وَبَالُ الجرائم التي تُرتكب باسم الدين -1

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: هل يمكن القول بأن ما تقوم به بعض المنظمات باسم الدين من جرائم وعمليات تفجيرية ونحوها وراءه قوى خفية أو أصابع خارجية لا غير؟ ولِمَ تظهر مثل هذه الحوادث في العالم الإسلامي اليوم؟

الجواب: يعمد بعض أدعياء الإسلام اليوم إلى استخدام السيارات المفخخة في قتل الأبرياء وتخريب دور العبادة، وهذا نقيض ما في الإسلام والكتاب والسنة؛ لكن وا أسفاه هذا المنظر واقعٌ يُدْمِي القلوب المؤمنة، ووصمةُ خزيٍ وعارٍ على جبيننا؛ نعم، إن وراء هذه الأعمال الإرهابية قوى خارجية وخِططها المنظَّمة الخبيثة، لكن الانحراف في فهم الإسلام وتفسيره أيضًا من أسبابها؛ وأما جرائمه فهي أعظمُ فتكًا وأكثرُ ضررًا على العالم الإسلامي من هجمات الحملات الصليبية ومما أحدثه المغول من فوضى واضطراب قديمًا، وهو وصمةُ عارٍ على جبين أمِّتنا.

الخطأ في فهم الشجاعة والإقدام

إنني أرى أن الخطأ في فهم الإقدام والشجاعة يأتي اليوم على رأس الأمور التي أُسِيء فهمُها وتفسيرُها حتى تسبّبت في وقوع مثل هذه الحوادث؛ لا جرمَ أنَّه ينبغي للقلب المؤمن أن يتحلَّى بالشجاعة والإقدام، لكن مع البصيرة والحكمة وحالٍ يُشعر المخاطبين بالأمن والأمان، وينبغي له كذلك أن يتمسك بمبادئ الدين أيًّا كانت الظروف، ولْيعلم أبدًا أن الغاية لا تبرر الوسيلة، أي لا بد للأهداف المشروعة من وسائل مشروعة؛ بتعبير آخر إن الشجاعة والإقدام حقًّا أن يُظهِر المسلم صمودَه في الدفاع عن قِيَمِه، وثباتَهُ على الحق دائمًا، وصبرَه على ما قد ينزل به من مصائب حتى وإن بُترت أطرافه في هذا السبيل.

ومن يتأمل عصر السعادة في ضوء هذا يجد أن مفخرةَ الإنسانية _صلى الله عليه وسلّم_ وصحابتَه تجرعوا في ثلاث عشرة سنة قضوها بمكة مصائب جمّة لا طاقة لإنسان بتحمله؛ حتى إن بعض الصحابة الكرام _رضوان الله عليهم_ كثيرًا ما كانوا ينظرون _وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا_ إلى قدرة الله المطلقة وإلى ما يذوقه سلطانُ الأدب والأخلاق الذي أرسله ربه لإنقاذ البشرية، وما يذوقه المؤمنون به من صنوف العذاب، ويقولون: “ما أَحْلَمَك يا ربَّنا!”، عجبًا وذهولًا أمام مشهدٍ لا يفقهون حكمته حقّ الفقه.

وتعلمون أنَّ في الجاحدين الجهلة من ألقى سَلَا جَزورٍ على رأس مفخرة الإنسانية سيدنا ومولانا محمد وهو ساجدٌ عند الكعبة؛ وكم رموه بالحجارة وهم أحقّ بها وأهلها، ومع ذلك لم يَدْعُ عليهم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ألبتة، ولم يقل: “اللهم أمطر عليهم حجارة من عندك”؛ بل إنه لمّا رُمي بالحجارة وكُسرت رَبَاعِيَتُه وشُجَّ وجهُه فسال الدمُ عليه رفع يديه إلى السماء ودعا الله قائلًا: “اَللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي (أو: اِهْدِ قَوْمِي) فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ“. (سنن سعيد بن منصور، 2\353؛ البيهقي: شعب الإيمان، 3\45). ومغزى هذا الدعاء: لو أنهم عرفوني وفقهوا دعوتي وأدركوا أنني أموت وأحيا كرات ومرات من أجلهم لَما فعلوا ما فعلوا؛ وقوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ (سُورَةُ الْكَهْفِ: 6/18) يبين موقف الرسول صلى الله عليه وسلم مما سلكه المشركون من نهج خاطئ.

أجل، إنّ مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم الذي فتح القلوب وألانَ الأفئدة ووجّه الناس إلى الإنسانية الحقّة وجمع الإنسان بإنسانيته الكامنة في فطرته لم يقابِل مَن عادَوه بغضب وحقد كما فعلوا هم، بل لم يَعزِم على فعل أيٍّ من هذه الشنائع والفظائع؛ حتى إنه لم يدْع على أبي جهل الذي ناصبَه العداء خمس عشرة سنة؛ ولما شرح الله صدر جويرية وعكرمة ابني أبي جهل للإسلام كان منهما ما تحار له العقول والألباب؛ فواجه عكرمةُ رضي الله عنه الروم في اليرموك، وجُرح جرحًا بالغًا، فنُقل إلى الخيمة، وفجأة استوى وقال: “هل شرّفتَنا بالحضور يا رسول الله؟”؛ ولم يكن قد مضى على معرفته برسول الله صلى الله عليه وسلم سوى سنتين؛ حقًّا إنه لَيتعذر تفسير عروجه العمودي في هنيهة من الزمن، وكيف استطاعَ أن يبلغ هذا الأفقَ من المعرفة، وهذا المستوى من العمق الداخلي؟ فلولا معاملة النبي صلى الله عليه وسلم حتى لأعدائه بحلمٍ وحكمةٍ كهذه فهل كان لشيء من ذلك أن يحدث؟

والحقّ أنّ النبي صلى الله عليه وسلم لو أشار بأصبع صغير من يده إلى الصحابة في تلك الفترة العصيبة لَهبّ المسلمون الأوائل الأبطال الشجعان وحاربوا المشركين حتى آخر قطرة من دمهم بلا خنوع ولا استسلام، لكنهم آثروا الصبر رغم أنهم يُسامون صنوف العذاب ويَرْسُفون بالسلاسل والأغلال، ولم يصدر عنهم ما يزعزع الثقةَ بهم من تصرُّفٍ فرديٍّ أو فوريّ أو عاطفيّ، ولم يلجؤوا قطعًا إلى مثل هذه الأعمال الوحشية الفظيعة؛ لأن منهج نبي الرحمة هو فتح القلوب وإقناع العقول من أجل السعادة الأبدية للناس جميعًا، وهذا يقتضي معاملتهم بالحكمة والرحمة والرِّفق.

نعم، نكرر مرة أخرى أنه لا صلة لهذه الأعمال الوحشية بالقرآن والسنة ومنهج مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم واستراتيجيته ونمط تفكيره ومسلك هديه.

من يزرع البُغض لا يحصد الحُب

ما أكثر شواهد هذا في عصر السعادة! فعندما فُتحت القدس كان سيدنا عمر -رضي الله عنه_ في المدينة المنورة، فأتاها هو وغلامه ليتسلم مفاتيحها، وأخذ معه إبرة وخيطًا ليخيط ما يتمزق من ثيابه، ومطية من بيت المال يتناوبان ركوبها، ولم يُجِز لنفسِه استخدامَ مطيتين، ولما دنا من القدس جاءت نوبة الغلام؛ فَعَزَمَ الغلامُ على سيِّدِنا عمر أن يركب إلا أنه _رضي الله عنه_ أبى، فاستقبله القسيسون والرهبان على مشارف المدينة، وأجلّوه وأحسنوا وفادته، وقالوا: “أنتَ الذي قرأنا أوصافه في كتبنا أنه يفتح القدس، يدخلُ ماشياً وغلامهُ راكباً وفي ثوبه سبع عشرة رقعة”؛ ثمّ سلمه بطريرك القدس صفرونيوس مفاتيح المدينة، فلما أدركته الصلاة وهو في الكنيسة، فالتفت إلى البطريرك وقال له: “أين أصلي؟” فقال: “مكانك صلِّ”، فقال: “ما كان لعمر أن يصلي في كنيسة القيامة، فيأتي المسلمون من بعدي، ويقولون هنا صلى عمر، ويبنون عليه مسجدًا”، وابتعد عنها رمية حجر، وفرش عباءته وصلى، هاكم مشهدًا من بصيرة سيدنا عمر ودقّتِه ورقّتِه وتعظيمِه لمعابد الأديان الأخرى، ومشاهدَ الهجمات الخبيثة اليوم باسم الإسلام وهو منها براءٌ، فقارِنوا بينهما!

 مشهد آخر يسلط الضوء على موضوعنا هذا: عندما تفاقمت الفتن واستشرت واشتدت حتى بلغت ما بلغت في عهد سيدنا علي _رضي الله عنه_ كما هي اليوم، واجتمع الخوارج الذين خرجوا عليه _رضي الله عنه_ يومئذ في النهروان، قيل لسيدنا علي: “جيشت الخوارج الجيوش في النهروان، فصبِّحهم وأهلكهم جميعًا قبل أن يغيروا عليك”؛ فما كان من هذا الإمام العظيم، سيد الكهول، حيدرة الكرار، إمام الأولياء، الذي انتزع باب حصن خيبر بيديه، وما إن يسلّ سيفه حتى يطيح ببضعة رؤوس بضربة واحدة، ما كان منه إلا أن ردَّ ردًّا لائقًا به: “لا تبدؤوهم بالقتال حتى يبدؤوكم، وما يدريكم أنهم مُغيرون؟”؛ يا لله كم في فقهه هذا من عميق الحيطة! وأنا لا أرى بطولته العظمى في قلعه باب حصن خيبر ولا في قتلِه عمرو بن عبد ود بضربة سيف واحدة، بل بطولته أنه يملك نفسه في وقت قد تتملك المرءَ فيه نزعةُ الأنانية، وتصدح مدويّة: “أنا، أنا”، وفي إيفائه الإرادة حقَّها؛ أجل، أرى الفتوة الأُمَّ والشجاعةَ والإقدامَ بحقّ في الثبات على مبدأ: “وما يدريكم أنهم مُغيرون؟” في وقت خطير كهذا، وبهذا استدلّ الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان على أن لَو اتَّخذ البغاةُ مكانًا يتجمّعون فيه لا يُبدأ بقتالهم ما لم يَبدؤوا.

نعم، الواجب أن يُزال الضرر بأقلّ أذى يُصار إليه ووفق حَراك وخطة واقعية محكمة؛ تأمل فتح مكة تر أن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ اتخذ كل ما لا بد منه من أنواع الإجراءات كي لا تُسفك الدماء، ولا يتفاقم العداء والشَّحناء، وتُحلَّ المعضلات برفق ولين؛ أجل، دخل مفخرة الإنسانية _صلى الله عليه وسلم_ مكةَ وأكثرُ أهلها مشركون ولم يُسفَك دمٌ من هنا ولا من هناك سوى بضع حوادث صغيرة، بل لما دخلها سأل أهلها: “مَاذَا تَظُنُّونَ أَنِّي فَاعِلٌ بِكُمْ؟“، فقال المشركون الذين عرفوه منذ طفولته: “أخٌ كريم، وابنُ أخٍ كريم”، فقال لهم صلى الله عليه وسلم: “لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ، اِذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ” ( ابن هشام: السيرة النبوية 74/5)، تركت كلماته هذه التي خرجت من فِيه _صلى الله عليه وسلم_ أثرًا طيّبًا في الأرواح وكأنها نفحات جبريل عليه السلام؛ فقد أدرك المشركون من أهل مكة كم كانوا في غيّهم تائهين، فجاءوا سيدنا رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ مُصبِحين وتحلقوا حوله كالهالة حول القمر؛ أجل، حتى المردة الذين عادَوا رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ سنين عددًا لانت عريكتهم، ورقّت سجاياهم فأسلموا لما جذبَهم الرفق والمعاملة الحسنة إلى مناخ الإسلام الطيب.

نعم، لا تحصدون إلا مما تزرعون، فمن يطمح إلى أن يحصد دائمًا ثمرًا طيبًا فلينثر بذورَ الخير والبر حوله على وجه الدوام.                 

(وللحديث بقية)

أسباب الإصرار على الإلحاد

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: لِم يُصِرّ بعضُ الناس على الإلحاد رغم ما تشعر به قلوبهم دائمًا مِن ضيقٍ وفراغٍ عميق؟

الجواب: الإلحاد يصوِّرُ الحياةَ وكأنها ساحةٌ للفوضى والصراع، وعُرضةٌ لأن يحدث بها أي شيء في أيّ لحظةٍ، والموتُ عنده هلاك وفَناءٌ مطلق؛ فليس للإلحاد أي وجه إيجابي يجذب الإنسان إليه أو يجعله يستمسك به؛ إنه حقيقةً مَثَارُ قلقٍ وتهديدٍ دائم للإنسان، وفراغٌ وهوّة سحيقة؛ لكنْ لدى الإنسان نقاط ضعف تجعله أصمّ أعمى، ومتى ما ابتلي بها تمرّد حتى على الحقائق الواضحة وضوح الشمس في رائعة النهار، فيُحجب عنه الإيمانُ عندئذ وينساق إلى الإنكار؛ وإليك نقاط الضعف تلك التي تتسبب في وقوع الإنسان في الإلحاد في المحاور التالية:

1 _ الكبــــر

قد يحول الكبرُ دونَ أن يكونَ الإنسانُ عبدًا لله؛ يقول الله تعالى في الحديث القدسي الجليل: “اَلْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ” (مسلم: البر، 136؛ أبو داود: اللباس، 26، واللفظ لأبي داود)؛ ومفاده أنّ الكبرياءَ لله وحده، وعلى الإنسان أنْ يكون عبدًا لله لا غير.

أجل، لما كان اللامحدود واحدًا لا ثاني له، وجب على كل من سواه أن يعلم أنه صِفْرٌ لا يزن مثقال ذرة أمامه.

 وللأستاذ بديع الزمان سعيد النُّورْسي _رحمه الله رحمة واسعة_ مصطلحان تستبين بهما هذه المسألة، هما: “المعنى الاسْمِيّ” و”المعنى الحَرْفِيّ”[1]؛ فينبغي أن ننظر إلى الإنسان بالمعنى الحرفي، والحرف لا يدل على معنى في نفسه، بل لا بد أن يُركب مع كلمة ليدل على معنًى ما؛ كذلك الإنسان لا تكون له قيمة حقيقية إلا بانتسابه إلى الله عز وجل؛ أمّا إن نظر إلى نفسه بالمعنى الاسمي، وعدَّ نفسه كائنًا مستقلًّا، وظنَّ أنه يدلّ على معنى في نفسه فما أضلَّه وأخدعه عندئذ! ومن هنا نرى أن “الثقة بالنفس” ونحوها من مفاهيم باتت تتردد اليوم لا وزن لها ولا قيمة دون أن تتعمق بالثقة بالله.

والإرادة البشريّة إن هي إلا هبةٌ ربانيّة للإنسان، فقد خصَّه سبحانه بظلٍّ من مشيئته وإرادته؛ وإذا ما عَزَمَ الإنسان على أمرٍ بإرادته الجزئية أمدّته المشيئة الربانيّة العظمى؛ فإذا نَظَرَ الإنسان إلى نفسه بهذه المرآة انحلّت عُقد كثيرة؛ أما التبجحات على غرار ما قاله فرعون: “أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى” (سُورَةُ النَّازِعَاتِ: 24/79) فما هي إلا مرآة للكبر؛ وما قاله فرعون شِركٌ وكفرٌ بَوَاح، ولا يختلف عنه ما يساور الإنسانَ من هواجس مثل: “أنا مَن فعل، أنا مَن خطَّط، أنا مَن أَنقذ الأمة من هذه الكارثة…” إنه لَشِركٌ خفيٌّ وضربٌ من ادعاء الألوهية وإن ضمنيًّا؛ إذ يستحيل أن تحتمل “أنا” وجودَ مُشخَّصَيْنِ معًا؛ و”الأنا” بمعناها الحقيقيّ تتفرد بها الذات الإلهيّة، أمّا في الإنسان فهي وحدةُ قياسٍ وهبها الله للإنسان ليدرك ويفقَه وجودَه وصفاته سبحانه وتعالى؛ أي إنَّه سيسعى ليدرك بإرادته ومشيئته الجزئية إرادةَ الله تعالى ومشيئتَه الربانية، وبعلمِه الضئيل عِلمَه المحيطَ سبحانه، وببصرِه القاصر بصرَه المطلقَ سبحانه وتعالى.

من جانب آخر فإن حواس الإنسان وصفاته ناقصةٌ محدودة مقيدة، وهذا وسيلة ليدرك ويعي ويشعر بإحاطة صفات الله تعالى وإطلاقِها؛ فقوله تعالى ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ﴾ (سُورَةُ البَقَرَةِ: 255/2) يشير إلى هذه المحدودية لدى الإنسان؛ لأنه يستحيل أن يكون الشيء محيطًا ومُحاطًا في نفس الوقت؛ فالمحيط هو الله، أما نحن والكونُ كلُّه فمُحاطون، بمعنى أن الله أحاط بكلِّ شيء علمًا وإرادةً ومشيئةً وقدرةً؛ ومن عجز أن يقيم نفسه في هذا الأمر في المقام الذي ينبغي له حُجِب عنه الإيمانُ؛ وليس وراء إلحاد الناس غالبًا إلا رؤيةٌ فرعونية أساسُها الكبر.

2 _ الظلم

ثاني العوامل التي تحول دون الإيمان هو الطغيانُ وتجاوز الحد، ولا جرم أنّ هذا ظلمٌ بمعنى ما، وهو وراء إلحاد جميع الطغاة والظَّلمة الذين باؤوا بالخسران لأنهم أسندوا كل ما يحدث إلى قوتهم وقدرتهم، وكفى بقارون الذي ضربه القرآن الكريم مثلًا شاهدًا ودليلًا جليًّا على هذا؛ وإليك ما جاء في القرآن الكريم عنه: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ (سُورَةُ القَصَصِ: 78/28)؛ فكم من الجبارين ممن لو أرادوا خلع الجبال لَخَلَعوها، لمَّا أفرطوا وطغوا أهلكهم الله سبحانه وتعالى وأرداهم أسفل سافلين!

3 _ انحراف النظر

 ومن عوامل إلحاد البشر انحراف النظر؛ وكم عُنِيَ الأستاذ بديع الزمان بأمر النية والنظر، حتى قال: “في أربعين سنة من رحلة العمر، وثلاثين سنة في طلب العلم حصّلتُ أربع كلمات وأربع جُمل”[2]؛ وذكر في الكلمات النيةَ والنظر؛ لأنَّ النظرَ عاملٌ بالغُ الأهميةِ في فهمِ الأمور والحوادث وتفسيرهما؛ فمن عجز عن تعيير وجهة نظره وضبطها فلن يُبصر ما ينبغي رؤيته بدقة، وقد تتعذر الرؤية مطلقًا؛ وإن كانت دراساته وبحوثه تنتهي به إلى نقطة معينة، إلا أنه يتعثر فيها ولا يستطيع أن يبلغ معرفة الله.

والأصلُ في النظر القدرةُ على رؤية المنظور على ما هو عليه، أي الأصل السعي لرؤيته على حقيقته؛ لذا لا بد من النظر بشكل صحيح، ثم لا بد أن يستهدف النظرُ الرؤيةَ؛ فمثلًا من ينظر بلا هدف إلى مكتبة تغَصّ بالكتب يعجز حتى عن رؤية أسماء الكتب وألوانها؛ وقد قيل: النظر شيءٌ، والرؤيةُ شيءٌ آخَر؛ فينبغي ألا يُخلَط بينهما.

وجاء في القرآن الكريم في حديث فرعون ما يكشف انحراف نظره: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ (سُورَةُ غَافِرٍ: 36/40-37)؛ وفي عصرنا قال صاحبُ نظر منحرف آخرُ مثلَ هذا: “إنني طوّفت بالكرة الأرضية ولم أصادف إلهًا”؛ فأفحمه الأستاذُ “نجيب فاضل”[3] بنبرة صوته الرنّان قائلًا: “أيها الأحمق! من قال لك إن الله –حاش لله- نُفاخة في الفضاء!”، فمِن انحراف النظر السعيُ للبحث عن الخالق العظيم المنزه عن الزمان والمكان والمادة بغيةَ العثور عليه وكأنه –حاشَ لله- شيء ماديّ؛ ومن زجّ بنفسه في أتونٍ كهذا عجز عن بلوغ الإيمان مهما توسّل.

4 _ التقليد الأعمى للآباء

تقليد الآباء أيضًا من أسباب الإلحاد؛ وما أكثر توجيهَ النظر في آيات القرآن الكريم إلى ضلال المشركين والكافرين في موقفهم هذا: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ (سُورَةُ البَقَرَةِ: 170/2) والذين كفروا وأعرضوا عن الإيمان على مر التاريخ اتخذوا لأنفسهم آباء وطواغيت فقلدوهم تقليدًا أعمى واقتفوا آثارهم.

ويرى هؤلاء المقلِّدون أن آباءهم لا يُسألون ولا يؤاخَذون حتى وإن عبدوا وثنًا من حجر أو حلوى أو شجر، ويستحيل تتبعُ سقطاتهم في قولٍ أو فعل ألبتة، وهذا مسلكٌ نهايتُه الخسرانُ، وسبب لحرمان الإنسان من الإيمان.

كمن يفرّ من قرص البعوض إلى لدغ الـحية

إن من يتأمل ما سبق لن يعثر على مستنَد عقلي أو منطقي أو فكري في أُسّ الإلحاد والجحود، ومن الخطأ أن نطلق على عوامل الإلحاد المذكورة كلمة “مستنَد”؛ لأن معنى المستند الركيزة الحقيقية؛ وإنما يستند غير المؤمنين إلى أشياء يُتوهّم أنها مستند، ويمضون في كفر وإلحاد لا ينطوي على أي جانب إيجابي محمود يَعِدُهم به، ومثل هؤلاء يفضلون أن يعزّوا ويواسوا أنفسهم بشيء مؤقت، ويرون الإعراض عن ولوج ساحة الإيمان سبيلَهم إلى الدّعة والهروب من التكليف؛ لأن الدين أو الإيمان إذا ما ذُكرا تَبِعَهما التطبيق أي التكليف والواجبات اللازمة لهما؛ إذ إن الإيمان ليس قولًا باللسان فحسب، بل من ضرورياته أداء الواجبات وترك المنكرات، وبعبارة أخرى: إن الأمر لا ينتهي عند قول: “آمنتُ”؛ إذ يجب عقبه أداءُ جملة من الأوامر تسمى “الصالحات”، وترك جملة من السيئات تدخل في باب “الفحشاء والمنكر والبغي”؛ ولهذا فمن يتوهم أن هذه الأمور تحول دون التلذذ والتمتع بالحياة يأبى أن يلج ساحة الإيمان؛ يقول الأستاذ بديع الزمان: “لايدرك هذا الشقيُّ أنه قد جعل نفسه – بهذا الإنكار – هدفًا لضيق معنويّ أرهبَ وأفظعَ بـملايين الـمرات من ذلك الضيق الـجزئي الذي كان يشعر به مِن تكاسلـه في العبادة، كمن يفرّ من قرص البعوض إلى لدغ الـحية!![4]“؛ وهذه الأمور التي تُرى في الدينا كأنها عزاء وسلوان لا تفيد الإنسان في الآخرة ولا تنفعه ألبتة.

والمؤمنون وإن اجتازوا ما يفضي إلى الجحود من هذه العقبات كلها ودخلوا دوحة الإيمان، فليعلموا أن كل واحدة منها خطر كامن يتهددهم في كل حين؛ حيث إن العوامل المذكورة كما تمنع ولوج ساحة الإيمان قد يتسبب كل منها -نسأل الله العصمة- في الردّة عن الإيمان إلى الكفر؛ لأن هذه الأمراض والعلل قد تُخرج المرء من ساحة الإيمان وهو لا يشعر ولا يدرك ألبتة، وذلك إذا ما جثمت وسيطرت على أحاسيسه وفكره، وأخضعت الوجدانَ لضغوطها وتركت فيه ثقوبًا وصدوعًا وكسورًا، فمثلًا يقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): “لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ” (مسلم: الإيمان، 147) والحديث يوجه الأنظار إلى إحدى هذه الجراثيم القاتلة، ومن ثمّ فإنه يجب على الإنسان أن يحاسب نفسَه دائمًا، ويُبصِر ويقْدُر نِعم الله تعالى قَدْرها، فيحمده تعالى ويثني عليه، ولا يغيبنّ عنه أبدًا أنّ كلًّا منها قد تكون سببًا لــ”الاستدراج”.


[1] الاسم والحرف في النحو:

الاسم: ما دل على معنى في نفسه؛ والحرف: ما دل على معنى في غيره، أي لا يظهر معناه كاملًا إلا مع غيره.

يقول الأستاذ النُّوْرسي: “إن النظر إلى ما سواه تعالى لا بد أن يكون بالمعنى الحرفيّ وبحسابه تعالى، وإن النظر إلى الكائنات بالمعنى الاسمي أي بحساب الأسباب خطأ؛ ففي كل شيء وجهان: وجهٌ إلى الحق، ووجه إلى الكون؛ فالتوجه إلى الوجه الكوني لا بد أن يكون حرفيًّا وعنوانًا للمعنى الاسمي الذي هو جهة نسبته إليه تعالى. (المثنوي العربي النوري: قطرة من بحر التوحيد).

[2] المثنوي العربي النوري، قطرة من بحر التوحيد.

[3] نجيب فاضل: شاعر وكاتب ومفكر تركي (1904-1983).

[4] اللمعات، اللمعة الثانية، النكتة الأولى.

بشائر الإيمان

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ما المحاسنُ التي يبشّر بها الإيمانُ؟ وهل مِنْ مراتب ومقامات لشعور الإنسان وإحساسِه بهذه المحاسن في وجدانه؟

الجواب: كم قيل حتى اليوم عن المحاسن التي يبشِّر بها الإيمانُ في الدنيا والآخرة، وعن مُنجيات كثيرة مصدرها الإيمان؛ ويخصّ الأستاذ بديع الزمان هذا الموضوع بشيء من التفصيل في مواضع من كُتبه؛ ومفاد كلِّ ما قيل وكُتب في هذا أنَّ الإيمان يمنح الإنسانَ رؤيةً واسعةً عميقةً جدًّا لقراءة الحياةِ والوجود وتقييمهما تقييمًا صحيحًا؛ فمثلًا حين ينظر الإنسان المؤمن إلى الوجود يرى كل شيء كأنَّه صديق حميم ورفيق مخلص له، فيأمن الطريق والرفيق؛ ويرى الماضيَ والمستقبلَ مشرقين في ضوء النورِ الذي يشع من الإيمان على حياته؛ فلا الماضي مقبرة مرعبة في نظره، ولا المستقبل حفرة حالكة الظلام.

 نعم، مخاوف الإنسان وقلقُه مما في المستقبل أمر طبعي، لكنَّه يتغلب عليها بما يشع من الإيمانِ مِن أمل ونور؛ بل مَنْ يقوم إيمانه على أسس سليمة يدرك أن هذه المخاوف ليست أشياءَ لا حيلة لها، فيُلفي نفسَه قادرًا على الخروج مما يشعر به من همٍّ وحزن تنذر بهما هذه المخاوف؛ أيخشى المرء ظلمة البرزخ والقبر؟ فإيمانه نورٌ يسعى بين يديه، أم يهاب الصراطَ؟ فالإيمان “بُرَاقه” في العبور، أم يخشى العاقبة؟ فالإيمان آمَنُ طريق إلى الجنة وأمتنه، أم لديه مخاوف من الجزاء؟ ألا فلا يخافنَّ، فالإيمان هو الحصن الحصين من جهنم؛ أجل، كأنّ الإيمان دليل مرشد يقف على جانبي الطريق في رحلة الإنسان الطويلة، يبشّره بالأمن ويطمئنه.

حقيقة الموت

الإيمان _كما يقول الأستاذ بديع الزمان_ يحمل في ماهيته نواةً معنويةً لـ”طُوبَى” الجنةِ؛ فالمؤمن وهو في الدنيا يعيش حياةً ملؤُها الطمأنينة؛ فإيمانه ينجيه من خوف الفناء والقلقِ من الصيرورة إلى العدم؛ ومهما قيل وكيفما نُظِر إلى هذه المسألة فلينظرْ، فالحقيقة أنه يستحيل على غير المؤمن أن يمحو خوفَه من الفناء ويجتثّه من عقله وقلبه جِذريًّا؛ بل إن هذا القلق وتلك المخاوف تعذبه بين حين وآخر حتى إنها تصليه جهنم وهو ما يزال في الدنيا، فلا مفرّ لذلك الإنسان من هذه الأزمات غالبًا إلا بالإغراق في اللهو والمتعة والمرح، فيسلم نفسه للمسكرات حينًا ولما للجسم والبدن من نزوات حينًا آخر، وقد يدمن المخدرات عسى أن ينسلخ مما أفرزته عقيدة الفناء والعدم والتعفن والبِلى من قلق في روحه؛ إنه يعيش حياة بوهيمية لاهية متحلِّلة، ويودّ ألا يفكر في العاقبة وألا يشعر بها؛ وسمِّ ذلك إن شئت “محاولة المرء تنويم نفسه مغناطيسيّا”، ولكن هيهات؛ فكل هذه الأمور وإن سلّت الإنسان وواسته مؤقتًا فهي في الحقيقة مساعٍ لا تُغني عنه شيئًا، فالنعامة تدفن رأسَها في الرمال لتختبئ من الصياد لكن ذلك لا ينفعها، فهذا النوع من اللهو يُلجَأ إليه للقضاء على مخاوف العاقبة لكن هيهات هيهات؛ فإن كان من شيء ينقذ الإنسان من هذه المخاوف كلها ويُبلّغه ساحل السلامة فهو الإيمانُ، السفينةُ الآمنة، والمرشدُ الأمين، ومصدر الأمل القويّ للإنسان.

ومهما أذنبَ المرء فلن ينقطع أمله ورجاؤه في أمر عاقبته إن كان مؤمنًا؛ هذه حقيقة راسخة في جوهر الإيمان، فعقيدة أهل السنة والجماعة أنه لا يُخلَّد في جهنم من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان مهما ارتكب من الذنوب؛ فمن كان في قلبه حُسن الإيمان وجماله فالذنوب عنده أمر عارض لا أصل؛ إذ الإيمان لا يصدر عن مثله شيء من ذلك؛ بل إنما تصدر الذنوب عن تذبذب الإنسان واضطرابه حيث يجب عليه الصمود في سبيل الإيمان؛ أي إنَّ الذنوب جراثيم تنفذ إلى أعماق الإنسان من خلال ثغرات في إيمانه؛ أما الكفر فمن ماهيته تنبجس الذنوب والمعاصي، فذلك هو الأصل في الكفر؛ أجل، فمن كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان دخل الجنة بإجماع أهل السنة والجماعة؛ أي حتى لو زنى المرء أو سرق أو ارتكب منكَرًا آخر -عافانا الله- فستدرِكُه السعادة الأبدية في الآخرة إن كان في قلبه إيمان، فإن تاب عن ذنوبه وتاب الله عليه دخل الجنة بلا عقاب؛ فكل هذا من بشائر الإيمان للإنسان، ولا شيء يعدلها أو يقوم مقامها، إذاً فالإيمان مصدر أمل عظيم للإنسان؛ وبفضل هذا المصدر العظيم السرمدي بوسع المرء أن ينسلخ من عالمه الضيق، ويُبحر نحو جماليات الحياة الأبدية ومحاسنها.

أخوّة صادقة تنعكس على الآخرة

الإيمان يجعل مِن المؤمن إنسانًا يَشِعّ منه الأمن على مَن حوله، بل على الكونِ بأسره، ويجعل مِن عالمه الضيق عالمًا عالميًّا، فيرى الكون مهدًا للأخوّة، وبالتالي يرى الخلقَ جميعًا إخوةً له مِن وجهٍ مَا، فالمسلمون إخوانه في الدين، وغير المسلمين إخوانُه في الإنسانية، كما أُثِر عن سيدنا علي رضي الله عنه؛ ولا جرم أنَّ نظرة المؤمن لإخوانِه في الدين أكثر خصوصيّةً، فهم يشاطرونه الرأي نفسه والشعور ذاتَه، وهو يؤمن بأنه سيكونون معًا في عالم البرزخ وفي الحشر والحساب وفي العبور على الصراط.

فمن يتحلّى بهذا الإيمان لا يُقيم أواصره على منفعةٍ مؤقتة فانية أو مصلحة هنا وأخرى هناك، بل دأبه إقامة آصرة وَصِلة سرمدية أخروية مع من حوله؛ وهذه الآصرة الأخروية ذات قدر عند الله، فهي تقرّب الإنسان من ربه تبارك وتعالى، يَعْقبها توفيق ربانيّ في الدارين، وهذه بشارة أخرى للإيمان، ولك أن تفهم قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: “يَدُ اللّٰهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ” (الترمذي: الفتن، 7) في ضوء ذلك، فالله تعالى يحفظ مَن يتحركون معًا من كلّ شرّ دنيويّ، ويمنّ عليهم بنجاح خِططهم، وسيُنعِم عليهم أيضًا بفوزٍ متنوع خالد في الآخرة، أي للعمل الجماعي فضائلُ دنيوية وأخروية.

يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ﴾ (سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ: 48/14)، فما مِن شيء من الذرات إلى المجرات إلا وسيتغير في الآخرة؛ فأفكارُ الإنسان ومشاعره ستكتسب ماهيةً أخرى، وسيصبح لكل خير قدّمه ولأواصره الأخوية في الدنيا أبعادًا متميزة في الآخرة، فلا يُدرى كم متعةٍ يتذوق المرء في الآخرة، وكم من الوُدِّ يهيمن على صلته بإخوانه المؤمنين، بل قد يستوي عنده لقاءُ الإخوان والنظر إلى بهاء وجوههم ونعيمُ الجنان؛ ففي الحديث القدسي: “أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ” (البخاري: بدء الخلق، 8)؛ فما في الجنة من نعمٍ يفوق كلَّ التصورات، فسيمنّ الله على عباده المؤمنين بنِعَمٍ لا تخطر على بال؛ إنها الحسنات التي قدّمتموها في الدنيا، ستتراءى لكم نعمًا في الجنة.

وأما الشطر الثاني من السؤال فإليكم في جوابه المسائل التالية بإيجاز:

كل إنسان يشعر بمحاسن الإيمان تلك ويتذوقها على حسب عمق إيمانه وسَعته، فمنهم من يشعر ويحس بها نظريًّا فقط، وحسبه ما عرفه في المرحلة الابتدائية عن حقائق الإيمان، وهذه بداية الطريق ليس إلا؛ وآخر يدلل على معلوماته المجردة بالعلم والتفكّر، ويردّها إلى قواعد متينة، ويستوعبها عملًا وعبادة، ويحوّلها إلى معرفة؛ أي يسير من العلم النظري إلى علم اليقين، ومنه إلى عين اليقين، وهناك يظهر له سرّ الإحسان، أي يقوم ويقعد وهو يشعر بأن الله يراه في كل حال، ويقضي حياته هكذا، ولك إن شئت أن تطلق على هذا: الانسلاخ من الحيوانية، والترفع عن الجسمانية، والانسلال من سجن البدن، والارتقاء إلى مرتبة الحياة القلبية والروحية؛ هنا يتراءى كلُّ شيء أرحب وأوضح وأشدّ لمعانًا بما فيه من محاسن ساحرة خاصة، وعند هذه المرتبة تستحقر العينُ الحياةَ الدنيوية والجسمانية، فما وجود المرء في الدنيا إلا ليؤدي المهمة التي أُمر وكُلِّف بها فحسب، فإذا ما جاء أمر التسريح عاش فرحة أخرى واستقبل الموت فرِحًا به فرحَ الصائم بالفطر، وارتحل إلى الآخرة بهذه المحاسن التي كفِلها له إيمانه ليلقى بها ربّه سبحانه وتعالى.

المسلم: إنسان الصدق والأمانة

Herkul-ARB | | العربية

السؤال: جاء في الحديث “المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده”، فبمَ تنصحونا حتى نجعل هذه الخصلة الطيبة بعدًا من أبعاد طبيعتنا الإنسانية؟

الجواب: حديث “الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ” ورد في الصِّحاح (البخاري: الإيمان، 4)؛  وهو يعرّف المسلم الحقّ بأنّه  من لا يتأذى أحد أو يُضارّ من لسانه ويده.

ولنقف قليلًا على كلمة “المسلم” في هذا الحديث الشريف لندرك مغزى ما أشار إليه السؤال.

وردت كلمة “المسلم” في الحديث الشريف معرَّفةً بأل، فالمقصود هنا المسلم الكامل، فالقاعدة: “أن اللفظ المطلق يُحمل على أكمل معانيه”، فالمسلم هنا ليس هو من يتظاهر بالإسلام أو يدعيه، بل هو من يؤمن بالحق ويرضى به قلبه، ويفوّض إليه أمرَه، ويعمل بمقتضى إيمانه، ويتخذ هذا الإيمان روحًا لحياته.

وإن شئت التفصيل فالمسلم لغة اسم فاعل من “أَسْلَمَ” المشتق من “السلم والسلام”؛ فكما أن المسلم هو من يُسلم زمامه إلى الله تعالى هو أيضًا من يبْلُغ بالآخرين شاطئ السلامة، ويقيم بينه وبينهم جسرًا من الأمن والسلام.

المسلم إذًا هو ممن يُسلم قياده للحق تعالى، فيراعي الدّقة البالغة في الإتيان بما أمر الله واجتناب ما نهى عنه، فيحافظ على هويته في جو من السلم والسلام؛ وهو في الوقت نفسه أمينٌ يمثِّلُ الأمن والسلام، ويُشعِر الآخرين بالثقة والأمان في كل ما يصدر عنه. 

المسلم واسم الله “السلام” و”المؤمن”

المسلم تهبّ منه نسائم السلام والأمن على الآخرين، فهو مظهرٌ للتخلّق بالأخلاق الإلهية؛ فـ”السلام” و”المؤمن” من أسماء الله الحسنى كما ذُكِرا تِبَاعًا آخرَ سورة الحشر: ﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (سُورَةُ الْحَشْرِ: 23/59)؛ فالله تعالى هو “السلام”؛ لتنزهه عما هو من شأن الحوادث من العيب والنقص والفناء، وهو الذي ينشر الأمن والسلام بين خلقه؛ و”المؤمن” هو من يخلق الإيمان في قلوب عباده، ويبشرهم بالأمن والأمان، ويفي بعهده، فإذا وعد الله عباده فمن أوفى بعهده من الله، وهذا مردّ ما في قلب المؤمن من الرجاء.

فمَن يجاهد نفسه ليتخلق بأخلاق الله أو مَن جعل منتهى غاياته أن يتصف –باعتبار الظِّلِّيَّة- بالصفات السبحانية، فعليه أن يوحي لمن حوله بالأمن والسلام دائمًا فلا يساور أحدًا خوفٌ أو قلقٌ مما يصدر عنه، وعليه أن يؤمن بالله ويصدّق به من صميم قلبه، فيوحي لسان حاله لمن حوله بالأمان، ويغشاهم بنَسائم الثقة والأمان؛ فيعهدون إليه بأغلى ما عندهم فيُسْلِمونه له، ثم ينصرفون دون أن يراود أحدًا منهم أيُّ قلق أو سوءُ ظنٍّ به. 

الصدق والأمانة من صفات الأنبياء العظام، ولهذا أثر عظيم يجلي أهمية المسألة؛ أجل، فبالصدق  بلغ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذُرَى الكمالات، وبالكذب تردّى مسيلمة الكذاب أسفل سافلين.

حقًّا إنّ الكفر إفكٌ عظيم يفتريه الجاحدون، وهو إنكار لكل ما في الكون من آيات تدل على الله، وتَعَامٍ عن النظام والتناغم الرائع فيه، وجحود بما بين الكون والقرآن من مطابقةٍ أثبتها العقل؛ فما أعظمه من جرم، جزاؤه جهنم فبئس المصير! أما الإيمان فبه يغدو المؤمن أهلًا لدخول الجنة ويبلغ به أعلى عليِّين، أجل، فخصلة الصدق ينبوعُ الإيمان، وهي  التي بلغت بالصحابة الكرام عامّة وبالصدِّيق خاصة الدرجات العلى.

أما الأمانة فما من نبي إلا وحياته مثل للأمن والأمانة، تبعث في الآخرين الشعور بالطمأنينة والأمان على الدوام؛ وأعظم الناس أمانة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبعث الطمأنينة فيمن حوله بأحواله وأطواره، حتى إنه أول من يخطر ببال الناس إذا ما همّوا  بسفر ورغبوا أن يستودعوا أحدًا بناتهم وزوجاتهم؛ لأنهم على ثقة بأن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم لن يرفع بصره إلى أيٍّ منهنّ؛ فهو صلى الله عليه وسلم المثل الكامل في الأدب والحياء، فكم وكم تصبب معلّم الأدب والحياء عرقًا يوم أن عَرَّضت له السيدة خديجة رضوان الله عليها بالزواج؛ أجل،  فالأمانة سرت في ماهيته صلى الله عليه وسلم حتى غشيته من مفرق رأسه إلى أخمص قدميه؛ فغدا عليه الصلاة والسلام موضع ثقة الناس.

رصيد الثقة

الأمر هو هو ينبغي أن يسري فينا نحن أمَّتَه صلى الله عليه وسلم خاصة أبطال مبدأ مثاليّ نذروا حياتهم لتحبيب الله ورسولِ الله إلى عباد الله ينبغي أن يبثّوا نسائم الأمن فيما حولهم دائمًا ليولدوا لدى الناس جميعًا شعورًا بالثقة فيهم فيأمنوهم كلّ الأمن ويتحدثوا عنهم قائلين: “إن قالها هؤلاء فقد صدقوا، فكلامهم ثقة وصدق”؛ واعلموا أن ثقتهم بكم هي سرّ احتفاء الناس بكم اليوم واتباعهم لكم ومساندتكم.

أجل، للناس وسائل كثيرة يختبرونكم بها في مجريات الحركة الطبعيّة للأحداث بلا تجسس ولا رقابة، ثم يحكمون فيقولون: “هذا جدير بالثقة”، فمثلًا إذا حدّثتموهم  عن مشروع ذبح الأضاحي حيث الفقر والحاجة في الداخل أو الخارج، يسارعون بلا تردد بخمسين أو مائة أضحية أو أكثر؛ فنيلُ هذه الثقة والمحافظة عليها بدقة بالغة وصدقٍ صِرفٍ أمرٌ مهمّ جدًّا.

وإذا ما استطاعت الأرواحُ التي نذرت نفسها للحقّ اليوم الاستمرارَ في بثِّ نسيم الثقة، فسيَعلم -بفضل الله وعنايته- من سيعرفونها من بعد ويثقون بها ويتواصلون معها أنهم لم يُخدعوا، فلن ينقلبوا على أعقابهم؛ فعلى المهاجرين في سبيل مبدأ سامٍ الوفاءُ بمسؤوليتهم مهما ضاقت الأمور، والثباتُ حيث  يرابطون، والسير دائمًا وفقًا للمبادئ الأساسية، وليحذروا أن يستوجبوا وقوع ما ورد في هذه الآيات من صفعات ولطمات بتفضيلهم للحياة الدنيا على الآخرة: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ (سُورَةُ القِيامَةِ: 20/75-21)، ﴿اِسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ﴾ (سُورَةُ النَّحْلِ: 107/16) نسأل الله السلامة؛  فينبغي الاهتمام بالدنيا بقدر فنائها وبالآخرة بقدر بقائها، فأنتم حقيقة تزيدون الدنيا قيمةً وقدرًا إن أوليتم الآخرة اهتمامًا وتقديرًا يناسب قيمتها الذاتية؛ لأن الذين يُقِيمون حياتهم على هذا التوازن مخلصون يفيضون وفاء ويتحركون بأمن وأمان حتى إن كل شيء يُستثمر عندهم استثمارًا جيدًا، ولا يُهدر شيء ألبتة،  فبذلك تُصبح الدنيا معمورةً، أجل، لا يساورنَّكم شكّ قطعًا بأن أُمَناء اليوم بوسعهم -إن عزموا الأمر- أن يعمروا دنيانا في هذا العصر كما أن من نذروا أنفسهم لنيل رضا الله والفوزِ بالآخرة عمروا من قبلُ الأندلسَ وكلَّ بقعة نزلوها في عصر الدولة العثمانية العليّة.

فعلى من نذر نفسه لخدمة الحق أن يتجنب التَّرَف دائمًا، ويعيشَ حياةً بسيطةً، وأن يكون بيته كذلك حتى إنه لَيُرهق أصحابه في البحث عن ثمن كفن يكفنونه به حين يموت؛ فمن انقطع ووُقِفَ للخدمة ليس له أن يكون عبد الدرهم والمنصب والراحة؛ إنه عبدٌ لله وحده أخلص قلبَه للخدمة فحسب، فلا شيء يغلّه أو يسلسله؛ وطبَعي أن يكون هناك أناس -ولا بد أن يكونوا- عملُهم التجارة يرغبون في الخدمة هكذا أي بالكسب الحلال والإنفاق في سبيل الله، فهذا أمر آخر؛ إنما أذكِّر بما يجب من الحذر والدقة على من ليس لهم عمل أو شغل إلا الخدمة.

قوة التمثيل لدى المسؤولين

على الأوراح التي نذرت نفسها للحق أن توحي بالثقة -على الشاكلة نفسها- لأقرانها في الخدمة، فلتحاذر دائمًا من أي تصرف أو سلوكٍ من شأنه أن يزعزع ثقة أقرانها بها، ولتتحرك بشفافية دائمة، ولتحذرْ مقارفة ما يثير الشك لديهم، فيفقدمهم الثقة؛ وعليها أن تكون على قدرٍ عالٍ من الحساسية والحيطة والحذر في هذا حتى لا يغرق أحد حولها في أوهام كدعوى  حرمانه من بعضِ الأشياء أو أنه ضُيِّق عليه في حَراكه.

لذا علينا التحلي بالوضوح والشفافية دائمًا نحوَ مَن نسير معهم سويًّا، ومشاورتهم في اتخاذِ القرار أيًّا كانت المسألة، والحذرِ كل الحذر من الاستبداد في تصرف أو سلوك، فلنراعِ مشاعرَ من حولنا وآراءَهم، وبالشكل نفسه لتكن الواجبات التي نأتمنهم عليها مناسبة لاستعداداتهم وطاقاتهم، ولننظمْ ساعات عملهم وفقًا لهذا؛ فعلينا أن نكوّن ثقة عند من حولنا في هذا الشأن حتى يشعر ويتأكد من يُوظَّف في أمرٍ ما أن من يوظِّفونه يتحركون بحسن نية، ويفعلون ما يفعلون حسبما تقتضيه المصلحة دائمًا؛ أضف إلى ذلك ضرورةَ إعادة التأهيل بصورة جادة كي يتحمسوا لما كُلفوا به ويعتادوا عليه ويتبنّوه ويستوعبوه.

بإيجاز: لا بد من التحرك بشفافية ودقّة عظيمة عند توزيع الأعمال وتنظيمها والتكليف بالواجب حتى لا تتسلل إلى أحدهم مشاعر مثل: “لا يُوثق بي، لا أؤتمن”، وكي لا يُولَّد فيهم شعورٌ بالشك وعدم الثقة.فحينما أعفى عمر -رضي الله عنه- خالدَ بن الوليد من قيادة الجيش، وكذلك حين أرسل عثمانُ -رضي الله عنه- أبا ذرّ إلى “الربذة” لم يعترض أيّ منهما قط على هذا القرار، بل نفذا الأمر فورًا، وما ذلك إلا لوجود مثل هذا الشعور؛ فإن استطعتم بتصرفاتكم وأحوالكم التي أبَنْتُم عنها أن تبُثوا وتزرعوا الثقة لدى منْ أنتم مسؤولون عنهم، وحافظتم على عصمتكم وعفتكم الفكرية والحسية والعقلية والمنطقية، فكل قرار تتخذونه بحقهم سيلقى القبول والرضا، وسيمضي من يُعيَّن في وظيفة جديدة دون أي تردد قائلًا: “متأكد أن من اتخذ هذا القرار اختار الأصلح والأنفعَ لي”، وسيتحمل كثيرًا من ألوان الحرمان والعوز حيث ذهب؛ حتى لو قلتم له: “امكث في هذا المكان” لمكان يشبه المحبس الانفرادي، فإنه فاعلٌ موقنًا أن ثمة مصالح ومنافع متنوعة مستهدفة بتلك الوظيفة؛ فعلى قدر ما تكونون إداريِّين أمناء ثقات يستجيب مَنْ حولكم لتوجيهاتكم واقتراحاتكم؛ إذ التحلي بالصدق والثقة والأمانة أهمّ طريق ووسيلة لفتح القلوب؛ فينبغي أن يبلغ تصديق الناس لكم وثقتهم بكم في هذا أن يقولوا: “حيثما وجبت عليّ وظيفة في الخدمة الإيمانية والقرآنية فثَمَّ مشيئة الله”؛ وهذا إنما يتحقق بلا ريب بفضل قوة التمثيل التي تتجلى وفق ميزانٍ حسّاس  دقيق لدى الإداريين.

وجهة نظر لقراءة أحداث عهد الصحابة قراءة صحيحة

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: كيف كانت عَلاقة سيدنا عليٍّ (رضي الله عنه) بالخلفاء الثلاثة الآخرين؟ لا سِيَّما أن هناك بعض الدوائر تزعم أن اختلافات خطيرة كانت بينه وبين الخلفاء الثلاثة رضي الله عنهم أجمعين، فما حقيقة الأمر؟

الجواب: لكي يمكن تقييم الوضع تقييمًا صحيحًا لا بد أوَّلا من معرفة سيدنا عليٍّ والخلفاء الثلاثة الآخرين (رضي الله عنهم أجمعين) معرفةً جيدةً؛ لأن الأقاويل والكلمات التي تُثار على الساحة تتسبب في تفسيرات متباينة ما لم يُعرف هؤلاء الأشخاصُ العظام بعظمتهم ودقائقهم، ومن تلك التفسيرات يُتوصل إلى نتائجَ خاطئةٍ. ولْنحاولِ الآن أن نستعرض بشكل عامٍّ بعض الملامح من حياة الخلفاء الراشدين الباهرة حتى نعرفهم من قرب.

دُرّة تاج السلسلة الذهبية

إن سيدنا عليًّا واحد من أكثر الذين أقاموا فترة طويلة في تربية سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) سواء قبل البَعثة النبوية أو بعدها، وقد تزوج بالسيدة فاطمة التي قال عنها والدها رسول الله: “فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي فَمَنْ أَغْضَبَهَا أَغْضَبَنِي” (البخاري، فضائل الصحابة، 12)، وبهذا الزواج تأسست بينه وبين سيدنا رسول الله (عليه الصلاة والسلام) قرابة أخرى متميزة، وقد اختلف سيدنا الرسول الأكرم إلى بيتهما كثيرًا، وزارهما ليلًا حتى جلس مرة بينهما على فراشهما، واحتضن أحفاده وداعبهم، وكل هذا يعني أن سيدنا عليًّا وجد الفرصة السانحة له دائمًا ليتنفس حِسِّيَّاتِ ومشاعرَ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أضف إلى ذلك أن أحفاد رسول الله (عليه صلوات الله وسلامه) المباركِين وُلِدُوا في هذا البيت السعيد، ومنهم استمر نسله (صلى الله عليه وسلم)، فصار سيدنا الحسن أبا الأشراف، بينما صار سيدنا الحسين أبا السادات، ولذلك كانت لسيدنا عليٍّ مكانةٌ متميزةٌ تمامًا باعتباره جد كثير من الأقطاب العظام، مثل: أبي الحسن الشاذِلي، وأحمد الرفاعي، وعبد القادر الجيلاني، ومحمد بهاء الدين النقشبندي.

“لولا أبو بكر لذهب الإسلام”

إلا أن لكل من الخلفاء الراشدين الآخرين أيضًا خصائصَ تخُصُّهُ، فمثلًا حمايةُ سيدنا أبي بكر سيدَنا رسولَ الله وذَودُه عنه في مواضعَ معينةٍ أمرٌ مهم للغاية؛ فكونه (رضي الله عنه) أولَ من صدّق برسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ومواجهتُه المخاطرَ في الطُّرُق الخطرة الوعرة التي سار فيها برُفقة سيدنا رسول الله في أثناء الهجرة، وتصدِّيهِ للخطر عدة مرات عندما هُوجم رسول الله وقولُه مثلما قال مؤمنُ آل فرعون: “أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ” (سورة غافر، الآية 28)… كلُّ هذه حوادثُ ووقائعُ مهمةٌ للغاية؛ ولا يعلم قدر الجواهر وقيمتَها إلا الصائغُ الخبيرُ بها، ولذلك كان سيدنا عليٌّ في مقدمة مَنْ قَدَّرَ سيدنا أبا بكر إذ قال: “لولا أبو بكر الصديق لذهب الإسلام” (الديلمي: الفردوس بمأثور الخطاب، 358/3) كما عبر عن عظمته هذه في وقت آخرَ بقوله: “خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر” (أحمد بن حنبل: فضائل الصحابة، 76/1).

سورٌ منيع يَفْرُق الحقَّ من الباطل: الفاروق

إن لسيدنا عمر أيضًا خصوصياتٍ تفوَّقَ فيها على غيره، فقد كان (رضي الله عنه) كالسور المنيع في مواجهة كل أنواع حركات النفاق والشِّقاقِ التي هددت وَحدة الإسلامِ في فترة خلافته، بالإضافة إلى أنه كسر شوكة القوتين العُظمَيَيْن عالميًّا في عصره: الرُّوم والساسان، وكان وسيلة لأن يعتنق كثيرٌ من الناس الإسلامَ؛ ولمَّا استسلمت إيران جَرَّاءَ هزيمتها في معركة القادسية بدأت تُضْمِر حِقدًا وضغينة لسيدنا عمر، وقد عبر الأستاذ بديع الزمان عن قصدهم من مسلكهم بقوله: “لا لِحبّ عليٍّ بل لِبغض عمرَ”.

ونظرًا لأن سيدنا عليًّا عرَف فضائلَ هذين الخليفتين العظيمين، فقد اضطلع مدة خلافتهما بالمهمة التي أطلقنا على من قام بها لاحقًا اسم “شيخ الإسلام”، أي إن هذين الخليفتين كثيرًا ما استشاراه فيما احتاجا إلى الإفتاء فيه، لا سيّما أن هناك الكثيرَ من المسائل سأله سيدُنا عمر عنها وتعلم حكمها منه، وتلك الحادثة المنقولة في كتب الحديث جديرة بالنظر، لأنها تُظهر العلاقة بين سيدنا عليٍّ وسيدنا عمر (رضي الله عنهما): حين قال سيدنا عمر وهو يقبّل الحجر الأسود: “إني أعلم أنك حجر، لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقبِّلك ما قبَّلتُك” (البخاري: الحج، 50؛ مسلم: الحج، 250) قال له سيدُنا عليٌّ ببساطة شديدة: “إني أشهد لسمعتُ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: “يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، وَلَهُ لِسَانٌ ذَلْقٌ، يَشْهَدُ لِمَنْ يَسْتَلِمُهُ بِالتَّوْحِيدِ.” فهو يا أمير المؤمنين يضرّ وينفع”، فقال عمر: “أعوذ بالله أن أعيش في قوم لستَ فيهم يا أبا حسن” (الحاكم: المستدرك، 628/1). إنهم أناس يعرف بعضهم بعضًا أحسن المعرفة ويُقدِّر كل منهم الآخرَ أفضل التقدير كما هو واضح من تلك الحادثة.

لَو كَانَ لِي ثَالِثَةٌ لَزَوَّجْتُهُ

لسيدنا عثمان (رضي الله عنه) أيضًا عمق ورقة متميزة، فقد زوَّجه رسول الله بإحدى بناته، فلما ماتت زوَّجه بثانية وقال (عليه الصلاة والسلام): “لَو كَانَ لِي ثَالِثَةٌ لَزَوَّجْتُهُ، وَمَا زَوَّجْتُهُ إِلَّا بِالْوَحْيِ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ” (الطبراني: المعجم الكبير، 184/17) وحكمُ سيدنا عثمان وتدبيرُه شؤون الدولة في جَوٍّ من السلم والأمن مهم جدًّا لنفهم عظمته رضي الله عنه، لا سيّما في فترة دخل فيها الفكرُ الخارجيُّ عالمَ الإسلام.

أعماق متميزة وفضائل متميزة

يمكننا القول إذن: إن لكل واحد منهم جوانبَ يفوق فيها الآخرين، لِأنه (كما هو معلوم)  قد يترجح المرجوح على الراجح في بعض الأمور، فالصحيح إذن تناولُ كل واحد منهم بشخصيته ووضعه وقيمته الذاتية ومكانته عند الله، والاعتقادُ بأن كل واحد منهم يمثل خصوصية مختلفة من خصوصيات سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا السبب فقد لُقِّبَ سيدنا أبو بكر بـــ”الصديق”، وسيدنا عمر بـــ”الفاروق”، ولقب سيدنا عثمان بـــ”ذي النورين”، ولُقّب سيدنا عليٌّ بعدة ألقاب مثل: “الأسد الغالب، باب مدينة العلم، سلطان الأولياء” وكل واحد من هؤلاء فريدٌ لا يمكن الوصول إلى مرتبته بالنظر إلى الخصوصيات التي يختص بها، ومع أن استخدام كلمة “متعال” للبشر ليس صحيحًا، إلا أنه يمكن القول إنهم يمتلكون تجهيزًا مختلفًا من حيث جوانِبُهم التي لا تدرك ولا تُجتاز؛ فمثلًا إنهم متفردون متميزون في خلافتهم الراشدة، لا أحد يشبههم فيها، إن كل واحد منهم يزن العالم أجمع من حيث القيمةُ، وذلك باعتبار الكثير والكثير من خصائصهم التي لن نستطيعَ إحصاءها هنا، يكفينا أن نذكر أن رسولنا الأكرم (عليه الصلاة والسلام) ذكر هؤلاء الخلفاءَ الأربعة العظام على رأس العشرة المبشرين بالجنة.

ادعاءات متناقضة وافتراءات واهية

حينما ننظر إلى كل هذه الأمور بنظرة كلية شاملة نجد أن إظهار سيدنا عليٍّ وكأنه كان مخالفا ومعارضا لسيدنا أبي بكرٍ وعمرَ على وجه الخصوص، وادعاءَ تمثيله (رضي الله عنه) الحقَّ وغيرِه الباطلَ إهانةٌ لسيدنا عليٍّ قبل أي أحد، لأن بطل الشجاعة والجسارة هذا الذي لا يَهاب المخاطر لا يمكن أن يخضع لسيدنا أبي بكر وعمر (رضي الله عنهما) في مسألة لا يراها من الحق في شيء، إنه مغوار يمضي إلى الموت بطيب نفس وراحة قلب كما حدث في خيبرَ، يُعزى إلى سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن جبريل أخبره بأن “لَا سَيْفَ إِلَّا ذُو الْفِقَارِ وَلَا فَتَى إِلَّا عَلِيٌّ” (ابن عساكر: تاريخ دمشق، 201/39، 71/42)؛ إذن فادعاءُ أن إنسانًا كهذا جامَل كلًّا من سيدنا أبي بكر وعمر وداراهما احتقارٌ وإهانةٌ لرُوح سيدنا عليٍّ (رضي الله عنه)، ولذلك تنبغي الإشارة إلى تناقض هذه الادعاءات.

ومن جهة أخرى، إذا دُرست المسألة من حيث إن سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) اختص ساداتنا أبا بكر وعمر وعثمان (رضي الله عنهم أجمعين) بالقرب منه ظهر أن الآراء السلبية المزعومة فيما يتعلق بهؤلاء الذوات تمثل إهانةً لسيدنا رسول الله في الوقت ذاته، لأنه سينتُج عن مثل هذا الادعاء أن سيد السادات (عليه ألف ألف صلاة وسلام) لم يَخْبُر -حاشا وكلَّا- هؤلاء الناسَ على الإطلاق، وأنه لم يعلم شيئا قط أيضا مما حاكوه من ألاعيب -حاشاهم من ذلك- وهو ما يعتبر سوء أدب عظيم بحقه عليه أفضل السلام؛ في حين أن معرفته مَنْ حوله معرفةً جيدةً، وتوظيفه إياهم وفقا لذلك يمثل بعدًا مهمًّا من أبعاد فطانته العظيمة، لقد كان (عليه أكمل التحية) إذا ما نظر إلى وجه إنسان نظرة واحدة حدد على الفور وبفطنة تفوق كل أنواع الدهاء أين وفي أي عمل يصلح هذا الإنسان، ويكلفه بالمهمة وَفقًا لذلك.

أجل، إن ادعاء أن الرسول الأكرم (عليه الصلاة والسلام) المؤيد بالوحي لم يتمكن من معرفة من عاشرهم ونادمهم منذ بداية أمره حتى اللحظة التي سينتقل فيها إلى الآخرة وأنه عجَزَ عن أن يستنبط المعاني الصحيحة من أحوالهم وسلوكياتهم، إنما يأتي نتيجة خطأ منطقي فادح جدا؛ أما ما يقتضيه المنطق والفكر المستقيم في هذا الموضوع فإنه يتمثل في قَبول من رضي عنهم سيدُنا رسول الله واحترامِهم؛ فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديثُ كثيرةٌ في فضائل الصحابة الكرام، وفي كتب الحديث فصولٌ مستقلة خاصة بها، فلَفَتَ مفخرة الإنسانية (عليه الصلاة والسلام) الأنظار إلى مكانة الصحابة الكرام التي لا تُدرك بقوله: “إن أَصْحَابِي بمنزلة النُّجُومِ في السماء، فأي ما أخذتم به اهتديتم” (البيهقي: المدخل، 162/1؛ الديلمي: الفردوس بمأثور الخطاب، 160/4).

وخاصة أن سرد أفكار سلبية بحق شخصين أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأيديهما فقال: “هكذا نُبعث يوم القيامة” (الترمذي: المناقب، 38)، كما قال في وقت آخر: مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا لَهُ وَزِيرَانِ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ وَوَزِيرَانِ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ، فَأَمَّا وَزِيرَايَ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ فَجِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ، وَأَمَّا وَزِيرَايَ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ فَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ” (الترمذي: المناقب، 47) إنما ينبع من عجز المعترض عن معرفة هؤلاء ومعرفة رسول الله، هذا بالإضافة إلى أن سيدنا رسول الله (عليه الصلاة والسلام) بشّرهم بالجنة، كما أنه تزوج بنت سيدنا أبي بكر وبنت سيدنا عمر، وزوّج اثنتين من بناته (صلى الله عليه وسلم) من عثمان وبنتًا من عليٍّ، وبهذه الطريقة أسَّس بينه وبينهم قرابة أخرى متميزة؛ وإنْ نُظر إلى المسألة من زاوية كتاب “فصوص الحكم” لمحيي الدين بن عربي تبين أن كلًا من التزوّج والتزويج يدل على معنى مختلف من جهة تأويل الأحاديث، غير أنني لن أدخل في هذه الأمور، وسأحاول التعبير ببساطة عن المسألة نظرًا لكوننا أناسًا عاديِّين لا نفطن إلى المعنويات كثيرًا.

انعكاسُ انحرافٍ صغير في المركز على الخط المحيط

على الرغم من كل هذا انحرف بعض الناس في تقييمهم للخلفاء الراشدين في فترة معينة، ونظرا لأن مثل هذه الأمور لا تَلفِت النظر كثيرًا في المركز فإنها لم تُدرك في أول الأمر، إلا أن انحرافًا صغيرا في المركز مثل هذا كبر في الخط المحيط، حتى وصل مع مرور الزمان مرحلة عارضَ فيها بعضُهم سيدَنا عليا واتهموه -حاشاه- بالكفر، بينما البعض الآخر أفنوا حَيَوَاتهم بمعاداة أبي بكر وعمر بدعوى حبهم عليًّا (رضي الله عنهم أجمعين)، وكي يقيموا عداواتهم هذه على أساس وسند فقد استغلوا اسم سيدنا عليٍّ، بل إنهم تجاوزوا وأفرطوا في الأمر حيث وصفوا هذا الشخص العظيم بأوصاف لا يقبلها هو أبدًا، ونتيجة لهذا ظهرت مجموعة من المذاهب الباطنية التي بلغت بالمسألة إلى الحلول والاتحاد، وكان هذا النوع من الادعاءات الباطلة الملفقة بحق سيدنا عليٍّ (رضي الله عنه) يقف وراء ادعاءات “المهدية” التي ظهرت في أماكن مختلفة من العالم، والكثيرِ جدا من المذاهب الباطلة التي ظهرت منذ المرحلة الأولى مثل حسن الصبَّاح والقرامطة والإسماعيلية والنُّصيرية.

وهناك حديث شريف[1] فيما يتعلق بالموضوع –وإن كان ينتقد من ناحية معايير الحديث- يُخبر فيه رسول الله (عليه الصلاة والسلام) أن فرقتين ستهلِكان في عليٍّ رضي الله عنه، إحداهما سوف تُؤلِّهه -حاشاه-، أما الثانية فستكفّره -حاشاه- من أجل مسألة بسيطة جدا فتُعاديه وتحاول قتله؛ وقد جاء اليومُ الذي ازدرى فيه الفُرْسُ كلًّا من سيدنا أبي بكر وعمر لإدخال الفتنة في الإسلام، بل إنهم بالغوا في العداوة لدرجة أنهم أطلقوا عليهما: “الجِبت والطاغوت”  كما افتروا على أُمّنا عائشة رضي الله عنها أيضا.

الرموز الثقافية التي تنمي الحقد والكره

إن الذين يعيشون هذا الانحراف في يومنا الحاضر لا يتحدثون عن تلك الأشياء القبيحة في كل مكان وعلى مرأى ومسمع من الجميع، لعلهم يقتربون إلى المسألة من زاوية الأحوال الراهنة والعلاقات بين الدول، وربما الوضع العام للعالم الإسلامي، إلا أنه حين يُنظر إلى عبارات الحقد والكره التي عجزوا عن كتمها في أنفسهم فتَفلَّتَتْ من ألسنتهم جرَّاء بعض الحوادث يتضح أنهم لم يستطيعوا أن يطرحوا من أنفسهم هذه القذارات، وأنه سيشق عليهم أن يفعلوا هذا باعتبار المُنَاخ الثقافي الذي نشؤوا فيه والمصادر التي نهلوا منها، وذلك لأنهم طوّروا مجموعة من المنهجيات وألفوا كتبًا في هذا الموضوع، فتشكلت عقيدتهم وقناعاتهم العامة في هذا الاتجاه؛ إذا ما نُظر إلى كتبهم يتبين أنهم جعلوا الإمامة واحدا من أسس الإيمان الخمسة، وعلى هذا ينبغي أن يكون الإمام من نسل عليٍّ رضي الله عنه، ولا يمكن أبدا أن يكون شخص آخر إمامًا؛ واعتبروا مثل هذه المسائل الفرعية مسائلَ متعلقة بأركان الإيمان فتسببوا في اختلافات مرعبة جدا.

إن كانت حقيقة العلوية حبَّ عليّ رضي الله عنه والارتباطَ بأهل البيت فإننا جميعا علويون، وكتبُنا في التصوف وعالمُنا الأدبي شاهد على هذا، وعند تناول هذه الآثار ودراستها يظهر أن كلا منها يمتلئ من أوله إلى آخره بمحبة أهل البيت؛ ليس من الصحيح أن تُتجاهل المسائلُ المتعلقة بالأصول بينما تطرح المسألة بجهتها الخاصة بالفروع.

قد ذكرت من قبل مرارًا أني تربيت بحب عليٍّ (رضي الله عنه) باعتبار المناخ العائلي الذي نشأت فيه، وكان هو يتبادرُ (رضي الله عنه) إلى ذهني مباشرة ما إن يُقال “البطل”، وكان يتجسد في ذهني إنسانا يقطف في مرة واحدة خمسين رأسا إذا ما سلَّ سيفه في ساحة الحرب؛ فإن كان هذا هو ما يحكم على مشاعري فمن الطبيعي أن أكون مجنونا بسيدنا عليّ، لقد تربع حب عليٍّ في روحي وفي خلايا عقلي لدرجة أنني عانيتُ محاولا أن أضع عليّا مع الخلفاء الثلاثة في الصف نفسه فأحقق التوازن في هذا الموضوع.

مفاتيح الحب تفتح أصدأ الأقفال

أما ما يجب فعله اليوم على الرغم من كل ما وقع في الماضي فهو مَدُّ أيدينا للجميع دون تفريق بين علويّ ونسطوريّ وسريانيّ، والإحسانُ إليهم، وبهذا يمكننا إبطال تأثير الأمور السلبية التي يمكن أن تستغلها بؤر الظلام الداخلية والخارجية؛ وقد قلت فيما مضى بشأن المشكلة المتعلقة بشرق تركيا: لا بد أن تُوفر الإمكانيات لأن تُبرَز من جديد تلك المروءةُ المكنونة في روح أمتنا وطبيعتها، وأن تُجعل هذه الأنشطة دائمة بإحداث تغيير صيغي مستمر؛ فيمكن مثلًا تنظيمُ فعاليات مختلفة في تلك المِنطقة استفادة من الليالي المباركة، فإن كنتم بإحيائكم ليلة في أحد الجوامع تنثرون النور على ليلهم وتنيرون الظلام، فهذا يعني أنكم تضطلعون بفعالية مهمة في سبيل العثور على نقطة مشتركة لفتح القلوب؛ وإن عُيِّن إلى هذه المنطقة ذوو البصيرة من المحافظين ومديري الأمن والأطباء والدعاة ورجال الدين، واجتهدوا هم لتضميد جراح المجتمع، فستفشل بمرور الزمان كل هذه المؤامرات، ينبغي معالجة المشكلات بمفاتيح الحب التي تفتح كل باب، بأسلوب مولانا جلال الدين الرومي وبنظام يونس أمره وبرحابة ضمير عالمية. أجل، إن كان هناك شيء يقدر على حل المشكلات من جذورها فهو استيعاب الجميع وفتح قلوبنا لهم، وبهذا يمكننا فتح القلوب كلها.

قد تقمعون المشكلات مؤقتا حين تسعون لحلّها بالقوة، إلا أنه لا يمكن الحديث عن مشكلة بشريَّة حُلّتْ تماما بالقوة، ربما تقمعون المشكلة من جهة ما باستخدام القوة إلا أنها تظهر مجددا من مكان آخر وبشكل آخر؛ ويمكن القول إن الفتن تضم في جنباتها نوعًا من “التناسخ”، فستواجه الإنسانيةَ بأشكالٍ وأوصافٍ جديدة إلى أن يُقضى عليها تماما؛ ومن ثم فالقوة تمثل -في جانب منها- واحدا من أعظم الموانع التي تعترض إعمال العقل والمنطق إعمالا تاما، يعني أنكم حين تفكرون في حل مشكلة ما بالجبر والقهر على الآخرين وقمعِهم، تعجزون عن استخدام عقلكم ومنطقكم استخداما كاملا؛ نعم، إن لوجود القوة حكمة، إلا أنه يجب أن تكون دائما تحت توجيه العقل والمنطق والحكمة والفراسة وتخضع لسيطرة الضمير والإنصاف. وأظن أن التصرف والتحرك بهذا الفهم في حل مشكلة انتقلت إليكم عبر التاريخ إنما يعني أنكم دخلتم في طريق حل يُبشّر بالأمل.


[1]  عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فِيكَ مَثَلٌ مِنْ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ أَبْغَضَتْهُ يَهُودُ حَتَّى بَهَتُوا أُمَّهُ وَأَحَبَّتْهُ النَّصَارَى حَتَّى أَنْزَلُوهُ بِالْمَنْزِلَةِ الَّتِي لَيْسَ بِهِ» ، قَالَ: ثُمَّ قَالَ عَلِيٌّ: يَهْلِكُ فِيَّ رَجُلَانِ: مُحِبٌّ مُطْرٍ يُفْرِطُ لِي بِمَا لَيْسَ فِيَّ، وَمُبْغِضٌ مُفْتَرٍ يَحْمِلُهُ شَنَآنِي عَلَى أَنْ يَبْهَتَنِي. (مسند أبي يعلى 406/1)

تأملات حول عيد الأضحى

Herkul-ARB | | العربية

إن عيد الأضحى رمزٌ للبطولة والتضحية والإخلاص والتسليم منذ عهد إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام. إنه يهِلُّ علينا محفوفًا بالتكبيرات الهادرة مشبهًا جيوشًا إلى ساحة الحرب غادية، ويتحول إلى ولولة تُدوّي في كل الأنحاء، تتداخل فيها أصوات موسيقية شعرية مع أصوات المعارك معلنةً الحقَّ هادرةً بصخب عميم.

البيوت في عيد الأضحى والشوراع والمساجد والجبال والأحجار تهتز بفعل التكبيرات وتدوّي صدًى؛ وبينما أصوات التمجيدات  ترتفع من المآذن السامقة مصحوبة بأكثر النغمات سحرًا إذ بها تنساب متماوجة إلى أعماق بيوتنا، ويرتعش الريف والحضر، والقصاب والمدن، والواحات والوديان بمأمآت النعاج والحملان. ففي تلك الفترة الزمنية المباركة يصير أكثر الناس وكل شيء ومكان وكأنه لسان ينطق فيعبر عما بداخله يُكنُّ؛ فيفيض عرفات ويحتشد بالناس كيوم الحشر، ويتنفس خوفًا ورجاء وكأنه ميدان الحساب.. والمزدلفة ومنى تترنمان بهمَكَة وتلبية السائرين في جنباتها.. أما الكعبة فتنبض كما تنبض قلوب المتعطشين للمغفرة، المتحرقة صدورهم شوقًا وحسرة.. وكل هذه النفحات تبلغ أبواب السماوات وكأنها صيحات العباد المكرمين الواقفين بين يدي الله وقفة احترام وإجلال، فبفضل هذه الأصوات التي تلقن الخلود والأبدية نصبح وكأننا نترنم بأحاسيسنا غيرِ المحدودة وخيالاتنا غير المتناهية، فتنفتح خزائن عواطفنا كلها.. وتتناثر مشاعرنا الخفية كلها في كل حدب وصوب كحبات مسبحة انفرط عقدها، وكلما عشنا الشوق والطرب اللذين يُنسّمان على قلوبنا كرياح الجنة، وسمعنا هذه الأصوات الساحرة التي تُرغي وتزبد في كل جهة فتبلغ عتبة الحق نصبح وكأننا نرتشف إكسير الحياة المنساب من الشوق والعشق وسحر العيد.

حينها نشاهد طريقنا الذي نسير فيها من أعلى تلك القمم التي رفع قلوبَنا إليها الفوزُ بالإيمان وعبادةُ الحق والوعيُ في العبادة، ونطالع كتاب قَدَرنا فنقول: “ها هو ذا الكتاب!”، ونسعد كثيرًا بحسن طالعنا. فطعمُ ذلك الفوز وهذه المواهب ولذّتُها تلفّ أرواحنا بلطف عميم لدرجة أن أعيننا تنفتح وتُغمض شكرًا وعرفانًا وتُورقُ مشاعرُنا كما الربيع.. فإذا بالإلهام الواصل أرواحَنا المخالطَ لها والأدعيةِ والمناجات والتضرعات التي ترتقي من أرواحنا إلى السماوات بأجنحة من العناية الإلهية، تبدو وكأنها تتمثل معنى وحالًا وتأثيرًا سماويًّا يفوق طبائعنا. فكل ساعة وكل دقيقة وكل عمل وكل إمكان وقدرة جديدة تكتسب قيمة تؤهلها لأن تُستثمر بعمق أكثر وتُستغل بدقة أبلغ، وحينها تنطق الضمائر المنفعلةُ باللذائذ الروحانية داعية: “اللهم زِد من لطفك ونعيمك!” راغبة أن تكون أكثر بهجة ووجدًا.

كلما تدثرت أيام العيد بلذائذ روحانية تنبع من العبادات، وبنشوة العبادة التي تنبع من اللذائذ الروحانية في المناخ المُبهج للدين والعادات المشروعة، شعرنا بجلاءٍ أننا اكتسبنا وجودًا آخر جديدًا وأننا حظينا بالخلود، وانفتحت صدرونا بحيث تستوعب المكان والأكوان، واستنارت مشاعرنا ومداركنا بالواردات الإلهية، ونُحسُّ أن جوانبنا المادية قد انحلّت تمامًا وأننا صرنا شيئًا معنويًّا روحانيًّا، فنتطلع إلى الوعود الأزلية التي يبثها الإيمان دومًا في قلوبنا.

كثيرًا ما نُحس أيام العيد وكأننا نحلق في الهواء بالمشاعر المفعمة التي نعيشها، أو أننا نتزحلق نحو إقليم الروح في طريق بهيج متناغم مستوٍ؛ ونرقّ ونَظرُفُ ونتناغم كطيور تنساب في كبد السماء يمنة ويسرة دون أن تحرِّك جناحًا، أو كأغصان تهتز بخفة في أعالي الأشجار، أو كالأزاهير تُداعبها الرياح بلمساتها فتنثر عبقها وروائحها كلما داعبتها فانحنت أو انتصبت على سوقها.

ونغوص أحيانًا في الرقة تمامًا، فننهمك في البكاء تأثرًا بكل تكبيرة وتهليلة وصوت أخروي نسمعه حيث إن الدموع تبلّلنا من رؤوسنا إلى أخامص أقدامنا؛ وأحيانًا تلُفُّنا النشوة لفًّا فنحسب أننا نتجول في السماء نركب ألعابًا نارية والأنوارُ من حولنا.. وأحيانًا ما نكون كالمتجول بين النجوم فوق سجادة سحرية، بل ونلين أحيانًا بمأمآت الخراف والحملان، فنتأثر ونذوب داخليًّا كالشموع بفعل طيف من الأحاسيس الغريبة.. وأحيانًا ما نرى كل هذا في تناغمٍ طبيعيٍّ حكيمٍ يُحير العقول حتى إننا نقول: “لا شيء يمكن أن يكون أروع ولا أكمل من هذا!”، ونُفتَنُ أمام نقوش القدر المُلغزة الساحرة.

وما يعتلي من المآذن من أذان وتمجيد، وما يفيض من المساجد مدوّياً في كل الأنحاء من تكبير وتلاوة للقرآن الكريم، وعكسُ الصدى الذي تُحدثه كل هذه الأمور في الضمائر… قد ينقلب شعرًا ويفيض إلى نفوس الناس ويسحرهم، فليس لعالمنا القلبيّ متعة تساويه في عمقه وإيقاعه، ولاسيما حين تختلط بهذه النفحات ريحُ الصبا وكأنها موسيقى تصويرية فإن نشوتنا ترتقي مرتقى لا قبل لوصفه وتفيض مشاعرنا كالطوفان.

وخاصة في الحج نعلن بأعلى صوتٍ أخفى مشاعرنا وأجلَّ أفكارنا بالتكبيرات والتهليلات التي هي لسان كل شيء ولهجتُه، ونعبِّر عن أدق أحاسيسنا بأكثر النغمات حرقةً كأننا نتدرب على يوم الحشر؛ وأمام هذه اللوحات المؤنسة المُرعشة وبتلك الكلمات الفطرية العميقة نتجول في أماكن متباينة ونؤدي مناسك متعددة، نفعل ذلك وقد أدرنا ظهورنا لجنهم والنيران، وعيونُنا باتت مستغرقة بتأثير الأسحار اللائحة من الجنان، وقلوبنا تنشد من الله الرضوان…

وبهذه المشاعر نتجاوز حدودنا بالتمام، ونتخلص من أنانياتنا على الدوام، فنقيم عروشنا على أفق القلب والروح؛ ونعصف يمينًا ويسارًا رمادَ البدن والجسمانية بجوانبه الدنيوية، فنُشعل من جديد تلك الشرارات التي أتتنا من الجنة وما زلنا نحفظه في إحدى زوايا وجداننا.. وتحت ذلك اللهب وتلك الحرارة وذلك النور نُسّلمُ على وجودنا الجديد هذا ونحيّيه تحية تنبع من أعماق قلوبنا ونتبسم لطالعنا.

التضحية والتوازن في الإنفاق

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: هل للخدمات التي تُؤدّى ابتغاء مرضاة الله تعالى حدٌّ؟ وما هو معيار التضحية المادية والمعنوية لمن وقف حياته على الخدمات التربوية والتعليمية؟

الجواب: تعلمون أن الناس ليسوا سواء في صلتهم بالله تعالى، فبينهم فروق ربما تبلغ ما بين الثرى والثريَّا؛ وبتعبير آخر، فإن صلة كلِّ إنسان بالله تكون بقدر إيمانه، ومعرفته، ومحبته، وعشقه وشوقه إليه تعالى؛ فمثلًا هناك أناس يطبقون أوامر الدين كلها بحساسية ودقة بالغة، وليس هذا فحسب، بل يبحثون عن سبل التقرب إلى الله تعالى بالنوافل، وهناك آخرون يؤدون الفرائض فحسب؛ لكن لا يمكن قطعًا الاستهانةُ بأي صلة بين العبد وربّه مطلقًا؛ فالاستهانة بها استهانة بشيء عظَّمه الله؛ وبشيء من التفصيل نقول: في هذه الأرضية الزلجة اليومَ إن من يشهد الشهادتين، ويؤدي خَمْسَه ويصوم شهره المبارك، وزكاتَه وحجَّه إن اجتمعت فيهما شروط الوجوب، ويثْبُت أيضًا حيث يجب الثبات رغمَ ما يتعرض له من طعنٍ وتشنيع وصنوف من الاعتداءات، فهذا يعني أنه وقف موقفًا عظيمًا، وإننا على ثقة بأنه سيحظى في الآخرة بألطاف الله الأبدية؛ ذلك لأن كل عملٍ يُؤدَّى في مثل تلك الظروف ابتغاء رضوان الله له فضيلةٌ ذات قدْرٍ عنده تعالى؛ فينبغي ألا تُزدَرَى مطلقًا أيةُ تضحية يبذلها أشخاص يتمسكون بخدمة الحق بأموالهم وأنفسهم، ولا بد من تقدير كلِّ ما يقدِّمونه وتبجيلِه.

ضرورة تشجيع الجهود بتقدير الأعمال الخيرية

عندما ننظر إلى الموضوع من ناحية الإنفاق يتبين أن ثمة اختلافًا في المستوى حتى بين الصحابة الكرام في عصر السعادة؛ فمثلًا حين دُعُوا إلى الإنفاق في سبيل الله قبل غزوة تبوك تصدق سيدنا أبو بكر رضي الله عنه بماله كله، فلما سأله الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلّم: “مَا تَرَكْتَ لِأَهْلِكَ؟ قال: “تَرَكْتُ لَهُمُ اللهَ وَرَسُولَهُ”؛ إنها مرتبة الصديقية، إنه مؤمن صادق مع الله ورسوله صلى الله عليه وسلَّم، ونموذجٌ مثاليّ في الالتزام بالإسلام؛ أما سيدنا عمر رضي الله عنه فتصدق بنصف ماله؛ ونؤكِّد هنا أنه ليس لنا أن نقول: إن سيدنا عمر متأخر مطلقًا عن سيدنا أبي بكر، فهذا سوء أدب مع الفاروق رضي الله عنه؛ لأن له فضائل وخصائص يفضُل فيها غيره؛ أما سادتنا الصحابة مثل عثمان وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما، فتصدق كلٌّ منهما بنحو خمسمائة بعير، وهذا في عرف عصرنا كالتبرع بخمسمائة سيارة اليوم، وأضفى سيدنا عليٌّ رضي الله عنه على هذا الأمر عمقًا متميزًا من أعماق الإخلاص؛ فأنفق بعض ماله سرًّا، وبعضه علانية؛ فكان بإنفاقه علنًا يقدِّم أسوة حسنة للآخرين، ويبيّن أنه لم يتخلف عن فعل ما فعله غيره، وكان بإنفاقه سرًّا يرغب ألّا يعلم بذلك أحد إلا الله تعالى؛ وإلى جانب هؤلاء لا سيما في الفترة الأولى، شارك آخرون في قافلة الخير هذه بالتصدق بحفنة من التمر، أو بقليل من المال؛ أجل، أولئك تصدقوا بكل مالهم، وكان هناك من تصدق بنصفه، وبربعه أو عشره، وطبيعةُ البشر هي التي اقتضت أن يكون الأمر على هذا النحو دائمًا؛ فلا بد ألّا ننسى أن هذا الأمر نفسه قد يحدث اليوم، فينبغي تقدير حتى أصغر التضحيات واستحسانها.

وليُعلَمْ أن تقدير التضحيات الصغيرة واستحسانها هو جانب من القضية؛ أما الجانب الآخر منها فهو السعي الحثيث للنهوض بمستوى الناس، ووضعُ أهداف جديدة لهم بالإشارة إلى أبواب خير جديدة؛ ذلك لأنّ ثمة كثيرًا من الأعمال الطيبة الصالحة التي يمكن أن يضطلع بها الإنسان إلى جانب ما قام به من أعمال ضرورية؛ ومن هنا فلا ينبغي له أن يكون ضعيف الهمة ألبتة، بل عليه أن يُعليَ همته دائمًا وأبدًا، عليه أن يسعى كل صباح من جديد لأن يكون أعمق شعورًا بالله تعالى في وجدانه، ويجتهد لتزيد معرفته بروح الدين، ويبحث عن طرق أخرى لتقوية صلته القلبية برسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم، وعليه أن يحاول في تحسين مستواه ويرقى به دائمًا، وينبغي ألا يقف أبدًا عند المستوى الذي بلغه، بل يتحتم عليه أن يَنخَسَ حصانه دائمًا قائلًا :”هل من مزيد؟”، ويمضي به إلى الأمام قُدُمًا، بل إن وَصَلَ ذات يومٍ إلى مرتبة الفناء في الله والبقاء بالله، يعني إنْ تلاشى كلُّ ما سوى الله تعالى في عينيه أمام شعاعات “سُبُحات وجهه تعالى”، وذاب الكون في عينيه وزال بتاتًا، ورمى بالزائل الفاني ونحّاه جانبًا، وحظي بوجود أبديّ بعد أن فني بجوانبه الجسمانية والنفسانية، وبُعثَ بعثًا آخَر بقلبه وروحه وأحاسيسه، ورأى أن رأسه تلامس سماء النقطة التي يستطيع أن يبلغها، فعليه -رغم هذا كله- أن يُعليَ همته أيضًا دائمًا داعيًا: “اللهم مُنّ عليّ بقابليات فوق قابلياتي، وأمطر عليّ نعمك وألطافك زخًّا زخًّا بأن تجود بانكشاف منهمر لقابلياتي”.

أجل، مهما كانت مستويات الناس متباينة مختلفة، سواء في حياة الروح والقلب أم في خدمة الحقّ، فلا بد أن نعلم أن طريق الترقي والسمو مفتوح دائمًا حتى لمن لا يستطيع القيام إلا بأقل ما يجب؛ فكلما أحسّ هؤلاء في أنفسهم بجوهر الخدمة التي وُكلت إليهم وبأصلها، تمسكوا بها بإخلاص أكثر، وأصبحت كلُّ هذه الأمور بعد حين سجيةً فيهم بفضل اضطلاعهم بالخدمات الواجبة عليهم، وكأنهم بذلك ينقشونها في قلوبهم، حتى إنه لو جاء يومٌ لا يُحتاج إليهم فيه، ولا يُطلب منهم شيء في سبيل خدمة الحق، ولم يُنادَوا أن “هلمّوا، فاحملوا مِن هذا الأمر” لأحسوا أنهم في فراغ عميق، ورأوا هذا الحال كأنه الموت، وتَلَوَّوا أسًى، وراحوا يبحثون عن سبل مختلفة للإنفاق، لكن بلوغ مستوى كهذا مرهون بالزمان؛ ومرتبط بالتمسك بذلك العمل بصبر إيجابي فعّال، وباستيعاب ذلك العمل.

ضرورة معرفة المخاطبين معرفة جيدة

وثمة رؤية تضفي على الموضوع وضوحًا أكثر، وهي أن بعضهم يُقيّمون المسألة في ضوء حدود التشريع الذي كان في المدينة المنورة، فيكتفون بأداء الفرض، فإن أخرجوا رُبعَ العشر أو العُشْرَ في الزكاة فقد قاموا بواجباتهم؛ وهناك من يتناول المسألة وفقًا للإطلاق الذي كان في مكة المكرمة، -إذ لا حدّ للإنفاق المأمور به في الآيات المكية- فيسعى لبذل أقصى ما يمكنه بذله، فعلى رُوّاد خدمة الحق وعلى المرشد الداعي لإلحاق الآخرين في هذه الإسهامات الخيرية أن يتصرفوا بفراسة وحكمة، فليتعرفوا جيدًا على مخاطبيهم؛ فإن حدث أن تَقَالُّوا الأعمال المنجزة، أو همّوا أن يُحمِّلوا الناس ما لا يطيقون، فقد يتسببون -نسأل الله السلامة- بأن تظهر مشاعر الاستكراه لدى مخاطبيهم.

وإليكم واقعة أتذكرها كأنها حدثت اليوم، لتكون معيارًا في هذا: دعوتُ الناس للمساعدة في سكن الطلاب “بُوزْيَقا” بإزمير، ألقيتُ كلمة عن أهمية المسألة ثم توجهت نحو غرفتي التي أُقيم فيها ضيفًا، فصعد أحدهم الدرج مسرعًا، وجاء إلى جواري، كنت أعرفه، تقاعد من إحدى الدوائر الحكومية منذ مدة، واشترى بيتًا بمكافأة التقاعد، فسلّمني مفاتيح البيت وقال: “تعهد كلٌّ بشيء، ولا مال لي سوى هذا، فهو في سبيل الله”؛ وأمام هذه اللوحة التي تثير المشاعر وتدمع العين قلت له: “ليس في الدين تكليف بمثل هذا”، وأعدت إليه المفاتيح، ثم أردفت قائلًا: “اذهب، اسكن أنت وأهلك وبنوك في بيتك، وكلما أعطاك الله أنفق”. ففي رأيي أنّنا إن لم نتناول الأمر بمثل هذا التوازن فربما نكون قد خالفنا قول الله تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (سُورَةُ البَقَرَةِ: 2/256). أجل، لا إكراه في الدين سواء في دخول الناس في الدين واعتناقهم له أم في الأعمال التي تُنجز لتطبيق الدين وإحيائه.

أجل، الإسلام قائم على قاعدة اليسر، فإن عسّرتم على نحو يتجاوز طاقة بعض الناس، جعلتموه دينًا يستحيل تطبيقه، وواجهتم موقفًا يخالف قصدكم، فحين تطالبون الناس بالكرم وترغبون أن يقدموا ما عندهم جاءت الأحداث على غير ما تأملون ومُنِيتم بالهزيمة، لأنكم جعلتم الدين شيئًا لا يُطاق؛ قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَه” (البخاري: الإيمان، 29؛ النسائي: الإيمان، 28) ومن هنا فعلى المرشدين الذين تحملوا مسؤولية هذا العمل أن يتحركوا بحكمة وفراسة وقد تعرفوا على مخاطبيهم جيدًا، وأن يدركوا من ينبغي أن يُدعَى، وبماذا يقوى، وماذا يستطيع؟

ينبغي ألا ننسى أن التصرف بحكمة على هذا النحو خُلُقٌ إلهيٌّ أيضًا؛ قال الله تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (سُورَةُ البَقَرَةِ: 286/2)؛ فلا بد من إرضاء الناس باستحسان الأعمال الجميلة التي أدّوها، واللجوء إلى السبل التي تَزيد شوقهم وشغفهم بفعلها بدلًا من تكليفهم بأعمال تفوق طاقاتهم، فتهلكهم.

ديمومة الإنفاق

إنّ أخذ ما في أيدي الناس من إمكانيات بإكراههم على الإنفاق ينجم عنه تعطيل عجلة الإنتاج وتوقفها، في حين أن دوران عجلة أعمالهم ينمّيها، فينفقون من بعدُ أكثر في سبيل الله، فأبطال الإنفاق في سبيل الله ممن لا يسأمون الإنفاق لو بلغ بهم العشقُ والشوق مبلغه فأرادوا بذل ما بأيديهم كله، لوجب عليكم في هذا الأمر التصرفُ بتوازن، والتفكيرُ في مستقبل الأمر، ومراعاةُ الاستمرارية فيه.

والخلاصة أن مجالات الخدمة كثيرة، تقتضي تضحياتٍ كثيرة متنوعة، فعلى المسؤولين أن يقوموا بتغيير وتجديد مستمر في صيغة الأمر حتى يخلصوه من الرتابة، وليقدموا في كل مرة القيمَ التي آمنوا بها بلون جديد، وزخرفة جديدة، ولهجة جديدة، فيكوّنوا لدى المخاطبين موجةَ عشق وحماس مستمرة، لكن بشرط ألا يخلّوا بجوانب الأمر المرتبطة بالمحكمات؛ واذكروا أن “لكلّ جديد لذة”، ومن هنا فما ستقدمونه من رسائل باستخدام وسائل متنوعة سيُشكّل مذاقًا جديدًا، ونشوة جديدة، فيحظى بحسن قبول المخاطبين؛ وخلافُ ذلك يجعل المسألة رتيبة، ويرسِّب لدى الناس شعورًا بالاعتياد، وهو ما يؤدي إلى الملل، فيضعف تأثير رسائلكم في القلوب.

نحو أفق الرضا

Herkul-ARB | | العربية

سؤال:رَضِينَا بِالله رَبًّا وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ (صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم) رسولًا” (البخاري: العلم، 29؛ مسلم: الصيام، 36) ماذا يعني إقرار المؤمن بهذا؟ وكيف يُقال هذا الذكر المبارك؟

الجواب: بشّرنا سيد الأنام صلى الله عليه وسلم فقال: “مَنْ قَالَ إِذَا أَصْبَحَ وَإِذَا أَمْسَى: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُرْضِيَهُ” (أبو داود: الأدب، 110) أي هذا الإقرار الميمون ذكر مبارك على المؤمن أن يتخذه وردًا صباح مساء؛ فهو هنا يقرّ أنه رضي بالله، فهو إذًا راضٍ بكل تصرفاته تعالى؛ وأنه قبل بالإسلام نظامًا إلهيًّا، ورضي عنه، ورضي كذلك بسيد الأنبياء صلى الله عليه وسلم رسولًا، وسلَّم برسالته؛ فالطريق إلى الإيمان الحقيقي يمر أصلًا من شعور واعتقاد وإذعان كهذا. فرسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا بهذا الإقرار النفيس حقيقة مهمة، ويحُثّ المسلمين بالإشارة على القيام بأعمال تبلّغُهم أفق ذاك الرضا الذي أقروا به بألسنتهم، إقرارًا من شأنه أن ينمِّي هذا الحسَّ في قلوبهم ويعمِّقه ويؤصِّله.

قطب مرتبة الرضا

أثبت مطلع إقراره هذا أنه صلى الله عليه وسلم قطب مرتبة الرضا، وذلك بقوله “رَضِينَا بِاللهِ رَبًّا” وبحياته السَّنية المخلصة لهذه الحقيقة الشاهدة عليها؛ أجل، إنه عليه الصلاة والسلام في القلب من مركز مرتبة الرضا؛ فلنعلم في كل مرة نقول فيها “رَضِينَا بِاللهِ رَبًّا” أنه سبقنا إليها، وعلينا أن نقتدي به، بل حتى لو حلّق إنسان نحو السموات، وناداه ربّه مباشرة “إني عنك راضٍ”، بل وأجلسه -فَرَضًا- مع سيد السادات جنبًا إلى جنب، وأنعم عليه بالإلهام والورادات كما أنعم على الرسول عليه الصلاة والسلام بالوحي، وألقى في روع كلّ منهما الأمر نفسه، لوجب دائمًا على ذلك الشخص أن يرى الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم المرشدَ والهادي؛ لأنه ما وصل إلى ما وصل إليه من حسٍّ، وفكر، ومنطق، وفهم، وتدبر وتأمل إلا بفضله وفي ظل إرشاده صلى الله عليه وسلم، ولولاه لكانت دنيا ذلك الإنسان وآخرته سجنًا حالكًا؛ فإقرار الإنسان بداية طوعًا وقصدًا بأن سيد السادات صلى الله عليه وسلم هو المرشد والمعلم واتّباعه له أمرٌ مهمّ جدًّا لبلوغ أفق الرضا.

وبينما يبلغ البعض بالسير والسلوك الروحاني رتبة ما توثِّق صلتهم به عليه الصلاة والسلام، قد يسقط بذلك من لا يَزِن كل شيء بميزان الشريعة في شطحات وطيش -نسأل الله السلامة-، وقد يقول هذا حينئذ: “سبق نوري نورَه (صلى الله عليه وسلم)”، والحقّ أنه صلى الله عليه وسلم هو النور كله من أوله إلى آخره، وليس لأحد أن يبلغ ذلك النور ألبتة، ولا ذلك المقام الذي أحرزه.

وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم “وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا” معناه أنه رضي بالإسلام نظامًا إلهيًّا، أجل، فلا أحد ألبتة وَعَى الإسلام وفهمه مثلما وعاه وفهمه هو، ولا أحد رضي عن هذا النظام الإلهي ووقف حياته عليه، ولم يكن له همٌّ سوى إقامته مثلُه هو؛ ولو اجتمعت صديقية أبي بكر رضي الله عنه، وفاروقية عمر بن الخطاب رضي الله عنه، واستمساك سيدنا عثمان رضي الله عنه بالقرآن الكريم وعِشقه له، ورتبة سيدنا علي رضي الله عنه بطلِ الروح والقلب، لما عُدَّت شيئًا بجانب مرتبة رضا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بالإسلام، ولا يذهبن بأحد الوهم إلى أني أستخف بهؤلاء الأعلام العظام، بل إنما أردت أن أؤكد على عظمة العظيم، وبيان عظمة رضاه بالإسلام.

وأخيرًا يذكر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله “وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا” أنّه راضٍ برسالته هو، والأصل في الحبيب الأكرم عليه الصلاة والسلام التواضع والفناء، حتى إن كلّ ما يفعله يفعله بوصفه عبدًا لله، فيأكل مع خادمه، ولا يأكل  حتى يأكل معه، ولا يرى لنفسه فضلًا على أصغر إنسان، وقد شُرِّف مع هذا كلِّه بمهمة الرسالة “القول الثقيل”؛ ويستحيل أن يكون الإنسان مسلمًا ما لم يشهد أن “محمدًا رسول الله” مع شهادته أن “لا إله إلا الله”؛ لأن الإيمان برسالته ركن أصيل من أركان الإسلام والإيمان؛ وهنا يبدو كأن هناك تناقضًا صُوريًّا بين تواضع سيد السادات الفريد النادر وإعلانه مهمة الرسالة، وبناء على هذا فإن قوله صلى الله عليه وسلم “وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا” -مع تواضعه الفائق- له مغزى عميق؛ نعم، ما قال هذا إلا لأنّ هذه الحقيقة تقدير من الله وتكليف لا يسعه صلى الله عليه وسلم نفيُه ولا إخفاؤه تواضعًا.

الشعور بالرضا على قدْرِ المعرفة

كيف يقال هذا الذكر المبارك؟ من المهم جدًّا أن يؤدِّي الإنسان هذا الذكر بعشق واشتياق ينبعث من أعماق قلبه بعد أن يتحرر من الغفلة والألفة، والأصل أن الرضا بالله وبرسوله وبالإسلام رهنٌ أوَّلًا بمعرفتهم معرفةً كاملة؛ فمحبة العارف على قدر معرفته، أما الجاهل فلا يبالي بما يجهله؛ ومن ثم فإنه يستحيل عليكم بلوغ أفق الرضا ما لم تعرفوا الله بعظمته وجلاله وأسرار ربوبيته وأسرار ألوهيته حق المعرفة، ويستحيل عليكم أن ترضوا حقّ الرّضا برسالة مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم إن لم تعرفوه بفضائله وخصائصه، كما يتعذر عليكم بالشكل نفسه أن ترضوا بالإسلام إن لم تعرفوه بسعته وعمقه، وأصوله وفروعه.

وجفاء الكثيرين اليوم لمفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم مردُّه إلى جهلهم به وعدم تعرفهم عليه، ولو أننا استطعنا إشعال شمعة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في قلوبهم، لشُغفوا به وحظوا بالتعرف عليه، نعم فكما أن الشوارعَ لا تتيح فرصة التعرف عليه، فكذا المدارس والبيوت، بل المساجد كذلك لم توفر إمكانية التعرف عليه بالشكل اللائق؛ فنشأ هؤلاء محرومين من التعرف على مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم؛ فالحمد لله وله المنة أنه ما زالت تتلألأ في قلب إنساننا –رغم كل هذا الإهمال الذي تعرض له- معانٍ خاصةٌ به صلى الله عليه وسلم، وأنه ما زال يشهد “أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله”.

الإلحاح في الدعاء لتحصيل أكبر نعمة

لما كان الرضا نعمةً أكبر بكثير من الجنة ونعيمها، وجب أن نرفع أيدينا إلى الله، ونضرع إليه بالدعاء دائمًا قائلين: “اللهم بلِّغنا أفق الرضا”؛ أجل، علينا أن تكون أنفاسنا قائمة على “اللّهُمَّ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى”، ونستشعر دائمًا “اللّٰهُمَّ عَفْوَكَ وَعَافِيَتَكَ وَرِضَاكَ”؛ لأن الله تعالى وعد بأنَّه سيمُنّ على الإنسان بما يطلبه بصدق وإخلاص، لكن لا بد من الإلحاح في هذا؛ لأن استجابة الدعاء قد تتأخر بضع سنين أو عقودًا، فإن كنا نرغب بأن يرضى الله تعالى عنا، وتنبض قلوبنا في كل لحظة بالرضا عن تدبيره فعلينا أن نتضرع ونبتهل عشرًا بل عشرين سنةً لتتحقق هذه الغاية.

وأعتقد أن تحقيق هذا ربما يقتضي الدخولَ في “ماراثون” دعاءٍ طويلٍ؛ فالحق تعالى بيّن بقوله: ﴿ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [سُورَةُ التَّوْبِةِ : 72/9] أنّ الرضا الإلهي أسمى وأعظم من دخول الجنة ومن الفردوس ورؤية المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ إلّا أنني أظن أنه لا أحد منا دعا الله بالرضا زمنًا طويلًا بهذا القدر، إننا لم ندعُ الله “اللهم رضاك، اللهم رضاك…” خمسًا وعشرين سنة مثلًا، ولم نتذلل له، وليس هذا الأمد فحسب، بل لو طال بنا العمر لكان علينا أن نتضرع ونبتهل مئات السنين.

وبهذا حدد رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم للمسلمين هدفًا علويًّا سامقًا، فوقع على عاتق المسلمين السعي الحثيث لتحقيق هذا الهدف؛ فعلى كل مؤمن أن يتبنى ذلك الهدف ويُعنَى به، فمن يحدد لنفسه هدفًا يمضي حياته أملًا في تحقيقه، حتى إن ذهنه كثيرًا ما ينشغل به أثناء وضوئه أو مشيه إلى المسجد، بل حتى أثناء صلاته؛ فهذه الأفكار التي يرددها في ذهنه وينشغل بها دائمًا يتقبلها الله تعالى منه كأنها دعاء، ولا يُخيبها سبحانه؛ فالذي يجب علينا إذًا هو السعي المتواصل  لبلوغ أفق الرضا الذي حدده رسول الله لنا هدفًا، وأن يكون حديثنا دائمًا عنه، وأن نحيا به ونفكر فيه في أحوالنا كلِّها.

العلاقة بين الرزق الحلال والعمل الصالح

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: يقول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ: 51/23)؛ فما العلاقة بين الرزق الحلال والعمل الصالح؟

الجواب: اعتُني بأمر الحلال والحرام في القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة أيما عناية، حتى عبر أهل العلم بالكتاب والسنة عن هذه العناية بقولهم: “الدِّينُ المعَامَلَةُ”، أي الإسلام هو معرفة الحلال والحرام، والبناء عليهما؛ ومن كلام سيدنا عمر (رضي الله عنه) في أهمية هذا الأمر: “لَا تَنْظُرُوا إِلَى صَلَاةِ أَحَدٍ وَلَا إِلَى صِيَامِهِ، وَلَكِنِ انْظُرُوا إِلَى مَنْ إِذَا حَدَّثَ صَدَقَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ أَدَّى، وَإِذَا أَشْفَى وَرِعَ” (البيهقي: السنن الكبرى، 288/6)؛ ولا ريب أن التكاليف كالحج والصيام والزكاة عبادات قيّمة جدًّا عند الله تعالى، وذات فضائل كثيرة، فلا يسع أحدًا أن يستخف بها، لكن عناية الإنسان بمطعمه ومشربه وملبسه، وتعظيمه لحقوق الفرد وحقوق العامة على حدٍّ سواء، وقضاءه عمره كله إحقاقًا للحق؛ أي أن يقضي حياته بمنتهى الدِّقة والحذر في أمر الحلال والحرام، فهي قضيةٌ أساسيةٌ لا محيد عنها في الإسلام؛ ولك أن تقول: لتطبيق هذا على واقع الحياة أمثل تطبيق أشقّ من العبادات الفردية؛ فعلى من يمثّل الإسلام ويطبّقه بحق أن يتتبع الحلال ويتحراه، وأن يصبر على ترك الحرام، وأن يستقيم على ذلك، وألا تتسلل إلى جوفه أبدًا ولو لقمة حرام واحدة.

وإذا نظرنا إلى أحوال عباد الله الصالحين وأطوارهم تبيَّن أنَّ كلًّا منهم كان مرشدًا حقيقيًّا للآخرين في هذا الموضوع؛ فتصرفوا بورع وإرادة قوية، بل إن الحق تعالى حفظهم من الحرام حتى في المواقف التي لم يفطنوا إليها؛ أجل، ففيهم من لو مدّ يده إلى حرام يجهل أنه حرام أدرك من رعشة في يده أو تزايد دقات قلبه أن ذلك حرام فكفّ عنه فورًا؛ وهكذا وقع لآخر أن وضع لقمة حرام في فيه خطأً، فراح يلوكها طويلًا، وعجز أن يبتلعها ألبتة؛ ومنهم من علم أن حراما دخل معدته دون قصد منه كان ما إن يدرك ذلك حتى يستفرغ فورًا ويحاول أن يلفظه. مثال هذا أن سيدنا أبا بكر أكل طعاما اشتراه خادمه بمال اكتسبه من العمل بالكهانة في العصر الجاهلي ولم يكن يعلم رضي الله عنه هذا، وسيدنا عمر شرب لبنًا وهو لا يعلم أنها من إبل الصدقة؛ وما إن علم كلٌّ منهما بالحقيقة حتى أدخل أصبعه في حلقه فاستفرغ ما في معدته حتى يبقى فيها شيءٌ، ومعنى هذا أن ورعًا كهذا في اللقمة الحرام وتوقيها أمر ذو أهمية عظيمة في الإسلام.

أعظم وسائل الترقي

تحري الحلال والحرام مهم جدًّا بوصفه تعبيرًا عن مراعاة أوامر الله تعالى وتعظيمه سبحانه، وكل سعي للإنسان يكتسب منه الحلال ويجتنب الحرام عبادة ذات طابع خاص؛ فمقاومة المسلم للمحرمات والبلايا والمصائب بصبر وجلد “عبادةٌ سلبيّة”[1]، وسعيه وبذله الجهد في الرزق الحلال عبادة كهذه تماما؛ تأمل هذا في ضوء كلام الله العظيم: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (سُورَةُ فَاطِرٍ: 10/35). في هذه الآية تصريح بأن الكلمات المباركة مثل: الحمد، والتسبيح، والتكبير، والصلاة على النبي إنما يرفَعها إلى الحقّ تعالى الأعمال الصالحة لا غير، فكلا نوعي العبادة فعلًا كانت كالصلاة والزكاة والصيام، أم تركًا كتجنب الحرام بحزمٍ، والسعي بجد في هذا جناحٌ تحلِّقُ به الكلمات الطيبة إلى الله تعالى؛ فلا ينبغي التهوين من أمر هذه المسألة، فعلينا أن نسعى في طلب الحلال وتجنب الحرام سعيًا حثيثًا.

أجل، التمييز بين الطيب والخبيث في المأكل، وعدم خلط الأشياء الخبيثة بالطيبة، والتصرف بحساسية كاملة في هذا الشأن له ثواب العبادة؛ فمثلًا التحقق من حلّ مكوِّنات العلاج الذي يستخدمه الإنسان، وتحرّيه الحلال في شراء المواد الغذائية، وتثبته من الذبح الشرعي لما يشتريه من الجزار، وتحريه للكسب الحلال، سيرفعه ويسمو به معنويًّا وروحيًّا، أمَّا عدم وفائه بحق إرادته في هذا الموضوع، وعدم اكتراثه فستخبو حياته المعنوية وستتعرض لطائفه لمقتل، ويتسبب في هلاكه.

وقوله تعالى ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ (سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 42/5) يصور أسوأ وأقذر حالة لطائفة وهي تأكل الحرام، وفي بعض الأحاديث النبوية الشريفة أن عبادة الإنسان وطاعاته، بل دعاءه أيضًا لن يُقبل طالما جرى في عروقه الرزقُ الحرامُ “السُحت” كما ورد في الآية؛ فمثلًا روي عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: “مَنْ أَكَلَ لُقْمَةً مِنْ حَرَامٍ لَمْ يُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيلَةً، وَلَمْ يُسْتَجَبْ لَهُ دَعْوَةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، وَكُلُّ لَحْمٍ يُنْبِتُهُ الْحَرَامُ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ، وَإِنَّ اللُّقْمَةَ الْوَاحِدَةَ مِنَ الْحَرَامِ لَتُنْبِتُ اللَّحْمَ“. (مسند الديلمي، 591/3).

عاقبة طاعم الحرام الوخيمة

وروى مسلم والترمذي عن أبي هريرة (رضي الله عنه) ما يبين الأثر السلبي للحرام؛ فذكر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أمر الله تعالى بالأكل من الطيبات ثم ذكر: “الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟” (مسلم: الزكاة، 65؛ الترمذي: التفسير، 3).

وورد أيضًا: “إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ حَاجًّا بِنَفَقَةٍ طَيِّبَةٍ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ، فَنَادَى: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، نَادَاهُ مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، زَادُكَ حَلَالٌ، وَرَاحِلَتُكَ حَلَالٌ، وَحَجُّكَ مَبْرُورٌ غَيْرُ مَأْزُورٍ؛ وَإِذَا خَرَجَ بِالنَّفَقَةِ الْخَبِيثَةِ، فَوَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ، فَنَادَى: لَبَّيْكَ، نَادَاهُ مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: لَا لَبَّيْكَ وَلَا سَعْدَيْكَ، زَادُكَ حَرَامٌ وَنَفَقَتُكَ حَرَامٌ، وَحَجُّكَ غَيْرُ مَبْرُورٍ“. (الطبراني: المعجم الأوسط، 251/5).

أجل، أيُستجابُ لدعاء إنسانٍ مطعمه حرام، ومشربه حرام، ومركبه حرام، وملبسه حرام، وغُذِي بالحرام، أوَيُقبل حجه وهو غارق في الحرام إلى هذا الحد؟! أنى لإنسان غارق في هذا القدر من الحرام أن يقول: “لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ”! حتى وإن قال أفلا تُرد عليه كلماته تلك كأنها خرقة قذرة؟ فما أعظم وأهمّ التغذي بالرزق الحلال والحياة في دائرة الحلال ليُرفَع ما نؤديه من عبادات إلى الله تعالى، وهذا ما تشير إليه الآية الكريمة الواردة في السؤال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ: 51/23) فتغذي الإنسان بالرزق الحلال ذو أثر خطير حقيقي على قبول العبادات والطاعات التي يؤديها.

أمر آخر: ورد الأمر بالأكل من الرزق الحلال الطيب في آيات كثيرة؛ ومرد هذا إلى جهد الإنسان وسعيه في تحري الحلال أولًا؛ فكل حلال يستدعي أشباهه، والحرام كذلك يستدعي أنواعًا أخرى منه، فكل شيء يطلب أشياء من جنسه هو، حتى تشبهه، وتتصف بصفاته نفسها، وتلازمه؛ وكذا تصرفاتنا وأعمالنا وحركاتنا تجري إثر مثيلاتها من الأشياء؛ وتشير إحدى الآيات الكريمة إلى أن الخبيثين بطبيعتهم يقتفون أثر الأشياء الخبيثة؛ والطيّبين بطبيعتهم يقتفون أثر الأشياء الطيبة (سورة النور، الآية 26)؛ ولكم أن تقولوا: النظافة والطهارة والجمال والطيبة تستدعي أشياء جميلة أخرى؛ أما الخبائث والدنس والخبث فتطلب الأشياء الخبيثة دائمًا، فالإنسان حين يقتفي أثر الحلال، ويبذل جهده في هذا الشأن تتكون يومًا بعد يوم دائرة صالحة تنداح في محيط الخير، ويعيش الإنسان حياته في هذا الجو، فيجب التمييز الدقيق بين الحلال والحرام منذ البداية.

انتشار الحرام لا يسيغه قطعًا

المؤسف أن اختلاط الحلال بالحرام في يومنا هذا وضَعْفَ الورع عامةً حقيقةٌ، فعلى الإنسان أن يعلم أن إهمال غيره في هذا الموضوع لا يغني عنه شيئًا، كما تفضل الأستاذ بديع الزمان للنفس: “لو ذهبتِ تنشدين السلوان في معية الآخرين ومشاركتهم لك في المصيبة، فهذا وهْم لا أساس له ألبتة فيما بعد القبر!” (الكلمة الرابعة عشرة-خاتمة) فأكلُ الناس الحرام، ونظرهم إليه، وحديثهم فيه، وإسرافهم في الكلام عنه، وإن بدا أنه نوع من العزاء والسلوان، فلن يفيد الإنسانَ في الآخرة شيئًا ألبتة، فمشاركة الإنسان غيره مصيبتهم لا يخفف مصيبته في الآخرة، إذًا على المؤمن أن يحسب جيدًا من أين تأتي كل لقمة يضعها في فيه، وأين ستذهب، وماذا قد تجُرّ عليه من أمور.

ومن المعلوم أن غفلة الإنسان في هذا الموضوع، وعدم مبالاته به في حياته عواقبُها خطيرة جدًّا في الآخرة؛ فسيُسأل الإنسان هناك ولو عن حبة شعير؛ بل إن القرآن الكريم يقول: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (سُورَةُ الزَّلْزَلَةِ: 7/99-8) فلاحظ في هذه المسألة مثقال الذرة أو وزنها، وبناء على هذا فكما أن فاعل خير وزنه ذرة سينال ثوابه؛ ففاعل شر وزنه ذرة سينال جزاءه؛ أجل، سيُحاسب في الآخرة على كل كلمة تفوّه بها أو سمعها، وكل منظر رآه، وكل لقمة وشربة في معدته…إلخ؛ فلو لم يحاسب الإنسان نفسه في الدنيا بدقة لحُوسب في الآخرة حسابًا شديدًا؛ فيُرهقونه صَعودًا، نسأل الله السلامة، فعلى من عدِموا حساسيتهم في هذا الموضوع أن يُراجعوا أنفسهم ويحاسبوها من جديد على المأكل، والمشرب، والمكسب، والنفقات.

وأخيرا أقول: عبثُ العابثين في هذه المسألة وعدم حساسيتهم لا ينبغي أن يحملنا على التشاؤم؛ فإنّ الروّاد لو ملكوا زمام الورع، ومضوا في حياتهم على ذلك فستنتشر حالتهم هذه في محيطهم كالأمواج، وسيتبنى المجتمع كله هذا الوعي والحساسية يومًا بعد يوم دون شك، بشرط أن نبرأ إلى الله من إسلام البطاقة الشخصية، وننوي ونعزم ونصر على أن نميز الأشياء بعضها من بعض؛ جيّدها من رديئها، وحسنها من قبيحها، وحلالها من حرامها: بأن نفكر، ونتدبر، ونغوص في الأعماق الواسعة.


[1]  والمقصود بسلبية العبادة هو أن المصيبة تكفّر خطايا المؤمن مع أنه لم يقم بأي عبادة بإرادته، فالمراد بالسلبية هنا العَدَمية، فكأن تكفير الذنوب يترتب على العدم وهو الحرمان من الصحة واللذائذ والراحة ونحوها، بالإضافة إلى أنه يؤجر عليها إن صبر.

الخط المستقيم بين المركز والمحيط

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: الحقيقة أن أي خلل في المركز يُحدِث خللًا أوسع في محيط الدائرة؛ فما هي الضوابط الأساسية التي يلزم من هم في المواقع المركزية أن يلتزموا بها؟

الجواب: من كان رائدًا لأفكار مثالية سامية فتصرفاته كلها محسوبة عليه، فتابِعوه سيقتفون إثره، فإذا استقام الرُّوّاد سلك أتباعُهم صراطهم المستقيم أسوةً بهم، وإذا ارتكبوا أخطاء -نسأل الله السلامة- فإنها سوف تتضاعف بين الذين يتبعونهم وستنتشر سريعًا انتشار الجراثيم.

الحقوق العامة

والمؤسف أن بعض من احتلوا موقع الريادة لدى الناس قديمًا وحديثًا في مختلف حركات الإحياء عجزوا أن يوفوا مواقعهم حقَّها، فزلّوا بكلمات وفلتات اللسان وانحرافات فكرية وبياناتٍ جازفوا بها وتعجلوا فتجاوزت مقصدهم منها، فكانت كلما انعكست على أتباعهم نتج عنها دمار أكبر، فقد حدث أنّ كلمة فظّة أو تصرفًا غير لائق، بل رفع الصوت بشكل غير مناسب، وتقطيب الوجه ونحوها نتج عنها تهييج مشاعر الحقد والكراهية عند الآخرين حتى استحال تلافيها، ومهَّدَ هذا الموقفُ لحدوث خراب خطير حتى وإن كان السائرون خلف هؤلاء الرواد لم يزيدوا على ما ارتكبه قادتهم بل قلدوهم فحسب، فهذه النوعية من الأخطاء لا تنتقل أبدًا كما وقعت في أول الأمر؛ بل يفسرها الأتباع ويؤولونها وفقًا لطبائعهم ومدارك الإحساس عندهم، فتنتشر في قاعدة المجتمع مضاعفة؛ فعلى كل من يَشغل موقع الإدارة والرياسة -أيًّا كان مستواها- أن يكون دائمًا حسّاسًا يقظًا جدًا في تصرفاته وسلوكه.

وعندما أراجع الماضي وأتذكر مسيرة حياتي أجد عُقَدًا كثيرة يجب حلّها في ضوء ما سبق؛ حتى إنني أشعر تجاه كل واحدة منها أن عليّ أن أقول: “ليتها لم تكن هكذا، وكانت كذا وكذا!” لكنني متيقن أن تمنيًا مثل هذا فيما يتعلق بأحداث وقعت في الماضي لا يفيد مطلقًا في تصحيح الأمر.

الأصل أن على الإنسان أن يضبط تصرفاته وسلوكه وكلماته وحركاته بحيث لا يحتاج للتصحيح ولئلا يقع في أمانيّ لن تفيد شيئًا وقد قُضي الأمر وفات الأوان، وعليه أن يعيش وفقًا لهذا. ويستحيل أن يقدر عقل الفرد وحده على ذلك، فعلى الإنسان –وخاصة من هو في موضع الريادة- أن يستشير غيره في كل أمر وقضية؛ أجل، عليهم أن يشكِّلوا في كل أمر لجانًا استشارية، وألا يقرروا شيئًا في أي موضوع إلا بالتشاور مع تلك اللجان. نعم، إن لدينا مصادرنا الأساسية الخالدة وقيمنا الموروثة، لكن تفسيرها وتحليلها وتطبيقها وفقًا لعصرنا هذا يتطلب الرجوع إلى العقل الجمعي.

ولا بد أيضًا من العلم بأن حركةً تتمثل غايتُها المثلى في تعريف الآخرين بالحق والحقيقة يتعلق بها الحقّ العام، فأي تقصير في هذا هو اعتداء على الحق العام؛ فالحق العام يُعتبر من حقوق الله تعالى في الفقه الإسلامي، فأي خطأ فيه هو اعتداء على حق الله، بل إنه عسف بحق رسول الله وحقِّ من سبقونا بالخدمة وحقّ من يسعون معنا في الطريق نفسه من أهل الخدمة. 

مخالفة الإنسان رغبات نفسه

الاستشارة تعني –من وجه- أن يتحرك الإنسان على خلاف هواه، فمخالفة النفس ليست ضررًا ولا خسارة مطلقة، بل العكس؛ فقد يربح الإنسان في مواقف بفضل مخالفته لنفسه وترك الخضوع لها في حراكه؛ ويخسر أحيانًا باعتماده على عقله ومنطقه.

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّه” (البخاري، الأذان 36؛ مسلم، الزكاة 91) ثم يضع على رأس القائمة الإمامَ الذي يحكم بالعدل والحق، فيقول: “إِمَامٌ عَادِلٌ” ؛ وهذا يعني أن عدل الحاكم صعب جدًّا؛ فمن يترأس مجتمعًا ما، ويُمثل القوة، ويتحكم في طاقات الأمة، تعود ملازمته للعدل والاستقامة والحق والمروءة والإنسانية إلى مخالفة النفس.

يقول مفخرة الإنسانية _عليه الصلاة والسلام_ في حديث شريف آخر: “ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ“. (مسلم، الإيمان 172)

ركزّ على بعض الأمور في هذا الحديث في أمثلة سلبية؛ فالزنا حرام على الناس جميعًا، لكن إذا حصل التلوُّث بمثل هذه اللوثيات من إنسان طاعنٍ في السنّ يُفترَض أنه عازف عن الدنيا، فهذا لوثةٌ فوق لوثة؛ فمثله يجدر أن يُقال له: “عار عليك! لقد طعنتَ في السن أيها الرجل الوقح! إن لم تستحي من الناس فاستحي من ربّ الناس!”

والفئة الثانية المنذرة بالوعيد في الحديث: سلاطين اتخذوا الكذبَ طبعًا وديدنًا لهم؛ فالكذب حرام على الناس جميعًا، لكنه إذا كان من حاكم يرأس الناس، فإثمه مضاعف.

وثالث أولئك الثلاثة الذين يُعرِض الله عنهم هو الفقير المتكبر؛ يقول المثل التركي: “خلا بيتُه من المأكل والمشرب، إلا أنه يتكبر ويتعجرف”. فمثل هذا حريٌّ أن يقال له: “يا هذا علامَ أنت تتبختر؟!” ففي هذا السلوك انحراف خطير يُضاعف به الوِزر؛ ويدل الحديث بمفهوم المخالفة على فضلِ الغني المتواضع؛ فهذا يعني أنه عكس ذاك، يتصرف على خلاف هواه.

ففي الحديث الأول فضل مراغمة النفس، وفي الثاني ذمٌّ لمن عاش أسيرًا لشهوات نفسه؛ فجهنم حُفَّت بالشهوات البدنية والنفسية، فقد ينجرف الإنسان إليها ويتردى فيها إذا أرخى عنانه لهذه الأهواء؛ وحُفَّت الجنة بالمكاره، فالسبيل إليها يمر من مخالفة الإنسان طبيعتَه البشرية وتغلُّبِه على نفسه.

“مَا خَابَ مَنِ اسْتَشَارَ”

قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مَا خَابَ مَنِ اسْتَشَارَ” (الطبراني، المعجم الكبير 366/6) فعلى من يخشى الخسران والخيبة أن يتناقش مع الآخرين ولو في المسائل التي يقدر على حلّها بنفسه.

حاولتُ أنا شخصيًّا طوال عمري أن أستشير الناس ولو في أصغر المسائل؛ وحينما يهمني أمر في ليلة ما، أتصلُ ببعض الإخوة في تركيا إن لم أجد هنا من أبحثها معه، وأقول له: “مشكلة كذا وكذا تكرَّم من فضلك بحلول بديلة!” وما لحقني ضرر من هذا حتى الآن مطلقًا، فإن أخطأنا أخطأنا جميعًا، أي نتحمل الخطأ معًا، وعندما نقف بين يدي الله تعالى سنقول: “يا رب! تحاورنا وتشاورنا؛ ولم نُصِبْ، هذه طاقتنا”، فمعنى هذا أن عقولنا جميعًا لا تَقْدر على هذا الأمر.

مواقف بعض الناس تشير أن له خبرة وموروثًا بلغ به أن يقول: “أنا خبير بهذه المسألة”؛ لكن ينبغي ألا يُنسى أبدًا أنه قد يأتي من ينظر إلى الأحداث بشكل مخروطي شمولي؛ فهذا لا يكتفي بالنظرة العجلى، بل يضع في حسبانه علاقته بغيره، علاوة على أن من الإنجازات ما يراه بعض الناس مصلحةً باعتبار وضعه الشخصي لكن قد لا تكون مصلحة في الحقيقة، فمن يدري فربما تكون مصلحة موهومة.

نعم، فمن زعم عقلانية قراره وكلامه قائلًا: “وفقًا لرأيي” فذلك لا يعني أنه عقلانيّ في الحقيقة، فالعقلاني لا يخضع “للرأي الشخصي”، بل هو الحقيقة التي يرتضيها العقل المشترك؛ والعقلاني هو الحقيقة التي يرتضيها العقل القرآني والمنطق القرآني –كما يقول “المحاسبي”-، فإذا أراد الإنسان أن يقوِّم معقولية أي من أفكاره، فعليه أوَّلًا أن يقوِّمها في ضوء معايير الكتاب والسنة؛ فإذا أُهملت هذه العملية احتمل أن تكون أفكاره التي يراها معقولة كلماتٍ حمله عليها هوى النفس.

ويوجهنا القرآن الكريم بالآية الكريمة التي نقرأها عدة مرات يوميًّا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (سورةُ الفَاتِحَةِ: 5/1) أن نقول: “نحن”؛ فالإنسان قد لا ينجو بعبادة فردية؛ فنجاته في جهة من جهاتها مردّها إلى تحقيق الأخوَّة الحقيقية بينه وبين إخوة له في طريقٍ معين، وإلى تثقيله ميزانَ حسناته بحسناتهم؛ وبهذا المنطق فإن تحقيق الإداريّين نتيجةً أبعد عن الخطأ وأقربَ إلى الصواب مردها إلى قولهم: “نحن”، وتحرُّكِهم بالعقل المشترك والوعي الجمعي.

والحاصل: إن تضاعُف الخدمات ونموها يقتضي مراغمةَ الرُّوّاد رغباتِ أنفسهم، وأن يبرؤوا من قولهم: “يكفيني عقلي وفهمي وأفكاري…”، ثم يردوا كل ما يقولون ويقررونه إلى فكر منهجي؛ أجل، فالحاكم ليكون “عادلا”، _كما في الحديث_ لا بد وأن يُقدّر أفكار جلسائه، ويشاورهم، ويتنازل عن آرائه الشخصية إذا اقتضى الأمر، وعليه كذلك أن يسعى بهذه الطريقة للعثور على ما هو معقول ومنطقي؛ فإذا أُحيلت القضايا إلى لجنة لتناقشها وتباحثها فالحقيقة ستظهر وتنكشف بتبادل الأفكار، وبهذه الطريقة يُتغلب على الأخطاء؛ وإلا فإذا تُرك الأمر للمبادرات الشخصية في أي مجال وتخصص وبُنِي الحَرك عليها فلا مفر من وقوع الأخطاء.

النجاح الحقيقي والحفاظ على المستوى المعنوي

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: عندما ننظر إلى ما قامت به حركة المتطوعين هذه من فعاليات تعليمية وتربوية نرى أنها حقَّقت نجاحًا طيبًا جدًّا في مجالات كأولمبيادات العلوم؛ فهل نجحت أيضًا بنفس المستوى في تحقيق الفضائل الإنسانية وروح التفاني؟ وما هي أسباب القصور في هذا إن وُجدت؟

الجواب: هناك عدة عوامل بعضها معلوم والآخر مجهول تقف وراء الأعمال التي نالت التقدير، فعواملُ مثل: العمل المنظَّم، وجودة الأداء، والعزيمة الجادة، والجهد، والمثابرة، والعمل القائم على الوعي الجمعي وروحِ الشورى… تمثِّل الوجه الخارجي المُحَسّ المرئي من المسألة، وثمة أمورٌ أخرى ترجع إلى طويّة الإنسان، ولا سبيل للوصول فيها إلى حكم قاطع بالآخرين؛ فمثلا لا يمكن أن نعرف نيات الناس في إنجازاتهم وما إذا كانوا يراؤون أم لا، وما إذا كانت لمنفعة شخصية أم لا، كما لا يمكن أن نعرف درجة صلتهم بالله تعالى؛ فإننا مكلَّفون بالحكم بظواهر الأمور، وعلينا أن نحسن الظنّ بالآخرين، فنحن نظنّ بمهندسي هذه الإنجازات الصِّدقَ؛ ونتذكّر هذا التقريعَ “أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ؟![1] في كلِّ ما لا طاقةَ لنا بمعرفة حقيقته، ونتحاشَى الخوض في نوايا الآخرين؛ فأمر السرائر بين العبد وربِّه، فهي ليست موضوعًا لأحكامِنا، فإن ساوَرَنا شكّ في هذا دعونا ربَّنا: “اَللّٰهُمَّ يَا مُحَوِّلَ الْحَوْلِ وَالْأَحْوَالِ حَوِّلْ حَالَنَا إِلَى أَحْسَنِ الْحَالِ“.

وإذا نظرنا إلى أداء المتطوعين في التعليم والتربية واستمرارية هذا الأداء، يتضح أن هذه الأعمال ليست سهلة المنال، بل إنها تقتضي تحمل مشقة عظيمة، وصبرًا على الزمان؛ إذًا فما أبعدَ الظنَّ بأنها نُفِّذت رياءً ومباهاةً وتظاهرًا؛ ومن يمعن النظر فيما يعانيه رجال الخدمة المغتربون من عقبات يستيقن أنّ وراء هذه الخِدمات إيمانًا وفدائيّة فذّة؛ فعندما نقيِّم المسألة في ضوء صعوبة الخِدْمات العظيمة المنجزة في سبيل العلم والمعرفة مع لزوم الحكم بالظاهر وحسنِ الظنّ بالآخرين ينبغي أن نعتقد أن هؤلاء العاكفين على تنفيذها مخلصون صادقون.

الأمانة والشعور بالمسؤوليّة

إنهم مثلًا يعملون على إقامة “جُزُر التسامح والسلام” في أنحاء العالم كافّة بتمثيلهم لما منَّ الله عليهم من فضائل وخصائص، ويستخدمون لغةَ القلب ولهجة الحال، ويرغبون في إرساء جسور الحوار والتسامح بين مختلف الثقافات والاتجاهات، ومثلما يُعدّ أناس لمواجهة الحوادث الجيولوجية مصدّاتٍ تمنع انتشارها، وتحول دون تضرّر البشر بها هناك؛ فالأرواح التي نذرت نفسها للحق تفعل مثل ذلك؛ فهي تضطلع بفعاليات التعليم والحوار كي تُعد مصدّات تمنع ما ينجم عن الجهل والتعصُّب من صراع وصدام بين المجتمعات والثقافات المختلفة، وتحول دون انتشار هذه السلبيات التي يزيدها اشتعالًا وقودُ الحالة النفسية للجماهير؛ فعلى الذين نذروا أنفسهم  لأداء مثل هذه المهمة أن يُعدّوا أنفسَهم معنويًّا مثلما يعدون ماديًّا حتى يتسنى لهم حملُ أمانة ثقيلة كهذه؛ أجل، إن إيمانهم بالله وتوكلهم عليه لا بد أن يكون قويًّا جدًّا حتى يدركوا عند مواجهة الحوادث أن كل توفيق ونجاح إنما هو من عند الله تعالى، وأن الأمور السلبية ناتجة عن فداحة تقصيرهم؛ لكن ليس لغيرهم أن يسيء الظنَّ بهم قائلًا: “ما حدثت هذه السلبيات إلا لأخطاء ارتكبوها!”، لكن على الإنسان أن يعلم أنه هو المتسبب في أيّة مصيبة تنزل به، معنويةً كانت أم مادية، وعلى ذلك دّلت الآيات وصحيح السنة.

أساس الأمر: صدق النية

كما أن أخطاء الإنسان وعيوبه المادية الظاهرة قد تفرز سلبيات مختلفة، فكذلك بعض الأخلاق السيئة كسوء النية، وخيانة المسؤولية، والميل إلى أهواء النفس، وعبادة المنفعة الشخصية قد تؤدِّي إلى أن يُجازيه القدَر الإلهي، وتُعرِّضه لإخفاقات فاضحة؛ نعم فالعوامل المعنوية مثل العوامل المادية في تأثيرهما بوقوع الأحداث وعدمه، ولا يُغير هذه النتيجة أننا لا اطّلاع لنا على ما وراء الطبيعة؛ فما نراه من الحوادث يمثل في حقيقة الأمر وجهها في عالم الأسباب فحسب، فمثلًا إلقاء بذرة في الأرض حدث يقع في عالم الطبيعة، غير أن ثمة أسبابًا أخرى لا يمكن أن نراها هنا لها أثر في انشقاق الأرض عن هذه البذرة لتخرج نبتة صغيرة، إننا نرى الأرضَ والماء وأشعة الشمس، لكن لا يمكننا رؤية القوة الإنباتية في البذرة، بل لا يمكن أن نرى الهواء الذي يؤثر في نموها رغم وجوده في عالم الأسباب؛ وقل مثل هذا هنا، فالحوادث في حياة الإنسان والمجتمع لها جوانب معنويّة بإزاء الجوانب المادية؛ فالعزم، والإصرار، والمواظبة على الأعمال الصالحة، والإخلاص، والصدق، والوفاء، والمقاومة، والسعي نُصبَ أهداف مثالية سامية، والتسليم لإرادة الحق تعالى ومشيئته، كلها أسباب معنوية ربما يفوق تأثيرُ كلٍّ منها تأثيرَ جميع الأسباب المادية في تحقيق نتائج مبهجة؛ فمثلًا هناك أناس لهم أحلام وأفكار مثالية عايشوها منذ طفولتهم وسعوا في تحقيقها، فإننا لا نعلم كيف يستجيب الله لها ويمهد لها السبيل ويمنّ على صاحبها بالإمكانيات ويحقِّقها له في صورة فِعال حميدة.

وقد يحدث عكس هذا أيضًا، يعني أن الهواجس الشريرة، والنوايا العكرة، والأنشطة القائمة على منفعة خفية، والحسد، والغيرة، كلّ منها سبب مؤثّر قد يفرز نتائج سلبية، فمثلًا رُوِيَ عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إيَّاكُمْ وَالْحَسَدَ فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النًارُ الْحَطَبَ[2].

يشير إلى أن الحسد مصيبة كبرى تأكل الأعمال الصالحة التي قمتم بها؛ فمثلًا قد يحمل الحسد والضغينة وردّ الفعل فلانًا ليبني مدرسةً ليعرقل بها مسيرة من لا يحبهم، فينجم عمّا يكنّه من إحساس سلبي أن تحترق هذه المدرسة حسيًّا أو معنويًّا؛ يعني أن الحقّ تعالى عاقبه بهواجسه السلبية هذه لسوء نيته، لكن الذين انجرفوا في دوامة الحسد والحقد لا يمكنهم فهم هذه الأسباب المعنوية.

إذًا إنّ الأسباب المعنوية مهمة بقدر أهمية الأسباب المادية على الأقل في سبيل بلوغ التوفيق الإلهي، يقول الأستاذ بديع الزمان: “إن الذين يبحثون عن كلّ شيء في المادة، عقولُهم في عيونهم، والعينُ في المعنويات عمياءُ”؛ علمًا أن على الإنسان ألا ينسى أبدًا أن للأحداث جانبًا مردُّه إلى البصيرة، وآخر مردّه إلى البصر أي العين المجردة؛ والبصيرة تستند إلى الإيمان، والإدراك، والإحساس، ومعرفة الله، والإلهام، والواردات، فينبغي ألّا تُتَجاهل هذه الأمور حتى وإن لم يدركها بعضُهم، فهناك من هم حاذقون بها، يفهمونها، وهي في أيديهم كأي عنصرٍ ماديّ يقلّبه الإنسان بيده.

وينبغي على أولئك الذين نذروا أنفسهم لله تعالى أن يعرفوا جيدًا الأسباب المعنوية والمادية التي تبلغ بهم التوفيقَ الإلهي، وأن يعوا حدودها من بدايتها إلى نهايتها ليحققوا نجاحًا حقيقيًّا دائمًا؛ أي على الأرواح التي نذرت أنفسها في سبيل الله أن يكون مستواها المعنوي على أتم استعداد كما كان مستواها المادي الذي جعلها تُعِدّ الخطط في أنحاء العالم، وتناقش مشاريع متعلقة بافتتاح مؤسسات كالمدارس والجامعات، وتنفذ منها كلها إلى القلوب المؤهلة لتصبغها بما استقته أرواحها من إلهامات، هذا مع الثبات في مواجهة الحوادث السلبية، وعدمِ السأم، والصمودِ في مواجهة العواصف بعون الله ومشيئته، وهذا كلُّه مرتبط بمعرفة قيمة الحوافز المعنوية.

الحفاظ على المستوى

رجال المعنى الذين يجاهدون أنفسهم في هذا السبيل مرارًا كلّ يوم، ويحاسبون أنفسهم حتى على الخواطر السيئة، عليهم أن يطوروا أنفسهم وإخوتهم بإعادة التأهيل دوريًّا، وعليهم أن يحافظوا على مستواهم المعنوي؛ فالحفاظ على المستوى مهمٌّ بقدر أهمية بلوغه؛ فقد يبلغ الإنسان أحيانًا مقامات معنوية يشعر فيها بالوجود شعورًا مختلفًا، ويراه مختلفًا، ويحس به إحساسًا مختلفًا، ويقيّمه تقييمًا مختلفًا تمامًا، ويتحرك بشعور الإحسان، ويستشعر دائمًا أن الله يراه. والمهم هو دوام هذا الحس والشعور، لأن الانقطاعات قد تقضي على مكتسبات مهمة جدًّا؛ أجل، ثمة أشياء كثيرة مكتسبة سرعان ما تُهمَل فتزول وتهدر، لذا ينبغي الحفاظ على المستوى كما ينبغي الجد في بلوغه.

والحاصل أنكم لو كانت عندكم إمكانيات كثيرة من حيث الأسباب المادية، بل لو امتلكتم أقمارًا ترصد الفضاء، فكل هذا ليس سوى جانب واحد في سبيل الوصول إلى رضا الحق، واعلموا أن جانبكم القوي الأصيل هو اعتمادكم على حول الله وقوته، واستقامتكم المتينة في صلتكم به وتعزيزها، فعلى الأرواح التي نذرت أنفسها أن يلقّن بعضُها بعضًا هذه الحقيقةَ على الدوام، وأن تنظّم حياتها على هذا الأساس.

 

 



[1]  مسلم: الإيمان 158؛ أبو داود: الجهاد 104.

[2]  سنن أبي داود: الأدب 53.

رمضان والقلوب الرقيقة

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: يأتينا شهر رمضان كل سنة وكأنه سكينة تنزل من السماء؛ فترقِّق قلوبنا وتذيبها، وتوصلها إلى قوام معيَّن؛ فما الأمور التي توصوننا بها كي نستفيد من هذا الشهر الكريم استفادة كاملة في حياتنا الفردية والاجتماعية؟

الجواب: إن شهر رمضان يلوح في أفقنا بجمالياته الساحرة الجذابة مثل الصيام والإفطار والسحور والتراويح؛ فيشكّل مناخا قدسيا خاصا به، وهو ذو تأثير متميز تماما حيث يسهم في أن تدرِك الأرواحُ الصلاحَ مجددا، وتسلَمَ القلوبُ والأحاسيس والأفكار، وتهدأ كل أنواع القسوة والخشونة، حتى في تلك الفترات التي تتوالى فيها التوترات، وتطفح فيها الشدة والعنف، وتُعتبر المعارضة والمخالفة نوعا من المهارة، ويعيش فيها جموع الناس فيما بينهم جمودا خطيرا. والواقع أن إنساننا يحمل في داخله مشاعر من الاحترام الحقيقي تجاه هذا الشهر المبارك الذي تُستشعر فيه الوداعةُ والرقة واللطف بشكل واضح؛ ومن هذه الزاوية فإننا حتى وإن كنا في الوقت الراهن محاطين من كل جهة بسلبيات مختلفة؛ إلا أننا إن أعطَينا إرادتنا حقها، وفتحنا قلوبنا لهذه الفترة الزمنية المباركة، وآمنّا من أعماقنا ببركته، وتوجَّهنا إليه بمشاعر التعظيم والاحترام؛ فإنه هو أيضا سوف يحتضننا، ويُفيض علينا بركته وابلة غزيرة تشملنا من رؤوسنا إلى أخامص أقدامنا، وسوف يمكننا التغلب على الحدة والغضب والعنف، وبهذه الطريقة يَسُود من جديد مناخٌ من السعادة والطمأنينة والسكون في المجتمع.

ليس تنوع الطعام، وإنما كثرة الضيوف

أما بالنسبة للأمور الواجب فعلُها في هذا السياق؛ فهي على سبيل المثال تتمثل في أن الشخص المقيم في شقة بعمارة سكنية يستطيع أن يبدي كرمه وحسن تصرفه -بقدر طاقته- بدعوته جيرانه -أيا كانت ثقافتهم ومنطقهم- إلى مائدة الإفطار عن طريق إخبارهم بذلك قبل بضعة أيام من الموعد، ويقدم لهم بعد الطعام هدية صغيرة أعدها لهم مسبقا قائلا: “لقد شرفتمونا بتلبية الدعوة، وأتعبتم أنفسكم في تناول طعامنا، فنرجو أن تتفضلوا بقبول هذه الهدية البسيطة منا”، كما أنه يمكنه إسعاد قلوب أولادهم إن كان قادرا على ذلك. وبالشكل نفسه فإن من يعمل مدرِّسًا في مدرسة، أو أستاذًا في جامعة، أو عاملًا في مؤسسة يمكنه أن يساهم في تحقيق السلم الاجتماعي عبر فتحه باب منزله للجميع وإشراكِهم في مائدة إفطاره دون تفريق بين فئة وأخرى.

ينبغي علينا أن نثمن ونستثمر هذا الشهر المبارك المليء بالنور بحيث لا يمر علينا يوم من أيامه على الإطلاق دون أن ينزل ضيف على مائدة إفطارنا. أجل، لا بد من إثراء موائد الإفطار بكثرة الضيوف وتنوعهم أكثر من إثرائها بكثرة الطعام. فقد قال الرسول الأكرم (صلى الله عليه وسلم) كما تعلمون:

طَعَامُ الاثنينِ كافي الثَّلاثَةِ، وَطَعَامُ الثَلاثَةِ كافي الأَربعَةِ”  (البخاري: الأطعمة 11؛ مسلم: الأشربة، 179)

ومن هذه الزاوية يجب ألا نقلق من كثرة الضيوف في شهر رمضان ذي البركة الخاصة به.

إن مثل هذا الأسلوب في التصرف طريق دبلوماسي مهم من أجل ردم الفجوات بين مختلف شرائح المجتمع، وتجاوزِ الأحكام المسبقة. فالحقيقة أن هناك كثيرا من المشاكل التي يتعذر حلها بالقوة والشدة، ولا يُتغلب عليها بالوحدات العسكرية المؤللة، يمكنُ حلّها بهذا الطريق. أجل، إنكم إذا فتحتم قلوبكم للجميع، ودخلتم قلوب مخاطبيكم بإنسانيتكم، وهيأتم في قلوبكم مكانا يمكن للجميع أن يحل به، وبهذه الطريقة جعلتم القلوب تساندكم، فحينذاك تتم الحيلولة دون ما لا قبل لكم بها من شتى أنواع الكراهية والحقد والغيظ وإراقة الدماء وإزهاق الأرواح؛كما أنه لم يُشاهَد على مر تاريخ الإنسانية مشكلات أو أزمات حُلّت بالتهديدات على الإطلاق، بل لقد زاد غضب الناس بصورة أكثر في مواجهة التهديدات، وساروا نحو هيكلة أنفسهم بالتمحور حول التخريب بحرارة أكثر.

وكما ورد في أحد الأمثال التركية فـ”إن فنجان قهوة خاطره أربعون سنة”. فإنه سيكون للإفطار الذي نقدمه لضيوفنا خاطر أربعين سنة. ومن هذه الزاوية فإنه لا بد من القيام حتما بمثل هذه الرجولة والكرم الذي يكون مردوده مختلفا جدا. ولسنا ندري ربما أن بركة أخرى من بركات شهر رمضان المتميزة تكمن في هذا، أي إننا كما نستطيع الحصول على الثواب الأخروي بالصوم وصلاة التراويح، فإننا نحقق ربحا ومكسبا متميزا عن طريق دخولنا قلوب الناس.

صدى من وراء السماوات يدوّي في القلوب

ويمكن أيضًا لرجال الخدمة الذين هرعوا إلى خدمة الإنسانية في كلّ أنحاء العالم أن يعتبروا شهر رمضان وسيلةً مهمةً للنفوذ إلى القلوب؛ فلقد كشفت الأضاحي التي تُذبَح وتُوزّع في عيد الأضحى في كلّ أنحاء العالم -بدءا من تركيا حتى آسيا وأفريقيا- عن كرم وأصالة إنساننا، فأصبحت وسيلةً لفتح القلوب وإثارةِ عاطفة الثقة لدى هذه الشعوب فينا واقتناعهم بأن هناك أناسًا هم محل ثقتهم وأمانهم. وعلى نفس الشاكلة قد يكون القيام بحملة تَعْبويّة رمضانية عن طريق فتح أبواب الفطور والسحور أمام الجميع فرصة ذهبية لكسب العديد من القلوب والوصول إلى كيفيةٍ يرضى بها ربّنا سبحانه وتعالى عنّا. لأن المدعوين على الإفطار والسحور في رمضان لا سيما في بلاد غير مسلمة يتأثرون للغاية بمثل هذه الفعاليات حتى إنكم إن استمعتم إلى انطباعاتهم أدركتم بشكل أكبر مدى أهمية العمل الذي تقومون به. فمثلا يأتيهم الأذان الذي يسبق الإفطار غضّا طريا فيطربون به ويُسحرون. ومن ثمّ ينبغي لنا أن نُحسن استغلال هذه المناسبة في تعريف مخاطبينا بجمالياتنا والثراء المعنوي الذي عندنا.

وربما تؤدي جميع هذه الفعاليات إلى مجرد تعاطف هؤلاء المخاطبين في نظرتهم إلى الإسلام، وليس لنا أن نستهين بهذا الأمر، فمن يدري لعلّ هؤلاء الذين يشعرون بالحيوية والطراوة في كل شيء يدركون مع الوقت جماليات الإسلام بشكل آخر، فيرتقون فجأة وبشكل عمودي إلى عرش كمالاتهم؛ ولذلك فإنني أعتقد أن الحصول على مثل هذه النتيجة جديرٌ بأن نقيم أمامهم الموائد كل يوم مرات لا مرة واحدة.

مع الأسف عاش الناس في عصرنا محرومين من جماليات الإسلام، لم يلمسوا السلوكيات والأخلاق الإسلامية؛ فأهم مهمة ملقاة على عاتقنا هي الكشف لهم عن الإسلام الحقيقي من خلال بنيتنا الأسرية، والعلاقة بين الأب والأم والأولاد عندنا، ومن خلال ولائمنا وكرمنا. فإن كان البعض يرى الإسلام “بُعْبُعَا” فالسبيل إلى إزالة هذا هو مخالطتهم وتأسيس علاقة وثيقة بيننا وبينهم. ومن ثمّ ينبغي أن يقوم المسلمون في هذا الشهر المبارك بتحقيق هذا الأمر بشكل معقول وفقا لما يستلزمه موقعهم أيا كان هو، مع الأخذ بالشورى والعقل والمنطق والعقلانية.

ليس هناك عملٌ يحلّ محل العمل في رمضان

إن كل عبادة فرضها اللهُ سبحانه وتعالى علينا وكلفنا بها ستتخذ ماهية مختلفة على حسب أدائنا لها، وستشهد لنا عنده تبارك وتعالى، وبقدر إسعادنا شهرَ الغفران هذا ستكون شهادته في حقنا قوية ندية، فإن أحسنّا استغلال هذا الشهر الفضيل شهد لنا لدى الحق تعالى عند رحيله عنّا وفراقه لنا وربما رشّحنا للدخول من باب “الريّان”. من أجل ذلك علينا أن نقدّر العبادات التي كتبها الله علينا حق قدرها ونجلّها ونعظّمها ونسعى إلى استغلالها بالأسلوب الأمثل.

وسيعلم الإنسان أي الأعمال التي كانت سببا في إسباغ النعم عليه في الآخرة، وهذا سيزيد من فرحته بقدر فرحته بهذه النعم. وربما يناجي ربه سبحانه وتعالى شاكرا له على أنعمه قائلا: “حمدا لك يا ربي! شرّفتني بالعمل بداية، وشرفتني بثوابه آخرا”.

أجل، سيعرف العبد صيامه هنالك معرفة كاملة، وسيتعرف على جوعه وظمئه وتعبه في صلاة التراويح، ومشاعرِه الجياشة حين القيام للسحور، وكرمِه في موائد الإفطار بشكل يتوافق مع خصوصيات العالم الآخر، وسيعيش فرحة هذا كله.

إن بعض العبادات والطاعات تستمدّ عمقها من ظرفها ووقتها خاصة، وهكذا كل عبادة وطاعة تُؤدَّى في رمضان. وعلى ذلك تكتسب الأعمال في رمضان قيمة أخرى، ويتقرب الناس إلى ربّهم في رمضان بصورة مختلفة تماما؛ فليس هناك صومٌ يبلغ صوم رمضان، كما أن عشرين ركعة في غير رمضان لا تعدل مطلقا صلاة التراويح في رمضان، ولا يصل ثواب السحور في الليالي الأخرى في غير رمضان إلى ثواب السحور فيه، ولا يشبه انتظار الأذان الذي يسبق الإفطار في غير رمضان الأذانَ فيه. والخلاصة: لا يتساوى ثواب الأعمال في غير رمضان مع ثواب الأعمال التي يحصل عليه العبد في رمضان، فليس هناك عمل قط يملأ فراغ العمل في رمضان.

فإن المؤمنين الصادقين الذين يشعرون بهذه الحقيقة بعمقٍ في وجدانهم يشعرون بألم فراق غريب مع رحيل رمضان، ويلفّهم الحنين إلى أن يأتي رمضان القادم، ولا ندري ربما يكسبهم هذا الحنينُ ثوابَ رمضان آخر.

التحذير من الشرور وتصوير الباطل

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: يقول الأستاذ بديع الزمان: “إن تصوير الباطل تصويراً واضحًا إضلالٌ للأذهان الصافية”، غير أنه يتوجب الحديث عن شر الباطل لإبعاد الناس عنه، فكيف يمكن تحقيق التوازن بين هذين الأمرين؟

الجواب: أولًا، هناك فرق بين التحذير من شيء بوصفه شرًّا وبين تصويره بكل تفاصيله؛ فلا بد من التذكير بسوء التصرفات الضارة بالفرد والمجتمع ولفت انتباههم إليها حتى يمكن إبعاد الناس عنها وتنفيرهم منها وإثارة اشمئزازهم تجاهها، بيد أنه ينبغي عند القيام بهذا ألا تُرسم تلك الأفعال والتصرفات السيئة رسمًا بيِّنًا واضحًا بحيث تكون صورة تتجسم في الأذهان، لأن تصويرها تصويرًا فاضحًا وإبرازَها قد تستثير هوى إلى تلك الفجة الشنيعة.

ولكي لا يؤول الأمر إلى خلاف مقصده يجب عرضُ المساوئ والذنوب عرضًا إجماليًّا دون الدخول في التفاصيل، مع بيان أضرارها، ثم ذكرُ العاقبة السلبية التي ستدفع تلك المساوئُ الإنسانَ إليها في الدنيا والآخرة. فمثلًا يحسن التذكير بأن من يرتكب المنكرات ويجري في إثرها دائمًا سيفقد الفيوضات المعنوية ويستحيل عليه التمتع بعباداته وطاعاته، وأن بصيرته ستعمى، وسيعجز عن تحريك أحاسيسه، ويعيش منقطعًا عن الأحاسيس الذاتية، كما أنه سيعجز عن التخلص من الإسلام الصوري وتكون معرفته بالله تعالى معرفة نظرية فحسب، وأنه يستحيل عليه الوصول إلى الشعور بالعيش في حضرته تعالى… أي ينبغي لفت الانتباه إلى عاقبة الذنب السيئة بدلًا من الاهتمام بتصويره.

التأثيرات الهدامة للتداعيات السلبية

إن الشيطان يستغل -كما هو معلوم- بعض المشاعر السلبية الموجودة لدى الإنسان استغلالًا جيدًا كي يدفعه إلى الذنب، فمن المهم ألا تستيقظَ هذه المشاعر وألا تُوقظ. أما الكلمات التي تقال في تصوير الباطل فإن كلًّا منها يبدو وكأنه سائق يؤدي إلى إيقاظ تلك المشاعر؛ إذ إنها تحرك هذه المشاعر الكامنة لدى الإنسان، فيستغل الشيطان هذه الفرصة، ويحاول التأثير على الناس ودفْعَهم إلى الشرور مستخدمًا تلك التداعيات السلبية.

وحين يُذكر تصوير الباطل يخطر بالبال غالبًا تلك الأمورُ التي تثير الغرائز البشرية، لكن ليس من الصواب ربط المسألة بالأحاسيس الشهوانية فحسب، إنها مجلبة لكل أنواع الشرور التي يمكن أن تُشكّل لدى الناس رغبةً وطلبًا لفعلها. فإذا رمتم مثلًا أن تشرحوا شناعة النفاق، فإن قدَّمتم المسألة تقديمًا يُفهم منه أن النفاق نوع من المهارة تسببتم في تكوّن مشاعر الإعجاب تجاه تلك الصفة السيئة عند بعض الناس، فلا بد من استخدام أسلوب يصطبغ بالترهيب في جميع التصرفات والسلوكيات التي تدخل ضمن إطار المساوئ، وأن يكون الحديث عن عقاب مرتكبها يوم الحساب.

إن هذه الحساسية الشديدة لازمة عند تصوير الشرك أيضًا، فمثلًا لا داعي للتكرار الكثير لأسماء الأصنام والأوثان التي تُشرَك بالله تعالى إن لم يكن ثمة أية ضرورة، ولا بد من الإجمال في هذا والتركيز على أن من يشرك بالله يفقد دار السعادة الأبدية، وتكون الحياة الأبدية في جهنم حظَّه.

عند ذكر مساوئ كعقوق الوالدين، وشهادة الزور والسرقة والغيبة… لا بد من اتباع أسلوب إجماليّ، ومن لفْتِ انتباه الناس إلى عاقبة هذه الذنوب حتى يتكون عندهم شعور المقاومة تجاه ارتكاب تلك الأمور.

إن هذا المنهج منهج نبويّ، فمثلًا يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الجَنَّةَ” (البخاري:الرقاق، 23).  وبهذا يوضح لنا النبي صلى الله عليه وسلم كيف يصبح الإعراض عن آفات اللسان وتجنب الزنا سبيلًا للفوز في الآخرة. فهنا يعرض النبي صلى الله عليه وسلم المسألةَ إجمالًا وبأسلوب الإيماء المعجز، لافتًا الأنظار إلى جزاء المرء في الآخرة، إذا هو نزّه نفسه من هذه الشرور.

ويجب أن نعرف أنّ الإنسان قد يظلّ ذهنه مكدّرًا أيامًا وربما أسابيع إنْ تعرض لتصوير الباطل، بل قد تشغل ذهنَه بعض الأمور القبيحة حتى في أثناء عبادته لربه سبحانه وتعالى. ومن ثمّ ينبغي للإنسان أن يكون من البداية قويًّا مصرًّا على تجنّب مثل هذه الأمور السلبية؛ وإلى جانب تحاشيه كلّ هذا عليه أن يشغل ذهنه دائمًا بالأمور الحسنة، حتى إذا عنت له هذه الصور القبيحة ظهرت أمامه أجمل الأقوال والأفكار واللوحات، فإن تلوثت عينه أو أذنه أو ذهنه بشكل ما أو ران على قلبه أمر سلبي فعليه ألا يعمّره طويلًا، وأن يهرول على الفور إلى أقرب سجادة صلاة، ويحاول أن يتطهر من أدرانه التي علقت به في حوض التطهر هذا.

ذهنٌ صافٍ وعاقبة حسنة

الحقّ أن الأذهان معرّضةٌ في أيامنا هذه لأكدار شتّى في الشوارع والأسواق، بل حتى في بيوتنا التي تُعدّ أكثر الأماكن حصانة بالنسبة لنا، وبمرور الوقت تكدِّر هذه التصاوير والمناظر السلبية المتراكمة مخَّ الإنسان وذاكرتَه، ثم تشغل الإنسانَ، وتثير فيه مشاعر سوءٍ، وتقمع هذه الصورُ الكامنة في ذهن الإنسان عالمَه الفكري والشعوري، وتُملي عليه رغباته وشهواته، وإذا ما واتتها الفرصة قيدت إرادته وجرّته إلى الذنوب والمعاصي التي تدمّر حياته الأخروية.

أجل، إن هذه الصور الخليعة والمناظر المثيرة تشكِّل لدى الإنسان مع الوقت مكتسباتٍ لاشعورية، وتشرع في تدنيس خواطره، بيد أن الإنسان لا بدّ وأن يكون لديه عزمٌ على أن يظل نزيهًا حتى في أحلامه، إننا إذا ما استرشدنا بأدعية الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم وواظبنا على الأدعية التي تُقرأ عند النوم ليلًا، فهذا يعني أننا نلجأ إلى ربنا قائلين: “اللهم يا من لا تضيع ودائعه، أستودعك مشاعري وأفكاري وأحلامي، اللهم جنِّبها الكدر والدنس حتى لا أستيقظ والأفكارُ القذرة تراودني”. عند ذلك نكون قد أودعنا عالم ليلنا إلى حفظ الله ورعايته.

ولا جرم أن مراعاة المرء لهذا القدر من الدقة لها أهمية عظمى لحياته الأخروية. يجب أن نعلم أن الإنسان يقيد له في دفتر حسناته أي نية له أو دعاء أو سعي صادر منه، بل إنّ أيّ جهد يبذله لئلا تتكدّر أحلامه ولا تقمعَ المكتسباتُ اللاشعورية أحاسيسَه ولِيحافظ على نقاء مشاعره وأحاسيسه قد يكون أولى من صلاة مائة ركعة، غير أنَّ تنزُّهَ الإنسان في العوالم النزيهة حتى في أحلامه وسيرَه في الجنات بين الأزهار مرهونٌ بمدى عزمه وإصراره على إعطائه إرادتَه حقَّها.

وبقدر تورّعِ الإنسان عن التفكير في المعصية وبُعدِه عن العوامل التي تدفعه إليها بقدر سلامته من الوقوع في الآثام. يشير الرسول صلى الله عليه وسلم بدعائه هذا إلى ضرورة تجنب الخطايا: “اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ، كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ” (البخاري: الأذان، 89). فإن مَن حام حول حمى المعاصي فلا جرم أنه سينجرف بعد زمن مع التيار ولن يجد فرصة للخروج إلى الشاطئ مرة أخرى.

أجل، لو أبحر الإنسان مرة في بحر المعاصي لَما استطاع الخروج إلى الشاطئ مرة أخرى؛ ولذا لا بدّ وأن يسعى الإنسان إلى تنقية ذهنه وفكره ومشاعره على الدوام، وأن يكون على حذرٍ ويقظةٍ دائمة من الفخاخ النفسانية والشيطانية.

 

أُسُس النقد النافع

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: بأي الأمور يرتبط كون “النقد” إيجابيًّا ونافعًا، وهو ما يُعتبر وسيلة مهمة للحصول على الأجمل والأفضل في كل مسألة تقريبًا؟ وما هي الأخلاقيات التي يجب أن يراعيها الناقد أو من يتعرض للنقد؟

الجواب: إن النقد من معانيه مراجعة كلمة أو فعل أو تصرف ما، وبيانُ جوانبه السلبية والإيجابية، والمقارنةُ بين ما هو كائن وما يجب أن يكون. والنقد أساسٌ من الأسس العلمية المهمة التي تستخدم من أجل الوصول إلى ما هو مثالي، وقد استُخدم بجهته هذه اعتبارًا من عهد السلف الصالح. فمثلًا تم نقدُ السند والمتن من أجل التحقق من صحة الروايات المنقولة عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم). والواقع أن منهج النقد لم يُستخدم في مجال الحديث النبوي فحسب؛ بل صار منذ العصر الأول نظامًا مهمًّا يُلجأُ ويُرجعُ إليه كي تظهر الحقيقة في العديد من الموضوعات مثل تفسير الآيات القرآنية، وشرح الأحاديث النبوية. وشُكّل في ظل هذا النظام العلمي مُرشِّحٌ سليم جدًّا، وأمكن التصدي للأفكار الغريبة على الإسلام التي أُريدَ لها أن تخالطه. كما قُيّمت التفسيراتُ والاجتهادات في جو من تصادم الأفكار وتداولها في المناقشات التي أُجريت تزامنًا مع تطوير علم المناظرة أيضًا، فأُخضعت الأفكار للنقد والمراجعة واختُبرت بالمحكَمات، وبهذه الطريقة ظهرت بارقة الحقيقة.

وقد تَكوَّن تراث عظيم خاصة في مجال نقد السند فدُوّنت مجلدات تتعلق بتقييم رواة الحديث من زاوية الجرح والتعديل، وإخضاعهم للنقد، وهكذا تم التثبُّت من صحة الروايات المنقولة عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم). بيد أن العلماء كانوا يهتمون لأقصى درجة بألا يتفوهوا ببيانات تتجاوز الهدف المنشود من النقد حتى وإن كانوا يمارسونه في موضوع مهم كهذا، وتحركوا بحساسية ودقة في هذا الشأن؛ فمثلًا شعبة بن الحجاج -وهو أحد واضعي علم الجرح والتعديل- نجده يقول: “تعالوا نغتاب في الله!” يريد الكلام في الشيوخ، (الذهبي: سير أعلام النبلاء، 6\616) وبهذا يشير إلى ضرورة القيام بهذا العمل، أي بنقد رواة الحديث، وضرورةِ ألا يمارَس هذا العمل إلا في سبيل الله.

أجل، لقد استُخدم منهج النقد في عالمنا من أجل الوصول إلى الأفضل سواء في مجال العلوم الدينية أو العلوم التطبيقية، ولاسيما في القرون الهجرية الخمسة الأولى، وبالتالي فإنه يمكن الرجوع إلى هذا المبدأ العلمي دائمًا في يومنا الحاضر أيضًا؛ ولكن بشرط عدم العدول عن الإنصاف في الموضوع المنتقد، والحفاظ على الأدب، وأن يجري تناولُ المسألة وتقديمُها بكل اهتمام وحساسية. وهناك بعض الأسس في هذا الموضوع يمكننا أن نسميها آداب النقد ومبادئَه، نلخصها على النحو الآتي:

أقفالٌ تُفتح بالإنصاف والأسلوبِ الليِّن

لا بد من كون النقد رصينَ الأسلوب، ورعايةِ كون نمط الحديث إنسانيًّا لأقصى درجة من حيث روح التقديم، أي ينبغي أن يكون النقد على نمط يقبله المتلقي بكل أريحية، ولا يستثير ردَّ فعل المخاطب. فلو أنكم عرضتم آراءكم المنطقية المعقولة وأفكارَكم البديلة التي تؤمنون بها فيما يتعلق بحل مشكلات معينة عرضًا إنسانيّ الأسلوب ليّنًا مُنصِفًا، وجدتم الاحترام من الآخرين، وحظيت أفكاركم أيضًا بالقبول. فمثلًا توضحون رأيكم فيما يتعلق بموضوع ما، غير أن مخاطبكم يفكر عكس هذا تمامًا، فإن خاطبتموه على نحو: “سيدي، كنت أحسب أن هذه المسألة على هذا النحو، غير أنني حين نظرت إلى عباراتكم رأيت أن للمسألة جانبًا مختلفًا”، ربما يأتيكم الشخصُ من جديد بعد فترة ويقول لكم: “تبيَّنَ لي أن المسألة التي تحدثْنا عنها سابقًا كانت كما قلتم أنتم”، عندها ستردّون عليه قائلين: “أشكرك، كم أنت منصف!” وبهذا الاعتبار فإنه ينبغي على الإنسان أن يحتقر أحيانًا تجاربَه الخاصة وثروته العلمية وأنانيته إذا اقتضى الأمر حتى تُستقبل الحقيقة باحترام وتستقرَّ في الصدور، ويجب عليه إعلاءُ شأن الحق دائمًا. وبتعبير آخر إن كان المطلوب هو قبول ما هو المعقول معقولًا، فلا بد من تقييم أفكار الآخرين -حتى غيرِ المعقولة منها- تقييمًا معقولًا، ومقابلتِهم بصدر رحب دائمًا، وتشكيلِ مناخ من الصدق والإخلاص يمكّنهم من قبول الحق والحقيقة.

الحديث إلى العامة وعدم هتك الستر

يشهد التاريخ أن من لا يحترم أفكار الآخرين -مهما كان مجالها- ويطرحها جانبًا دائمًا وكأنها نقود مزيفة، ويراها “هباء”، ربما يفقد -دون أن يدرك- الكثيرَ من الأشياء “الثمينة” التي قد تفيده. ومن هذه الزاوية فإنه لا بد من تبنّي مبدأ مقابلة الأفكار كلها باحترام بقدر معين، حتى وإن كانت نقودًا مزيفة، أو نحاسًا، أو حديدًا، أو رصاصًا. وإذا تحركْنا على هذا النحو اكتشفْنا طريقة صائبة جدًّا لإقناع مخاطبينا بالحقائق، وإلا فإن الكلمات التي تُذكر وتقال بشكل مؤذٍ مُزعِج -وكأنها مطارق تضرب على رؤوس الآخرين- لن تلقى القبول الحسن مهما كانت أفكارًا ومشاريع جميلة. بل إنه لا مجال ولا مفر من التعرض لردة فعل إن لم يراجَع الأسلوب المستخدم في النقد، حتى وإن كان هناك خطأ في مسألة شرعية حُدّد إطارها بالنصوص الشرعية. فمثلًا ترون صديقًا لكم ينظر إلى الحرام، فإن واجهتموه بأسلوب يهتك الستر الذي بينكم وقلتم له: “إنك تفعل كذا وكذا، غض طرفك قليلًا، ولا تقرب الحرام!” فلربما جعله نقدكم هذا -حفظنا الله- وكيلًا للشيطان. ولاسيما إن كان مخاطبكم غير مستعدّ لنقد تصرفاته وسلوكياته، ولا يستسيغ الانتقادات ولا يقبلها، فإن كل نقد توجهونه إليه سيتسبب في ردة فعله، ويحرك في داخله الشعور بعدم احترام الحق، ويجعله عدوًّا لقِيَمنا الذاتية. حتى إنه وإن آمن بأن ما يُذكر له حقائق؛ فقد يكوِّن في ذهنه عديدًا من الفلسفات حتى يُظهر الباطل حقًّا، وذلك جراء الصدمة الروحية التي تعرَّض لها بسبب الصفعات التي تلقَّاها على رأسه، بل إنه -حتى عندما يدخل فراشه ليلًا- سيخطط ويفكر في الإجابة على الانتقادات الموجهة إليه.

ومن ثمّ لا بدّ عند معالجة أمر بالنقد والتحليل من ترجيح أسلوب خطاب غير مباشر. فقد كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا عرف من امرئٍ تقصيرًا أو خطأً، لا يواجهه به بل يجمع الناسَ في مكانٍ ثم يتوجّه بخطابه إلى الجميع، وبذلك يتسنى للمخطئ أن يأخذ العبرة والعظة من هذا الخطاب. ومن الأمثلة على ذلك ما رُوي أنّه صلى الله عليه وسلم استعمل رجلًا على صدقة، فلما قدم قال: “هذا لكم وهذا أُهديَ لي.” فقام النبيُّ صلى الله عليه وسلم على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: “مَا بَالُ العَامِلِ نَبْعَثُهُ فَيَأْتِي يَقُولُ: هَذَا لَكَ وَهَذَا لِي، فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ، فَيَنْظُرُ أَيُهْدَى لَهُ أَمْ لَا.” (البخاري: الأحكام، 24؛ مسلم: الإمارة، 26)

وهناك شيء آخر مهم جدًّا: من سيقوم بالنقد والتوجيه؟

فلو دعتنا الضرورة إلى توجيه النقد لشخصٍ ما، فليس لأحدٍ أن يصرّ على القيام بهذا الأمر بنفسه، وإنما يدع هذه الوظيفة لشخص يحبّه المخاطب؛ لأن انتقادات الحبيب قد تُعدّ مجاملة وثناء.

أجل، إن رأيتم أنّ كلامكم ستنجم عنه كراهية من المخاطب فعليكم أن تتنحّوا جانبًا، وتفسحوا مجال الكلام لغيركم؛ فليس من المهمّ مَن يعبّر عن الحقيقة، بل المهمّ هو أن تتقبّلها الصدور. 

ومن المفيد في هذه النقطة أنْ أنقل لكم منقبة عن سِبطَيْ رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسنِ والحسينِ رضوان الله عليهما، ورغم أنها لم ترد في كتب الصحاح فإنها لا جرم تحتوي على دروس زاخرة بالعِبر والعظات. يُحكى أنهما رضي الله عنهما مَرَّا على شيخ يتوضأ ولا يحسن الوضوء، فاتفق ذوا الفطرة النادرة والفراسة الباهرة هذان على أن ينصحا الرجل ويعلّماه كيف يتوضأ، ووقفا بجواره، وقالا له: “يا عمّ، انظر أَيُّنا أحسن وضوءًا.” ثم توضأ كلٌّ منهما كما رأيا من جَدِّهما سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن والدهما عليّ كرم الله وجهه، فإذا بهذا الرجل الذي لم يتعرض لطعن أو نقد صريح ولم يُواجه بخطأه مباشرة يقول بكلِّ راحة ضمير: “كلاكما أحسنَ الوضوءَ، أما أنا فلم أحسنه”.

ولهذا أنوّه مرة أخرى على أن قبول النقد في مسألة ما لا يتأتى إلا بأسلوبٍ مناسب يهدف إلى تصحيح الخطأ وإبراز الصواب، وبطريقة عرض جيدة، وحسن إعداد.

تنشئة مخاطب قادر على تحمل النقد

هناك جانب آخر للمسألة وهو الوصول بالمخاطبين إلى مستوى القدرة على تحمّل النقد، وإيقاظُ الشعور باحترام الحق فيهم. وقد بلغ الصحابة الكرام رضي الله عنهم هذا الأفق، فكانوا يواجهون بعضهم بعضًا بأخطائهم بنفس راضية وراحة تامة ولا يؤدّي هذا مطلقًا إلى حدوث أيّ خلاف بينهم. فذات يوم صعد سيدنا عمر رضي الله عنه المنبر، وتحدّث عن بعض الاستراتيجيات التي من شأنها أن تيسِّر مسألة الزواج، وأشار إلى ضرورة أن يكون المهر بالقدر الذي يطيقه الجميع، ونبّه إلى الإعراض عن المغالاة في المهور. وقد كان هذا بالفعل حلًّا ناجعًا للحيلولة دون نوع من الاستغلال ولو بقدر ما. كما أن للحساسية والسماحة في هذه المسألة دورًا كبيرًا في الوقت الراهن في حلّ معضلة اجتماعية كبيرة.

وإزاء هذه الكلمات نهضت امرأةٌ من صفّة النساء وقالت: يا أمير المؤمنين، ما ذاك لك، لأن الله قال: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ (سُورَةُ النِّسَاءِ : 20/4). كان عمر حينذاك يدير دولة كبيرة تفوق تركيا عشرين ضعفًا، وهو الذي أرغم أكبر قوتين عظميتين حينئذ على طاعته والدخول تحت إمرته، ورغم ذلك توقّف على الفور عند سماعه هذه الكلمات، وانسابت من بين شفتيه الكلماتُ التالية: “اللهم غفرًا! كلّ الناس أفقه منك يا عمر” (تفسير ابن كثير: في تفسير الآية المذكورة) “. وبسبب هذه الحساسية الكبيرة من عمر رضي الله عنه كانوا يصفونه بـ”الوقّاف عند كتاب الله تعالى” (ابن الأثير: أسد الغابة، 4\318)، بمعنى أنه كان يستطيع كبح جماحه في الوقت والمكان الذي يريد.

وهكذا لا بدّ أن يكون لدى الجميع هذه الحساسية والشعور؛ حتى ويمكننا أن نؤاخي أحدًا ونتواءم معه ونعطيه الصلاحية في أن ينتقد بكل ارتياح ما يراه فينا وفي سلوكنا وأفعالنا من قصور، حتى نتهيّأ لتقبّل الانتقادات التي تُوجَّه إلينا.

وفي النهاية  ينبغي لمن يفكّر في انتقاد بعض المسائل -والأحرى تصحيحِها- أن يدرُس أولًا المسائلَ التي سيتكلم فيها، ويبذل جهده وسعيه لقول الصواب؛ وأن يضع في اعتباره ثانيًا حساسيةَ الطرف الآخر حينما يُخضِع المسألة للنقد والتحليل، وأن يضع في حسبانه أيضًا مدى استعداد المخاطب لتقبّل ما يُوجّه إليه، فإن كان من المتوقع أن يقابَل كلامه بأيّ رد فعل من المخاطب فليس عليه أن يصرّ على إبراز الحقيقة بنفسه، بل يدع هذا الأمر لمن هو أقوى منه تأثيرًا في النفوس.

وقد حازت مسألة مراعاة هذه الخصائص مزيدًا من الأهمية في عصرنا الحالي إذ طغت فيه الأنانية ولم يعد فيه الناسُ قادرين على تحمّل النقد.

ويجب على مَن يتعرض للنقد أن يُعلِي من شأن الحق أكثر من أي شيء، وأن يقابل النقد بالشكر لا الاعتراض، فكما ذكر الأستاذ بديع الزمان: “نحن نشكر من يرى نقائصنا ويُريها لنا – بشرط أن تكون حقيقية – ونقولُ له: جزاك الله خيرًا؛ إذ كما نشكر من إذا وجد عقرباً على عنقنا ويرميها عنا قبل أن تؤذينا ونقدم له أجزل الشكر والامتنان، كذلك نقبل ونرضى عمن يُرِينا نقائصنا وتقصيراتنا ونظل في شكر وامتنان له” (بديع الزمان سعيد النورسي: الملاحق، ص: 251)، فهذا هو النضج والكمال.

 

//

النفس والشيطان وأصحاب الأعراف

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: في آية: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ (سُورَةُ الأَعْرَافِ: 175/7) يتحدث القرآن الكريم عن شخص سيء الطالع، أصبح في نهاية أمره أحد الجامحين لأنه برغم ما أوتي من الآيات حتى يعثر على الحق والحقيقة، فإنه أعرض عنها واتبع الشيطان. فما هي الأسباب التي تجعل الإنسان يُنهي حياته نهاية حزينة على هذا النحو بعدما كان يسير في الطريق المؤدية إلى الحق؟

الجواب: يأتي في مقدمة أسباب الانحراف عن طريق الحق التي نسير فيها: نسيانُ حقيقةٍ مهمة هي أن هذه الحياة خُلقت من أجل الامتحان، وأن كل لحظة منها نخضع فيها للامتحان؛ ناهيك عن الانخداع بغوايات النفس والشيطان بسبب هذا النسيان. والأصلُ أن الإنسان في مواجهةٍ دائمةٍ مع آلية النفس، ومع الشيطان الذي لا يُعرف أين، ومتى، وبأي شكل سيتعرض له (أي للإنسان) ويخدعه. فهؤلاء الأعداء يدنون من الإنسان غالبًا في صورة أصدقاء، فيُظهِرونَ له الصوابَ خطأً، والقبيحَ حسنًا، والباطلَ حقًا، فيُضلّونه. وعلى الإنسان أن يظل يقظًا منتبهًا دائمًا في مواجهة وساوس النفس والشيطان حتى لا ينخدع بهذه الحِيَل. وإلا فإن لحظة واحدة من الغفلة ربما تسوقه إلى الوقوع في حيلٍ يصعب عليه تلافيها أو يستحيلُ.

ويمكنكم أن تعتبروا كل واحدة من جماليات الدنيا الجذابة -من حيث جانبها المتعلق بأنفسنا وأجسامنا- مادةً يستخدمها الشيطانُ الخَدّاع من أجل الخداع. أجل، إن الشيطان كعدو لدود، يُغري الإنسان بما لا يمكن أن يستهويه. في حين أن بعض الأشياء التي تعجبنا قد تكون -باعتبار النتيجة التي تؤدي إليها- سمًّا زعافًا وفقًا للآية الكريمة: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (سُورَةُ البَقَرَةِ: 216/2) وبتعبير آخر فإنه مهما أعجبَنا العسلُ السامُّ عندما نتذوقه واستطعمناه كثيرًا في أول الأمر؛ إلا أنه ربما يجعلنا نعاني مغصًا شديدًا بعد ذلك. وبالعكس قد يواجه الإنسان أحداثًا تبدو بالنظر إلى مظهرها الخارجي مضجرة مؤلمة، إلا أنه حين يتحمل ألمها ومعاناتها يبدو وكأنه يطير معها، ويصل إلى الروح والريحان. فمثلًا يُظهر الشيطانُ لكم أحدَ الأنهار الموجودة أمام بيتكم، والذي يمكنكم أن تدخلوا فيه وتتطهروا نهرًا مرعبًا جدًّا وعميقًا للغاية؛ غير أنكم حين تدرسون المسألة بالعقل السليم، والحس السليم، والقلب السليم وتتعرفون على حقيقتها وتدخلون في النهر ترون أن الماء لا يصل إلى كعوبكم، وأنه في الوقت نفسه يطهركم وينظفكم. وهكذا فإن الشيطان يسعى من جانب حتى يجركم إلى الشرور بحيله السلبية، بينما يريد من جانب آخر أن يمنعكم من الأعمال الخيرة بتضليل يبدو في الظاهر وكأنه إيجابي. لأنه، وكما عبر عن ذلك القرآن الكريم، “مسوِّلٌ”، و”مزيِّنٌ”؛ أي إنه يزيّن الذنوب للبشر.

انتهازيٌّ يترقب لحظة الغفلة

أجل، إن الشيطان عدو الإنسان اللدود يبحث دائمًا عن أوقات فراغ الإنسان، ويترقب الموضع الذي يستطيع أن يضربه منه، ونقاطَ ضعف الإنسان مثل الشهوة، والخوف، وحب المنصب، والولع بالمنفعة، وحين يجد فرصته يقلب الإنسان رأسًا على عقب، ويطرحه أرضًا.

ويعبر القرآنُ الكريم كيف أن الشيطان يُضمر للإنسان الحقد والضغينة، وكيف أنه يمتلئ بُغضًا وكُرهًا له فيقول: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ (سُورَةُ الأَعْرَافِ: 16/7-17).

ويُعبر بالشكل نفسه في سورة “ص” عن الحقد والبغض والحسد الدائم الذي يُكِنُّه الشيطانُ للإنسان؛ فيقول تعالى على لسان الشيطان: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (سُورَةُ ص: 82/38). وإذا ما وضعنا في الاعتبار كل هذه الكلمات وجميع آي القرآن الكريم المتعلقة بهذا الموضوع فإننا نستطيع القول إن همزات الشيطان ووساوسه هي التي تقف وراء جميع زلات الإنسان وانزلاقاته وسقطاته، وتصرفاته وسلوكياته غير المسؤولة تجاه الحق تعالى، وانتشائه، وقفزاته ووثباته في غفلة من أمره.

انخدع من اكتفى بما عنده

ولا جرم أنّه لا ينبغي للإنسان أن يقف من هذا العدو اللّدود  موقف أصحاب الأعراف، بل عليه أن يدلِّل بعقله ومنطقه وعقلانيته ومحكَمات الكتاب والسنة على صدق جميع القيم التي يؤمن بها؛ بمعنى أنه لا بدّ أن يحصِّن صرح الإيمان والتوكل لديه، ويلوذ بالعناية الإلهية؛ حتى يفوز ببشرى الآية الكريمة ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (سُورَةُ النَّحْلِ: 99/16). وبتعبير آخر: إن مَن يقنع بمكاسب البيئة الثقافية التي نشأ فيها، ولم يستطع أن يتطبَّع بالقيم التي يؤمن بها وأن يرقى بإيمانه إلى أفق الإيمان التحقيقيّ فلا مناص من أن يقع في حبائل الشيطان.

وهكذا يحدثنا القرآن الكريم كما ورد بالسؤال عن إنسان متردد مذبذَبٍ لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، فيقول: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ (سُورَةُ الأَعْرَافِ: 175/7).

ففي هذه الآية يقصّ علينا القرآن الكريم رحلةَ حياة إنسان خاسر حتى نستلهم منها العبرة والعظة. فرغم أن هذا الإنسان قد منحه الله الآيات البينات أي حُججًا وأدلة أو كراماتٍ ومعجزاتٍ تنفتح لها العيون والآذان ويصدُق بها اللسان ويُساق بها القلب إلى الفكر المستقيم، فإنه انسلخ منها واتبع هواه. نفهم من هذا أن ذلك التعِس مع كلّ ما لديه من مميزات إلا أنّه لم يستطع أن يحدد مكانه أو أن يضع قدميه على أرض صلبة، أي لم يتخلص من الأعراف.

وبتعبير آخر، وإن كان هذا الإنسان قد نشأ في بيئة صالحة إلا أنه لم يتخلق بالفضائل التي هيأتها له هذه البيئة. أجل، إن هذا التعِس وريثَ البيئة الثقافية لم يُجهد نفسه ولم يكابدْ حتى يدلِّل على صدق علمه وعقيدته، بل لم يُعمِل فكره بحقّ، ولم يطلق العنان لإرادته حتى يعيد صياغة عالمه العقائدي والفكري والشعوري من جديد، ومن ثمّ تعثر في الطريق وانقطعت به السبل، وأصبح من الخاسرين؛ ولم ينفعه معرفته بالاسم الأعظم واطّلاعه على أسرار الألوهية وأسرار الربوبية على حد قول بعض المفسرين؛ لأن هذه المعلومات لم تترسخ في داخله.

ومن ثمّ إن لم يتعهد المرء الأفكارَ التي ورثها عن أجداده بالإصلاح والتجديد ويعيد النظر فيما لديه من معلومات، ويتأكد من صحة هذه المعلومات، فهو معرّض في الغالب لأنْ يلقي الشيطانُ بذور الوسوسة والشكّ في داخله ويكدّر قلبه وعقله.

المواظبة على الجلسات الإيمانية

وبعد ذلك يكشف لنا الحق سبحانه وتعالى عن وضع هذا الشخص الذي لم يستطع أن ينجو من الأعراف بقوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ (سُورَةُ الأَعْرَافِ: 176/7). إنه استهوى الراحة والجسمانية والشهرة والتقليد والتصفيق والتهليل، وتعلّق بأهوائه وشهواته ونسي أن الله تعالى هو صاحب كلّ ما لديه من نِعَم؛ فلما نسي كلّ هذا أصبح هو أيضًا من المنسيِّين.

وبعد ذلك يقول الحق تعالى في شأنه: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ (سُورَةُ الأَعْرَافِ: 176/7). وبعد بضع آيات يقول: ﴿أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (سُورَةُ الأَعْرَافِ: 179/7). وهذا يعني أنّ مَن يتردى إلى مثل هذا الحال ينحطّ إلى مرتبة أدنى من مرتبة الأنعام.

وكما يُلاحظ فرغم أن الإنسانَ أشرف مخلوقات الله، والمرشح لكل رفعة وجلال، والذي تبوأ مكانة أعلى حتى من الملائكة، فإنه إن وقع وزلت قدمه فلا يقع على أرض مستوية، بل يهوي في هوّة سحيقة. بمعنى أنه إن أصبح أسيرًا لرغباته وشهواته ما استطاع الحفاظ حتى على مرتبة الإنسان العاديّ وتدنّى إلى مرتبة الحيوان.

وهكذا نجد القرآن الكريم ينحِّي مسألة الرقة واللطف في التعبير جانبًا لهول وعظم القضية التي يتحدث عنها، ويشبّه سلوك مثل هذا الإنسان بسلوك الحيوان.

خلاصة القول: إن لم يثبت المرء على الطريق الذي يسير فيه، ولم يتزود بزاد يؤهله للسير في هذا الطريق، ولم يكن لديه عزم وصمود على تجديد نفسه، ولم يتمسك بحقيقة “جَدِّدُوا إِيمَانَكُمْ.. أَكْثِرُوا مِنْ قَوْلِ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللّٰهُ” (مسند أحمد بن حنبل: 359/2) فمن المحتمل دائمًا أن يتعثر بإحدى هذه العراقيل.

وبناءً على ذلك ينبغي للإنسان أن يوجّه همّه للحفاظ على إيمانه بكل ما لديه من عزيمة وإصرار حتى يتسنى له تجاوز كل هذه العراقيل والوصول إلى الهدف المنشود، وأن يحيط نفسه بسياج منيعة، وأن يغذِّي روحه دومًا بالعمل الصالح والجلسات الإيمانية.

أنواع الابتلاءات

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: لا جرم أنّ الإنسان يتعرّض لأنواع شتّى من الابتلاءات، فما أخطرُ أنواعها على القلوب المؤمنة في وقتنا الراهن؟

الجواب: اقتضت سنّة الله سبحانه وتعالى أن يخضع الناسُ لابتلاءات شتى طوال حياتهم؛ حتى يميز الخبيث من الطيب والصالحَ من الطالح كما هو الحال تمامًا في استخلاص الألماس من الفحم، والذهبِ من الحجر والتراب. وفي الوقت ذاته فإنّ كلّ ابتلاء هو لإطْلاعنا على ماهية أنفسنا؛ بمعنى أن الله سبحانه وتعالى الذي يَعرف قدرنا وقيمتنا في الأزل يكشف لنا من خلال هذه الابتلاءات عن مدى مقاومتنا للمصائب والبلايا وكيفيةِ تعاملنا معها، وهل صبرنا عليها أم تملصنا منها، وهل تجلدنا وتحملنا أم وقفنا منها موقف المعارض؛ الذي يعارض وينتقد القدر الإلهي.

أجل، إن هذه الابتلاءات تُطْلعنا على حقيقة أنفسنا، وكما يقول الشاعر التركي يونس أمره: “إن هذا الطريق طويل، ومنازله كثيرة، وممراته مسدودة، ومياهه عميقة”. إنه بهذا القول يحدّثنا عن حقيقةٍ مفادها: أنّ الناس في حياتهم الدنيا سيظلون دائمًا في مكابدة وعناء ويخضعون للتمحيص والتنقية والانصهار كما يُصهر الحديد في المناجم.

شدّة الابتلاء بقدر عظمة الهدف

يقول تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (سُورَةُ البَقَرَةِ: 155/2). فالله تعالى يذكر في مستهلّ هذه الآية أن الناس في هذه الدنيا يخضعون لابتلاءات شتى، وبعد ذلك يزفّ البشرى لمن يصبرون على هذه البلايا والمصائب. فكما أن العبادات تَرفع مرتبة الإنسان فإن الابتلاءات التي تُعدّ من “العبادات السلبية”[1] هي أيضًا تطهِّر الإنسانَ من الآثام بشرط أن يصبر عليها، فترفعُه إلى أعلى المقامات وأسماها. بناءً على ذلك فإن على المؤمن أن يصبر إزاء ما يسوقه الله من ابتلاءات مختلفة ومتتابعة، ويتجلّدَ أمام كلّ ابتلاء يتعرض له، ويعتبرَ هذا الموقف فرصةً كي يواجه نفسه، ويراجعها مرةً أخرى، ويتساءل في نفسه: هل وقف من كل هذه الأمور موقف المؤمن “الناضج”؟

وثمة قاعدة مهمة تقول: “الغُنْمُ بالغُرْم”، أي إن المشقة والصعوبة تكون في النهاية على حسب الثواب والجزاء. ووفقًا لهذه القاعدة تختلف شدة الابتلاء تبعًا لقيمةِ وعظمةِ الهدف الذي ينشده الإنسان.

فعلى سبيل المثال، الاستشهادُ والتحليق نحو “مرتبةٍ أخرى من مراتب الحياة شرفٌ عظيم، ولكن لا يتأتّى هذا الشرف إلا بالجهاد في سبيل الله والتضحيةِ بالنفس ابتغاءً لمرضاته سبحانه وتعالى. ومن ثمّ ينبغي لمَن تعلق قلبه بغاية سامية ويحاولُ الإتيان بما تقتضيه هذه الغاية أن يتحمل في سبيله ويتجلَّدَ ويصبر أمام ما يحل به  من بلاء أو مصيبة مهما كان نوعها، بل ويواصلَ حياته على الرغم من نفسه.

وأستبيحكم عذرًا هنا لنتوقف قليلًا حتى نصغي لهذه الكلمات من الأستاذ النُورْسي رحمه الله: “لم أذق طوال عمري البالغ نيّفًا وثمانين سنةً شيئًا من لذائذ الدنيا؛ قضيت حياتي في ميادين الحرب، وزنزاناتِ الأَسر، أو سجون الوطن ومَحاكمِ البلاد. لم يبق صنف من الآلام والمصاعب إلا وتجرعته. عوملتُ في المحاكم العسكرية العرفية معاملة المجرمين، ونُفيت وغُرِّبْتُ في أرجاء البلاد كالمشردين. وحُرِمْتُ من مخالطة الناس في زنزانات البلاد شهورًا. وتعرضت للتسميم مرارًا. وتعرضت لإهانات متـنوعة. ومرت عليَّ أوقات رجَّحْتُ فيها الموت على الحياة ألف مرة. ولولا أن ديني يمنعني من قتل نفسي، فلربما كان سعيد ترابًا تحت التراب” (بديع الزمان سعيد النورسي، السيرة الذاتية، ص: 457).

أجل، لما كانت الابتلاءات التي تعرّضَ لها الأستاذ النورسي قاسيةً إلى هذا الحد رفعه الله تعالى إلى ذروة الكمالات الإنسانية. ولا ندري لعل الله تعالى، لصبره رحمه الله على الابتلاءات والمصاعب التي تعرّض لها جعله الله هاديًا ومرشدًا لمن خلفه تفضلًا منه وتكرمًا وإحسانًا.

هناك من تعثرت بهم الطريق

إنّ حياة الإنسان من أولها إلى آخرها تعد سلسلةً من الابتلاءات. والإنسان لا يُبتلَى في هذه الدنيا بالبلايا والمصائب فحسب، بل يُمتحن كذلك بالنعم والمكتسبات المادية والمعنوية.

أجل، إنّ الإنسان قد ينزل منازل ويمر بمراحل في حياته، بعضها يبهره، والبعض الآخر يسوقه -حفظنا الله-  إلى أن تزلّ قدمه، بل إنّ بعض الفيروسات والميكروبات التي تَعْلَق به في هذه المقامات والمنازل تتسلط على حياته المعنوية. باختصار: إن الإنسان عند مروره بمثل هذه المقامات والمناصب يُبتلى أحيانًا بالراحة والرفاهية وأحيانًا بالصيت والشهرة، وأحيانًا بالمقام والمنصب، وأحيانًا أخرى بتصفيق الناس وتبجيلهم.

ويَضرب الإمام الغزالي عدة أمثال على الابتلاءات التي يواجهها الإنسان[2] ما ملخصها: إن الإنسان يسلك طريقه بكلّ عزم وتصميم إلى بلدة جميلة كالجنة؛ لأنه أُخبِر مسبقًا بالجماليات الرائعة الخلابة لهذه البلدة، ولكن يعترض طريقه مكانٌ مريح لطيف يخرّ فيه الماء وتحفّ فيه الأشجار وتغني فيه الطيور وتدعوه الظلال إلى الركون والراحة، فينسى البلدة التي يسعى إليها، ويقرر البقاء في هذا المكان، ويقوم من فوره ببناء كوخ والإقامة فيه”.

إن هذا المثال يعبّر بشكل وجيز وملفت للنظر عن رحلة الإنسان في هذه الحياة.

وهناك صوَر أخرى من الابتلاءات في منازل حياة الإنسان غير ما ذكرنا، بمعنى أنه سيظل طوال الطريق يتعثر بكثير من الأشياء بالإضافة إلى الاستكانة إلى الدعة والراحة والولع بهما، والحال أنه لا يتأتى بلوغ الجنة والوصولُ إلى رضا الله دون اجتياز هذه المراحل.

الطمع في الثروة

ومن أهم هذه النوعية من الابتلاءات التي يُتعرض لها في الحياة الدنيا الرغبةُ في المتاع والملك، والطمعُ في المال. بل يمكن القول: إنها ظلت أكبر نقاط الضعف للغالبية العظمى من الناس على مرّ التاريخ. وهي الحقيقة التي عبر عنها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في الحديث النبوي الشريف: “لَوْ أَنَّ لِابْنِ اٰدَمَ وَادِيًا مِنْ ذَهَبٍ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَادِيَانِ وَلَنْ يَمْلَأَ فَاهُ إِلَّا التُّرَابُ وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ تَابَ” (البخاري: الرقاق، 10؛ مسلم: الزكاة، 116) أجل، إن الاستكثار من المال بشره وطمع لا ينقطع، والسعيَ إلى امتلاك شركات ومجموعات قابضة أكبر حجمًا، ومحاولةَ السعي لامتلاك كل شيء نقطةُ ضعف لدى غالبية الناس. والواقع أن الذي يقف وراء الكثير من الصراعات والاشتباكات الجارية في المجتمع اليوم هو السباق على المصالح من هذا القبيل.

وعندما تعرَّض محي الدين بن عربي للضغط والتضييق ذات مرة في دمشق ضرب رجله على الأرض قائلًا: “إلهكم الذي تعبدونه تحت قدمَيَّ. “ويَعتبر البعضُ كلماته هذه سببًا لتكفيره، والحال أنه يرى أن مخاطبيه شُغفوا بالمال؛ مَثلهم في ذلك مثل قارون، وصاروا وكأنهم بدؤوا يعبدونه. أما  فقد تبين بعد زمن طويل أنه بقوله: “الإله الذي تعبدونه”،  قصد كنزًا عظيمًا كان مدفونًا تحت موطئ قدميه.

والحقيقة أن الكثيرين في يومنا الحاضر -للأسف- يُهلكون أنفسهم في هذا السبيل؛ إذ يمكنكم أن تروا كثيرًا من عُبّاد الدنيا دخلوا هذا الطريق بفكرةِ: “ليكن لديَّ بيت”، ويعيشون وهم تسيطر عليهم فكرةُ “لا بد أن أشتري بيتًا لابني أيضًا، وأمتلك آخر لابنتي، ويجب أن يمتلك حفيدي فيلَّا…”. بل ربما تتقابلون مع أناس بدؤوا طريقهم لأجل الخدمة في سبيل الله، ثم هرولوا وراء هذه النوعية من الرغبات لدرجة عبادة المال، حتى إن بعضًا من هؤلاء لا يكتفون بالرواتب التي تعطى لهم، فيتركون الخدمات الضرورية جدًّا بالنسبة للدين والأمة ِكي يربحوا أموالًا أكثر، وهكذا ينخرطون في طريق أهل الدنيا تاركين الطريق الذي سار فيه السلف الصالح.

الولع بالشهوات

إن الولع بالشهوة ابتلاء آخر من الابتلاءات الخطيرة الصعبة في يومنا الحاضر بصفة خاصة. فمع أن مصيبة الشهوة كانت عنصر امتحان صعب على مرّ تاريخ الإنسانية فقد صارت اليوم امتحانًا أكثر خطورة.

وهناك حكاية يحكيها مولانا جلال الدين الرومي في مثنويّه تتعلق بالشهوة: يطلب الشيطان من الله ما يستطيع استخدامه لإغواء البشر، ويضلهم به؛ فيعطَى الثروةَ، والمنصب، والشهرة… غير أنه لا يرضى بأي منها، وفي النهاية يُعطَى القدرة على استخدام المرأة ضد الرجل، والرجلِ ضد المرأة، فيُسرُّ به كثيرًا.

ورغم أن هذه الحكاية لم ترد في المصادر الأصلية، إلا أن الأمر المهم هو تلك الحقيقة التي عبرتُ عنها. أجل، إن الشهوة هي أهم عنصر من عناصر الامتحان في الدنيا بالنسبة لبعض الطبائع. ويمكن ربط هذه الحقيقة بالحديث النبوي الشريف القائل: “حُجِبَتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ وَحُجِبَتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ” (البخاري: الرقاق، 8؛ مسلم: الجنة، 1) أجل، فالطريق المؤدية إلى الجنة طويلة، مراحلها كثيرة، وتقطعها السيول وأنهار الدم والصديد، في حين أن في السبيل المنتهية إلى جهنم ما يروق النفس مثل الأكل، والشرب، والسعي وراء رغبات النفس. ومن وقع فيها انساق واندفع خطوة فخطوة إلى أسفل سافلين دون أن يشعر على الإطلاق.

الرغبة في الشهرة

إن السعي وراء التقدير، والمنصب، والمكانة، وربطِ الأشياء المنجَزة بتقدير الناس واحدٌ من بين الامتحانات التي خسرها الكثيرون. فالشهرة التي ذكرها الأستاذ بديع الزمان في رسالته المسماة: “الهجمات الست” باسم: “حبّ الجاه”، وشبَّهها في “المثنوي النوري” بالعسل المسموم واحد من نقاط الضعف المهمة التي قد يعلق بها بعض الناس. وينبغي ألا يُنسى على الإطلاق أن الإنسان الضعيف لدرجة أنه يحاول نقل بلاهة الشهرة إلى الآخرة لن يتوانى عن فعل أي شيء في الدنيا من أجل الحصول على الشهرة.  

اللهم احفظنا جميعًا من التردي في تلك الوهاد القاتلة، ويسر لنا الانتقال إلى الآخرة بتأشيرة الإيمان وشعور الإحسان.


[1]  والمقصود بسلبية العبادة هو أن المصيبة تكفّر خطايا المؤمن مع أنه لم يقم بأي عبادة بإرادته، فالمراد بالسلبية هنا العَدَمية، فكأن تكفير الذنوب يترتب على العدم وهو الحرمان من الصحة واللذائذ والراحة ونحوها، بالإضافة إلى أنه يؤجر عليها إن صبر.

[2]  إحياء علوم الدين، 3\214-219.

الاستغفار-2

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ما أصول وآداب الاستغفار الذي هو بمثابة بوتقة تطهير وتزكية للقلوب المؤمنة؟

الجواب: على العبد عند الشروع في الاستغفار أن يتذكّر بدايةً جلالَ الله وعظمتَه، ولا ينفكّ عن التعظيم والتكبير والتسبيح له جلّ في علاه.

وثمة روايات كثيرة عن سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في هذا، تدل في جملتها على ندب البدء في الاستغفار بهذه العبارات: “اَللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ للهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، لَا إِلٰـهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، نَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ“.

وبعد تمجيد الله وإجلاله وتعظيمه يُستحسن لِقبول الاستغفار الصلاةُ والسلامُ على سيد السادات (صلى الله عليه وسلم)؛ لأن الصلاة والسلام على سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) دعاء مستجاب، وأن الصلاة والسلام على رسول الله فرصة عظيمة للمؤمن ووسيلة مهمة لعقد صلة بينه وبين مفخرة الإنسانية (صلوات ربي وسلامه عليه). ومن ثمّ فإن التوجه إلى الله تعالى استشفاعًا بالصلاة على سيد الأوّابين (صلى الله عليه وسلم) قبل الشروع في الاستغفار يعدّ وسيلةَ قربٍ أخرى إلى الله عزّ وجل.

وقبل أن نستغفر لأنفسنا يحسن الاستغفار لأمة محمد مثلما نفعل في صلاة الحاجة، مثلًا نقول: “اَللّٰهُمَّ اغْفِرْ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ، اَللّٰهُمَّ ارْحَمْ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ” هذا دعاء “الأبدال” صباح مساء، وطلبُ الخير لأمة محمد (صلى الله عليه وسلم) وسيلة لقبول الاستغفار، بل إن شئتم فعدّوا أنفسكم من أعتى العصاة في أمة محمد (صلى الله عليه وسلم)، وصدّروا الدعاء بقولكم: “اَللّٰهُمَّ اغْفِرْ لِي وَاغْفِرْ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ، اَللّٰهُمَّ ارْحَمْنِي وَارْحَمْ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ” (صلى الله عليه وسلم).

طلب المغفرة بأحسن الحديث

وللعبد بعد هذه الديباجة أن يتوجّه إلى الحقّ سبحانه وتعالى بأمثال الآيات التالية، طمعًا في غفران ذنوبه وخطاياه: ﴿لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ: 87/21)، ﴿انِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ: 83/21)، ﴿رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ (سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ: 118/23)، ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ (سُورَةُ القَصَصِ: 16/28)، ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ (سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ: 41/14)، ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 147/3).

ومع أدعية القرآن وردت أدعيةٌ رائعة في السنة الصحيحة في الاستغفار أيضًا، منها مثلًا: عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي، قَالَ: “قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ” (البخاري: الدعوات، 16). يُدعى بهذا الدعاء في السجود وبعد التشهد وفي مقام الاستغفار.

وروي عن سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) دعاء سمَّاه (عليه أكمل التحايا) “سيد الاستغفار”: “اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ” قال (عليه الصلاة والسلام): “مَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ؛ وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ“. (البخاري: الدعوات، 2).

تَضرَّعْ حتى تشعر بالتطهّر

وللإنسان أن يسجد ويكثر من الدعاء الآتي حتى يضنيه التعب والجهد ويشعر بالتطهر والاطمئنان في قلبه: “يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ أَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ وَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْن“. وزاد بعضهم: “ولا أقلّ من ذلك”.

ويستحب للعبد أن يدعو بهذا الدعاء بوصفه نفحةً من نفحات قلبه وقد كان يردّده رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إذا استيقظ من الليل: “سُبْحَانَكَ اللّٰهُمَّ أَسْتَغْفِرُكَ لِذَنْبِي وَأَسْأَلُكَ رَحْمَتَكَ، اَللّٰهُمَّ زِدْنِي عِلْمًا وَلَا تُزِغْ قَلْبِي بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنِي وَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ” (سنن أبي داود: الأدب، 108).

وعلى كل إنسان أن يلاحظ أخطاءه، وعيوبه، وذنوبه وينقدها بما يلائم مكانته الخاصة؛ فيسبح الله تعالى ويستغفره آلاف المرات يوميًّا. فمثلًا يُروى أن أبا هريرة (رضي الله عنه) كان يسبح الله اثنتي عشرة ألف مرة في اليوم، فلما سألوه قال: “أسبّح بقدر ذنبي” (ابن حجر: الإصابة، 360/5).

وإنني لا أظن أنه اقترف ذنبًا ما، ذلك الأَسَد الذي قدِم من دَوْسٍ والتحق بأصحاب الصُفَّة، وعاش مدةً طويلةً في حضرة مفخرة الإنسانية، وهو أكثر من روى عنه (صلى الله عليه وسلم)، فصار بعد رحيل رسول الله المنهل العذب المورود الذي يرِد إليه الناس جميعًا، غير أنه كان يرى الاستغفار ضروريًّا باعتبار أفقه الخاص. فحين نضع نُصْبَ أعيننا حياتنا الحالية التي اخترقتها الذنوب فإننا وإن استغفرنا الله ثلاثين ألف مرة في اليوم فهو قليل.

زد على هذا أنه يمكن اتخاذ استغفارات الأكابر المذكورة في “القلوب الضارعة” وردًا. فمثلًا الإمام الحسن البصري كان إنسانًا عميق الغور بقدر يحير العقول، وكان يحاسب نفسه بشكل جاد. ويمكنكم أن تقرؤوا ورده في الاستغفار مقسّمًا على أيام الأسبوع كما كان يفعله؛ إذ يبدأ الاستغفار بالصلاة والسلام على النبي المصطفى ثم يعدد ما يعده ذنبًا لنفسه، ويختم دعاءه بالصلاة والسلام أيضًا. والحقيقة أنه لم يكن العصرُ الذي عاش فيه ولا طبيعتُه ملائمين لاجتراح تلك النوعية من المساوئ؛ أجل، لا يمكن لإنسان يعبد الله صباح مساء، ونذر حياته للكفاح في سبيل الحق أن يقع في هذه النوعية من الذنوب؛ ولا ندري، فربما أنه كان يتوب إلى الله متضرعًا ويستغفره متحرقًا على ما يخطر بباله، ويمرّ بخياله. وكما أننا لا نسبق الحسن البصري في أمر الدين ولا نتفوق عليه، فلسنا أقل منه خطأً، ولذلك فإننا وإن كررنا مرتين كل ليلة تلك الأدعية التي كان يقرؤها في الليلة مرةً واحدةً فإن هذا قليل.

وعلى الإنسان أن يصلي ويسلم على سيد السادات (عليه الصلاة والسلام) حين يختم التضرع والتذلل الذي ينصبّ من قلبه على لسانه وهو في مقام الاستغفار مثلما يفعل حين يبدأ، فلا أرجى في القبول من دعاء بين دعاءين مقبولين، فعلى الإنسان أن يصلي ويسلم على الرسول الأكرم (صلى الله عليه وسلم) مرةً أخرى في نهاية دعائه، حتى يطير استغفاره بين دعاءين مقبولين ويبلغ معارج القبول.

وأخيرًا أقول: كلّ كلمة يُتفوه بها في مقام الاستغفار ينبغي أن تُقال عن وعي وشعور، وذلك أن الكلمات التي تُقال في غفلة وبلا وعي، سوءُ أدب مع الحق تعالى، وربما تكون كذبًا. وعليه فإنه ينبغي أن تنبع وتأتي من أعماق القلب كلّ كلمة تُقال، ولا بد أن تترك كل واحدة منها أثرًا حيث تمر؛ حتى إنه يجب على الإنسان حين يبوح بهذا الوعي بما في داخله إلى الحق تعالى ويطلب المغفرة أن يتلوى حياءً من ذنوبه، ويقشعر ندمًا وحسرةً، فيصبح وكأن قلبه سيتوقف عن العمل.

الاستغفار

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ما الذي تؤمّله القلوبُ المؤمنة من الاستغفار، لا سيما في أيامنا هذه التي تفشّت فيها الذنوبُ في كلّ الأنحاء وكأنها مرض معدٍ؟ وهل هناك أوقاتٌ معينة يحسُن تحرّيها خاصة للاستغفار؟

الجواب: قد ورد في حديثٍ عن سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم): “مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ” (البخاري: القدر، 3؛ مسلم: القدر، 6). والمقصد الأصلي من التكاليف الشرعية هو الحفاظ على هذه الفطرة الأصلية التي فطر الله الناس عليها. بمعنى أن الإنسان مكلّفٌ بالحفاظ على الفطرة الأصلية التي وهبها الله له حتى وفاته.

وكما أنّ كلّ الأمور التي تدخل في إطار “المُنْجِيات” تهدف إلى حماية الفطرة الأصلية، فكذلك ترمي كلُّ “المُهْلِكات” إلى إفساد الفطرة الأصلية. ومن ثمّ لا بدّ للإنسان من إقامة حصون منيعة لمجابهة الذنوب المهلكة من ناحية، ومن ناحية أخرى أن يتحرى الأعمالَ الصالحة دائمًا؛ ويبحثَ عن وسائل للمحافظة على فطرتها دون أن يعرِّضها للتلوث والفساد.

إن كلّ ذنبٍ نوع من الفساد للطبيعة الإنسانية، ولا يتأتى إعادة إنسان تعرض لمثل هذا الفساد إلى طبيعته الأصلية إلّا بالاستغفار. وبعبارة أخرى إن الذنوب تُحدث تغيّراتٍ سلبيةً في ماهية الإنسان، حتى يغدو القلب الملوث بالآثام لا قدرة له بمرور الوقت على القيام بوظيفته، فضلًا عن ذلك فإنّ كل ذنب يُبعد الإنسانَ عن الله ويقرّبه إلى الكفر؛ وبالاستغفار وحده يستطيع الإنسان أن يتخلص من الآثام التي تقرّبه إلى الكفر وأن يمحو الأوساخ والنّكات السوداء التي نُكتت في قلبه.

الطب الوقائي

الأصل أن يتّخذ الإنسانُ في البداية موقفًا حازمًا إزاء الذنوب والآثام، فلا يدنو ولو إلى أصغرها. وفي هذا الصدد ينبغي له أن يسعى إلى تهيئة جوّ نقيّ طاهرٍ يجنّبه الوقوع في الآثام، كما عليه أن يفرّ فراره من الأسد من ذلك الجو الذي يُغريه بالمعاصي. وما يتيسر هذا إلا لقلبٍ مؤمنٍ يشعر في وجدانه بأنه يتدحرج في نار جهنم عند كل ذنب يقترفه، فالقلب الذي لا يشمئز من الذنب يُعد ميّتًا.

أجل، إن القلب إنْ لم يُبدِ أيّ ردّ فعلٍ تجاه الذنوب، ولا ينزعج من المعاصي، ولا يجافيه النوم بسبب ما ارتكبه من أخطاء، فهو كالجسد الميت. فالقلب المؤمن يستنكر الذنوب لا محالة، والاستغفارُ أول عملية يجب فعلها تجاه الذنوب.

إنّ قول الإنسان “أستغفرُ الله” بصيغة المضارع يعني: “اللهم إني أرجو عفوك وغفرانك الآن وفيما بعد طوال حياتي”.

أجل، إن استعمال صيغة المضارع التي تدل على الزمن الواسع بدلًا من صيغة الماضي له مغزًى عميق جدًّا؛ حيث إن الإنسان بهذه الصيغة يعمّم طلب المغفرة مِن ذنبٍ ارتكبه في الماضي على المستقبل كله.

في الواقع قد يغفر الله ذنوب عبده باستغفارة واحدة منه. لكن على الإنسان ألا يكتفي بطلب المغفرة مرةً واحدةً من أجل عثرات يديه وعينيه وأذنيه، بل لا بدّ أن يشعر طوال عمره بالندم على الذنب الذي اقترفه وإن كان ذنبًا واحدًا، ويتوجه إلى الله قائلًا: “اللهم إني أستغفرك الآن، وسأظل أطلب غفرانك طوال عمري، فطلبُ المغفرة منك مرةً واحدةً لا يكفي، ولكن كما أنني أطلب غفرانك الآن فسأظل على طلب غفرانك والإحساس بالندم على ما ارتكبته من ذنبٍ طوال عمري، اللهم اغفر لي”.

أجل، ينبغي للمؤمن أن يفكر عند كلّ ذنب يقترفه أنّ من العيب الفظيع أن يسلك طريق السيئات رغم أن الله هداه إلى طريق الحسنات، وأن يعرف أنّ من القباحة أمام وعد الله له بالجنة أن يستغرق في طريق الآثام ويغضّ نظره عن هذا الوعد، بل عليه أن يشعر بالخجل، ويتوجه إلى الله بدوام الاستغفار، فيستغفر ربه على ذنبٍ واحدٍ عشرةَ آلاف مرة، بل ألف ألف مرة، ويستشعر بهذا في وجدانه.

إكسير يستأصل شأفة النزعة إلى الشرّ

وكما أن الاستغفار يُعيد إعمار الفطرة المخرَّبة فهو في الوقت ذاته يستأصل شأفة النزعة إلى الشرّ؛ لأن مواظبة الإنسان على التطهر بالاستغفار لا تسمح لتشكُّل أرضية تدعوه إلى ذنب جديد، بمعنى أنّ قلبه يتخلى عن أي فيروس يستدعي الميكروبات الأخرى.

فضلًا عن ذلك فلربما يُضعف الله بصورة لا نعرفها نزعةَ الإنسان إلى اقتراف الذنوب والآثام. يقول تعالى: ﴿مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (سُورَةُ الفُرْقَانِ: 70/25) ففي هذه الآية يبشّر الله عباده الذين يتوجهون إليه بالإيمان والعمل الصالح والاستغفار والتوبة بأنه سيبدّل سيئاتهم حسنات. أجل، بتوجهِ الإنسان إلى الله يمحو الحقُّ تبارك وتعالى ما في صفحات كتاب هذا الإنسان وسطوره من آثام اقترفها، وحتى لا تظلّ تلك الصفحات فارغة يملؤها ربنا تبارك وتعالى بواسع رحمته بالحسنات. وهذا تجلٍّ آخر لرحمته التي تسبق غضبه.

وللأستاذ بديع الزمان رحمه الله تفسيرٌ آخر لهذه الآية، فيذكر أن الله تعالى يبدّل نزعات الشرّ لدى الإنسان الذي يتوجه إليه بالتوبة والاستغفار بنزعات إلى الخير. أي إن توجَّهَ العبدُ إلى الله بعد أن اقترف ذنبًا وتاب إليه توبةً نصوحًا قال الله له: “بما أنك رجعتَ إليَّ فسأنعم عليك بتبديل نزعات الشرّ لديك بنزعات إلى الخير”.

أوقات مهمة للاستغفار

يُسنّ الاستغفار ثلاث مرات عقب الصلوات المفروضة (مسلم: المساجد، 135). هناك أمران يكشفان عن سبب فضيلة الاستغفار عقب أداء أحبِّ العبادات إلى الله والوصولِ إلى أقرب ما يكون العبد من ربه:

أولهما: أن عدمَ تركيز الإنسان في الصلاة، وتجولَه في عالمه الخاص، وانشغالَه بالأمور الدنيوية دون أن يستشعر حضوره بين يدي الله تعالى… هذه التصرفات التي تمارس في عبادة تعتبر معراجًا للعبد سوءُ أدبٍ مع الله. ما يجب بين يدي الله تعالى هو أن يهرول الإنسان سعيًا وراء المشاعر التي أحسّ بها سيدُ السادات (صلى الله عليه وسلم) في المعراج؛ لذلك إنّ تصرفات الإنسان دون وعي أو مبالاة لَيتطلب الاستغفار.

ثانيهما: إن الأدعية التي تُردد عقب الصلوات لها قيمة وقبول خاص؛ إذ إنها -أي الصلاة- مقام يُقبل فيه الدعاء والتضرع، لذا وصّى سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بالاستغفار والتوجه إلى الله في هذا المقام لبيان الحاجة إلى التطهر من الذنوب، فالصلوات الخمس بهذه الجهة قاعدةٌ وفرصة مهمة للاستغفار.

ولعل من أهم هذه الأوقات ما أشارت إليه الآية الكريمة: ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِاْلأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (سُورَةُ الذَّارِيَاتِ: 17/51-18) فهذه الآية تجذب الانتباهَ إلى فترة زمنية مهمة بالنسبة للاستغفار. حيث إنّ الآية تُثني على المؤمنين الذين يقومون بالأسحار يستغفرون الله، ويجأرون إليه تعالى، ويطيلون السجود وكأنهم ينسون أن يرفعوا رؤوسهم منها، وترفَعُ هذا الثناء إلى أهل السماء والروحانيين وجميع المؤمنين؛ ومن جانب آخر تدل المؤمنين على هدف؛ لأن ما ورد في القرآن والسنة من أوصاف المؤمنين يُعد تقديرًا من ناحية لأصحاب تلك الأوصاف، ومن ناحية أخرى وضعُ هدفٍ أمامهم ينبغي للكل وصوله. فإن القيام في وقت السحر والناسُ نيامٌ، وتقديمَ العبودية لرب العالمين بصلاة التهجد ولو ركعتين، والاستغفارَ بعدها مهمٌّ في تلك الدقائق خاصة حين لا يرى الإنسانَ أحدٌ.

ومن جانب آخر فإن الأوقات التي يرقّ فيها قلب الإنسان ويشعر في قلبه بثقل ذنوبه وتفيض مشاعره لا بد وأن تُستغل استغلالًا جيدًا من أجل الاستغفار، لأن تلك اللحظات تهبّ فيها نسائم القرب.

وسرعة التوجه إلى الحق تعالى عقب كل خطأٍ وذنبٍ يُرتكب تعتبر استغلالًا للحظة الأولى التي يُدرك فيها الإنسان أنه خطا خطوةً نحو الذنوب، وهذه اللحظة مهمة بالنسبة للاستغفار. وذلك لأن الذنب يشبه دُوامةً وفي نفس الوقت يجعل الإنسان مدمنًا له. ولذلك لا يمكن لأي إنسان يغوص في الذنوب أن يتخلص منه، بل إن الشخص الغارق في مختلف الآثام والشرور ربما يتمنى مع مرور الوقت أن لو لم تُحرّم تلك الذنوب؛ وذلك إن لم يعزم على الخروج من ذلك المستنقع عزمًا حقيقيًّا وعجز أن يعطي إرادته حقها؛ وهذا يعرّض الإنسان لمصيبة اعتقادية. وهلك من هلك عامةً بسبب تلك النوعية من الملاحظات، لذا فمن الأهمية بمكان أن يرجع الإنسان على الفور عن الذنوب التي وقع فيها قائلًا: “إن هذا الطريق يؤدي إلى المستنقع، وبعد بضع خطوات ربما أصل إلى موضع يستحيل الرجوع عنه”.

وأخيرًا، إن الأوقات المذكورة وإن شكّلت فرصةً للاستغفار، إلا أنه لا يُشترط تخصيص وقت معيَّن له، ولا يصح على الإطلاق حصرُ الاستغفار على هذه الأوقات، إن الإنسان يستطيع طلب العفو والمغفرة في كل وقت: صباحًا ومساءً، ليلًا ونهارًا، ويستطيع أن يستفيد بكل لحظة من لحظات عمره فرصةً للاستغفار. أجل، إن الإنسان يستطيع حين يجد الفرصة أن ينزوي جانبًا، ويستغفر الله في أيّ وضع كان، راكعًا أو ساجدًا أو جاثيًا، ويتوجه إليه تعالى بالتوبة؛ بل في كل أحواله: عندما يذهب من مكان إلى آخر، أو يقود سيارته، أو ينتظر أحدًا… بوسعه أن يبوح بكل ما في داخله إلى الله تعالى بأي شكل من أشكال الاستغفار. والأصل أن يستغل الإنسان كل لحظات حياته في هذا السياق، لأن الموت يأتي بغتةً، واستقبال الموت بشفاه مرطبة بالاستغفار وسيلةٌ مهمة للغاية لارتحال الإنسان إلى الآخرة طاهرًا مطهَّرًا.

وقتُ الإنصات إلى أرواحنا: الأشهر الثلاثة

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: هلّا أسديتم لنا نصيحةً نتمكّن بها من الاستشعار بنشوة الأشهر الثلاثة المباركة، والاستفادة الحقّة من أجوائها الروحية والمعنوية؟

الجواب: ننوّه بدايةً بأنّ الأشهر الثلاثة هي أعظمُ الأوقات المباركة؛ ففيها قد يصبح المرءُ أقربَ إلى الله تعالى، ويغدو أهلًا لأن يتغمّده الله بواسع رحمته، فينسلخ من ذنوبه ويسيح في أفق القلب والروح.

والحقّ أنّ المرء في حاجة دائمة كلّ عام إلى فترة نَقاهة سماوية، يزكّي فيها نفسه، ويربّي روحه، ويصفّي قلبه. وهذه الأشهر المباركة من أكبر الوسائل لتحقيق هذا.

ولا جرم أنّ التخلص من الأعباء الجسمية والنفسية في هذه الأوقات المباركة والارتقاءَ إلى أفقٍ معين والوصول إلى مستوى معين يتطلّب بدايةً إجراءَ عملية خطيرة من التفكّر والتذكّر، غير أنّه لا بدّ عند إجراء هذه العملية من أن يَفتح المرءُ قلبَه وروحَه باستمرارٍ على المعنويات. بمعنى أنّ عليه محاولة فهم المسائل الإيمانية والقرآنية بملكاته الذهنية والعقلية عن طريق المدارسة والمذاكرة، وعليه أيضًا أنْ يعبّ شيئًا فشيئًا من سيل الأنوار والمعنويات الهادرة عليه.

التوجّه يُقابَل بالتوجّه

لا يزال كثير من الناس يتفوهون بطيّب الكلام وأروع البيان حول هذه الأشهر المباركة ولياليها وأيامها وفقًا لمستواهم وسَعة أفقهم، لافتين الأنطار إلى جمالياتها التي تقوّي حياة المؤمن.

والوقوف على هذه المؤلفات التي تُقدَّر قيمتُها بالكنوز كلمةً كلمةً، وتحليلُها وفهمُها واستيعابُها بالمدارسة والمناقشة له أهميةٌ بالغة في فهم واستشعار الواردات والفيوضات التي تنهال على الإنسان بفضل هذه الأشهر المباركة.

أجل، لا بدّ من تجنّب القراءة السطحية الشكلية ومن سبر أغوار المسألة حتى تتحقق الاستفادةُ الكاملة من هذه المؤلفات المتعلقة بالأشهر الثلاثة، وإلّا تعذّر على المرء أن يستفيد تمام الاستفادة ممّا قرأه أو سمعه.

ولا يستطيع المرء أن يتلذذ ويستشعر بحقٍ بجماليات هذه الأوقات المباركة وأذواقها ولذائذها التي يجد صداها في قلبه إلا بعد أن يعرف ويضع في حسبانه أنها أشهُر جمع الغنائم، وبعد أن يستغلّها بليلها ونهارها ولا يضيّع ولو لحظةً فيها.

فمثلًا إنْ لم يعزم المرء ويصمّم على قيام الليل ولم يتوجه إلى الله ولم ينهل من فيوضات الليالي فمن المتعذر أن يشعر بعمق جماليات هذه الأشهر المباركة أو يتلذّذ أو يستمتع بها.

أجل، إن لم يبدأ الإنسانُ هذه الأشهرَ بشدٍّ معنوي قوي ولم ينذر نفسه للعبادة استشعارًا بحقّ العبودية ولم يفرّغ نفسه تمامًا لهذا الأمر فلن يمكنه استشعار ما في هذه الأوقات المباركة وإن انهمرت عليه معانيها بغزارة، بل قد يقيّم أقوال الآخرين حولها حسب إدراكه واستعداده، ويعتبرها متكلّفةً خياليةً.

أجل، إن استشعار الفيوضات التي تغمرنا من رأسنا إلى أخمص قدمينا في هذه الأشهر المباركة مرهونٌ بدايةً بالإقرار بها والإقبال عليها؛ لأنّ التوجّه يُقابَل بالتوجّه، فإن لم تُقبِلوا على هذه الأشهر بروحها ومعناها فلن تفتح لكم أبوابها، بل إنّ الكلمات الرنّانة البراقة التي قيلت حولها تنطفئ وتذبل في أنظاركم وكأنّها جسدٌ لا روح فيه ولا حياة. بل إنّ عبارات ابن رجب الحنبلي التي تلامس الوتر الحساس وأقوال الإمام الغزّالي التي تبعث العشق والشوق في القلوب لا تجد صداها في قلوبكم؛ لأنّ الكلمة لا يكون لها وقعٌ أو تأثير إلا إذا انفتحتْ لها عقول المخاطبين وإدراكاتهم وصدورهم بما يتناسب مع قيمتها.

ومن ثمّ ينبغي للمرء أن يتبنى هذه المسألة وأن يصبح رجبيًّا وشعبانيًّا ورمضانيًّا. أجل، على المرء أنْ يتوحّد مع هذه الأوقات السعيدة حتى يتسنّى له استشعار وإدراك ما تبثّه في روحه. وإلا فإنْ ظللتم كما أنتم ولم تنأوا بأنفسكم عن السطحية ولم تحقّقوا في ماهية هذه الشهور فستدخل هذه الكلمات الجميلة التي تدور حولها من أُذُن وتخرج من أخرى.

وعلى ذلك فإنّ الذي يُقبل على سفاسف الأمور ولا يسعى إلى تجديد نفسه في موسم الغنائم هذا، ولا تتّسم أفعاله وسلوكياته بالجدّية والاتّزان فمن الصعب جدًّا أن يستفيد من مثل هذه الأوقات المباركة.

البرامج المناسبة للأوقات المباركة

وللمسألة جهة أخرى تتعلق بالروح الاجتماعية والقبول العام في المجتمع. والواقع أن الشعورَ والإحساسَ بسعة هذه الأشهر وعمقها الحقيقي حظُّ الأشخاص المحلّقين في أفق القلب والروح. والحق أن مجتمعنا يعرف عامةً قدر هذه الأشهر الثلاثة وبركتها بمقدار معين، فيذهب إلى المساجد، ويتوجه إلى الله تعالى. ويمكن الاستفادة من هذا الوضع بوصفه وسيلة مهمة لتوصيل رسائل معينة إلى أرواح الناس من خلال تنظيم برامج وأنشطة مختلفة في هذا الوقت المبارك. ويمكن في ليالي “الرغائب، والمعراج، والبراءة، والقدْر” تنظيمُ برامج أكثر خصوصية تخاطب أهل عصرنا بشرط الالتزام بروح الدين. وبهذه الطريقة نكون قد استخدمنا تلك الليالي المباركة من أجل تقريب الناس إلى الله، وإشعار القلوب بحقيقة الدين. وكما يمكن إشعار قلوب الناس الوافدين إلى المساجد ببعض الحقائق فإنه يمكن أيضًا استغلال اللقاءات في المدارسة والمذاكرة ومجالس العلم. وبهذه الطريقة يحسن استغلال اهتمامات وطموحات الناس الذين يرون عظيم قدر هذه الأشهر الثلاثة.

وأريد أن ألفت الانتباه هنا إلى بعض الأمور التي أراها مهمةً فيما يتعلق بهذه النوعية من البرامج: إن غايتنا من استغلال هذه المناسبات المختلفة وتنظيم جميع هذه الفعاليات هو تقريبُ الناس خطوة خطوة إلى الله تعالى بعوالمهم الفكرية والحسّية. فإن كانت البرامج والأنشطة التي نشتغل بها لا توصّلنا إلى ذاتيتنا، ولا ترشدنا إلى سبيل العثور على أنفسنا؛ فإن هذا يعني أننا نشتغل بما لا طائل من ورائها. أجل، إن كنا نعجز عن التعبير عن الحقائق الإلهية، ولا نستطيع أن نقرّب الناس من سيد السادات (صلى الله عليه وسلم) أكثر، أو إن كنا ننظّم برامج تخاطب أهواء الناس ورغباتهم، ولا يخرجون إلا بقول: “لقد أمضينا لحظات لطيفة”؛ فهذا يعني أننا أسرفنا في الوقت، وربما يعني أننا اقترفنا إثمًا. وذلك أن كل سبيل لا تؤدي إلى الله جل جلاله وإلى رسوله (صلى الله عليه وسلم) خداعٌ، كما أن تلهية الناس وتنظيم الحفلات والمهرجانات ليس شأن ولا وظيفة القلوب المؤمنة التي ترغب أن تكون ترجمانًا للحق والحقيقة.

وللناس في يومنا هذا أنماط حياتية منفتحة على اللهو والتسلية، فربما يخدعكم ما يُظهرونه من اهتمام في هذا الموضوع، لدرجة أنكم حين تنظرون إلى سرورهم قد تظنون أنكم قمتم بعمل نافع، بينما الأهمّ من اهتماهم هو صحة هذا العمل وفقًا لموازين القرآن والسنة. ومن ثمّ فعليكم أن تهرولوا دائمًا وراء الحق حتى وإن لم يكن هناك اهتمام بالفعالية المتحققة أو كانت المشاركة قليلةً. وبعبارة أخرى فإن تقدير الناس وتصفيقهم ليس هو المهم، بل المهم هو أن يكون البرنامج الذي تنظمونه يفيد شيئًا لحياتنا القلبية والروحية.

وبهذا الاعتبار فإنه يتوجب علينا في هذه الفترة الزمنية المباركة التي تغرق فيها السموات في لجة الأنوار وتزدان الأرض بالموائد السماوية، أن نوجه الناس دائمًا إلى التعمق في حياتهم القلبية والروحية، وأن نربط كل عمل سنضطلع به بالأهداف السامية والغايات العالية. حتى إنه لا بد من أن نغذّي في كل مرة قلوب الناس معنًى وروحًا جديدين، ونجعلهم يُبحِرون بنهَمٍ إلى المعنويات. ولتحقيق هذا علينا أن نستهدف من خلال هذه الفعاليات كلها أن نرغِّب الناس في الآخرة، ونحرِّكَ في القلوب الشوقَ إلى الفوز بالسعادة الأبدية والخوفَ من الخسارة، وأن نسعى في النهاية إلى أن يعي الناس روح الدين.

والحاصل أنه لا بد من جعل الجوامع، والجماعات، والجُمَع، والأشهر الثلاثة المباركة: رجب، وشعبان، ورمضان، وما فيها من ليلة الرغائب، والمعراج، والبراءة، والقدر وسيلةً لتوجيه الناس إلى الله تعالى. إن كل لحظة من هذه الأوقات المباركة مواتية لإدراك الخلود، ومن ثمّ يلزم أن تهدف جميع الفعاليات التي تُقام فيها إلى تحقيق الغايات السامية النبيلة.

لَيْتَ” نافعة وأخرى بلا فائدة”

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: انعكاسُ أيٍّ من الأخطاء في الآخرة ذلك الذي تمثله حالة التأوه والتشكي والعويل التي يُعبَّر عنها في القرآن الكريم على نحو:﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَنًا خَلِيلاً﴾ (سُورَةُ الفُرْقَانِ: 27/25-28). وما هي الأمور التي يجب مراعاتها لئلّا نقع في الآخرة في شباك حسَرات عقيمة؟

الجواب: تبدأ الآية الكريمة بعبارة: ﴿وَيَوْمَ﴾ تخبر عن يوم مرعب، ثم تُنبئ بأن الظالم في هذا اليوم المدهش سوف يعضّ على يديه وقد غرق في مشاعر الندم والأسف. و”العض على اليدين” لغةً كناية عن شعور الإنسان بالندم في لهفة وأسًى وحسرة.

ويعبَّر في الآية عن الندم الذي يشعر به الظالم بهذه العبارات: ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾. ولا يقتصر شعور الندم الذي يحس به الظالم على هذا فحسب، بل إن العبارات التالية لتعبِّر عن حالة الندم التي تسيطر فيها مشاعر الحزن والغم: ﴿يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ يعني: ليتني لم أتخذ فلانًا الخائن الطائش صديقًا، ولم أصفق له! ليتني لم أسلك سبيل الضالين!”

بيد أن تمنياته بـ”ليت” هذه في الآخرة لن تفيده شيئًا على الإطلاق، بل ستضاعف ندمه. وبتعبير آخر، إن قوله “ليت” هناك سوف يضاعف مصيبته لأنه بذلُ طاقة بلا فائدة. فكما يحتمل أن عبارات الندم هذه ستُقال في الآخرة، يحتمل أيضًا أن تُقال عندما تبلغ الروح الحلقومَ، حين تودِّع اليدُ أختَها والرِّجلُ صِنْوَها، عند الانتقال إلى حياة البرزخ التي هي أول خطوة إلى عالم الآخرة. أيًّا ما كان الوقت الذي تُقال فيه هذه العبارات، فمن المؤكد أنها كلمات مليئة بالأسف والحسرة والشجن يقولها إنسان ضيّع وأهدر ما في يده من فرص عن وعي منه.

أكبرُ “لَيْتَ”

إن ثمة ذنوبًا وآثامًا كثيرةً تجعل الإنسان يتلوى في الآخرة ندمًا وحزنًا بل إنها تحرقه وتكويه بنارها في أعماقه، والكفر يأتي في المقدمة منها. لأن الكون برمته كتابٌ يعرّف بالله بكل جملة وكل كلمة وكل حرف منه. أجل، فالإنسان حين يصغي إلى كتاب الكون بإنصاف دون أن يستبق الأحكام، سوف يسمع من كل كلمة بل من كل حرف “لا إله إلا الله”. ولهذه الحقيقة الواضحة غاية الوضوح رأى الإمام الماتريدي أن من لم يُرسَل إليهم رسولٌ هُم أيضًا مكلَّفون بالإيمان بالله تعالى، لأنهم حين ينظرون في كتاب الكون فلا شك أنهم سيحكمون بوجود خالقٍ وإن لم يعرفوا اللهَ جل جلاله بصفاته العليا وأسمائه الحسنى، ولم يعرفوا ذاته تعالى في ضوء النبوة والوحي. فزيدُ بن عمرو بن نُفيل عمُّ سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنهما كان يعبِّر في العصر الجاهلي عن هذا بقوله: “اللَّهمّ إِنِّي لَوْ أَعْلَمُ أَحَبَّ الْوُجُوهِ إِلَيْكَ عَبَدْتُكَ بِهِ وَلَكِنِّي لَا أَعْلَمُ”، ثم يسجد على راحلته. (البداية والنهاية لابن كثير: 2\237). والحاصل أن أكبر ندم وحسرة تعبِّر عنه “ليت” هو أن يُسلم الإنسان روحَه وقد حُرم من الإيمان بالله تعالى.

إن الوقوع في الضلال بعد الهداية سببٌ آخر من أسباب “ليت” في الآخرة؛ لأن بين الإيمان والكفر وبين الهداية والضلالة حجابًا رقيقًا، وربما يجد الإنسان نفسه في الجانب الآخر بسبب حركة صغيرة. لذلك فإننا نحن المؤمنين نسأل الله تعالى الهدايةَ إلى الصراط المستقيم أربعين مرةً في اليوم في الصلوات الخمس مع سننها؛ ثم نسأله أن نسلك سبيل أولئك الذين جهزهم الله تعالى بنعمه قائلين: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ (سورةُ الفَاتِحَةِ: 7/1)، وتذكُر آية أخرى أن الذين منّ الله عليهم بنِعَمه هم النبيون، والصديقون، والشهداء، والصالحون (سُورَةُ النِّسَاءِ: 69/4). وهكذا فإننا نسأل الله تعالى في صلواتنا كل يوم أن يهدينا صراطَ تلك الزُّمَر الأربع. ثم نستجير بكنف الله ورحمته قائلين: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ (سورةُ الفَاتِحَةِ: 7/1)، أي “اللهم لا تجعلنا بعد إذ هديتنا من الذين غضبتَ عليهم فضَلّوا!”

فإن فكرة على نسق: “ها نحن قد وجدنا طريقنا، ومن الآن فصاعدًا نصل إلى هدفنا دون أن نزيغ، ودون أن نزِلّ، ونتعثر، وننقلب، ودون أن نُغوى، ونعلق بحيل الشيطان أبدًا في هذا الطريق” إن فكرة كهذه إنما هي مجرد وهم وخيال؛ لأنه لا أحد على الإطلاق يُضمن له السير في طريقه حتى يُسلِم روحه. بل إن الإنسان الذي يرى نفسه في أمن يُعرِّض نفسه للخطر. ذلك لأنه يُخشى على عاقبةِ مَن لا يَخشى على عاقبته. فإن على الإنسان أن يرتعد ويرتعش كل لحظة خوفًا من أن يقع في الضلال من جديد بعد أن اهتدى، وعليه أن يعيش دائمًا في شد وجذب معنوي في هذا الأمر. أجل، إن الإنسان عليه أن يتوسل إلى الحق تعالى دائمًا كي لا يتركه لنفسه طرفة عين، ويحميَه من هَمْز الشياطين ولَمْزهم. لأن حقيقة الإيمان التي بها ينال المرءُ الجنةَ، وبسببها يحظى بالرضوان، وباكتسابها يترشح لرؤية جمال الله تعالى جوهرةٌ ثمينة جدًّا. وهناك شياطين من الإنس والجن ينتظرون وقد نصبوا شباكهم، يريدون سرقة هذه الجوهرة الثمينة. إذًا فالمهمة التي تقع على الإنسان هي التمسك بهذه الجوهرة الثمينة، وحمايتها من شياطين الإنس والجن وحراستها، والانتباه والتيقظ الدائم في هذا الأمر.

أوجُه الضعف التي تخسف بالإنسان الأرضَ

ومما يجعل الإنسان يتأوه آهات أليمةً وُقوعُه فريسةً للفيروسات التي عددها فضيلة الأستاذ بديع الزمان في “الهجمات الست”[1]، لأنه انحراف عن الصراط المستقيم. والأصل أن كل واحد من الفيروسات الستة المذكورة يستطيع بمفرده أن يطرح الإنسان أرضًا. أي كما أن الرغبة في الجاه والمقام واللهفةَ على الشهرة قد تُهلِك الإنسان، فإن الخوف بمفرده كذلك قد يُهلكه ويُرديه. والطمع، والعنصرية، والأنانية، والكسل، والانغماس في الترف قد يوقع الإنسان طريحًا على فراش الموت. ونظرًا لأن كل واحد من هذه الأمور يستطيع وحده أن يتغلب على الإنسان، فإن أوجه الضعف الملعونة تلك إن اجتمعت كلها في الإنسان في آن واحد لا تطرحه أرضًا فحسب، بل إنها -حفظنا الله تعالى- تهوي به في أسفل سافلين. أجل، إن إصابة الإنسان بهذه الفيروسات محتمل في كل لحظة، حتى وإن كان هذا الإنسان في دائرة الإيمان والإسلام. فمثلًا قد يلوِّث الإنسان وجهَ الأعمال التي اضطلع بها خدمةً للدين إن سيطرت عليه مشاعر الشهرة، حتى وإن كان هذا الشخص في زمرة صالحة. وآخَرُ يرغب في أن يتحدث الناس عنه وعن آثاره الرائعة، وأن يكون إنسانًا يُشار إليه بالبنان؛ إنه يرغب في ذلك وقد يُخسف به نتيجة رغبته هذه. وإن شعورًا سلبيًا كهذا يتعرض له الإنسان إن هو إلا مدعاة لسلبيات أخرى كثيرة أيضًا. ولا يمكنكم أن تخمنوا نوعية المساوئ التي يمكن أن يرتكبها الإنسان إن سيطرت مشاعر الشهرة عليه مثلًا.

كل هذه الأمور مخاطر ربما يتعرض لها كل قلب مؤمن حتى وإن كان يعيش في محيط مؤمن، وقد تجعل الإنسان يقول “ليت” في الآخرة -نسأل الله السلامة-. أجل، إن الإنسان الذي يعزو إلى نفسه ما حققه من نجاح، ويستثمر ذلك في الشهرة، ويجري سعيًا وراء التبجيل والتقدير -وما ذلك إلا لأنه عجز أن يسترشد بدساتير الإخلاص- سوف يتنفس ندمًا في الآخرة، ويتلوى تلهفًا وتأسفًا وتحسرًا وحرقةً قائلًا: “ليتني لم أضيّع ولم أُهدر كل هذه الأعمال بيدي طلبًا للثناء والتصفيق! ليتني لم أُبحر إلى العدم من غير جدوى! ليتني لم أقع في تيارات آخرُها الموت!”. وكم هو مؤلم أن آهاته وحسراته لن يفيده شيئًا أبدًا، بل ستضاعف معاناته، وتزيد مصيبته.

تروسٌ واقية من “ليت” الضّارّة

ومن ثمّ فعلى المؤمنين أن يتصرفوا ههنا بعقلانية، وأن يعدّوا النجاةَ من الكفر والضلال أعظمَ إحسانٍ من الله تعالى إليهم، وأن يتجنبوا الطرقَ التي تؤدي إلى الكفر والضلال؛ لأن في كلّ ذنبٍ طريقًا يؤدي إلى الكفر، كما قال الأستاذ بديع الزمان رحمه الله.

يقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): “إِنَّ العَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإِذَا هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ وَتَابَ صُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَه، وَهُوَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (سُورَةُ الْمُطَفِّفِينَ: 14/83)”. (الترمذي: تفسير سورة المطففين). وذلك لأن كلّ نكتةٍ تنكت في القلب تستدعي نكتة أخرى، والقلوب تتكدّر بالذنوب والمعاصي والسيئات وتسودّ بمرور الزمان. فإن لم تُطهَّر القلوبُ بالتوبة والاستغفار عن هذه الذنوب والمعاصي ختم الله عليها، كما قال المولى عز وجل: ﴿خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ (سُورَةُ البَقَرَةِ: 7/2)، ﴿وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ﴾ (سُورَةُ التَّوْبِةِ: 87/9)، وتصير القلوب لا تعقل شيئًا من الرسالة الطاهرة النازلة من السماء، ولا تلبث في النهاية إلا أن تقول في الآخرة: “يا ليت، يا ليت”.

أمّا ما يلزم مراعاته هنا للحيلولة دون الوقوع في براثن “ليت” الضّارّة فهو السعي طوال العمر لأداء تكاليف العبودية من دون تقصير أو تعطيل، وفي توازن بين الخوف والرجاء. وتحقيق هذا مرهونٌ بالقلب الخاشع؛ لأن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: “لَوْ خَشَعَ قَلْبُهُ لَخَشَعَتْ جَوَارِحُه“. (الحكيم الترمذي، نوادر الأصول 172/2). فخشية قلب الإنسان تنعكس على أفعاله وسلوكياته، وبمرور الوقت تصبح جوارح الإنسان وأعضاؤه ترتجف خشيةً من الله تعالى، حتى إنه لتتراءى ذبذبةُ الخوف في قزحيةِ عينيه.

وعلى ذلك فإن نكّس الإنسان رأسه خجلًا أمام جلال الله وعظمته، واعتمد على سعة رحمة ربه، وعاش حياته بهذا التوازن وتلك الحساسية، حفظ نفسَه يوم القيامة من التردّي في ندمٍ يصاحبه الأسف والأمانيّ.

وبحديثه الدائم عن الحبيب جل وعلا يتمكن الإنسانُ أن يحول دون وقوع سلبياتٍ تسوق إلى عاقبةٍ وخيمةٍ قد تضطره إلى قول “يا ليت” في الآخرة. وكما يقول الشاعر التركي سليمان شلبي رحمه الله:

“اذكر الله في كلّ نَفَس على الدوام

فبذكره يصير كلّ شيء على ما يرام.”

وقد عبر عن هذه الحقيقة وليٌّ آخر من أولياء الله الصالحين:

“ألا ليت حِبّي يحبه الخلق أجمع

وليت قصته مدار حديثنا وما أمتع.”

أجل، إننا إن ذكرنا ربّنا في كلّ مكان نحلّ به، ونوّرْنا مجالسنا بذكره تعالى، وأكسبْنا أوقاتنا عمقًا لا تسعه الأبعاد نكون بذلك قد تصدّينا للعديد من السلبيات التي تدفعنا في الآخرة إلى قول: “يا ليت”.

“ليت” على صورة الاستغفار

سؤال: هل توجَد “ليت مفيدة” مع “ليت غير المفيدة” هذه؟ وما المقياس في هذا الموضوع؟

الجواب: كما أن هناك “ليت” لا تنفع المرءَ قطّ في الآخرة، بل تُضاعِف من عذابه وتجعل من مصيبته مصيبتين؛ فهناك “ليت” نافعة إيجابية يستحسنها ديننا الإسلامي ويقدّرها، والحد الفاصل بينهما هو النية. ومنها ما يذكرها سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه؛ فنراه يقول: “إِنِّي لَا آسَى عَلَى شَيْءٍ، إِلَّا عَلَى ثَلَاثٍ فَعَلْتُهُنَّ، وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْهُنَّ؛ وَثَلَاثٍ لَمْ أفْعَلْهُنَّ وَدِدْتُ أَنِّي فَعَلْتُهُنَّ؛ وَثَلَاثٍ وَدِدْتُ أَنِّي سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) عَنْهُنَّ…” ومما ذَكر: “وَدِدْتُ أَنِّي يَوْمَ سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ كُنْتُ قَذَفْتُ الْأَمْرَ فِي عُنُقِ أَحَدِ الرَّجُلَيْنِ: أَبِي عُبَيْدَةَ أَوْ عُمَرَ، فَكَانَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَكُنْتُ وَزِيرًا؛ وَوَدِدْتُ أَنِّي حَيْثُ وَجَّهْتُ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى الشَّامِ وَجَّهْتُ عُمَرَ إِلَى الْعِرَاقِ فَأَكُونَ قَدْ بَسَطْتُ يَدَيَّ يَمِينِي وَشِمَالِي فِي سَبِيلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ ووَدِدْتُ أَنِّي سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فِيمَنْ هَذَا الْأَمْرُ (أي الخلافة) فَلَا يُنَازَعَهُ أَهْلُهُ”. (الطبراني: المعجم الكبير، 62/1).

وإنني أرى أن هذه النوعية من الندم الذي يعبّر عنه الصدّيق الأكبر رضي الله عنه إنما هي ثمرة المحاسبة وهمٍّ عميق وشوقٍ إلى الفهم الصحيح للدين وجعلِ الدين روحًا للحياة بشكل سليم؛ فأكسبَ الصدّيقَ رضي الله عنه ثوابًا جزيلًا ورفعه مرتبةً عليا ليس بإمكاننا إدراكها. وقد عبّر مفخرة الإنسانية (صلى الله عليه وسلم) عن قدره بقوله: “لَوْ وُزِنَ إِيمَانُ أَبِي بَكْرٍ بِإيمَانِ أَهْلِ الْأَرْضِ لَرَجَحَ بِهِمْ“. (البيهقي: شعب الإيمان، 69/1). إنه الصدّيق الأعظم؛ هو الذي فعل – بفضل من الله سبحانه- في سنتين وبضعة أشهر وبضعة عشر يومًا ما لم تستطع الدولة العليّة العثمانية أن تفعله خلال 150 عامًا. لم يَضطهد الدُّوَلَ الضعيفة كما يفعل المستبدّون، بل بثَّ إلهامات روحه في الأماكن التي فتحها. نعم، إنه سعى إلى إيصال الروح المحمدية إلى كلّ مكان مرّ به ويمّم إليه وجهه. الحقّ أنه هو مَن مهّد الأرضية للانكشافات والفتوحات العظيمة التي تحققت في عهد سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه. فإن هذه النوعية من “ليت” قد زادت قيمة إلى قيمة هذه الشخصية العظيمة التي تفضُل الناس جميعًا.

ولكل مؤمن “ليت” إيجابية ترفع من قدره؛ مثل: “ليتني أحسنتُ استغلال شبابي، ليتني اجتزأتُ ساعتين كل ليلة صليت فيهما مائة ركعة، ليتني جنّبتُ نفسي الرغباتِ النفسيةَ، ليتني صُنتُ يدي ورجلي وعيني وأذني كلّيّةً عن الحرام حتى في عنفوان الشباب وفي الوقت الذي تثير فيه الغرائزُ البشريةُ الأحاسيسَ الشهوانية دائمًا، ليتني ما نظرتُ إلى الأغيار وما تسلل إلى عيني أي شبح غريب”.

إن “ليت” هذه التي أطلقتها الأفواهُ في ندمٍ ومعها نيةُ تحويلها إلى عملٍ لَترفع من شأن الإنسان ومكانته. ولكن “ليت” التي تردّدها الألسنة في الآخرة ما هي إلا تحسّرٌ وتأسفٌ ليس إلا. فالندم في الحياة الدنيا نوعٌ من الاستغفار، كلّما تذكره المرء يستغفر الله، بل إنه ليشعر بالخجل من قول “أستغفر الله” مرة واحدة، ويقول: “أستغفر الله ألف ألف مرة” ويلجأ إلى الله بالتوبة والإنابة والأوبة. فإن طرَق الإنسانُ بهذه الروح بابَ رحمته سبحانه وتعالى تعلّق أملُه في ألّا يردّ الله آهاته وصرخاته وأن يعامله بواسع رحمته وفيض إحسانه.



[1] هو القسم السادس من المكتوب التاسع والعشرين من كتاب “المكتوبات”. يعني الأستاذ بالهجمات الست: حبّ الجاه والشهرة، والخوف، والطمع، وفكرة العنصرية، والأنانية والغرور، وحب الراحة والدعة.

مهندس القلوب: فضيلة الشيخ أَلْوَارْلِي أَفَه

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: نرجوكم أن تُشرِكونا مشاعركَم وأفكارَكم المتعلقةَ بحضرة الشيخ “ألوارلي أفه” من حيث شخصيته، وأفراد عائلته، وعمقه الروحي، ورسائله الموجهة للمجتمع، ومن حيث تأثيره عليكم؟

الجواب: حقيقة الأمر أنّ رسم شخصية عظيمة كهذه وإبرازَ صورتها كاملةً موضوعٌ يتجاوزني. ولهذا يلزمني أن أصرح وأعترف منذ البداية أنني لا أملك وعيًا عميقًا يمكنه إدراك حياته، وعالمه الفكري، وأفقه القلبي والروحي بكل خلفيته. بالإضافة إلى ذلك فعندما انتقلتْ تلك الشخصية العظيمة إلى أفق روحها كنتُ في السادسة عشرة أو السابعة عشرة من العمر. ومع أنني وجدت نفسي عند هذا المنهل النقي الصافي بمجرد أن فتحتُ عيني على الحياة؛ إلّا أنه من الواضح أن إنسانًا في تلك السن لن يستطيع الاستفادة بالمعنى الكامل من إنسان عظيم رحب الأفق مثلِه. ومن هذه الزاوية فإنه لا بد من معرفة أن الأمور التي سأحكيها سوف يجري التعبير عنها مرتبطة بوعيي الضيق من ناحية، وبعدم مهارتي، وبالملاحظات الطفولية من ناحية أخرى.

عُشٌّ منير مبارك

لقد كان العشّ الذي نشأ فيه فضيلة الشيخ مصدرًا مباركًا فيّاضًا؛ فأبوه حسين أفندي وأخوه الشقيق وهبي أفندي، على سبيل المثال، شخصيات عظيمة جدًّا. ومع أنني لم أر والده حسين أفندي؛ لكنني أظن أن تلك الواقعة الآتية ستعطي فكرة بدرجة كافية للتعبير عن فضل ذلك الشخص المبارك وكمالاته:

ذهب الإمام ألوارلي ووالده حسين قِينْدِيغِي أفندي اللذان هما من نسل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى تكية فضيلة الشيخ الكُفْرَوِي الموجودة في بِتْلِيس كي ينتسبا إلى طريقته. فاعتنى بهما الشيخ الكفروي عناية خاصة؛ ربما لأنه اكتشف في الحال ما لديهما من ملكة واستعدادٍ، واهتم بهما اهتمامًا كبيرًا؛ ومنح كلًّا منهما الخلافة على الفور دون أن يشعر بحاجة إلى أن يسلكا مرحلة الأربعين (الخلوة)، وأن يمرا من مرحلة السير والسلوك الروحاني، أو أن يُخضَعَا لأي اختبار. لا يعرف قدر الجواهر سوى الخبير بها، ومن لم يكن صائغًا فإنه يجهل الذهب والفضة ولا يفهم في أمرهما. وهكذا فقد عرف فضيلة الشيخ الكفروي قيمتهما وقدرهما بمجرد رؤيته إياهما لأنه خبير بالجواهر عارف بقدرها، فأعطاهما الخلافة الدالة على أنهما قادران على إرشاد الناس. وأمام هذا الموقف المفاجئ بدأ تلاميذ الشيخ الكفروي يتطاولون في الحديث ليلًا، وفي تلك الأثناء فُتح الباب على مصراعيه، وناداهم الشيخ الكفروي قائلًا: “يا هؤلاء! إن حسين أفندي ومحمد لطفي أفندي لا حاجة لهما بي، فكمالاتُهما أتت بهما إلى هذا المقام”.

“بالكمالِ بلغ أهلُ الكمال الكمالاتِ

ولا فائدة لفضّة ولا لذهب إذا فُقدت الكمالاتُ”.

فماذا يعني ما لدى إنسانٍ من الذهب والفضة حتى وإن كان بقدر كنوز قارون، ما دام ذلك الإنسان لا يمتلك الكمال!

وقد كان أخوه وهبي أفندي أيضًا إنسانًا بحرًا، حيث كان الصمت سمتًا سائدًا لديه، غير أن هذا الصمت كان ذا تأثير يُحدث تموُّجات مختلفةً في روح الإنسان. وكان والدي ووالدتي مرتبطين بكل منهما ارتباطًا صادقًا عميقًا. كانا ينزلان ضيفًا على جدّي في منزله، وكان جدي أيضًا يُكِنُّ لهما احترامًا عميقًا. وكان وهبي أفندي أكبر سنًّا من الشيخ ألوارلي أفه، وقد توفي رحمه الله بينما كنت في الخامسة من عمري. وأظن أن الشيخ كتب المصراعين الآتيين لأجله حين تُوفي:

“بعُدْتُ عن الأخيار حتى لأنني غَدَتْ “واحسرتاه” وِرد لساني!”

النغمات المتحرقة التي تشعل الهيجان في الأرواح

كان الشيخ ألوارلي أفه باعتبار عالمه الداخلي عميقًا جيّاشًا بالعشق والهيجان. وكان حاله في مجالس الذكر يبدو مثالًا حيًّا لثرائه القلبي هذا. فقد كان نقشبنديًّا وقادريًّا في الوقت نفسه. ولذلك كانت مجالس الذكر تُعقد تحت إشرافه على الطريقة النقشبندية أحيانًا، وعلى الطريقة القادرية أحيانًا أخرى.

وفي تلك المجالس كان فضيلته يتجه بكل ذاته إلى الحق تعالى، ويغيب عن نفسه أحيانًا بتأثير تلك النغمات المحرقة المُلهبة، ويُحدث فيما حوله حالةً روحيةً منصبغةً بصبغته الخاصة، ويُرسِل نارَ عشق إلى القلوب. وحين ينفعل أحد الموجودين فائضةً عيناه بالدموع فإن هذه الحالة تسري إلى الآخرين أيضًا، وتكوِّن مناخًا من العشق والانفعال لدى الجميع. أجل، كانت تكوِّن عشقًا وانفعالًا ما زلتُ أشعر بتأثيره على رغم أنني شهدت كل هذه الأمور في طفولتي.

إن فضيلته كان عاشقًا للنبي (صلى الله عليه وسلم) عشقًا تامًّا. فحين جاءه أحدهم وقال له: “رأيتُ في شوارع المدينة المنورة كثيرًا من مخلوقات جَربَة.” كان هذا رد فعله: “اسكت! ولا تقل مثل هذا القول حتى وإن كان على كلاب المدينة! إنني أفدي ولو حتى الأجرب من كلابها لأجل رسول الله”. إنه كان يقول مثل هذه العبارة بكل ذاته وبإخلاص نابع من صميم قلبه؛ حتى كأنه يذوب ويفنى في الشخصية المعنوية لسيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو يقولها. ويمكننا رؤية حبه العميق لرسول الله في قصيدته الآتية:

“أيها الشاهد المقدس، أيتها الشمس المزيِّنة للعالم

ذؤابتُك مخنَّثة، وحاجباك يزينان الفؤاد.

العالم كله لا يساوي شعرة واحدة من خصلة شعرك،

فقد نشرت شعرةٌ من لحيتك العنبرَ الخالصَ في الكونين”.

وهكذا كانت تُقرأُ تلك المدائح النبوية في المجالس التي يحضرها، وكان الحاضرون هناك يجيشون، وهو أولهم. وكان أحيانًا ما يترنم بمصاريع مثل:

“القلب عاشق لك يا حبيب، ما السبب؟

جمالُك كالشمس ساطعٌ، ما السبب؟

وحاجبك قاب قوسين أو أدنى،

وصورتك سورة الرحمن، ما السبب؟”

وأحيانًا كان يرفع صوته بها حتى إن المكان يبدو وكأنه يرتعش، وتحصل رجفة في الحاضرين جميعًا.

كان رحمه الله يَعرف قدْرَ كل ذي فضل

كان الشيخُ سلطانًا في الكلام؛ يكتب أشعاره التي يترنّم فيها بإلهامات روحه بالعروض ووزن الهجاء. ولكن رغم مهارته البالغة في هذا المضمار إلّا أنه لم يكن يتحرّج قطّ من أن يردّد أحدٌ أقوالَ المشايخ الآخرين وأشعارَهم في حضرته، بل كان يحضّ على ذكرها. أجل، إن كان القولُ حقًّا أبدى له الشيخ كلّ التحية والإجلال، أيًّا كان قائله، بل كان يتبنى هذه الأقوال والأشعارَ كأنها من محصّلة أفكاره، ويقابلها بكل احترام وتقدير. وأنا أعتقد أن هذا الحال يُعدّ مقياسًا مهمًّا للاطلاع على أفقه، والتعرف على عالمه الفكري والشعوري، وإدراك مدى نضجه وعظمته.

وإليكم الحادثة التالية التي استمعتُ إليها من أخينا الكبير “صالح أُوزْجان”، وكانت لها أهميةٌ بالغة بالنسبة لي؛ حيث إنها تكشف عن نضج الشيخ وغنى قلبه:

ذات يوم في أوائل الخمسينات حضر الأخ الكبير “صالح أوزجان” إلى مدينة “أرضروم”، وقابل الشيخ وقبّل يديه، ثم قال له: “سيدي الشيخ، هناك شخصٌ يُدعى “الأستاذ بديع الزمان”، له رسائلُ حرّرَها حول الدين والإيمان، أسماها “رسائل النور”، وإننا لنسعى على نشر هذه الرسائل إلى كلّ العالم، ونَغُذُّ السير لإغاثة جيل الشباب على وجه الخصوص”. فردّ عليه الشيخ قائلًا: “آه! لو كانت عيناي تُبصران لساعدتُكم على هذا الأمر”.

أجل، الفضل هو أن تعترف بفضل غيرك من أهل الفضل، وتُظهر لهم كلّ احترام وتقدير.

كلماتٌ يتردّد صداها في أذني

والآن أستبيحكم عُذرًا في تقديم حادثة أو اثنتين لا يتأتى لي نسيانهما، يتعلقان بهذا الشيخ العظيم، الذي أشعرُ في أعماق روحي بأنني محظوظٌ بالتعرف عليه:

في الأيام التي شرعنا فيها في دراسة كتاب “مُلّا جامي” توجهتُ إليه أنا وزملائي من الطلبة، فوجدناه يجلس مع عدد من أثرياء أرضروم، فلما رآني قال لمَن حوله من الأثرياء: “سأسأل طالبي سؤالًا، فإن قدَرَ على إجابته أعطيتموه هذا القدر من المال”. فلم يسألني إلّا عن مواضعَ من الكتاب أعلمُها جيدًا فأجبتُه عليها كلّها، فأعطاني الأثرياءُ المبلغَ الذي حدّده الشيخ. وفيما أتذكر أن هذا المبلغ كان يبلغ حينذاك حوالي مائتي ليرة، وربّما كان كافيًا في ذلك الوقت لسفر شخصٍ لأداء فريضة الحج. لم يتمكن الشيخ من رؤية المبلغ المجموع لِما يعاني من ظلمة عدسة العين، ولذا سألني عن قدره، فلما أجبته قال: “هذا مبلغٌ كثيرٌ عليك، سأعطيه لـ”دميرجي عثمان أفندي” حتى يسدّ به حاجيات المدارس”.

كنا نعيش في فقر مُدْقِع ونحن ندرس في المدرسة في “أرضروم”، حتى إننا في بعض الآونة لا نكاد نجد الخبز والجبن لثلاثة أو أربعة أيام، وكان أبي يعطيني بضع ليرات من راتبه الذي يتقاضاه من وظيفة الإمامة، ولكنه لم يكن يكفيني.. ما أكثر الأيام التي قضيناها في حاجةٍ إلى المال لنشتري الخبز!

ذات يومٍ كنّا نتلوّى فيه من الجوع ذهبنا وبعض الأصدقاء إلى التكية، وفي صحبتنا “طيب أفندي” حفيد أخي الشيخ. كان بجوار التكية مستودعٌ للتبن، يستخدمونه بيتًا للمؤنة، فأتيناه ونظرنا من ثقب بابه، فتعلقت أنظارُنا بالبطيخ الموجود بالداخل، وكان الشيخ يصلي صلاته. وبعد قليل فُتح الباب، فقال لنا الشيخ: “تعالوا يا أولاد، سآتيكم ببطيخ وأقطّعه لكم”.

أجل، يمكن أن أقول بناءً على شهودنا كثيرًا من أمثال هذه الحوادث إننا وجدناه إنسانًا بعيدَ الغور، يفهم المرء من حاله، ويقرأ ما في داخله، ذا أفقٍ واسع، وبصيرةٍ نافذة.

خلاصة القول: رغم أنني لم أستطع أن أستفيد منه تمام الاستفادة، فيكفيني فقط أنني تعرفت عليه، وهذا أمرٌ أعتبر نفسي محظوظًا به، وأشكر ربي سبحانه وتعالى على هذا الفضل والمزيّة.

أما عن اليوم الذي رحل فيه الشيخ إلى الرفيق الأعلى، فقد حدث أن حضر والدي رحمه الله إلى أرضروم، وكنا نستريح معًا في بيت خالته رحمها الله. وفجأةً تناهى إلى مسامعي صوتٌ يعلن عن وفاة الشيخ، فنهضتُ من مكاني على الفور، واتجهتُ صوب مدارس جامع “قُورْشُونْلُو”، وهناك وجدتُ الأصدقاء يبكون، فتوجهت من هنالك إلى بيت سيدنا الشيخ رحمه الله رحمةً واسعةً، حيث كان يقيم ببيت في حيّ “مُومْجُو”. وكان قد حضر إلى البيت أيضًا مفتي أرضروم “صادق أفندي” والعلامة “ثاقب أفندي”؛ اللذان لم يدعا أحدًا يغسّل الشيخ، وغسّلاه بنفسيهما، وفي ذلك اليوم من أيام الشتاء حملوه إلى قرية “ألوار”، ودفنوه هنالك. فتوافد الجميع على القرية رغم الشتاء والثلج؛ ليشهدوا تشييع الجنازة إلى مثواها الأخير.

ندعو ربنا تبارك وتعالى أن يحشرَ هذا الرجلَ العظيمَ مع سيّدنا الحبيب محمد (صلى الله عليه وسلم)، وأن يُسكنه معه في الفردوس الأعلى. آمين.

احترام المقدسات

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ما السلوكُ والموقفُ الإيماني الذي ينبغي لنا أن نتبعه تجاه محاولات التطاول على “الدين والقِيَم المقدَّسة” والإساءة إليهما؟

الجواب: إنّ من أهم الفضائل التي يحثّ عليها دينُنا الحنيف أن يتحلّى الإنسان بالصبر والأناة إزاء أيّ محاولة تستهدف الإساءة إلى شخصه أو النيل منه، وألّا يقابل السيئة بمثلها ما وسعه ذلك، وأن يفتت ويذيب ما يُلقى عليه من أحجار بجوِّه السمح، مثلما تتفتت وتذوب النَّيازِك التي تصطدم بالغلاف الجوي. بيد أن للهِ عزّ وجلَّ حقًّا وللرسول (صلى الله عليه وسلم) حقًا وللقرآن الكريم حقًا أيضًا، فإن تعرضت تلك الحقوقُ لأي إهانة أو صفاقة فليس للفرد حينذاك أن يعفو أو يصفح أو يغضّ الطرْف عن هذه الإساءات أو يتجاهلَها أو ألّا يحرّك ساكنًا تجاهها؛ لأن المسألة حينئذٍ ليست مسألة شخصية. لكنه –ورغم هذا- عليه أن يتخذ موقفًا يناسب شخصيته ويليق به كما هو الحال في كل أمر، وأن يتحرّك وفقًا لما تستلزمه هويّته الإسلامية، وأن يعبّر عن ردّ فعله بأسلوب إيمانيّ، ولا يتنازل أبدًا عن أسلوبه؛ لأن أسلوب الإنسان شرفُه.

من أراد أن يُحترَم فعليه أن يَحترِم

إننا اليوم –مع الأسف– نشهد أنواعًا مختلفة من البذاءة؛ فكل يوم تقع عدة حوادث منشؤها الغلّ والحقد والكره، تَرِدُ من هنا وهنالك سلوكياتٌ غير لائقة وكلمات مستهجنة. فأحيانًا تقع حادثةٌ مفجعة في مكانٍ ما، وقبل أن يُعرف فاعلها نجد شخصًا يقول بوازعٍ من كره وحقد دفين في صدره: “لا بدّ أن نُجْهز على المسلمين جميعًا”، ثم يأتي آخر ويوجّه إهانةً أخرى للمسلمين، وفي مكان آخر تُعلَّق لافتات تثير حفيظةَ الناس. لكن لا يخطر على بال أحدٍ في خِضمّ هذه الفوضى والبلبلة أن التطاول على الذات الإلهية وأسمائها الحسنى وصفاتها العليا أو على الأنبياء أو الملائكة الكرام يؤذي ويجرح مشاعرَ جميع من يؤمن بهذه القِيَم المقدّسة. بل إنّ المساس بقضايا متعلقة ببعض المقدّسات كالبعث بعد الموت والسعادة الأخروية قد يُزعج أيضًا أتباعَ الديانات الأخرى؛ لأن بعض الأديان الأخرى بأصلها تقرّ أيضًا بهذه الأمور الإيمانية.

فإذا ما أشركنا في هذا الأمر أتباعَ الديانات الأخرى ممّن يؤمنون بالآخرة مع المسلمين الذين يبلغ عددهم مليارًا ونصف مليار مسلم تقريبًا، لَحَظْنا أن العدد يبلغ في مجمله أربعة أو خمسة ملايير من البشر. ولذلك إن حاول شخصٌ أن يتوقح أو يتفوّه بكلمة نابية إزاء قيمةٍ مقدسةٍ يجلّها ويقدرها الآن حوالي أربعة أو خمسة ملايير إنسان وتتبوأ منزلةً خاصةً في صدورهم، فإنه بذلك قد أهان وتطاول بوقاحة على خمسة ملايير إنسان.

ومن ثمّ لا بدّ لذلك الإنسان الذي سلك هذا السلوك الفظّ الوقِح أن يستعدّ لاستقبال تطاول الآخرين عليه وإهانتهم إياه. أجل، عليه ألا يتأذى من وخزة الإبرة التي طالته منهم وهو الذي طعن برمح إهانته صدورَ ما يقرب من أربعة أو خمسة ملايير إنسان بتلاعبه بمقدساتهم. إن إهانتكم للآخرين أيًّا كانوا تُثير فيهم حميّة الإهانة والإساءة إليكم، كما أن توقير الآخرين يحرّك فيهم شعور الاحترام والتوقير لكم.

ومن ناحية أخرى ليس من الصواب حتمًا أن يتكلم الإنسان بغير علم في مجالٍ ليس مِنْ تخصصه. فمثلًا قد ترى إنسانًا لم يدرس الفلسفة ولم يقرأ شيئًا منها ينتقد مذهبًا فلسفيًا، فيجعل من نفسه أضحوكة للآخرين، كما أنه بفعله هذا يُسيء الأدبَ مع العلم والمناهج العلمية.

إن معظم المعلومات الفلسفية التي لم تصحَّح في ضوء القواعد القرآنية الراسخة تَخَبُّطُ الفكر في نظرنا، لكن انتقاد تيّار فلسفي بأسلوب مُهين يجعل المتكلم أضحوكة ليس إلّا. وعلى نفس الشاكلة فلو أنّ إنسانًا لا صلة له بالموسيقى تكلّم جزافًا عن المقامات الموسيقية وكأنه موسيقِيّ كبير لعرّض نفسه للسخرية. فضلًا عن أنّ كلّ هذه الأمور التي ذكرناها قد ينجح ويتخصص فيها كثير من الناس بشيء من السعي.

واليوم نجد مَن لا يحيط علمًا بالقرآن والسنة، ولا دراية له بدِينٍ أحدَثَ انقلاباتٍ عظيمةً في تاريخ العالم وتحققت على يديه نهضةٌ مذهلة شملت رقعةً كبيرةً من الأرض حتى القرن الخامس الهجري، نجد هذا الشخص يتكلم بجهل عن هذا الدين وأتباعه بعبارات مهينة، ويعزو ما يقوله إلى حرية الرأي والتعبير. بيد أن كلام إنسان في مجالٍ ليس فيه بمتخصصٍ، خصوصًا في عصرنا هذا الذي علا فيه شأوُ التخصص، يُعدّ إساءةً إلى هذا المجال وإلى نفسه، ثم إلى العقل السليم والمنطق السليم والمحاكمة السليمة والضمير السليم. ومن ثَمّ فعلى ذلك الشخص الذي تصرّف بهذه الوقاحة ألّا يتكلم جزافًا وألا يتضجر من ردود أفعال الجماهير العاطفية، لأنه هو البادي بالكلام غير اللائق والمبادِرُ بالأسلوب غير المناسب. أما مَن تعرضوا لتلك الوقاحة فهم جماعة كُثرٌ يتراوح عددهم من أربعة إلى خمسة ملايير إنسان. ومن المحتمل دائمًا أن تجد بين مثل هذا الجم الغفير من يتحركون بدافع من مشاعرهم وعواطفهم الانفعالية الجياشة.

إن كان بيتكم من زجاج…

ومن جانب آخر فإنه يتوجب علينا -نحن القلوب المؤمنة- أن نكون دائمًا أكثر حساسية في أقوالنا وتصرفاتنا وسلوكياتنا، وأن نحسب جيدًا قبل أن نتفوه ولو بكلمة واحدة عواقبَ تلك الكلمة، وألّا نتسرع في البوح بأمور تخص قلوبنا. أجل، يلزم ألا يُنسى أبدًا أن ما نلفظه من أقوال يمكن حملها على معان أخرى من ذوي النوايا السيئة، كما ينبغي أن نضع مشاعر المخاطبين في الحسبان عند الحديث. فإن كان بيتكم من زجاج فلا ترموا بيوت الناس بالحجر، وإلا فقد تسببتم في تخريب بيتكم بأيديكم.

وقد لفت القرآن الكريم أنظارنا إلى هذا الهدي بقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (سُورَةُ الأَنْعَامِ: 108/6) أجل، إنكم إن تسبّوا آلهة الآخرين؛ لاتهم، ومناتهم، وعُزّاهم، وإسافهم، ونائلتهم… إلخ فإنهم سيبدأون هم كذلك في سب من تقدسونه. ولا يوجد في الكتاب، ولا في السنة، ولا في اجتهادات السلف الصالحين أمرٌ أو توصيةٌ ما بسبّ أوثان يعبدها عُبّادها من دون الله. ومن ثم فإن عليكم أن تعبّروا عن الصواب في كل وقت: وذلك بأن تتحدثوا عن التوحيد، وتُعلوا شأنه دائمًا؛ هذه مسألة أخرى. لكن ليس من مسؤولية المؤمن ولا من مهمته تحقيرُ الأشياء التي لا قيمة لها في نظره أوتزييفُها.

فيا ليتنا نقول كل ما نقوله ونكتب كل ما نكتبه ونفعل كل ما نفعله وفقًا لمعايير القرآن الكريم والسنة النبوية! لأن نتائج بعض السلوكيات التي تحدث عند الفراغ الحسّيّ قد تكون – في غالب الأحايين- مضرّة جدًّا لقِيَمنا.

وعلى ما يُتذكر فقد اعتُدي على كتابنا العزيز القرآن الكريم في أحد الأماكن في وقت قريب؛ واعتُدي في أعقاب هذا على بعض الكنائس في مكان آخر، وخُرّبت مبانٍ. نعم، إن الهجوم على القرآن الكريم وقاحةٌ وعدمُ اتزان، إلا أن القيام بتخريب الكنائس كردّ فعل على هذه الوقاحة نوعٌ من عدم الاتزان أيضًا.

ولهذا السبب ينبغي على الإنسان قبل أن يلجأ إلى أي تصرف وسلوك يؤذي الآخرين -أيًّا كان هؤلاء الآخرون- أن يحسب حسابًا جيدًا كيف يرتد هذا التصرف عليه، ثم يقول ما سيقوله أو يفعل ما يريد فعله. يتعين على من يتعرضون للازدراء أن يضعوا ردود أفعالهم في خط إيجابي دائمًا، وأن يختاروا طريق إزالة القبائح عبر استخدام السبل العلمية والقانونية، وألّا يتنازلوا عن مستواهم وشخصياتهم أبدًا، وألا يُخطئوا في الأسلوب. أجل، ينبغي أن تُدفع تلك النوعية من الهجمات والاعتداءات بما يليق بتصرف الإنسان المتحضر، وإلّا فإنه لن ينفع الندم والبكاء فيما بعد.

كم تمنيت لو أمكن تحقيق إجماع عالمي في موضوع احترام المقدسات! وسعيتُ إلى أن أُسمِع صوتي في هذا الخصوص إلى بعض السلطات، لكن يبدو كأنني عجزت عن التعبير عن مرادي –في هذا الصدد- تعبيرًا تامًّا واضحًا.

إن حرية الفكر والتعبير مفاهيم مهمة يُعتنى بها كثيرًا في عالمنا المعاصر. لكن -وللأسف- في الوقت الذي يُعدّ تحقيرُ الأديان والعقائد والمقدسات وسبُّها حريةَ فكر في رأي بعض الأوساط، لا تُعتبر هذه النوعية من الكلمات والبيانات القبيحة حرية فكر وتعبير بالنسبة للمجالات الأخرى، بل على العكس من ذلك إنها تُقبل على أنها جريمةُ حِقد وكراهية. والواقع أن المؤمن الحقيقي ممثِّل الأمن والأمان على وجه البسيطة لا يتكلم كلامًا ضد أحد بغير حق، ولا ينوي التحقير والتزييف في أي وقت، بل ولا ينبغي له ذلك. غير أنه من الواضح تمامًا أن إطلاق العنان لحرية الفكر والتعبير في بعض المجالات والساحات، ومَنْعَها في بعض المجالات الأخرى كيلٌ بمكيالين وانتكاسة خطيرة، وهذا يؤذي القلوبَ المؤمنة إيذاءً عميقًا.

والحاصل، أن ثمة حاجة ماسة اليوم إلى أن تمتلك الإنسانية كلها فكرة احترام المقدسات، وأن يُحفز هذا الشعور لدى الجميع من أجل الإنسانية. إذ ينبغي على منظمات دولية تشارك فيها كل الأمم أن تُقيم هذه المسألة على أساس لا يحتمل التأويل، ويلزم أن تُوضع قواعد حاسمة فاصلة. ليت الإنسانية كلها تتفق في هذا الموضوع! ليت كل إنسان يعرف حدوده! لأن المسائل النابعة من هذه النوعية من البذاءات والاعتداءات في عالمنا المعاصر المتصاغر المتضائل سوف تُظهِر نفسها في صورة مشاكل أكثر هولًا وأكبر حجمًا عند الإخلال بمبدأ احترام مقدسات الآخر، الذي هو أحد العناصر المهمة في العيش سويًّا في سلام.

الاتزان والاعتدال

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ما هي الأمور التي يجب مراعاتها حتى لا يقع منا إفراط أو تفريط في عصرنا الحاضر، فإن فيه انحرافات فكرية خطيرة في كل ساحة من ساحات الحياة تقريبًا، ويُسمح فيها بأنواع من المغالاة، هلا تبينونها؟

الجواب: إن الاتزان والحفاظ على الاعتدال أمر مهم للغاية حتى نتمكن من أن نجعل الدين حياةً لحياتنا، ونعيشه بالشكل الذي يلائم المراد الإلهي. وذلك لأن الوقوع في الإفراط أو التفريط يتحقق حين يُفتقد الاتزان، وعندئذ تتكون دائرة فاسدة نظرًا لأن الإفراط يولّد التفريط، والتفريط يولّد الإفراط. والواقع أن السبيل إلى السلامة من الإفراط والتفريط هو اتباع سنة مفخرة الإنسانية الهادي إلى الصراط المستقيم، والذي أوصى أمته بالاعتدال دائمًا.

الصراط المستقيم

يُعرَّف الصراطُ المستقيم في منظومة الفكر الإسلامي بأنه اعتدالُ كلٍّ من “القوة الشهوية”، و”القوة الغضبية”، و”القوة العقلية”، ويعبّر عن اعتدال كل هذه القوى بعبارة “الصراط المستقيم”. ويمكن ملاحظة أمور أخرى كثيرة مثل المنافسة، والتنافس، والنية، والنظر وغيرها في هذا الإطار. وبتعبير أصح يمكن الحديث عن وجود صراط مستقيم لجميع الطباع الحسنة والسيئة التي جُبل عليها الإنسان.

فمثلًا إن تناولنا “النظر” الذي يعني قراءة الأشياء والحوادث وتقييمَها، وجدنا أن المتفائل يمثل الإفراط، والمتشائم يمثل التفريط، بينما يمثل الناظر إلى حقيقة الأمور الحالَ الوسطَ بينهما. معلومٌ أن المتفائل هو من يتغاضى عن الشرور والشناعات، ويتناول كل شيء بجوانبه الحسنة والجميلة فحسب؛ أما المتشائم فهو من يرى كل شيء سيِّئًا حالكَ السواد. أما الناظر إلى الحقيقة أو الناظر بالهُدى فإنه يسعى ويجهد كي يرى كل شيء على حقيقته. والواقع أن “مَنْ حسُنت رؤيتُه حَسُنتْ رويّتُه وجمُل فكرُه؛ ومن جمُل فكرُه تمتَّع بالحياة وعاش حياة طيبة” كما ذكر الأستاذ بديع الزمان في “نوى الحقيقة”. بالإضافة إلى أنه يلزم -حتى في الأشياء القبيحة- التوجهُ إلى الأفكار الطيبة، والتقييمات الجميلة طالما أمكن التأويل. لكن هذا لا يعني تجاهل الواقع، والعيش في عالم الخيال والأحلام. إذًا إن ما ينبغي فعله هو رؤية كل شيء كما هو دون هروب من الحقائق ولا تجاهلٍ لها، ودون الوقوع في تشاؤم أو يأس؛ وهذا هو الاتزان في “النظر”.

والواقع أن النفس التي وُضعت في ماهية الإنسان، والتي تبدو كأنها شرٌّ في الظاهر تصبح خيرًا له إن تحرك على الصراط المستقيم؛ حتى إن الشيطان الذي يُضِلّ الناس ويفتنهم بإغوائه وتسويلاته، إن فُهمت الحكمة من خلقه فربما يكون سببًا لأن يتوجه الإنسان إلى الحق تعالى دائمًا ويلجأَ إليه؛ غير أنه إذا ما نُظر إليه -حاشا لله- كأنه قوة مستقلة، فذلك يعني أنه قد نُسبت إليه قوة وسلطة وهمية، كحال من يتوهمون قوةً وسلطةً في النور والظلمة، فهذا ضلالة. وكما تعلمون أن من يعتقد ذلك يدّعي أن كلًّا من النور والظلمة مصدرُ قوة متفردة مستقلة عن الأخرى، وأنه لا ضرر يأتي به النورُ، ويظنون أنه من الضروري إسعاد من يمثلون الظلام، وبذلك يرتكبون سيّئات لا تخطر على عقل ولا خيال لهثًا وراء فهم معوجّ كهذا. وقد راح عبدة الشيطان الذين يتحركون بالفلسفة نفسها يسعون لإرضاء الشيطان ليتمكنوا من اتقاء شره كما يزعمون. وكما أنه من الإفراط أن يعتقد الإنسان أنّ بإمكان مخلوقٍ عاجزٍ امتلاكَ بعض القوى والقدرات الخاصة بالخالق -وهو المخلوق الذي لا يملك أيَّ سلاح أو قوة في مواجهة الإنسان سوى التسويل والتزيين-؛ فتفريطٌ كذلك التغاضي عن همز الشيطان ولمزه، والاستهانة بتسويله وتزيينه. وهذا يعني التغاضيَ عن بيانات القرآن الكريم والسنة النبوية، والإعراضَ عنها. وذلك لأن الشيطان للإنسان عدوّ مبين، وربما يخسر الإنسان سعادته الأبدية على يد ذلك المخلوق الغدّار المكّار إن ظل (أي الإنسانُ) في غفلة ولم يُعطِ إرادَته حقَّها.

ضحايا النجاح

كما أن التوازن مهمٌّ للغاية في الأمور السلبية التي تقود إلى الهلاك، فمهمٌّ كذلك فيما رُزقه الإنسانُ من خيرٍ. بمعنى أنه كما ينبغي على الإنسان أن يكون متوازنًا في استغلال المشاعر الجانحة إلى الشر في طريق الخير، فعليه أيضًا أن يتجنب الإفراط والتفريط في الأعمال البدنية والروحية المتعلقة بالإيمان والعبادة والأخلاق، وألا يضلّ عن الصراط المستقيم. فمثلًا لا بدّ للمرء أن يتحرّى الدقة والكمال في كلّ ما يقوم به من عبادات وأعمال مثل الصلاة والزكاة والصوم والدعاء بل والتفكّر والذكر والتدبّر؛ لأن الله تعالى يقول في كتابه الحكيم: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (سُورَةُ التَّوْبِةِ: 105/9). ففي هذا البيان القرآني أمرٌ من الله جلّ في عُلاه بأداءِ الأعمال على الوجه الأكمل وكأنها ستُعرض على رقابة الله ورسوله والمؤمنين من أرباب البصيرة. والخلاصة أنه ينبغي للمرء حين قيامه بجميع العبادات أن يكون مهمومًا بفكرة “يا ترى! هل أنا أديتها كما ينبغي؟”، وأن يسعى دائمًا وراء الكمال.

ولا ينبغي للمرء أن ينسب النتيجةَ إلى نفسه أبدًا، حتى وإن أدّى عباداتِه على أكمل وجه، وألا يعامل ربّه بسوء أدب ووقاحة بأن ينسب الفوز والنجاح إلى نفسه؛ لأن الله تعالى هو خالق النتيجة.

وهكذا فإن كان من التفريط التقصيرُ في أداء العبادات والأعمال، وأداءُها في غفلة وفتور بلا عناية أو اهتمام؛ فمن الإفراط اغترارُ المرء بما بذله من جهد فيما قام به من أعمال، ثم ينسى توفيقَ الله له وينسب النتيجة إلى نفسه، فيسيء بذلك الأدبَ مع الله تعالى، وهذا يؤدي إلى زعزعة إيمان الإنسان وهلاكه في أودية الشرك والنفاق؛ لأنه في البداية بذل في عمله الجهدَ الكبير وتحرى الدقّة والكمال فيه، لكنه في النهاية استغلّ النجاحات التي حقّقها في سبيل الصيت والشهرة.

وعلى ذلك فالجدير بالإنسان الذي أحرز نجاحًا وتفوُّقًا فيما عمله لله أن يتّسم بالتواضع والمحو والخجل، وأن يقول دائمًا: “إن هذه النجاحات لا تليق بي، فما السبب يا تُرى في هذا الفضل والإحسان؟!”.

أجل، على الإنسان أن يؤدي ما يقوم به على أكمل وجه من ناحية، وأن يحقّر نفسه من ناحية أخرى ويذلّها كما يضرب الدبّاغ الجلد بالأرض حتى يهذّبه ويحسّنه.

ويجب على الإنسان أيضًا ألا ينسى أبدًا أن ما أحرزه من فوز ونجاح قد يكون ابتلاءً له واستدراجًا، وأن يخشى دائمًا الضلالَ والهلاكَ.

تأملوا، فقد ظهر مَن يدّعي النبوة من أمثال الأسود العَنْسِيّ ومسيلمة الكذاب، في عصر أضاء فيه النور الحقيقي كلَّ مكان، وأفَلَت دونه الشموسُ والأقمار. فهؤلاء البؤساء كانوا ضحايا لبعض القدرات والمهارات التي اكتشفوها في أنفسهم، فمُحوا وهلكوا تحت براثن الكبر والأنانية.

كثرة “المهديِّين” (!) في عصر الأنانية

لا جرم أن هذه النوعية من الانحرافات والضلالات لا تختص بفترة دون غيرها، فهناك كثيرٌ من الحوادث المشابهة في كلّ عصر ومصر. فقد تَرى أناسًا في عصرنا يجيدون الكلام بلباقة إلى حد ما، أو يدبّجون شيئًا من سطر أو اثنين، أو قطعوا مسافةً يسيرةً في المعنويات.. ثم يضيّعون التوازن ويحاولون أن يجعلوا من أنفسهم محاريب وبوصلات، ويقومون ويقعدون بـ”الأنا” و”حبّ الذات”. إن هؤلاء لما رأوا السُّذَّج من الناس يتحلّقون حولهم رغم ضآلة ما قاموا به أخذوا يرون أنفسهم أقمارًا تهدي السالكين. وأظن أن هذا هو السبب في كثرة عدد من يدّعون المهدية في زماننا، حتى إنني قد تعرّفتُ على خمسة أو ستة “مهديِّين” (!) داخل مجتمعنا، بل إن ثلاثةً منهم أراد أن يلتقي بي.

فعلى سبيل المثال جاءني قبل زمن يسير شابٌّ أخبرني أنه يبلغ من العمر اثنين وعشرين عامًا، وقال لي: “أستاذي، لقد كنتُ أحسب نفسي قديمًا حُسينيًّا فقط، ولكن بعد دراسة وتمحيص عميق في الآونة الأخيرة تبين لي أنني “حَسَنِيٌّ” أيضًا.” فحدثتُه عن بعض الأمور المتعلقة بالمحو والتواضع، وحاولت أن أفهّمه أن أمارة الصغر عند الصِّغار التكبّرُ والتطاولُ لإظهار أنفسهم للآخرين، أما أمارة العظمة عند العظام فهي الانثناء تواضعًا كالعصا.

وبعدما ذكرتُ له ما ذكرتُ انصرفَ وأنا أحسب أنه قد اقتنع، إلا أنه عند خروجه من الباب قال: “حسنًا يا أستاذي، ولكن ماذا عساك أن تفعل إن لم يعطوا لك حقّ الاختيار في هذا الموضوع”.

ليس هناك مقام سوى النبوة يُلزِم الإنسانَ بالإعلان والإبلاغ عنه. حتى وإن كان الشخص أبا حنيفة أو الشافعيَّ ليس من وظائفه إبلاغ الناس عن كونه أبا حنيفة أو الشافعيَّ، والمهديةُ كذلك. غير أنه من الصعب جدًّا إقناع أشخاص انغلقوا على مثل هذه الفكرة. اللهم اهدِ المتكبّرين الأنانيِّين الذين يدّعون المهدية إلى صراطك المستقيم!

وأنوّه أخيرًا إلى ضرورة ألا نتجاهل احتمالية وجود أشخاص يدّعون مثل هذه الأمور وإن كانوا ضمن دائرة صالحة مؤسَّسة على مفهوم المحو والتواضع والإخلاص ونكران الذات، بل إقناعُهم أصعب لأنهم ينسبون أنانيتهم الذاتية إلى الأنانية الجماعية.

فمثلًا قد يقول أحدهم: “كنتُ إلى الآن تلميذًا، وكان فلان محظيًّا بألف من الملائكة والروحانيات، إلا أن تسعمائة منهم فارقوه وأتوني”.

وهناك أمثلة كثيرة ومختلفة في كل عهد على مثل هؤلاء الذين قد يتعرضون للإغواء والخداع ويصبحون أسرى للنفس والشيطان.

ومن ثم لا ينبغي أن يغيب عن بال الإنسان احتمالية انتشار الأشواك حتى في العصر الذي تنبت فيه البذور وتحفّ فيه الورودُ البساتينَ، ولا بدّ للإنسان أن يسير في طريقه على يقظة وحذر وبصيرة.

أجل، ظهورُ مضلّلين ممكن في كلّ وقت، مضلّلين يتبعهم السذّجُ من الناس؛ فكما تنمو الأشواك مع الورود قد تغرّد العقائق مع البلابل، وربما يعجب صوتُ العقائق أناسًا لم يسمعوا صوت البلبل الرائع ولم تألفه آذانهم.

بناء على ذلك فحتى لا نفسح المجال للانخداع بادعاءات هؤلاء الناس فعلينا أن نتحرك بحذر ويقظة دائمة وأن ننظر إلى الحوادث ونرصدها بفراسة سيدنا أبي بكر الصديق وسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنهما ألف ألف مرة.

إصلاح النفس وإصلاح المجتمع

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: يُذكر أن مَن لم يستطع أن يحلّ مشكلات نفسه لا قِبل له بحلّ مشكلات مجتمعه. فما ماهية العلاقة بين إصلاح النفس وإصلاح المجتمع؟

الجواب: النفسُ موطن ومنبع للخصال الذميمة في الظاهر مثل الحقد والكره والشهوة والغضب، تلك التي وُضعت في جبلّة الإنسان لِحِكَمٍ ومصالحَ؛ وهي (أي النفس) آليّةٌ مهيّأة لتلقي وساوس الشيطان وإيحاءاته وكأنها تعمل مركزَ اتصالات له. لكن لا بدّ أن نعرف أن هذه الآلية -في الوقت ذاته- صالحة للتحول والرقي، بل إنها وسيلةٌ مهمةٌ لرقي الإنسان إلى العوالم المعنوية. ولكن أداء هذه الآلية مهمتَها بإيجابية متوقفٌ على تزكيتها وتربيتها تحت رقابة القوانين السماوية، تمامًا مثلما نكبح جِمَاحَ حصان إذا أردنا اتخاذه مَطيّةً. وإلا فإن تركناها لحالها غذَّت السيرَ وراء الأهواء والرغبات، وانقادت للشهوات المادية والحيوانية، وتتبعت المساوئ والشرور، وهذا يُودِي بالإنسان في النهاية إلى هُوَّة سحيقةٍ ويكون مصيره الموت والهلاك.

الطفل الذي لا ينفطم

يصوّر الإمام البوصيري في قصيدته المشهورة حالَ النفس غيرِ المزكّاة فيقول:

وَالنَّفْسُ كَالطِّفْلِ إنْ تُهْمِلْهُ شَبَّ عَلَى         حُبِّ الرَّضَاعِ وَإنْ تَفْطِمْهُ يَنْفَطِمِ

أجل، إن فُطِمت النفسُ في أوانها بطُرُق تقنعها أُلجمت كلُّ رغباتها الجامحة، ولكن إن تُركت للبهيمية ونَمَت تحت تأثير الأفكار والمشاعر السلبية تحوّلت إلى شيء صعب القياد وأرغمت الإنسانَ على التعلق دائمًا برغباته وشهواته ونزواته. وهذا يُفضي إلى إقامة حواجز وموانع بين الفرد والحقيقة، وإلى أن يعرّض حياته لخسوف وكسوف.

ومن ثمّ يستحيل على مَن هو أسير لنفسه ويحمل على عاتقه مشكلات نفسه أن يكون قدوةً للآخرين يرشدهم إلى الخير. إذًا على الإنسان أن يحلّ مشكلات نفسه أولًا، وسبيل ذلك إعطاء الإرادة حقَّها والتصدي لرغبات النفس وأهوائها التي لا حدود لها، والاكتفاء بالملذات والمتَع المتاحة في الدائرة المشروعة، وعدم إفساح المجال للنفس لتنزلق إلى الحرام. وهكذا تتخلص النفس من مرتبة “الأمّارة بالسوء” وتتجه إلى مرتبة “اللوّامة” التي تجعل الإنسان يلوم نفسه ويحاسبها على أطوارها وتصرفاتها، بل ترتقي إلى أفق “المطمئنّة” بصورة يطمئنّ فيها ضمير الإنسان إلى العلاقة بينه وبين ربّه. وكما يستعيذ الإنسان بالله من كثير من الأشياء الضارّة فعليه كذلك أن يستعيذ به صباحَ مساء من أنانيته ومن نفسه التي تعمل في داخله كمركز رئيسيّ للشيطان. فإن لم يحدث هذا فلن تعدل النفس عن إثارة المشكلات، ولن يتخلص الإنسان من مشكلات نفسه.

أعظم الجهاد

قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لغُزاة رجعوا من غزوة: “قَدِمْتُمْ مِنَ الْجِهَادِ الْأَصْغَرِ إِلَى الْجِهَادِ الْأَكْبَرِ” قالوا: “وما الجهاد الأكبر؟” قال: “مُجَاهَدَةُ الْعَبْدِ هَوَاهُ” (البيهقي: الزهد، 1/165). ففي الحديث دلالة على ما لهذا الأمر من أهمية عظيمة.

وإنّ ورود هذا الحديث عند عودة المسلمين من غزوة بالغة الأهمية والخطورة لَيساعدنا على المقارنة بين جهاد النفس ومحاربة العدو، كما أن له مغزًى عميقًا كبيرًا، حيث إنه قيل في وقتٍ يشعر فيه الجميع بنشوة الغلبة والنصر.

قد يُقال كلامٌ مهمٌّ ولكن لا يُراعى فيه الحالة النفسية للمخاطبين، فلا يبعث في القلوب تأثيرًا على المستوى المطلوب. فذِكرُ هذا الكلام في هذا المقام له أهمية بالغة في خلاص المسلمين من نشوة النصر التي يحتمل أن يغرقوا فيها. فلقد رغب عليه الصلاة والسلام من وراء هذا الكلام إلى أن يتصدى الصحابة رضوان الله عليهم للأفكار السلبية التي قد تتسلل إلى نفوسهم وهم يدخلون المدينة منتصرين غالبين.

والحق أننا نحسن الظن بسادتنا صحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، امتثالا لقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (سُورَةُ الْحَشْرِ: 59/10). ولكن مفخرة الإنسانية سيدَنا محمدًا (صلى الله عليه وسلم) لعلّه أراد الوقوف منذ البداية في وجه بعض الأفكار السلبية التي قد تتسلل إلى نفوسهم، مراعيًا في ذلك حالتهم الروحية، لأنهم بشر وأنه (صلى الله عليه وسلم) القائم بتربيتهم وتزكيتهم.

ففي الطريق إلى غزوة حنين خطر ببال بعض المسلمين فكرة “لن نغلب اليوم من قلة”، فمُنوا في بداية المعركة بهزيمة مؤقتة، ثم تحول الإدبار إلى إقبال بما بذله رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من شجاعة وإقدام.

وإذا ربطنا هذا بموضوعنا نقول: أجل، قد يقاسي الناسُ أحيانًا في جهادهم في سبيل الحقّ، ويتعرضون لمتاعب وصعوبات خطيرة، بل قد يلجؤون إلى التضحية بأموالهم وأنفسهم في هذا السبيل، فينصرهم الله ويؤيّدهم بفتوحات مادية ومعنوية، فأهمُّ شيء حينئذ أن يتصدى الإنسان منذ البداية لبعض الأفكار والمشاعر السلبية التي قد تتحرك داخله لحظة عودته منصورًا مظفرًا. إن ما يقوله الأستاذ بديع الزمان معيار مهمّ في هذا الصدد: “يا نفسي المرائية! لا تغترّي قائلة: إنني خدمت الدين، فإن الحديث الشريف صريحٌ بـ”أَنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ[1]، فعليك أن تَعُدِّي نفسكِ ذلك الرجل الفاجر، لأنكِ غير مزكّاة”[2]. إذ أثناء مثل هذا الفوز تزعزع حتى بعض أولياء الله الصالحين فدارت أعينهم -ناهيك عن الناس العاديين-.

فلو أن إنسانًا لم يتعهد نفسه بتربيتها وتزكيتها ولم يتمّم أخلاقياتها فهذا يعني أنه قد فقد الكثير، ولم يحظ بالسعادة الدنيوية والأخروية؛ لأن الإنسان بنفسه لا بجسمه.

يقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): “إِنَّ اللهَ لاَ يَنْظُرُ إِلىَ أَجْسَامِكُمْ وَلاَ إِلىَ صُوَرِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ” (مسلم: البر، 34؛ ابن ماجة: الزهد، 9).

 عندما يخشع القلب ينعكس هذا على الأحوال والأفعال، وقد لفت النبي (صلى الله عليه وسلم) الأنظار إلى هذا فقال:

“لَوْ خَشَعَ قَلْبُهُ لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ” (كنز العمال، رقم الحديث: 22530، نقلًا عن العسكري).

وعلى ذلك فمن الضروري أن يتوجه الإنسان إلى إنسانيته ويجادل نفسه ويحلّ المشكلات التي بينه وبين نفسه. ولأهمية هذا الأمر وصف الرسولُ (صلى الله عليه وسلم) جهادَ النفس بالجهاد الأكبر.

نِعَمٌ تصبح نِقَمًا

إن النفس كما تخدع الإنسان بالذنوب؛ فإنها ربما تقلبه رأسًا على عقب بالنِّعَم التي تفيض على الشخص زخًّا زخًّا. وعلى سبيل المثال فإن القرآن الكريم يخبر بأن قارون رغم أنه كان من قوم سيدنا موسى (عليه السلام) قد انقلب حاله رأسًا على عقب بسبب الثروة والإمكانيات التي امتلكها. وذلك أنه لم يؤمن بالله إيمانًا صحيحًا، وعجز أن يحل المشكلة في نفسه. ورغم أنه كان يبدو مؤمنًا إلّا أنه ما استطاع أن يحوّل إيمانه إلى يقين، وما تمكن من التوجه إلى أفق الإذعان. أي إنه لم يستطع أن يحوّل المعلومات النظرية إلى المعرفة بواسطة العمل، وما وصل إلى علم اليقين، وما تسنى له أن يدنو من عين اليقين على وجه الخصوص. ولذلك قال يومًا: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ (سُورَةُ القَصَصِ : 28/78) فأصبح من الخاسرين نتيجة اغتراره بالإمكانيات الدنيوية رغم أنه كان إلى جانب موسى عليه السلام، وبالقرب منه، يعيش بين قومه.

والسامري أيضًا كان من قوم موسى عليه السلام، وكان إنسانًا يُجيد الحديث، وله مهارات مختلفة. لكنه أيضًا استخدم تلك المهارات الموهوبة له في صنع صنم على صورة عِجْل، فانقلب رأسًا على عقب وخسر. وذلك أنه عاش حياته حتى آخرها منفيًّا شريدًا كما جاء في القرآن الكريم: ﴿فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لاَ مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ (سُورَةُ طَهَ: 20/97).

والملاحَظ أنه حين لا تُحَلُّ المشكلة في نفس الإنسان، فإن نعمة الله ذاتها تتحول إلى مصيبة على الإنسان. وبتعبير مختلف؛ إن الأشياء التي تبدو نِعَمًا قد تتحول إلى نِقَم على الإنسان وهو لا يشعر. بل إن المعرفة تصبح نِقمة وبليَّة عليه، والقدرة والتمكن من الإدارة يستحيل إلى بلية، وحفاوة الناس به تُضحي بلية، كما يصير شغل مناصب معينة أيضًا بلية… أجل، إن الإنسان حين يمتلك تلك الإمكانيات ربما يشرد عن طريق حضرة روح سيد الأنام (صلى الله عليه وسلم)، ويسلك طرق أمثال الفرعون رمسيس، وآموفيس، وابن شمس.

وأريد أن أوضح الموضوع أكثر عَبْر منقبة يُروى أنها وقعت في زمان موسى عليه السلام. والحقيقة أنه يمكن النقد في أصل وثبوت هذه النوعية من المناقب، غير أن المهمّ في المناقب هو العبرة والفائدة منها، لا أصلها وثبوتها. يعني أن المهم هو المعنى الذي تفيده لنا المنقبة وما سنأخذه منها من دروس. نعم، يُحكى أن سيدنا موسى عليه السلام رأى في طريقه إلى جبل الطور واحدًا توارى في الرمال لأنه لم تكن لديه ثياب تستره. فرجا ذلك الشخصُ موسى عليه السلام أن يدعو الله تعالى له كي يكون ذا مال. فلما ذكر موسى عليه السلام طلبَ الرجلِ بين يدي الله تعالى، أُخبرَ بأن هذه الحال هي الأفضل لذلك الرجل. ونقل موسى عليه السلام هذا الخبر إلى الرجل، غير أن الرجل ألحّ في طلبه بدعوى أن أشياء أخرى مختلفة قد تكون خيرًا أيضًا. وفي النهاية أمر اللهُ تعالى موسى عليه السلام أن يساعد ذلك الرجل. فاشترى الرجلُ بعد فترة زمنية شاةً بمساعدة موسى عليه السلام. فتزايد الشياه عنده في زمن قصير، وصار الرجل صاحب قطعان من الأغنام. ومرت السنون والأيام ورأى سيدنا موسى عليه السلام جمعًا في مكان ما وهو ذاهب إلى جبل الطور أيضًا. وحينما دنا منهم وسألهم عن الحادثة قالوا له: “كان ثمة رجل فقير جدًّا ههنا، وبعد مدة أعطاه الله تعالى إمكانيات واسعة، غير أن هذا الثراء لم ينفعه، إذ بدأ يشرب الخمر، فشرب ذات يوم من الأيام وغاب عن وعيه، وبادر أحد الناس بالعراك، فقتله، والآن يُجرى القصاص منه”.

والحاصل أن الإنسان الذي لا يحلّ مشكلاته في نفسه، كثيرًا ما يجعل -كما ثبت في التاريخ وفي يومنا الحاضر- كلَّ واحدة من التوفيقات المعنوية والمادية وسيلةً لهلاكه. فإن كانت النعمة تُبعد الإنسان عن الله تعالى وتسوقه إلى الغفلة، فإنها ليست نعمةً وإنما هي نقمة في شكل نعمة. أجل، ينبغي أن يُعلم جيِّدًا أن الشيء الذي يُبعد الإنسان عن الله تعالى -حتى وإن كان هذا فتْحَ إسطنبول- هو بليّة سلّطها الله على الإنسان، تُوقعه في أكبر خسارة حيث مأمَلُ الفوز. والطريق للوقاية من كل هذه المخاطر هو عدم التخلي في أي وقت عن الجهاد الأكبر، أي مجاهدة النفس، والتنبُّه والتيقُّظ الدائم في مواجهة حِيَل النفس ومكائدها.



[1] البخاري: الجهاد والسير، 2834؛ مسلم: الإيمان، 162.

[2] بديع الزمان سعيد النورسي: الكلمات، خاتمة الكلمة السادسة والعشرون.

روابط الأخوة النورانية

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ورد في “الخطبة الشامية”[1] أن الجهل بالروابط النورانية التي تربط أهلَ الإيمان بعضَهم ببعض من أخطر الأمراض التي حالت دون تطوّرنا ورقيّنا، فما هذه الروابط النورانية؟

الجواب: حينما ألقى بديع الزمان سعيد النُورْسِي خطبته الشامية بالجامع الأموي في دمشق كان العالم الإسلامي يتعرض لمصائب وكوارث لا نظير لها ولم يشهدها طوال تاريخه؛ فسعى الأستاذ بديع الزمان -رحمه الله- في مثل هذا الجو إلى البحث عن وسائل لاستثارة حميّة هؤلاء الناس الذين ركنوا منذ سنوات إلى الدعة والخمول وكأنما أصابهم الصدأ، وغدوا لا يصلحون لشيء، فضمرت خلاياهم العصبية، وضعفت قابلياتهم وقدراتهم على التحرك والنهوض من جديد، محاولًا تحريك حواسّهم الظاهرة والباطنة، المادية منها والمعنوية مرة أخرى.

وبدلًا من أن يذكّر الناس بجو الموت بكلمات مخيّبة للآمال ومارشات جنائزية مثل المارش الجنائزي لـ”شوبان”، نراه يترنم بعبارات قوية هادرة كالأصوات التي تُطلقها الجوقات الموسيقية العسكرية قائلًا: “كونوا على أملٍ، إن صوت الإسلام الهادر سيصبح أعظم الأصوات وأعلاها في انقلابات المستقبل”؛ أراد بذلك أن يكون مصدرَ أمل للإرادات الميتة. إن الحديث وقتَ انبلاج الفجر عن بعض الأمور التي تبعث على الأمل وإن عُدَّ من المهارة، لكنه ليس مهارة كبيرة؛ المهارة الحقّة تكمن في القدرة على إلقاء هذه الكلمات التي تشحذ الإرادات وتُحييها في وقت لا يطلُع فيه ولو فجرٌ كاذب.

روابط الأُخوَّة بعدد الأسماء الإلهية

أجل، قام الأستاذ بديع الزمان في هذه الخطبة التي ألقاها قبل نحو قرن من الزمان بتشخيص الأمراض التي تحول دون رقيِّنا وتقدُّمنا أولًا، ثم وضع الوصفات العلاجية اللازمة لإحياء العالم الإسلامي من جديد، فكان من أعظم الأمراض التي شخّصها: الجهلُ بالروابط النورانية التي تربط أهل الإيمان بعضهم ببعض، أما الوصفة الطبية التي وضعها فهي إحياء مفهوم الوفاق والاتفاق وروح الشورى من جديد.

في الواقع تكلم الأستاذ النُورْسِي عن هذا الموضوع في الخطبة الشامية إجمالًا، وأخضعه فيما بعد للشرح والتفصيل في “الملاحق”، و “رسالة الإخلاص” و”رسالة الأُخوَّة”. فذكر مثلًا في “رسالة الأخوة” أن هناك روابط للوحدة والوفاق والأخوة بين المسلمين بعدد الأسماء الإلهية، وعدّدَ منها: “إن ربنا واحد، ونبينا واحد، وديننا واحد، وقبلتنا واحدة، ووطننا واحد…” ثم لفت الانتباه إلى عِظَم هذا الأمر وأهميته بقوله “وهكذا واحد، واحد… إلى أن تبلغ المائة والألف”. 

قال النبي صلى الله عليه وسلم: “الإيمانُ بِضعٌ وسبعون أو بضعٌ وستون (شكَّ الراوي)- شُعْبة” (مسلم: الإيمان، 57). ويمكن أن نعدّ هذا كناية عن الكثرة، فكلّ شعبة من هذه الشعب ما هي إلا رابطةٌ لا تنفصم تربط بعضنا ببعض، كما أن الحقائق التي بيّنها القرآن الكريم هي روابط قوية متينة تربطنا أيضًا ببعضنا.

من جانب آخر فإننا عند تناول هذا الأمر على مستوى أمة، نجد أن هناك كثيرًا من الروابط المشتركة فيما بيننا؛ حيث إننا نعيش معًا منذ زمن طويل تحت ظل وطن واحد وفوق أرض واحدة؛ وعلى ذلك فنحن أبناءُ قَدَر واحد وثقافةٍ واحدة وتربيةٍ واحدة، وقد وقعنا تحت نِير ظلم واحد واضطهاد واحد واستضعاف واحد. ولهذا نبّه الأستاذ أنه من الظلم البيّن أن نقوم بسلوكيات تفضي بنا إلى الشقاق والنفاق والحقد والعداء رغم وجود هذا القدر من القواسم المشتركة التي تستلزم المحبة والأخوة.

 إرادة التخلي عن الثوابت الشخصية

إن بقاء تلك الأواصر النورانية دون أن تهِن مرتبطةٌ بتخلي كل فرد -إذا لزم الأمر- عن ثوابته واجتهاداته واختياراته الشخصية؛ وأن يعيش رغمًا عن نفسه من أجل الالتقاء عند نقطة مشتركة. ولو عبرنا عن هذا الخصوص بمفهوم فضيلة الأستاذ نقول: إذا أمكن تحقيق الاتفاق على “الحسن” في مسألة ما، فلا ينبغي السقوط في الاختلاف في “الأحسن”، وبتعبير مختلف: إن كان السعي وراء “الأحسن” سوف يُوقِعنا في النزاع، وجب حينئذ السكوت والاكتفاء بـ”الحَسَن”. ومن هذه الناحية فإنني أرى أنه يتوجب عدم السعي إلى النزاع بين الإخوة بسبب الرغبة في الأحسن، طالما أمكنت إقامة الوحدة والتعاون حول حَسَن، كما ينبغي ألا تطرح على الساحة دواعي الاختلاف والافتراق. لأن الحق تعالى يرسل توفيقاته السبحانية مرتبطةً بالوفاق والاتفاق، فإنه وإن كان ما يُتّفق عليه “حَسنًا” ظاهرًا فحسب، فهو في الحقيقة أحسن من الأحسن. ولهذا السبب فإن تحاشي استخدام قسم من المسائل الفرعية عنصرًا يثير الفُرقة أمرٌ مهمٌّ جدًّا للحفاظ على روح الأُخوَّة.

أجل، يجب على الإنسان أن يضع في حسبانه أحاسيس الآخرين فيتخلى -إذا لزم الأمر- عن اجتهاداته واستنباطاته الشخصية. وبهذه الطريقة لا تُعطى الفرصة لأن تُتخذ آراءٌ خاصة بالفروع وسيلةً للاختلاف.

فمثلًا أداء الصلاة بشكل يوافق حقيقتها أمر مهم للغاية. وعلى حد قول “الإمام الأَلْوارلي” فإن “الصلاة عماد الدين ونوره، والصلاة هي التي تُسيِّرُ سفينة الدين، فالصلاة هي رأس جميع العبادات…”. وحقيقة الصلاة أن يتجرد المرء من نفسه، وأن يستشعر نفسه بين يدي الحق تعالى وكأنه في معراج. إذ ينبغي على الإنسان -بقدر سعة أفق عرفانه- أن يُطهّر قلبه من كل ما سوى الله بداية مِن حين ينوي الصلاة، وألّا ترى عينُه أيَّ شيء غيره تعالى ألبتة، ثم أن يقيم صلاته في وجد واستغراق وكأنه في بعد مختلف يشاهد تجليات مختلفة. غير أننا -بصفة عامة- أشخاص أُمِّيّون، وإن الصلاة التي يؤديها أمثالنا شكلية وصورية غالبًا. بيد أنه ينبغي ألا يُنسى أن الإنسان لو كان يؤدي صلاته مراعيًا أركانها وشروطها، حتى وإن كانت صورية، فقد أدى وظيفته من حيث الظاهر. فليس من الصواب إطلاقًا استخدامُ أسلوب ولغة اتهامية للناس، بدعوى أنهم لا يؤدون الصلاة بالمعنى والفحوى الحقيقي. وما يجب فعله هو قبول المسألة على حالتها هذه، حتى وإن كانت شكلية وصورية، ولا ينبغي أن نقع في الاختلاف رغبةً في الوصول إلى أعلى الدرجات وربطًا للمسألة بأقصى الغايات، وأنجبها، وأفضلها. وإلا فإن الإنسان وهو يبحث عما هو أفضل قد يهوي في لجة مختلف القبائح دون أن يدرك، وهذا يتسبب في قطع حفاوة الله بنا، ونظرِه وتوفيقِه وعنايتِه سبحانه وتعالى.

وهذه الملاحظات يأتي مثلها للزكاة أيضًا؛ فقد تصفون الزكاة التي تُدفع بنسبة واحد في الأربعين بأنها “زكاة البخيل” لِحَثّ الناس على الإنفاق ولتتمكنوا من تحريك “شعور الإعطاء” في القلوب، وتطلبون من الناس أن يعطوا الزكاة بمقدار واحد في العشرين، واحد في العشرة، واحد في الخمسة. ومهما كان هذا الأمر جائزًا في أسلوب الترغيب، فإن عليكم تجنُّبه على الإطلاق إن كان تصرفكم بهذا الشكل سوف يفتح بابًا من أبواب الخلاف ويتسبب في المنازعة والجدال، ولا بد من أن تُعتمد أحكام الدين الموضوعيةُ أساسًا في هذا.

ففي الصحيحين: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلّمه عليه الصلاة والسلام ما عليه من صلاة وصيام وزكاة، فقال الرجل: “لا أزيد على هذا ولا أنقُص”، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ” (البخاري: علم، 6)، فهذه إشارة إلى مسألتنا هذه؛ فإن اعتبرتم -وفق أحكامكم الشخصية الخاصة بكم- أن أقصى الغايات هي السبيل الوحيد للنجاة، أبعدتم مخاطبيكم عنكم، وحرمتموهم بعضَ الأعمال الصالحة التي يستطيعون القيام بها، وربما تكونون قد أيقظتم لديهم الشعورَ بالحسد والغيرة تجاهكم. وقِسِ العبادات والمسؤوليات الأخرى على هذا.

والخلاصة إنّ حثّ الناس على الوصول إلى أفق معين أمرٌ، وحصر المسألة في دائرة معيَّنة ومستوى معين أمرٌ آخر تمامًا. فإن كان لديكم أفق باعتبار حياة الروح والقلب دعوتم الناس إلى ذلك الأفق؛ غير أن تحقيق الاتفاق في مسائل يمكن الخلاف فيها، والوقوفَ عند نقطة الاتفاق هو الأمرُ الأهمُّ. ومن هذه الزاوية لزام علينا أن نبحث في كل مكان وزمان عن وسائل الاتحاد، وأن نركّز على الوفاق والاتفاق، ونبذل كل أنواع التضحية لحماية روح الوحدة.



[1]  ألقى الأستاذ بديع الزمان سعيد النُورْسِي خطبة وهو في شرخ الشباب باللغة العربية في الجامع الأموي بدمشق، وكان بإلحاح علماء الشام، وحضرها جمٌّ غفير من الناس يربون على عشرة آلاف شخص، وطُبعت كتابًا بعنوان ” الخطبة الشامية.”

الحماسة والوَلاء

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ما هي الأمور التي يجب الانتباه إليها عند الحديث عن الأشخاص العظام الذين عرفْنا بهم الحقَّ والحقيقة، ومن ثم فإننا نحترمهم ونحبهم حُبًّا عميقًا؟

الجواب: إن القلوب المؤمنة بينما تسعى وتجهَد كي تفيض إلهامات أرواحها إلى صدور مخاطبيها قد تضطر أحيانًا إلى الحديث عن مجموعة من الجماليات الخاصة بالدائرة التي تعيش فيها. لكن في مثل هذه الحالة لا بد من أن يُوضع في الحسبان، وبشكل مطلق، الشعورُ العامّ لمن يسيرون في خط مختلف خارج هذه الدائرة. قد يتحدث غيرُنا عن الجماليات التي شاهدوها وعاينوها في دائرتنا ويكتبونها وفقًا لفهمهم وأسلوبهم الخاص، غير أن القلب المؤمن لا ينبغي أن يغلبه شعور الحماسة ألبتة، وألّا يستخدم عبارات مبالَغًا فيها قطعًا وإن كان حديثه عن أشخاص يحبهم لدرجة العشق ويحترمهم كثيرًا. ولا سيما إن كانت الأمور التي سيُعبّر عنها لا تَمُتُّ بِصلة مباشرة إلى روح الدين، وكانت مسائلَ فرعية ومن الوارد وقوع الاختلاف إذا ما جرى الحديث عنها؛ فلا بد إذًا من إظهار أقصى درجات الحساسية لنتجنب الخوض في مثل هذا النوع من الموضوعات.

فمثلًا؛ قد يرتبط أحدٌ بحضرة محمد بهاء الدين النقشبند ارتباطًا وثيقًا، لدرجة أنه -باعتبار حالته الروحية- لو كانت لديه ألف روح لضحّى بها جميعها من أجله رغبةً وحبًّا فيه. غير أن النقشبندية نفسها -إلى جانب غيرها من الطرق والمناهج الأخرى- لها شُعَبٌ مختلفة تتشعب إليها مثل: المجددية، والخالدية، والكفروية، والطاغية، وقد يكون بين هذه الشعب نوع من التنافس على نحو ما. والواقع أن التنافس ينبغي ألّا يعني مزاحمة الآخرين، بل التسابق في الحق بملاحظة “ألّا أتخلّفَ عن إخواني”. وبتعبير آخر ينبغي أن يكون التنافس هو طرزَ حركةٍ ومنطق سباقٍ مرتبطًا بفكرة “عليّ ألّا أبقى خارج الجنة بينما يدخلها إخواني، بل يلزم أن أدخلها معهم”. بيد أن الناس يختصمون حين لا يتناولون هذا الشعور بتوازن، وحين لا يحافظون عليه، أو يستعملونه استعمالًا خاطئًا. بل قد لا يقف الأمر عند هذا الحد، فيتحول الشعور بالمنافسة إلى شعور بالحسد والحقد، وهذا أمر خطير جدًّا بالنسبة لأهل الإيمان. وبهذا الاعتبار فإن القلوب المؤمنة ينبغي عليها، وبكل تأكيد، ألّا تربط المسألة بِـ”الانتماء” المتعصب حتى لا تُهيِّج وتثير نوازع حَسَد إخوانها الذين يعملون ويجتهدون في خطوط أخرى، وعليها أن تتحكم في مشاعرها من أجل تحقيق الوفاق والاتفاق بين المؤمنين.

أعلى المراتب

الصدق والولاء للأشخاص ليس هو الأصل، بل الأصلُ الصدقُ والولاء للفكرة المثالية التي يحاول أولئك الأشخاصُ تحقيقَها بكل ما يملكونه. وذلك لأن الأشخاص فانون والأفكار باقية، كما أنه ليس ثمة مرتبة أعلى من الصدق والولاء؛ ففي آيةِ ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (سُورَةُ النِّسَاءِ: 4/69) قُدِّم الصدقُ على الشهادة والولاية. فسيدنا أبو بكر الذي هو أعظم الناس مرتبةً بعد الأنبياء يُلقّب بِ”الصدّيق الأكبر”. وبهذا فليس المهمّ استخدامنا عبارات مبالغًا فيها بحق أولئك الذين نحبهم ونحترمهم، بل المهم هو السير بقدر المستطاع في الطريق الذي سلكوه واتباعهم في كل خطواتهم.

إلى جانب ذلك فإن من يدّعي حبّ شخص ما لدرجة العشق، فدعواه -في رأيي- غير صادقة إن لم يتأثر نفسيًّا كلما تذكّر ذلك الشخص، ولا يرفع يديه بالدعاء بعدما يصلي مائة ركعة في الليل قائلًا: “اللهم احشرني معه”، والأهم أنه لا يضحّي بما لديه في سبيل رسالة محبوبه. وبالطبع فإن هذا المعيار هو ما ينبغي على الإنسان مراعاته دائمًا بينما يحاسب نفسه ويسائلها. وإلا فما كان لنا أن نتّهم أحدًا بعدم الإخلاص والصدق.

هناك شيء لا بد من معرفته أيضًا وهو أنكم إن رحتم تتحدثون عن شخص ما بملاحم حماسية فإنكم حينئذ تستفزّون الآخرين دون أن تشعروا، وتتسببون في تكوين جبهات كثيرة ضده. حتى إن كلامكم وسلوككم وتصرفاتكم المبالغ فيها لا تقف عند حد تهييج القطاعات المعادية للدين فحسب، بل إنها قد تتسبب في إحداث تهييجات بمستويات مختلفة بين المؤمنين أيضًا. أجل، إننا حين نختزل القضية في الأشخاص ونضيّقها نكون قد دفعنا الذين يخدمون الإسلام في خطوط مختلفة إلى المنافسة والشحناء، وربما نتسبب في هلاكهم بذنب الحسد. وبهذا الاعتبار أقول مرة أخرى: ليس المهمّ ذكرَ مَن نحبّهم، إنما المهم هو الصدق والولاء التام لقضاياهم.

عباراتٌ تنطوي على مبالغات ضارّة تكاد تكون خيانة

وإنه لظلمٌ بيّن وإجحافٌ كبير أن ننسب كلَّ جميل إلى الرُّوّاد والموجِّهين، وننعتهم تبعاً لذلك بعبارات مبالغٍ فيها؛ لأن كلّ نجاح وكل فوز إنما هو إحسان من الله تعالى لروح الوحدة والتضامن. ومن ثمّ فإن عزْوَ كلّ الخدمات في سبيل الحق إلى الرُّوّاد والموجِّهين دون غيرهم قد يُفضي إلى الشرك بالله والعياذ بالله، فضلًا عن أنه ظلم كبير لجهود ومساعي هؤلاء الذين جاهدوا وثابروا في سبيل تحقيق هذه الخدمات الجليلة.

أما مسألة الرّيادة فعلينا ألا ننسى بداية أننا جميعًا إخوة، وقد يسبق بعضُنا بعضًا في الدخول إلى ميدان الخدمة بجَبْرٍ لُطْفِيٍّ من الله؛ بمعنى أن الله تعالى قدّر في اللوح المحفوظ مولد شخص ما في وقت مبكّر، ولا قِبلَ للإنسان بتحديد موعد مولده، فلا قيمةَ إذًا مطلقًا لمسألة التقدم والتأخر في الدخول في سلك خدمة الدين.

ولا جرم أننا نوقّر دائمًا كبارنا وعظماءنا إذعانًا لقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) “ليس مِنّا مَنْ لم يوقِّر كبيرنا ويرحم صغيرنا” (الترمذي: البر 15)؛ لكن ليس معنى هذا رفْعَ هؤلاء الكبار والعظام إلى درجات ينوء كاهلهم بها والحديث عنهم بعبارات مغالًى فيها. فمثلًا مَن عرف حقائق الإيمان على يدي شخص، ربما يعتبره قُطبًا من الأقطاب. ولكن إن غالى وآثر التعبير هنا وهنالك عن مشاعره بملاحم حماسية، فإنه بذلك خانَ الفكرةَ المثالية التي كان يسعى لتحقيقها هذا الشخص.

هناك إخوة لكم من الذين هاجروا إلى شتى بقاع العالم نجحوا في إنجاز خدماتٍ عظيمة، إلا أنّ نعتَهم بأسماء وألقاب مبالغة ورفْعَهم إلى أعلى عِلِّيِّين يُعدّ خيانة لـ”حركة المتطوعين” هذه، حتى وإن خلا هذا من الغرض والهوى؛ لأن هذا يتسبب في تكوُّن جبهات جديدة للحسد ممن لا يستسيغون وجودكم. ومَن ليس لهم معرفة بمعاييركم  قد يغالون في هذا الأمر، وليس بوسعكم تكميم أفواه الناس، إلا أن لكم وعليكم أن تحفظوا أفواهكم من العبارات المُغالى فيها وتعفّوا ألسنتكم من هذه الملاحم الحماسية.

إنني أرى هذا الموضوع بالغ الأهمية بالنسبة لمستقبل “حركة المتطوِّعين”. ولذا فأنا على اعتقاد بأنه لا بد من تنبيه وتحذير مستمرّ في هذا الموضوع، وإن شئتم فاعتبروه “واجبًا خِدميًّا”.

التوقيع بِـ”لا شيء”

ومن ناحية أخرى فمن الأهمية بمكان عند الالتقاء بمَن يبذلون خدماتهم على طُرق ومناهج أخرى أن نبدأ كلامنا بذكر الشخصيات التي تتبوأ منزلة كبيرة في قلوبهم وبذكر فضائلهم، ونتحدثَ عنهم بكل تبجيل وتقدير؛ لأن الاحترام والتقدير يقابَلان بالاحترام والتقدير. ولكن إن حصرتم فكركم وظللتم تتحدثون عن منهجكم فقط لحبكم الشديد له، فإنكم بذلك توسّعون الهوة بينكم وبين مخاطبيكم، وتتسببون في ردود فعل سلبية إزاء مسلككم. بيد أنه ينبغي للإنسان الذي يحبّ مسلكه ويرتبط به بحبّ وعشق عميقين وينشد احترام الآخرين وتوقيرهم للدائرة التي هو فيها أن يفكِّر جيدًا في سبيل تحقيق هذا: هل سبيلُه أن يقدِّم مَن هم في دائرته أم أن يتقبل الآخرين ويحترمهم ويقدّرهم؟

خلاصة القول أننا معشر المؤمنين وإن كنا في خطوط مختلفة في شارع خدمة الدين، فكلٌّ منا يحمل جانبًا من هذا الكنز الثمين السامي.

وليس من الصحيح أن يقول أحد: “إن هذا أو ذاك يحمل أثقل جانب من هذا الكنز”، لأن هذا يتسبب في إثارة مشاعر التنافس والتحاسد. إن كانت الحقيقة على هذه الصورة فسينال هذا الشخص أعظم ثواب في الآخرة لا شك فيه، ولكنا إن حاولنا تلميع صورة بعض مَن هم على منهجنا بعبارات مبالغ فيها، وقعنا في أوحال الشرك لِعَزْونا الإجراءات الإلهيةَ إلى العباد، وأفسدنا روح الوفاق والاتفاق. بيد أنه ينبغي لمن اتخذوا التوحيد غايتهم الأصلية وأعلنوا الحرب ضد الشرك ألّا يفسحوا المجال لتسرّب أي ذرة من الشرك إلى قلوبهم؛ لأن الله تعالى هو ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (سُورَةُ الأَنْعَامِ: 6/102؛ وسُورَةُ الرَّعْدِ: 13/16؛ وسُورَةُ الزُّمَرِ: 39/62؛ وسُورَةُ غَافِرٍ: 40/62) ،﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (سُورَةُ الصَّافَّاتِ : 37/96)؛ هذا وانطلاقًا من أن الله تعالى هو الخالق لأفعالنا فعلينا أن نعلم أن نسبة الفعل إلى العبد كارثةٌ عظيمة حلّت على العالم الإسلامي من جرّاء الفلسفة الإغريقية، وعلينا أن نتخلص من هذا كله فنتشبث بشدة بالتوحيد.

ومن العوامل المهمة للوصول إلى التوحيد معايرة  الإنسانِ نظرتَه إلى نفسه أمام الله عز وجل. وفي هذا السياق تدركنا مقولةُ: “أيتها النفس المرائية، لا تغترّي بقولكِ: “أنا خدمتُ الدين”، فإن الرسول (صلى الله عليه وسلم) يقول: “إِنَّ اللهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ” (البخاري: الجهاد 182)، وبهذا السر عليكِ أن تعتبري نفسَكِ ذلك الرجلَ الفاجر، لأنكِ لستِ مُزكّاةً” (بديع الزمان، الكلمات، خاتمة الكلمة السادسة والعشرين). يؤكد صاحب هذه العبارات على مكانة نفسه، ويعتبر نفسه مجرد مَمَرٍّ للجماليات تمرّ به، لا مَظْهَرًا لها (الكلمات، الكلمة الثامنة عشرة)، ويعدّها لا شيء. إنه بعباراته هذه ليعطينا درسًا عظيمًا بصفته مُوجِّهًا ومعلِّمًا، فإن كان هو يصف نفسه ب”اللاشيء” فإنني أرى أن علينا أن نصف أنفسنا بـ”اللاشيء في اللاشيء”.

الأماكن الهادئة وبرامج القراءة

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: إن الإنسان المعاصر يضيق صدره في خضم أنواع وأنواع من ضوضاء الحياة ومشاغلها اليومية، فكلما وجد الفرصة سانحة يبحث عن مكان هادئ وشرم منعزل، كما ترغب القلوب المؤمنة في الاستفادة من تلك الأماكن الهادئة لصالح حياة القلب والروح. فما هي الأمور التي يجب الانتباه إليها حتى نستطيع الاستفادة الكاملة من برامج هدفُها تحقيق هذه الغاية؟

الجواب: لكلٍّ منّا مجموعة من الوظائف في الحياة الاجتماعية يجب عليه أداؤها؛ والواقع أن المؤمن مطالَبٌ بأن يُخالِط الناسَ ويعايشهم إن كان يريد نفع المجتمع، وتوجيهَ مخاطبيه إلى أفق معين، وإرواءَ أراوحهم بالقِيَم التي يملكها. أجل، على الإنسان المؤمن بالله واليوم الآخر إيمانًا حقيقيًّا، أن يخالط الناس وأن يكون كبوصلة القبلة يرشد من حوله إلى قبلة الحق والحقيقة دائمًا. فمفخرة الإنسانية (صلى الله عليه وسلم) قال: “اَلْمُسْلِمُ إِذَا كَانَ مُخَالِطًا النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ خَيْرٌ مِنَ الْمُسْلِمِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ” (الترمذي، صفة القيامة). ولهذا أرى أن العزلة الدائمة والخلوة المستمرة معناهما التنصل من المجتمع ومن الوظائف الاجتماعية. وبهذا الاعتبار فإنني أظن أن الإنسان الذي يهرب من تلك الوظائف يأثم، حتى وإن كان ذلك لنيل الكمالات والفيوضات الشخصية؛ لأن الأصل في الإسلام هو مصاحبة الحق بين الخلق، والسعي لخدمة الإنسانية.

نعم، إننا نواجه بعض المواقف التي نكرهها خلال مخالطتنا للناس لأجل الوصول إلى غاية عُلوية؛ حتى إننا قد نسير في الوحل بلا وعي ويصيب الوحل ملابسنا من باب البلوى العامة. أجل، قد تتلوث عيوننا ونحن في الحياة الاجتماعية، وتتدفق الشوائب إلى آذاننا دون أن ندرك، فيتعكر عالمنا الداخلي بلَوثيَّات عدة.

ومن ثم فإن الذين يصبرون على كل هذه السلبيات في سبيل فكرة مثالية سامية يحتاجون أحيانًا إلى الانزواء في مكان نقي الهواء، واستنشاق الأكسجين هناك حتى يستوفوا منه، واستعادة طاقتهم من جديد كي يتنقَّوا مما تعرضوا له من أوساخ، ويطرحوا عنهم ما علق فيهم من أقذار. وأنا على قناعة بأن فعاليات المدارسة والقراءة في إطار غاية كهذه تعتبر نوعًا من أنواع العبادة.

لكن ثمة أمر يجب الانتباه إليه في هذه النقطة وهو أن تلك الأماكن الهادئة والشروم المنعزلة التي يتوصل إليها بتكبُّد مجموعة من المشاقّ والنفقات ينبغي أن يُستفاد منها دون أن يُضيّع فيها ولو مجرد لحظة واحدة، وأن تُعمر بفعاليات القراءة المنتظمة، وتُحيا بالأوراد والأذكار. أجل، يجب أن تُشكَّل سمفونيات وجوقات موسيقية من الأذكار والتسبيحات التي تتفجر من القلوب وتهزّ الأرض والسماء، حتى يشعر سُكّان الملإ الأعلى بالرغبة في الاشتراك فيها.

مناخٌ منفتحٌ على الروحانيات 

كان الأصدقاء في مخيمات القراءة القديمة التي تُقام في أشهر الصيف ينزوون ليلًا هنا وهنالك يتلون القرآن ويرددون الأدعية، الأمر الذي كان له بالغ الأثر في نفسي؛  كما كانوا في الوقت ذاته يقرؤون في هذه المخيمات من الكتب حول الحقائق الإيمانية 200-300 صفحة يوميًّا، ويتذاكرون موضوعات شتى.

وظروف الحياة في هذه المخيمات بسيطة للغاية، حيث كان أهل المخيم يرقدون على الأرض فوق حصير، وكان عليّ أنا الفقير طهي الطعام وتقديمه لهم.

زارنا ذات يوم شخصيةٌ مرموقة، فلما رأى ما يجري في ظل هذه الظروف الصعبة للغاية قال: “لا أظن أن هناك مكانًا الآن على وجه البسيطة تسوده الروحانية كهذا المكان”، ثم عاود المجيء في العام التالي.

ويجب علينا في هذه الأجواء النقيّة أن نحاسب أنفسنا ونرصد تقصيرنا فيما نقوم به من أعمال في سبيل الخدمة، وأن نحسب المسافة بين المكانة التي نحن فيها والمكانة التي لا بد أن نصل إليها، وأن نتخلى عن الجسمانية، ونتجرد من الحيوانية، ونطرح القاذورات البشرية جانبًا، ونعزم السفر على مِحْوَر حياة الروح، ونسعى للانفتاح على الروحانيات.

وفي هذا الصدد أنوّه إلى أمر مهم:

كنت أفكر في أيام المخيمات أن أوصي إخواني بالصلاة مائة ركعة في كل ليلة، ولكني أخشى أن يكون هذا تكليفًا بما لا طاقة لهم به. إلا أننا عند النظر في سيرة العظماء نجدهم يصلّون مائة ركعة كل يوم حتى في طفولتهم.

فعلى من تُتاح لهم فرصة المشاركة في مثل هذه المخيمات والبرامج، عليهم أن يصلّوا مائة ركعة كل ليلة إن أمكن، وأن يستغلّوا تلك الليالي التي تفيض بالأسرار والأحزان بالدعاء والاستغفار وقراءة القرآن والأذكار.

مؤلَّفاتٌ غلب عليها الإلف بها

من جانب آخر ينبغي للمشاركين -لو أمكن- أن يقرؤوا 300 صفحة يوميًّا؛ حتى يتسنى لهم حسن الاستفادة من برامج الاسترواح التي يمكن أن نسمّيها بالعزلة المؤقتة. فإذا ما استطاع شخصٌ تنفيذ هذا البرنامج لمدة 15 يومًا، فإنه حينذاك يتمكن من قراءة 4500 صفحة. فإن قام هذا الشخص بذلك البرنامج مرتين سنويًّا استطاع أن يقرأ عددًا هائلًا من الكتب التي تدور حول  قِيَمنا الذاتية. 

علاوة على ذلك فمن المفيد جدًّا التخلص من الرتابة، والاشتغالُ بالقراءة المقارنة بين هذه المؤلفات النفيسة والمؤلفات الأخرى؛ وتحققُ هذا بالطبع مرهونٌ بموافقة الجميع.

 بناء على ذلك فإن هذا الأمر سيُجهِد من بهم الريادة في مهمة القراءة مع المذاكرة حتى يأتي يوم نتخلص فيه من الإلف والطراز القديم للقراءة.

لكن ما لا ينبغي أن يُنسى هو أن الناس يتشكلون تبعًا لرُوّادهم، فإن عُني الرُّوّاد بهذا الأمر وألحّوا على تطبيقه تأسَّى بهم الأتباع. فيا للأسف استولت علينا وأسَرَتْنا حالة عقيمة، ألا وهي قراءة هذه المؤلفات القيّمة دون تأمل، والمرورُ عليها مرورَ الكرام دون إجهاد النفس في فهمها بعمقها الحقيقي؛ وذلك لأنه لم يتكون عندنا منهج قراءة يعتمد على المقارنة والمحاكمة العقلية.

فإن هذه الكنوز المتشكلة من جوهر وياقوت وزبرجد قضى عليها الإلف، وإنني أعتقد أن هذا الأمر قد يُفضي إلى امتعاض أصحاب هذه المؤلفات القيّمة مِنّا.

وأنبّه هنا إلى مسألة أخيرة، ألا وهي:

إن الوصول إلى مثل هذا الصفاء والنقاء -ولو لفترة مؤقتة- في مكان هادئ، هو بمثابة “صوبة” تصوننا في حياتنا الاجتماعية فيما بعد.

والحق أن مجتمعنا لم يتلطخ منذ أن تشرَّف باعتناق الإسلام بمثل هذه القذارة التي نراها اليوم، فلقد باتت الشوارع والأسواق وصحون المعابد والمؤسساتُ التعليمية تشوبها النجاسة؛ وأعتقد أن التخلص من هذه الأدران، والتطهرَ في مكان طاهر، والإحساسَ بالطهارة مرة أخرى، والابتهاجَ بها، له أهمية بالغة في مواصلة الإنسان حياته على نهج طاهر قويم.

إن اللجوء إلى العناية الإلهية بالأدعية والأذكار هو مصدر قوة يصون الإنسان ويرعاه. يقول تعالى: ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾ (سورة البقرة: 2/152) فهذه الآية تشير إلى أننا إذا ذكرْنا الله بالتسبيح والتحميد والتكبير والتهليل، ذَكرَنا هو بعنايته عند المصائب وانقطاع السبل. ويمكن أن نفهم من هذه الآية أيضًا ما يلي: “تَوَجَّهوا إليّ بفقركم وعجزكم، أؤيّدكم بحولي وقوتي”. وإننا لنستشعر مدى تجلي اللطف الرباني في هذا التوجه الإلهي الذي أتى على صورة العقد؛ وكأن ربنا جلّ في علاه يتنزل إلى مستوانا ويقول لنا:”افعلوا لي هذا أفعل لكم ذلك”.

مجمل القول إننا جميعًا بحاجة ماسّة إلى مثل هذه العزلة المؤقتة حتى يكونَ بوسعنا تنقية أعيننا وآذاننا وألسنتنا من الذنوب والآثام، وتزكيةُ قلوبنا حتى نتجدد. لكن في مثل هذه اللقاءات لا بد أن تركّز العقولُ على قراءة الكتب، والقلوبُ على الأدعية والأذكار؛ كما يجب أن نعفّ ألسنتنا عن الحديث في أمور تافهة، وألا نخوض في اللغو ولهو الحديث، وأن يكون كل كلامنا في الأمور السامية.

إبرة النيّة وشعور المحاسبة

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ما هي الأمور التي يجب مراعاتها كي تُشير إبرة النية إلى أفق الإخلاص دائمًا؟

الجواب: يجب على الإنسان أن يكون مخلصًا في كل ما يقوله ويعمله، ليصل إلى رضى الحق تعالى. لأنه إن كان العمل جسدًا فالإخلاص روحه، وإن كان جناحًا فالإخلاص هو الجناح الآخر. فلا يمكن أن يكون الجسد بلا روح، كما لا يمكن الوصول إلى هدف ما بجناح واحد. إن كلمةً تُقال بإخلاص لقَيِّمةٌ عند الله تعالى، تتحادث عنها الملائكة فيما بينها، وتجعلها وِردًا لها؛ كما يظلّ الروحانيّون يردّدونها كتسبيح.

إن كانت العبارات التي تخرج من الفم تنبع من وَتَر القلب الحسّاس، وحرّكتْ ساكنَه رِيشةُ الحَماس، فإن الألسنة تتناقلها وتطيرُ حتى إنها لتصل “حظيرة القدس”. ولا بد أن يُعلم أن هذه النوعية من الكلمات التي تقال بصدق وإخلاص تظلّ دائمًا تفيض حسناتٍ في صحيفة قائلها، طالما وَعَتْها الذاكرة الإنسانية؛ فكل كلمة تخرج من الفم تتكاثر ولا تتناهى بفضل نُسَخها وصُوَرها.

أعمال تُهدَر بسبب التباهي

إن الإنسان ليخسَر حيث يُرجَى الفوزُ إن راح يزجّ بملاحظاته الشخصية في الأمر ويحاول التعبير عن نفسه وجهده إثبات ذاته؛ وذلك بكلامه، ونَفَسِه، ونبرة صوته، وتعبيرات وجهه… وفي تلك الحالة يُحرم مثلَ هذه المكافأةَ المباركة.

فمثلًا؛ ما أَجمَلَ وما أروَع ترديدَ “سبحان ربي العظيم”، و”سبحان ربي الأعلى”، و”ربنا لك الحمد” في عبادة علوية مثل الصلاة التي تطوف بالإنسان في سماوات الخلود، وتبلغه عالم الملائكة، وكم هو عملٌ خليق بالتقدير! غير أن هذه التسابيح تصبح كلمات ميتة، مكسورة الجناح، عاجزة عن السمو، كما تصبح عبادة الصلاة الجميلة قالبًا لا روح فيه واسْمًا لا مسمى له، إن خطر ببال الإنسان الذي يردّد هذه التسابيح: “إنني أقولها، فليسمعها الآخرون”.

أجل، إن الإنسان لو نوى -ولو بنسبة واحد بالمئة- أن يُسمِعَ الآخرين هذه التسابيح فقد ضيّع روح تلك الكلمات ونسفها نسفًا.

ومثلُها كل الأعمال الأخروية كالأذان، وإقامة الصلاة، والتلاوة في الصلاة… فمثلًا إن اتباع الإنسان أثناء الصلاة للموسيقى الداخلية في القرآن، وتسليم نفسه لجريان ذلك الشلّال شيءٌ؛ ومحاولته التعبير عن ذاته في الصلاة بتباهيهه بصوته فإنه شيء مختلف تمامًا. وينبغي أن يُعلم أن الحصة التي يأخذها الإنسانُ لنفسه من العبادات، ينقصها من حصة الله تعالى، ويضع عائقًا يمنع ذلك العمل من أن يُحلِّق عاليًا، تمامًا مثلَ طائر قُصّ جناحاه.

إذن ينبغي على الإنسان أن ينغلق على الإخلاص في كل الأعمال التي يضطلع بها، فيبدوَ للعيان صغيرًا كلما نُظر إليه من الظاهر -ولكن شريطة ألا يكون أسوة سيئة- بمعنى أنه لا بد أن يكون مثل كوخ صغير بسيط في الظاهر؛ غير أنه ذو عالم داخلي أكثر إبهارًا للعيون من قصر شامخ.

مأوى المحاسبة

على الإنسان أن يستصغر نفسه ويستهين بها، بدرجة أنه إذا ما وقف أمام المرآة قال: “يا الله! إنني عندما اطلعتُ على عالمي الداخلي رأيتُ نفسي وقد هَوَتْ من مستوى الإنسانية إلى درك الحيوانية، ومع ذلك يأبى اللهُ إلا أنْ أظلّ على صورتي الإنسانية”.

 وعليه أيضًا أن يصارع نفسه ويجادلها، فيقولَ عندما ينظر إلى الخدمات التي قدّمها في سبيل الحق والحقيقة: “لو استنفدتُ جميع الإمكانيات التي منحني الله إياها لاستطعتُ تبليغ الحق والحقيقة بأفضل شكل، ولكنني أخفقت في استخدام هذه الإمكانيات في سبيل الحق بالمعنى الكامل، بل وأهدرتها، ومن ثمّ فأنا عديم المروءة وعديم الوفاء للإسلام والقرآن، وا عَجَبا كيف لم أتحوَّل حتى الآن إلى حجر مثل “أوديت”.

إن رؤية الإنسان نفسَه على تلك الحال يثير فيه رغبةً في الرقي؛ لأن الانسان الذي ينشد الكمال إن كانت لديه رغبةٌ في الارتقاء إلى أعلى من مكانته، فعليه أن يوقن أنه في مكانة أدنى من التي ينبغي أن يكون عليها. 

وإن الرحلة إلى اللامتناهي لا تعرف الانتهاء والانقطاع. يقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسْلامَ دِينًا﴾ (سورة المائدة: 5/3) وبهذه الآية الكريمة يدلّنا على أفق الأكمليّة والأتميّة. من أجل ذلك لا بدّ أن نكون في طريق اللامتناهي مسافرين لا نعرف الشبع، حتى وإنْ شربنا يومًا كأسَ المحبة والعشق على يد الذات الإلهية المنزَّهة عن الكَمّ والكَيف لوجب علينا أن نظلّ قائلين: “هل من مزيد؟ هل من مزيد؟”.

وهكذا فإن الوصول إلى الأكملية والأتميّة لا يتأتى إلا بمحاسبة الإنسان نفسه على الدوام، وإلا فإن اعتبر الانسانُ ما هو عليه كمالًا، وتحرك في إطار فكرة “لا مزيد على هذا!”، ولم يحاسب نفسه ولم يواجه قصوره وعيوبه، حُكِم عليه بالجمود حيث هو طوال العمر واستحال عليه ألبتة أن يتذوق طعم الكمال.

وهناك وجه سلبي آخر لترك محاسبة الإنسان نفسَه:

إن من لا يحاسب نفسه ولا يستهين بها لا يلبث أن ينشغل عبثًا بعيوب الآخرين دون وعي منه؛ لا سيما إن اقترنت فكرة الأنانية الجماعية بالأنانية الشخصية، عند ذلك تتعاظم احتمالية الخسران في الدنيا والآخرة؛ وكما يقول الأستاذ بديع الزمان: إن الأنانية الجماعية تقوِّي الأنانية الفردية؛ ولذا فمن الممكن أن يُقال: إن الأنانية الجماعية آفةٌ عظيمة تَقتل وتقهر وتهلك. ومن ثم فإن سبيل الوقاية من جميع هذه المخاطر هو المحاسبة الدائمة للنفس ومجادلتها بشكل دائم.

فمثلًا، من الممكن أن يهيِّء الله لإنسانٍ فرصةَ القيام بمهامّ عظيمة في بقاع مختلفة من العالم، فيستطيع هذا الإنسان وحده فتْحَ قلوب الناس فيها، وسنَّ الطريق لإقامة الحياة العلمية والمعرفية هناك؛ ومع كل هذا النجاح عليه أن يقول في نفسه: “لعل ثمة أعمالًا لم تُستَوفَ لأنني أنا من قام بهذا الأمر، ولو أنَّ مكاني شخصًا آخَرَ من أهل الفكر والقلب فلربما كانت الخدمات أضعافًا مضاعفة، فيا ليت هذا الأمر لم يُترَك إليّ”.

وهكذا لا بدّ أن تكون هذه هي روح المحاسبة الحقيقية للسائرين في سبيل الله.

إن عدم الانخداع بمغالاة الآخرين وتملُّقِهم هو ثمرة هذه المحاسبة؛ بمعنى أن الإنسان لو أخضع نفسه عدة مرات يوميًّا للنقد والتحليل والمراجعة، وضبَطَ علاقته بربه وفقًا لهذا، لم يعبأ بما يقوله الآخرون ثناء عليه وقال في نفسه: “إنني أعرف نفسي، قد يكون للشيطان يدٌ في هذا الأمر”، فإنه بذلك يقي نفسه من الوقوع في الغرور والكبر.

اللهم املأ قلوبنا بشعور المحاسبة، ووفِّقنا إلى حسن أداء الوظائف التي كَلَّفْتَنا بها تفضُّلًا منك وإحسانًا.

آمين!

عِفّة الفكر

Herkul-ARB | | العربية

السؤال: ثمة مصطلحات تذكرونها أحيانًا مثل “عفة الفكر” أو “شرف الفكر”، فهلّا تفضلتم بإيضاح المراد بهذين المصطلحين؟

الجواب: يُعد الفكر والحركة من أهم المقومات التي تدلّنا على سبيل الوجود الحقيقي، وتحفظ ذاتيتنا من العواصف العاتية، وتمكّننا من تجديد ذاتيتنا. وإن كان الفكر بالمعنى الإجمالي يتقدم على الحركة فإنه بالمعنى التفصيلي ينمو داخل الحركة؛ بمعنى أنه لو ركز الإنسان في موضوع معين وأعمل فكره وعقله فيه واجتهد في قراءته بشكل صحيح فإن استيعاب الموضوع وتقبُّلَه لا يتأتى إلا بعد تطبيق هذه الأفكار والشروع في معايشتها؛ لأنه إذا ما شرع الإنسان في تطبيق أفكاره يُضطر إلى انفتاحات جديدة، وهذا يسوقه إلى أفكار أكثر عمقًا، وبهذا تستقر الأفكار –التي كانت أفكارًا إجمالية في البداية- على أرضية رصينة. فإن أهم مبدأ لا بد من الحرص عليه في جميع أفكارنا ونوايانا التي تحتضن الحركة، هو عِفّة الفكر، سواء أكان الفكر إجماليًّا أم تفصيليًّا. ومن ثم علينا أن نعتبر الولاء لعفة الفكر من مقتضيات شخصياتنا، وأن نحافظ عليها حفاظنا على أعيننا مهما كانت الظروف والعوامل.

الأفكار السليمة تولّد تصرفات سليمة

قد يعاملنا بعض الناس بشكل مختلف، لكن لا بد ألا يسوقنا خطأ الغير إلى خطأ آخر البتة.

أجل، يجب علينا أن نلتزم بموقفنا إزاء قيمنا الأساسية مهما كانت الظروف والعوامل؛ وإلا فإن حدث انحراف في أفكارنا وسلوكنا ردًّا على تصرفات هذا أو ذاك، فلا ريب أن هذا الانحراف تعقبه سلسلة من الانحرافات، الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى أن نحيد عن الصراط المستقيم. بيد أنه ينبغي لنا ألا نفسح المجال للآخرين حتى يشغلوا أذهاننا بَلْهَ أن يُلجئونا إلى طريق الانحراف. ويجب علينا -للحفاظ على عالمنا الفكري ومنهجنا الفكري وشلّالنا الفكري- أن ننأى بأنفسنا عن أي تأثير مستفزّ؛ لأن الهدف الأساس لهذه الاستفزازات هو الحيلولة دون وصول الساعين في طريق الخير إلى غايتهم المثلى، ومحاولة توجيههم إلى وجهة أخرى. وبتعبير آخر فإن المقصد الرئيس من الاستفزازات هو منع الناس من السير صوب الهدف والعدول بهم إلى وجهة أخرى.

وعلى ذلك، ينبغي ألا تؤثر الافتراءات فيمن يمثلون الفكر السليم، – لا جرم أن لهم حق الرد على هذه الافتراءات بالتوضيح أو التصحيح أو التفنيد بل وطلب التعويض- بل عليهم أن يبذلوا قصارى جهدهم في المحافظة على عفّتهم وشرفهم على الدوام. أجل، لا بد أن نفكر دائمًا باستقامة حتى تستقيم الأفعال والتصرفات التي ستُبنى على هذا الفكرِ النظريِّ. وإلا فإن انجررنا وراء كل عاصفة تهبّ علينا وانطرحنا جانبًا، فقدنا السبيل الذي كنا نسير فيه، وسلكنا دروبًا وعرة، وضللنا الطريق في النهاية.

مَن حسُنتْ فِكرتُه استمتع بحياته

يقول النبي صلى الله عليه وسلم “أفلح من كان سكوته تفكرًا، ونظره اعتبارًا” (الديلمي: المسند، 1/421). مراعاةً لهذا البيان النوراني يمكننا القول إن الإنسان يُؤْجر على حُسن الفكرة كما يؤجر على العبادات. وإن كان الانشغال بالأفكار التي لا سبيل إلى تحقيقها يعني إهدار طاقتنا، فإن الإنسان لو تمنى خيالًا أن لو كانت لديه المقدرة على تغيير صورة هذا العالم ووضعه في شكل أبهى وأكثر حيوية، فإنني أعتقد أن تصورات هذا الإنسان وخيالاته تتحلى بلون العبادة وصورتها. إن الوظيفة التي تقع على عاتق المؤمن هي الانشغال بالأمور الحسنة على الدوام، والسعي في إطار هذه الأفكار الحسنة. يقول الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي – طيّبَ الله ثراه – في كتابه “المكتوبات”: “مَنْ حسُنت رؤيته حَسُنتْ رَوِيّتُه، ومن حسُنت رويّته استمتع بحياته”. بمعنى أن تحويل الإنسان حياته إلى نغمة لذة وأن يعيش وكأنه يسير في أروقة الجنة مرهونٌ بحسن فكرته.

علاوة على أن الإنسان لديه استعداد فطري للتفكير؛ إن لم يوجّه استعداده هذا إلى طريق إيجابي، فربما يجرّه هذا الاستعداد إلى سبل سلبية كالأنانية والبوهيمية. دع عنك التفكر، حتى إن التصورات والتخيلات التي لا تُستخدم في الخير ربما تضع الإنسان في مواجهة مباشرة مع هذه النوعية من السلبيات. ولذلك فإنه ينبغي على المؤمن أن يتحرك دائمًا بالقيم التي يؤمن بها، وأن يحفِل بها، ويقرأ ويفكر دائمًا، وعليه أن ينهل ويتغذى من المصادر الأساسية باستمرار دون أن يسمح لأي فراغ أن يحدث في حياته. كما ينبغي عليه أن يعطي إرادته حقها فينأى مبتعدًا عن المشاعر والأفكار التي لا تسمح بها آلية الوجدان. فإن تعرض للرياح السلبية رغم كل جهوده، فعليه في هذه الحالة -كما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم- أن يحاول التخلص من هذا المناخ. لأن مَن أبحر في الخيالات التي تخلّ بعفة الفكر يصل إلى نقطة يبدو فيها كمن أبحر بعيدًا جدًّا عن الشاطئ، بحيث لا يستطيع أن يعثر من جديد على فرصة الرجوع عن السلبيات التي غاص فيها. أجل، إن الإنسان إن عجز عن قطع السبيل أمام الحقد، والكره، والغيظ، والشهوة البادية في داخله، فمن الممكن أن هذه الأمور تحطّم السدود وتستصدرُ الإنسانَ قرارات منحرفة وتجعله يرتكب أعمالًا سيئة.

على الإنسان أن يعطي إرادته حقها في هذا الموضوع من جانب، وأن يطلب الحماية من الله تعالى من الجانب الآخر. فإن استطاع فعل هذا فسوف يعيش حياته -بعون الله تعالى- في دائرة الحماية والوقاية. غير أنه ينبغي ألا يُنسى أن أكثر الناس استقامة ربما ينقلبون على عقبهم، ومن ثمّ فلا بد من الانتباه والحذر الدائم. أما ما يلزم القيام به حين نهتز ونوشك أن نسقط فهو أن نصحح وضعنا، ونتوجه إلى الله تعالى من جديد قائلين: “رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ” (سورة الأعراف، الآية 23) كما فعل جَدُّنا آدم (عليه السلام).

الأهواء والرغبات المتنكرة في صورة الفكر

ومن الأمور اللازم الانتباه إليها من أجل عفة الفكر هو احتمال أن تتنكر الأهواء والرغبات في صورة الفكر، وتُبعد الإنسانَ عن الطريق القويم. وفي هذه الحالة فإن المعايير الشرعية هي المقياس في تحديد ما هو هوىً ورغبةٌ وما هو فكرٌ. فمثلًا إذا ما ثُرْتَ على إنسان حين تصدُر عنه تصرفات وأقوال تحزنك وتؤذيك، فإنه ينبغي عليك  أن تنظر أولًا هل تضرر الحق والحقيقة منه أم لا؟ فإن لم يكن ثمة ضرر فهذا يعني أنك تثور وتنفعل من أجل نفسك أنت، وهو ما يعني أن رد الفعل الذي وقع إنما مصدره الهوى. أما المعيار الذي وضعه القرآن الكريم عند التعرض للأذى فهو: “وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ” (سورة فصلت، الآية 34) ووفقا لهذا المعيار فإن المعاملة التي تكون في مواجهة إنسان آذاكم لا بد وأن تكون محاولة كسر شدة غضبه وانفعاله بواسطة الابتسام والوجه السمح. أما إن كانت تلك الإساءة أذى يلحق بالمقدسات وحقوق العامة فإنه ليس من حق الإنسان العفو عنها. لأن للإنسان أن يتسامح ويتنازل عن الحقوق الخاصة به هو فحسب. والله تعالى لم يُوكل أحدًا غيرَه في موضوع العفو في الحقوق الخاصة به تعالى. ولذلك فإنه ليس لأحد -أيًّا كان- أن يهم إلى النيابة في الحقوق المتعلقة بالله تعالى. وإن حدث خلاف ذلك فإنه إساءة أدب تجاه حقوق الله.

وإن عدنا إلى موضوعنا الأصلي قلنا: نعم، إن الأهواء والرغبات قد تتنكر في صورة الفكر، -وبدافع من الشيطان والنفس الأمارة بالسوء- يظنها الإنسان فكرًا، وربما يرتكب أخطاءً تحت تأثيرها. ويمكنكم أن تشاهدوا هذا في بعض المناقشات الفضائية التي ينتقد الناس فيها بعضهم بعضًا دون هوادة. فهم دائمًا ما يقولون عكس ما يقوله الطرف الآخر، سواء أكان ما يقوله صحيحا أم خطأ، وكأنهم انقطعوا للمعارضة فحسب. حتى إنه لو قال مناظره -وهذا فرض محال- “يمكنني أن أدخلكم الجنة الآن بإذن الله وعنايته”، وانفتحت أبواب الجنة على مصاريعها أمامهم بإشارة من ذلك الشخص، ورأوا بأنفسهم الجمال الموجود في الجنة بكل جاذبيته، فلربما يقولون: “كلا، إننا لا نريد دخول هذه الجنة، ينبغي أن نسعى في الدنيا أكثر، أنت تدلّنا على الكسل والعطالة!” أي إنهم يحاولون الرد مسفسطين حتى في مواجهة الأقوال والأفكار الأكثر منطقية وقبولًا. وهكذا فإن هذه النوعية من الألفاظ دافِعُها الشيطان ومصدرها الهوى. غير أن الإنسان يحسب واهمًا أنه هو الذي فكّر وتخيل كل هذه الأمور.

وقد يسقط بعض المؤمنين في فخ الشيطان والنفس الأمارة بالسوء هذا، فمثلا ربما يُغلِّف هذا الشخصُ إن ذُكّر بالموت، رغباتِه وأهواءه مثل حب الحياة، وحب الأولاد والعيال، والتلذذ بالدنيا، -يُغلّفها- بغلاف الخدمة، ويقول بدافع من الهوى: “ينبغي أن أبقى هنا وأن أبلّغ الحق والحقيقة لكثير وكثير من الناس.” في حين أنه ينبغي على مؤمن صادق أن يحزن بسبب ما يشعر به من شوق لربه، وأن يكون حافلًا بالرغبة في لقاء سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ويرغب في الجلوس على نفس المائدة التي يجلس عليها كل من سادتنا أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي (رضي الله عنهم) ويشاركهم المناخ والجو العام نفسه، غير أنه لا بد أن يتصرف بحيطة ويقول: “ربِّ إنني أخاف أن أسيء الأدب تجاهك متعجلا، لأني لا أعرف هل آن وقتي أو لا”. والوجدان حَكَمٌ مهم للغاية في هذه النقطة. ولذلك ينبغي على الإنسان أن يُخضع ما يصدر عن فِيه لاختبار وجدانه إخضاعًا مطلقًا، وعليه أن يرجع إلى معاييره الصحيحة في كل اختياراته وقراراته. فإن استطاع فعل ذلك فإنه يكون قد اتقى الخلط بين الهوى والهدى، والمنطقية والعقلانية بالرغبات والأهواء.

 

 

الإمكانيات الدنيوية والمعيار في التخطيط للمستقبل

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: أوصى رسولنا (صلى الله عليه وسلم) أن يعيش الإنسان في الدنيا كأنه غريب أو عابر سبيل، حتى إن بعض السلف عدّ تفكير الإنسان فيما سيأكله ويشربه في غده من “طول الأمل” و”توهُّم الخلود”، غير أن الناس يرون التخطيط للمستقبل بدءًا من التفكير في الشهادة الدراسية والعمل في مهنة معينة مثلا أمرا ضروريا في يومنا الحاضر. فماذا ينبغي أن يكون المعيار في التفكير للمستقبل؟

الجواب: يقول رسولنا الأكرم (صلى الله عليه وسلم) كما ورد بالسؤال: “كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ”. (البخاري، الرقاق 3) والغريب: هو الإنسان الذي غادر بيته ووطنه ونزل في مكان يعيش فيه ضيفا وبشكل مؤقت، ولا شيء يربطه بما حوله من الأشياء والناس. أما عبارة “عابر سبيل” الواردة في الحديث الشريف فإنها تعني المسافر. والواقع أن الإنسان مسافر ينتقل من رحم الأم إلى مرحلة الطفولة، فالشباب، فالكهولة، فالشيخوخة، ومنها إلى القبر، ثم إلى حياة البرزخ، ثم إلى المحشر. وهكذا يوصي سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن نعدّ الحياة الدنيا في هذه الرحلة وكأنها عبور من أحد جانبي الطريق إلى الآخر.

ورُوي أن رسولنا الأكرم (صلى الله عليه وسلم) نام على حصير، فترك الحصيرُ أثره في جنبه الشريف، ولذلك أومأ إليه سيدُنا عمر رضي الله عنه بأن يستفيد قليلا من نعم الدنيا قائلا وعيناه تذرفان: “يا رسول الله! إن كسرى وقيصر فيما هما فيه وأنت رسول الله!…” فأجابه (صلى الله عليه وسلم): “مَا لِي وَمَا لِلدُّنْيَا مَا أَنَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا”. (الترمذي، الزهد 44) ونحن جميعا نعلم أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لو شاء لقدّم الصحابةُ كلَّ ما في بيوتهم ودورهم وفرشوه له. لكن مفخرة الإنسانية عدّ نفسه مسافرا استراح مؤقتا تحت شجرة وهو في طريقه إلى مكان يقصده، ثم راح وتركها، وصرّح بأن علاقته بالدنيا عبارة عن هذا فحسب، فكانت حياته دائما وفق هذا المعيار حتى لحظةِ صعوده إلى أفق روحه.

الثروات التي تُنفَق في سبيل الحق

عند النظر إلى المسألة عموما، وعند الأخذ بأوامر الدين ونواهيه كاملة يُفهم من عبارات رسولنا الأكرم (صلى الله عليه وسلم) أنه ينبغي اجتناب الانغماس في الدنيا طلبا للمُتَع والملذات الشخصية فحسب، لا إهمال الدنيا بالكلية. فمثلا يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (سُورَةُ الأَنْفَالِ: 8/41)

وحكم هذه الآية أن خمس الغنائم متروك أمرُه لرسول الله كي يوزّعه على المذكورين في الآية. ولو أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) خصّ نفسه بعُشر هذه الحصة، لعاش حياة مرفَّهة جدا، ولأقام في القصور. إلا أنه (صلى الله عليه وسلم) آثر أن يعيش حياته السنية في حجرة السعادة التي هي مجرد حجيرة صغيرة، لدرجة أنه (صلى الله عليه وسلم) كان -كما روت أمنا عائشة رضي الله عنها- عندما أراد أن يسجد أثناء قيام الليل يمسّ قدمي السيدة عائشة بيده، فيتسنى له السجود بعد أن تسحب رضي الله عنها قدميها. (انظر: البخاري، الصلاة 22) أي إنه (صلى الله عليه وسلم) ما كان يجد في الحجرة التي يعيش فيها -أرواحنا فداء لتلك الحجرة- موضعا للسجود. لكننا حين نضع أمام ناظرينا خُمُس الغنائم التي تُركت بأمر الله تعالى تحت تصرفه نرى أن سيد الأنام (عليه ألف ألف صلاة وسلام) فضّل أن يعيش حياة بسيطة جدا واستخدم هذا كله في سبيل الله، برغم امتلاكه من الإمكانيات ما يكفي لتجهيز جيش كامل. أجل؛ لقد كان يتحرك في حياته الشخصية والبدنية، وفي المتع والملذات بحكمة وضبط للنفس وبتوازن تامّ، بل إنه مثال الاستقامة التي أمره الله بها في قوله: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ﴾ [سُورَةُ هُودٍ: 11/112]

وَرَثة روح الاستغناء

لا ريب أن رسول الله(صلى الله عليه وسلم) كان شخصا فريدًا وفائقًا لامثيل له في صلته بالله تعالى، ومنزلته، ومكانته، وسعته، وعمقه. أجل، لقد كان (صلى الله عليه وسلم) ساميَ الطبيعة ومتميزَها حتى إنه يشير إلى أنه يشعر بمتعة ولذة من العبادة والطاعة، كالمتعة التي نشعر بها نحن من المأكل، والمشرب، وغيرهما من الملذات الجسمانية. ولذلك كان يستأذن زوجاته ليلا كي يروي عَطَشه إلى الحق، فيقوم ليله ويُدني فاه من نبع العبودية ينهل منه. وهو بهذا الاعتبار لا يُقارَن به أحد حتى صحابته الكرام. أجل، لا يمكن مقارنة أحد به ألبتة، بل إنني ربما أذهب إلى أبعد من ذلك وأقول -إن لم يُعتبر هذا نوعا من التجرؤ- إننا نخطئ حتى لو أننا قارنّا به جبريل (عليه السلام)؛ لأن جبريل (عليه السلام) لم يكن يحمل على عاتقه أعباءً جسمانية ولا نفسانية. أما سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فرغم أنه يحمل هذه الأعباء، قد سبق الملائكة الكرام. ولهذا السبب كان (عليه ألف ألف صلاة وسلام) -مثلما عاد من المعراج إلينا- يتنزل من أفقه إلى مستوانا كي يقدّم رسائله لنا ويرشدنا إلى الطريق الصحيح ويعرض أمامنا قضايا موضوعية تتناسب مع منطقنا وأسلوب معيشتنا.

وعندما ننظر إلى المسألة في إطار هذه المعايير، يمكننا القول بأنه ينبغي أن يعيش الناس حياتهم الشخصية في استغناء عملا بالرسائل التي بلّغها (صلى الله عليه وسلم) لأمته، وإن تعذرت مقارنة أي إنسان به. فالواقع أن الأكابر المتأسّين به قد فضّلوا أن يعيشوا مستغنين. ولو نظرتم إلى نمط حياة الأستاذ بديع الزمان مثلا، لرأيتم أنه ارتضى الاستغناء دستورا مهما في حياته كلها. فقضى أياما فوق شجرة أحيانا، وشهورا في قمة جبل أحيانا، وأحيانا أخرى في منزل خشبي غير ملائم للإقامة إطلاقا؛ والحاصل أنه فضّل أن يعيش حياة بسيطة حتى آخر عمره. وفي الحقيقة أن الذين حقّقوا إصلاحا وتجديدا في مجتمعاتهم قد عاشوا مستغنين عن الدنيا، ولو كانوا من الذين يدينون غير ديننا وينتمون إلى ثقافات أخرى.

ومن هذه الزاوية يمكننا القول إن هذه الخصائص التي تُعتبر أمارة للعظمة في القيم الإنسانية العالمية يمكن توفرها عند أي إنسان. والفارق هنا هو أنها أكثر سلامة في القلوب المؤمنة، وأنها تَعِد بالثبات والبقاء؛ لأن التأييد الإلهي ظهيرهم. أما الآخرون فإنهم –وإن تَحَلَّوا ببعض الصفات الإيمانية مثل الاستغناء والإخلاص في العمل والإيثار- إلا أنها لا تَعِد بالاستمرار والبقاء. ولكن ينبغي أن نعرف أن الله (جل جلاله) يُوفّق من اتصفوا بالصفات الإيمانية في أمورهم الدنيوية. لأن معاملة الله (جل جلاله) لعباده إنما هي بحسب تلك الصفات. ولذلك فإن الإنسان لا ينبغي له أن ينتظر من الله ما يليق بكرامة الإنسان إذا كان خمولا وأنانيّا وطمّاعا يلهث وراء جمع الأموال والثروات ويمضي عمره في ملذّاته فقط. لأنه بعُد عن حقيقة الإنسانية. والواقع أن المؤمن الذي يجب عليه أن يرقى باستمرار نحو الكمال، يستحيل تصويب انغماسه في الدنيا وحياتِه في فلك أهوائه، وتحركه وفقا للنزوات الحيوانية. ومن المؤكد أن طرز حياة كهذا ليس هدياً نبويًّا.

سبيل تخليد الإمكانيات الزائلة

لا ريب أننا لا نقصد مما نقوله أن ينزوي الإنسان في زاويةٍ كما يفعل بعض الدراويش ويهجر الدنيا بما فيها، ويُعرض عنها كلية؛ لأن هذا يتنافى مع الأمة القوية، فعلى المسلمين إذًا أن يتزودوا بالإمكانيات الدنيوية قدر ما أمكن، لكن يجب عليهم أن يستثمروها في سبيل الآخرة. وفي هذا الصدد أود أن أنقل لكم شيئا مما كان يطوف بخيالي أحيانا وتتمناه نفسي: أتمنى أن لو دخلتُ غرفتي فوجدت فيها بضعة تريليونات من الليرات، ثم وزّعتُ هذا المال على أصدقائي حتى يتسنى لهم فتح مدارس ومعاهد ثقافية في أرجاء العالم كافة، ليفتحوا قلوب الناس بها. لا ريب أن هذا مجرد خيال وحلم، وكل ما أقوله يذهب سُدى. لكن لو راودكم أنتم مثل هذا الخيال بدلا مني وأفصحتم لي عنه لقلتُ لكم: حتى بمثل هذه العملية الخيالية تنالون ثواب العبادات والطاعات؛ لأنه من المهم جدًّا الانشغال بهَمِّ تبليغ إلهامات أرواحنا للآخرين، وإنارةِ العوالم بالمشعلة النورانية التي نحملها في أيدينا، وللوصول باسم النبي الجليل إلى كل بقعة تطلع عليها الشمس؛ ورَبْطَ كل شيء حتى الأحلام بهذه الغاية المُثلى.

وبالرجوع إلى موضوعنا الرئيس نقول مرة أخرى إنه لا حرج من التزود بالإمكانيات والقوى الدنيوية بعد استخدامها بالشكل المناسب، لكن ما يسوق الإنسان إلى كارثة محققة في الدنيا والآخرة هو المحبة الشديدة للدنيا والولع بها الذَيْن يعبّر عنهما حُبُّ المال وحب المنصب وحب المنزل وحب الأولاد وحب الشهوات. ينبغي للإنسان أن يكون عبدا للحق ليس إلا، ويحبَّ كلَّ شيء لأجله تعالى.

أجل، يجب ذكر الله في بداية كل أمر ونهايته وأوله وآخره، وربطُ كل شيء برضاه. وإلا فإنْ تحركْنا وفقا لرغباتنا النفسية وأهوائنا الجسمانية تضاءل كل شيء في تلك البؤرة الضيقة، وحينذاك نقول: يا أَسَفَى علينا وعلى تلك الإمكانيات!. وفي رأيي أن على الإنسان ألا يكون سجين هذه البؤرة الضيقة، وهو الذي قَدْره يماثل قدر الكون، ولديه قوة كامنة ينقاد له العالم بها، والذي خلقه الله مهيأ لإحراز مقامات في الآخرة عرضها كعرض السماء والأرض. بل عليه أن يهرول وراء الأبدية والخلود، وأن ينشد رضى مولاه عز وجل على الدوام. فلا ينبغي له أن يتمنى أن يكون فاتح إسطنبول إن لم يَصِل به هذا إليه سبحانه. لأن قيمة مثل هذا الأمر ليست من ذاته، فالذي أكسَبه القيمةَ هو سعة النية؛ بمعنى أن الفتح إن ارتبط بغايةٍ مثلى مثل نيل بشارة النبي (صلى الله عليه وسلم)، ورفع كرامة الإسلام ورعايته، والبلوغ باسم النبي الجليل إلى كل بقاع الأرض، عند ذلك يكتسب فتحُ إسطنبول قيمةً.  

دَوْر النية

إن هذا الأمر يسري أيضا في أيامنا على كل جهد مبذول للتخرج في بعض المدارس والاشتغال ببعض المهن، وبعبارة أخرى لو أن الإنسان يريد أن يقوم بأعمال تخدم بلده وغايته المثلى، ولِتحقُّقها شروطٌ لا بد منها، فعليه أن يراعيها. فمثلا على الطالب الذي يريد الالتحاق بجامعة رفيعة المستوى أن يقول في نفسه: “لن أستطيع دخول الجامعة دون الانتهاء من مدرستي، ولن يتسنى لي الحصول على مناصب تتيح لي خدمة أمتي دون التخرج في الجامعة، ولن أحظى على أي مكانة دون الحصول على هذه المناصب، فإن لم أحظ بهذه المكانة فلن أستطيع القيام بشيء في سبيل خدمة بلدي وغايتي المثلى”، إذًا عليه أن يكون في نيته من البداية مثلُ هذه الغاية الجليلة.

أجل، إننا أحيانا لا نملك مع الأسف إلا أن نلوم السابقين قائلين: “لِمَ لم ينتبهوا إلى بعض الأمور، ولماذا خلّفوا وراءهم ثغرات في بعض المجالات؟”. ولذا علينا أن نبذل كل جهودنا لكي نسدّ الثغرات التي خلّفها السابقون وألاّ نفسح المجال لظهور ثغرات جديدة، حتى لا يلومَنا مَن بعدنا. ومن ثمّ لا بد من اجتياز العقبات حتى لا يلومنا أبناؤنا وأحفادنا. وعلى ذلك لا بدّ من أن نكون أولًا أصحاب إيمان قوي، وألا نقصر في أداء العبادات والطاعات، وأن نفعل كل ما نفعله بنية صادقة. فإنْ تحقق ذلك فإن الدراسة والتخطيط لها يُكسبه ثوابا مثل العبادات؛ لأن الوسائل المستخدمة في أي أمر تصطبغ بصبغة النية فيه. وعلى ذلك فلا بد من أداء أي عمل بما يتوافق مع نسيج النية.

والحاصل أن المؤمن لا يقوم ولا ينبغي له أن يقوم بأي أمر مطلقا لكسب ثناء الناس وامتداحهم أو لمجرد حسابات دنيوية، بل إن عليه أن يسعى سعيا حثيثا لتبليغ الآخرين القِيمَ العالية المنبثقة من جذوره الروحية والمعنوية، ويبذل جهده دائما ليكون لهذه القيم كلمتها في التوازن العالمي. ولا جرم أنه في هذا السبيل سيواجه كثيرا من المصاعب وسيتجرع الآلام ويَئِنّ وينقصم ظهره غمّا وكمدا، ولكنه يعرف جيدا أن المعاناة والمشقات التي يكابدها الإنسان وهو يتحرك في فلك غاية مثلى تفضي به إلى ثواب عظيم لا يصل إليه وإن سلك مسلك أهل السير والسلوك الروحاني.

 

السُّبُل الموصِلة إلى الله وعصرُنا

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ما هي الشؤون الواجب الانتباه إليها في يومنا الحاضر من زاوية الوحدة والتعاون، بينما يُسعى لإزالة الموانع التي تحول بين الناس وبين الله، ولأداء وظيفة ربط القلوب بالحق؟

الجواب: لقد ظهرت حتى يومنا الحاضر طرق ومناهج متنوعة تهدف إلى كشف روح وجوهر دين الإسلام المبين. فمثلا الطريق المتَّبع في النقشبندية يُلخّصُ بتلك العبارات الآتية:

يقول الطريق النقشبندي: إنه لا بد من ترك أربعة:

ترك الدنيا، وترك العقبى، وترك الوجود، وترك الترك.

وهذا يعني أنه لا بد من ترك أربعة أشياء في الطريقة النقشبندية. الأوّلان منها: ترك الدنيا وترك العقبى. أي كما يجب على الإنسان أن يردّ مفاتن الدنيا الجذّابة يجب عليه أيضا ألّا يكون دخول الجنة مقصدَه الأساسي في عبوديته. لأن الداعي الأصلي للعبودية هو الأمر الإلهي، أما نتيجتها فهي رضا الحق تعالى. وبهذا الاعتبار فإنه يتوجب على العبد أن يحرِّك مكوكه بين الأمر الإلهي والرضا الإلهي، وينسج نسيج حياته على هذا وينقش نقشا يدفع حتى الملائكةَ إلى الشعور بالحيرة والإعجاب به.

علاوة على ذلك فإنه ينبغي على سالك هذا الطريق أن يترك نفسه أيضا، وأن يتخذ موقفاً حازماً إزاء رغباتها وأهوائها التي لا تعرف الشبع، وعليه أن يكون في استغناء مطلق عن الخلق. أما في النهاية فيلزمه أن يترك كل أنواع الترك هذه، وأن يمحو فكرة الترك من ذاكرته تماما، بمعنى أنه يجب عليه ألا يخطر بباله: “لقد تركت هذا، وتركت ذاك.”، وينبغي عليه ألا يشرع في الإعجاب بنفسه وتقديرها بسبب التضحيات التي قام بها باسم “الترك”. وإذا ما خطرت بباله أو حتى لاحت في خياله فكرة مثل:”أنا بَطَلُ ذا وذاك من أنواع الترك.” فعليه أن يهرع من فوره إلى الاستغفار.

خصائص عصر الأنانية

لكن الأنانية انتشرت كثيرا في يومنا الحاضر، وخضع الناس لتأثيرها في كل أحوالهم، فلا يمكن تركٌ بهذا الشكل في يومنا الحاضر؛ لذا فإن فضيلة الأستاذ بديع الزمان يتناول المسألة في “المكتوبات” بشكل آخر:

أيها العزيز! في طريق العجز يستلزم أربعة أشياء:

الفقر المطلق، والعجز المطلق، والشكر المطلق، والشوق المطلق.”

إنه يقول ذلك، ويصرح بضرورة التمسك الشديد بهذه الأسس الأربعة في يومنا الحاضر. أي على الإنسان أن يدرك أولا أنه العاجز المطلق ويعترف بذلك، وأن يرى أنه لا يستطيع فعل أي شيء على الإطلاق ما لم يأذن الله. وعلى هذا النحو عليه أن يعترف بفقر نفسه، بدرجة يدرك دائما أن كل ما بيده إنما هي تلك الإمكانيات التي وهبه الله إياها. وعليه أن يجيش شوقا وشكرا أمام النعم والإمكانيات التي أحسن بها الله تعالى عليه رغم عجزه وفقره، وأن يشكر الله تعالى في كل حركاته وسكناته، وعليه أن يجتهد بهيجان وعشق، وشوق واشتياق لا يعرف الشبع، ويسعى دون توقف كي يبلغ اسمه تعالى إلى القلوب والأفئدة. ويذكر بديع الزمان في ذيل الكلمة السادسة والعشرين أن منهجه له أربعة أسس هي “العجز، والفقر، والشفقة، والتفكر.” وهذا ما يشير إلى وجود ستة أبعاد لهذا المنهج المطروح.

وأنا على قناعة بأن ملاحظات بديع الزمان التي تقنع عقل إنسان عصرنا وتطمئن قلبه ملاحظاتٌ هامة للغاية يتوجب الوقوف عليها ودراستها. والواقع أن الكثيرين من الذين استفادوا من آثاره ممتنّون ومدينون له بالجميل لأنه لقّن القلوب الحقيقة الإلهية في مواجهة عواصف الكفر والإلحاد، وجعل الاسم النبوي الجليل يرفرف مرة أخرى في عنان القلوب، وقدّم مشهد الحشر والنشر إلى العقول حتى صارت وكأنها تراه رأي العين. في الحقيقة إن التعبير عن مشاعر الشكر هذه التي يتم الحديث عنها بالعديد من البيانات والكلمات أمر واجب. لأنه ورد في الحديث الشريف: “من لا يشكر الناس لا يشكر الله”. (الترمذي، البر، 35؛ وأبو داوود، الأدب، 11) وهذا يعني أنه يجب أن يتوفر طابع الشكر، والإحساس بالنعمة لدى الإنسان أولًا. ولذلك فإنه من الطبيعي أن يتوجه هؤلاء الناس له بتقدير أكثر دون غيرهم لأنهم حظوا بنعمة كالتعرف على الله والرسول والحشر والنشر على يد ذلك الشخص. غير أن تقديرا على هذا النحو ينبغي ألا يؤدي إلى أنانية الجماعة، وينبغي ألا يُفسح المجال لآراء مبالغة. لأن ثمة كثيرا من الناس يسيرون في سبل مختلفة داخل الجادة الإسلامية الكبرى حيث وصلوا بواسطة ذلك السبيل إلى الإيمان، وبلغوا ساحل السلامة بعون الله وعنايته، وحظوا برضاه تعالى. وبهذا الاعتبار فإنه ينبغي ألا تتحول المسألة من التعبير عن مشاعر المنة والشكر إلى نوع من المباهاة والدعاية والإعلان أبداً، وينبغي ألا يتم الدخول في الانحصار الفكري النابع من حب النفس. أجل، ينبغي ألا يتم الخلط بين الوسائل والمقاصد، وينبغي ألا يُنسى أن المقصد الأصلي هو تحصيل رضا الله تعالى في أي سبيل كان.

الأرواح التي وصلت إلى الحق بواسطة الهجرة

الحقيقة أن أولئك الناس الذين تركوا منازلهم، ودورهم، وأوطانهم، وشدوا الرحال بهدف إبلاغ اسم الله الجليل إلى كل أنحاء العالم هم في سبيلهم للحصول على رضا الحق تعالى في خط مختلف بواسطة إعلاء كلمة الله. أريد أن أذكر شيئا يمكن أن يُعدّ علامة مؤيدة لكون هؤلاء على الصراط المستقيم: شوهد سيدنا (صلى الله عليه وسلم) في الرؤيا أحيانا وفي الواقعة أحيانا أخرى مئات وربما آلاف المرات، وحُظي ببشارته. إذ يقول أحدهم على سبيل المثال: جلسنا ذات ليلة مباركة، فصلّينا وسلّمنا على سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) آلاف المرّات حتى الصباح. بعد ذلك تمثلت روح سيد الأنام (عليه أكمل التحايا وأتم التسليمات) وقال: “إنني أؤيدكم في هذه الخدمة.” ويقص صديق آخر حادثة شاهدها في واقعة: “كانت ثعابين كبيرة تهاجم الأصدقاء وما كانوا يستطيعون التغلب عليها. إذا بالباب انفتح فجأة؛ فدخل منه بعض الناس النورانيين. وكان على رأسهم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيده عصاه المباركة. وبعد أن أنزل ضربة على رؤوس الثعابين قال: “لا تخافوا، إنا ناصروكم.”

والحقيقة أنني أشعر بالخجل ويتحرج صدري من قص هذه النوعية من الأشياء غير الموضوعية؛ غير أنني أرى فائدةً في الحديث والتعبير عن هذه النوعية من المشاهدات أحيانا، نظرا لأن المسألة لا تتعلق بي. والواقع أنني نظرت إلى نفسي دائما من زاوية دائرة الخدمة التي نحن نعمل في إطارها بدافع وعناية من الله: “لو أنني أَعطيت لمقامي حقَّه واستغللت الإمكانيات والفرص التي أنعمني الله بها واغتنمتها جيداً، لكانت هذه الخدمة تسير بشكل أسرع. ولو كان على أيدى أناس أكثر إخلاصاً لأمكن إنجاز أعمال أكثر أهمية. علاوة على ذلك فمثل هذه المشاهدات ينبغي اعتبارها أنها نوع من الحلويات التي تعطى للأطفال بهدف التشجيع وإثارة الأمل. وإلا فإنه ينبغي على رجل الحقيقة الصادق ألا يطلب أيّاً من هذه على الإطلاق. حتى إنني أنا الذي أكثركم إثماً أقول: “إلهي! لا تجعلنا نُذهِب في هذه الدنيا من نعيم ستمنحها إيانا في الآخرة! اللهم لا تلطمنا بلطمة الآية الكريمة: “أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا” (سورة الأحقاف، الآية 20). غير أن بعض الناس بالرغم من كل شيء، يرون هذه النوعية من الحوادث لها أهمية من أجل تقوية الروح المعنوية في الفترات الصعبة والقاسية، ولا بد أنه لا حرج في الحديث عنها إن كانوا يرونها تأييدا نبويا.

ومن جانب آخر فإن كان مهاجرو الفكرة المثالية هؤلاء يَلقون قبولا حسنا في الأماكن التي يذهبون إليها بالرغم من وجود العديد من الدوائر المعادية الراغبة في عرقلة تبليغ دين الإسلام المبين إلى الأفئدة والقلوب، فإنه ينبغي اعتبار هذا عناية من الله وتأييدا منه.

إن نجاح هؤلاء في المناطق الجغرافية المتباينة يُعتبر مؤشرا آخر على التأييد الإلهي والتأييد النبوي لهم، بالرغم من أنهم لم يحصلوا على دورات في فن التعايش مع أصحاب الثقافات والآراء المختلفة في عصر العولمة؛ وبهذا الاعتبار يمكن القول بأن هذه الخدمات المنجزة وافقت المراد الإلهي. لأنه لم يحدث انفتاح بهذا القدر في أية فترة من تلك الفترات التي تلت الصحابة الكرام (رضي الله عنهم).

أجل، إن سعي هؤلاء الناس في تبليغ الحق والحقيقة في كل أنحاء العالم متكاتفين هو ميناء آخر للسير إلى الحق، ووسيلة أخرى للسرور؛ هؤلاء الذين ساحوا في الطرق في سبيل فكرة مثالية سامية بتواضع، وخجل، ونكران للذات، استنادا إلى أسس: العجز، والفقر، والشكر، والشوق، والتفكر، والشفقة.

والحاصل أن الله هو الغاية لجميع القلوب المؤمنة، وأن البشر مسافرون وأن السبل بعدد أنفاس الخلائق. وبهذا الاعتبار فإنه يجب علينا أن نقدّر كل من يسعى لإعلاء كلمة الله، وأن نضرع إلى الله وندعوه بالتوفيق لجميعهم.

 

 

 

ماذا تعني “الجَرَّة المشروخة”؟

Herkul-ARB | | العربية

 إن الأستاذ المربّي “فتح الله كولن” شخصية جامعة، وأحاديثه مشحونة بمعان عميقة تخاطب طبقات مختلفة من الناس، ولا جرم أن مَن يستمع إلى مثله من العلماء يتعلم أمورًا كثيرة، وينال نصيبه حسب مستواه، غير أن أكثر الناس فهمًا هم أكثر الناس علمًا، فمن بلغ مرتبةً سامية في العلم يرى أن هناك كثيرًا من الحقائق الخفية بين الكلمات والجمل والفقرات، وأنه قد جمع في كلمة واحدة دروسًا عظيمةً لا يسعها إلا كتاب كامل. فمثلًا عندما يشرح حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ، أَطَّتْ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّهِ، وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشِ وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ…” (رواه الترمذي) يصف ما في الحديث بـ”الخشية ذات بُعد الالتجاء” فيسحر من يسمعه بهذه العبارة النفيسة التي تنطوي على معان عميقة وعظيمة تملأ الصفحات.

وها نحن نسمّي صفحتنا هذه بـ”الجرة المشروخة” اعترافًا بعجزنا في فهمه كما ينبغي، وتقصيرنا في تلقِّي ما يطرحه علينا من حقائق، وقصورنا في تسجيلها والاستفادة منها وإفادة الآخرين بها. أردنا بهذا العنوان الإشارةَ إلى أن هذه الصفحة ما هي إلا مرآة أصغر بكثير من أن تعكس عِلمَ أستاذنا الجليل وحياتَه الروحية والقلبية وزُهدَه وتقواه. وقد استوحينا هذه الفكرة من المنقبة التالية التي يذكرها مولانا جلال الدين الرومي:

في قديم الزمان نصب سلطان فسطاطه على نهر الفرات، فأحَبَّه الناس، نظرًا لأنه استطاع أن يستولي على القلوب لا على الأراضي فحسب. أجل، أحبّوه وتمنوا أن لو تعرف عليهم ذلك الإنسان الخيّر ونالوا حبه واستحسانه، ولذلك كانوا يَمثُلون في حضرته في بعض الأيام ويقدمون له الهدايا. وفي يوم قدّم فيه الأغنياء وذوو الأحوال الميسورة هداياهم الثمينة للسلطان بحث أحد الفقراء عن هدية تناسب السلطان، فلما لم يجد شيئًا قيِّمًا خطرت على باله تلك الجرة المشروخة التي تقبع في ناحية من بيته، فأخذها وملأها بماء بارد من ماء القرية، وسلك بها الطريق إلى السلطان، فقابله أحدهم وسأله عن صنيعه ووجهته، فلما أجابه الفقير قال له الآخر في سخرية: “ألا تعلم أن السلطان يقيم على منبع الماء، فضلًا عن أنه يملك ماء العين الذي تحمله جرّتُك”. فامتقع لون الفقير وابتلع ريقه وانعقدت الكلمات في حلقه، ثم قال: “لا ضير، السلطنة تليق بالسلطان، والفقر يليق بالفقير. فإن لم أكن أمتلك هدية قيّمة للسلطان يكفي أنني أحمل قلبًا مفعمًا بحبه ومشتاقًا لتقديم مائه إليه”.

وعلى ذلك عزمنا على تقديم هدية للسلطان بـ”جرتنا المشروخة” التي تحملها أيدينا؛ رغبة في أن تكون هديتُنا مشاركتَكم معنا هذه الجماليات التي أفاضها الله علينا. ونحن -القليل من إخوتكم- على اعتقاد بأن مشاركة الكثيرين لنا في ماء هذا المنهل العذب يعيننا على أداء شكر نعمة القرب من هذه العين المباركة.

كنا بداية نسجل ملاحظات صغيرةً حتى نستعين بها في تذكر أحاديثه، لكن كان يفوتنا الكثير، فشرعنا فيما بعد في تسجيلها بدقة على الحاسوب لنقل ما يذكره دون تغيير أو نقص، ثم نأخذ ما سجّلناه على الحاسوب ونقوم بعملية التبييض والتنقيح والتصحيح، ثم نتذاكر ما ينتج من نصوص فيما بيننا.

 فبدأنا نقدّم لكم ماء الحياة الذي ملأنا به جرّتنا، في هذه الصفحة الإلكترونية المسماة “الجرة المشروخة” والتي تعدّ جزءًا من موقعنا الإلكتروني “Herkul”؛ وما فعلنا ذلك إلا أننا شعرنا بشيء من النكران للجميل عندما احتكرْنا عينَ أفق القلب والروح هذه.