الحفاظ على الأُسْرة

الحفاظ على الأُسْرة
Mp3 indir

Mp4 indir

HD indir

Share

Paylaş

تحميل mp3
Share

يشارك

سؤال: حافظت الأُسْرة على بقاء المجتمع واستقراره لقرونٍ طويلة، بينما نشهد اليوم تزايدَ الاضطرابات، وتصاعدَ حالات التفكّك، وارتفاعَ معدلات الطلاق داخل هذه المؤسسة المجتمعية؛ فما سبل الحدِّ من هذا الوضع المؤسِف، وإعادة السكينة والاستقرار إلى الأسرة من جديد؟

الجواب: لقد بدأت ظاهرةُ التفكّك الأسري بالظهور في المجتمعات الغربية أولًا، ثم أخذت تتسلّل تدريجيًّا إلى المجتمعات الإسلامية، ولم تكن منطقة الأناضول بمنأًى عن هذا التأثير، إذ شهدت في عصرنا ارتفاعًا ملحوظًا في معدّلات الطلاق مقارنة بما كانت عليه في الماضي، وتكشف الإحصاءات مدى السرعة التي تتعرّض بها الأسرة للتفكّك والانهيار..

 وحتى دون الرجوع إلى الإحصاءات، فإنه يمكننا أنْ نتصوّر جيّدًا حجم التفكّك والتصدّع الذي أصاب الأسرة من خلال الأحداث التي نشهدها من حولنا، والتجارب التي نعيشها، والملاحظات التي نسجّلها في حياتنا اليومية، ولقد شهدتُ بنفسي حتى الآن العديد من المشكلات الأسرية في دائرة معارفي القريبة، كما استعان بي بعض الأصدقاء للعثور على حلٍّ للمشكلات الأسرية التي يعانون منها، فبذلت ما في وسعي لتقديم النصح والإرشاد لهم.

الأسرة: نقطة مركزية للتفكّك المجتمعيّ

بدايةً، أودّ أن أعرب عن عميق ألمي وبالغ قلقي إزاء هذا الوضع؛ فكلما رأيتُ بيوتًا تتداعى، وحقوقًا تُنتهك، ونساءً يتعرّضْن للظلم، يتملَّكُني شعورٌ كبيرٌ بالرغبة في البكاء، ذلك أنه حين تبدأ المشكلات العائلية في الظهور، أو يقع الطلاق، يتضرّر الزوجان على حدٍّ سواء؛ إذ يحل الحقد والغضب تدريجيًّا محلّ الحبّ والشفقة، وتستيقظ “الأنا”، ويدبّ العناد، وتتأجّج مشاعر الانتقام، مما يدفع الطرفين إلى ارتكاب أخطاء أكبر.. علاوة على ذلك، فإن تبعات هذا لا تقتصر على الزوجين فحسب، بل يصبح الأطفال ضحيّةً في المنتصف، وينعكس الأمر سلبًا على الأقارب والمحيط القريب، والأخطر من ذلك كله أن الأسرة تُعدّ اللبنة الأساسية لبناء المجتمع، ومع كلّ بيتٍ يتهدّم، يبدأ المجتمع نفسه بالتفكّك والانهيار شيئًا فشيئًا.

وثَمَّ بُعدٌ آخَرُ للمسألة، وهو أن الحياة الزوجية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بعبوديتنا لله؛ إذ يترتّب على الطرفين بموجب عقد النكاح حقوقٌ وواجباتٌ متبادَلةٌ، وكلُّ خطإ يُرتكَب في إطار الحياة الزوجية قد يكون سببًا في اقتراف ذنوب نُسأل عنها بين يدي الله سبحانه وتعالى، فإن لم يُراعَ هذا الأمر فقد تصل المسألة إلى حدِّ انتهاك حقوق العباد، مما يفتح الباب على مصراعيه لآثامٍ شتّى.

فهل يمكن لإنسانٍ ضميره حيٌّ ألا يحزن أمام هذا المشهد؟! ولا سيما إذا كان يتمتّع بإحساسٍ رقيقٍ؛ لا بد أنه مع انهيار ركنٍ من أركان الأسرة يشعر في أعماقه وكأنّ انهياراتٍ متواليةً تقع في عالمه الداخلي، فالإنسان الذي يضيق صدره لسقوط ورقةٍ من شجرة، وتدمع عيناه لموت نملةٍ، يتفطّر قلبه كمدًا وتتفتّت أجزاؤُه هلعًا أمام انهيار بيتٍ وتشتُّتِ أسرة.

وثمة أسباب شتى وراء هذا التفكّك والانهيار الأسريّ، يأتي على رأسها اتباع الهوى والنفس؛ إذ يميل الناس اليوم إلى أن يعيشوا حياتهم وفقًا لهواهم وأمزجتهم، وقد تسلّل هذا التوجّه إلى مؤسّسة الأسرة أيضًا، فصارت الزيجات تُبنى في الغالب على المشاعر العابرة والأهواء المتقلبة، ولما كانت العاطفة القلبية هي المتصدّرة للمشهد، غاب العقل وتراجع تأثير المنطق، ومن ثَمَّ لم تعد الحقوق والمسؤوليات المتبادلة تُؤخذ بعين الاعتبار كما ينبغي، فالناس اليوم لا يدركون ثقل المسؤولية التي يحملونها على عواتقهم، بل لا يعون تمام الوعي لقيمة قولهم “قبلت الزواج” عند عقد القِران..

 يُضاف إلى ذلك التراجع التدريجيّ لأثر الإيمان بالآخرة، والخوفُ من الحساب، ووازع التقوى في توجيه التصرّفات والسلوكيات؛ فلما كانت تلك البيوت لم تُؤسَّس منذ البداية على أسسٍ راسخةٍ، عجزت تمامًا عن منح السكينة والطمأنينة لأصحابها.

الاستعداد الذهنيّ والقلبيّ للزواج

إن الزيجات التي تُعقَد دون تفكيرٍ كافٍ، ودون استعدادٍ ماديّ ومعنويّ وافٍ، لا تجلب السكينة للطرفين في أغلب الأحيان، والحقّ أنه لا يمكن اعتبار هذا النوع من الاقتران زواجًا بالمعنى الحقيقيّ والكامل للكلمة، كما لا يتحوّل المكان الذي يعيش فيه هذان الزوجان إلى عشٍّ زوجيٍّ بالمعنى الحقيقي.

ومِن هذا المنطلق، يتعيّن على المقبلين على الزواج أن يُهيِّئوا عوالمهم الذهنية والقلبية لاستقبال هذه الحياة الجديدة، وأن يبلغوا درجةً من النضج تؤهّلهم لإدارة بيت الزوجية، وأن يصلوا -إن جاز التعبير- إلى الرشد الذي يؤهّلهم لتحمّل مسؤوليات الحياة الزوجية.. فينبغي لهم -على سبيل المثال- إدراك معنى الزواج ومضمونه، والتعرّف على طباع الجنس الآخر، والمسؤوليات التي تقع على عاتق كلٍّ منهما دون تعدي أحدهما عليها أو التدخّل فيها.

 وإن الزوجين اللذين يبدآن رحلة حياتهما بنيّة قضاء العمر كلّه معًا، يجب أن يكونا مستعدَّين منذ البداية لأن يتحمّل كلٌّ منهما الآخر، وأن يمتلكا القدرة على التغلّب على بعض المشاعر السلبية التي قد تنشأ أحيانًا، كذلك ينبغي لهما توطين أنفسهما على حلّ المشكلات التي قد تواجههما عبر تبادل الآراء، والالتزام بالاحترام المتبادل، والتحلّي بالودّ والتعاطف، وكلُّ هذه الأمور هي مسائل تتوقف بالدرجة الأولى على التربية والتأهيل.

وإذا لم يخضع الطرفان قبل الزواج لمثل هذا النوع من التربية والتأهيل، ولم يستعدّا للحياة الزوجية استعدادًا كافيًا، فقد لا يدوم البيت الذي يؤسّسانه طويلًا، بل ربما ينهار أمام أوّل عاصفةٍ شديدةٍ تهبّ تجاهه، ففي مثل هذه البيوت لا يكاد يمرّ يومٌ دون جدالٍ أو خلافٍ؛ إذ يقول أحدهما كلمةً فيردّ الآخر بمثلها أو بأقسى منها، فيدبّ الجدال وتُثار المشاحنات، ومع مرور الوقت تتفاقم حالات التوتّر والخلاف، حتى تصبح مع الأيام مشكلاتٍ يصعب حلّها أو تجاوزها.

 وإن مجتمعًا تصدعت فيه الركائز التي تقيم الأسرة، وانهارت دعائم الزواج فيه، لا يمكنه البقاء صامدًا لفترات طويلة، ولعلّ أحد الأسباب الجوهرية الكامنة وراء استمرار الدولة العثمانية لقرونٍ هو البنيان الأسريّ المتين؛ فبفضل قوة الروابط العائلية، وسيادة روح التعاون والتضامن بين أفراد الأسرة، نشأت أجيالٌ منضبطةٌ، قوية السجيّة، متحلّية بالقيم الأخلاقية.. أما البيئة الأسرية التي تشهد نزاعات ومشاحنات مستمرّة، فمن الصعب أن ينشأ فيها أفراد أقوياء وأصحّاء نفسيًّا وبدنيًّا.

ولا ريب أن القضايا التي طرحها سيدنا رسول الله ﷺ في خطبة الوداع تمثِّل أُسسًا حيويّةً تمسّ وجود المجتمع واستمراره بشكلٍ مباشر، فقد حرّم النبي الكريم ﷺ الربا تحريمًا قاطعًا، وأبطل دعوى الجاهلية، وحذّر أمته من الظلم، وأمر بردّ الأمانات إلى أهلها، وأكّد على حرمة الدماء والأموال، ونفى أيَّ ادعاءاتٍ للتفاضل بين الناس على أساس العِرق أو النسب.. وإلى جانب ذلك، أولى اهتمامًا خاصًّا بالحقوق والواجبات المتبادلة بين الزوجين، ولفت الانتباه إلى أن النساء عوانٌ لأزواجهن[1]، وإن هذه الأسس جميعها هي المقومات الجوهرية التي تضمن صمود المجتمع وتماسكه؛ ذلك أن التفكك غالبًا ما يبدأ بانتهاك هذه الركائز الحيوية والمساس بها.

ومِنْ ثَمّ فمهما بلغ مَدَى الأسى والأسف مبلغه إزاء تفكّك الأسرة، ومَهْمَا بَلغتْ درجةُ السعي في سبيل كبح جماح هذا الانهيار، فإنه يظلُّ قليلًا لا يُوفِي المسألةَ حقَّها، ومَع ذلك لا يمكننا القولُ إننا على وعيٍ كافٍ بالمشكلات التي تَعصف بمؤسسة الأسرة، أو إننا نَبذل الجهودَ اللازمةَ للحدِّ من هذا التفكك، إذ إن “فلسفة وفكرة الأسرة” لم تحظَ بالاهتمامِ الكافي حتى يومنا هذا، ولم تُوضَعِ القواعدُ الأساسية التي ترتكز عليها نُصْبَ الأعين، ولم تَشمل المناهجُ المدرسيةُ دروسًا تَشرحُ معنى مؤسّسة الأسرة ومضمونها، كَمَا افْتقَرت الساحةُ إلى دراساتٍ وأبحاثٍ عميقةٍ تُلبّي الاحتياجاتِ في قضايا الأسرة والزواج وتربية الأطفال.

 فضلًا عن أن هذه المسألةَ لم تُتَناوَلْ بالقَدْرِ المأمولِ عَبْرَ الندواتِ واللقاءاتِ الحوارية والمؤتمرات، كَمَا لم يخضع المقبلون على الزواج لبرامجَ تأهيليةٍ وتدريبيّةٍ خاصّة.. نسأل اللهَ أن يَكونَ في مَقدور أجيالِ المستقبلِ تَدَارُكُ هذه الفجواتِ وتلافي هذه النواقصِ كافّةً!

التأهيل قبل الزواج

إن الأشخاص الذين يتأهّلون لمهنٍ معيّنة عن طريق التعليم والتدريب، يخضعون بعد ذلك لدورات وبرامج تطويرية مختلفة من أجل مواصلة تنمية مهاراتهم وخبراتهم، فلا يُمنح الأشخاص مناصب أو مسؤوليّات مهمّة دون امتلاكهم قدرًا معيّنًا من الكفاءة والخبرة، وليس من الصواب منحها لهم أصلًا؛ إذ تتطلّب كلُّ مهمّةٍ مسؤولية خاصّة، وليس بمقدور الجميع النهوض بها، وكذلك الأمر بالنسبة لشخصين يؤسّسان بيتًا جديدًا، فهما بلا شكّ يتحمّلان مهام ومسؤوليّات محدّدة، فإذا كان من الطبيعي أن يتلقى الإنسان تعليمًا وتدريبًا خاصًّا لممارسة مهنة من المهن، فهل يُعقل أن يبقى جاهلًا بأبسط المعارف المتعلّقة بمؤسّسة الأسرة، وهي المؤسسة التي تشكِّل أساس المجتمع وقاعدته؟! وكيف يؤتمَن من لم يقرأ كتابًا واحدًا، أو لم يحضر ندوةً واحدةً على الأقل، بشأن حقوق الزوجين أو تنشئة الأطفال كأفراد أصحاء متمسّكين بالقيم الإنسانية؟!

إن الكائنات الحية الأخرى -خلاف الإنسان- ليست بحاجةٍ إلى تربيةٍ أو تأهيلٍ في هذا الشأن؛ فهي بمجرد أن تفتح عينيها على الدنيا تعرف تمامًا ما تفعله، فتبني أعشاشها وتُحافظ على استمرار نسلِها بسَوقٍ وإلهامٍ إلهيٍّ، إذ أودع الله في طبائعها منذ الولادة كلّ ما يتعين عليها القيام به.. أما الإنسان وفقًا لتعبير الإمام بديع الزمان سعيد النورسي فإنه كائنٌ “يتكامل بالتعلّم”[2]؛ أي إنه بحاجةٍ ماسّةٍ إلى التعليم والتربية والمجاهدة لتنمية مهاراته وإبراز طاقاته الكامنة، وإذا كان الإنسان يفتقر إلى التعلّم لتلبية أبسط احتياجاته الحياتية، فإن من الصعوبة بمكانٍ أن ينجح في بناء بيتٍ مطمئنٍ في مسألةٍ معقدةٍ كالأسرة دون أن يخضع أولًا لتربيةٍ جادّةٍ وتأهيلٍ وافٍ.

أمّا أنا شخصيًّا، فلو كنتُ أملك الإمكانات والصلاحيات اللازمة، لَاشترطتُ -من باب المصلحة المرسلة- حصولَ الراغبين في الزواج على الأقل على شهادةٍ تأهيليّةٍ لهذا الأمر، حتى وإن لم تكن شهادةً رسميّةً، وَلألزمتُ كلَّ من يسلك طريق الزواج بالخضوع لبرنامجٍ تعليميٍّ وتربويٍّ يهيِّئه لهذه المرحلة، ويضمن بلوغه القدرَ اللازمَ من النضج الذي يؤهّله لتحمّل مسؤوليات الحياة الزوجية، ولَما سمحتُ لشخصٍ لم يكتشف ذاته بعد، أو لا يعرف طبيعة الجنس الآخر، أو يجهل حقيقة الزواج ومتطلّباته، أو يفتقر إلى الحدّ الأدنى من المعرفة اللازمة لتربية الأبناء؛ أن يُقْدِم على تأسيس أسرة؛ ذلك أن المدارسَ والشوارعَ، بل وحتى العائلاتِ في يومنا هذا، لا تُكسِب الإنسانَ الأهليةَ الكافيةَ في هذه المسائل، بل إنها تقدِّم له في كثيرٍ من الأحيان نماذجَ وسلوكياتٍ سلبيةً.. ولقد باتتْ وسائل الإعلام اليوم تُصوِّر الطلاقَ على أنه مظهرٌ من مظاهر الشجاعة، كَمَا تَعمل الدراما التلفزيونية دائمًا على تهميش القيم الأساسية التي تضمن الحفاظ على بقاء الأسرة.

 وفي ظلِّ هذه البيئة التي نحيا فيها، أصبح البيت عُرضةً لتهديدات متعددة من جهات مختلفة، فمن أين وكيف سيتعلم الشبابُ المقبلون على الزواج أصول الحياة، وخصائصَ الفطرة الإنسانية، وفنَّ إدارة العلاقات، والوعيَ بالمسؤولية، والحقوقَ والواجباتِ، والمقوّمات الأساسيةَ لبناء عشٍّ زوجيٍّ متماسكٍ؟!

قد لا نملك القدرةَ على إيصال صوتنا إلى الجميع، وقد لا نستطيع أن نجعل كلَّ الناس يُصغون إلى ما نقول؛ ولكن يمكننا على أقلِّ تقديرٍ أن نبدأ مع الأشخاص الذين يحبّوننا ويثقون بنا ويحترمون آراءنا، فإن لم تسنح لنا الفرصة، فلنوجِّهْ -على الأقل- أصدقاءنا الذين يُقدِّروننا ويُصغون إلى نصائحنا، وبذلك نُسهم في مساعدتهم على بناء حياة زوجيّة قائمة على التعاون والتكافل والتفاهم المتبادَل، ويسودها الأمن والطمأنينة والاستقرار. وإذا ما نجحنا في تقديم نماذجَ حسنةٍ وأمثلةٍ يُحتذى بها في محيطنا وفي دائرة تأثيرنا، فإن هذا الأثر الطيب قد ينتشر بمرور الوقت ليشملَ المجتمع بأسره، ومَن يدري؟! فلعل أهمية هذه المسألة تسترعي انتباهَ مسؤولي الدولة ذات يوم، فتؤدي المؤسّسات التعليمية، أو الهيئات الحكومية، أو هيئة الشؤون الدينية دورًا أكثر فاعلية ونشاطًا في هذا الصدد.

أمانة الأسرة ومسؤولية المجتمع

ينبغي لكل مؤمنٍ صاحب سلطة أن يرى نفسه معنيًّا بقضية الأسرة، وأن يبذل ما يستطيع من جهد في سبيل حمايتها وصيانتها. كما يجب على الأشخاص الذين يمتلكون قدرًا من العلم أو الخبرة أو الحكمة في هذا المجال على وجه الخصوص؛ أن يمدّوا يد العون للأزواج الذين يواجهون مشكلات أسرية، ومن الوسائل النافعة في ذلك التواصل مع الأسر القريبة وزيارتها في المناسبات المختلفة، والتعرف على أوضاعها، والاستماع إلى مشكلاتها بعنايةٍ واهتمامٍ، ثم السعي إلى البحث عن حلول مناسبة لها، كما يمكن تقديم النصح لهم من خلال ترشيح الكتب المفيدة التي تتناول الحياة الزوجية وتربية الأبناء، أو طرح اقتراحات عملية تساعد على تجاوز الخلافات، أو الاستعانة بأهل الاختصاص عند الضرورة، والسعي قدر المستطاع لترميم التصدّعات التي قد تظهر داخل بناء الأسرة.

إن توصيةَ القرآن الكريم بتعيين حَكَمين لحلّ المشكلات العائلية تُبْرِز بجلاءٍ مسؤولية المجتمع في هذا الصدد؛ ففي يومنا هذا، عندما ينشب خلاف بين الزوجين، غالبًا ما يتم اللجوء مباشرة إلى المحكمة، وعادة ما يصدر القضاة قرارًا بالطلاق وفق القوانين السارية، ولا يمكن للقضاة -بحكم طبيعة مناصبهم- تقديم الإرشاد والنصح للطرفين، أو توجيههما، أو مخاطبة عوالمهما القلبية والروحية.. وهنا يأتي دور الحَكَمين لسدِّ هذا الفراغ؛ إذ يمكنهما التعامل مع القضايا بعيدًا عن جمود اللوائح القانونية الصارمة، والاقتراب من الطرفين بشفقةٍ ومحبّةٍ، والتعامل مع الأمر كالطبيب الحاذق الذي يشخّص الداء، والعمل على حلّ المشكلات بآفاق أكثر شمولًا واستيعابًا، ومع ذلك ينبغي ألا يغيب عن البال أن تطبيق هذا النظام في ظلّ الظروف المعاصرة يواجه تحدّياتٍ وصعوباتٍ خاصّةً به.

ولأجل بناء بيوت مستقرة، أو حلّ المشكلات القائمة في البيوت، علينا أن نستفيدَ من الوازع الأخلاقي والروحي الذي تبثّه التقوى في النفوس، ومن قدرة الدين الشاملة على تنظيم شؤون الحياة؛ ذلك أن كلّ تصرّفٍ وسلوكٍ داخل الأسرة -كما أسلفنا- يحمل في طيّاته طبيعةً تمسّ علاقتنا بالله تعالى ويمتدّ أثرها إلى الآخرة، ومن ثم ينبغي تذكير الزوجين بالمثوبة والفضل لمن يُحسنون العِشرة، كذلك تنبيههم إلى المسؤولية الأخروية الجسيمة المترتبة على سوء العشرة والتعدي على حقوق الآخر.. ولو استطعنا في حقيقة الأمر إعادة برمجة حياتنا وفقًا للآخرة، وأبقينا فكرة الحساب بين يدي الله حيّة في أذهاننا دائمًا، ولم نحِد عن دائرة التقوى؛ لأصبحت بيوتُنا بدرجةٍ كبيرةٍ كروضةٍ من رياض الجنة.

[1] انظر: صحيح مسلم، الحج، 147؛ سنن أبي داود، المناسك، 55.

[2] بديع الزمان سعيد النورسي: الكلمات، الكلمة الثالثة والعشرون، ص 336.