيمين؛ ولكن كلّ هذه جماليّات نسبيّة من ناحية ما.. فلا ينبغي التضحية مقابل ذلك بنمط الحياة الذي وعدَنا به رسولنا صلى الله عليه وسلم، وقدمه لنا كنظامٍ متكامل رائع، حتى لا نقع ضحيّة للأهواء والشهوات.

فقد حدث كثيرًا على مدى تاريخ البشرية أن استُبدِلت الحقائق الإلهية والقيم الأخلاقية والجماليات الإنسانية التي وضعها الله وبلّغها ومثّلها رسلُ الله بأيديولوجيات وفلسفات وأفكار مختلفة، واعتبر الناسُ هذه الأيديولوجيات والأفكار في فترةٍ ما أكمل النظم والمناهج، فأعلنوا الحرب على القيم الموجودة لإقامة الأيديولوجيات والأفكار الأخرى، بل مرّت أزمنةٌ تأثّر فيها الاعتقاد الإسلامي بهذه الأيديولوجيات، وخلع عنه ألوانه وزخارفه إلى حد ما، ومن ثم علينا أن نأخذ بنمط الحياة الذي وجهنا إليها سيدُنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدر الإمكان.. فكما أن سلام البشرية وسعادتها متوقّفان على ذلك فإن الفلاح في الآخرة واكتساب الأهلية والجدارة لدخول الجنة لا يتأتى أيضًا إلا بذلك.

خلاصة القول: إن الصلوات والتسليمات تربطنا بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتساعدنا في التعبير عن محبتنا له، ونيل حبه، ونيل شفاعته صلى الله عليه وسلم.. فضلًا عن ذلك فهي عامل فعَّال في اتباع السنّة وتطبيقها.

[1] البيهقي: شعب الإيمان، 3/111.

[2] سنن الترمذي، الدعوات، 101.

[3] صحيح البخاري، الأذان، 8.

[4] سنن أبي داود، المناسك، 97.

[5] مسند الإمام أحمد، 29/538.

الذنب والتوبة

Herkul | | العربية

لم يكن الحسدُ والكبرُ والعصيانُ فحسب السببَ في طرد الشيطان من الحضرة الإلهية، إنما قيامُه بعد العصيان باختلاق المبررات والأعذار، ولُجوؤه إلى الجدل، ومحاولتُه تبريرَ خطيئته.. وعلى الجانب الآخر فقد استوعب أصحابُ الطبائع السليمة دقّةَ الامتثال للأمر؛ فما إن تعثّروا وسقطوا حتى نهضوا واستقاموا وتوجهوا إلى الباب الذي عليهم أن يتوجهوا إليه، وسألوا الله العفو والمغفرة، وقد ضرب القرآنُ الكريم لنا الأمثال بموقف الأنبياء الذين بادروا إلى التوبة فورَ شعورهم بأخطائهم، فهؤلاء ما إن انتبهوا حتى تذكّروا ما عليهم أن يتذكروه، وعبّروا عمّا ينبغي لهم أن يعبّروا عنه.

فسيدنا آدم والسيدة حواء عليهما السلام انتابهما نوعٌ من النسيان المؤقّت نتيجة حيل الشيطان ودسائسه التي لا تخطر على بال، فأكلا من الشجرة التي نهاهما ربهما عن الأكل منها، لكنهما سرعان ما تضرّعا إلى ربهما قائلين: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (سورة الأَعْرَافِ: 7/23).

وسيدنا موسى عليه السلام الذي وَكَزَ الرجلَ فقضى عليه؛ توجَّه إلى الله سبحانه من فوره، وقال: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ (سورة القَصَصِ: 28/16).

وسيدنا يونس بن متى عليه السلام الذي غضب من قومه ورحل عنهم دون إذنٍ من ربّه؛ التقمه الحوت فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (سورة الأَنْبِيَاءِ: 21/87).

ولم يختلف دعاء سيدنا أيوب عليه السلام الذي كان يتلوّى من شدة المرض عن دعاء سائر الأنبياء عليهم السلام، فكان ينادي ربه قائلًا: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (سورة الأَنْبِيَاءِ: 21/83).

وسيدنا نوح عليه السلام لما أدرك أنه ما كان ينبغي له أن يدعو لابنه الكافر توجه إلى الله وتضرّع قائلًا: ﴿رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (سورة هُودٍ: 11/47).

كان هذا هو حال الأنبياء عليهم السلام -وهم أكمل البشر- مع ربهم سبحانه وتعالى بعد أن وقع منهم ما وقع، وهكذا يجب أن يكون حال المؤمن الحقيقي، فالقرآن الكريم حينما يعدّد أوصاف المتقين يقول: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (سورة آلِ عِمْرَانَ: 3/135).

فهذه الآية تصوِّر موقفَ المؤمنِ الحقيقي وتعاملَه مع الإثم الذي يرتكبه. أجل، قد يخطئ المرء، ويترنّح على أرضٍ لزجةٍ، فينقلب على عقبيه، وقد يعاود الذنب مرة أخرى، ولكن الوظيفة التي تقع على عاتقه هي أن يجتهد في النهوض والاستواء بعد كل سقطةٍ، وأن يشعر بالخزي والندم، وأن يعزم على التوبة النصوح، وأن يصرّ على عدم الرجوع إلى المعصية مرة أخرى.

الدائرة الفاسدة للذنوب

ليت المرء لا يعاود الوقوع في نفس الخطإ والزلل مرّةً أخرى! ألا ليت زلّةً واحدةً تغلّق الأبواب التي تجرّه إلى زلّاتٍ وعثراتٍ أخرى! ليتها تقيم حاجزًا منيعًا يحول بينه وبين ارتكاب زلّةٍ أخرى حتى وإن فعل ذلك طواعيةً! ليتها تمنعه من أن يضلّ طريقه! لكن الإنسان مطبوعٌ على فعل الخير والشر، والجميل والقبيح.. وبتعبير آخر: فإن الإنسان مزوّدٌ بالفحم إلى جانب الألماس؛ فإن وجد أحدُهما البيئة المواتية انكشف وطغى على الآخر، المهم هو أن يكفّر الإنسانُ عن الخطإِ في حينه عن طريق التوبة والاستغفار، وألا يصرّ على سقطاته المؤقّتة، وألا يدخل في الدائرة الفاسدة للأخطاء.

وكما قالوا فإنه “لا صغيرةَ مع الإصرار ولا كبيرةَ مع الاستغفار”، وإن عدم الاكتراث بالهفوات والسقطات الصغيرة وعدم القيام بتلافيها يؤدّي إلى كبائر أكبر حجمًا منها، فمن يسير على أرض جليديّة دون أن يبالي أو يأخذ احتياطاته رغم معرفته بأنه معرّض للزلل والسقوط في أيّ وقت؛ فحتمًا سيسقط سقوطًا مدوّيًّا لا وقوفَ بعده، ولا ننسَ أن الكثيرين قد هلكوا لما اعتقدوا أن ذنوبهم الصغيرة لا تصل إلى حدّ الكبائر؛ لأن الذنوب الصغيرة إن لم يؤبَه لها ويتمّ تطهيرها بالاستغفار فلن تظلّ صغيرة كما هي؛ ولهذا يجب على الإنسان ألا يستخفّ بالذنب مهما بدا صغيرًا وأن يهرولَ إلى أحواض التوبة للاغتسال والتطهّر وهو يقول في نفسه: “من العار أن أتجوّل بهذه الأدران أمام الله عز وجل”.

فإن لم نتطهّر من الخطإ الذي ارتكبناه؛ فسيكون هذا سببًا للوقوع في خطإ آخر، ومع الوقت تألَفُ طبيعتُنا الذنبَ وتتناغم معه، فإن وجدنا الأخطاءَ قد واربت الباب ولو قليلًا فالواجبُ هو إغلاقُ الباب على الفور؛ لأنه إن ظلَّ مفتوحًا فلا بدّ من وضع قفلين أو ثلاثة، بل وأكثر من ذلك؛ حتى لا يُرهِق الذنبُ نفسَه سدًى، ولا يتعلّق بطول أمل البقاء في حياتنا، فإن ألاعيب النفس والشيطان لا تنتهي، ولديهما من أساليب الهجوم ما يدمّرنا ويهوي بنا إلى أسفل سافلين، فيلهبان جذوة جميع المشاعر المنفتحة لدينا على الآثام، ويشوّشان أذهاننا، ويُنهيان أمرنا، ولذا فمن المهم أن نخلص في توبتنا، وأن نعقد العزم على عدم الانسياق وراء غوايات النفس والشيطان.

إن القرآن الكريم يؤكّد في كثيرٍ من آياته على حقيقة ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللهُ﴾ (سورة آلِ عِمْرَانَ: 3/135) ليرشد المؤمنين إلى الباب الذي عليهم أن يتوجّهوا إليه، ويعلّمهم ما ينبغي لهم أن يفعلوه إذا ما وقعوا في الزلة والخطإ فيما بعد. أجل، اعتاد الناس غالبًا إذا أخطؤوا وتورّطوا في الذنب أن يختلقوا الأعذار ويعملوا على تبرئة أنفسهم أمام الآخرين؛ مما ينتج عنه مضاعفة عدد الذنوب، فلو أن الشخص تيقّن من خطإ العمل الذي يقوم به؛ فعليه أن يرجع إلى ربه على الفور، ويلجأ إلى التوبة والاستغفار والأوبة والإنابة، أما اللجوء إلى المبرّرات واختلاق المعاذير لهذا وذاك، والاستهانة بالخطإ، والعمل على أن يلتمس الآخرون الأعذار له؛ فلن يعود عليه بأيّ نفع، فالمهم هو مكانته ومقامه عند الله عز وجل.

فمهما فعل الإنسان أو غرق في بحار الخطايا والذنوب فباستطاعته أن يطرق باب ربه الغفور الرحيم، فإن فعل ذلك سمع صوتًا في روحه ووجدانه، فإن قال: “يا رب”، شعر بنداءٍ في وجدانه يقول: “لبيك عبدي”، وهو شعورٌ سيدرك معناه في الآخرة، عندما يكون ذلك الشعور عاملًا كبيرًا في إحراز النعيم الأخروي، فيجب على الإنسان أن يحسن الظن بالله، وأن يضع في ذهنه أن الله تعالى لن يخيّب له رجاءً، ولن يردَّ له دعاء، وسيقبل توبته واستغفاره، فقد كان سيدنا زكريا عليه السلام يقول: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ (سورة مَرْيَمَ: 19/4)، وكان سيدنا إبراهيم عليه السلام يستخدم عبارات مشابهة لهذه: ﴿وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ (سورة مَرْيَمَ: 19/48).

المحاسبة وتوخي الحذر من الذنوب

يجب على المؤمن دومًا أن يحاسب نفسه على الذنوب التي ارتكبها حتى ولو عاش على أمل أن الله تعالى سيعفو عنه، وأن يشعر بالندم العميق والكرب الشديد أمام كلِّ ذنبٍ اقترفه، وهنا يتفرّعُ الأمر إلى فرعين؛ فإن تعلَّق الأمر بشخصٍ آخر فعليه أن يتجنّب الملاحظات التي تسوق ذلك الشخص إلى اليأس والقنوط أو تحطّم قواه المعنوية، وإن تعلَّق الأمر بحقِّ نفسه فعليه ألا يسامح نفسه مهما وثق بعفوِ ربِّه وغفرانه، وأن يحاسب نفسه حتى على أصغر الذنوب؛ فمثل هذا التصرف يكشف عن نقاء سريرته ويعبّر عن الصدق والإخلاص اللذين تقتضيهما العبودية.

إن الله تعالى -من ناحيةٍ- يحذِّر عباده من الذنوب، ويعرضها عليهم بكل قبحها وشناعتها، ويبعث في أنفسهم الاشمئزاز منها، ومن ناحية أخرى يقدّم -إذا جاز التعبير- تكتيكًا وخطَّةً لمن سقطوا في هذا المستنقع الذي تقتضيه الطبيعة البشرية، ويدلّهم على سبل التطهّر، فمثلًا يقول الحق تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ (سورة هُودٍ: 11/114).

تنتشر في أيامنا أوكار الانحراف بشكلٍ غير مسبوق، فمن لم يحتط من الذنوب فسيغرق في أدران الإثم حتى حلقومه، فما يجب علينا في هذه الحالة هو أن نتبع وصايا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن نتّقي الشبهات؛ لأن من يحوم حول الحمى قد تتعثر قدماه في النقطة المحظورة، فيدوس على لغم ويهلك، وقد يطأ بقدمه موضعًا ينزلق به في بحرٍ لجّيٍّ، فإن انحرافًا صغيرًا عن المركز، يُحدث ثغرةً كبيرةً في الأمام، حتى إن المرء يصل إلى درجة لا يرى معها الموضع الذي انفصل عنه، فتتّسع المسافة بين الموضع الذي يقف فيه والموضع الذي يجب الوقوف فيه كما بين المشرق والمغرب.

رغم أننا نقف على أرضٍ لزجةٍ معرَّضين فيها للسقوط في أية لحظة فإن معظمنا لا ينتبه إلى نفسه، ونخطّئ الآخرين باستمرار، والحال أن من انشغل بعيوبِ الآخرين لا يستطيع أن يدرك انحراف نفسه، ورَحِمَ الله امرأً شغلَتْه عيوبُه عن عيوب الناس، فمن يفتِّش عن وصمات الآخرين فلن يشعر بما هو فيه وإن انغرز في مستنقع من الطين، ولقد قابلت أناسًا يُدينون الجميع ولا يتورّعون! ولا يسلم أحدٌ من ألسنتهم؛ فمثل هؤلاء إن أخذتم مشاعرهم بعين الاعتبار وسايرتموهم يشاركوكم الطريق، ولكن إن تحاملتم عليهم فلا مناص من انزلاقهم وتردّيهم، إنهم أناس أنانيون انسحقوا تحت غرورهم وأنانيّتهم، فما علينا -إلى جانب الالتفات لأنفسنا- إلا أن نأخذَ بأيدي هؤلاء المحتمل انزلاقهم في أية لحظة، وألا نسمح بسقوطهم وترديهم؛ لأن الإيمان والشفقة يقتضيان ذلك.

ندعو الله تعالى ألا يحرمنا من عنايته، وألا يكلنا إلى أنفسنا طرفةَ عينٍ! آمين.

 

لمحات حول تطوير الفقه الإسلامي

Herkul | | العربية

سؤال: ما نوع الدراسات التي توصي بإجرائها في مجال الفقه كي يتسنى التغلب على الركود المستمر منذ ثلاثة أو أربعة قرون؟

الجواب: بداية ثمة فائدة في التذكير بأمر ما يتعلق بالموضوع، ألا وهو أن علم الفقه معجزة من معجزات القرآن والفكر الإسلامي؛ فقد نظم الفقهاء المسلمون الحياة بأدقِّ تفاصيلها من خلال الأحكام التي توصلوا إليها كنتاج لعمل جاد، ولم يتركوا ثغرة في أي جانب من الحياة؛ إذ بينوا الحكم وقدموا الحل في كل شأن؛ بدءًا من العبادات إلى أحكام البيع والشراء، ومن الميراث إلى النفقة، ومن الزواج إلى الطلاق، ومن التشريعات الجنائية إلى أحكام الديون وغيرها.. وقد أعرب كثيرٌ من الخبراء في علم القانون من الشرق والغربِ عن تقديرهم للفقه الإسلامي، وعند النظر إلى التاريخ يتبين أنه ليس من الممكن إظهار نظام تشريعي كامل ومتكامل مثل هذا، لا في “روما” أو “بابل” أو “إيونية” أو في أي مكان آخر من العالم.

ثراء موروثنا الفقهي

وبصفة خاصةٍ فالفقهُ الحنفيُّ، يمتلك بنيةً غنيةً وثريةً للغاية كنظام تشريعي، وثمة أهمية كبيرة في هذا لكون المذهب الحنفي نشأ وترعرعَ في داخل بنية الدولة فقد ظهرت الحنفية كحركة مدنية مستقلة عن الدولة، ثم تمَّ اعتمادهُ كمذهبٍ رسميٍّ للدولة العباسية، وقد عمل الإمام “أبو يوسف” تلميذُ الإمام “أبي حنيفة” النجيبُ قاضيًا للقضاة.. وبالتالي استطاع فقهاء الحنفية أن يقدموا حلولًا فقهية في قضايا عديدة انطلاقًا من القرآن والسنة؛ بدءًا من إدارة الدولة إلى أصغر القضايا في الحياة الاجتماعية.

ولم يكتف فقهاء الحنفية بإيجاد حلول للقضايا الفقهية التي وقعت في عصرهم، بل قاموا أيضًا بعصفٍ ذهنيٍّ، أفرزوا من خلاله اجتهادات حول بعض الأحداث المحتمل وقوعها مستقبلًا، لقد وضع هؤلاء الأشخاص ذوو الآفاق الواسعة في اعتبارهم ربما خمسين احتمالًا مختلِفًا يتعلَّق بالموضوع الواحد، وأعملوا فكرهم: “ماذا لو حدث هذا؟”، و”ماذا لو حدث ذلك؟”، فتركوا إرثًا فقهيًّا غنيًّا لمن جاء من بعدهم، وتوسَّعوا في تفعيل آليّات الاجتهاد والاستنباط لدرجةٍ يصعبُ معها على خبراء اليوم المختصّين أن يحيطوا بالإرث الفقهي الذي وضعوه.

ليس من الممكن عدم الإعجاب ببذلهم وجهودهم، إنني أطالع -منذ سنوات- وأقرأ بمفردي أو مع الأصدقاء في حلقات الدرس الإرثَ الفقهي الذي انتقل إلينا من خلالهم، ويزداد إعجابي بهم أكثر فأكثر يومًا بعد يومٍ، غير أننا لم نقدّر هذا الإرث بما فيه الكفاية، وأهملناه ونحّيناه جانبًا أيضًا!

تنقيح الفقه

ونظرًا لأن التراث المتعلق بالموضوع واسعٌ جدًّا وله بنية فريدة خاصة به على نحو مختلف عن النظام القانوني الحديث؛ فمن الصعب جدًّا على من لم يدرسوا العلوم الشرعية أن يستفيدوا من كتب الفقه أو يحصلوا على معرفة شاملة بشأن موضوع فقهي معين، وناهيك عن الأشخاص العاديين وغير المتخصّصين في الشريعة، بل إن معظم الفقهاء المسلمين، ليس سهلًا عليهم في كثير من الأحيان التعامل مع القضايا المتناثرة في بطون كتب الفقه.

لذلك فمن الأهمية بمكان جعل كتب الفقه أكثر منهجيّة عبر إخضاعها لترتيب عصريٍّ جديد حتى يتسنى للفقهاء أو القانونيين وللمتعلمين في الفروع الأخرى العثور على ما يريدونه والاستفادة منها.. ويمكننا أن نُعَنوِنَ هذا الأمر بـ”بتنقيح الفقه”.. فإذا ما رُوجعت كتب الفقه ويُسِّرت ليُستفاد منها، استطاع الباحثون العاملون في هذا المجال الوصول بسهولةٍ أكثر إلى أحكام القضايا التي سيحتاجون إليها فيما يتعلّق بحياتنا الشخصية والعائلية والاجتماعية والاقتصادية والإدارية والسياسية على حدٍّ سواء.

واستنادًا إلى أنّ كتب الفقه أُلِّفت من قبل فقهاء ومجتهدين مختلفين نشؤوا في حقبٍ مختلفة من الزمان؛ فمن الممكن العثور على أحكام متباينة بشأن مسألة واحدة.. بل إنه ظهرت آراء مختلفة حتى في كتب الفقه التابعة لزمانٍ واحدٍ ومذهبٍ واحد، وهذا ما يُصعِّب على غير المختصين الاستفادة منها، مما يُنتِجُ صعوبةً في العثور على الأمور المتعلقة بالعبادة والطاعة والمعاملات والعقوبات على حدٍّ سواء، وأخذها عند الحاجة.. ومن خلال تنقيح الفقه وجعله أكثر منهجية، يمكن الحيلولة دون حدوث هذه المشاكل، وتتوفّر إمكانية الوصول إلى القضايا الفقهية بشكلٍ أسهل.

وإذا قيَّمنا القضية على أساس المذهب الحنفيّ؛ فإنه يتسنّى -عند إجراء مثل هذا التنقيح- التركيزُ على كتب أكثر منهجية مثل الفتاوى العالمكيرية (الهندية)، وبدائع الصنائع، ونوادر ابن نجيم.. وتمشيط الكتب الكبيرة مثل: رد المحتار، والمحيط البرهاني، والمبسوط، وفتح القدير.. بالإضافة إلى ذلك ربما يمكن الحصول على منظور وفلسفة أوسع من خلال مطالعة خمسين أو مائة كتاب فقهيٍّ مختلِف معًا، ويمكن تناول القضايا بطريقة أكثر ثراءً، وإيجاد طريق وسط.

تشكيل لجنةٍ مختصّة

وكما ذكرنا في موضوع تفسير القرآن، فإنه يجب أن يُعهد بتنقيح الفقه وإعادة تدوينه إلى لجنةٍ مؤهَّلة، وبالتالي يُحَالُ دون وقوع الاعتراضات والاختلافات والالتباسات المحتمَلَة؛ حيث تجمع هذه اللجنةُ المسائل المبعثَرة في مختلف كتب الفقه من خلال مناقشتها وتقسيمِها إلى فصول مختلفة بمنظور جديد، وتجعلها أكثر منهجية.. كما أن برامج الحاسوب المتقدمة اليوم ستُسهِّلُ مثل هذه الدراسات.

وبعد أن تتشكّل مثل هذه اللجنة وتنتهي من إجراء الدراسات اللازمة لتنقيح الفقه وإعادة تنظيمه، تكون الخطوة الثانية هي الانتقال إلى عمل دراسات لحلّ النوازل وتوضيح المبهَم، ويجري بالدرجة الأولى تمشيط الاجتهادات الموجودة ويُسعى إلى إيجاد حلٍّ من خلالها، ولا ضير في تفضيل الاجتهادات الأنسب لروح العصر من بين مختلف المذاهب، مع وضع الظروف والأوضاع في الحسبان؛ ذلك أن علماء السلف أيضًا اتبعوا هذا الطريق، وعلى الرغم من أن المذهب الحنفي اعتُمد أساسًا أثناء إعداد مجلّة الأحكام العدلية[1] وبنفس الطريقة، إلا أن الآراء التي لم يكن مفتًى بها كانت تُقبل من وقتٍ لآخر وفقًا لظروف العصر، بل إنه قد تمَّ اعتمادُ اجتهاداتٍ من مذاهب مختلفة في بضعة مواضع.

فإذا لم تكن المعرفة المتوفرة كافية في هذا الصدد، فيمكن طرح اجتهادات وفتاوى جديدة من خلال تقويم الأدلة وطرق الاستدلال والقواعد والأصول الفقهية التي حددها علم أصول الفقه مثل: القياس والمصلحة المرسلة والاستحسان وسد الذرائع والعرف، وأثناء القيام بذلك يجب أن تؤخذ ظروف عصرنا بعين الاعتبار، بل ويجب أن توضع في الحسبان أيضًا التطورات التي قد تحدث بعد عشرين أو ثلاثين عامًا من الآن.. وكما أن مراعاة المصلحة العامة مهمّة في هذا الشأن؛ فكذلك وبنفس الدرجة من الأهمية يأتي الانضباط بالكتاب والسنة، وضوابطِ الدين الأساسية، والمقاصدِ الشرعية.

الفراغ في مجال المعاملات

هناك حاجةٌ ماسّةٌ لإجراء مثل هذا النوع من الدراسات في مجال المعاملات خاصة، لأن الأمور المتعلِّقة بالعبادة والطاعة أكثر استقرارًا، وتمّت معالجتها بما يكفي، فقد سهَّل العلماءُ وصولَ شعبنا إلى الأحكام ذات الصلة من خلال كتب الفقه التي كتبوها.. أما قضايا المعاملات فهي أكثر تشتُّتًا وتغيُّرًا مقارنةً بالعبادات.. فيلزمُ جمعُ القضايا المتناثرة وتناولُ القضايا الفقهية المتغيّرة أو التي تظهر حديثًا تناولًا جديدًا وفقًا لظروف العصر وتغيُّرات الزمان، وعلى سبيل المثال فقد ظهرت تزامنًا مع تطور التقنية والتكنولوجيا في عصرنا أنواعٌ جديدةٌ تمامًا من المعاملات، وحدثت تغييراتٌ في المعاملات التجارية، وشُرع في تأسيس شراكات دولية مع أشخاص من جنسيات وديانات مختلفة؛ مما ألقى بظلاله على حملَةِ الفقه مسؤوليّةً جديدةً في صياغة وتوضيح هذه القضايا ومثيلاتها.

ومن المؤسف أنه -وكما ورد في السؤال- ثمّة ركودٌ في مجال الفقه منذ قرون، ولأننا لا نهتمّ بالدين بما فيه الكفاية، فقد تعذّر علينا حمايةُ وتطويرُ وصيانة تراثِنا الفقهي الذي وصل إلى نقطةٍ معينة؛ وعليه فيجب على الخبراء في هذا المجال أن يعملوا جاهدين في سبيل مواكبة عجلة التطوّر، وما يلزم القيام به هو محاولة سدّ الثغرات التي تكونت في عصرنا، وذلك عبر الانطلاق من الحدود المفتوحة التي خلَّفها العلماء.. وعلى الرغم من أن الدراسات والأعمال المبذولة في هذا المجال من مختلف الأفراد والمؤسسات تحظى بالتقدير اليوم؛ إلا أنها ليسَتْ كافيةً ويجب تطويرها أكثر.

والواقعُ أن بعض الأشخاص الذين أدركوا هذه الحاجة قاموا ببعض الأعمال الرائعة فيما يتعلّق بهذا الموضوع؛ فمثلًا كتاب “الفتاوى الهندية” عملٌ رائع استهدَفَ جمعَ مختلف وجهات النظر في المذهب الحنفي، ووضَعَها في هيكلٍ منهجيٍّ، وأبرزَ الآراء المُفتى بها، وبالطريقة نفسها جاءَ كتابُ “قاموس الفقه الإسلامي والاصطلاحات الفقهية”، ومن اللازم أيضًا تقدير الدراسات التي أُجريت من مختلف الأشخاص والمؤسسات في هذا الشأن.. وستساعدُ “المجلةُ العدليةُ” وما جاءَ من مؤلَّفاتٍ على منوالها في تقديم الأفكار بشأن الدراسات التي يجب القيام بها في هذا المجال؛ حيث يجب اليوم تطويرُ القضية إلى أبعد من ذلك عبر الاستفادة من تلك الأعمال.

أهمية المذاهب

على الرغم من أن الاستفادةَ من اجتهادات المذاهب المختلفة أو الخروجَ بآراء جديدة انطلاقًا منها أمرٌ جيّدٌ؛ فليس من الصواب الانحلال تمامًا من المذهبِ الفقهي أو الخروج من إطاره، والركض في إثر الرُخَص هنا وهناك، والتوجه إلى التلفيق بين المذاهب[2]، وقد لفت “زاهد الكوثري” الانتباه إلى خطورة هذا بقوله: “إن عدم الاعتراف بالمذهب جسرٌ يؤدّي إلى الإلحاد”.

وللأسف، حتى إن كثيرين من علماء الفقه من ذوي الدراية بالفقه لم يأخذوا في الحسبان النظام المذهبي في الآراء التي سيعبرون عنها، بل وخرجوا بين الحين والآخر عن إطار الفكر المذهبي تمامًا، فليس من المقبول التقليلُ من شأن المذاهب أو تجاهلُها ونبذُها؛ لأن علماء السلف عاشوا في فترة قريبة جدًّا من عصر التشريع، وفهموا مصادر التشريع فهمًا أفضل وعن قرب، ونتيجة لذلك غاصوا في قضايا عميقة كهذه، ودققوا في النصوص جيّدًا، لدرجة أنه يستحيل بالنسبة لمن لديه قليل من الإنصاف ألا يقدّر جهودهم غير العادية تلك.. كما أن القرآن الكريم أوصانا بأن نذكرهم بالخير عندما علَّمَنا هذا الدعاء: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ (سورة الْحَشْرِ: 59/10).

وعندما يقفز الفقهاء من مذهب إلى آخر دون التزام منهج محدد فلسوف يُرْبِكون أذهان الناس، ويُزعزعون ثقتهم في الدين؛ فإذا تصرَّفَ كلُّ فردٍ بمبادرة منه في هذا الشأن، وركضَ وراء الأمور السهلة دائمًا، وأفتى بأخذ رأيٍ من هذا ورأيٍ من ذاك؛ فإن الإسلام الدين المبين سيتحول إلى صرّةٍ كبيرةٍ مرقّعة.

علاوة على أن مثل هذا النمط من التصرّف سوف يبرز شعور التحايل فيما يتعلق بالعبادة والطاعة، وهذه المرة سيبدأ المسلمون في عمل ما يحلو لهم من خلال الأخذ من المذهب الشافعي مرة، والحنفي مرة، ومن غيرهما مرة أخرى؛ وهذا بدوره قد يخلق دينًا يشبه السنسكريتية، ويؤدي إلى اللامبالاة في الدين، ويقوض روح الإسلام الدين المبين.

إن التيسير مبدأٌ مهمٌّ في الدين، إلا أن هذا يجب أن يتم وفق روح القرآن والسنة ومقاصدهما الشرعية.. كما أنه لا بدَّ من أخذ الحيطة، والابتعاد عن الخلاف، واجتناب الشبهات، لا سيما في العبادات والحلال والحرام، وقد جسَّدَ بديعُ الزمان أفقَ المثابرة لمن كرّسوا أنفسهم بصفةٍ خاصّةٍ لإعلاء الإسلام الدين المبين.

نعم، من الممكن دائمًا اختيار الآراء المناسبة من بين مختلف الاجتهادات لحل النقاط المتأزمة في الحياة وإزالة الصعوبات والمشقات.. وحديث نبينا صلى الله عليه وسلم: “اخْتِلَافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ”[3]، يتطلب هذا من زاوية ما، ومع ذلك فمن المسلَّم به أن إظهار الرخص باستمرار لمن اعتادوا العيش في ظل أهوائهم ونزواتهم سيجعلهم أكثر عبثًا ولا مبالاة، فيجب مراعاة هذا التوازن بشكل جيد في الاجتهادات والفتاوى.

وختامًا، تلزم الإشارة إلى أن من يتحدثون ويكتبون ويعبّرون عن آرائهم حول الدين يجب أن يكونوا حريصين جدًّا على عدم فتح أبواب جديدة للصراع، وعلى عدم تأجيج النزاعات والاستقطابات في المجتمع؛ ولهذا أيضًا يجب ألا يخرجوا عن إطار القضايا المتّفَقِ عليها إلا لضرورة ملحّة، وألا يتبنّوا موقفًا لن يقبله الضمير المجتمعي عبر طرح مناهج هامشية.

[1] “مجلة الأحكام العدلية”: رأَسَ لجنةَ إعدادها المفكرُ العثماني “أحمد جودت باشا” (1822-1895م)، وقامت بصياغتها لجنةٌ من العلماء في الدولة العثمانية، وهي بمثابة قانون مدني تُستمدّ أحكامه من الفقه الحنفي.

[2] التلفيق بين المذاهب: هو أن يأتي المقلِّد في مسألة واحدة ذات فرعين مترابطين فأكثر بكيفيةٍ لا يقول بها مجتهدٌ ممن قلَّدهم في تلك المسألة.

[3] السيوطي: الجامع الكبير، 1/202.

“فوائد قصة “هابيل” و”قابيل

Herkul | | العربية

سؤال: ما الرسائل المراد إيصالها إلى المؤمنين من خلال قصة “هابيل” و”قابيل”؟

الجواب: أودّ أن أتطرّق إلى مبدإٍ عام قبل الإجابة على هذا السؤال، فمن المؤكد أن لكل واقعة مذكورة في القرآن الكريم جانبًا يهمّنا، وعلينا أن نعثر على جوانبها التي تتعلق بيومنا، ونأخذ العبرة والدروس منها؛ فالقرآن لا يتحدث عن الماضي سردًا لمعلومات تاريخية فحسب؛ بل إنه يخبر ببعض الحقائق من خلالها.

 وعند النظر إلى الآيات نظرةً سطحيةً قد لا تُفهم تلك الحقائق على الفور، وربما تتعذّر رؤية علاقتها بنا رؤية كاملة، بيد أنه إذا تمعّنا وأنعمنا النظر وسَبَرْنا أغوار الآيات في إطار تكامل موضوعها؛ أمكن حينئذ الاستفادة منها بشكلٍ صحيح.. ومن هذه الزاوية فإنه يلزم كلّ مسلم أن يقرأ كلّ آية وكأنها تخاطبه هو شخصيًّا، ويُعمل ذهنه بشأن علاقة هذه الآية به نفسه.. وبالتالي يجب علينا أن ننظر إلى قصة ابني آدم عليه السلام من هذا المنظور أيضًا، ونستنتج منها ما يخصّنا.

من المعلوم أنه قد وقع خلافٌ بين هابيل وقابيل؛ حيث إن الأخير لم يرض بتقدير الله، فلجآ إلى تشريع خاص بتلك الفترة وأهلِها؛ وذلك كي يختبرا أيهما محقّ وأيهما مخطئ؛ حيث تنزل نار من السماء فتأخذ قربان المحقّ ولا تمسّ قربان المخطئ.. وهكذا يتبيّن المصيب من المخطئ، وفي هذا السياق يقدّم كلٌّ من هابيل وقابيل قربانًا لله تعالى، فتأخذ النار التي تنزل من السماء قربان هابيل، غير أن الجشع والحسد أعميا عيني قابيل لدرجة أنه أنكر النتيجة رغم أن الحق تعالى هو من قضى بها.. وبعد ذلك ارتكب المعصية المذكورة في القرآن؛ فقتل أخاه، ثم وارى جثته في التراب متعلِّمًا ذلك من “الغراب”.

إن قابيل -وهو الناشئ في بيتِ نبيٍّ- لم يرضَ بما قدره الله له، فاعترض على الحكم السماوي، ثم ارتكب جريمة قتلٍ عمدًا، ثم محا أدلة الجريمة، وإنَّ كلَّ واحدةٍ من هذه الموبقات لتمثّل بمفردها جريمة مغلّظة؛ بحيث إن هذه الذنوب ستزجّ به شيئًا فشيئًا في عالم مظلم، وربما ترديه في الكفر بعد نقطة معينة؛ إذ يُفهم من آيات القرآن أنه خسر إلى الأبد.

ينقل القرآن الكريم الواقعة التي دارت بين هابيل وقابيل بقوله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾… (سورة الْمَائِدَةِ: 5/27-31). ولا يذكر القرآن والسنة الصحيحة اسميهما، فقد أُخِذَ هذان الاسمان من العهد القديم، وعليه فإن اسم الابن الصالح هو “هابيل”، واسم الابن الآخر الذي تسلّل الشيطان إلى روحه هو “قابيل”.. وأيًّا كانت الأسماءُ فقد نشأ كلاهما في بيتٍ نزل عليه الوحي كالمطر المدرار، وتربّيا على يدِ نبيّ.. لهذا السبب يُحتمل أن قابيل أيضًا آمن مثل هابيل، ولكنه -بحسب بيان القرآن- اتبع الشيطان؛ فأضلّه إلى أن أغواه بقتل أخيه.. قابيل هو أول من ارتكب جريمة قتل بين بني آدم، ومن ثم فهو أول من فتح هذا الطريق الخبيث، وعليه فإن ذنبه مضاعف، وربما أدّى به ذلك إلى الكفر؛ لأنه -وعلى حد تعبير بديع الزمان- يوجد في كلِّ خطيئة طريق يؤدّي إلى الكفر، وكل خطوة نحو الخطيئة هي أيضًا خطوة نحو الكفر.

إن الخطيئة التي تسبّبت في خسارة قابيل هي الحسد والغيرة، فحسدُه أخاه على نصيبه الذي قدره الله تعالى له هو اعتراضٌ على التقدير الإلهي، ويبين القرآن بوضوح في آيات شتى؛ أن الله تعالى قد خلق الجميع مختلفين، ومنَّ عليهم بِنعمٍ ومواهبَ وقدرات مختلفة، وفضّل بعضهم على بعض.. ويبين أيضًا أن الأنبياء أنفسهم قد فُضّل بعضهم على بعضٍ ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (سورة البقرة: 2/253).. وإن كان الإنسان قد تفوّق في مجال معين إلا أنه يمكن أن يتخلّف عن غيره في مجال آخر. والإنسان الراجح في أمرٍ ما قد يكون مرجوحًا في أمر آخر، وربما أن الله تعالى أحسن على بعض الناس، وزوَّدهم بالحكمة، وفتح آفاقهم لأسباب وحكم لا ندريها، وربما أنهم أنفسهم أيضًا أضافوا إلى عظمتهم تلك عظمة أخرى باستخدام عطايا الله القدير في مكانها المناسب.. قد ينعم الله على الناس ببركات وخيرات شتى، فربما يمنح أحدًا نعمة لم يمنحها أحدًا آخر.

هذه امتحانات شتى، وعليه فإن امتحان ومسؤولية إنسان يمتلك مزيدًا من النعم تكون أكبر؛ فإذا وفى بمتطلّبات هذه المسؤولية نجح في امتحانه، وتكون أيضًا مسؤولية الآخرين من الناس بقدر النعم التي يحرزونها، وواجبُ المؤمن هو أن يحترم الإرادة الإلهية مطلقًا، ويرضى بما قُدّر له من نعم، ويفي بمتطلبات المسؤوليات والمهام التي تقع على عاتقه.

ومع ذلك فإن الكثير من الناس لا يتقبّلون ولا يستسيغون بسهولةٍ مَنْ هم أعلى وأفضل منهم.. فيقولون: “لو أن لي ما في يده! لو أنني في مكانه!”، لهذا يميتون قلوبهم بغير قصدٍ، ويستنفدون حسناتهم، ويثقلون ظهورهم بالسيئات.. لأن الحسد والغيرة يتّسمان بأنهما يميتان القلب ويذهبان بالحسنات، والحقيقة أنه إذا لم يحاول المرء إطفاء نار الحسد التي فيه، ولم يكبح هذه المشاعر؛ فإنه يتحرّك بها ويتوجه إلى ارتكاب المعاصي.. وهذا ما يجعله بائسًا ويقضي عليه، تمامًا مثلما قضى على “قابيل”.. وما دام الأمر كذلك فإنه يقع على عاتق الإنسان الرضا بتقدير الله وأن يصحح بعقله وإرادته ما بداخله من شعورٍ بالحسد والغيرة.

موقف هابيل

وثمة أمر آخر لافت للانتباه في القصة المذكورة أعلاه هو الموقف الذي وقفه هابيل إزاء محاولة قتله على يد قابيل، ويصف القرآن موقفه هذا بالآيات الآتية: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ (سورة الْمَائِدَةِ: 5/28)، وتنصحنا كلمات هابيل هذه بألا نطبّق قاعدة “المقابلة بالمثل” بشكل ظالم ما أمكن، أي: إنها توصينا بعدم مقابلة العدوان بالعدوان.

وهذا لا يعني أنه لا ينبغي لنا استخدام حق الدفاع عن النفس عندما يقتضي الأمر ذلك.. بل إن الإنسان مكلَّفٌ بحماية دينه ونفسه وعقله وعرضه وماله، ومن ثم لا تعتبر الأفعال التي تقع دفاعًا عن النفس إثمًا أو جُرمًا، حتى إنه إذا مات الإنسان دفاعًا عن هذه الكلّيات الخمسِ اعتُبِرَ شهيدًا.

بالإضافة إلى كل هذا، فإن القدرة على المسامحة والعفو عن المساوئ بقدر الإمكان، ودون التقصير في حماية الأشياء التي تلزمنا حمايتها؛ أي -وكما نقول دائمًا- مقابلة الضارب بدون يد، والشاتم بدون لسان، والمبغض بقلب صافٍ أمرٌ مهمٌّ للغاية حتى يتسنى تطوير العلاقات الإنسانية وتأسيس السلام المجتمعي والعالمي.. وإن كشَّرَ البعضُ لنا عن أنيابه فيجب أن يكون طبعُنا وسمتُنا الثابت هو القدرة على التلطّف دائمًا مع الجميع -وخاصّة المؤمنين- بالقول: “ماذا عسانا أن نفعل، فالله لم يمنحنا أسنانًا لنعضَّ بها، ولا مخالبَ لنمزّق بها”..

بل إن القضايا متناهيةَ الصغر تتضخّم بسبب اعتباراتٍ سياسيّة أو حسابات أخرى في يومنا هذا؛ إذ يبالغ الناس ويضخمون قضايا لا تُذكر لأغراض مثل كسب الشهرة، والوصول إلى مناصب معينة، ونيل الثقة والتقدير، ويفخمونها بحيث تبدو مصيرية للغاية، ويثيرون حولها الخلافات.. لهذا السبب فمن المهم جدًّا اختيار طريق التلطّف، وعدم مقابلة السيئة بالسيئة، وإحلال السلام والوئام في المجتمع.. ليت السياسيين يفهمون شيئًا من هذا الدرس القرآني فيعيدون النظر في أسلوبهم! ليتهم يستطيعون مراجعة طرقهم وأساليبهم من منظور الأخلاق القرآنية ويغربلون بعض مواقفهم وسلوكياتهم! ليتهم لا يتصرفون بمثل هذا الاندفاع، ولا يؤججون الصراعات، ولا يهدمون جسور السلام!

الاعتدال في الحبّ والبغض

أرشد نبيُّنا صلى الله عليه وسلم إلى أن يحبّ المرء من يحبّه باعتدالٍ وأن يُبْغِضَ باعتدالٍ أيضًا عندما يبغض؛ “أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا مَا، وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْمًا مَا”[1].. وفي ذلك اليوم قد تشعرون بالندم الشديد على ما فعلتموه في الماضي، لذلك لا ينبغي للمرء أن يفرّط في الحبّ أو في العداء.

إن تمجّدوا شخصًا وترفعوه إلى عنان السماء، يسقط على الأرض ويتحطّم حين تتركونه، وبالمثل عليكم أن تعرفوا كيف تتحكّمون في غضبكم؛ لأن مَن يُغضبكم بصفته عدوّ اليوم قد يكون صديق الغدِ، وقد تشعرون أيضًا بالخجل الشديد مما فعلتموه معه في الماضي، وربما تشعرون بالندم أيضًا، لهذا السبب لا ينبغي أن نتصرّف وفقًا للحاضر فقط، بل يجب أن تكون أساليبنا ومعاملاتُنا -بما فيها من حُبٍّ وبُغضٍ- متوازنةً ومدروسة للغاية.. يجب أن نقول: “إن لليوم غدًا”.

لا أحد منا يعرف ما يخبّئُه لنا المستقبل، فقد يتعيّن علينا غدًا القيام ببعض الأشياء المشتركة مع من نبغضهم اليوم.. وربما نجلس غدًا سويًّا الكتف بحذاء الكتف، والقدم بحذاء القدم مع من نختلف معهم اليوم.. وقد نقاتل معًا عدوًّا مشتركًا في لحظة حرِجةٍ يتعذّر فيها التغلّب على التحديات التي تواجهنا دون توحيد جهودنا وأفكارنا.

يجب على المرء أن يخطو خطواته واضعًا كلَّ هذه الأمور في حسبانه، مجتنبًا كلَّ ما يضطرّه للندم غدًا، وواضعًا نصب عينيه الحديثَ الشريف الذي سقناه، متوازنًا في جميع أفعاله.. وهذا ما فعله هابيل الذي قدم لنا رمزًا للفضيلة.. ليت من يوجهون الآخرين بأفكارهم وكتاباتهم يتصرّفون بحذرٍ أكبر، مع مراعاة مستقبل الطريق الذي يسلكونه!

[1]  انظر: سنن الترمذي، البر، 60.

قَدَرُ الطريق

Herkul | | العربية

في مواجهة المظالم المعيشة في يومنا، يعاني الكثير منا المشاعر نفسها ونحمل الأفكار عينها في كل حركاتنا وسكناتنا؛ فينقضُّ نومنا، ونئنّ ألمًا وحزنًا، ومع ذلك نؤمن تمامًا بأنه إذا استطعنا أن نواجه بصبرٍ ورضًا البلايا والمصائب التي نتعرّض لها، فإن جميع المشاكل والصعوبات التي نعانيها في هذا العالم ستكون وسيلة مهمة لفوزنا في الآخرة، وإن الشرور التي تعتبر مهلكات بالنسبة للظالمين هي ذاتها ستصبح منجيات بالنسبة للمظلومين.

لم يخلُ التاريخ قطّ من وجود الظالم والمظلوم، والظالمون محكومٌ عليهم بالخسارة، هنا أو في الآخرة، أما المظلومون فسيكونون الطرف الفائز بالتأكيد، إذا كان المسار الذي يسلكونه صحيحًا.. وبغض النظر عن مظهر الظالم في خضم الأحداث أو وفقًا للأحكام الظاهرية للحياة الدنيوية، فهو الخاسر دائمًا.. ومن ناحية أخرى فإن مظاهر الظلم والأذى والاعتقالات التي يتعرّض لها من يناضلون في سبيل المثل العليا ويصمدون لصالح الحقّ والحقيقة بصفةٍ خاصّة ويتعرّضون لكلّ أنواع الاضطهاد والتعذيب بسبب ذلك، وسيلة لفوز هؤلاء المظلومين أنفسهم.

وعندما ننظر إلى قصص الأنبياء في القرآن، نرى أن الأحداث نفسها تقريبًا تتكرّر في كلِّ عصر، ولطالما كانت السنَّة الإلهية على هذا النحو منذ الأزل؛ فالأنبياء الذين هم أصفى عباد الله قد تعرّضوا لشتى الإهانات والاضطهادات، وقيل عنهم -حاشاهم- “سفهاء” أحيانًا، و”كهنة” أحيانًا، و”سحرة” أحيانًا أخرى، فمنهم من طُرِد من موطنه، ومنهم من رُجم بالحجارة، ومنهم مَن أُلقي في النار، ومنهم من شُقَّ نصفين بالمنشار، فمهما تغيّرت السيناريوهات والمخططات بحسب الوقت والظروف والأحوال، إلا أن فلسفةَ الشرّ لم تتغير قطّ.

ليس الأنبياء وحدهم، بل أيضًا ممثّلوهم المخلصون عانوا من المصير نفسه، ويمكنكم في ذلك أن تتأمّلوا أصحاب الأخدود الذين ورد ذكرهم في القرآن، والأخدود يعني الخندق؛ فأصحاب الأخدود الذين طُلب منهم تغيير دينهم أُلقوا في خنادق مليئة بالنار لأنهم قاوموا وصمدوا، ولهذا أطلق عليهم ذلك الاسم، ولقد ارتُكبت أفظع المظالم -التي تُدمي القلب وتؤلم النفس- بحقِّ الصحابة الكرام، ثم إنه لم يتغيّر شيءٌ.. كيفيّةُ الظلم فقط هي التي تغيّرت وتطوّرَت وفقًا لاختلاف الزمان، فالظالم يمارس ظلمه دائمًا، والمظلوم يعاني ويتألّم، ومن يدري ما الذي سوف يفعله أيضًا طغاة المستقبل بحقّ المضحّين الذين يقفون شامخين في سبيل الله ويتصدون لشتى الصعوبات التي يواجهونها في سبيل جعل الاسم الإلهي الجليل يخفق عاليًا كراية خفاقة!

ويَلفت القرآن الكريمُ الانتباهَ إلى الامتحانات المختلفة التي قد يتعرّض لها المؤمنون، قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ(سورة العَنْكَبوتِ: 29/2).

وقال أيضًا: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾ (سورة البَقَرَةِ: 2/214).

موقفنا في مواجهة الامتحانات والابتلاءات

إن الله تعالى، وفق المعنى الصريح للآيات، يفضّل الماس على الفحم بإخضاعه لامتحانات قاسية، وكذلك الامتحانات التي يفرضها على البشر، فإنها يُظهِر الضعيف مِن القوي.. وتُظهِرُ مَن صِلَتُه وثيقة بالله ومن هو ضعيف الصلة به.. وقد تحقّقت هذه التصفية في كلِّ عصر؛ فقد هوى الساقطون، وغُربِل الخاسرون، بيد أن البعض وقف صامدًا ووفّى بحقّ إنسانيته وإيمانه، فإذا كنتم تؤمنون بأن الطريق الذي تسلكونه صحيح، فهذا ما يجب عليكم فعله.

إن الامتحانات تقوِّي الإنسان وتهيّئ المناخ لظهور القوى والقدرات المكنونة في طبيعته، وإذا كان الإنسان يفكّر بطريقة رتيبة وثابتة في وقت الراحة والاستقرار، إلا أنه ملزم بالبحث عن طرق بديلة للتغلّب على تلك الصعوبات في وقت الشدّة والأزمات، ومضطرٌّ لإعمالِ عقلِه وإجبار نفسه على ذلك، وهذا يوفّر له فرصًا كي يُطوِّر قدراته المكنوزة فيه، وينمّي مهاراته وإمكاناته الكامنة في طبيعته.

وكما نقول دائمًا: فإنّ الشخصَ المهموم غالبًا ما يجد أفكارًا أصلية لا تخطر ببال العباقرة، لأنه يفكر أثناء قيامه وقعوده، ونومه واستيقاظه، وبينما يأكل ويشرب، وفي كل حال وزمان؛ كيف سيتخلص من المشاكل التي يمر بها، ويغيرها، ولا يخلو ذهنه من هذه الأفكار ولو لحظة.. ومن ثم يريه الله تعالى فرجًا ومخرجًا، أي إن الألم والضيق والمعاناة وسائلُ مهمّةٌ لتنمية الإمكانات البشرية والوصول إلى أفق الإنسان الكامل.

ولما كانت الامتحانات حقيقة ثابتة بالنسبة لمن يسيرون في سبيل الله؛ فإن واجبنا في مواجهة الحوادث القاسية المعيشة هو ألا نقع في الفوضى، وألا نأبه بالإهانات، وألا تثبطنا المظالم والضغوط، وأن نستمرّ في السير على الطريق الصحيح رغم كلّ شيءٍ، فإن تقفوا عند هذه المساوئ وتنشغلوا بها طوال الوقت، فسوف تهدرون طاقتكم وتبدّدون قوّتكم وقدرتكم عبثًا، ولن تبقى لديكم طاقة للوفاء بالتزاماتكم الأصلية؛ وبالتالي تهملون واجباتكم ومسؤولياتكم.

نحن مخلوقات لا حول لها ولا قوة، قوّتُنا محدودة، لا يمكننا حتى القيام بأمرين في وقت واحد بشكل صحيح، لهذا السبب يجب أن نخصص الإمكانات التي نمتلكها لأهم الأعمال ونركز عليها، وعلينا أن نفكر فيما يمكننا القيام به لتحقيق حلمنا ومثلنا السامية في ظل الظروف الحالية، وأن نضع الخطط والإستراتيجيات السليمة وفقًا لذلك، ونسير في هذا الاتجاه.

هذا لا يعني وجوبَ تجاهل المظالم المرتكبة وألا نفعل شيئًا ضدّها، على العكس من ذلك، ينبغي أن نتمتّع بحقوقنا القانونية حتى النهاية؛ وأن نفعل كلّ ما هو ضروريٌّ للدفاع عن حقوقنا، ويبرز العاملون في كل مجال الأداء اللازم فيما يتعلق بمجالهم، لكن انشغال كلِّ امرئ بأيِّ مسألةٍ خلاف هذه -سواء كانت ضرورية أو غير ضرورية- يعرّضنا للفوضى كأن يُلقم الإنسان حجرًا لكلِّ مَن ينبح، ولا تستطيع أعصابُنا تحمُّلَ هذا القدر من العبء، ونتيجة لذلك فسنواجه إخفاقات متتالية في الأعمال الصالحة التي نضطلع بها.

من المهم جدًّا أن تكون قادرًا على تحديد ما يجب فعله ومتى تفعله، فالمؤمن إنسان ذكي، يحسب جيدًا نتائج كلِّ خطوة يخطوها، ويعتبر الانشغال بأشياء فارغة وغير ضرورية مضيعة للوقت، لا يفعل أشياء تنقلب عليه وضررُها أكبرُ من نفعها، إنه يحاول من خلال كلِّ كلمة تخرج من فمه، وكل حركة يقوم بها، أن يخدم غايته المثالية.. لا يستهين بأية خدمة يفعلها في سبيل الله، ولا يستقلّها أو يستصغر نتائجها، لأنه يعلم أن الله هو من يخلق النتائج ويجعل الأعمال مفيدة، فالله يجعل الآحاد آلافًا، والقطرات بحرًا إذا شاء.

الاستمرار على الطريق

التفاني والتضحية هما أهم صفاتنا وديناميكياتنا؛ أي تجاهل شعور العيش لدينا رغبةً منا في إحياء الآخرين، نحن نعيش من أجل الإحياء، نعتبر أن واجبنا الأساسي هو أن نمدّ للآخرين يد العون المادي والروحي، ونعتبر أن أهم واجب ووظيفة هي إبلاغ منظومة القيم التي ورثناها من الماضي وإيصالها إلى القلوب المحتاجة والهرعُ إلى مساعدة وإنقاذ الأشخاص الذين تعرّضوا للدمار أو الإهمال أو المعاناة في بقاع مختلفة من العالم..

نحن نؤمن بأهمية مكافحة “الجهل والفرقة والفقر” في جميع أقطار الدنيا، ونحاول إنشاء جزر السلام وبناء حواجز الأمواج في مواجهة الصراعات والنزاعات التي تعاني منها الإنسانية، ونعتقد أن الإنسانية بحاجة إلى الحوار والسلام والمحبة أكثر من أي وقت مضى، ونبحث عن طرق مختلفة حتى يتسنى تحقيق ذلك، ونعتبر كل هذا أحد أوامر ديننا وضرورة إنسانية أيضًا، فإن لم تكن لدينا شكوك حول صحة هذا الطريق الذي نسير فيه، وجب علينا ألا نسمح لأنفسنا بأن تتأثر بما تلاقيه من قمعٍ وظلمٍ وتعذيبٍ ولو مثقال ذرة، وألا نتراخى، وألا نغيّر اتجاهنا، وألا ننحرف، وألا نغيّر موقفنا، وعلينا أن نستمرّ في طريقنا مهما كان الثمن.

قد يقطع البعضُ عليكم طريقكم الذي توقنون أنه صحيح، ويضع العقبات أمامكم.. وعليكم أن تعرفوا كيف تتغلّبون على هذه العقبات كالأنهار المتدفّقة، وتجدوا طرقًا جديدة لأنفسكم؛ فلا الحجارة ولا الصخور أو غيرها من العوائق يمكنها أن تقطع على الأنهار طريقها؛ فهي تتجاوز العوائق التي تعترضها، من فوق بعضها أحيانًا، ومن تحت بعضها أحيانًا، ومن جانب بعضها أحيانًا أخرى، وأحيانًا تجرف تلك العقبات أمامها، فإن لم تنجح تبحث لها عن سبُلٍ جديدة لتصل إلى البحار بطريقة ما..

أنتم أيضًا يجب عليكم أن تجدوا لأنفسكم ممرًّا عن يمين ويسار ومن فوق وأسفل العوائق التي تعترض طريقكم، وأن تواصلوا مسيركم، فإذا أصبحت الطرق غير سالكة تمامًا، تباطأتم، وتحركتم حيث أنتم، وانتظرتم ما يقدره الله بشأنكم من عناية ولطف، لكن عليكم ألا تهلعوا وألا تخافوا وألا تستسلموا وألا تتراجعوا بأي شكل.

إن تتمكّنوا من الحفاظ على هذا الشدّ المعنوي، فلن تتمكن أية شبكة فساد ولا فكرة نفاق من الوقوف في طريقكم؛ لأنه لم تتمكن أي قوة إلى اليوم من أن تمنع الناس من السير على الطريق الصحيح؛ فقد نال البحر الأحمر ممن أرادوا أن يُعيقوا سيدنا موسى عليه السلام، وأغرق الطوفان من أرادوا أن يقفوا أمام سيدنا نوح عليه السلام، لقد تكررت مثل هذه الأحداث منذ عهد آدم عليه السلام، ولن تنقطع أو تتوقف، وإن الله تعالى لم يتخلّ قطُّ عن السائرين في طريقه والمثابرين الصامدين.

عاقبة الطغاة المريرة

هناك تشابهٌ بين طغيان الطغاة منذ القدم؛ فقد أخضعوا من اعتبروهم معارضين وأعداء لهم لأقسى انتهاكات حقوق الإنسان، من خلال القوانين التي سنوها حسب هواهم بغضّ النظر عما إذا كانت تتوافق مع القيم الإنسانية العالمية وفكرة العدالة أو لا تتوافق.. فهذه الأرواح البائسة، التي ترسم لنفسها مواقع سامية ومقدّسة، جربت كلَّ وسيلة لاستعباد الناس وإخضاع الجميع لوصايتها، وكم من شرور ومظالم ارتكبوها لخنق وتقييد وإخراس من لا يفكرون مثلهم، لكن في النهاية التفَّت الأشياء التي فعلوها حول أقدامهم وعاشوا انكسارًا إثر انكسار.

وعندما ننظر إلى نهاية الطغاة الذين عاشوا في الماضي، نرى كيف سقطوا جميعًا في حالة يرثى لها وكيف انهار على رؤوسهم الحكم الذي أقاموه؛ فلم يتركوا ظلمًا إلا ارتكبوه حين استولوا على السلطة، لكن جاء يوم جرفتهم الأكاذيب والافتراءات التي أتوا بها، والمظالم التي ارتكبوها، وألقت بهم بعيدًا مثل السيل، وعلى الرغم من أنهم سعوا وراء الشرف والتصفيق طوال حياتهم، إلا أنهم ماتوا في خزي وعار، لم تنقذهم قصور الرخاء والسعادة التي شيدوها، ولا الرجال الذين وثقوا بهم، ولا السلطنات التي أقاموها، ولن تختلف عن ذلك عاقبة فَراعِنة ونماردة هذا العصر؛ لأن الله يُمهل ولا يُهمل، والظلم لا يستمرّ أبدًا حتى لو استمر الكفر.

أؤكد لكم أن عاقبة الظالمين الذين جثوا اليوم على وطننا المبارك مثل كابوس لن تكون مختلفة عن ذلك، وإنني آمل ألا يتسبب هؤلاء في كارثة للبلاد مثل الحرب العالمية الأولى عبر دخولهم في حرب هنا وهناك أو إيقاعهم بين أفراد الأمة، تمامًا مثلما ضحّى الاتحاديّون بدولة عظيمة كالدولة العلية انهزامًا لمشاعرهم الخاصة.. لقد قضى الاتحاديون على دولة كاملة كانت ذات يوم على رأس العالم؛ فكانت عنصر توازن مهمّ في التوازن الدولي حتى في وضعها الأخير.. نرجو من الله ألا يضحّي هؤلاء ببلدنا -الذي هو بالفعل في دوامة المشاكل- من أجل مغامرة أخرى، وإلا فإن هذه الأمة لن تتمكن من النهوض مجدّدًا بسهولة ويسر، نسأل الله ربنا الرحيم ألا يُهيئ فرصة كهذه لهؤلاء الجهلة.

 

السبيل إلى الحفاظ على الحياة الروحية

Herkul | | العربية

سؤال: كيف نحافظُ على النقاء المعهود في أيام الخدمة الأولى، ونستمرُّ في مواصلة الشد المعنوي، وتنشئةِ رجالٍ جددٍ للدّعوة؟

الجواب: بداية أودّ أن أؤكّد على حقيقة أُشيرَ إليها في السؤال، ألا وهي أن الناس كانوا في السنوات الأولى من الخدمة مخلصين ومضحّين للغاية.. فلم يكن لديهم مطلبٌ سوى رضا الله، وكان الوفاق والاتفاق رائعًا بين المتطوعين في الخدمة.. فكانوا يقرؤون أكثر ويفكرون أكثر ويتدارسون أكثر، كانوا مهتمين بالقراءة والبحث والتعلُّم اهتمامًا جادًّا.. وعليه فقد كانوا أكثر عمقًا في العلم والمعرفة مقارنةً باليوم؛ فمثلًا كانوا يقرؤون رسائل النور بحماسٍ وشوقٍ ويحاولون فهم الحقائق الموجودة فيها، لقد كانوا على دراية بالقضايا التي تم تناولها في الرسائل لدرجة أنهم كانوا يعرفون جيدًا أين وأي موضوع جرى تناوله وكيف، وكانوا يعقدون المقارنات عند الضرورة، ويضعون التعليقات والشروح التوضيحية.

لا أتذكر مجلسًا كان ينفضّ من دون قراءة كتابٍ ودعاء؛ أحيانًا كنا نتفكر في آيات القرآن، وأحيانًا نحاول فهم أحاديث نبينا عليه الصلاة والسلام، وأحيانًا كنا نركز على حقائق الإيمان الموجودة في رسائل النور، كان هناك سعي حثيث وجهود غزيرة تُبذَلُ في سبيل تعلُّم وفهم القضايا العلمية والدينية وشرحها للآخرين أيضًا، كان الناس يحاولون سدَّ ثغراتهم بما يقرؤونه ويتعلمونه، ثم إيصالَها إلى الصدور المحتاجة إليها، فكان كل هذا يغذّيهم روحيًّا ودينيًّا ويُبقِيهم نشِطين وحيَويّين، كان لدى الناس حماس فريد، وقد كنا نرى بركة هذا كله في الخدمات المقدمة.

للأسف فقدنا هذا الشوق للقراءة في السنوات التالية، ومن ثم ابتعدنا عن مصادر غذائنا الروحي، فمن الصعب جدًّا على مَنْ يتوقَّفون عن القراءة والتعلّم أن يُحافظوا على قوامهم واتساقهم ولا على خدمتهم وحبِّهم وحماسِهم، ومع أن البعض ظلَّ يحافظ على حبّه للعلم وحماسه للقراءة، إلا أن عددهم كان محدودًا غير متزايد، والحال أنه كان من الواجب أن يزداد عددُهم مع اتساع الدائرة، لكن للأسف لم يحدث ذلك، ولم تتطوّر الكيفية بقدر الكمّية.

أحد الأسباب المهمة لذلك هو ما حدث عند الناس من أُلفة وتعوّدٍ بمرور الوقت، كان الناس في السنوات الأولى من الخدمة يشعرون بلذّة عارمة من الأعمال التي يقرؤونها، كان كل شيء يبدو جديدًا وحديثًا وأصليًّا بالنسبة لهم.

كانت هناك حاجةٌ لتطوير طريقة جديدة للقراءة والتعامل مع القضايا بطريقة أعمق وأوسع من أجل إنقاذ الناس من الألفة والتعوّد الذي سيحدث مع مرور الوقت، لكن لسوء الحظ لم يستطع فعل هذا الأمر مَنْ قدموا الحقائق العلمية والدينية للناس، ولم يتمكنوا من طرح الموضوعات بطريقة جديدة، وظهرَت الألفة سويًّا مع تقادم العهد، وانخدعوا بثقة الناس وتوجُّههم إليهم، وظلّوا يكرّرون الأشياء نفسها؛ ذلك أن الناس كانوا على أية حالٍ يستمعون إلى كلّ ما يقال؛ ولهذا السبب، فقد بدأت حتى أكثر الحقائق الأصلية تفقد جاذبيتها في أعين الناس مع مرور الوقت.

إن طريقة التخلُّصِ من هذا الاستئناس والركود واستعادةِ ما فقدناه من الحب والإثارة هي بَدْءُ حملةِ قراءةٍ أخرى في إطار هذه الدائرة، وإطلاقُ ماراثونٍ جماعيٍّ، وجذبُ شعبِنا مرّة أخرى إلى العلم والمعرفة والبحث والتعلّم.. لهذا يجب أن نطوّرَ أساليبَ قراءةٍ جديدة ونستحدثَ أنماطًا جديدة، وأن نناقش الأعمال والأفكار المختلفة معًا، ونقارن بينها، ونحاول الوصول إلى نتائج جديدة وبلوغ آفاقٍ جديدة.. يجب أن نلفت انتباهَ الناس وفضولَهم مجدَّدًا إلى حقائق الإيمان وإلى الأعمال التي تتناولها، وأن نفتح الطريق أمامهم ليُدركوا الأفكار الأصلية التي تحتويها.. علينا أن نفعل ما نستطيع؛ فنحرك الناس ونشجّعهم على القراءة ونثير حماسهم لها، فإن لم نتمكن من القيام بذلك، فلن نتمكّن من التخلّص من الألفة، ولن نتمكن من الحفاظ على شدّنا الميتافيزيقي أيضًا.

السابقون الأولون

إن السابقين الأولين الذين نهلوا العلم سواء من الأنبياء أو من أتباعهم العظام، هم أناسٌ مميَّزون على الدوام، لقد أصبحوا أناسًا من أفق مختلف لأنهم كانوا يعرفون قدرَ الشخص الذي يجلسون إليه في مدرسته التعليمية قيمة وقامة، ويمكنكم أن تنظروا هذه النظرة إلى الناس الذين تحلّقوا حول بديع الزمان؛ فقد قرؤوا الرسائل قراءة جيدةً وفهموا الأستاذ فهمًا جيدًا للغاية، وعرفوا كيف يستفيدون منه حقَّ الاستفادة من خلال الأسئلة التي طرحوها عليه، لقد وجدوا الرسائل جذابةً وأصليةً للغاية، ففتحوا قلوبهم بكلِّ مَلَكاتهم على مصدر الفيض هذا، ونهلوا منه ما استطاعوا وفقَ قدراتهم، وربما أن توجُّه طلّابِ بديع الزمان ولُجُوءَهم إليه بكلِّ لطفٍ وقصرَهم للهمة عليه قد مهد الطريق لإلهامه ومرورِ الفوائد العظيمة على لسانه.

نعم، من الصعب جدًّا على الجميع إظهار مثل هذا القوام، ذلك أنه يتطلّب الخضوع لعملية جراحة فكرية؛ أي يتطلّب تناول القضايا بحلّةٍ جديدة، وإعادة قراءتها والتفكير فيها، وتحليلها وتفكيكها من جديد.. ويمكن أيضًا التفكير على نحو مستقلّ في كيفية القيام بذلك، ويمكن العثور على طرق ومناهج مختلفة في هذا الصدد، ومهما كانت الطريقةُ المتّبَعَة، فإن الشيء المستهدف هو القدرة على فهم الفروق الدقيقة في الموضوعات التي يتمّ تناولها، والإحساسُ بها وإدراكُها بعمقٍ، والقدرةُ على فهم التلميحات والإشارات، وسبرِ أغوارها، فإذا تمكنا من القيام بذلك فسنرى أننا لم نتمكن من فهم الموضوعات بكل جوانبها، حتى تلك التي نعرفها جيدًا، وسنشعر بمتعة مختلفة في المعاني الجديدة التي اكتشفناها، ومن ثَمَّ سيمكننا التخلّص من جوّ الألفة الخانق والساحق والمميت، وسنتمكن من النظر إلى الأعمال التي نقرؤها من منظور مختلف، وسنشعر بها جديدة ندية طرية مرة أخرى.

يجب مناقشة كل موضوع والنظر فيه جنبًا إلى جنب مع الأعمال الرئيسة المكتوبة في هذا المجال، وفي سبيل هذا يلزم تطوير أساليب جديدة والتأكيد عليها بإصرار، إنني لا أعتقد أن هناك قراءة جادة للكتب اليوم، ومن ثم فقد انتشر الجهلُ بالقضايا الأساسية التي يجب معرفتها، والأسوأ من ذلك أن الفضول والتطلُّع للمعرفة قد مات في صدورِ كثيرٍ من الناس، كيف يُعقل ألا يتطلع المؤمن إلى الكتاب الذي نزل عليه من عند الله، ولا يحاول التعرّف على أمور دينه! إنه لَشيءٌ مزعجٌ حقًّا، ومن المزعج أيضًا أن الأعمال المكتوبة عن الإيمان والقرآن تُقرأ وتُنقل بشكلٍ سطحيٍّ دون تفكير فيها، إننا لا نحاول أن نفهم، وحتى وإن لم نفهم فإننا نتظاهر وكأننا فهمنا.. ومع الأسف فالمعلومات والمقاربات السطحية لا تفي باحتياجات اليوم، ولا ترضي العقول، ولا توقظ فيها حبًّا وحماسةً جديدين.

الانشغال بالشكليات

بالإضافة إلى فقدان الحماس للقراءة، ثمة مشكلة أخرى صرنا نواجهها بمرور الوقت، وهي أن الانشغال بالشكليات يصرف انتباهنا عن هدفنا الرئيس، ففي بداية العمل لم يكن هناك مقامات أو رتب أو مناصب، ولم تكن هناك لجانُ تعيينٍ ولا مفتّشين ولا مديريات أيضًا، كان الجميع يبدون متساوين ويعتبرون في فئةٍ واحدة، كان يسود لدى الناس احترامٌ عميق وحبٌّ تجاه بعضهم، عندما كنا نلتقي كانت تُناقش القضايا التي هي مصدر حياة بالنسبة لنا، كانوا يفحصون الكتب التي يحصلون عليها فحصًا دقيقًا، ويريدون أن يعرفوا ويتعلموا بعمقٍ كلَّ موضوعٍ يقرؤونه، فإن كان هناك شيءٌ لم يفهموه كانوا يسألون عنه من يعرفه.. وكان الجميع يحاول أن يرفع من جاهزيّتِه وكفاءتِه للتعبير عن قضايانا للآخرين بشكل لا تشوبه شائبة، كانت كل الجهود تُكرَّسُ لتنشئةِ إنسانٍ كاملٍ، وكل شيء بخلاف قضية إعلاء كلمة الله، كان يُعتبر فرعيًّا وغير مهمّ.

ومع مرور الوقت، شغل الناس بعض المناصب؛ فأصبح بعضهم ممثلين لمؤسسة، وتولى بعضهم مسؤولية مكان معين، وأوكلت إلى البعض الآخر واجبات أخرى، ووظفوا في مواقع مختلفة، وبمرور الوقت أيضًا، تكونت هيئات مختلفة، وتشكلت وحدات شتى، وتلت الاجتماعاتُ بعضُها بعضًا، ربما كان كل ذلك نتيجةً حتميّة للنموّ والتحوّل المؤسّسي، لكن المشكلة الحقيقية تمثّلت في انشغال الناس وتعلّقهم بهذه المناصب والرتب، ونسيانهم أنها أشياء ثانوية وانحرافهم عن أهدافهم الرئيسية، والأكثر من ذلك اختراعهم أجندات مصطنعة أحيانًا وتضييعهم وقتهم ووقت الآخرين بالانشغال بها؛ فكانوا يهملون القراءة والأوراد والأذكار متوهّمين انشغالهم بأعمال مهمة.

ولا جرمَ أن الوظائف مثل الإدارة والمديرية والإدارة العامة إنما هي وسائل لُجِئَ إليها لتسيرَ خدماتُ الإيمان والقرآن في اتساق واستقرار، فكان ينبغي ألا تكون هدفًا وغايةً؛ كان ينبغي ألا تُمنح أهميّةً أكثر من اللازم، وبغضّ النظر عن الرتبة والوظيفة التي يشغلها المرء، يجب عليه أن يعتبر نفسَه مجرَّدَ رسولٍ أو خادمٍ عُيِّن لتوصيل رسالةٍ إلى مكانٍ ما، ونقلِ تحيّةٍ إلى شخصٍ ما، كان واجبه هو أن يتمكن من الاضطلاع بالدور المنوط به حتى يعمل النظام بشكل صحيح، وأن يستطيع الوفاء بحقّ موقعه.

اسمحوا لي أن أقولها مرة أخرى، ينبغي بالنسبة لمن نذروا أنفسهم للحقيقة ألا يفكِّروا أو يتعلّقوا بشيءٍ من هذه المقامات؛ فكل هذه الوظائف التي اؤتمنّا عليها ما هي إلا وسائل ووسائط في طريقنا الذي نسلكه لإيصال القلوب المحتاجة إلى الله ورسوله.

إذا جعلنا المناصب التي نمثلها الهدف الرئيسَ، فقد استبدلْنا الوسائلَ بالغايات، ولو أننا اتخذنا من هذه المناصب فرصةً للتعبير عن أنفسنا، وكي نُعرَف ونظهَرَ ونشتهرَ فسوف نسيء استخدام الأمانات التي تحملناها..

ولا سيما إذا استخدمنا ما لدينا من مناصب ورتبٍ من أجل تحقيق مكاسبَ شخصيّةٍ، ولَهَثْنا وراء حساباتنا الخاصة، فإن هذا يكون خيانةً صريحة، ماذا سيحدث لو لم نكن معروفين! طالما تحققت الأشياء التي حلمنا بها، وأنجزت المهام التي قضينا عمرنا من أجلها، ووصلنا إلى غايتنا التي نحن على استعداد للتضحية بأرواحنا من أجلها، وسما في أفقنا رضا الحق! لا يهم أن يُعرَف اسمُنا وسمعتُنا ما دام قد تحقّق الوفاء بالمسؤوليات التي يجب الوفاء بها، بل إن البقاء مجهولًا مغمورًا أسلم وأكثر أمانًا للنجاة من مرض العُجب والرياء.

أسباب الفوضى المعاصرة

من العوامل التي صرفت انتباهنا عن مصادر غذائنا الروحي أننا دخلنا في الحياة الاجتماعية، وانفتحنا على مشاغل مختلفة، وركضنا وراء خطط ومشاريع شتى، ومع مرور الزمن فقد طوَّقَتْنا هذه الوظائف التي شرعنا فيها معتبرين كلًّا منها ضرورةً؛ وتسلّلت بين القضايا الرئيسة في أحاديثنا ومخيّلتنا.. وهكذا ربما أننا -عندما اجتمعنا- تحدثنا عن أشياء كثيرة باسم الخدمة، لكننا نسينا قضيَّتنا المحوريّة التي يجب أن نتحدّث عنها ونركّز عليها، وقد قضى هذا أيضًا على حماسنا للقراءة والفهم والشعور بحاجتنا إليهما، بل إنه ظهر شعورٌ غريبٌ بالاستغناء عنهما لدى البعض على نحو: “ماذا يحدث لو قرأت هذا أو لم أقرأه! وماذا يحدث لو فهمت هذا أو لم أفهمه!” فظنوا أنهم يعرفون، رغم أنهم لا يعرفون.. وحلَّت الأشكالُ والقوالبُ والشكليّاتُ محلَّ المعنى والمحتوى والجوهر.. وكلما ابتعد الناس عن حقائق الإيمان -وهو الغذاء الأساسُ لقلوبِنا وحياتِنا الروحية- كلما بدأت تطلّ برأسها الأعطالُ والمشكِلات المختلِفة.

ومع أن التوسُّعات التي حدثت في مجالات مختلِفة كانت مكاسب مهمّة لصالح الخدمة؛ إلا أنها جذبت الأمر في الوقت نفسه إلى أرضية مختلفة؛ فتزامنًا مع التوسعات، بدأ بعضُ الناس في إطلاق سراح أنفسهم.. إنّ أشياءَ مثل افتتاح المراكز الإسلامية والحوارية والثقافية والمؤسسات التعليمية في دول مختلفة من العالم، والعملِ فيها كإداريين أو معلمين، وإقامةِ علاقاتٍ اجتماعيّة مع شرائحَ مختلفةٍ من المجتمع، والالتقاءِ برجال الدولة، والتعرُّفِ على أشخاصٍ من مختلَف الشرائح واحتضانِهم باسم التسامح والحوار؛ قد أخذَتْنا من عالمنا الخاصّ، وأبعدَتْنا عن بيئَتِنا الفكرية.. وكم هو مؤسفٌ أن الكثيرَ منّا يعيش اليوم مثل هذه الفوضى!

وخلاصة الكلام، إذا كنا نريد استعادة القوام الذي فقدناه، وإحياء حماس الناس وشوقهم، ولملمة الشمل من جديد؛ فيجب علينا الانفتاح من أجل العلم والبحث والحقيقة مرة أخرى، مثل أولئك الذين يشكّلون الصفّ الأول، ونكون على اتصالٍ وثيقٍ بموارد غذائنا الروحي مرة أخرى، ويجب أن نحاول خلق هذا الشوق لدى الجميع.. لذا يجب العثور على أنماط جديدة، وتطوير طرق مختلفة للقراءة، والقيام بكل ما يلزم لجذب وإثارة فضول الناس إلى الأعمال التي تعتبر المنهلَ العذبَ المورود بالنسبة لنا؛ فنشأةُ متطوّعين جدد نذروا أنفسهم لقضية إعلاء كلمة الله واستمرار هذا العالم لا يمكن أن يتحقّق إلا بهذا.

نعم، سننشئ بعضَ المنظمات ونطوّر بعضَ الأنظمة لتحقيق غايتنا المثالية التي نركض وراءها، لكن هذه قضايا ثانوية بالنسبة لنا؛ إذ يجب أن تركّز اجتماعاتُنا وتجمّعاتنا بشكلٍ أساسيّ على القراءة، والتعلّم والتعليم، وأن نطوّر أنفسنا والآخرين، ونواظبَ على أورادنا وأذكارنا.. والهدف من هذا كله هو رضا الله وإعلاء كلمة الله.

 

الموقف الثابت والأقنعة الساقطة

Herkul | | العربية

كلُّ مشكلةٍ ومعاناةٍ تعيشها تكون حبلى بالبهجة والسرور، وبالتالي يجب عليك أن تتحمل فترة الحمل.. فإذا كنت تريد أن يكون لديك ابنٌ كهالة النور وأن تضمّه إلى حضنك، فعليك أن تتحمل المتاعب التي ستتعرض لها قبل ذلك وأن تعمل على مواجهتها بصبرٍ، وهذا بالطبع ليس بالأمر السهل، ولكنك ستشعر بعد ذلك بفرحة تنسيك معاناتك السابقة، وعلى حدِّ قول الأستاذ سعيد النورسي فإنه “بعد انتهاء الأزمات تزول ألامها وتبقى لذّاتها”.

إن الصعوبات التي نواجهها في الحياة الشخصية والعائلية والاجتماعية مثل هذا تمامًا، وكما قيلَ: “بقدر الكدِّ تُكتَسب المعالي”؛ فإنه بقدر المعاناة والأزمات تُبلغ الجماليات والمقامات العُلا، ويُعبّر القرآن عن هذه الحقيقة بالآية الكريمة: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (سورة الشَّرْحِ: 94/6) بل إنه كلما كانت المصائب والأزمات شديدة، كلما كان ما يليها من راحةٍ وبِشرٍ وسرورٍ وهناءةٍ أوسع نطاقًا وأعمق وأكثر تشعُّبًا.. إنه يمنحك بهجةً تُنسيك ما عانيته من أزمات، تمامًا مثل الأمّ التي أنجبت طفلها، فتسترخي وترتاح بمشاعر شكر الله وحمده على النعم والبركات الواردة منه تعالى.

تعرّضَ العديد من الأنبياء وأتباعهم المخلصين عبر التاريخ لكل أنواع الإهانة والاضطهاد والتعذيب لمجرّد أنهم دعوا أقوامهم إلى الحق والحقيقة، ومن ذلك مثلًا نُصبت الصلبان لأولئك الذين واصلوا دعوة المسيح ورسالته، وحُفرت الخنادق المليئة بالنار، وما ذلك إلا لأنهم لا يشاركون الطغاة والظالمين الذين يعيشون في زمانهم المعتقدَ والفكرَ وفلسفةَ الحياة والنظرةَ للعالم نفسها، ومع ذلك فقد عضّوا على إيمانهم بالنواجذ وصبروا وثابروا في مواجهة كلِّ أنواع الشرّ التي مُورِست ضدّهم، ولم يرجعوا عن الطريق الذي سلكوه..

 لقد أدّوا المهمة التي تحمّلوها كما ينبغي وبإخلاصٍ جادّ ووعيٍ صادقٍ، وبذروا البذور بقدر استطاعتهم على الأراضي البكر.. إن هؤلاء الذين نذروا أنفسهم لهذه الغاية واتخذوا فلسفة الإحياء أساسًا لهم، لم يفكروا في أنفسهم قطّ، لقد تحمّلوا كلَّ المصاعب والمشقّات، وفي النهاية رحلوا عن هذا العالم الفاني تاركين العديد من الجماليّات أمانةً لمن خلفهم.

سيكون هناك أمثال “فرعون” و”النمرود” و”دقيانوس” في كلِّ عصر، وسوف يلجأُ أهلُ النفاق -الذين يغيّرون أساليبهم وطرقهم باستمرار- إلى كلّ الوسائل للتخلّص من القلوب المؤمنة، والزجّ بها في دوامة المصائب، والقضاء عليها.. وعندما نواصل بذلَ الجهود بإخلاصٍ وصدقٍ كي نبلّغ البشرية جمعاء بالحقائق التي نحبّها -بغض النظر عن المتاعب والمصائب التي تحلّ بنا- يوفّقنا الله في ذلك؛ لأنه لم يتخلّ قطُّ عن السائرين في طريقه، بل لا ينبغي لنا حتى أن نتشوّف لوقت حصاد البذور التي بذرناها، دعونا نبذر البذور، ونجهّز لها التربة والبيئة الملائمة، وليجمع ثمارها من يجمعها، ولينقلها إلى المخزن من ينقلها… لا ينبغي أن نهتم بهذا.

أما النقطة التي تحتاج أن نركز عليها أساسًا فهي ما إذا كان الطريق الذي نسير فيه يتوافق مع روح القرآن وسنة نبينا أم لا؟ فإذا كان ما نفعله موافقًا لرضا الله، وكانت روح سيد الأنام راضية عن هذه الأشياء؛ فيجب علينا ألا نُبالي بالضغوطات التي سنتعرض لها من قبل الظالمين والفسقة والمنافقين.. وعلينا أن نقف صامدين حيث نقف، ونتمسّك ونتحلّى بالصبر، ونركّز على مهمتنا الرئيسة دون أن نقع في تشتُّتٍ وفُرقة.. علاوة على ذلك يجب أن نعتبرَ التعرُّض للإهانة والتعذيب والاضطهاد من قبل الأشخاص الذين رهنوا حياتهم بالمصالح الدنيوية، فضلًا ولطفًا من الله، ونشكر الله أننا مختلفون عنهم، وأن نواصل طريقنا.. فهذا يعني أن الله يحبّنا ويختبرنا بمثل هؤلاء، وقد سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ: “الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ صُلْبَ الدِّينِ يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى قَدْرِ دِينِهِ، فَمَنْ ثَخُنَ دِينُهُ ثَخُنَ بَلَاؤُهُ، وَمَنْ ضَعُفَ دِينُهُ ضَعُفَ بَلَاؤُهُ”[1].

نعم، بعض الظالمين والطغاة الذين جعلوا من فعل الشر طبعًا فيهم لن يدَعوكم تهنؤون بالراحة أثناء السير في هذا الطريق؛ فسوف يشوّهون سمعتكم أحيانًا، ويهدّدونكم بالموت أحيانًا، وسيحاولون أحيانًا أخرى إخافتكم وترهيبكم وإثناءكم عن طريقكم بالتعذيب والإيذاء، وهنا سيغيّر بعضُ الأشخاص من ضعافِ المناعة جبهَتهم عند مواجهة ضغطٍ بسيطٍ، وبعضُهُم سيغترُّ بالأعراض الدنيوية الفانية وينخدع بالمناصب والمقامات، وبعضهم سيتخلى عنكم في أكثر الفترات حرجًا فيُفضّل أن يكون إلى جانب القوة والسلطة؛ فتتعرّضون للخيانة حيث تتوقّعون الولاء والوفاء، ومع ذلك ستمنحكم كلُّ هذه الأحداث فرصةً كي تعرفوا الناس من حولكم بشخصيّاتهم الحقيقية، وسيتبين الوفي من الخائن، والمؤمن من المنافق، وستعرفون القيمة الحقيقية للناس.

إنها لنعمةٌ عظيمةٌ من الله أن يكشف لكم الناس بعوالمهم الداخلية وطبائعهم الأساسية؛ إذ لا يمكنكم التعرّف على الناس بشخصياتهم الحقيقية في أوقات السعة والرخاء، فلا يمكن حملُ دعوة الإيمان والقرآن إلا من قبل أناسٍ فدائيين صادقين وصابرين لا يملّون، ويستحيل تكليف الشخصيات الضعيفة بالقضايا الكبرى، وعلى حدّ قول يونس أمره: “إن هذا الطريق بعيدٌ، ومنازله كثيرةٌ، وليس هناك جسْرٌ، وهناك مياهٌ عميقة”، وهكذا فإن الله تعالى يكشف لكم في مثل هذه الأوقات الصعبة الأشخاصَ الذين لن يستطيعوا السير معكم ولا مرافقتكم في هذه الرحلة الطويلة، ويعطيكم رسالةً مفادُها أنه يجب عليكم توخّي الحذر من هؤلاء.. إنه يفضح لكم أمثال “ابْن أُبَىّ بن سلول” ويحذّركم منهم، ففي هذه الأوقات الصعبة ستعرفون مع مَن يمكنكم أو لا يمكنكم المسير في الطريق الطويل الذي سلكتموه.

والواقع أننا مأمورون بحسن الظنّ في الجميع، ومن واجبنا أن نفتح قلوبنا لكلّ من يلجأ إلينا، ونصفح عن كل من يطلب الصفح، ونعامل الجميع بإنسانية، وأن نقترب خطوات إلى من يدنو منا خطوة واحدة، لذلك فإننا سنفتح قلوبنا لهؤلاء في المستقبل ولن نحرمهم من التبسم الذي هو صدقة، فالمؤمن إنسان ذو مروءة وهو راقٍ ونبيلٌ؛ لا يخدع أحدًا حتى وإن خُدِع، ولا يتحرك بمشاعر الحقد والضغينة والانتقام، إلا أنه لا يتخلى أبدًا عن الحيطة والحذر تجاه من انقلبوا عليه وخانوه ولو مرة، لاحتمالية أن يُعيدوا الكرة، لا يسمح لهم بانتهاك سلامة خطِّ السير في طريقه الطويل؛ فالمؤمن لا يُلدغ من جُحرٍ مرتين؛ فيأخذ جميع الاحتياطات اللازمة حتى لا ينخدع مرّة أخرى من الأشخاص أنفسهم، إنه لا يسمح للمنافقين -الذين يبدون في الظاهر أنهم على الحقّ- بأن يخدعوه ويُضلّوه ويُفسدوه.

والخلاصة أن كل إنسان يفعل ما تُمليه عليه شخصيته؛ فالبائسون الذين استسلموا لأحقادهم وضغائنهم، ولم يستطيعوا التخلّص من مرض الحسد والحقد، ويتحركون بوخزِ الشيطان وإغوائه؛ سيخطّطون لمؤامرات لا يمكن تصوّرها كي يُضلّوا من يسيرون على طريق الأنبياء، وواجبُنا إزاء هجماتهم هذه هو التحرك معًا في وفاق واتفاق كاملٍ مستمسِكين بعضنا مع بعض مثل “البنيان المرصوص”، لدرجة أنه لو حاول حتى خمسون تيّارًا مفسِدًا فصلَ بعضنا عن بعض لاستعصى ذلك عليهم.

بالإضافة إلى ذلك، يجب ألا نشعر بالهلع أو الذعر في مواجهة المتاعب والصعوبات التي نتعرض لها، ويجب أن نعلم جيدًا أنه حتى لو اجتمع كلُّ شياطين الدنيا، فلا يمكنهم أن يؤذونا أو يُبعِدونا عن الطريق الذي نسير فيه إلا بإذن الله، ومن ثم لا داعي للذعر واليأس والخوف، بل علينا أن نتحلى بالشجاعة، ونحافظ على أملنا، بل وأن نكون مصدرًا للأمل لكل من حولنا.. بالإضافة إلى ذلك يجب علينا أن نحاول الاستفادة من الفرص والإمكانات التي وضعها الله أمامنا، وعلينا -إذا لزم الأمر- أن نعمل في الأسواق بالحدادة وتلميع الأحذية وحبك الحبال كي نواصل حمل دعوة الإيمان والقرآن التي نؤمن بصدقها من صميم قلوبنا.

[1] مسند الإمام أحمد، 3/128؛ الحاكم: المستدرك على الصحيحين، 1/99.

مقارنة حركة الخدمة بالمشارب الأخرى

Herkul | | العربية

سؤال: تُجرى اليوم مقارنات بين حركة الخدمة والحركات والمذاهب الفلسفية الأخرى للكشف عن أوجه التشابه بينهم، فما رأيكم في هذه المسألة؟

الجواب: عند مقارنة حركة ما أو مشرب أو طائفة ما بفلسفتها الخاصة ببعض المذاهب الأخرى فقد تظهر بعض أوجه التشابه، وسرعان ما نجد من يدّعون بأن هذه الحركة قد استلهمت أفكارها من ذلك المذهب، أو استفادت منه، أو تأثرت به. وأغلب هذه التقييمات ذاتية شخصية، تختلف وفقًا لوجهة نظر القائمين عليها، ولا أحد يدري حقيقة الأمر بالفعل، ومن الممكن تشبيه ذلك بالشعر الذي مهما تبارى الشارحون في شرحه فإنهم في النهاية يقولون: “المعنى في بطن الشاعر”.

وكذلك الحال بالنسبة لمن ينظرون إلى حركة الخدمة فإنهم يعملون على إقامة علاقة بينها وبين غيرها من الهياكل والمنظمات الأخرى، فيصلون إلى بعض النتائج التي تتوافق مع أفكارهم وتجاربهم ورغباتهم وتطلعاتهم، والحال أن إنشاء حوار بين أناس من ذوي الأفكار المختلفة هو أحد مجالات أنشطة الخدمة وأهدافها الرئيسة، ذلك أن من أهم القيم التي ترعاها الخدمة: احترام الاختلاف، ووضع حلولٍ وسطٍ للمشاكل المشتركة، وتطوير ثقافة التوافق والتعاون المشترك، وإنشاء عالم خالٍ من الصراع.. وأي باحث يدقق النظر في هذه القيم يمكن أن يصل إلى بعض الاستنتاجات الخاصة به، وقد يفكر في إقامة علاقة بين الخدمة وبين بعض المنظمات التي تدعم الأنظمة الحوارية.

مفهوم الحوار لدينا

ولكن بدون فهم البنية الفكرية لأي حركة ومعرفة أهدافها واستيعاب المقومات الرئيسة التي توجهها بشكل تام؛ فإن أي تقييم يُجرى حول ماهية هذه الحركة ومعرفة أوجه التشابه والاختلاف بينها وبين غيرها سيكون ضحلًا وسطحيًّا، واحتمالية صحّته ضعيفة للغاية، دعونا مثلًا نواصل كلامنا حول مثال الحوار الذي طرحناه آنفًا؛ ما الذي نفهمه من هذه الكلمة؟ وما الهدف الذي نصبو إليه بهذا الحوار؟ وما الوسائل التي نفضِّل استخدامها عند تحقيقه؟ لا بد أن نعرف هذا جيّدًا منذ البداية.

ولنفصِّل القول قليلًا في هذه المسألة فلنقلْ: إننا نرغب في عالمٍ يعيش فيه الناس في أمن وسلام؛ عالمٍ خالٍ من العنف والصراع والخلاف، ومن أجل إنشاء هذا العالم نستفرغ جميع طاقاتنا ونبذل كل جهدنا؛ لأننا نعتبر أن كل ما نقوم به من أنشطة في هذا السبيل يرجع أولًا إلى إذعاننا لأمر الله تعالى، واعتقادنا بأن في ذلك رضا الله عز وجل الذي نسعى لنيله والفوز به.

إن لدينا غايةً قوميّة، ومكتسباتٍ حيويةً، وثقافةً غنيةً، وقيمًا منفتحةً على الخارج، كلها منبعثة من مصادرنا الدينية؛ بمعنى أننا نحمل أمانة مقدسة على ظهورنا؛ ونرغب في تعريف الناس بها، كي يستفيدوا منها، إن غايتنا هي تعريف الناس بفكرة العدل والإنصاف التي نتبناها، ومشاعر الحب والشفقة التي نحملها في قلوبنا، والفلسفة الحياتية التي نرعاها، وتوصيل اسم مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم إلى كل مكان؛ لأن الإنسانية إذا تعرفت على هذه القيم ستتقبلها بقبول حسن، مما يعود عليها بالخير العميم والنفع الكبير.

لكننا نعلم جيدًا أنه من العسير للغاية تبادُل العلوم والمعارف، والاستفادة من خبرات الحضارات والثقافات المختلفة دون حوارٍ أو تعارفٍ، لا سيما إذا تحكمت مشاعر العداوة والكراهية فيمن ينتمون إلى جنسيات مختلفة وديانات وثقافات أخرى؛ فأخطؤوا في التعارف على بعضهم، ورأى بعضُهم بعضًا متوحّشين؛ فعندها لن يتقبّلوا أيَّ شيءٍ يأتي من الآخر، وإن انتزاع هذه الأحكام المسبقة، والقضاء على مشاعر العداوة التي تراكمت على مرّ العصور؛ متوقّفٌ على التعارف عن قرب، فالتعايش مع الآخر يتيح الفرصة للآخرين للتعرف عليكم وعلى حياتكم الفردية والأسرية والاجتماعية، فإن استطعتم تمثيل القيم التي توارثتموها عن جذوركم المعنوية على الوجه اللائق، وحرصتم على إبراز هذا التمثيل على الدوام؛ فسيتحقّق نوع من التفاعل والقبول الفطري بطبيعة الحال؛ حتى وإن لم تشرحوا لهم أي شيء.. وإن لم يحدث هذا أيضًا فستكونون على الأقل قد عرَّفتم بأنفسكم وقيمكم الذاتية على الوجه الصحيح، وحُلتم دون نقلها بشكل خاطئ.

ومَن يدري ربما يفتح هذا الحوارُ البابَ على انفتاح جديدة بين الثقافات، وتشعر الإنسانية بالحاجة إلى مراجعة أفكارها وفلسفاتها الحياتية ورؤاها العالمية التي تبنّتها حتى الآن مرة أخرى، وربما يعيد المفكرون والمثقفون النظر في فلسفاتهم ووجهات نظرهم التي تبنوها حتى اليوم، وهكذا فإننا عندما نقوم بالحوار فإننا نراعي كل هذه الملاحظات والاعتبارات.

فالوظيفة التي تقع على عاتقنا هي تهيئة الأجواء المناسبة ليتعرّف الناسُ على بعضهم بشكلٍ صحيح، وفهمهم لبعضهم، وإزالة العقبات التي تعترض حرية الفكر، أما الإيمان والهداية فرؤيتنا العامة لهذه المسألة منوطٌ بتعريف الإيمان في الدين، فالدين هو مجموعة من الأنظمة الإلهية التي تسوق أولي الألباب إلى الخير بإرادتهم الحرة، والآية الكريمة ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (سورة البَقَرَةِ: 2/256) تشير إلى مبدإٍ مهمّ للغاية وهو تحريم جميع أنواع الإكراه والقمع في الدين.

وفضلًا عن القمع والإكراه فإن الديماغوجية والجدل والدعاية وإدارة الانطباع وغير ذلك من المناهج المتسلطة لا تصلح أن تكون وسائل مشروعة في شرح الحقائق الدينية، والواقع أن القيم الصحيحة في جوهرها وذاتيتها لا تحتاج لذلك، أما الأفكار التي أصابها الانحراف والتشويه في ذاتها فيُراد فرضها على الآخرين بالقوة والإكراه.. فإن لم يكن لديكم شكٌّ في أفكاركم وقيمكم ورؤاكم العالمية فلا داعي للقلق بشأن إعجاب الآخرين بها أو عدم إعجابهم عند عرضها عليهم، عليكم أن تخلّوا بين الناس وبين إرادتهم الحرة، بل عليكم أن تتعاملوا بموضوعية في هذه المسألة، وتطرحوا على الذين يريدون أن ينضموا إليكم هذه الأسئلة: “إنكم الآن تتخلون عن القيم التي كنتم تحترمونها وتسلّمون بصحتها حتى الآن، وتُقبلون على منظومة قيم جديدة، فهل أنتم عازمون على ذلك؟ وهل فكّرتم وقدّرتم؟ وما الضرر الذي لحق بكم مما كنتم عليه؟ وما نوع التميز والأفضلية التي تجدونها عندنا حتى تتخذوا مثل هذا القرار؟ وبمثل هذه الأسئلة التي تدعونهم فيها إلى تقييم المسألة من جديد تضمنوا قبولهم لمنظومة القيم هذه على أساس سليم.

وبهذا الأسلوب تحولون دون أن يتخذوا هذا القرار في لحظة مؤقتة، أو ينقلبوا على أعقابهم مرة أخرى، عند ذلك ثقوا بأنكم ستجدون من يُقبل على هذا الأمر بصدق وطيب نفس؛ لأن الناس إن لم تأتكم بقلبها وطيب خاطرها فسيتسببون في المشاكل لاحقًا، ولن يتحملوا الاستمرار في هذا الأمر لفترة طويلة، فكما رأينا فإن إيمان الناس، أو قبولهم لدين أو معتقد أو نظام فكري؛ هو شيء يجب القيام به بإرادتهم الحرة وبمحض اختيارهم.

وهكذا فإن ما نحاول القيام به من خلال الحوار هو القضاء على السلبيات المنتشرة في عالم الإنسانية مثل العنف والعداوة والتعصّب والإرهاب والحرب، والإسهام في هيمنة الصلح والسلام على كل أرجاء العالم، وإزالة العقبات التي تمنع الناس من التعرف على القيم الخاصة بالديانات والثقافات الأخرى والاستفادة منها، إننا نريد من خلال الحوار أن نذهب إلى كلِّ الأرجاء، ونتعرّف على الناس، ونعرّفهم بقيمنا الإنسانية العالمية، ونستفيد من الجماليات التي يتحلى بها الآخرون.

وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مرشدنا وهادينا في هذا السبيل، يقول صلى الله عليه وسلم: “لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الْأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ”[1]، ففي هذا الحديث إخبار عن أمرٍ غيبي، وتوجيهٌ لهدفٍ عظيم، فالوظيفة التي تقع على عاتق أمتي هي توصيل الروح المحمدية والمعاني القرآنية إلى كل بقاع العالم، وتبليغهما إلى كل القلوب الظامئة المحرومة، ففي رأينا أن هذا واجبٌ ومسؤوليةٌ، وتقديرٌ يجب الوفاء به إزاء العديد من النعم التي تحفّنا من كل مكان، أما مسألة القبول من عدمه فهي متروكة للمخاطبين.

ومن الباحثين من يقيّمون فعاليات الحوار التي نقوم بها بهذه الغاية وعلى هذا النحو الآن من وجهة نظر خارجية، ولا يستطيعون أن يُدركوا تمامًا المسائل التي حاولنا التعبير عنها، ومن الناس من لم يتعرفوا عليكم وعلى مشاعركم وأفكاركم، فيقارنون بين جهودكم ومساعيكم وبين الديانات والأيدولوجيات المختلفة، ويرونها أحيانًا نوعًا من النشاط التبشيري، ويتوهّم آخرون بأنكم ترومون إلى تحقيق أهداف سياسية، وبعضهم يضعونكم في أنماط وقوالب ابتدعوها من أجل التعريف بالحركات المختلفة حتى اليوم، وبعضهم يحددون نقاط الاتفاق بين ما طرحتموه من أفكار حول الفكر والعمل وبين ما طرحه الآخرون من أفكار حول الحوار، ويجرون تحليلاتهم وفقًا لذلك.

محبتنا للإنسان

قد ينشأ الموقف نفسه في نظرة الآخرين إلى فكرتكم للعدالة وفهمكم للتربية ورؤيتكم للإنسان وفلسفتكم للقانون ورؤيتكم للعالم، فقد يجد بعض الباحثين تشابهًا ما بين بعض التيارات الفلسفية والتجارب البشرية المختلفة وبين مقارباتكم في مثل هذه المسائل، فيحاولون إدراجكم معهم في نفس التصنيف.. على سبيل المثال قد يماثلون بين رؤيتكم للإنسان وبين مفهوم “الإنسانية” الرائج لدى الغرب، فهذا وإن كان صحيحًا جزئيًّا فإنه قاصرٌ في الوقت ذاته؛ لأنه على النقيض من الطابع العلماني لـ”الإنسانية” الغربية، فإن رؤيتنا للإنسان تقوم على حقيقة الوحي؛ فإننا مثلًا نرى الإنسان محلَّ نظر الله وعنايته، وزبدة الكون، سخر الله له عالم الشهادة المادي، واستخلفه في أرضه، ونفخ فيه من روحه، وجعله في مقام رفيع سام، وعلى ذلك فإن فكرة تكريم المخلوق الذي كرَّمه الله هي أساس حبنا للإنسان، من جانب آخر فإننا نتعامل مع جميع الكون لا سيما الإنسان بمحبة وشفقة ورحمة لأن الله أمر بذلك، فمن الصعب أن تراعي العلمانيةُ كلَّ هذه الاعتبارات، وتحيط بكل هذه الملاحظات.

وبغض النظر عن مدى تحلي هذه الدراسات بحسن النية فمن الصعب جدًّا تنزيه التعليقات والتقييمات من أوجه القصور أو الأخطاء ما لم تتحلّ بنظرة شاملة وعالمية أو لم تُقيَّم القضية ضمن أصلها ومنشئها، خاصة إذا تم النظر إلى المشكلة بتحيز وحكم مسبق مشروط؛ فستكون المنتجات الخارجة بعيدة عن الواقع.

من جانب آخر يجب أن نسلِّم بدايةً أن ثمة اختلافات ستنطوي عليها ملاحظات البعض وتقييماتهم وفقًا لمعارفهم وتجاربهم، وأن الجميع سيكتب ما يراه من منظوره الخاص؛ وذلك لأنه ليس بالإمكان ألا يتأثر القارئون والدارسون والمفكرون بالأفكار التي اشتغلوا بها، والتيارات التي انخرطوا فيها.. ولذلك سيطرحون تعليقاتهم وتقييماتهم وفقًا لذلك.

وفي هذا السياق نؤكد على ملاحظة خاصة بالحكمة من كون سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أميًّا، وإن كنتُ أستحيي من إسناد مصطلح الأمية إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن كون رسول الله صلى الله عليه وسلم أميًّا يؤكد على أن ذهنه لم يتلوّث بالأفكار والفلسفات الأخرى، وبالتالي لم يخضع لتأثيرها في تفسيره لأحكام الدين، ولم يخالط أيُّ شيءٍ حقيقةَ الوحي؛ حيث إن ربنا سبحانه وتعالى لم يسمح بأن تخالط ذهنَ نبيه المبارك الأفكارُ الأخرى من أجل المحافظة على صفاء دين الإسلام المبين ونقائه وطهارته، وعلى ما ينطوي عليه من جوانب إلهية وسماوية.. فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرف جيدًا لغةَ العرب؛ أي لغة الوحي الذي سينزل فيما بعد، ولكن حتى لا يختلط ما هو سماوي بتراب الأرض وغبارها حيل بينه صلى الله عليه وسلم وبين النظم المعرفية التي ظلت خارجه.

أما نحن فإننا عندما نقرأ أعمالَ ومؤلّفاتِ المفكّرين والفلاسفة الآخرين نقع تحت تأثير الأيديولوجيات والنظريات والتيارات الفكرية المختلفة، بل إننا قد نعتنق أحدها مباشرة، ونتعامل مع المسائل من منظور مفاهيمها وتعاريفها، وحتى القامات الشامخة من العلماء لم يستطيعوا التخلص مع الأسف من تأثير هذه الأشياء.. والواقع أن هذه حقيقة تاريخية وبشريّة مسلّم بها، فحتى الآن تتأثر الأفكار دائمًا ببعضها البعض؛ ذلك أن عملية تمرير الأفكار على مصفاة الوحي، واختبارها بمحاكمات الدين؛ ليس بالأمر الذي يوفَّق إليه الجميع، ولذلك قد يختلط أحيانًا الصحيح بالخطإ والحقُّ بالباطل، ولا تُستخدَم المفاهيم في محلِّها، ولا تعكس التعريفات والأحكام المقدّمة الحقيقة بالكامل، فيجب أن تؤخذ كل هذا الجوانب بعين الاعتبار عند إجراء الدراسات.

الدراسات المنعقدة في الداخل والخارج

وهنا أنبّه على أن التقييمات التي يقوم بها مَن لا يتبوّؤون مكانًا بين أي حركة أو جماعة، ولا يتنفسون جوّها، ولا يشاركونها مشاعرها وأفكارها؛ ستظلّ دائمًا ناقصةً من جهةٍ ما. ورغم ذلك فإننا نقع في المحذور عندما لا نعبأ كثيرًا بالتقييمات التي تنطلق من داخلنا؛ فمع الأسف نتصوّر دومًا أن من ينشؤون بيننا لن يكبروا ولن يشتدّ عودهم أبدًا، بل وأحيانًا لا نلاحظ أنهم قد كبروا، وحتى وإن نشأ بيننا أمثال الإمام الغزالي والإمام الرباني فسنظل ننظر إليهم على أنهم “أبناء الأمس”، ومهما ارتقت درجاتهم نراهم صغارًا وأناسًا عاديين، على حين أن من نتعرف عليهم في الخارج نبالغ في إكرامهم وتقديرهم، والشدّ على أيديهم، ووضعهم في المكان اللائق بهم.

أجل، قد لا يستطيع من بالداخل أن يعقدوا مقارنةً صحيحةً بين الداخل والخارج انطلاقًا من الحالة الروحية التي يكتسبونها من الداخل، كحال السمك الذي لا يستطيع تمييز السمك لأنه في البحر، وكما لا يستطيع الإنسان الذي يجد نفسه في نور باهر أن يدرك حدود الضياء أو يعرف قيمته وقدره؛ فكذلك الذين يجدون أنفسهم ضمن تيار معين ولا يرون التيارات الأخرى؛ لا يستطيعون أن يشعروا باختلافه أو يقيسوا عمقه، أو يدركوا بقدر الكفاية الأشياء التي وعدهم بها، في حين أن الآخرين في الخارج يتساءلون عن مصدر وطبيعة وماهية الشيء الجديد الذي يرونه، ويجرون عليه دراساتهم.

ولا نفهم من هذه الملاحظات والإيضاحات التي بيّنّاها حتى الآن أننا نتبنّى موقفًا سلبيًّا إزاء إجراء أيّ دراسة حول الخدمة أو عقد مقارنة بينها وبين التيارات والحركات والفلسفات الأخرى، لقد حاولنا فقط لفت الانتباه إلى الصعوبات التي قد تحول دون سلامة وموضوعية التقييمات التي تكشفها هذه الدراسات، وخلاف ذلك يمكن إنشاء العديد من العلاقات بين هذه الحركة وبين مختلف الأفراد والمنظمات والأيديولوجيات، ويمكن تقديم تحليلات وتفسيرات مختلفة بهذا الشأن.

وعلينا أن نحاول الاستفادة من مثل هذه الدراسات؛ فلا بد أن للعقل والمنطق والمحاكمة العقلية حكمة ما، والاستغلال الجيد لهذه المهارات يوصِّل إلى نتائج في غاية الأهمية، ولكن ليس من الصحيح نسبة “الخدمة” إلى شيءٍ ما، أو ربطها بحركة أخرى؛ اعتمادًا على وجود بعض أوجه التشابه بين الحركات وبعضها، فالمسألة تدخل ضمن مفهوم “توارد الخواطر” الشائع في الأدب؛ فقد يتفق أن تتشابه صياغة شاعرين لمصراع واحد دون أن يعلم أحدهما عن الآخر شيئًا، وبالمثل قد يكون لدى بعض الناس أو الطوائف نفس المحبة، ويحملون نفس الكدر، ويشعرون في أرواحهم بنفس الهم تجاه المشاكل؛ فيقدمون مقاربات وممارسات عملية وفكرية مماثلة رغم اختلاف الأماكن والأزمنة.. وعند النظر إلى أفكار بعض الفلاسفة اليونانيين فسنلاحظ أن هناك مقاربات مهمة تتطابق مع الوحي الذي جاء به الأنبياء عليهم السلام، ونعتقد أن إصابتهم في اجتهاداتهم التي قدّموها ترجع إلى قلوبهم النقية، وعقولهم الطاهرة، ومحاكماتهم العقلية السليمة.

[1] مسند الإمام أحمد، 28/155، الطبراني: المعجم الكبير، 2/58.

الذنب والبلاء والدعاء

Herkul | | العربية

إن الأمة والبشرية تمرّ بمرحلةٍ حرجةٍ للغاية؛ فمن جهةٍ ثمّة حاجة إلى تقييم النقاط المصيرية تقييمًا جيدًا للغاية واتخاذ قرارات صائبة ودقيقة جدًّا، ومن جهة أخرى ثمة حاجة ملحّةٌ إلى التوجّه إلى الله بالدعاء، وإن الأشخاص المنشغلين بأنفسهم وبمشاكلهم الخاصّة فقط قد لا تعنيهم المشكلات العامة؛ إذ يمكنهم بطريقة أو بأخرى أن يجدوا المكان الذي يمكنهم العيش فيه، ولكن المهمومين الذين يُحيون البشرية جمعاء في صدروهم، يرون كلَّ مشكلةٍ تحدث في المحيط الكبير مرتبطةً بهم ارتباطًا مباشرًا، فإن منطقة جغرافية شاسعة قد لا تكفي بالنسبة لهم.

وبما أن الله جل جلاله يقول: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ (سورة الشورى: 30/42) فعلينا أن نحاسب أنفسنا ونلجأ إلى الله بالتوبة والاستغفار إزاء ما نواجه من مصائب سواء على المستوى الشخصي أو الأسري أو الوطني أو الإنساني؛ لأن المشاكل التي نتعرض لها في المحيط الضيق أو الواسع إذا كانت تتأتى من بعض أخطائنا وعيوبنا فهذا يعني أننا انتهكنا حقًّا من حقوق الله أو العباد، عمدًا كان أو خطأً.. لهذا السبب يجب أولًا أن نحاسب أنفسنا، وأن نبحث عن طرق تصحيح واستدراك الأخطاء التي اكتشفنا أننا ارتكبناها، ثم نستغفر الله ونطلب منه العفو والصفح.

والواقع أن هذه هي الحقيقة التي علّمتنا إياها أدعيةُ الأنبياء في القرآن الكريم؛ ذلك أن سيدنا موسى عليه السلام لما تسبب في موت شخص بالخطإ، أناب إلى الحق تعالى واستغفر بقوله: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ (سورة القَصَصِ: 28/16)، مبينًا أنه تجاوز الإطار الذي قدّره وحدّده له الحق تعالى.

وبالشكل نفسه يقول سيدنا يونس عليه السلام: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (سورة الأَنْبِيَاءِ: 21/87) حيث يرى زلة صغيرة خاصة بالأنبياء العظام جرمًا كبيرًا، ويؤكد هذا بقوله “إني كنت من الظالمين”.

وبالمثل فقد عبر آدم عليه السلام بقوله: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (سورة الأَعْرَافِ: 7/23) أنه لم يستطع الوفاء بالحقوق التي يجب عليه أداؤها والوفاء بها، وأنه تجاوز الخط الذي رُسم له.

وعندما سأل سيدنا أبو بكر رضي الله عنه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم دعاءً خاصًّا به فإن النبي علّمه دعاءً يؤكد الحقيقة نفسها فقال: “قل: اللَّهمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ[1].

لا يُتصوّر أن يصدر ذنبٌ طوعًا وعمدًا عن الأنبياء المباركين الذين أرسلهم الله دليلًا وهداةً للبشرية ولا عن خادم صادق من خدام باب النبوة مثل أبي بكر الصديق، ومع ذلك فإنهم عرضوا حالهم على الله تعالى وتمثلوا عبارة “التقصير منا، والعفو منك”، وكما أكّد ربنا في أكثر من موضع من القرآن الكريم فإن الله لا يظلم عباده ولو مثقال ذرة، ولا يجور عليهم، وكل ما قدّره لعباده عدلٌ، فإن كان هناك ظلم فهو من العباد، إما أنه وقع على أيديهم مباشرةً أو أنّ بعض أخطائهم تسبّبت في ذلك.

نعم، إن اعتراف الإنسان بالظلم والخطإ رافعًا يديه أمام الله وسيلةٌ مهمّة للغاية من أجل نيل المغفرة والرحمة، وعليه فإنه من الأهمية بمكان أن يلجأ المؤمنون إلى الله سبحانه وتعالى ويتوجهوا إليه، ولا سيما عندما تنهال الابتلاءات والمشكلات على رؤوسنا كالمطر، فإن لم ندرك أن هذه المشكلات من عند أنفسنا وأخذنا نبحث باستمرار عن مجرمين وظالمين آخرين؛ فستستمر تلك الابتلاءات.. ولكننا إذا اعتبرنا أنفسنا مسؤولين عنها وعزونا العيوبَ إلى أنفسنا، فإن الله يرحمنا ويفتح أمامنا سبلَ التخلّص من المشاكل التي نتعرّض لها.

يجب ألا ننسى أننا بشرٌ عاديّون ولسنا أنبياء؛ فقد خلق الله الأنبياءَ معصومين، ولم يعطهم فرصة للخطيئة.. وقطع عليهم الطرق المؤدية إلى المعصية وكأنه قال: “هذا طريق مسدود”.. لهذا السبب لم يكن هناك ميلٌ متعمّد في حياة الأنبياء الذين وُلدوا مصطفَين أطهارًا.. فإذا ما وقعوا في خطإ اجتهاديّ -وهذا نادر جدًّا- نبّههم ربنا سبحانه وتعالى على الفور، ولم يسمح لأخطائهم بأن تكون دائمة.. فقدرتهم على أن يكونوا هداة ومرشدين كاملين خالين من العيوب أمام البشرية جمعاء أمرٌ مرهون بهذا.. أما نحن فليس لدينا صفة “العصمة” هذه، لذلك لسنا محميّين من الأخطاء والمعاصي، وحتى وإن وصلنا إلى درجة الأولياء والأصفياء -الذين هم عباد الله وخاصته- فقد نخطئ أيضًا، ذلك أن هناك العديد من الأشخاص الذين كانوا يعرفون حقيقة الألوهية والربوبية هووا وسقطوا في جهنم مثل “بلعم بن باعوراء” و”برصيصا”، فلم ينفعهم ما حصَّلوا من معرفة وعلم ولا الأعمال الصالحة التي قاموا بها من قبل.

وقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم في أحد أحاديثه: “كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ[2]، وهذا يعني أن البشر كلهم أُرسلوا إلى هذه الدنيا ولديهم الاستعداد للخطإ؛ ففي طبائعهم دوافع للخطإ، وإن كان هناك ما يقلّل هذا الشرّ إلى أدنى مستوياته، فإنما هو التوجه إلى الاستقامة والتوبة والاستغفار دون الركون إلى المعصية والإصرار عليها.. وبما أننا خُلقنا بطبيعتنا عرضة لارتكاب الأخطاء والذنوب، فلا بد أن نعرف كيف نراجع أنفسنا مرات ومرات في مواجهة المشاكل والمتاعب، ونعزوها إلى تقصيرنا ونلجأ إلى الله تعالى.

كما يجب التنبّه إلى أن إدراك الإنسان أخطاءه سيجنّبه التوهّم بأن الله مدينٌ له، وبأن أعماله وعباداته الدنيوية تستحقّ الجنة إلزامًا، فمن يعلم ويرى عيوبه يتواضع ويذلّ أمام الله، ويتلوّى ندمًا وألمًا واستغفارًا، والمؤمن الذي يعتقد أنه لم يستطع بعدُ أن يؤدي شكر النعم التي نالها ولم يستطع إظهار الحساسية اللازمة ومراعاة أوامر الله ونواهيه، سوف يستحي أن يطلب من الله شيئًا.

فإن لجوءَ المؤمن الذي آمن بالله صدقًا وحقًّا إلى الله قائلًا ما قاله أحد الصالحين في مناجاته: “يا إلهي يأتيك الجميع بأكوام من الحسنات، أما أنا فأتيتك بخطاياي التي قصمت ظهري”، واستغفارَه الله وطلبَه العفو منه أمرٌ مهمٌّ للغاية؛ فمثل هذا الرجل يعرف حدوده أمام الله، ويعيش بحذرٍ دائم، ويمرّغ وجهه على الأرض في السجود طالبًا المغفرة، فلا يتجرّأ على الله ويبتعد عن الوقاحة وسوء الأدب، ولا يمكن أن ينفصل عن شعور العبودية ولو للحظة، ويُستَحسَنُ مثل هذا الموقف أمام الحضرة الإلهية كي يرفعَ الله عنا المتاعب والمصائب التي تحلّ بنا.

وكما هو معلوم، فقد أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج لدعاء الاستسقاء عند التعرّض للمجاعة والجفاف، والدعاء بما يجلب الرحمة الإلهية[3]، فتُقلب الأيدي في دعاء الاستسقاء، وكذلك الملابس، ويُؤخذ الأطفال وكبار السن إلى ساحة الدعاء، حتى الحيوانات فإن أمكنَ اصطحابُها تُصطَحَب، وفي هذه الحالة يُرفع إلى الحقّ تعالى بِلُغةِ الحال ما يعانيه الإنسان من خرابٍ وفاقةٍ وضيق، وهو بذلك أعلم.

فإن كان الله سبحانه وتعالى يمتحننا بسبب خطايانا، فواجبنا أن نحاول التطهر والتنقي بالركض إلى ينابيع التوبة والدعاء ودوام التضرع إليه، وينبغي لكل كلمة نقولها في الدعاء أن تكون صوت قلوبنا، وألا نهتم باستخدام كلمات براقة حفظناها من قبل، وألا ننخرط في التصنّع بألفاظ لَأْلَاءَه؛ على العكس من ذلك، يجب أن نتوجّه إلى ربنا بقلوبنا الطاهرة الصافية والمتحمسة، ونعبر عن إخلاصنا وصدقنا.

ربّما تتسبّب جرائمنا وأخطاؤنا الشخصية في مشاكل عامة، وهنا يحتاج الجميع إلى مراجعة أنفسهم، فهناك بعض الناس يُعتبر كل واحد منهم أملًا بالنسبة للمجتمع، فقد علَّق الناسُ آمالهم عليهم واعتقدوا أن أشياء جيدة وفجرًا جديدًا سيتحقّق مع خدماتهم.. وإن عدم قدرتهم على تقديم التمثيل اللازم، وعجزَهم عن الوفاء بحقّ مواقعهم، وخطأَهم ودخولَهم في مسارات خاطئةٍ يؤدي إلى اضطراب خطيرٍ في المجتمع.. ويبدو الأمر كما لو أن المنارات التي تكشف الطريق وتحدد الاتجاه للسفن قد انطفأت؛ فلم يعد يتّضح إلى أين ستذهب وأين سترسو هذه السفن العملاقة، ومن هنا فقد يؤدي فقدان الاتزان لدى الأشخاص الذين أحرزوا نقاطًا معينة إلى انقطاع الرحمة الإلهية تمامًا.. لسنا أنبياء، ويمكننا جميعًا أن نخطئ، كما يمكن أن تعود علينا الأخطاء في صورة مصائب، فلا يداخلنكم شكٌّ في ذلك.

يقول الأستاذ بديع الزمان: يُحتمل بقوة بالنسبة للشخص الذي يهوي من قمة برج الإخلاص أن يسقط في حفرة عميقة، وليس على أرض عاديّة مستوية؛ لأنه كلما كانت الألطاف والنعم التي يحظى بها الشخص عظيمةً، كلما كان خطر السقوط على أرضية سيئة عظيمًا، فالمغنم بالمغرم، وعندما يرتكب شخصٌ عُيِّن في غرفة الحريم وقاحةً صغيرة هناك فإنه لا يُكتفى بطرده إلى الممرّ أو القاعة فحسب، بل يتم إلقاؤه خارج باب الحرم تمامًا.. وعليه فإن الأخطاء تصل بصاحبها إلى بُعدٍ مختلِفٍ بحسب موقعه، وكبرها وصغرها يتفاوت بحسب الأفراد، وتعبيرًا عن ذلك قالوا: “حسنات الأبرار سيّئات المقربين”.

وأحيانًا تأتي المشاكل والمصائب التي تصيب أمة بأكملها بسبب الشرور التي يرتكبها الظالمون والفساق فقط، فإذا انتشرت السرقة والفساد في المجتمع، وتعذر منع الدعارة، واعتُبر الكذب أمرًا عاديًّا، وازداد النفاق، ومورس القمع والظلم، وصمت الآخرون وما اهتمّوا بهذا الانحطاط الذي يقع؛ فقد يتعرّض المجتمع بأكمله للكوارث المادية والمعنوية، ويشير إلى هذا تحسُّر سيدنا موسى عليه السلام مستفهمًا من الله تعالى بقوله ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ (سورة الأَعْرَافِ: 7/155).

والآية الكريمة التالية أيضًا تدعم هذا المعنى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (سورة الأَنْفَالِ: 8/25) وقد جعل الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي هذه الآية عنوانًا لموضوع الزلزال الذي كتبه بمناسبة الزلازل العظيمة التي وقعت في “أرزنجان” و”إزمير”.

يتطهر المجتمع من الفاسقين والظالمين بالمصائب التي تنزل، بينما الأبرياء الذين لا يستطيعون التغلّب على السلبيّات التي تقع بالرغم من وقوفهم ضدها، ينتقلون إلى الآخرة شهداء.. أما من يدعمون هذه المظالم والمآثم أو الشياطين البكم الذين يسكتون عنها، فإنهم يهلكون سويًّا مع الجماعة الآثمة، لكن شدة عذابهم في الآخرة تختلف باختلاف إيمانهم ونواياهم وأفعالهم؛ لأن الحق تعالى لا يضيّع الإيمان والعمل الصالح مهما كان مستواهما، فهو يكافئ عليهما بالتأكيد.

وكما ورد في الآية الكريمة أعلاه، فإن الله شديد العقاب، كما أنه أرحم الراحمين في الوقت نفسه، لهذا السبب فإنه لا يعجل بالعقاب، ربما أنه يفعل ذلك بعد إمهال ألف مرة ومرة، وقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف: “إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَم يُفلِتْهُ[4]، ثم ذَكَّرَ بهذه الآية الكريمة: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (سورة هُودٍ: 11/102).

هناك أيضًا تحذيرات وتنبيهات مختلفة تأتي في طيات الإمهال؛ إذ يحذر الله الظالمين بأوامر تكوينية مختلفة وبلغة الأشياء والأحداث حتى يعودوا إلى رشدهم، فأحيانًا يمنع المطر ويصيبهم بالجفاف ليقول لهم ضمنيًّا “أفيقوا!”، وأحيانًا يهزهم بأزمات اقتصادية، وأحيانًا يرسل عليهم مصائب أرضية وسماوية فتوقظهم من سبات غفلتهم، وأحيانًا يجعل الحياة غير قابلة للعيش بسبب دينهم فيقول لهم: “اعتنوا ببلدكم وأمتكم ودينكم وقيمكم”.. فإن كان المؤمنون لا يفهمون لغة الأشياء والأحداث، ولا يكفون عن الظلم والذنب، ولا يعودون إلى رشدهم -لا قدر الله- فإنه ينزل عليهم وابلًا إثر وابلٍ من المصائب والكوارث والابتلاءات.

يتجرع الظالمون في الدنيا والآخرة ما يستحقون من العقاب، أما الطيبون الذين يعيشون بينهم فلا يبقى لهم شيء يعانونه في الآخرة، لأنهم سيكونون قد قضوا عقوبتهم في الدنيا، ولا يُسأل عن حكمة الله في هذا، فلسنا ندري؛ فربما سيُنعِم بنجاة مخصوصةٍ على من آمنوا حقًّا وصدقًا، كما كان في الأقوام السابقة، ويستعملهم في مهام مهمّة لاحقًا، فإن كانوا يبشرون بمستقبل طيب لصالح الإسلام الدين المبين، فقد ينجيهم الله ويستلّهم من المصيبة كما يستلّ الشعرة من العجين، وبينما يموت مَن يموت، ويُسحَق من يُسحَق ينجو بعضُهم؛ فيستعملهم الله في مجالات ومهام وأعمال أخرى.

[1] صحيح البخاري، الدعوات، 16.

[2] سنن الترمذي، القيامة، 49؛ سنن ابن ماجه، الزهد، 30.

[3] صحيح البخاري، الاستسقاء، 1.

[4] صحيح البخاري، تفسير سورة (11)؛ صحيح مسلم، البر، 61.

مكافحة العنف

Herkul | | العربية

سؤال: يُعدّ العنف من أعظم المشاكل التي تواجه الإنسانية اليوم، فما المسؤوليات التي تقع على عاتق الذين نذروا أنفسهم للخدمة في سبيل الله من أجل الحيلولة دون وقوع هذا العنف؟

الجواب: من أهم الأهداف التي يصبو إليها مَن نذروا أنفسهم للدعوة الإيمانية والقرآنية هو الحيلولة دون وقوع شتى أنواع العنف الموجودة أو المحتملة؛ لأن من أولوياتهم أن يكونوا دواءً لآلام الإنسانية المادية والمعنوية.. ولا جرم أن العنف هو من أخطر المشاكل التي تضرّ الإنسانية، ولذلك ينبغي لهم أن يضعوا الخطط والإستراتيجيات المتعلقة بهذا الشأن على قدر طاقاتهم وتَفَتُّقِ أذهانهم.

أجل، على أصحاب هذه القلوب المتفانية أن يبيّنوا القيمة العالمية التي تتمتّع بها مفاهيمُهم الدينية وعوالمُهم الفكرية ومناهجُهم العقائدية المهملة حتى الآن وكأنها أشياء بالية، والخير العميم الذي تعود به هذه الأمور على الإنسانية جمعاء.. إننا نؤمن بأن قيمنا الذاتية ستسهم في حلّ العديد من المشاكل المزمنة التي نعيشها اليوم، فيجب ألا نحرم الإنسانية من هذه القيم، وأن نعتبر تقديمها لصالح الإنسانية من أعظم واجباتنا، لكن يجب عند القيام بذلك ألا نخطئ الأسلوب والمنهج، وأن نبتعد عن شتى صنوف القهر والإكراه، وأن نلتزم بالمواقف والسلوكيات التي جعلناها ديدنًا لنا منذ البداية عند شرح القضايا التي نريد إخبارهم بها.

فمع الأسف الشديد ما زالت بعض الطوائف اليوم تحمل أحكامًا مسبقة عن الإسلام، وتتخذ تجاهه موقفًا عدائيًّا، كما أسهم بعض الجهلاء من بني جلدتنا في تشويه صورة الإسلام الناصعة، فحالوا دون أن تنهل الإنسانية من منهل الإسلام العذب المورود، حتى ظهر الإسلام في عديد من المناسبات عنوانًا للعنف والتطرف، وبدا وكأنه دين البرابرة والهمجيين، ومن ثَمّ لم توات الكثيرين الفرصة للتعرف على قيمه الذاتية.. من أجل ذلك فإن من أعظم المهام التي تقع على عاتق المؤمنين الذين يؤمنون بالله حقّ الإيمان هو أن يبينوا للجميع أن الإسلام ليس بالدين الذي يغذّي العنف والتطرف، وأنه أجدى ترياق لهاتين المصيبتين اللتين بُليت بهما الإنسانية.

ولا ننسَ أنكم إن لم تهتموا بالمشاكل التي تهمّ الناس فلن يبالوا هم أيضًا بمشاكلكم، وإن لم تقوموا بما هو منوطٌ بكم أمام المشاكل المزمنة مثل الفقر والجوع والعنف والتطرف وغيرها من المصائب التي تهدد الإنسانية جمعاء فلن تحصلوا على الدعم الذي تريدون حتى عند قيامكم بأنفع مشروعاتكم في ساحات أخرى.. فمن يرونكم لا تهتمون بقضاياهم الخاصة لن يساندوكم عندما تكونون في أمس الحاجة إليهم، وبذلك تظهر مدى الأهمية التي تحملها رعايتكم للأشياء التي تريدها وتنتظرها منكم الإنسانية وقيامُكم بما في وسعكم في سبيل ذلك.

الحوار والتسامح

وبشكل أكثر تحديدًا نقول: إن تعزيز ثقافة الحوار والتسامح تأتي على رأس السبل التي تسهم في منع العنف؛ حيث إن هذا سيساهم في أن يجتمع الناس حول طاولة واحدة، ويتعرّفون عن قرب ببعضهم، ويتعلمون معنى التعاون وتسوية الخلافات، ويطوّرون تجربة التعايش معًا دون نزاع.

قد يصدكم الناس في البداية أو يعاملونكم بتحفّظٍ قبل أن يفهموا غرضكم ومقصدكم، بيد أنه إذا أمكن عرض ضرورة ومعقولية المسألة بأسلوبٍ لائقٍ سينضم الجميع إلى هذه الطاولة، فرغم أن متطوعي الخدمة يؤكدون على أنشطة التسامح والحوار منذ تسعينات القرن المنصرم، ويحاولون القيام بها في حدود إمكاناتهم، وكانت تُقابل بالاعتراض والرفض من قبل البعض؛ فقد بدأت مختلف الطوائف والشعوب بل وحتى الدول في الاستجابة لها والإعلان عنها فيما بعد، أما عن المرحلة التالية فتتمثل في إيجاد طرق لتنفيذها ونشرها بشكل أكثر منهجية.

لقد خلق الله تعالى كل إنسان بمثابة عالَمٍ مختلفٍ، فلكلّ أمة قيمها وثقافتها الخاصّة، ومن الصعب للغاية جمع الناس على خطٍّ مشترك وقيم واحدة، فهذا أمر يعتمد على الإقناع ومناشدة القلوب، وهذا أيضًا ليس بالأمر الهين، ومع ذلك يمكننا أن نجعل السلام يهيمن على الأرض ولو بقدر ما، وأن نقبل الجميع في موقعه، وأن نزيل أسباب النزاع، وأن نتعايش معًا في سلامٍ وأمان، فواجبنا على الأقل هو أن نجتهد بهذه الطريقة وأن نكون ممثلين للسِّلم والسلام.

إن احترام الآخرين لكم يتوقّف على احترامكم لهم، فلو أنكم لم تقصروا في احترامكم للأديان والثقافات والحضارات الأخرى فستثيرون في أصحابها مشاعر الاحترام لمناهجكم العقائدية، وسيعود عليكم هذا الاحترام يومًا ما، فإن كان ما تُلقونه على غيركم سيعود عليكم بالمثل؛ فعليكم أن تلقوا كل ما هو جميل حتى إذا عاد عليكم لا يهشّم رؤوسكم ولا يكسر أسنانكم.

تطوير الوسائل البديلة

أما عن الوظيفة التي يجب القيام بها اليوم فهي الانطلاق بخطّة إجمالية أساسها احترام الموقع، والتسامح، والحوار، والسلام… إلخ؛ لأن كل حركة تتطلّب فكرًا وخطّة ومشروعًا مسبَقًا، ولكن لتكن فكرة إجمالية أوّلًا؛ لأنكم لا تعرفون بالضبط ما الذي تواجهونه في بداية هذا الأمر، ولكن بعد التحرك والانطلاق يمكنكم أن تضعوا خططًا أكثر تفصيلًا تتوافق مع الأشياء التي يفرضها عليكم الزمان والظروف والأوضاع الراهنة.. ويمكن أن تطلقوا عليها خططًا ثانوية يتطلّبها الانتشار والتوسعة.. إننا لا نستطيع قطعًا أن نتنبأ من الآن بما سينشأ مستقبلًا عن الأنشطة الحوارية التي نقوم بها اليوم، ولذا علينا أن نواصل التفكير أثناء سيرنا في الطريق، وأن نراجع خططنا ومشاريعنا وفقًا للأوضاع الجديدة التي نواجهها، ونعيد النظر في تحركاتنا وفقًا لذلك، وهكذا نعمل طوال سيرنا في الطريق، فلو صادفنا مشكلةً؛ جلسنا، وخططنا من جديد، ووضعنا حلولًا بديلة.

وحتى وإن اختلفت الآراء بشأن الاجتهاد في استصدار أحكام فقهية جديدة فلا ريب أن باب الاجتهاد والاستنباط مفتوحٌ عند تحديد الأعمال التي يتعين القيام بها من أجل الخدمة، فمن الممكن إجراء اجتهادات جديدة على الدوام وفقًا للوقت والظروف من أجل التغلّب على المشاكل التي نواجهها.

ومن ثم فإنكم ستحاولون بكل هذا الجهد والسعي الذي ستبذلونه على المستوى الفكري والحركي أن تلقوا بذور الحب والسلام بين الناس، وأن توقفوا دوامة العنف وتعطلوها.

قوة التمثيل

لا بد أن تعلموا أنكم إن لم تستأصلوا الحقد والكره من الصدور بأي شكل كان؛ فلن تقدروا على مقاومة العنف والإرهاب والتطرف، ولن تستطيعوا إقناع الذين لا يبرحهم الغلّ والحقد في حلِّهم وترحالهم بأنه من الممكن التعايش معًا في حبٍّ وسلامٍ على هذه الأرض التي نتشارك العيش فيها، فهذه كلها أشياء يغذّي ويدعم بعضُها بعضًا، فكما يولِّد الحقدُ والكرهُ العنفَ، فكذلك العنفُ يولد أحقادًا وضغائن جديدة، فإن أردتم أن تحطّموا هذه الدائرة الفاسدة فعليكم أن تعلِّموا الناس الحب والعفو والاحترام.

وهذا يقتضي اتباع أوامر القرآن، والتعرف على الجميع، ومصافحتهم، وفتح موائدنا وقلوبنا لهم، فليس بالإمكان تعريف أنفسكم إلى الناس ولا معرفتهم دون مقابلتهم عدة مرات، ومشاركتهم المائدة، ومجالستهم ومحاورتهم.. كما لا يمكنكم سدّ الفجوات التي طال عليها الأمد، وتسوية التلال، وعبور بحار الدم والصديد، وبالتالي بث إلهامات أرواحكم وانفعالات قلوبكم في نفوس الناس؛ دون أن تقضوا وقتًا طويلًا معهم، أو تنشئوا جسور الصداقة بينكم وبينهم.

إنَّ من أعظم أسباب العنف عدم تعرف الناس على بعضهم بما يكفي، واغترابهم عن بعضهم، فكلما زاد اللقاء والحوار أدرك الجميع بشكل أفضل أنه لا داعي للحقد والكره والعنف، وسيرى الذين وصموكم بأسماء وألقاب مختلفة منذ وقت بعيد وامتلأت نفوسهم بالخوف والرعب منكم؛ أنكم لستم كما صوَّرَت لهم عقولهم، ولكن أكرر أن هذا لا يتحقق في التوّ واللحظة، فلا بد من جيل أو جيلين على الأقل حتى يستقر هذا الأمر الذي شرعنا فيه بالأساليب والمناهج التي تحدثنا عنها سلفًا.

بعض المبادئ الخاصة بالأسلوب

على الرغم من أن القضاء على الشدة والعنف وتحقيق السلام العام بين الناس هما هدفان مهمان بالنسبة لنا، إلا أنه من الواجب علينا أن نتجنب جميع أنواع الادعاءات في هذا الصدد.. وألا ننسى أن كل شيءٍ بيد الله، إن شاء فعل، وإن لم يشأ لم يفعل، فبدون مشيئته لن تستطيعوا التقدم قيد أنملة حتى وإن بذلتم كل ما في وسعكم وأفرغتم كل ما في جعبتكم.. لكن هذا لا يعني إنكار إرادة الإنسان، وتجاهل الأسباب، على العكس من ذلك لا بد من تقديم الإرادة والعمل والنضال بالطريقة التي نعتقد صوابها، ضمن حدود قوّتنا وإمكاناتنا، ولكن لا ننسَ أن النتيجة بيد الله تعالى، فهو من يضع المحبة في القلوب، ويقرِّب الناس من بعضهم، وبدهي أنه من المستحيل أن يفهم هذا أولئك الذين يبحثون عن كل شيء في المادة والقوّة والطاقة.

وثمة جانب آخر للمسألة وهو: قد يكون لدينا خطط وتصورات وأُمنيات من أجل خير الإنسانية وصلاحها، ونرغب بالفعل في تحقيق الأشياء التي نراها جميلة، ولكن إن لم نحدد النقطة التي تتلاقى فيها الحقائق مع أفكارنا المثالية بشكلٍ صحيحٍ فلن يفيد أيٌّ من هذا شيئًا، وقد تُقابل الخطوات التي نخطوها بردودِ فعلٍ سلبيّة؛ ومن ثَمّ يجب أن ننظر قبل أن نقع في المشكلة هل لدينا طاقة كافية لتصحيح الأمر أم لا؟! وأن نحسب جيّدًا ما إذا كانت الخطوات التي نخطوها ستفي بغرضنا أم لا؟!

إننا نعيش في عالمٍ نجد فيه أنَّ مَن يثيرون المشاكل هم أنفسهم الذين يشتكون منها، والأدهى من ذلك أن هؤلاء جميعًا يتظاهرون بالشكوى، ويدبّرون من الخلف المكائد والمؤامرات التي لا يتصوّرها عقل، فيثيرون المشاكل بلا داع؛ خدمة لحساباتهم الشخصية وإستراتيجياتهم الذاتية؛ فمثلًا يندّدون في الظاهر بالعنف والتطرف والإرهاب، وفي الخلف يدعمون المتطرفين والإرهابيين، فإن كنتم ستضعون خططًا وإستراتيجيات تتعلق بهذا الشأن فلا بد أن تكونوا على وعيٍ بكلِّ هذا.

وأخيرًا نقول: من الصعب للغاية مكافحة العنف والتطرّف والإرهاب والقضاء عليهم بعد ظهورهم؛ حيث يتراجع العقل والمحاكمة العقلية خطوةً إلى الوراء بعد أن يأخذ الناس بتلابيب بعضهم، وتنبعث رائحة الحقد والكراهية من جديد، ولا يستمع أحدٌ لأحدٍ؛ ولهذا يجب عرقلة ظهورِ مثل هذه المشاكل منذ البداية أو التنبُّؤ مسبقًا بالأوضاع التي يُحتمل أن تكون سببًا لهذه المشاكل، والانقضاض عليها وحلها.. فما يجب على العقلاء من الناس هو قراءة سير الأحداث قراءة صحيحة، وتجهيز الوصفات العلاجية مسبقًا للمشاكل المحتملة.

طغاة العصر

Herkul | | العربية

ألا ليت كل إنسان ينظر إلى ما لديه من ميزات، ويقول كما قال الشيخ محمد لطفي أفندي:

نعمة لم أكن أنا الحقير أهلًا لها،
فما سر هذا اللطف والإحسان؟!

وليت المرء لا ينسى ولو للحظة واحدة تلك المقاييس التي قدمها بديع الزمان إذ يقول: “يا نفسي المرائية! لا تغتري قائلة: إنني خدمت الدين، فإن الحديث الشريف صريح بـ”إِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الفَاجِرِ”[1]،  فعليك أن تعدّي نفسكِ ذلك الرجل الفاجر، لأنك غير مزكاة.. واعلمي أن خدمتك للدين وعباداتك ما هي إلا شكر ما أنعم الله عليك، وهي أداء لوظيفة الفطرة وفريضة الخلق ونتيجة الصنعة الإلهية.. اعلمي هذا وأنقذي نفسك من العجب والرياء”[2].

كم شخصًا يحاسب نفسه، ويقول: “ترى هل أنا فاسق؟ هل أحمل في قلبي نفاقًا؟”، إن الشخص الذي لا يتحرّى وضعه وموقفه، ولا يخضِع نفسه للمحاسبة والمراقبة باستمرار، يستصغر الأخطاء والذنوب التي يرتكبها ولا يكترث بها، ولا يرى نفسه إنسانًا مقصّرًا يحتاج إلى التطهّر، فلماذا يبحث عن باحة التطهر والتزكية من لا يظن أنه قد لوث عالمه القلبي والروحي ونظام تصوره وآلية تخيله وقدراته العقلية؟ من يرى نفسه كاملًا مطهرًا مثل الملائكة لا يدرك ذلك حتى لو انغمس في الدنس والقاذورات من رأسه إلى أخمص قدميه.. لذلك لا يتوب ولا يرجع إلى الله، بل ولا يحلم بالإنابة والأوبة.

من لا يرى شوائبه وقاذوراته يعجز عن التخلّص من سوء الظنّ وإلقاء الجرائم على الغير عند مواجهة المشاكل، كما أنه يُحرم من التوبة والإنابة؛ لأنه دائمًا ما يبحث فيما حوله عن أسباب السلبيات التي تقع، فلا ينظر إلى نفسه، ولا يحاسبها، ولا يستطيع رؤية أخطائه وعيوبه.. لهذا السبب يبحث دائمًا عن المجرم بعيدًا عن نفسه، ولا يستطيع التخلّص من هذه الحالة النفسية المرضية.. وإنكم حتى وإن ألبستم هؤلاء الأشخاص الذين اعتادوا على انتقادِ الآخرين وإلقاءِ اللوم عليهم نظاراتٍ كبيرةَ المقاس فلن يقدروا على رؤية أخطائهم وأدناسهم أنفسهم؛ لأنهم عمي حيال ذلك.

إن الذين يضعون دائمًا أعينهم الشريرة على الآخرين وينشغلون باستمرار بأوجه قصور وثغرات “الآخر” هم في الحقيقة أناس يرثى لحالهم.. ألا يُرثى للمساكين الذين سقطوا في بئر القطران، وصارت رؤوسهم غارقة في لجة الأدناس والأوساخ، وربما ينتهي بهم الأمر إلى مراجل الزفت في جهنم؟ الشيء الذي يقع على عاتق من لم يفقد إنسانيته ​​هو الشعور بالأسف تجاههم، فليس من سلوك المؤمن أن يقول: “دعه يغرق، دعه يهوي، دعه ينحدر إلى قاع الأرض…”، بل يقع على عاتقه أن يقول: “أصلحهم الله، وأنار بصيرتهم، وهداهم إلى طرق التطهر والتنقي من الوحل والزفت الذي ينغمسون فيه!”، وإلا تحولت البلاد إلى ساحة للحرب حينما يلقي الشخص التهم تباعًا على من حوله، ويوجه إليهم الإهانات غير المناسبة، ويكيل لهم السب واللعن، وبالمقابل يلجأ الآخرون إلى قاعدة المعاملة بالمثل القاسية الظالمة، فيردون بالمثل ويهمون بالهجوم.

الظالمون المتغطرسون

لسوء الحظ، توجد اليوم مجموعة استسلمت تمامًا لمشاعر الكراهية والحسد، تحمِّل الآخرين فاتورة كل سلبية تحدث، وتُحمّل طائفة من الناس-جعلَتْهم كبش فداء- جميعَ الجرائم والذنوب التي تقع، وتأكل لحومهم مثل أكلة لحوم البشر عبر اغتيابها إياهم باستمرار، وتشويهها لهم بأكاذيب وافتراءات لا يمكن تصورها؛ إذ صار الكذب والافتراء، والغيبة والتشويه والانتقام طبعها وعادتها.

لطالما وُجِد مثل هذا الظلم والجور في تاريخ البشرية، لكنهما بلغا الذروة في بعض الفترات، ومن ذلك مثلًا، عهد يزيد بن معاوية، فـ”يزيد” والمتغطرسون من حوله قتلوا بوحشية حوالي سبعين شخصًا في كربلاء، كان بينهم عائلات وأطفال ونساء، ولا جرم أن الزحف بجيش كبير على حفنة من الناس لا تملك القوة والإرادة للقتال وضربَها بالسيف عملٌ وحشيٌّ لا يمكن تصوّره.. علاوة على أن هؤلاء الشهداء ليسوا أشخاصًا عاديين؛ فقد كان سيدنا الحسين حفيد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقدمتهم، وبجانبه أيضًا أقاربُه وشيعته من النساء والأطفال.. لكن هؤلاء الهمجيين الذين طار صوابهم قتلوهم دون أن يكترثوا بمن أمامهم، حتى إنهم قطعوا رأس سيدنا الحسين المبارك، وداسوا جسدَه بالجياد.

وفي الفترات اللاحقة أيضًا، كانت روح “يزيد” تنبعثُ من وقتٍ لآخر، وترتكب القسوة والوحشية نفسها ضدّ من نذروا أنفسهم لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم وتبنّوها، وأمثال يزيد من طغاة هذا العصر يفعلون الشيء نفسه، ولكم -إذا أردتم- أن تقوموا بجولة في عالم خيالكم؛ حينها يتمثل أمام أعينكم أمثال يزيد واحدًا تلو الآخر، وظلمهم المشابه الذي ارتكبوه.. سِيحوا بخيالكم في مناطق جغرافية مختلفة من العالم، بما في ذلك بلدكم، عندها سترون كيف يأكل الناس بعضهم بعضًا بطريقة وحشية، وستشاهدون بحزنٍ وأسفٍ كيف قمعَ الظالمون الذين استولوا على السلطة الأبرياءَ الذين لم يبايعوهم.

إن طغاة العصر، مثلهم مثل يزيد قديمًا، يستخدمون كل آليات القوة والعنف للدولة من أجل سحق الأبرياء الضعاف أساسًا، ويرتكبون أعمالًا وحشية وفظائع من أجل القضاء على من يرونهم تهديدًا لسلطنتهم، وإلى جانب هؤلاء الظالمين المتغطرسين، يجب ألا ننسى العُمي الذين لا يرون أو يتجاهلون هذه الفظائع التي يتم ارتكابها، كيف يمكن للمرء أن ينسى أشباه البشر الذين يرون كل هذا الكذب والخيانة والظلم والفظاعة ويسكتون عن الحق ويرونها أشياء عادية والأكثر من ذلك يساندون الظلم!. إن سحق الأبرياء الذين ليس لديهم القوة للمقاومة ولا الرغبة في القتال إنما هي سمة من سمات المتوحشين الذين فقدوا إنسانيتهم.

نعم، نحن نعيش في زمن يُنظر فيه إلى الأكاذيب والافتراءات والشناعات والأفعال الدنيئة والوحشية والظالمة على أنها أشياء عادية، بل إن الظالمين الذين يفكرون بميكافيلية يرون كل هذا ضروريًّا من أجل الوصول إلى أهدافهم البغيضة، وربما يتصورونه جهادًا، ينامون ويستيقظون بمشاعر الانتقام، وربما أيضًا ينشغلون في أحلامهم ورؤاهم بسيناريوهات القضاء على الأشخاص الذين أعلنوهم أعداء لهم، وعندما يستيقظون يسعون لتنفيذِ هذه السيناريوهات.. يدبّرون شتى أنواع المؤامرات يوميًّا من أجل القضاء على من لا يفكرون مثلهم.. لذلك فإنهم دائمًا ما ينثرون القذارات حولهم بما يمارسونه من أفعال، والأسوأ من ذلك أنهم يرتكبون باسم الإسلام كلَّ شرورهم؛ فيلوّثون وجه الإسلام المشرق الذي ربما لم يتلوث إلى هذا الحد منذ وجوده.

محمد الذكي

من ناحية يقترفون بلا خجلٍ العديد من الذنوب التي حرمها الإسلام، ومن ناحيةٍ أخرى يَدَّعون إقامة الإسلام؛ إن هذا لشيء عجاب! إن هؤلاء الجهّال يجهلون الإسلام، ولا يدرون شيئًا عن العالم الذي يعيشون فيه، إنهم لا يفقهون روح الكتاب والسنة ولا يدركون ظروف البيئة الاجتماعية.. وعلى الرغم من ذلك فإنهم لا يفتؤون يردّدون ادعاءاتهم الضخمة، ويا لها من ادعاءات لم يتطرّق إليها سيّدُنا أبو بكر ولا سيدنا عمر رضي الله عنه! إنهم يقولون ما يتجاوز قاماتهم، ثم ينوؤون بحمله، وينسحقون ويندحرون.. فيقول المرء لهذا القدر من الجهل واللامبالاة: “كفى”، فما يحدث في النهاية من ضرر، إنما يحدث لأمتنا وللمسلمين، وتعظم المشاكل على التوالي يومًا بعد يوم، ويتعذّر التخلّص منها ويتأزم الموقف.

إن قصّة محمد الذكي ترسم وضعهم هذا بشكلٍ جيّد للغاية، فقد كان هناك رجل اسمه محمد الذكي، ابتكر خطة للنزول من منحدر كبير، قال إنه يمكنه إنزال رفاقه بسرعة من خلال طريق مختصر دون التنقل في المسارات الطويلة، فبحسب هذه الفكرة سيتشبث أحدهم بالصخور في الأعلى، والثاني يتشبث به من تحته، والآخر بالثاني من تحته وهكذا، حتى يشكلوا عمودًا إلى أسفل، بعد ذلك يتشبث الآخرون بهم فينزلون، ولكن عندما لم تستطع أيادي من في الأعلى تحمل الحمل، تدحرجوا جميعًا من أعلى إلى أسفل دفعة واحدة، فمات تسعة وثلاثون شخصًا من بين الأربعين، وكسر ذراع الحي.. ركض الذين شاهدوا الحادث في المنطقة المحيطة إلى محمد الذكي وسألوه عما حدث، فكانت تلك إجابته: “لا تقلقوا يا رفاق! أوشك أن يكون حادث، لكن الأمر تحت سيطرتي تمامًا!”.

صدقوني، إن ما يفعله القادة اليوم لا يختلف كثيرًا عن هذا.. لقد حوّلوا دولةً مباركة -كانت تحمل لواء الإسلام لعدة قرون، وقدمت أشياء مهمة للإنسانية، وكانت عاملًا مهمًّا في التوازن الدولي- إلى كومة من الأنقاض، لكنكم عندما تذكرونهم بالضرر الذي تسببوا فيه، فإنهم يجيبون مثلما أجاب محمد الذكي ويصرون على القول إنه لا توجد مشكلة.. سيسجل التاريخ كلّ هذه الأحداث بطريقة ساخرة، ولن يتمالك القراء أنفسهم من الضحك تارة والبكاء تارة أخرى.

الساكت عن الحق شيطان أخرس

أعلاه أشرنا إلى الفظائع التي ارتكبها “يزيد” ضد آل البيت، ولكن يجب ألا ننسى هنا من دعَوا “الحسين” ووعدوه بتقديم الحماية اللازمة، طالما أنكم دعوتموه، فلماذا لم تحموه؟ لماذا لم تهرعوا لإنقاذه هو ومَن كان معه بينما كان السيف يُعمَلُ فيهم؟ لماذا تركتموهم وشأنهم؟ إنّ “يزيد” شخص سيئ -عليه من الله ما يستحقّ- قد ظلمَ ظلمًا بيِّنًا، ولكن ألا يُسمّى ما تفعلونه أنتم أيضًا ظلمًا؟! كيف يمكنكم أن تشاهدوا من بعيد فلذةَ كبدِ نبينا صلى الله عليه وسلم وهو يُقَطَّع إربًا؟ وكيف تسنى لكم أن تنظموا -دونما خجل- المراثي لاستشهاده بينما لم تفعلوا ما كان من المفترض أن تفعلوه؟

من المؤسف أنه لم يتغير شيءٌ في هذا الشأن؛ فبعض الناس يقسون ويظلمون، وآخرون يصيرون شياطين خُرسًا أمام هذا الظلم، بل ويشاركونهم فيه عندما لا يعملون لرفعه.. لِنقل إن الظالمين يفعلون ما تمليه عليهم شخصيّتهم، لكن ماذا عن أولئك الذين يرون كثيرًا من الظلم ولا يتكلمون رغم معرفتهم به، بل ويدعمونه بطرق مختلفة! أنا مندهش من موقفهم أكثر من موقف الظالمين أنفسهم، إنني أشفق على هؤلاء المساكين الذين يشاهدون كل الفظائع وكأنهم يشاهدون مسرحية.

عندما نتذكر الفظائع التي ارتكبها أمثال “يزيد”، و”الحجاج”، و”شمر بن ذي الجوشن”، و”ابن ملجم” و”أبي لؤلؤة” يخطر بأذهاننا أن نقول: “خسف الله بكم باطن الأرض!”، إلا أنه لم يرد في القرآن الكريم ولا في السنة المطهرة ولا في عقيدة أهل السنة أثرًا يحكي ثواب اللّعنِ، والحقيقة أن بعض علماء أهل السنة لعنوا “يزيد” وقالوا بجواز اللعن، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى نصَّ جمهورُ العلماء على أنه مع جواز ذلك، فليس هناك ما يشجع عليه، وموقف المؤمن الصادق هو التصرف باعتدال وحيطة، وعدم المغالاة، وإمساك لسانه في هذا الأمر أيضًا كما هو الحال في كل الأمور.

وسواء قلنا شيئًا أم لا، فإن الله سيقدر ما يستحقّون ويعاقبهم بما هم أهله، وواجب المؤمن الذي يتحرك من منطلق المروءة ويحمل مشاعر إنسانية عميقة أن يدعو قائلًا: “اللهم اهدنا إلى طريقك وأصلح أحوالنا نحن وهؤلاء الظالمين الذين حادوا عن الطريق الصحيح! فإن كانوا فقدوا قدرتهم على الإصلاح، فإننا نحيلهم إليك، فإن لم يختاروا طريق الصلاح، واستمرّوا في الإفساد والفتنة، فاقضِ في أمرهم عاجلًا غير آجل… اللهم قيّد أيديهم وأذرعهم، وغلّل أرجلهم، اللهمّ اربط على عقولهم فلا يفكرون، وعلى ألسنتهم فلا يتكلمون، وعلى أقلامهم فلا يكتبون، حتى يكفوا عن ممارسة شرورهم، واسلبهم كل ما لديهم من طرق ووسائل وإمكانات وأدوات ومواد يستخدمونها ضد الأبرياء، اللهم ولا تسمح لهم بالوصول إلى أهدافهم البغيضة، وارفع الظلم الذي يعاني منه الأبرياء والمظلومون والضحايا، وهدئ من روعهم، وانصر عبادك المساكين العاجزين، وأيّدهم بحفظك وعنايتك”.. وهذا هو مقتضى الوفاء للمضطهدين والضحايا، فضلًا عن كونه إظهارًا لمقتضى فطرتنا الإنسانية.

[1] صحيح البخاري، الجهاد والسير، 182؛ صحيح مسلم، الإيمان، 178.

[2] بديع الزمان سعيد النورسي: الكلمات، الكلمة السادسة والعشرون، ص 542-543.

التحرّك وفق روح الزمان

Herkul | | العربية

لقد بذل أسلافُنا قصارى جهدهم من أجل إيصال اسم الله إلى جميع أنحاء العالم، وجاهدوا جهادًا جادًّا وفقًا لظروف الفترة التي عاشوا فيها، وقد تحقق هذا العمل على أيدي الصوفية والأولياء أحيانًا، وبواسطة التجار أحيانًا، وعن طريق الفتوحات أحيانًا أخرى.. فقد عبروا الأسوار التي وصفت بالمنيعة، ووصلوا الأماكن التي وصفت بالحصينة، فصاروا ممثلين للسلام والسكينة والعدالة أينما ذهبوا.

بيد أن العالم الذي نعيش فيه لم يعد ذلك العالم الذي كانوا يعيشون فيه؛ فقد تغيّر كلُّ شيء.. لا أقصد الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية فقط؛ بل أضف إلى ذلك الثقافات والفلسفات والمفاهيم أيضًا.. لذا يجب أيضًا أن تكون الأساليب والمناهج التي يتعين اتباعها إعلاءً لكلمة الله متوافقةً مع متطلبات العصر، وإلا فإن النجاح في هذا صعب للغاية، بل إنه قد تتكون نتيجة عكسية للهدف والغاية.

ويشير الأستاذ بديع الزمان بقوله: “لقد دخل السيف المادي غمده، وصار التغلب على الحداثيين بالإقناع” إلى الطريق الصحيح الذي يجب اتباعه اليوم، ولو وُجِدَت اليوم الدولة السلجوقية أو العثمانية، أو عقبة بن نافع أو طارق بن زياد لوجب عليهم الدخول في هذه المنهجية لا شكّ في ذلك.. ربما لجؤوا اضطرارًا إلى السيف واستخدام القوة من وقت لآخر حلًّا للمشكلات في ظل ظروف عصرهم، إلا أن القدرة على إبلاغ القيم التي لدينا اليوم إلى القلوب المحتاجة تتطلّب إيجاد طرق أخرى، ولستُ أعرف ما إذا كنا وجدناها بالضبط أم لم نجدها بعد، لكننا نعمل في الوقت الحالي بما وجدناه.

عندما ننظر إلى الوضع الحالي للعالم، يبدو واضحًا جدًّا أين يجب أن نقف وما الموقف الذي يجب أن نتخذه.. إننا نعتقد أننا نقف بمنأى عن كلِّ أشكال العنف والتطرّف، وأنه سيتسنى من خلال التعليم والحوار والحب حل المشكلات المزمنة التي يعتقد أنها غير قابلة للحل.. كما نؤمن بأن التصرّف بهذه الطريقة هو الأنسب لروح الدين، لكننا لا ندعي أننا نحن مَن يفعل الأفضل، فالأعمال الصالحة التي تتحقّق بمحضِ اللطف الإلهي لا يجب أن تُعزى أبدًا إلى الأنانية الجماعية كي نحافظ عليها ولا نهدرها، ورغم أن ذلك إيمانٌ راسخٌ في قلوبنا فالواجب علينا أن نبتعِدَ عن التعالي والتفاخر والأنانية، وأن نحفظَ ألسنتَنا من ادّعاء الكمال أو المثالية أو التفوّه بأيّة عبارةٍ تفوح منها رائحة الأنانية والغطرسة.

 وحتى وإن كانت الأشياء المطروحة باسم الأفكار والأفعال تتطابق تمامًا مع أفكار شخصيات عظيمة مثل الإمام الأعظم والإمام الغزالي وبديع الزمان فواجب المؤمن هو التفاني والتواضع، فإن وجدنا اجتهادات وتفسيرات أفضل من تلك التي لدينا وجب علينا الرجوع فورًا عن أفكارنا الحالية.

وكما أكّد فلاسفة التاريخ فإنَّ الأماكن التي دخلها المسلمون بالقوة قد طُرِدوا منها بطريقةٍ ما.. لكنهم ثبتوا وداموا في الأماكن التي دخلوها من خلال فتح القلوب واستخدام إكسير الحبّ، ويمكنكم اتخاذ “الأندلس” مثالًا على هذه النظرية، فعلى الرغم من أن المسلمين مكثوا هناك قرونًا عديدة وأنشؤوا حضارة مبهِرةً وأثّروا تأثيرًا حقيقيًّا في الغرب؛ إلا أنهم أُخرجوا من هناك بعد فترة بطريقة مؤلمة.. ومع أن قرونًا مرّت على تلك الأحداث إلا أنني عندما أفكِّر فيها فإن عينيَّ تغرورقان، ومهما حاولت قمع مشاعري المحترقة بحثًا عن بعض الحكم والفوائد فيما أرى، إلا أنني لا أستطيع العثور على طريقة للتخفيف من الشوق والألم الذي أعيشه إزاء هذه الجغرافيا الإسلامية المفقودة حتى الآن.

أي إنه حتى وإن استقبلكم جماهيرُ البلاد التي قد تدخلونها في ظلال السيوف؛ إلا أن جرحًا ما يبقى بداخلهم ويتطوّر رد فعل ما ضدكم بمرور الوقت، ويزيد رد الفعل هذا من قوته تدريجيًّا وفقًا للظروف، ويأتي يوم يخرجونكم من مكانكم وينفونكم، حتى إنهم يحرقون الآثار النفيسة التي تتركونها من وراءكم ويهدمونها، وينهبون أموالكم وثرواتكم، ويقتلون الملايين من الناس.. وهذه قضية يتعين الوقوف عندها باهتمام.

قوة التمثيل

حاول السابقون القيام بدورهم بحسب إمكاناتهم، والمهم بالنسبة لنا اليوم هو ما نقوم به، فالهدفُ الأساس للمؤمن ليس هو سلطنة العالم ولا حتى نِعَم الآخرة، وإنما هو الفوز برضا الله، وإن أعظم وسيلة لكسب رضا الله هي إيصال اسمه الجليل سبحانه إلى جميع أنحاء العالم، وهذه وسيلةٌ تعدل الغاية، ولا يمكن تجاهلها، يا حسرةً على المسلمين الذين أهملوا هذا الأمر لِعِدّةِ قرون، لقد استمرّ الأمر هكذا، ولكنه لا ينبغي أن يسير على هذا النحو، إنَّ المسؤوليةَ تُلقِي بثقلها على عاتق بعض الشخصيّات ليهتموا بهذا الأمر ويتبنّوه ويتّخذوا إجراءاتٍ من شأنها تحمّل المشكلات والصعوبات التي سيواجهونها على طول الطريق.. وأيًّا كانت الإمكانات والفرص التي أتاحها الله لهم اليوم، فينبغي لهم تحقيق أفضل استفادة منها، والتركيز عليها لتنفيذ خدماتهم انطلاقًا من تلك النقطة.. وإن كانت ثمة تطوّرات وإمكانات مختلفة ستقابلهم غدًا أو بعد غدٍ فعليهم الاستفادة منها أيضًا، فلا يمكن أن تكون ثمة كفارة، ولا سبيل للنجاة أكبر من هذا بالنسبة لأشخاص مثلنا يعيشون في عصر الخطيئة والذنوب.

نحن نؤمن من كلِّ قلوبنا أن الإسلام هو الدين الأكمل والأتمّ، وأن الله تعالى قد أكمل بفضل هذا الدين النعم التي أنعم بها على البشرية، وأن إنسان اليوم بحاجة إلى الرسالة التي يقدمها الإسلام.. كذلك لدينا إيمان كامل بأن مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم دليلٌ ومرشدٌ غير خادع يكشف الطريق إلى الجنة؛ وبالتالي يجب على الإنسانية أن تتبعه دون شك، ومن ثم فإنه من الضروري تعريف العالم أجمع به وبكل جوانبه، ونحن أيضًا من أتباعه الذين ساروا على الطريق لأداء هذه المهمة الحياتية.

سينزعج من هذا بعضُ المتمرّدين والمتعصبين، وسيحاول من جُبلوا على العداوة أن يبعدوكم عن طريقكم، لكننا لا نرهن القضية بمثل هؤلاء القساة والمعتدين ولا نرى الأفق مظلمًا؛ ذلك أن من التقينا بهم وكنا معهم دائمًا حتى اليوم أعربوا عن تقديرهم وتمنياتهم الطيبة، ولم أصادف شخصًا اشتكى أو أظهر عدم ارتياح من ذلك بخلاف قلّةٍ قليلة، لذلك علينا ألا نستسلم للأشياء السلبية وألا نفقد الأمل وألا نصبح متشائمين.

يجب على المخلصين الذين يعتقدون أن لديهم رسالة يقدّمونها إلى البشرية أن يحاولوا تقديم تمثيل نموذجيّ بسلوكياتهم وتصرّفاتهم وحالِهم قبل قالِهم؛ فالكلمات قد تسبّب نوعًا من عدم الارتياح في بعض الطبائع؛ فتجذبها يمنة أو يسرة، وقد تُستخرج منها معانٍ لا تخطر لكم على بالٍ.. أما التمثيل فيعطي ثقةً ومصداقيّتُه أعلى من ذلك بكثير. إذا استطعنا أن نعيش دون تقصير ولا إخلال بالنظام الإلهي الذي أنزله الله لصالح البشرية ونفعًا لها، فيستحيل ألا يتأثر الناس وألا ينجذبوا إليه.. وإذا كان كلٌّ من نظامنا الأسري وعلاقاتنا الإنسانية وأعمالنا الخيرية لا يزال يؤثّر في الناس على الرغم من كل الضربات التي تعرَّضْنا لها فإنني أعتقد أنه لا داعي لقول الكثير.. وبدلًا من قول: “تعالوا، لنكن كذا، ولتفعلوا كذا”، دعونا نمثّل القيم التي ندعو الآخرين إليها تمثيلًا جذابًا وجميلًا يدفع إلى الغبطة، لنفعل هذا لأنفسنا، من أجل علاقتنا بالله، وكشرط لعبوديتنا إياه، وليس كي يراه الآخرون.. لنفعل ذلك ولنترك الأمر للآخرين فليقرّروا ما يجب عليهم فعله.

اختيار الأسلوب الصحيح

على الرغم من أنّ التمثيل مهمّ جدًّا، إلا أنه لا يمكن تجاهل أهمية الكلمة تجاهلًا تامًّا.. فمن المؤكد أنه ستكون ثمة أوقات يُحتاج فيها إلى الكلمات إلى جانب التمثيل؛ فقد تُستشعر ضرورة التعليق على النقاط التي تظلّ مبهمة في التمثيل، وعندئذ ينبغي إيلاء اهتمام كبير بالأسلوب، ويجب أن يتم بشكل جيد للغاية تحديد أين ومتى وماذا يجب أن يُقال.

وبالدرجة الأولى يجب تسليط الضوء على النقاط المشتركة بيننا وبين الطرف الآخر، وينبغي التركيز عليها أكثر؛ نظرًا للحاجة إلى سدّ الفجوة، فإذا تمكنوا من العثور على بعض المحاور المشتركة بين ما تقولونه وأنظمتهم الفكرية الخاصة؛ فسوف يقبلون ما يقال بسهولة أكبر.. لذا يجب مراعاة الدين الذي ينتسب إليه المخاطب، والبيئة الثقافية التي نشأ فيها، ومستوى معرفته ومشاعره، وينبغي اختيار أسلوب لا يتسبب في ردّ فعلٍ سلبي.

أمَّا إذا كان الأشخاص الذين نتعامل معهم بمنأى عن الدين، يمكننا التركيز عندئذ على القيم الإنسانية العالمية والتحدّث من خلالها عن العديد من قضايانا، ويمكننا إعطاء الأولوية لموضوعات مثل “رسالة المرضى”، و”رسالة الشيوخ”، و”رسالة الاقتصاد”، واختيار المواضيع التي تجذب انتباه الأغلبية، وإذا احتجنا إلى الحديث عن عبادات مثل الصلاة والصوم والزكاة والحج والأضحية، فيمكننا إبراز جوانب حكمتها ونفعها ومناقشة فوائدها التي تعود على حياتنا الشخصية والاجتماعية.

ويمكننا في لقاءاتنا مع أتباع الديانات المختلفة التركيز على مبادئ الاعتقاد التي يتفقون عليها معنا أيضًا.. فعلى الرغم من وجود فكرة خالق على نحو معين في جميع الأديان، إلا أن الذات الإلهية لا توجد بأسمائها وتفاصيلها وصفاتها في أي دين كما في الإسلام.. وحتى وإن تحدثت عن الله بأسماء وألقاب مختلفة، فإن أفكارها حول حقائق الألوهية والربوبية ليست بالكمال ولا بالقدر الذي قرره الإسلام، وعليه يمكن تقديم معلومات في هذه القضايا لمخاطبينا وفقًا لمستواهم، وبطريقة يمكنهم فهمها.

وبما أن كل فرد من أفراد الدين الذي ينتسب إليه يعتقد أن نبيه هو الأسمى، فقد يزعجهم أن نتحدث عن مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم، وقد يثيرون اعتراضات في هذا الصدد؛ لذلك سيكون من الأفضل -عندما نلتقي بهم- التركيز على حقيقة النبوّة بالمعنى المطلق وبيان الصفات الخاصة بالأنبياء، وبالمثل فإن عقيدة الحشر والنشر لم توضح وتؤطّر في المسيحية واليهوديّة بشكل واضح بقدر ما هو موجود في الإسلام، وإنني أعتقد أنهم سيقبلون ذلك برضا وطيب نفس عندما تطرحون بوضوح القضايا الموصوفة في الآيات والأحاديث دون الحديث عن القرآن أو رسول الله صلى الله عليه وسلم.

من المهم كذلك إقامة صداقات وعلاقات صداقة جادة مع المخاطبين حتى تكون القضايا المطروحة فعالة ومؤثرة؛ فيجب علينا من خلال الزيارات المتبادلة، وتقديم الهدايا، والعمل بروح التعاون أن نكوِّنَ صداقات وثيقةً لا يُضحَّى بها أو يُتخلى عنها بأي شكل من الأشكال.. وعلينا أن نتصرَّف بأدبٍ ولُطفٍ قدرَ الإمكان في هذا الصدد؛ فثمّة أهمية كبيرة للصداقات التي سيتم تكوينها حتى يتسنى محو الأحكام المسبقة ويتمكن الناس من الاستماع إلى بعضهم.. فإن نتمكن من فعل ذلك، تصبح الرسائل التي سنقدمها أكثر قيمةً في نظرهم، ولا ننسَ أنَّ أحدَ أهمِّ أسباب قبول رسالة نبينا صلى الله عليه وسلم في المجتمع الذي عاش فيه هو أنه عُرف رمزًا للصدق والأمانة في الفترة التي سبقت نبوّته؛ فكان محبوبًا من الجميع.

المعقولية ومراعاة الأسباب

من المهمّ جدًّا لتحقيق النجاح أن يكرّس المرء نفسه لقضية “إعلاء كلمة الله”، وأن يفعل كلَّ ما يفعله بإخلاصٍ وصدقٍ؛ فالأعمال التي تتمّ بإخلاصٍ وحسن نيّة يقبلها الله جل جلاله مهما كانت صغيرة، وتبلغ قيمًا أسمى من القيم، ولكن المعرفة والتجربة والمنطق أيضًا أمور ترتقي في الأهمّية إلى مرتبة النية الحسنة والإخلاص حتى تؤتي الخطوات المتخذة ثمارها وتبقى على الدوام.. وعلى سبيل المثال: بما أن استخدام العنف ليس صفةً إسلامية، فليس من المنطق اللجوء إلى العنف في تبليغ الدين ونشره.. وبما أن العمليات الإرهابية والتفجيرات الانتحارية التي ينفّذها اليوم أشخاص ينسبون -للأسف- للإسلام تخالف روح الدين تمامًا؛ فليس هناك منطقٌ لأيٍّ منها؛ لأنه يستحيل الوصول إلى أي هدفٍ أو غاية بواسطة الإرهاب والعنف.. وحتى وإن تم الوصول إلى هدفٍ ما، فيستحيل الاستمرار والبقاء هناك؛ لأن مثل هذه الأعمال تترك وراءها ضغينة وكراهية وحقدًا وغضبًا دفينًا، وذات يومٍ سيخنق هذا الغضب من تسبَّب به، فإن أريد للعمل المنجز القبول والبقاء في نظر الناس، وجب البدء بالنوايا والأفكار الحسنة، والتحرك أيضًا وفقًا للإرادة الإلهية، واستخدام العقل والمنطق حتى النهاية.

إذا كنتم تريدون من الآخرين قبولَ العمل الجيّد الذي أنجزتموه، أو على الأقل عدم التدخّل فيه، فيجب عليكم أن تجعلوا قضيّتكم قضية عالمية.. لدرجة أنه عندما يريد بعضُ الظالمين والمعتدين -الذين يريدون الهيمنة على العالم، وتُغذِّيهم النزاعات أو المنهزمون لضغائنهم وكراهيتهم- عرقلَتَكم ومنْعَكم، وجب على الآخرين أن يدافعوا عنكم قائلين: “لا.. لا تؤذوا هؤلاء، فهم يركضون في إثر أعمال جيدة للغاية لصالح الإنسانية”.. وكما يجب عليكم أن تركضوا دونما توقُّفٍ من أجل سلامة الإنسانية وأمنها من ناحية؛ فعليكم أن تراعوا من ناحية أخرى جميعَ الأسباب حتى لا تضيع أوجهُ الإحسان والبرِّ الذي قدمتموه هباءً منثورًا.

ومع أنّنا نثق تمام الثقة في عناية الله وحفظه وحمايته؛ إلا أننا لا نستطيع أن نبني مشاريعنا على ذلك مع تجاهل قانون السبب والنتيجة، وكما نؤكّد دائمًا فإن دينَنا يعلّمنا أن نراعي الأسباب مراعاةً تامّة بعد التوكل على الله والثقة بعنايته وحفظه، وألا نهمل شيئًا من الأسباب مهما بدا صغيرًا، فكل شيء إنما يحدث بخلق ربنا إياه ونعمته ولطفه وكرمه، لكنّ العبدَ مطالَب بالتحرّك وفقًا للخطّة التي سيضعها، وليس وفقًا لما سيأتي من الله من لطف آخر.. ولو كان الحكم يبنى على ألطاف إضافية، لكان نبينا صلى الله عليه وسلم أول من يفعل ذلك، لكنه لم يفعل؛ فلم يخطط أبدًا لأيٍّ من أعماله في إطار خوارق العادات، ولو أن الله تعالى أراد لأرسَلَ نيزكًا من السماء على هامات أعداء مكة الأفظاظ، فقضى عليهم.. إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاش إنسانًا إلى أن صار إمامًا للبشرية، كان يعيش في عالم الأسباب، وكان ينبغي لتوجيهاته أيضًا أن تكون وفقًا لذلك.. ومهما منَّ الله على المؤمنين بألطافه الواسعة دائمًا؛ فإن واجبهم هو عدم ترك أية ثغرة في أعمالهم، وعدم التقصير فيها، واتخاذ كل الاحتياطات التي يتعين اتخاذها، بحسب الظروف التي يعيشون فيها.

نعم، يجدر أخذ كل الاحتياطات اليوم لحماية المشاريع المنفذة لمصلحة الإنسانية، وضمان عدم إهدار المدخرات التي تم تحقيقها ببذل آلاف الجهود، وعدم إهدارها من قبل أحدٍ مستقبلًا، واستمرار الخدمات المقدمة للبشرية، يجب بناء أسوار حصينة كما فعل اليسوعيون والأورارتيون، حتى لا تصل أيدي الأشرار إلى هناك، ولا يتضرّر الانفتاح الذي بدأ ولا يزال مستمرًّا بعناية الله وكرمه، ولا تضيع سدى جهود المخلصين الذين يخدمون في كل أنحاء الدنيا.

ولكي يستمر هذا الانفتاح الجميل في طريقه دون توقّف؛ يجب أن نجتمع معًا ونتشارك في تلاقح الأفكار وعصف الأذهان والاستشارة والحكمة، ونحاول إيجاد الطرق والأساليب الأكثر منطقية وواقعية أيًّا كانت.. علينا أن نستفيد من فكر الجميع حول هذه المسألة.. علينا أن نكون منفتحين على الأفكار البديلة والطرق والأساليب المختلفة التي من شأنها أن تضيء آفاقنا، وتعطينا معلومات مهمة عن الطريق الذي نسير فيه، وأن نسرع من وتيرة حركتنا.

الصبر والتأنّي

هناك نقطة أخرى يجب الوقوف عليها فيما يتعلق بالموضوع، وهي: أن تبَنّي المجتمعات والشعوب للخدمات التي تبذلونها من أجلهم عبر التعليم أو الحوار أو الأنشطة الثقافية أو المساعدات الإنسانية، وتقبلهم إياها، وتمسكهم بها ودفاعهم عنها مرهون بالوقت، فيجب عليكم بدايةً بثُّ الثقة في مخاطبيكم، لذا عليكم أن تصبحوا جزءًا من المجتمع الذي تعيشون فيه، وتنخرطوا في بنيته، وتندمجوا معه.. فإذا بقيتم جسمًا غريبًا في المجتمع الذي تعيشون فيه وتعذّر عليكم الاندماج فيه، فسوف تُقلعون وتقذفون منه يومًا ما.. يجب أن يتبنّوكم، ويعتبروكم منهم، حتى لا يرتابوا في صحة رسالتكم وينفعلوا ضدكم.

نعم، إن الاندماج في المجتمع، والصيرورةَ جزءًا منه، والثباتَ فيه أمرٌ مرهونٌ بالوقت.. فيجب العمل في إطار ما تسمح به الظروف دون تسرّع، وربما تؤدّي بعض الترقيات المفاجئة إلى ردة فعل أحيانًا، ولا سيما لدى المجتمعات التي تتمسّك بتقاليدها ودياناتها فإنها لا تستوعب المشاريع التي يطرحها أشخاص تعتبرهم أجانب، فتتخذ ردّة فعلٍ معينة إزاءها، فمثلًا: قد يُزعج إنشاؤكم عشرات المدارس في بلد ما دفعةً واحدةً جماعات المعارضة القوية الموجودة هناك، وحتى لو لم تكن لكم أية علاقة بالحكومة أو السياسة فقد يشعرون بالقلق، لأنهم لا يعرفون ذلك ولا يعرفونكم بعد، قد يعتقدون أنكم ستنفّذون أجندةً سرّية خاصة، فثمة حسابات وخطط أعدّوها منذ فترة طويلة، ولا يريدون لها أن تفسد.

وعليه فيجب ألا تركزوا فقط على مشاريعكم وغاياتكم المثالية الخاصة، ولكن يجب عليكم في كل خطوة وانفتاح تبدؤونه أن تضعوا في اعتباركم أيضًا مصالح المجتمع الذي تعيشون فيه، وما ينتظره منكم وما يريد القيام به دنيويًّا.. وعليكم أن تتأكدوا من أن أنشطتكم منسجمة معه، وبمعنى آخر: يجب أن تحددوا القواسم المشتركة تحديدًا جيدًا وتنطلقوا من خلالها، وتطمئنوهم فعليًّا بأنكم لا تشكلون عقبة في طريقهم، وأنكم لستم معارضين لسياساتهم الدنيوية العامة، وإلا فلن يتركوكم في راحة في الدول الأجنبية مثلما لا تُتركون في راحة حتى في بلدكم.

والحاصل؛ أنه يجب أيضًا وضع القضايا المذكورة أعلاه في الاعتبار وحسابها جيدًا بينما نركض في إثر غاياتنا المثالية على طريق يتشابك فيه الفكر والعمل ويتداخلان.. فالقدرة على التفكير في كل شيء والعثور على الحقيقة والنجاح في كل شيء في عالم قائم على مثل هذه التوازنات الدقيقة، أمرٌ صعبٌ حقًّا.. فلا أضلَّنا الله ولا أبعدنا عن الاستقامة.

 

موقف المسلم من الفتن

Herkul | | العربية

لقد تكرّم ربُّنا سبحانه وتعالى على البشرية فلم يَحْرمها من كلاءته ورعايته في أيّ وقتٍ، بل أنار لها الطريق بأنبيائه وأتباعهم الصادقين من أوليائه، وهذا من عظيم فضل الله تعالى ورحمته وإحسانه، يعبّر عن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ (سورة فَاطِرٍ: 35/24)، وكلُّ نبي جاء بوصفات علاجية مناسبة للمجتمع الذي أرسِل إليه، ولكن لما كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هو خاتم الأنبياء والمرسلين فقد كانت النصوص الدينية قابلةً للتأويل والتفسير بحسب تغيُّر الظروف والأزمنة على يد المجدّدين والأئمة المجتهدين.

إلا أنه وبعد فترة من الزمان قد انحرف كثيرون عن نهج أنبيائهم، ونسوا رسالتهم، وابتعدوا عن حياة القلب والروح؛ لأن العيش في مدار حياة القلب والروح والمحافظة على الاستقامة لا يتأتى إلا بالنفخة الإلهية، فلما أعرض هؤلاء عن الوحي السماوي ولم يُصغوا إلى أنفاس الأنبياء كان لا بد وأن يسلكوا بعض الطرق الضالة.

والسِّيرُ الحياتية للأمم السابقة حافلة بأمثال هؤلاء؛ فبعض الأمم التي كانت اقتدت بأنبيائها وقت حياتهم، اتخذت لها طواطم من تلقاء نفسها بعد مرور فترة معينة، واتجهت إلى عبادة الأصنام.. كانت هذه الطواطم أحيانًا مصنوعةً من الحجر والخشب، وأحيانًا أخرى كانت عبارة عن أفراد أضفت هذه الأمم عليها هالةً من التبجيل والقداسة.. ولا ريب أن إنسان اليوم الذي ابتعد عن جوّ الوحي المنير قد جعل من بعض الناس طواطم وطواغيت له، حتى إننا رأينا أحدهم يقول: “إن مجرد ملامسة فلان بمثابة العبادة”، وآخر يتخذ هذا معبودًا له، وآخر ينعت ذاك بالزعيم الأزلي الخالد.

بيد أن هذه كلمات بالغة الخطورة؛ قد تسوق عقيدةَ الإنسان إلى الانحراف، فليس من الجائز أن يقول الإنسانُ حتى عن الأنبياء: إن مجرّد لمسهم من أصول العبادة، ناهيك عن الشخصيات العادية؛ لأن من يحدد العبادات هو الله، والله سبحانه وتعالى لم يضع مثل هذه ضمن بنود العبادة.. وبالمثل لا تُنسب الصفات الأزلية والأبدية لأي شخص بما في ذلك الأنبياء؛ لأنها صفات خاصّة بالحقّ جل وعلا فحسب، فلا معبود بحق غير الله، وليس من الصواب استعمال مثل هذه العبارات في حقّ أحد غيره حتى ولو مجازًا.. فثمة موجودٌ واحدٌ يستحقّ العبادة وهو الله.. فالعبودية والعبودة لله تعالى ليس إلا، وهو ما نعلن عنه كل يوم في صلواتنا عندما نقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (سورة الفَاتِحَةِ: 1/5)، والواقع أن السبيل الوحيد للانسلاخ من العبوديات الأخرى هو أن تكون عبدًا حقيقيًّا لله تعالى، ومن لم يكن كذلك فلن يتخلّص من كونه عبدًا للأشياء الأخرى، ولا شك أن من ينحرف عن طريق عبوديته لله يسلك طرقًا معوجّة ملتوية، ولا يستطيع الوصول إلى أهدافه ألبتة.

فبعض الناس اليوم يقترفون الذنب باسم الدين، ويرتكبون الجرم باسم الدين، ويمارسون جميع أنواع الجرائم باسم الدين، والأدهى من ذلك أنهم يعملون على إصباغ مساوئهم بالصبغة الشرعية باسم الدين، ويتّخذون من الدين سلّمًا للوصول إلى تطلّعاتهم المشؤومة، فيستغلون ذلك استغلالًا كبيرًا.. ومن لا يخضع لوصايتهم ولا يبايعهم بيعةً مطلقة يتهمونه بأشياء لا أصل لها، بل ويضلّلونه ويكفِّرونه، وبعد ذلك يستحلون كل أنواع الظلم والجور الذي يُمارس ضده، وما أكثر القبائح والشنائع التي يرتكبونها ضدّه فيما بعد! فيستحلون غيبته بلا حرج، ويهيلون عليه الافتراءات دون خجل، ويشوهون صورته عن عمد وقصد، ولا يرون في ذلك أيَّ حرجٍ ديني، وما أساسُ هذه التصرفات والسلوكيات المنحرفة إلا انحرافهم عن نهج الأنبياء.

صمت رجال الدين

الغريب في الأمر أنه عند ارتكاب كل هذه الجرائم باسم الدين لا يحرِّكُ “لاهوتي” واحدٌ ساكنًا، وإنني لأستعمل هذه الكلمة “لاهوتي” عن قصد، وأقصد بها بعض علماء الدين والمشايخ والوعاظ الذين ابتعدوا عن روح الدين، فلو كان هؤلاء علماءَ دينٍ بحقٍّ لَأدَّوا حقَّ علمهم، ولَاعترضوا على هذه الضلالات، ولكن مع الأسف لم يخرج أحدٌ منهم حتى الآن ليقول: “هذا زائدٌ عن الحدّ!”.

إننا نعيش في فترة يتعذّر على المتديّنين فضلًا عن علماء الدين أن يقولوا على الكذب كذبًا، أو يقولوا عن السرقة إنها حرام، أو يرفعوا صوتهم ضدّ الفساد، أو يعترضوا على القهر والجور، وقد يتجاوز البعض حدَّه ويهزأ بالقرآن الكريم ثم لا ينبس أحدٌ من علماء الدين أو التابعين لرئاسة الشؤون الدينية ببنتِ شفةٍ، بل قد ينهض أحدهم ويقول: “لقد أصيب النبي -حاشاه- بالغرور، ولن نقع في الأمر نفسه”، ولا يعترض أحدٌ أيضًا.. ناهيك عن الاعتراض، بل يبررون هذه الوقاحات بتأويلاتهم وتفسيراتهم، ويتستّرون على الكذب، ويضفون الشرعية والمعقولية على ظلمهم وفسادهم، ويستغلّون المساجد لإضفاء الشرعية على هذا الكمّ الهائل من المساوئ والمحرّمات، ويعدّون الخطب ويلقون الدروس التي تلبّي هذا الغرض.

ألا يعلمون أنهم سيحملون على ظهورهم يوم القيامة وبالَ هؤلاء الظالمين المستبدّين الذين يرتكبون هذه المحرمات؟!، ومهما كان عدد الضحايا والمظلومين الذين تعرّضوا للظلم والقهر وانتهاك الحقوق فسيأخذون حقّهم منهم، بل ربما يقتصّ منهم الظالمون في ذلك اليوم لأنهم جرّؤوهم بفتاويهم المنحازة على الشر، وأطغوهم وأضلّوهم بدعمهم الخفي والعلني.

البطولة الحقيقية

إننا في عصرٍ خرج فيه الفكر الإسلامي عن دائرة الاعتدال، وخرج كلُّ شيء عن السيطرة، فيجب على هؤلاء الذين وهبوا أنفسهم للخدمة الإيمانية والقرآنية في هذا العصر أن يتحكموا في قلوبهم وأفئدتهم وألسنتهم وأقوالهم وأفعالهم.. عليهم أن يراجعوا دومًا مشاعرهم وأفكارهم، وأن يتجنبوا الأقوال والأفعال التي لا تُرضي الله تعالى؛ فشُيُوعُ الحرام لا يعني تحليله؛ فلكلِّ نفسٍ ما كسبت وعليها ما اكتسبت، وكما يقول القرآن الكريم: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (سورة الأَنْعَامِ: 6/164).

وبالعودة إلى صلب الموضوع فإنّ ربَّنا سبحانه وتعالى لم يَحرم البشرية في وقت من الأوقات من كلاءته ورعايته، بل أنار لهم الطريق بأنبيائه وأتباعهم الصادقين من أوليائه، فبلّغ الأنبياء العظام مخاطبيهم الحقائق التي تعهّدوا بتبليغها، فشرحوا الصدور، وحذّروهم عاقبة الطريق المعوجّ، وميّزوا لهم الصحيح من الخطإ والجميل من القبيح والأبيض من الأسود، فالواجب علينا هو التمسك بالاستقامة والوقوف حيث ينبغي أمام الله، وعدم التخلّي عن موقفنا مهما كان الثمن.

أجل، عندما يكون المجتمع صالحًا، ولا يفكّر أحدٌ من أفراده إلا في الخير والصلاح، وعندما يسود الإسلام والدين والحكمة والعدل؛ يسهل على الإنسان أن يتحكّم في يديه وقدميه وعينيه وأذنيه.. وأعتقد أنه في مثل هذا المجتمع الذي يتنفس فيه الجميع الصدق والوفاء فلا يؤذي أحدٌ أحدًا، وتخرج فيه المساعدات من خلال “أحجار الصدقة”[1]؛ لن يستطيع حتى الشيطان أن يحثّ على الفسق والفجور، المهمّ هو المحافظة على الاستقامة في الآونة التي تشتدّ فيها الظروف، وينفد فيها الصبر.. لا بدّ من تمثّل الأمن والأمان حتى في الآونة التي تهيج فيها الفتن وتثور، وتفيض فيها البلايا والكوارث كالطوفان الذي يدفع كلَّ شيءٍ أمامه.

أجل، البطولة الحقيقية هي تجنّب المقابلة بالمثل لما يُرتكب في حقِّنا من غيبة وما ينهال علينا من افتراءات وما ينتشر حولنا من شرور، وعدم التحرّك انطلاقًا من مشاعر الثأر والانتقام، وعدم الاكتراث أو الاستجابة للاستفزازات.. وإنه ليس من السهل النجاح في هذا، فلا يمكننا أن نتجاهل الفطرة البشرية والحقائق الاجتماعية؛ ورغم أن الأكثرية لا تستطيع أن تصمد في زمن الفتنة الذي تتعرّض فيه لابتلاءات قاسية فتخسر؛ إلا أننا سنجدُ على الصعيد الآخر الفائزين، وهؤلاء هم الذين يصمدون أمام كل الصعوبات، ولا يتزعزعون ولا ينحرفون عن منهجهم.

قد لا تُعرَف قيمة هؤلاء في هذا الجو الضبابي الذي تنتشر فيه الفتنة والفساد، ولا يُسمَع فيه إلا ثرثرة الظالمين وضجيجهم فقط، ولكن عندما تهدأ الفتن، وتهب نسائم الربيع ولو قليلًا، أو يبزغ نور الفجر بعد الليل المظلم؛ تتضح رؤية كلّ شيءٍ أكثر فأكثر.. عندها يتلوّى الكثيرون ألمًا، ويأتون معتذرين.

إن السبّ واللعن والحقد والعداء لا يعود على الإنسانية بشيء، فالعالم في أمسِّ الحاجة إلى الحب والسلم والأمان، وأعظم مهمّة تقع على عاتق الذين نذروا أنفسهم للخدمة في سبيل الله هي أن يكونوا ممثلين لهذه القيم.. فإن نجحوا في هذا فسيصبحون بفضل الله وعنايته في المستقبل قدوةً تتّجه إليهم الأنظار، ويُشار إليهم بالبنان.

[1] حجر الصدقة: أعمدة حجرية كانت تتواجد عند بداية كُل شارع في العهد العُثماني، حيث كان الأغنياء أو المُتصدقون يضعون النقود “الصدقة” في الفتحة الموجودة في أعلى العمود وفي الليل يأتي الفقراء ويأخذون حاجتهم، والهدف من ذلك هو عدم رؤية الغني للفقير والفقير للغني، لتجنب إحراج الفقير. (الناشر)

الربانيون

Herkul | | العربية

سؤال: ماذا تعني كلمة “ربَّاني” الواردة في القرآن الكريم، ومن هم الربَّانيون، وما هي أوصافهم؟

الجواب: كلمة “ربَّاني” عُرِّفَت في المعجم بأنها تدلُّ على رجل الدين العالم العابد لله.. وعُرّفت في التفاسير بأنها تدل على رجل الحق العارف بالله المجهز بالحكمة والعلم[1]، وزيادة في التوضيح يمكننا تعريف الربَّاني بأنه رجل الحق الذي يبتغي رضا الله وحده، ويعيش منفتحًا على الاعتبارات الميتافيزيقية والروحانية، ويترك الحياة الحيوانية والجسمانية، ويسير ويسيح في مدارج حياة القلب والروح، وإن مفاهيمَ مثل “السير إلى الله” و”السير في الله” و”السير مع الله” و”السير عن الله” الواردة في التصوّف تعبر عن هذا بطريقة ما، وبمنظور آخر: فإن كلمة “ربّانيّ” تُطلق على المؤمن الذي تخلى عن رغباته وشهواته في سبيل الدعوة التي يؤمن بها، وربط كل أموره بحسابات الله وخططه، وأدرك أهمية الطاعة، وعزم واجتهد أن يواصل حياته في هذا الاتجاه.

نعم، إن الربَّاني -بهذا المعنى- مؤمنٌ كامل يمثِّل في شخصه الإخلاص لـ”الرب” إضافة إلى أنه في الوقت نفسه مرشد كامل يرشد الآخرين إلى الطريق الموصلة إلى هذا الأفق، فهو مرشد يبذل جهدًا وسعيًا حثيثًا كي يجعل “الإنسان العادي” إنسانًا حقيقيًّا واضعًا في عين الاعتبار دائرة ربوبية الحق تعالى، لذلك أطلق على أهل الله، وعلى المربين والمرشدين الحقيقيين أناسٌ ربانيُّون، وهذا أيضًا هو السبب في إطلاق لفظ رباني على “الإمام الرباني”، أي المعلِّم الذي يتحرّك وفق القوانين الجارية في الكون، ويعلّم الناس كيفية معايشتها، ويؤمِّن تحرّك الناس بسلاسة وراحة بين طياته، وتأملهم في الكون، وقراءتهم هذا الكتاب، والوصول من خلاله إلى الأفق المنشود.

ويرد ذكر كلمة رباني في ثلاث آيات من القرآن؛ فيجري الحديث في الآيتين 44 و63 من سورة المائدة عن ربانيّي أهل الكتاب، أما الآية الأخرى الواردة في سورة آل عمران فَتَنُصُّ على أن جميع الأنبياء عليهم السلام دعوا محاوريهم ليكونوا ربانيين:

﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (سورة آلِ عِمْرَانَ: 3/79).

يمكن لأي شخص أن يكون ربّانيًّا بقدر ما تسمح به ملَكَتُه وقدرتُه، ويستطيع أن يرتقي إلى عرش كمالات نفسه، غير أنه يحتاج من أجل هذا إلى تنشيط بعض أنظمته الروحية والمعنوية، وإثارة مشاعره وحماسته، والابتعاد عن الحياة الجسمانية، وتقديمه رضا الله على رغباته الخاصة، وتخطيطه حياته كلها وفقًا لحسابات الله متخليًا عن حساباته الشخصية.

ليس من السهل على إنسان يحمل نفسًا بين جنبيه، ولديه رغبات وشهوات، وخصمٌ أبديٌّ مثل الشيطان؛ أن يصبح ربَّانيًّا، فهذا يتطلّب كفاحًا ومجاهدةً حقيقيّةً وجادّة، وعلى مَن يدخُل في مثل هذا الطريق أن يحافظ على علاقاته بالله قوية للغاية، ويجب عليه أن يعرف كيف يحطم اعتباراته وحساباته الخاصة قطعًا إذا ما خالطت الأمر، ولنفترض أنه يؤدي نافلة، فإن كانت ثمة فكرة أخرى تخالط صلاتَه غير مراعاة الله؛ فعليه ترك تلك الصلاة، والانزواء إلى غرفته، والبدء فيها من جديد بعد التركيز التام، ولا يمكننا قول الشيء نفسه بالنسبة للصلوات المفروضة؛ لأنه في هذه الحالة يتعذر تحمل الأمر، غير أنه من يريد أن يكون ربَّانيًّا مضطرٌّ إلى تحقيق الإخلاص في كل أعماله التي تقربه إلى الله، وأن يُسلم قلبه لله عز وجل.

وترد في القرآن أيضًا كلمة “رِبّي” التي تشبه كلمة “ربّاني”: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ (سورة آلِ عِمْرَانَ: 3/146).

وعند مطالعة التفاسير، يُلاحظ أن كلمة “رِبِّي” غالبًا ما تفيد معنيين مختلفين عزوًا إلى أصلها، أولهما: المجتمعات الكبيرة؛ أما ثانيهما: فهو مَن نذروا أنفسهم لـ”الرب”، وفي هذا المعنى الثاني، تشبه كلمة رِبّي كلمة رَبَّاني، ويذكر بعض المفسرين أن اختلاف المعنى بين هذين اللفظين على النحو التالي: بينما يُطلَق لفظ رِبِّي على كلِّ من ينذر نفسه لله فإنَّ كلمة رباني تُطلق على منْ أحرز صفة الإرشاد والتبليغ أيضًا.

ومن ثم يُطلق الربّي على من ينذر نفسه لإعلاء كلمة الله، ويركض دون تردد لرفع اسم الله في جميع بقاع الأرض، ويسعى إلى إعلام الجميع بمحاسن الدين، ويقابل صابرًا شتّى المشاكل التي يواجهها على هذا الطريق.

يُذكر في الآية أن من نذروا أنفسهم للدعوة إلى الله لن يملوا ولن يهِنوا، ولن يضعفوا، ولن يخضعوا لأعدائهم أمام الصعوبات والمشقات التي ستعترض طريقهم؛ لأنهم يدركون صعوبات هذا الطريق الذي يسلكونه، وقد قطعوا وعدًا منذ البداية بأن يواجهوا هذه الصعوبات، إنهم يعيشون أوفياء مرتبطين دائمًا بهذه العهود طوال حياتهم؛ فيواجهون بابتسامة كلَّ مصيبةٍ تصيبهم في سبيل القضية التي يمثلونها، فيصمدون في مواجهة الصعوبات والمتاعب، ولا يُصدمون ولا يصابون بالذعر، ولا ينساقون أبدًا لفكرة “متى سنتخلص من هذا الأمر؟” وأكثر ما قد يبدر من أفواههم جملة كهذه: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ﴾ (سورة يُوسُفَ: 12/86).

نعم، إن الإنسان الذي يؤمن بالله لا يلجأ لشيء سوى الركوع والسجود له تعالى، ويمرغ وجهه على الأرض بين يديه عز وجل، ولا يمكن تصور أن يكون المؤمن -الذي بلغ هذه المرتبة- عبدًا لأحد سوى الله تعالى، ولا أن ينحني أمام غيره ويعيش تحت وصايته، إنه يقول مثل بديع الزمان سعيد النورسي: “إنني أتمكن أن أعيش من دون طعام ولكني لا يمكن أن أعيش من دون حرية!”[2]، إنه لا يضحّي أبدًا بحريته في مقابل أي شيء، ولا يستعين بأحد غير الله، ولا يطلب العون من أحد غيره.

وفي نهاية الآية الكريمة التي ذُكر فيها الربيُّون يُذكرُ أن الله تعالى يحب و يكون دائماً مع الصابرين؛ فإذا كان الله تعالى معكم فمَن عليكم؟ فلتوقنوا فلتؤمنوا بأنه لن يضيعكم أبدًا، وهنا يمكنكم أن تتذكروا كلمات نبينا صلى الله عليه وسلم التالية التي قالها تسرية عن ابنته الزهراء رضي الله عنها التي حزنت وبكت في مواجهة الأذى الذي مُورس تمت ممارسته ( عانا منه )ضده عليه الصلاة والسلام: “لَا تَبْكِي يَا بُنَيَّة، فَإِنَّ اللَّهَ مَانِعٌ أَبَاكِ”[3].

وعقب تلك الآية: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ (سورة آلِ عِمْرَانَ: 3/146)، يقول تعالى: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (سورة آلِ عِمْرَانَ: 3/147).

في هاتين الآيتين، يُكشف عن النموذج المثالي للإنسان الذي نذر نفسه لله، وهكذا نكون قد رأينا ما يفكرون به ويقولونه، وكيف يواجهون أنفسهم، وكيف يتوجهون إلى الله تعالى، وكيف هو موقفهم في مواجهة الصعوبات والمشقات، وانطلاقًا من هذا المشهد المعروض، يمكننا تحديد موقفنا وقياس أنفسنا ووزنها، ورؤية الفرق بين المكان الذي نقف فيه والمكان الذي يجب أن نقف فيه، ونفهم ما إذا كنا أناسًا نذروا أنفسهم في سبيل الله، أم لا.

الربّانية والربّية وجهان لحقيقة واحدة، فثمة علاقة وثيقة لأحدهما بالآخر، وبينما الربانية تعني التعمق في الداخل والارتباط القلبي بالله عز وجل، تعني كلمة الربيّة الانفتاح على الخارج أكثر، والعزم على تبليغ اسم الله سبحانه وتعالى للعالمين، فيتعذر أن تكونوا مخلصين ناذرين أنفسكم بالمعنى الكامل ما لم تكونوا ربانيين، وإذا ما عجزتم عن إحراز الإخلاص التام الكامل في تبليغ اسم الله سبحانه وتعالى فلا تستطيعون إظهار الأداء والقوة اللازمين اللازمتين في طريق الربانية، والقصورُ في أحدهما يؤثر على الآخر، ربما تكونوا قد سلمتم أنفسكم لسبيل الله وترقيتم إلى حد ما، ولكن إذا لم تركزوا ولم تتقيدوا تمامًا بالرضا قصرتم في دعوة إعلاء كلمة الله.

وحاصل الكلام أن واجب المؤمن هو أن يُسلم نفسه تمامًا للحياة القلبية والروحية، وأن يسير دائمًا في سبيل الله بحواسه الظاهرية والباطنية معاً، ومن جهة أخرى ألّا يُضحيَ لصالح أيِّ شيءٍ بشرفه الذي يحمله بفضل الدين، وأن يتصرّف دائمًا بروح التفاني في هذا الشأن أيضًا؛ فَنَيلُ رضاء الله تعالى ورؤية جماله مرهونان بالوفاء الكامل بمتطلبات الطريق المؤدي إلى ذلك.

[1]  لسان العرب، مادة “رب”؛ الطبري: جامع البيان، 6/540-544.

[2]  بديع الزمان سعيد النورسي: ملاحق، ملحق أميرداغ، ص 210.

[3]  ابن هشام: السيرة النبوية، 1/416.