مشقات السير على هدي النبي ﷺ

مشقات السير على هدي النبي ﷺ
Mp3 indir

Mp4 indir

HD indir

Share

Paylaş

تحميل mp3
Share

يشارك

إذا كانت الضغوط والاضطهادات التي نتعرض لها، والظلم والاعتداءات التي نعانيها؛ سببًا في توجهنا إلى الله بكلِّ كياننا؛ فهذا يعني أننا في الحقيقة من الفائزين، وإن بَدوْنا في الظاهر خاسرين مبتلين، فأي قيمة تُذكر للفوز والخسران في هذه الدنيا القصيرة، إذا ما قيست بالحياة الأبدية!

ربما يبدو أن الدار الآخرة بعيدة جدًّا عن أنظارنا، غير أن كثيرين ممّنْ كانوا بيننا بالأمس، يغدون ويروحون حولنا؛ لم يعُد لهم اليوم حتى ظلٌّ يُرى.. إنهم الآن يسكنون تلك الديار التي نراها بعيدة، وسيأتي يومٌ ونلحق بهم، ومن صور الغفلة الأخرى أن نظن أن حياتنا في هذه الدنيا أبدية دون انتهاء، بينما يخبرنا القرآن الكريم أننا حين ننتقل إلى الدار الآخرة، ونُسأل عن مدة مكثنا في الدنيا، سيكون جوابنا: ﴿يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ (سورة الْمُؤْمِنُونَ: 23/113).

فإنه حينما ننفتح على عالمٍ يتجاوز حدودَ الزمان، سندرك كيف يتضاءل العمرُ الذي قضيناه في هذه الدنيا ويصغر في أعيننا شيئًا فشيئًا، ولن يقتصر ذلك علينا فحسب، بل سيراه أيضًا هؤلاء الظالمون الذين انغمسوا في الدنيا كأنهم مخلّدون فيها، وتشبثوا بها إلى درجة العبادة، وحين يدركون أن الدنيا لم تكن شيئًا يُذكر بالنسبة إلى الآخرة، سيتلوّون من شدة الألم والمعاناة لدرجة يستحقّون معها الشفقة.

إن هؤلاء الظالمين الذين شتتوا شملَ آلافِ الأسر في هذه الدنيا، وفرّقوا بين الأم وولدها، وسلبوا الناس أموالهم، وتسلّطوا على أرواحهم وأعراضهم؛ سوف ترونهم هناك وهم يئنّون من شدَّة الندم، وحينها ستكون الشفقةُ من شِيمكم.

 من هنا تكمن أهمّية أن يرحل الإنسانُ إلى الآخرة وهو يمتلك رصيدًا فيها، لا أن يرحل وهو مُثقلٌ بالدَّين. أجل، إنّ الأهمّ حقًّا هو ألّا ننخدع بالنجاحات والمكاسب المؤقّتة في هذه الدنيا، بل أن نُحسن اتخاذ الخطوات التي تكفل الفوز بالحياة الأبديّة، وأن نُظهر ثباتًا وموقفًا راسخًا لا يتزعزع.

وما أجمل ما قاله الشاعر التركي “ضياء باشا”:

الوفاء جدير بالإنسان وإن لاقى ما يكره

فالله جلّ جلاله نِعمَ النصيرُ لكلِّ وفيٍّ مستقيم![1]

قد نشعر في الواقع بالضيق والضجر نتيجة الضغوط التي نتعرّض لها، فربما نتعرّض للاعتداء والقهر الشديد، أو تُلفّق لنا التُّهم والافتراءات، أو نتعرّض للجَور والظلم، من بعض الظالمين الذين غرّتهم الحياة الدنيا وتعلّقوا بها.

 وقد تضيق بنا الأرض بما رحُبت؛ لكننا إن استطعنا مواجهة كلِّ هذه الصعاب بصبرٍ جميلٍ وحُسْنِ توكُّلٍ على الله، فهذا يعني أننا في طريق الفوز؛ فقد أثنى الله جلّ جلاله على نبيِّه أيّوب عليه السلام، إذ قال فيه: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ (سورة ص: 38/44)، ثم أعقب ذلك بمدحه بأسمى بيان: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾، ولم يبلغ سيدنا أيّوب عليه السلام هذه المنزلة الرفيعة إلا بما تحمّله من صنوف البلاء، وما قابله به من صبرٍ جميلٍ وكظمٍ للنفس؛ فإن كنا نطمح إلى نيل رضا الله والظفر بتقديره وعنايته، فلنجتهد في السير على خُطى أيّوب عليه السلام ونقتفي أثره بالصبر والثبات.

على قدر المشقة يكون الأجر

ولا يغيب عن بالنا أنّه كلّما عظمت الابتلاءات والمشقّات، عظمت بقدرها المكاسب المرجوّة، ولذا قيل: “بِقَدْرِ الْكَدِّ تُكْتَسَبُ الْمَعَالِي”[2]، فبمقدار ما تتجرعون من آلام، وما تمرّون به من أهوال؛ ترتقون عند الله إلى مراتب ومنازل تفوق كلَّ تقدير.

لقد دعا نبيُّ الله نوح عليه السلام قومَه إلى الحقّ والحقيقة واجتهدَ في ذلك سنين طويلة؛ فتلقّى الاستهزاء وعانى من الإهانة مرارًا وتكرارًا؛ غير أنّ العاقبة في نهاية الطريق كانت له[3]؛ لذلك ولأجل قوله تعالى عن نوح ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (سورة العَنْكَبوتِ: 29/15)، يلقّبه البعضُ بلقب “نَجِيّ الله”[4]، وأمّا نبيّ الله إبراهيم عليه السلام، فقد أُلقي في أتون النار[5]، ثمّ ما لبث أن نال شرف لقب “خليل الله”[6]، ونبيّ الله موسى عليه السلام لم يَسلم من أذى فرعون وبطشه[7]، غير أنّ الله اصطفاه لمخاطبته ومكالمته، فسُمّي “كليم الله”[8][9]، وأمّا نبيّ الله عيسى عليه السلام، فقد لاحقته زمرةُ الأشرار في عصره خطوةً خطوة، ونَصبتْ له الصُّلبان، غير أنّه في مقابل ذلك شرُف بلقب “روح الله”[10]، ورفعه الله إليه[11]. كما أنّ مشركي مكّة لم يدَعوا فخرَ الإنسانيّة ﷺ يذوق طعم الراحة، بما شنّوه عليه من هجماتٍ لا هوادة فيها؛ لكنّ الله جلّ جلاله عوّضه عن ذلك بأن أسرى به في رحلة الإسراء والمعراج، وطاف به -بجسده النورانيّ اللطيف- في عوالم الآخرة[12].

فما من نبي منذ عهد سيدنا آدم عليه السلام إلا وعانى من قومه أشد المعاناة، لقد كان لهؤلاء الأنبياء عليهم السلام همٌّ واحد وقضيةٌ واحدة؛ ألا وهي دعوةُ الناس إلى الله، وإعلامُ القلوب بأسرار الألوهية والربوبية؛ دون تشوّفٍ لأيِّ أجر، ومع أن جهودهم تلك كانت تستحقّ عظيم الامتنان وجزيل الشكر، فإنّ الواقع جاء على النقيض تمامًا؛ فقد تعرّضوا للاستهزاء من قِبَل الظلمة الفجرة في عصرهم، وقاسوا صنوف الأذى، وأُجبروا على ترك ديارهم وأوطانهم. بل إن سيدنا زكريا عليه السلام قد شُقّ بالمنشار من مفرق رأسه إلى أخمص قدميه، وقُتِل ابنه يحيى عليه السلام كذلك، فمات شهيدًا[13].. ولو أنّ تلك الشدائد التي احتملوها نزلت بمجتمعٍ كامل -لا بفردٍ واحدٍ- لكفت لأن تسحقه سحقًا تامًّا، غير أنّ الله تعالى يبتلي أحبّ عباده إليه بأشدّ الابتلاءات، فلمّا أدّوا حقّها صبرًا وثباتًا، أكرمهم بأسمى المنازل، وشرّفهم بأرفع المقامات.

فإنّ من يقتفي أثر الأنبياء عليهم السلام ويسير في ركابهم، فلا جَرَمَ أن تطرقَ أبوابَه البلايا التي طرقت أبوابَهم؛ فكما ورد في الحديث الشريف أنّ أشدَّ الناسِ بلاءً الأنبياءُ، ثم الأمثلُ فالأمثلُ حسب مراتبهم وقربهم من الحقِّ سبحانه وتعالى[14]، ولقد أفاض اللهُ ورسولُه صلى الله عليه وسلم على السالكين في درب الحقِّ من الوعود والمنح ما يجعل فناءَ الدنيا بأسرها بين أيديهم أمرًا لا يستحقُّ إظهارَ ذرةٍ من الغمِّ؛ ذلك أننا خُلِقنا للأبدية، ولن يرويَ غليلَنا غايةٌ دون الخلودِ والذاتِ الأحديَّةِ الخالدةِ.

وأمامَ عظمة الأبدية، لا نرغب حتى في عمرٍ دنيويٍّ يمتدُّ ألف سنةٍ أو ألفين، ثم إننا لم نكن يومًا طلاب دنيا، حتى إذا فقدناها ذقنا مرارة الخسران ولوعة الحرمان.. إن الله جلّ جلاله، بما يقدّره من أحداثٍ ظاهرها القسوة، وبما يوجّهه من صفعات الشفقة؛ إنما يصرفنا عن هذه الدنيا الفانية التي لم نكن نطلبها، ويوجّهنا إلى الوجهة الحقّة التي ينبغي أن تُطلَب.

هذا هو الدربُ الذي نسير فيه؛ فإذا كنتم قد ولجتم هذا الطريق عن وعيٍ وبصيرةٍ، فلا بدّ من الصبر على تبعاته. وأنا ولله الحمد، ما شهدتُ أحدًا قطُّ سلك هذا السبيل ثم اعتراه الندمُ على ما قدَّم.. ومن هنا، فإنَّ الذين تجرّعوا المحنَ كما لو كانت شرابًا عذبًا، لا يمكن أن يبدو لهم السير في طريق الخدمة مرًّا مريرًا؛ ذلك أنهم قد ذاقوا حلاوته واستشعروا لذّته، فأخذ منهم الوجدُ كلَّ مأخذ، وصيَّرهم في حالةٍ من السُّكرِ والذهولِ، فصاروا يقولون كما قال “كَدائي”:

منْ شرِب ذاك الماءَ في هذا الحين

أشرقت في قلبه شمسُ العالمين

ووهبته حياةً أبديةً لا تزول أبد الآبدين

لقد احترقتُ من الظمإ؛ فاسقِني جرعةً من الماء!

انظر لِحـالِ “كَدائي” الفقـيرِ

بخصلاتِ شعركِ رهينٌ كالأسيرِ

في عسلِ العشق غمس أصبعه بحبٍّ كبيرٍ

كلما غمستُ ازددتُ ولعًا؛ فاسقِني جرعةً من الماء!

بيد أن هؤلاء الاتكاليين الطفيليّين الذين لم يذوقوا في سبيل الله عناءً ولو بمقدار لسعة بعوضة؛ لن يفقهوا هذه المعاني أبدًا، فهم لم يتذوّقوا حلاوة الخدمة في سبيل الإيمان والقرآن، ولم يدركوا حجم الآلام والمعاناة التي كابَدَها مَن قَبلنا ليبلّغونا هذا الدين الإسلامي المبين.

الظالم والمظلوم

حيثما وُجد مَن ينادي بالحق والحقيقة ويجهر بهما، وُجد في مواجهتهم دائمًا أهلُ الطغيان وأهلُ الضلال وأهلُ الخسران، وحيثما وُجدت الأرواحُ المتفانيةُ التي نذرت نفسها لفتح أعين الناس على الحقيقة بنور العلم والحكمة، وُجد في مواجهتها أشقياء يُسَخّرون ما يملكون من قوّةٍ وإمكاناتٍ لمحاولة كتم أنفاس تلك الأرواح وإسكات صوتها.. لقد شهدت كلُّ حقبةٍ من الزمان بؤرًا مظلمة، ومراكزَ تنفثُ أفكارًا شيطانيةً -إنْ صحَّ تسميتها أفكارًا أصلًا- عمدت إلى تضليل الجماهير واستغفالها عبر الديماغوجية والدعاية والأساليب الميكافيلية.

وإلى جانب هؤلاء، لم يخلُ الزمانُ قطُّ من “الشياطين الخُرس” و”المداهنين” الذين عجزوا عن رفع أصواتهم ولو ببضع كلماتٍ في وجهِ ما يقترفه الظالمون من جورٍ وطغيان.. لقد صفق هؤلاء للظالمين الذين يحاولون تصوير من ارتقت نفوسهم كالملائكة وكأنهم شياطين؛ بل وسعوا لتبرير الظلم وجَعلِه يبدو معقولًا ومشروعًا وقانونيًّا، بيدَ أنَّ الله بصيرٌ بكل شيء، والكرام الكاتبون يحصون كلَّ دقيقٍ وجليل.. وعند دخول القبر ستنكشف كل الحقائق، وحينها فقط سيرى الناس الأبيض والأسود كلًّا على حقيقته.

خلاصةُ القولِ؛ إنَّ مَن يعانون الظلمَ ومَن يمارسونه لم يبرحوا صدارةَ المشهدِ منذُ قديمِ الزمان.. ففي هذه الدنيا، تجبّرَ الظالمون الذين غرّتهم القوة وأطغاهم النفوذ، فراحوا يُذيقون غيرَهم صنوف الأذى والعذاب، لكنهم بأفعالهم هذه هدموا آخرتهم ودمّروها تدميرًا.. فإذا ما ارتحلوا إلى الدار الآخرة، واسوا أنفسهم بقولهم: “يا ليتنا! يا ليتنا!”، بيدَ أنَّ تلك التمنّيات لن تُجديَ نفعًا هناك.

 أمَّا الذين عانوا في الدنيا وصبروا، فقد ارتقت بهم تلك البلايا والمحن التي كابدوها إلى أعلى الكمالات الإنسانية.

من هذا المنطلق، ينبغي ألا نتأثّر سلبًا بالمصائب التي تصيبنا، ولا نستسلم لليأس.. فبإذن الله وعنايته، سيكون النصرُ حليفَ الصابرين، الذين لا يغيرون مسارهم، ويقفون صامدين كالجبال.. وإنّ هذه العاقبة التي قد تبدو للبعض بعيدةً، هي في واقع الأمر قريبةٌ جدًّا، بل إنها أقرب إلينا من حبل الوريد.

ولا يغيبنّ عن البال حقيقة أنّ المظالم التي نشهدُها اليوم ليست إلا “كسوفًا” مؤقّتًا؛ ذلك أنّ الشمس لا يُمكن أن يُسدَل عليها الستارُ إلى الأبد. فما إن يحلّ الوقتُ المعلومُ وتتجلى الإرادةُ الإلهيةُ في ذلك الاتجاه، حتى ينجلي هذا الكسوفُ، وتعودَ الشمسُ لِتبُثَّ أنوارها عاجلًا أو آجلًا.. بيدَ أنّ المهم هو أن تتفقّدوا أحوالكم؛ فانظروا هل ثمَّة “خسوفٌ” أو “كسوف” بين قلوبكم وبين الذات الإلهية؟ وتذكّروا دائمًا أنّ أعظمَ كسوفٍ أو خسوفٍ هو ما يمكن أن يقع بين العبد وبين “شمس الشموس” و”القمر المنير” سبحانه وتعالى.

بحكم الطبيعة البشرية التي خلقنا الله عليها؛ قد ينتابنا الحزنُ والأسى جرّاء كلِّ هذه القسوة والغِلظة، ربما تُزَلْزِلُنا الركلاتُ والصفعاتُ التي نتلقّاها، فشجرةُ الدُّلب العتيقة لو نزلت عليها ضربةٌ لارتجفت أغصانُها واهتزّت أوراقُها، لكن المهمّ هو أن نثبتَ حيث نحن، وأن نستمرَّ في القيام بما يجب علينا قدر استطاعتنا في ظلّ الظروف المتاحة، دون أن نفقد الأمل والرجاء، وأن نستمرّ في نسج خيوط غايتنا السامية بدقّة، دون أن نجرح أحدًا، أو نسيء إلى حبيبٍ أو رفيق، وما كنا نفعله بالأمس طلبًا لمرضاة الله جل جلاله وإرضاءً لروح سيد الأنام ﷺ، فلن نتوقّف عن فعله اليوم أيضًا، ولن نحيد عنه.

 كلُّ شتاءٍ يتبعُه ربيعٌ لا محالة

ومن جهةٍ أخرى، إذا استطَعْنا الحفاظ على ثبات موقفنا، فإن الشدائد التي نعيشها ستقوّي جهازنا المناعي، وتدفعنا إلى ابتكار إستراتيجيّاتٍ جديدةٍ، وتفتح أمامنا آفاقًا وفرصًا غير متوقّعة؛ فالمعاملات غير الإنسانية التي تُمارَس ضدّنا ستثير في نفوس الآخرين فضولًا، وتجعلهم يسلّطون الأضواء علينا، ويراقبوننا عن كثب.. سيقيسون نبضنا، وينظرون في إيقاع قلوبنا، فإن أحسنّا استثمار هذا الفضول الإنساني العام في التعريف بأنفسنا، وأثبتنا أن الإيقاع سليمٌ، وأن النبض منتظم، فمَن يدري؟ لعلَّ الأعمال التي تُؤدَّى بـدافع “الخدمة” تصبح شأنًا عالميًّا، وتتحقّق عندئذٍ بشرى رسول الله ﷺ.

باختصار؛ لو أنَّ السيول غمرت كلَّ الأرجاء، وتحوّلت الطرق التي نسلكها إلى طرقٍ وعرةٍ وغير صالحةٍ للمسير، واعترض طريقنا الجبال الشاهقة والوديان الساحقة؛ فإننا ملزمون بإيجاد طرقٍ وأساليبَ بديلةٍ لمواصلة السير نحو هدفنا، هكذا فعل مرشدنا الأكمل ﷺ؛ فلو أنّ ما كابده من آلامٍ نزل بالرواسي الشامخات لفتَّتها تفتيتًا ودكَّها دكًّا، ومع ذلك لم يُعرَف عنه ﷺ أنه قال يومًا “أفٍّ” قطُّ.

حينما أعرض عنه أهل مكة، طفق يبحث عن بدائل أخرى، وسعى لإسماع صوته في الطائف، وفي الحبشة، وفي المدينة؛ فكان إذا أُغلق في وجهه بابٌ طرق بابًا آخر، ولم يتوقّف قطّ، ورغم أنَّ جهوده في تبليغ الحقّ والحقيقة قُوبلت بردود فعلٍ وحشية، إلا أنَّ قلبه لم يحمل ضغينةً لأحد؛ لذا استمرّ بفيضٍ من الحب والشفقة في البحث عن قلوبٍ تألف الحق وتصبو إليه.

منذ عهد آدم عليه السلام، والحوادث تتكرّر، إن لم تكن بعينها بل بأشباهها ونظائرها؛ فقد جعل الله الأيام دولًا بين الناس، ففي قلب كلِّ شتاءٍ هناك ربيعٌ نابض، ووراء كلِّ ليلٍ هناك فجرٌ باسمٌ، وبينما أنتم في أتون الضيق والجزع تنظرون فإذا بكل السلبيات قد انقشعت، وأطلّ الربيعُ برأسه من جديد، ومن ثَمّ لا ينبغي للمرء أن يستسلم لليأس لمجرد أنَّ الجليد والثلج قد غطّيا الأرجاء؛ فما من شتاء إلا ويعقبه ربيعٌ جديد، ولو أنَّ كلَّ الأفواه المشؤومة اجتمعت لتشكّل جوقةً صاخبة، وزعمتْ أنها لن تسمح بقدوم الربيع؛ فإنَّ “القدرة القاهرة” بـإرادتها السُبحانية ستلطم أفواههم بشدّة، وستأتي بالربيع رغمًا عنهم، ثم يحلُّ الصيف بعد الربيع، وتتفتح الورود، وتشدو البلابل بإذن الله وعنايته، وحينئذٍ ستأوي الخفافيش إلى جحورها، وسيعرف الغراب حدّه، فينزل عن غصن الورد ليتوارى في زواياه المظلمة.

إنَّ قدرة الله فوق كلِّ شيءٍ، ولا يُعجزها أمر، ولعلَّ خير ما نختم به كلماتنا هو ما جادتْ به قريحة “إبراهيم حقي الأرضرومي” (ت: 1780م) في منظومته “تفويض نامه”، حيث يقول:

إذا تجلّى الحقُّ صيّرَ كلَّ عسيرٍ يسيرًا

وبلمحةٍ.. يهيِّئ أسبابَهُ تفضُّلًا منه وتيسيرًا.

[1] ضياء باشا: تركيب بند، ص 8 (ترجيع بند وتركيب بند، مطبعة أحمد كامل وشركاه، إسطنبول 1928م).

[2] الإمام الشافعي: ديوان الإمام الشافعي، ص 97 (شركة أبي الأرقم بن أبي الأرقم، بيروت 1995م).

[3] سورة العَنْكَبوتِ: 29/14-15؛ سورة القمر: 54/8-16؛ سورة نوح: 71/1-28.

[4] انظر: سورة العَنْكَبوتِ: 29/15؛ سورة الأعراف: 7/64.

[5] ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ * قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلاَمًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ﴾ (سورة الأَنْبِيَاءِ: 21/68-70).

[6] صحيح مسلم، الإيمان، 193؛ سنن الترمذي، المناقب، 1.

[7] انظر: سورة القصص: 28/3-43.

[8]  ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (سورة النِّسَاءِ: 4/164).

[9] انظر: سورة النساء: 4/164؛ صحيح البخاري، التوحيد، 2؛ صحيح مسلم، الإيمان، 193.

[10] ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ (سورة النِّسَاءِ: 4/171).

[11] ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (سورة النِّسَاءِ: 4/158).

[12] انظر: بديع الزمان سعيد النورسي: الكلمات، الكلمة الحادية والثلاثون، ص 616.

[13] انظر: يحيى بن سلام، تفسير يحيى بن سلام، 1/117 (جـ 1-2، دار الكتب العلمية، تحقيق: د. هند شلبي، بيروت 2004م).

[14] صحيح البخاري، المرضى، 3؛ سنن الترمذي، الزهد، 57؛ سنن ابن ماجه، الفتن، 23؛ سنن الدارمي، الرقاق، 67.