Posts Tagged ‘م. فتح الله كولن’

تحويل الإمكانيات الفانية إلى جماليّات خالدة

Herkul-ARB | | العربية

 

سؤال: ما الذي ينبغي أن تكون عليه نظرة المؤمن إلى الدنيا حتى يتسنى له تحويل الإمكانيات الفانية في الحياة الدنيا إلى جماليات خالدة في الآخرة؟

الجواب: لقد خُلق الإنسان ورشّح للخلود، وذهنه منشغلٌ على الدوام في تصوّر السعادة الأبدية الخالدة، وعلى ذلك يجب على الإنسان أن يقدّر الدنيا بقدر فنائها والآخرة بقدر خلودها، ولو كان لنا أن نتحكّم في الطبيعة البشرية وسمحت الأحكام الدينية بهذا فأنا أعتقد أننا إذا ما فكّرنا في الدار الآخرة وخلودها سنقول: “يجب علينا أن نقطع صلتنا بالدنيا تمامًا ولا نيمّم وجوهَنا إلّا إلى الآخرة”، غير أن فطرةَ الإنسان وشهواته وضعفه البشري لا يُجيز مثل هذا الكلام، كما أن الكتاب والسنة اللذين شرعا الأحكام بما ينسجم مع الفطرة الإنسانية لا يُقرّرا مثل هذا النمط من الحياة، ومن ثمّ يجب على الإنسان ألّا يغضّ بصره عن القوانين التي أودعها صاحبُ الشريعة سبحانه وتعالى في الفطرة الإنسانية، وأن يكون على وعي لما هو مرشحٌ له ولنوعية المفاجآت التي تنتظره؛ بمعنى أن يسير في الطريق الذي رسمه له القرآن الكريم ويبتغي الدار الآخرة فيما آتاه الله تعالى، ويجعل لها الأولوية في حياته، ولكن لا ينسى نصيبه من الدنيا أيضًا.

وفي هذا الصدد على الإنسان أن يعتبر رغباته وشهواته الدنيوية كَكِسرة خبزٍ أو قطعة عظمٍ -عذرًا لهذا اللفظ غير اللائق- ملقاة إلى نفسه، وبذلك يستطيع أن يواصل طريقه دون أن تغريه جماليّات الدنيا الفاتنة، بيد أن إدراك الإنسان بشكلٍ كاملٍ للدنيا والعقبى وما فيهما من ألوان ونقوش خاصّة بهما يتوقّف على المعرفة الحقّة، فمَنْ لم يستطع أن يُزيّن إيمانه بالمعرفة لا يستطيع أن يشعر بجماليات صعوبات الطريق الذي يوصّله إلى الخلود وإن كان مسلمًا، ومن ثمّ لا يناله إلا التعب والنصب في الطريق الذي يسير فيه.

إن المعرفة في حدّ ذاتها تولّد ضروبًا من المحبة كأمواج البحر المتلاطمة، وأما المحبة فتوجّه نظرَ الإنسان إلى المحبوب الحقيقي سبحانه وتعالى، ومن خلالها يتخلّص الإنسان من دغدغة المشاعر، فيطرح عَظْمَةً لرغبات نفسه وضغوطاتها ويواصل طريقَه، والدنيا مهما كانت فاتنة فعلى الإنسان ألا يثق بها، أما الشيء الوحيد الذي لا بد أن يوليه الإنسان الأهمية القصوى في هذه الدنيا فهو نشر الاسم الجليل المحمدي صلى الله عليه وسلم في كل أنحاء العالم، ورفع كرامة الإسلام الضائعة المنتهكة مثل الرايات التي ترفرف على الأبراج العالية.

فلا قيمة للبقاء في الدنيا إن لم ترتبط قلوبنا بهذه الغاية السامية، فإذا جعل الإنسانُ غايتَه مسألة إعلاء كلمة الله وأن تكون الروح المحمّديّة روحًا للإنسانية، فلا غضاضة من بقائه في الدنيا إن كان يسعى لتعريف القلوب بروح سيد الأنام صلى الله عليه وسلم حتى وإن عمّر ألفا إلا خمسين عامًا مثل سيدنا نوح عليه السلام، أما الحياة التي تمضي دون أن تكتنفها مثل هذه الغاية السامية فما هي إلا خداع يتوازى مع الإفلاس.

وا حسرتاه! لقد خُدعنا، خُدعنا بالتصفيق والأبهة والعظمة!

الحقيقة مع الأسف أن هناك كثيرًا من المخدوعين في هذه الدنيا، وفي الواقع لا يمكن التوصّل إلى قرار صائب في شيء ما إلا بعد تحديد قدر الأهمية التي نوليها له، فإذا ما وصل الإنسان إلى النهاية قد لا يستطيع أن يجد ما يأمله، وحينذاك يقول كالشاعر الصوفي الشيخ “غالب”:

وصلنا إلى ديار الحبيب فلم نلقه

ودخلنا الجنة ولكن هيهات أن نلقاهُ

بمعنى أن الإنسان الذي لا يستطيع أن يحافظ على التوازن بين الدنيا والعقبى يظلّ في تعبٍ دائم وهو يظن أنه يعمل من أجل الدين، فإذا ما ارتحل إلى الآخرة لم يستطع أن يلقى أو يرى الحبيب سبحانه الذي تلتفّ حوله كلّ القلوب.

قد ينخدع الإنسان بالأعمال الخيّرة التي يقوم بها، بسبب أنها أعمالٌ يشوبها الرياء والسمعة والعجب والفخر وحبّ التقدير والتهليل، وبذلك يُحيل الإنسان أعماله الإيجابية التي بذلها طوال عمره إلى أعمال سلبية، يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث له:

“رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ، وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ”[1].

ومن الممكن ضربُ أمثلةٍ متعدّدةٍ ومتنوّعة، فيمكنكم أن تقولوا مثلًا: ثمّة كثيرون يسعون في طريق الحقّ حتى إنهم لو انتقلوا إلى الدار الآخرة ما استطاعوا أن يروا الحبيب؛ لأن هؤلاء قد دنّسوا الأعمال التي يقومون بها على متن هذا الطريق؛ فلم يراعوا آداب السير، وانحرفوا عن الجادّة، وأخذوا يتعثرون، ولا شك أن نهاية هؤلاء الذين تعثّروا في هذه الدار وضلّوا الطريق هي السقوط والتردّي كليًا -حفظنا الله- يقول تعالى:

﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ (سُورَةُ القَمَرِ: 47/54-48).

وهنا يشير ربنا سبحانه وتعالى بهذا البيان الإلهي إلى أن الذين يعيشون حياتهم زاحفين لاهثين وراء شهواتهم وملذاتهم سيُسحبون في النار على وجوههم.

أجل، لقد وقع هؤلاء أسرًى لأهوائهم، وصاروا عبيدًا لأنفسهم، ومن ثمّ كان مآلهم الانكبابَ على وجوههم، ولا تنفعهم شفاعة الشافعين، يقول تعالى حكايةً عن مثل هؤلاء:

﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ (سُورَةُ الْمُدَّثِّرِ: 48/74).

وحتى لا نتعرّض لمثل هذه العاقبة الوخيمة في الآخرة علينا أن نراقب الله تعالى في كلّ أمور حياتنا، فلا بد أن يتقرّب العبد بشيءٍ من ربّه حتى يُقبل ربُّه عليه، فلو امتلأت حياة الإنسان بمشاعر التوقير والتعظيم والتبجيل لله سبحانه وتعالى في هذه الدنيا أمدّه الله في الآخرة بيد العناية الإلهية، وخلّصه من الذل والهوان وهو في أشدّ الأزمات.

ومِن ثمّ يجب أن نملأ حياتنا بالأعمال الصالحة بقدر الاستطاعة، وأن نَجْبُرَ أوجهَ النقص والقصور عندنا بصِدْقِ النية وصفائِها؛ لأنّ في النية فيوضات وبركات خفيّةٌ تُفيد في جبر أوجه النقص والقصور، وإنّ قطرةً واحدةً منها لتملأُ البحار والأنهار، من أجل ذلك على الإنسان أن يوسّع من دائرة نواياه، فمثلًا عليه أن يقول: “اللهم زوّدني بالفرص والإمكانيّات حتى يتسنّى لي أن أغيّر مدار الكرة الأرضية؛ فيُرفرفَ الاسمُ الجليل المحمّدي في شتّى أصقاع الأرض”؛ لأن قطرةً من النية في هذه المسألة قد يُجازي الله تعالى عليها ثوابًا يعادل البحار؛ بمعنى أن الإنسان إن أنهك نفسَه في التفكير حتى كاد رأسُه أن ينفجر من أجل إنجاز الأعمال التي لا بدّ من إنجازها، ثمّ وصل إلى درجةٍ تتجاوز طاقتَه وقدراته استشفعَ بنيّته قائلًا: “اللهم إني عازمٌ على إنجاز هذا الأمر، ولكن طاقتي إلى هذا الحدّ، ولا أستطيع أن أصل بالأمر إلى أبعدَ من هذا”، حينذاك يقول له مَن لا حدّ لقدرته ولا نهاية لمشيئته وإرادته: “عبدي، سأصل بالأمر إلى ما لا تستطيع أن تصل إليه”.

مَن أحب الدنيا لم ينلْ الآخرة!

ولنا أن نربط هذه المسألة بما قاله الشيخ محمد لطفي أفندي رحمه الله تعالى:

ألا يحبّ المولى مَن أحبه؟

ألا يرضى عمَّن هرول لنيل مرضاته؟

لو وقفتَ له على الباب.. وفديته بالروح والنفس والأحباب…

وعملت بأمره، أما يُجزل لك الثواب؟

لو خررتَ خريرَ الماء، وانهمرت عيناك مثل أيوب بالدموع والبكاء…

واكتوى قلبك بالعشق والابتلاء، أما يُقبل عليك رب الأرض والسماء؟

فهذا الهم دواء للهم، والصمد سبحانه يحب مَن يهتمّ

ألم يُدرككَ فضل الواحد الأحد..فهو بلسمٌ لكلّ مغمومٍ مهتمّ؟

هذه هي خلاصة القول.

 إنْ شعَرَ العبدُ بالمعية في الدنيا روحيًّا وحسّيًّا وفكريًّا حظيَ بالمعية الحقيقية في الآخرة، ومَن يعيشون هنا معًا يصلون إلى المعية هنالك، ولذا تمسّكوا دائمًا بهذه المعيّة وتعلّقوا بها، وادْعُوا الله دائمًا في توسّلٍ وتضرّعٍ: “اللهم معيتك، اللهم معية حبيبك صلى الله عليه وسلم”.

أشغلوا أنفسكم بذلك ليلَ نهار، والْهجُوا دائمًا بذكره؛ حتى تحْظَوا بهذه المعيّة عندما ترحلون إلى الآخرة، فلو دخلتم في معيّته هنا انهالت عليكم المفاجآت هناك، حتى تنسوا هذه الدنيا الكاذبة الخادعة التي خلّفتموها وراءكم، ولكن يا للأسف! اضطربت العقول في أيامنا وتشتتت المشاعرُ والأفكار، وأصبح الناس يفكرون في الدنيا أكثر من الحياة الأبديّة والذات الأبديّة.

ولو اطّلعتم على كلام الصالحين لأدركتم قدر معاناتهم وشكواهم من الدنيا. فمثلًا يقول “يونس أمره”:

عجزتُ أمام نفسي الظالمة

فهي لا تشبع من ملذّات الدنيا الغاشمة

والغفلة غشيتْ بصري

و العمرُ يمضي والنفسُ لا تدرِي

فهل تعتبر يا إلهي “مسلمًا”

مَن يتجلبَبُ بالغفلة ويتّبع هوى نفسه مسلّمًا؟

يكسب ثم يكسب ثم يضيّعه سُدى

وتأبى نفسُه أن ينفق قرشًا منه في سبيل الهُدى

إلهي، أزح عن عينيّ الغفلة والضباب

ولا تسوّد وجهي يوم تسودّ الوجوه وترجف الألباب

يقول يونس؛ أصغوا إلى حديثي ولو كان عجيبًا

من أحب الدنيا لم ينل من الآخرة نصيبًا

أجل، لا بد أن نكون على أهبة الاستعداد حتى نرى الحبيب ونلقاه، لن يضيع هناك ألبتة أيُّ كتاب عشقٍ سطّرتموه هنا، وعندما ترحلون إلى هناك يقولون لكم: ها هي الخطابات التي وصلتنا منكم، كما قال الشاعر نسيمي:

جاءني من الحق تعالى النداء

أن أقبل أيها العاشق فأنت مَحْرمٌ تستحقّ الثناء

وهذا مقام المحارم الأقرباء

وقد وجدناك أهلًا للبرّ والوفاء

فهل هناك قيمةٌ لأيّ مدحٍ وثناءٍ دنيوي إلى جانب هذا المدح والثناء الذي يُخاطب به الإنسانُ في الآخرة: لقد فُتحت القسطنطينية على يد السلطان الفاتح الذي “أفديه بروحي وإن كان لي ألف روح”، ولكن ما قيمة هذا الفتح بجانب السلطنة التي يهبها الله في الآخرة؟ إن هذا كله لا يعادل حتى الذرات بجانب الشمس.

الخلاصة: أنّ مَن يكسب الدنيا برأس ماله هنا لن يبقى له رأسُ مالٍ يكسب به الآخرة، وسيذهب إلى هناك خالي الوفاض، ولكن مَن استغلّ إمكانياته في سبيل الفوز بالآخرة انهالتْ عليه كثيرٌ من المفاجآت عندما يرتحلُ إليها.

بعدما أشار الحقّ جلّ وعلا إلى طبيعة الإنسان في سورة القيامة تحدّث عن العاقبة التي سينالها كلا الفريقين في الآخرة، يقول تعالى:

﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ (سُورَةُ القِيامَةِ: 20/75-25).

ندعو الله رب العالمين أن يجعلنا من أصحاب الوجوه النضرة في ذلك اليوم الرهيب!.

 

[1] سنن ابن ماجه، الصيام، 21؛ مسند أحمد بن حنبل، 445/14.

 

ابتلاءات طريق الحقّ والموقف الإيمانيّ منها

Herkul-ARB | | العربية

 

سؤال: ما المسؤوليّة التي تقع على عاتق القلوب المؤمنة إزاءَ الهجمات الوحشيّة الجائرة الناشئة عن مشاعر الغيرة والحسد؟

الجواب: لا بدّ أن ننوّه بدايةً على أنّ الجور والظلم الناشئَين عن الغيرة والحسد ما زالا قائمين من قديم الزمان حتى يومنا هذا وإلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها، لقد نشأ “قابيلُ” ابن سيدنا آدم عليه السلام في بيتٍ يتنزّل عليه الوحيُ زخًّا زخًّا، ورغم ذلك تكدّرت نظراته وطار صوابه حسدًا وغيرةً من أخيه، فتلطّخت يده بدمِ أخيه وقتله فأصبح من النادمين.

ولقد كانت تلك الحادثةُ -بحقٍّ- من أُولى ألاعيب الشيطان الرجيم، استغلَّ نقطةَ الضعف في الإنسان، وجعله يقوم بما وسوس له به.

وإن أوّلَ من يخطر على البال من الأنبياء الذين قتلَهم أقوامُهم هو سيدنا زكريّا عليه السلام، وكما تعلمون فقد اُستُبيحَتْ دماءُ كثيرٍ من الأنبياء على يد أقوامهم، أما سيدنا داود عليه السلام فرغم أنه انتَشَلَ قومَه ممّا كانوا فيه من ذلٍّ ومهانةٍ إلّا أنّهم ألجؤوه إلى موقفٍ حرِجٍ؛ لدرجة أنهم افتروا عليه بشيءٍ نخجل حتى من إسناده إلى إنسانٍ عاديٍّ، ممّا دعاه إلى الحلف بالله على التابوت حتى يُبرِّئ نفسَه ممّا نُسب إليه، وكذلك دارت الأكاذيب والافتراءات حول سيدنا سليمان عليه السلام، وأشاع عنه قومه أنه -حاشا لله- دجّالٌ ومشعوذٌ وساحرٌ، ولم يسلم مفخرةُ الإنسانيّة صلوات ربّي وسلامه عليه من هذا؛ إذ لم يتقبّل قومُه أن يخصّه الله تعالى بالاصطفاء بالنبوّة، وامتلأت قلوبهم حسدًا وغيرةً، وادّعوا أنه -حاشا لله- ساحرٌ وكاهن.

خلاصةُ القول إن الأنبياء وأتباعَهم وكثيرًا ممّن بذل جهده مِن بعدهم في سبيل الحقّ والحقيقة؛ قد تعرضوا لشتّى أنواع الافتراءات والهجمات الوحشيّة والمهانة، ولا شكّ في استمراريّة وقوعِ مثل هذه المضايقات فيما بعد، وكذلك استمراريّةُ تعرُّضِ الذين يسيرون في سبيل الحقّ تعالى لكلّ صنوف الأذى والاضطهاد والافتراء.

مدة الابتلاء يحددها مالك الزمان

أما عن الوظيفة الملقاة على عاتق أرباب الحقّ إزاء هذه الأمور فهو تقبُّل المصائب التي تحلّ بهم بطمأنينةٍ وسكينةٍ، وعدم اللجوء إلى الشكوى، وعدمُ الامتعاض ممّن يرى المصائب خليقةً بهم، فكما رُوي عن الحسين بن منصور الحلاج الذي حُكم عليه بالإعدام بسبب قوله في حالة الاستغراق “أنا الحقّ”، أنه رفع يديه المقطوعتين إلى السماء والدمُ يخرّ منهما وقال: “اللهم لا تنزع روحي حتى تعفو عمّن رآني جديرًا بهذه العقوبة”، ولا يختلف هذا القول عن ذلك القول الذي قيل بعد مرور ثمانية قرون “أما الذين ظلموني وجرْجَروني من مدينةٍ إلى أخرى، والذين أرادوا وَصْمِي بمختلفِ التُّهم والإهانات، وأفردوا لي أماكن في الزنزانات فقد غفرتُ لهم ذلك وتنازلتُ عن حقوقي تجاههم”[1].

أجل، على السائرين في هذا الطريق أن يعلموا أنهم سيتعرضون لا محالة لشتّى أنواع الأذى والمضايقات، ومن ثمّ عليهم ألا يستاؤوا من هذه الأمور أو يتبرّموا منها مطلقًا، وكذلك لا ينبغي لهم أن يترنّموا بآلامهم كما يفعل بعضُ الشعراء، ولا يتذمّروا من القضاء والقدر، ولا يخلِّفوا شكواهم وتذمّرَهم للأجيال القادمة مِن بعدهم، ولا ينبغي للإنسان أن ينتقد القدر قائلًا: “إلى متى؟”، بل يجمُل به أن يعرف كيف يجعل مشاعره لا تتجاوز صدره فإن أبت إلا أن تُترجم إلى صراخٍ وأنين؛ فليلجأ إلى مكانٍ بعيدٍ عن مرأى البشر ومسمعِهم فيبثّ حزنه إلى الله مالك الزمان؛ لأن مدة الابتلاء إنّما يحدّدها مالكُ الزمان، فإن تدخّلتم في شؤونه وقعتم في مأزقٍ كبيرٍ، فالأصل هو مقابلة كلّ أمرٍ من أوامر الله برضًا واحترام.

قد يتأتّى الجفاءُ من الجلال أحيانًا، وقد يتأتّى الوفاء من الجمال أحيانًا أخرى، لكن المهمّ هو أن نعرف أنّ كليهما واحدٌ، بمعنى أنه يجب علينا ألا نفرح بصفاء الجمال، ولا نتحسّر على جفاء الجلال، فإن أعرب الإنسان عمّا أصابه قائلًا: “ماذا فعلت حتى يصيبني كلّ هذا؟ لماذا تحلّ بي كلّ هذه المحن والمصائب؟ لماذا هذه الشائعات والافتراءات؟ لماذا كلّ هذا الحسد والغيرة؟” فهذا يعني أنه جاهل بسنّة الله تعالى في خلقه، فلقد ابتُلي الأنبياء الكرام والأولياء العظام وامتلأت قلوب قومهم حسدًا وغيرةً منهم، فما الضير إذًا إن تعرضتم لمثلِ ما تعرضوا له؟

 

لا تبالوا بما يُقال، وغذّوا السير في هذا الطريق المستقيم

وما أعذب قول الشاعر الحكيم:

إن أصاب حجرُ المقلاعِ -خطأً- سلطانيّةً ذهبيّةً

فلا ترتفع قيمة الحجر، ولا تنقص قيمة السلطانيّة

فإن كنتم سلطانيةً ذهبيةً بحقٍّ فلا يضرّكم افتراءاتهم ولا استنكارهم لكم، فعلى أرباب الحقّ إزاء ما يقوم به بعض السفهاء من أمورٍ هو عدم الاكتراث بكلّ هذا ومواصلة الطريق الذي يعتقدون استقامتَه، عليهم ألا يعبؤوا بالكلمات النابية الموجَّهة إليهم، ولا يشتّتوا أذهانهم بها، بل عليهم أن يشحذوا كاملَ همّتهم، ويُكثّفوا جهودَهم للقيام بالأمر المنوط بهم، عليهم أن يتقنوا أعمالَهم، ثم يفوّضوا الأمر في النهاية إلى الله سبحانه وتعالى، لأنّ مِن أهمّ الخصائص التي يتّسم بها الجيل الجديد في المستقبل كما ذكر ربّنا تبارك وتعالى: ﴿وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ﴾ (سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 54/5).

وكل هذا يذكّرني بقول الشيخ محمد لطفي أفندي رحمه الله:

يقول عاشق الحقّ عن المؤْذي:

لا تمتعض ممّن يؤذي

فمن امتعض من الأذى

قلّتْ درجتُه عن المؤذي

فإن كان لديكم أملٌ في الكمال في الآخرة فتجنّبوا ادّعاءَ الكمالِ في الدنيا؛ لأن هذا من أمارات عدم الكمال، كما أنّ تكبُّرَ الإنسان وتشوّفه لتصفيق الناس وتقديرهم ما هو إلا استثمارٌ مآلُه الخسارة بل إلى الإفلاس في الآخرة؛ لأن مَن استنفذ في الدنيا كلّ الجماليّات التي منحها الله تعالى له استحقّ وعيدَ الآيةِ الكريمة: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ (سُورَةُ الأَحْقَافِ: 20/46).

ولذا يجب على المؤمنين أن يطمحوا إلى الكمالات التي سيهبها الله تعالى لهم في الآخرة، ويتحلّوا بالصبر في الدنيا حتى لا ينقصهم أيُّ شيءٍ في الآخرة، فإن فعلوا ذلك ما استطاع أحدٌ -بمشيئة الله تعالى- أن يحول بينهم وبين ما يقومون به من أفعال الخير، يكفي الأرواحَ التي نذرت نفسَها لإضاءة نجمِ مستقبلِ أمّتها أن تستمرّ على المنهج التي أقسمت أن تتفانى في سبيله، وإلا فإن جُرُّوا وراء أطماعهم الدنيويّة كامتلاك البيوت والثروات واستثمار الأموال للتنعُّم بها في المستقبل؛ سلب الله تعالى منهم كلّ إمكانيّات الخدمة واستبدلَ بهم خَلْقًا جديدًا قادرًا على التحمّل غير خاضعٍ للدنيا وأهوائها، من أجل ذلك يجب على من نذروا أنفسهم في سبيل الحقّ ألا يتزحْزَحُوا عن منهجهم حتى آخر قطرةٍ في حياتهم.

 

الاستغناءُ هو أكبر رصيد

وجاء فيما روته كتب الحديث المعتبَرة مثل البخاري ومسلم من طرقٍ شتّى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى طعامًا إلى أجلٍ من يهوديّ، ورهنه درعَه[2]، غير أنه صلى الله عليه وسلم ارتحل إلى الرفيق الأعلى قبل أن يسدّ دينه، فلما تولّى سيدنا أبو بكر الخلافة سدّد الدين وخلص هذا الدرع المبارك -هذه الذكرى النبوية- من الرهن، ثم استودعه لسيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.

وهذا يعني أن “خُلاصة العفاف والطهر” صلوات ربي وسلامه عليه؛ لم يرَ من المناسب الاستدانة من أصحابه رضوان الله عليهم واعتبر الاستدانة منهم مخالفةً لمبدإِ عدم التشوّف للأجر الدنيويّ في مقابل مهمّة الدعوة، وبذلك أكّدت هذه الواقعة مرّةً أخرى على أنه صلى الله عليه وسلم لم يسعَ وراء أيّ مصلحة مقابل تبليغه رسالة ربّه وتمثيلِها، أو مقابلَ إعلام الناس بوسائل السعادة في الدارين، وإرشاد أصحابه على وجه الخصوص إلى طريق الجنة، كما دلّت على أنه صلى الله عليه وسلم هو القدوة الحسنة لوارثي دعوى النبوّة.

وسيدنا أبو بكر رضي الله عنه كان قبل خلافته تاجرًا، وكان يغدو كل يوم إلى السوق فيبيع ويبتاع، وكانت له قطعة غنم تروح عليه، وربما خرج هو بنفسه فيها، وربما رُعيتْ له، وكان يَحلب للحيّ أغنامَهم، فلما بُويع بالخلافة قالت جارية منهم: “الآن لا يحلب لنا منائح دارنا”، فسمعها فقال: “بلى لعمري لأحلبنّها لكم، وإني لأرجو أن لا يغيِّر بي ما دخلتُ فيه”. فكان يحلب لهم، ولكنه بعد مدّةٍ وأمام إلحاح خيار الصحابة رضي الله عنهم وبعدما رأى أن أمور المسلمين لا تصلُح مع التجارة وما يصلُح إلا التفرغُ لهم والنظرُ في شأنهم ترَكَ التجارةَ وارتضى بما اقتطعوه له من راتبٍ جزئيٍّ يُصلِحه وعيالَه يومًا بيوم، ويحجّ ويعتمر، ورغم أن مسألة تقاضي الراتب في مقابل خدمته كان يرهقه دائمًا؛ إلا أنّه تحمّل ذلك حتى لا تتعطّل مصالح المسلمين، ومع ذلك كان يتحرّى الدّقّة البالغة وترتعش يداه عند إنفاق هذا الراتب المقدّر له، فلما حانت وفاتُه قال: “رُدُّوا ما عندنا من مال المسلمين فإني لا أصيب من هذا المال شيئًا، وإنّ أرضي التي بمكان كذا وكذا للمسلمين بما أصبتُ من أموالهم”. فدَفع ذلك إلى الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه ودفع إليه بعيرًا وعبدًا وقطيفةً ما تساوي خمسة دراهم، فلم يتمالك عمرُ دموعَه أمام هذا المشهد، وقال: “رحم الله أبا بكر، لقد أَتْعَبَ مَن بعده تعبًا شديدًا”[3]، قال ذلك، ولكن لم تكن حياته بأقلّ من سلفه.

 

مفهومُ العزّة والشرف والخطأ في فهمهما

أخطأ بعض المغرورين في فهمهم لمقولةِ “التكبّر على المتكبّر صدقة”، بيد أن سيدنا عمر بن الخطاب رضوان الله تعالى عليه استطاع أن يُرغم الآخرين على طاعته والانقياد له مع كامل تواضعه وبساطته، فُتحت في عهده سوريا وفلسطين، وبعد الفتح طالب الفاتحون أعيانَ القدس بمفاتيح المسجد الأقصى، فرفضوا قائلين: لقد قرأنا في كُتبنا أوصافًا لمن يتسلّم مفاتيح مدينة القدس، ولا نرى هذه الأوصاف في أيّ واحدٍ من قادتكم، فأرسلوا إلى الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وطلبوا منه الحضور ليتسلّم المفاتيح بنفسه، ما داموا لا يُريدون القتال، ويُريدونَ تسليم المفاتيح والسلم، ولا نـُريدُ أن ندخلَ معهم في قتالٍ حتى تأذنَ لنا، فركب عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومعه غلامه، وكانا يتناوبان على ركوب الدابّة فكلّ واحدٍ منهما يركب مرحلةً ويمشي مرحلة ثمّ يتركان الدابّة ترتاح مرحلةً، وهكذا دواليك، وعندما قاربا على مشارف بلاد الشام وقريبًا من القدس؛ قابلتهم مخاضةٌ من الطين بسيل وادي “عمواس”، فقال له أمين هذه الأمة أبو عُبيدة عامر بن الجراح: أتخوض الطينَ بقدميك يا أمير المؤمنين وتلبس هذه المُرقعة وهؤلاء القوم قياصرة وملوك ويُحبون المظاهر، وأنت أمير المؤمنين؟ فهلّا غيرت ثيابك وغسلت قدميك؟ وهذا مقام عزة وتشريف للمسلمين بتسلم مفاتيح القدس، فقال عمر: “نحن قومٌ أعزّنا الله بالإسلام فلا نطلب بغير الله بديلا”[4] وركب عمر رضي الله عنه وسار الغلام، ثم تناوب معه حتى قال أمراء وقادة الجند، نتمنى أن تكون نوبة عمر على الدابة حينَ يدخل على حاكم القدس، ونخشى أن تكون نوبة الغلام، فحصل ما كانوا يحذرون، ودخل الغلام راكبًا وأمير المؤمنين يمشي على قدميه، ولما وصلوا نظر “صفرونيوس” -حاكم القدس- إلى عمر وأمعنَ النظر في ثوبِهِ، وهو يقودُ الدابة لغلامه، فسلّمهُ مفاتيح القدس، وقال له: أنتَ الذي قرأنا أوصافه في كتبنا يدخلُ ماشيًا وغلامهُ راكبًا وفي ثوبه سبع عشرة رقعة -وفي رواية أربع عشرة رقعة- لكثرة احتكاك ثوبه ببرذعة الدابة ولطول السفر، كان عمر يرقعُها ليضيفَ أوسمة شرفٍ جديدةً إلى ثوبه.

 

مَن قدوة أصحاب المثل الدنيء القائل: “مال الدولة بحرٌ من لا يأكل منه فهو أحمق”؟

وكان سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه رجلًا غنيًّا في قومه، لكنه وإن كان لم يدَعِ الدنيا كسبًا فقد تركها قلبًا، ولمّا دُعي الصحابة رضوان الله عليهم لتجهيز جيش العسرة الذي سيتحرّك إلى تبوك تبرّع رضي الله عنه بثلاثمائة بعيرٍ بأحلاسها وأقتابها[5]، كان سخيًّا كريمًا حتى إنه أنفق ما أنفق دون تبرُّمٍ أو ضيقٍ، وفي اعتقادي أن مفخرةَ الإنسانيّة صلى الله عليه وسلم لو قال له: أنفق كلّ مالك؛ لأنفقه في سبيل الله على الفور.

أما صهر النبي سيدنا علي حيدر الكرار كرم الله وجهه فكانت الدولة الإسلامية في عهده تبلغ مساحتها عشرين ضعف مساحةِ تركيا حاليًّا؛ حيث وصلت جيوش الإسلام إلى بلاد ما وراء النهر وإلى سدّ الصين، وبلغت من جهةٍ أخرى مضيق جبل طارق، كان رضي الله عنه على رأس هذه القوة العظمى وحاكمَ تلك الدولة المترامية الأطراف، ومع ذلك كان يلبس ثياب الصيف في فصل الشتاء، فلما سُئل عن ذلك قال: “لم أستطع أن أوفّر إلا هذا القدر بالإمكانيّات المتاحة لي”، إن هذا السلوك -الذي يطلِق عليه سيد قطب العدالة الاجتماعيّة- لهو العدالة الحقيقيّة، وتجسيدٌ لروح الإنسان العالية، وهو التكامل مع المجتمع، وإيثارُ الآخرين أو الحياةُ من أجل الآخرين.

وكذلك كان سيدنا الحسن والحسين وأمهما السيدة فاطمة وأمنا السيدة عائشة رضي الله عن الجميع، كانوا يحملون نفس الأفكار والمشاعر، فقد عاش هؤلاء ومَن سار على نهجهم محمّلين بهذه الروح من التفاني وعدم التشوّف لأيّ أجرٍ دنيويٍّ، ولذا لا بدّ أن نسأل مَن ليسوا على شاكلتهم: مَن قدوتكم؟ قولوا لي بربكم من قدوتكم في مصاييفكم ومشاتيكم؟ قولوا لي بربكم مَن قدوتكم عندما تعملون لأبنائكم وأحفادكم وتقولون: إن مال الدولة بحرٌ…، ألا يعلمُ الذين لا يُفرّقون بين حلالٍ وحرامٍ أنّ العاقبةَ الوخيمةَ -التي مُنِيَ بها أمثال قارون ورمسيس وأمنوفيس- تنتظرهم أيضًا؟ فليتّقوا الله.

أجل، على مَن نذروا أنفسَهم للخدمة كأسلافهم أن يحافظوا على جلالِ وشرفِ الشعور بالتفاني، فإن أرادوا النفاذ إلى القلوب فعليهم أن يتعاملوا مع مخاطبيهم بتواضعٍ وتفانٍ وخجلٍ، وأن ينسلخوا كلّيًّا عن الكِبْر، كما يجب عليهم ألا ينشغلوا كثيرًا بأبنائهم وأحفادهم، أو يفكّروا في راحتهم ورفاهيتهم الدنيويّة، عليهم أن يسيروا في سبيل تحقيق غايتهم المثلى ليس إلّا، ويحاولوا أن يقيموا مرّةً أخرى صرح روحنا المتهدّم، وإلا فمن لم يعمل بروح الاستغناء فلا بدّ أن يتغلّب عليه الحسد كـطالوت وإن بدا كسيدنا داود عليه السلام، وسيهلك كـقارون وإن كان في بداية أمره كسيدنا هارون عليه السلام، لأنه ما من أحدٍ حتى الآن طلب الدنيا واستسلم لها إلا هلك،كما كان الشيخ محمد لطفي أفندي يقول: “كم من أشخاص جسامٍ وسلاطين ذوي وجوهٍ نورانيّةٍ وملوكٍ وأباطرةٍ كـ”خسرو أنو شيروان” غرقوا في بحر الدم والقيح والصديد الذي نُطلق عليه اسم الدنيا.

وعلى ذلك فلا بدّ أن يضحّي السائرون في سبيل الغاية السامية بكلِّ شيءٍ في سبيل روح التفاني التي هي مصدر القوّة والعزّة لهم، عليهم أن يرحلوا من الدنيا صفرَ اليدين كما دخلوها على النحو نفسه، ولا يضيّعوا ألبتّة هذه الغاية المثلى، وإنني أدعو الله ربّ العالمين ألا تخدعَ الدنيا هؤلاء العاشقين لهذه الدعوة السامية وألّا تتغلّب عليهم أو تقهرهم.

يقول “ضيا باشا” رحمه الله: “الجاهل يعيش في ترفٍ ونزهةٍ ورخاءٍ، والعارف يسبح في دوّامة المحن والبلاء”، فدعونا نسبح في دوامة البلاء، ويكفي ألا تخدعنا الأبّهة التي يعيش فيها الآخرون، علينا أن نرحل ناصعي الوجوه إلى الدار الآخرة فإذا ما رقدْنا في قبورنا وسألَنا منكرٌ ونكيرٌ: ماذا خلّفتم من متاع الدنيا؟ قلنا -بعد شيءٍ من التفكير- : والله لا يخطر ببالنا أيّ شيءٍ، وهذا هو أساس مسلَكِنا.

لا ريب أن هذا الأمر يختلف بالنسبة لمَن بدؤوا حياتهم بالاشتغال بالتجارة، وداوموا على ذلك، فهؤلاء يعملون ويكسبون ويدعمون المشروعات الخيريّة، ولكن لا تنسوا أن استغناءكم هو أكبرُ رصيدٍ لتوجُّه هؤلاء لكم وتلبيتهم لرغباتكم، فلو تعلّقْتُم بحبّ الدنيا -نسأل الله السلامة- هلكتم، وحتى لا يحدث ذلك علينا ألا نقع في حبّ الدنيا، حتى وإن أقبلت عليكم الدنيا بكل أبّهتها وسلطنتِها فعليكم أن تركلوها بأطراف أقدامكم وكأنها نجاسةٌ تُميطونها عن طريقكم، هذا هو سبيلُنا؛ ومن ثمّ لا بدّ أن تترسّخ الأفكار التالية في عقولنا عندما نرحل إلى الدار الآخرة:

ما تنعّمنا بالدنيا وما ابتغينا شيئًا من أهلها

وما لجأنا إلا إلى الحضرة الإلهيّة

فإذا أدركتم هذا المنحى في الفهم وحافظتم على استمراريّة تطبيقكم وانتهاجكم له؛فستعيشون أحرارًا طوال عمركم، ولن يكون لأحدٍ منّةٌ عليكم، ومن ثمَّ لا تنخدعون بمكر الآخرين ومؤامراتهم التي تُحيطُ بكم وتُحاكُ ضدّكم، فإن وقعتم في حبائلهم مرّةً أصبحتم أُلعوبةً في أيديهم على الدوام، وعند ذلك تفقدون ثقةَ وأمل مَن وثق بكم واعتمد عليكم، وحينها تلجؤون إلى المكر والكذب لتُخلّصوا أنفسَكم، وهذا يُعدّ أكبر إساءةٍ للإسلام والمسلمين.

 

 

 

[1] بديع الزمان سعيد النورسي: الملاحق، ملحق أميرداغ-2، دار النيل-2010 القاهرة، ص 338.

[2] صحيح البخاري، البيوع، 14، 33، 88، الاستقراض، 1؛ صحيح مسلم، المساقاة، 124.

[3] الطبري: تاريخ الرسل والملوك، 432/3-433.

[4] ابن كثير: البداية والنهاية، 60/7، دار الفكر.

[5] سنن الترمذي، المناقب، 18.

 

الشورى المثالية -2

Herkul-ARB | | العربية

 

الشورى ليست وسيلةً لإرغام الآخرين على تقبّل أفكارنا

وإنّ أهم مقياسٍ في تقويم المسائل بضوابط الإنصاف والضمير خلال الشورى ذلك المقياس الذي يذكره القرآن الكريم عند الحديث عن ميزان الأعمال، يقول تعالى:

﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (سُورَةُ الزَّلْزَلَةِ: 7/99-8).

بمعنى إن رجحتْ كِفّة الشر ولو بمقدار ذرّةٍ على كِفّة الخير فيما طُرِح من آراء حول أيّ مسألةٍ فعلينا أن ننحّي هذه الآراء جانبًا، والعكس صحيح فإن رجحت كفّة الخير ولو مثقال ذرّةٍ أيضًا على كفّة الشرّ فعلينا الأخذ بالرأي المطروح والتمسّك به، كما هو الشأن في ميزان الأعمال فما دام الحقّ سبحانه وتعالى جعل رجحان الخير على الشر ميزانًا لعباده وحكم بذلك فعلينا نحن أيضًا أن نجعل هذا الأمر دستورًا لنا عند تشاورنا، وعلى ذلك فإن رجحتْ كفّة الخير لرأيٍ من الآراء المطروحة ولو مثقالَ ذرّة فلا عبرة حينذاك للأقدميّة واللقب والمنصب والشهرة والنفوذ؛ فإنّ اتّخاذ مثل هذه الصفات معيارًا رغم سطوع الحقيقة ووضوحِها واستغلالَ عناصر القمع والإجبار؛ يعني تدميرَ روح الشورى.

أجل، لا بدّ أن تخلو الشورى من عنصر القمع وفرض الأفكار، فأفضل الناس هو ذلك الشخص الذي يجلس في مجلس الشورى مع ذوي الأراء الأخرى وكلُّه آذانٌ صاغيةٌ فإذا انتهى أحدهم من عرض فكرته يقول له: “أنت محقٌّ في هذا الأمر، وأنا أؤيّد كلّ ما ذكرتَه، ولكن بجانب هذا فقد لاحتْ فكرة بخاطري، فما تقولون بشأنها؟”، وهذا هو الإنسان الشريف الذي يحافظ على شرف المشورة، أما مَن لم يعبأ بمسألة الإنصات إلى الطرف الآخر ويعتقد صحَّةَ رأيه دائمًا فهو إنسان مسكينٌ غلبته نفسه فاتخذها إلهًا، ومثل هذا المسكين الذي أسْلسَ قيادَه إلى نفسه وخضع لها، إن تحدّث فإنما يتحدّث لحساب نفسه في الحقيقة وإن ظنّ أنه يتكلّم باسم الدين والخدمة، ولا شك أنّ ما يطرحه من أفكارٍ سيُقابل على الدوام بردّ فعلٍ سلبيّ.

من أجل ذلك يجب على الإنسان أثناء التشاور أن يتجنّب الفظاظة والغلظة في أقواله وأفعاله وتصرُّفاته، وأن يهذّب أفكاره حتى يضمن حسن القبول لها، فإن لم يتخلّ الإنسان عن حدّته وغلظته ولم يعرض أفكاره بأسلوبٍ لطيفٍ ليّنٍ استاء الآخرون وامتعضوا.

الأولوية للحقّ لا للأقدميّة والمنصب

ثمّةَ أناسٌ ضعافُ النفوسِ يحاولون خلال الاستشارة استغلالَ أقدميّتهم ونفوذهم، وإرغامَ الآخرين على تقبّل أفكارهم، ومثل هؤلاء الناس يستغلّون صراحةً -وإن كان بلا قصدٍ- خدماتهم التي يبذلونها من أجل الدين؛ في سبيل تكريس أقدميّتهم وتعزيز مناصبهم، والحال أنه لا يحقّ لأحدٍ أن يحجب اليمنَ والبركةَ التي تفيض بها الشورى بمثل تلك التصرفات الأنانيّة النفعيّة.

وفي هذا الصددِ نورِدُ الواقعة التالية: اجتمع الإمام الحسن البصري مع بعض الصحابة رضوان الله عليهم في مجلسٍ واحد، كان الذين يغشون هذا المجلس يوجّهون الأسئلة للصحابة رضي الله عنهم ويراجعونهم، والحقّ أن هذا هو الذي يجب أن يكون؛ لأن هؤلاء الصحابة الكرام رضي الله عنهم قد شهدوا مجلسَ رسول الله صلى الله عليه وسلم واصطبغوا بجوِّ هذا المجلس المبارك. وأعتقد أن شهود مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو لمرّةٍ واحدةٍ هو وسيلةٌ لتنزُّل الفيوضات والبركات بما يُعادل قراءة القرآن الكريم كاملًا عشر مرّات؛ لأن الحقّ تعالى كان يتجلّى في كلّ أفعاله صلى الله عليه وسلم وتصرّفاته، وكلّما نظر أو استمع أو تكلّم أو حرّك لسانه وشفتيه تبدّت حقائق إيمانه بالله تعالى، ويعبّر الشاعر الصوفي عن هذا الحال بقوله: كُلَّمَا سَجَدَ تَجَلَّى اللهُ.

بمعنى أن من ينظر إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ينمحي أمام ربّه تعالى في سجوده يشعر بوجود الله تعالى بل وكأنه أمامه جلّ جلاله ، ولا يعني ذلك أبدًا -معاذ الله- أن الذات الإلهيّة قد حلّت في الذات النبويّة، بل إنّ هذا تأكيدٌ على أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يعبّر عن ربّه في كلّ أفعاله وتصرّفاته، ولا جرم أن الصحابة الكرام رضوان الله عليهم الذين يغشون مجلسه صلى الله عليه وسلم كانوا يعيشون جوًّا متميزًا، فإذا تصوّرنا أن هؤلاء الصحابة كانوا يرتبطون به صلى الله عليه وسلم قلبيًّا وظلوا طوال عمرهم حريصين على شهود مجلسه صلوات ربي وسلامه عليه عدّة مرّاتٍ في اليوم؛ لأدركنا قيمة الإنصات لكلام هؤلاء الصحابة والتشاور معهم، فضلًا عن ذلك كانت الحياةُ بكلِّ مجالاتها الاقتصاديّة والإداريّة والاجتماعية تتمحور حول الدين، وترتبط بنصوصه، ولذا كان الناس يلجؤون إلى قواعد الدين الراسخة الثابتة في مسألة حلّ المشكلات الحياتية، وهذا هو السبب في أن الناس في زمان الإمام الحسن البصريّ كانوا يتردّدون على سادتنا الصحابة الذين نهلوا من منبع الدين وما زالوا على قيد الحياة للاستفادة منهم وتبادُلِ الرأي معهم.

وفي مجلسٍ كان يجمع بين أحد الصحابة رضي الله عنهم والإمام الحسن البصري طُرح سؤالٌ على هذا الصحابي، فأجابَ، فلما انتهى من الجواب جاء دور الحسن البصريّ في الكلام، وكان يجلس في الخلف، فلما شرع هذا الشاب -الذي يتراوح عمره ما بين الخامسة والعشرين والثلاثين عامًا- في الكلام أخذتْ الصحابيَّ الدهشةُ والحيرة، فقال ذلك الصحابي المنصِف الذي يدور مع الحقّ أينما دار بما تعلّمه من أخلاقٍ على يدِ سيدِنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كيف تسألوننا وهذا الرجل بينكم؟”.

نعم، كما شاهدنا في هذا المثال لم يستخدم الصحابي الكريم تبعيتَه لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمكانةَ والمنزلةَ التي تبوّأها بصحبته لرسول الله عليه أكمل التحايا عنصرًا للضغط والإجبار، ولكنه وجّه الأنظار إلى ذلك الشاب لمِا رأى لديه من حصافة رأيٍ وتأثيرٍ قويٍّ في الكلام، فضلًا عن أنه كان يعتقد أن كلام هذا الشابّ هو أكثر نفعًا، وفي رأيي أن هذا هو الأسلوب الذي لا بدّ من مراعاته في استيعاب روح الشورى.

ومع الأسف تلاشتْ مسألة إحقاق الحقّ بهذا المستوى في أيّامنا، فمَن يتمتّع بقدرٍ من المكانة والمنزلة يريد أن يُسمَع له دائمًا وأن تنخرس ألسنةُ الآخرين عند حديثه، فضلًا عن ذلك نجد أن بعض الأفراد الذين يشكّلون مجلس الشورى بدلًا من الاستماع إلى كلام الآخرين يمهّدون الردود للاعتراض على كلامه، وأحيانًا يعاندون بلا داعٍ، ويشعرون بضرورة أن يقولوا شيئًا للردّ على ما يقوله الطرف الآخر، وليس هذا فحسب بل ينسجون أحيانًا أفكارًا شيطانيّة لإفحام الطرف المقابل، ومن ثمّ لا يمكن في مثل هذا الجوّ الاستفادة ممّا يطرحونه من أفكارٍ في مجلس الشورى وإن كانت عين الحقيقة.

بيد أن “شأن الحقّ عالٍ وسامٍ لا يُضحّى به بأيّ شيءٍ كان”[1]، ومن ثمّ لا بدّ من توجيه جميع الأقوال والأفعال إلى طريق الحقّ، وهذا ما أكّد عليه بديع الزمان سعيد النورسي، فقد أوصى هذا الجبلُ الأشمُّ طلّابَه ألا يأخذوا الكلام الصادر عنه على عواهنه لمجرّد أنه تفوّه به، فهو نفسه قد يُخطئ وينسى، فيا ليت الجميعَ يتحلّى بهذه السعة من الأفق! ولا يغيبنّ عن أذهاننا ألبتةَ أن “كُلّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ[2]؛ ولسنا نحن مؤيدين بالوحي كما كان الأنبياء مؤيدين به.  

يكفي أن تُعبّر الحقيقة عن نفسها

من جانبٍ آخر ينبغي لنا ألا ننزعج أو نتضايق إن ظهرتْ الحقيقة على يد الغير أو بفضلِ كلامهم، فإن كان هناك فكرة مقبولة معقولة وغيرُك يستطيع أن يطرحها فليس من السلوك الإيمانيّ أن تقول في نفسك: “لِم لا أتكلم أنا وأحظى بتقديرِ وإعجاب الجميع بما أقدّمه من أفكارٍ جميلةٍ؟” ولكن إن دعتْ الضرورة إلى الحديث عن موضوعٍ ما ولم يتكلّم أحدٌ وكان عدم الكلام سيتسبّب في ضياع الحقّ أو أن يعيش البعض شيئًا من الحرمان فيجبُ علينا حينذاك أن نقوم نحن بمهمّة الحديث في هذا الموضوع إحقاقًا للحقّ وإعلاءً لشأنِه، وعلينا في مثل هذا الموقف أن نراعي جيّدًا الجوّ العام ومدى تقبّله لمِا يُقال؛ حتى لا يتسبّبَ هذا الأمرُ في ردِّ فعلٍ سلبيّ، والأولى هو الصمت عند استشعار عدم الاحترام للكلام، بل إنّ هذا ما يقتضيه احترامُ الإنسان للفكرة التي سيقدّمها؛ لأن المخاطبين إن أبدوا ردَّ فعلٍ على ما يُقال منذ البداية فمِن الصعب للغاية تقبّلهم للكلام فيما بعد وإن كان حقًّا، بل إن هؤلاء المخاطبين قد يُحاولون بشتّى الطرق فيما بعد أن يختلقوا مسوّغات مختلفة فيما بينهم لعدم تطبيق هذه الفكرة، إذًا علينا أن نؤثر الصمت على الكلام إلى أن نستشعر باحترام الجوّ العام للحقيقة، فحينذاك لا بد من الحديث حتى يستفيد الجميعُ من الفكرة المطروحة.

وعلى مَن يشاركون في عملية التشاور أن تكون غايتهم إحقاق الحقّ، لا سيّما إن كانوا من ذوي الكلمة المسموعة فعليهم أن يتصرّفوا بدقّةٍ بالغةٍ في هذا الأمر؛ لأن من المعروف أنّ هؤلاء إن تحدّثوا في أيّ أمرٍ لاقوا احترامًا بالغًا من مخاطبيهم، ولكن قد يتخلّل كلامَهم بعضُ الأخطاء أيضًا، من أجل ذلك يجب عليهم إحقاقًا للحقّ ألا يخجلوا من الرجوع عن أخطائهم إن أدركوا خطأ كلامهم، ويتقبّلوا هذا الأمر برحابة صدرٍ.

فضلًا عن ذلك فإن تكلّم مَن لا حقَّ له في الكلام مع وجود مَن هو أولى به فقد يتسبّب هذا في إغفال المفيد من الكلام، وإثارة بعض الشائعات التي لا محلّ لها.

 فر من الغيبة فرارك من الأسد

ومن الأمور التي يجب مراعاتها في الشورى هو الحذر من الوقوع في الغيبة أثناء الاستشارة، وإلّا خسرنا في موضعٍ هو أدعى للكسب، ودنسنا ألسنتنا وآثرناها على قلوبنا، وأطفأنا نور حياتنا الروحيّة والمعنويّة في الوقت الذي كنا نظنّ فيه أننا نخدم في سبيل الحقّ، من أجل ذلك لا بدّ من مراعاة الدقّة البالغة لعدم الوقوع في الغيبة، فإن وقعنا فيها دون قصدٍ فلا بدّ من طلب السماح ممن اغتبناه، بل لا بد من تحديد إطار الموضوعات التي سنتحاور حولها حتى لا يُساق الناس إلى جهةٍ خاطئة، ولا ينفرج البابُ لسوء الظن، وتجنبًا لمثل هذه الأمور يجب على مَن يتكلّمون وإن كان كلامُهم هو محضَ الحقيقة أن يصمتوا عندما يتطلّب الأمر ذلك، عليهم أن يصمتوا أوّلًا، وإن تكلّموا فلا بدّ أن يسبق كلامَهم تفكيرٌ أعمق ويقولوا في أنفسهم: “كيف يمكننا أن نذكر هذه الحقيقة دون أن نجرح مشاعرَ أحد؟”.

أجل، ينبغي أن يكون سكوتُ المؤمن تفكُّرًا، وكلامُه حِكمةً؛ بمعنى أنّ الإنسان إن وجد الحكمة في كلامه تكلّمَ وإلا سكَتَ، كما يقول الشاعر: “إن كنتَ محدِّثًا فحدّثنا عن الحبيب وإلا فاسكت”، فإن بدتْ أماراتٌ للحديث عن أمورٍ لا توصّل الناسَ إلى الله ولا تفسحُ المجال للوصول إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلينا أن نسكتَ ونعضّ على هذا اللسان الشقي الذي أعطيناه من الأهمّية ما يزيد عن القلب فإن لم يستطع الإنسانُ أن يعضّ على لسانه مع أنّ الحال يقتضي ذلك فلن يسلم الآخرون من عضّه لهم.

 ويجب علينا ألا ننسى أبدًا أن الجروح التي تسببها الحِراب من الممكن مداواتها أما الصدور التي جرحتها الكلماتُ فمِن الصعب مداواتها وتعميرها.

[1] سعيد النورسي: السيرة الذاتية، ص 117.

[2] سنن الترمذي، صفة القيامة، 49؛ مسند أحمد بن حنبل، 344/20.