Posts Tagged ‘العبودية’

بعض المعايير للعبودية

Herkul | | العربية

لا ينبغي للإنسان أن يستسلم لليأس في حياة العبودية فَيضْنَى، ولا أن يثق بنفسه ثقةً مفرِطةً فَيَطغى، بل عليه أن يكون على وعيٍ دائم بذنوبه التي ارتكبها، ولا يغيب عن باله أن الله تعالى قد يستعمل المذنبين أيضًا في أعمال الخير، ومن يقدر على فعل هذا لا يعزو لنفسه توجّهات الله وإحساناته، وإنما يقف أمام الجماليات التي أسبغها الله عليه ويقول: “لولا فضل الله عليّ لما كان لمثل هذه الزهور والورود أن تنبت في هذه الأرض السبخة وهذه الصحراء القاحلة”، فمَن نظر إلى نفسه هكذا لا يُداخله غرور، ولا يقصِّر في شكر الله على ما أفاض عليه من نِعم.

وإن قدرة الأشياء الصغيرة للغاية على إنجاز أمور كبيرة ليدلّ على عظمة الله تعالى، فقد يستعملُ الله تعالى أناسًا عاديين -رغم زللهم وسقوطهم وترديهم وانكسارهم وتحطمهم وما أصبحوا عليه من بؤس وشقاء- في أمور عظيمة جدًّا، بل إنه قد يُنعِم بفتح البلدان وإحياء الدول على أيديهم، ويوفقهم في جهودهم ومساعيهم، لكن لا ينبغي للإنسان إذا ما رأى هذه الأفضال غير العادية وهي تتحقّق على يديه أن يزيغ ويضل، وينساق وراء الأفكار المنحرفة.

   الخسارة في موضع هو أدعى للكسب

وليس من اليسير بالطبع أن يحافظ الإنسان على استقامته أمام ما أحرزه من نجاحات وإنجازات، وهذا هو سبب خسارة الكثيرين في امتحان الدنيا، فمثلًا عندما يرى الإنسان عشرةً من الناس يلتفون حوله يوشك أن يرى نفسه وليًّا من أولياء الله، وخاصةً إذا كان مَن حوله يتملّقون إليه ويرفعونه إلى عنان السماء، ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل يرنو ببصره إلى القطبية والغوثية انطلاقًا من المقامات التي عزاها له حسنُ ظنِّ المحيطين به، وربما يرى هذا المسكين نفسه الجامع للقطبية والغوثية على حد سواء، ولا يتوقّف الأمر عند هذا الحد، بل يدعي المهدية والمسيحية، ويرى نفسه محلِّقًا في السماء وإن كان غير جديرٍ بالمشي على الأرض، فيعيش خُسرانًا تلو خُسران رغم أنه في موضع هو أدعى للكسب؛ ولذا فإن من أكبر إحسان الله للعبد ألا يُشعره أحيانًا بكرمه ولطفه وإحسانه عليه.

عودًا على ذي بدء، إن الإنسان إذا كان على وعيٍ بذنوبه وخطاياه؛ لا يداخله صلَفٌ ولا غرور، فلا يستكثر على نفسه المقامات العالية مثل القطبية والغوثية فحسب، بل وحتى البشرية العادية أيضًا، فإذا ما رأى الأراضي القاحلة قد تحولت إلى رياضٍ وارفة الظلال قال: “يستحيل أن يصدرَ خيرٌ منّي لكن الله يريد أن يكشف عن تجلّيات الوجود حتى في العدم”.

ولا أقصد من هذا الكلام أن نفعل كما فعل بعضُ غلاة الملامتية في التاريخ، فقد أخطأ هؤلاء عندما اعتقدوا ضرورة اقترافهم الذنوب حتى يلزموا حدهم، ويتجنبوا الادعاءات التي تغريهم وتجعلهم يتعالون على غيرهم، فهذا انحراف من نوع آخر، فيجدر بالمؤمن أن يتوخى الدقة والحذر في حياته حتى لا يتدنس من ناحية، وألا يغفل عن كدوراته الحالية من ناحية أخرى، والحال أن الذنوب التي يرتكبها الإنسان دون وعي منه؛ كإلقاء السمع إلى خطإ ما، أو الخطوة إلى ذنب ما، أو التفوه بكذبة ما؛ لَتكفي من أجل إجراء مثل هذه المحاسبة، بل تزيد، فيجب ألا يغيب عن بال الإنسان أبدًا ذنوبه التي اقترفها حتى وإن تاب عنها ألف مرة بعد ارتكابها، وأن يبقيها ماثلة نصب عينيه على الدوام، ومن يستطع فعل ذلك لا يعزُ لنفسه النجاحات التي حققها الله على يديه.

وإن مسألة العصمة، أي رؤية الإنسان نفسه معصومة من الخطإ خطيرة جدًّا، فالأنبياءُ العظام الذين كانت العصمةُ من أهمّ أوصافهم يرتجفون وَجَلًا من الله تعالى، ولم تدْعُهم عصمتُهم قط إلى التهاون والتراخي في عبوديتهم، ولذا يجب على الإنسان أن يعلن الحرب على هذه الفكرة، وأن يبذل جهدًا مستميتًا في سبيل استقامته من ناحية، وألّا يعتقد أبدًا أنه طاهر مطهر من ناحية أخرى.

أجل، من الأهمية بمكان أن يلزم الإنسان حدّه ولا يتجاوزه مهما حقّق الله على يديه من نجاحات، ويشير بديع الزمان سعيد النورسي إلى هذه الحقيقة مستشهدًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: “طُوبَى لِمَنْ عَرَفَ حَدَّهُ وَلَمْ يَتَجَاوَزْ طَوْرَهُ[1]، كلُّنا بشرٌ مخلوقون من لحم وعظم، ونحمل بين جوانحنا نفسًا، وهناك شيطان يسعى دائمًا بكل قواه لإغوائنا، ومن الصعب القول أيضًا بأننا قد نشأنا في مجتمع نظيف جدًّا، لأن شوارعَنا التي نسير فيها عمَّت فيها البلوى وأصبحت مكتظَّةً بالذنوب، وبينما دُنِّسَ بعضُنا بالقاذورات حتى سيقانهم، فإن بعضنا الآخر يغوص في مستنقع من القاذورات حتى حلقومه، وبهذه الحالة فليس من الممكن أن يتأتى منا أيُّ خير، إلا أن الله تعالى برحمته الواسعة قد منّ على المذنبين من أمثالنا بفضله، واستعمَلَنا في أعمال الخير.

أجل، إن من يعي أن كلَّ الألطاف والنعم التي يتمرّغ فيها من الله تعالى؛ لا يتطاول، ولا يتجاوز حد الاعتدال، وطالما استطعنا النظر إلى الأمور بمثل هذا الأفق الخالص من التوحيد أدام الله علينا ألطافه وإحساناته.

ومن جانب آخر، فلا ينبغي للمذنبِ ولا للغارق في الدنس والفجور حتى عنقه أن ييأس أو يقنط من رحمة الله سبحانه وتعالى، وكما هو معلوم فقد نهى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحابةَ عن لعن ذلك الرجل الذي كرَّرَ شربَ الخمر، إذ إنه لما جيءَ به قَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: اللَّهُمَّ العَنْهُ، مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لَا تَلْعَنُوهُ، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ[2]، ولذلك لا بد للإنسان أن يحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وأن يسعى سعيًا حثيثًا في سبيلهما، دون النظر إلى عظم الذنوب والخطايا التي ارتكبها في الماضي، عليه أن ينسب الكبرياء والعظمة إلى الله تعالى السلطانِ الأوحدِ لدائرة الربوبية والألوهية، ويقول: “اللهم إني أعلم أنْ لا محل لي من الإعراب، لكن أنت من يمنحني هذا المحل”، وعليه أن يواصل تبعيّته ومحبّته للداعيةِ الأعظم صلى الله عليه وسلم، إن فعل ذلك فلا بد أن يترجم محبته لله ورسوله بالثناء والمناجاة، ولا تمنعه ذنوبه من فعل هذا، فقد تضخِّم له النفسُ والشيطانُ ذنوبه، وقد يوحيان له أنه بهذه الذنوب قد ابتعد عن الله، ولكن لا ينبغي للإنسان أن يجري وراء نفسه وشيطانه، وعليه أن يتجول بأفكاره ومشاعره في دائرة القرب.

   الأرواح النرجسية

وعند النظر إلى الصالحين عبر التاريخ سنلاحظ أنهم كانوا يعنّفون أنفسهم وينتقدونها ويحاسبونها بشدة، ولا يعطونها قدرًا ولا قيمة، هذه هي العظمة الحقيقية، فلا يُنتظر ممن استولت عليهم الأنانية القيام بأي عمل نافع، فإن صاحب الروح الأنانية النرجسية لا يستطيع أبدًا أن يتخلص من أوهامه لأنه يشعر على الدوام بضرورة التعبير عن نفسه وتميزه على الآخرين، وهؤلاء الأنانيون لا يحبّذون الأفكار التي يقولها الجميع أو يتبنونها، فهم يركضون وراء الأفكار الهامشية دائمًا بغية التميز والإبداع، ويحاولون ابتكار آراء غير عادية لجذب الانتباه وإثارة الإعجاب لدى الآخرين، فإذا لم يجدوا الإعجاب والتقدير الذي ينتظرونه رفعوا من مستوى كلامهم أكثر فأكثر، بل إنهم لا يتورّعون عن الكذب أحيانًا عندما يرون الصدق لا يجدي معهم في تسويق أنفسهم.

وهؤلاء النرجسيّون المفتونون بأنفسهم وأفكارهم وأسلوبهم ومنزلتهم لا يستسيغون الآخرين ولا ما يفعلونه، ومن الصعب أن يقنعوا ويرضوا بشيء ما، ولذلك يسيرون في خطٍّ متعرج على الدوام، ويقفزون من غصن إلى آخر، ويقضون عمرهم لا يستقيمون على شيء، ولا يتأتى منهم خير.

في حين أن وجود الإنسان الذي أوجده الله من العدم قد بدأ بقطرة ماء، وإذا ما التفتنا ونظرنا إلى سيرة حياتنا، وفكَّرْنا في الأخطاء التي ارتكبناها فسنخجل من أنفسنا، لقد خلقَنا الله تعالى عبيدًا له، ولهذا فإن العظمة الحقيقية للإنسان تكمن في عبوديته لله عز وجل، فما يقع على الإنسان هو أن يقنع ببشريته، وأن ينشد الشرف والعزة في عبوديته لربه سبحانه وتعالى.. ويجب على الإنسان أن يقابل العطايا المادية والمعنوية التي أسبغها ربه عليه -كنوع من الجبر اللطفي- بالشكر، وأن يعمل على تنميتها وتطويرها.

   أبطال التواضع

إن الله تعالى يحب المتواضعين، ويرفعهم إلى المكانة التي تليق بهم، فلولا سقوط البذرة في رحم التراب ما استطاعت أن تكون مظهرًا للفيض، فالمتواضعون يرفعهم الله عز وجل، ويمنّ عليهم بكرمه وفضله، ويجعلهم ذوي قامات عالية مرشدة للإنسانية، فها هو عبد القادر الجيلاني، ومحمد بهاء الدين النقشبندي، وأبو الحسن الشاذلي، والأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي رغم مرور قرون عديدة على رحيلهم فما زلنا نذكرهم بالخير والامتنان، وما زلنا نسترشد بالمؤلفات القيمة التي خلفوها لنا للاهتداء إلى سواء السبيل، وبدهي أن السبب الرئيس في عدم نسيان الناس لهؤلاء الفضلاء هو أنهم كانوا أبطالًا للتواضع والخجل ونكران الذات.. ونظرًا لأنهم صرفوا كلّ هممهم إلى إثبات وجود الله سبحانه وتعالى وليس أنفسهم؛ وهبهم الله تعالى وجودًا أبديًّا، ووضع ودّهم ومحبّتهم في قلوب عباده، ولما كانوا يركضون من أجل إثبات حقيقة التوحيد ثبّتهم الله على الطريق المستقيم، وجعل كلًّا منهم هاديًا ينير أفقنا ويرشدنا إلى الطريق المستقيم، ورغم مرور قرون على هذا فما زلنا نقرأ أورادهم، ونتصفّح مؤلفاتهم من أجل إيجاد حلول لمشاكلنا الحياتية.. فهل هناك تقدير وتثبيت أفضل من ذلك؟!

الأخطر هو أن يعمل الإنسان عملًا معتقدًا أنه لن يُحاسب عليه، فمثلًا أحيانًا ننسب أعمالنا الصالحة إلى أنفسنا، فنلوّثها دون وعي منا، فلو كنتم تقومون بأعمالكم واضعين في مخيلتكم أنه لا مثيل لها؛ فقد أبطلتم حياتكم القلبية والروحية في هذه الدنيا، ولم تتركوا شيئًا للآخرة، فإذا كان الكلام يدور حوله سبحانه وتعالى، وكل ما يجري من خدمات هو من أجله جل وعلا؛ فلا بد من أن تمحوا ذاتيتكم، فأصعب شيء على الإنسان أن يمحو ذاتيته، فقد يستطيع الإنسان أن يشطب على أشياء كثيرة، ولكن ليس من السهل أن يشطب على نفسه، فأكبر مشكلة لدى الإنسان هو نفسه التي بين جنبيه، من السهل الحديث عن هذا نظريًّا، لكن الأهم هو ما يجري في عالم الإنسان الفكري والشعوري.

نحن بحاجة ماسة إلى التجديد في كلّ هذه الأمور، فعلينا أن ندقق النظر في آرائنا وأفكارنا كل يوم، ونعمل على ضبطها ومعايرتها من جديد، ونراجع ما نحن عليه، وما نحن فيه، وما الحالة التي صرنا إليها، وإلا ظهرت انحرافات لا مفر منها، والأخطر من ذلك ألا ندرك أننا وقعنا في انحراف في الأصل، وأن نرى أنفسنا في أمان رغم ضلالنا المبين، واستدعائنا لغضب رب العالمين.

كثيرًا ما لا نستطيع التحكم في عقولنا ومشاعرنا، ولا ندري ماهية الخطط والأوهام التي نجري وراءها، فمثلًا قد يداخلنا الطمع في الأمور الدنيوية، ولا يهدأ لنا بال طمعًا في كسبها، أو يسيطر حب الدنيا على كل كياننا، ولا ريب أن مثل هذه الأفكار والمشاعر تنطوي على سوء أدب كبير مع الله عز وجل بالنظر إلى المقام الذي نحن فيه، وإن كان لا محل لها في قائمة الكبائر، ومن أجل تجنُّب كلِّ هذه المخاطر، يجب أن نراجع باستمرار علاقاتنا مع الله وأن نكون قادرين على إظهار الموقف الصحيح للعبودية.

***

[1] البخاري: التاريخ الكبير، 3/338؛ الطبراني: المعجم الكبير، 5/71.

[2] صحيح البخاري، الحدود، 6.

شعور العبودية

Herkul | | العربية

   سؤال: يقول الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي: “إن وظائف العبودية وتكاليفَها ليست مقدمةً لثوابٍ لاحق، بل هي نتيجةٌ لنعمة سالفة”[1]، فإلى أيّ نوع أشار الأستاذ النورسي بهذا القول من شعور العبودية؟

   الجواب: إننا نستخدم مصطلحات “العبادة والعبودية والعبودة”؛ تعبيرًا عن مراحل ومراتب أداء العبودية إلى الله تعالى، فالعبودة هي أداء العبادات والطاعات بأعماقها وأبعادها، مع مراعاة شروطها الظاهرية والباطنية؛ وبتعبيرٍ آخر: هي أداء العبودية على مستوى القلب والروح، وهي بذلك تعبّر عن ذروة الأمر.

ربما لا يستطيع بعضُنا الوصولَ إلى شعور العبودية من هذا النوع؛ لأن مثل هذا الشعور منوطٌ باستشعار العبادات كلية؛ فمثلًا الصلاة، قد يستطيع أيُّ مؤمنٍ أن يؤديها مراعيًا شروطَها وأركانها؛ ولكن لا يتسنّى للجميع تحقيقُ هذا الأمر مع استشعار نشوة المعراج وكأنه يحلّق في السماوات العلى؛ حيث إن ذلك مرتبط باستشعار روح الصلاة بحقٍّ من البداية إلى النهاية؛ وهذه هي العبودة.. أما العبودية فتُطلق على ما يأتي في الترتيب السابق للعبودة، والعبادة تُطلق على أعمال معينة نؤديها لله تعالى اقتضاءً لعبوديّتنا له.

وأيًّا كان الاسم عبادةً أم عبوديةً أم عبودةً؛ فلا ينبغي للإنسان أن يقنع بعبوديته لله حيث يراها كافيةً وينتظر من ورائها مقابلًا عظيمًا. أجل، قد يُحرز الإنسان في الحقيقة الشيء الكثير بعبوديته؛ ولكن ليس من الصواب أبدًا أن يقايض العبدُ ربه بما يؤدي من عبادات له تعالى، بل يجدر به أن يقيّد كلَّ الأعمال التي يؤديها باسم العبودية بشعور الحمد والشكر العميق، وهذا ما يعبّر عنه بديع الزمان سعيد النورسي بقوله: “إن وظائفَ العبودية وتكاليفها ليست مقدمةً لثوابٍ لاحق، بل هي نتيجةٌ لنعمةٍ سالفة”؛ بمعنى أن الصواب في أن نعدَّ العبودية شكرًا لله على النعم التي أنعمَها الله سلفًا، وليس عملًا سنؤجَر عليه لاحقًا.

   عدم تقييد العبادات بالأجر

ولمزيد من التوضيح نقول: إننا نحاول الإيفاء بتكاليف عبوديتنا لله تعالى من خلال صلاتنا وزكاتنا وصومنا وحجنا، وغير ذلك من الأعمال الصالحة.. ولكننا في الوقت ذاته نرغب مقابل عبوديتنا لربنا أن تُعمَّر دُنيانا، وأن نمتلك سكنًا دافئًا كركنٍ من أركان الجنة، وأن نوهب أولادًا يُحيطون بنا ويغمروننا بالحيوية والمرح، وأن تُوسَّع أرزاقُنا، وتُيسّر أمورُنا، إلا أن التشوُّفَ لمثلِ هذه الأمور مقابل العبودية يجانبه الصواب.

دع عنك أداء العبادة من أجل إحراز النعم الدنيوية، فإن مجرد الاعتقاد بأن العبادات التي نقوم بها هي مقابل نعيم الجنة، والتشوّف إلى اكتساب هذا النعيم عن طريق العبودية إنما هو مخالفٌ من ناحيةٍ ما لشعور العبودية؛ لأنه ليس بالإمكان إحراز مثل هذه النعم الأبدية بعمرٍ قصيرٍ أنفقْنا ثلثَه في النوم، وثلثَه مع الأهل والعيال، والبعضَ الآخر في الاشتغال بالأمور الدنيوية، فمحالٌ أن نقابلَ نعيمَ الجنة بما نقوم به من أعمال، ولا يظنّنَّ أحدٌ أن نعيمَ الجنةِ حقُّ مكتَسَبٌ بما يقوم به من أعمال صالحة.

فقد جاء في الأثر عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: “خَرَجَ مِنْ عِنْدِي خَلِيلِي جِبْرِيلُ آنِفًا، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنَّ لِلَّهِ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِهِ عَبَدَ اللَّهَ تَعَالَى خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ فِي الْبَحْرِ عَرْضُهُ وَطُولُهُ ثَلَاثُونَ ذِرَاعًا فِي ثَلَاثِينَ ذِرَاعًا وَالْبَحْرُ مُحِيطٌ بِهِ أَرْبَعَةَ آلَافِ فَرْسَخٍ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، وَأَخْرَجَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ عَيْنًا عَذْبَةً بِعَرْضِ الْأُصْبَعِ تَبَضُّ بِمَاءٍ عَذْبٍ فَتَسْتَنْقِعُ فِي أَسْفَلِ الْجَبَلِ وَشَجَرَةَ رُمَّانٍ تُخْرِجُ لَهُ كُلَّ لَيْلَةٍ رُمَّانَةً فَتُغَذِّيهِ يَوْمَهُ، فَإِذَا أَمْسَى نَزَلَ فَأَصَابَ مِنَ الْوضُوءِ وَأَخَذَ تِلْكَ الرُّمَّانَةَ فَأَكَلَهَا ثُمَّ قَامَ لِصَلَاتِهِ، فَسَأَلَ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عِنْدَ وَقْتِ الْأَجَلِ أَنْ يَقْبِضَهُ سَاجِدًا وَأَنْ لَا يَجْعَلَ لِلْأَرْضِ وَلَا لِشَيْءٍ يُفْسِدُهُ عَلَيْهِ سَبِيلًا حَتَّى بَعَثَهُ وَهُوَ سَاجِدٌ.

قَالَ: فَفَعَلَ فَنَحْنُ نَمُرُّ عَلَيْهِ إِذَا هَبَطْنَا وَإِذَا عَرَجْنَا فَنَجِدُ لَهُ فِي الْعِلْمِ أَنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُوقَفُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.

فَيَقُولُ لَهُ الرَّبُّ: أَدْخِلُوا عَبْدِي الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي.

فَيَقُولُ: رَبِّ بَلْ بِعَمَلِي.

فَيَقُولُ الرَّبُّ: أَدْخِلُوا عَبْدِي الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي.

فَيَقُولُ: يَا رَبِّ بَلْ بِعَمَلِي.

فَيَقُولُ الرَّبُّ: أَدْخِلُوا عَبْدِي الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي.

فَيَقُولُ: رَبِّ بَلْ بِعَمَلِي.

فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِلْمَلَائِكَةِ: قَايِسُوا عَبْدِي بِنِعْمَتِي عَلَيْهِ وَبِعَمَلِهِ، فَتُوجَدُ نِعْمَةُ الْبَصَرِ قَدْ أَحَاطَتْ بِعِبَادَةِ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، وَبَقِيَتْ نِعْمَةُ الْجَسَدِ فَضْلًا عَلَيْهِ، فَيَقُولُ: أَدْخِلُوا عَبْدِي النَّارَ.

قَالَ: فَيُجَرُّ إِلَى النَّارِ فَيُنَادِي: رَبِّ بِرَحْمَتِكَ أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ.

فَيَقُولُ: رُدُّوهُ فَيُوقَفُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيَقُولُ: يَا عَبْدِي مَنْ خَلَقَكَ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا؟

فَيَقُولُ: أَنْتَ يَا رَبِّ.

فَيَقُولُ: كَانَ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِكَ أَوْ بِرَحْمَتِي؟

فَيَقُولُ: بَلْ بِرَحْمَتِكَ.

فَيَقُولُ: مَنْ قَوَّاكَ لِعِبَادَةِ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ؟

فَيَقُولُ: أَنْتَ يَا رَبِّ.

فَيَقُولُ: مَنْ أَنْزَلَكَ فِي جَبَلٍ وَسَطَ اللُّجَّةِ، وَأَخْرَجَ لَكَ الْمَاءَ الْعَذْبَ مِنَ الْمَاءِ الْمَالِحِ، وَأَخْرَجَ لَكَ كُلَّ لَيْلَةٍ رُمَّانَةً وَإِنَّمَا تَخْرُجُ مَرَّةً فِي السَّنَةِ، وَسَأَلْتَنِي أَنْ أَقْبِضَكَ سَاجِدًا، فَفَعَلْتُ ذَلِكَ بِكَ؟

فَيَقُولُ: أَنْتَ يَا رَبِّ.

فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: فَذَلِكَ بِرَحْمَتِي وَبِرَحْمَتِي أُدْخِلُكَ الْجَنَّةَ، أَدْخِلُوا عَبْدِي الْجَنَّةَ، فَنِعْمَ الْعَبْدُ كُنْتَ يَا عَبْدِي فَيُدْخِلُهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ.

قَالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: إِنَّمَا الْأَشْيَاءُ بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى يَا مُحَمَّدُ[2].

ويقوّي هذا الأثر قوله صلى الله عليه وسلم: “لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الجَنَّةَ“.

قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟

قَالَ: “لَا، وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ[3].

والواقع أن هذه الحقيقة التي عبّر عنها الأستاذ النورسي في بداية الحديث تستند على مثل هذه الأحاديث، لذا فعلينا ألا نستهدف من العبادات والطاعات التي نقوم بها إحرازَ سعادةٍ دنيوية أو أخروية، فنحن لا نؤدي عبادتنا لله كي يرزقَنا بالأولاد أو الأموال، بل وحتى لا ينبغي أن يكون الغرضُ من وراء هذه العبادات الوصولَ إلى نعيم الجنة والفوزَ بالسعادة الأبدية، ولا يحدونا أملُ الحصولِ على جزاءٍ دنيوي أو أخروي عند أداء العبودية.

بل إنه من الوقاحة وسوء الأدب مع الله عز وجل النظرُ إلى المسألة على أنها حقٌّ مكتسب؛ لأن عدم القدرة على رؤية نِعَمِ الله وما وراءها من يد الرحمة؛ يُعتبر نوعًا من العمى واختلال النظر، ولو نظرنا إلى المسألة من حيث المنطق الرياضي فسيظهر أنه من المستحيل الفوز بالنعيم الأبدي بعبادة قليلة تؤدَّى خلال عمر قصير، فما يليق بالمؤمن هو أن يعتبر عبادته شكرًا لله تعالى على النعم التي أسبغها عليه في الماضي، أما التشوف إلى المكتسبات الدنيوية والأخروية فهو أملٌ ورجاء من رحمة الله تعالى.

  زخات النعم

وإننا إذا ما نظرنا حولنا واستغرقنا في التأمل الأنفسي والآفاقي فسنجد أن هناك كثيرًا من النعم التي أسبغها الله تعالى علينا، حتى إنه يستحيل مقابلة هذه النعم بالعبادات التي نؤديها، والقرآن الكريم يلفت الانتباه إلى هذا بقوله: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ (سورة إِبْرَاهِيمَ: 14/34).

فقد خلقَنا الله ولم نكُ شيئًا، وأخرَجَنا إلى عالم الوجود، وهذا شرفٌ بحدِّ ذاته، ولو تعمَّقْتُم قليلًا بخيالكم فسترون كم أن العدم بئرٌ من الظلام، والوجودَ نعمةٌ من الرحمن، وبعد ذلك لم نُترَك في الوجود هكذا، بل أصبحنا من ذوي الحياة، ثم لم نقف عند مستوى النبات والحيوان، بل ارتقينا درجة، وصرنا بشرًا ذوي عقل وشعور، وعليه شكَّلْنا الكونَ وتدخلْنا في الأشياء بعقولنا وإراداتنا ومعارفنا التي وهبها الله لنا من علمه الإلهي المحيط، ولم يقف الأمر عند ذلك بل اختصّنا سبحانه وتعالى بفضله وأسبغ علينا نعمة الإيمان.

وإذا فكرنا في النعم المتداخلة التي أكرمنا الله بها فسنفهم بشكل أفضل مقدار الدَّينِ المعلّق في رقبتنا حمدًا وشكرًا لله سبحانه وتعالى.

وهكذا يجب أن نستشعر كلَّ هذا بعمقٍ عند أداء عبوديتنا لربنا سبحانه وتعالى، وعندما نستدير وننظر إلى الوراء نفكر في المراحل التي تخطيناها حتى وصلنا إلى الحالة التي نحن فيها، ونضع في اعتبارنا ونُصْبَ أعيننا ما حظينا به من النعم، ونؤدي وظيفة العبودية بهذا الشعور، وينبغي لنا أن نفكر في أن العبادات التي نقوم بها أو التي سنقوم بها إنما هي شكر على النعم التي وُهِبَتْ لنا سابقًا، فضلًا عن ذلك فليس بالإمكان أداء وظيفة الشكر بحق، ولكن من الضروري أن نحمل هذا الشعور على الأقل.

   استعظام العمل هو السبيل للسقوط والتردي

إن الإنسان إذا قدَر على أن يقول: “إنني مكلفٌ بأداء العبودية شكرًا لله على ما أسبغه عليَّ من نعمٍ لا تحصى، ولو استطعتُ لَصلّيتُ مائةَ ركعة كلَّ ليلة كما كان يفعل بعضُ السلف الصالح”؛ فإنه بذلك يكون قد وصل إلى أفق مهمٍّ للغاية، وعليه بعد ذلك أن يرفع أكف الضراعة إلى الله عز وجل كما كان في قصّة “الجرة المشروخة” ويقول: “اللّهم إن السلطنة تليق بالسلطان، والفقر يليق بالفقير”.. أملُنا في الله تعالى أن يتفضّل علينا بالثواب الجزيل على هذا القدر القليل من العبادة.

ولا يُقصد بكلامي هذا ألا نسأل الله الجنة ولا نستعيذ به من النار، فإننا ندعو الله دائمًا وبعد كل صلاة نسأله الجنة ونستعيذ به من النار، ونعتبر ذلك من مقتضيات عبوديتنا لله سبحانه، ونسأله تعالى ذلك اعتمادًا على لطفه ورحمته بنا.

وإن الإنسان الذي يسير على نهج النبي صلى الله عليه وسلم ويقتدي به هو الذي يسأل الله أن يدخله الجنة ويبعده عن النار، فهذا شيء كامنٌ في طبيعة الإنسان، لكن لا ينبغي له أن يجعل العبادات التي يؤديها علةً غائيةً لدخول الجنة أو النجاة من النار، ولا أن يربط العبادات بذلك؛ لأن غايتنا الأهم هي نيل رضا الله تعالى، وما عدا ذلك يتضاءل إزاءه، ولهذا فإن أسباب العبودية ترجع إلى أمر الله، والنتيجةُ التي تُرجى منها هي رضا الله، والثمرةُ التي تُجنى من ورائها هي الفوز في الآخرة، غير أنه يجب ألا يغيب عن بالنا أن هذه الثمرة تتحقق بلطف الله وفضله لا بِعَملِنا نحن.

وعندما ينظر الإنسانُ إلى المسألة على هذا النحو يتخلص من الغرور والأنانية، وينسلخ من كل سلوك مشِين كأن يدخل -حاشا لله- في مساومةٍ مع الله جل جلاله، وعندها يستصغر العبادات التي يقوم بها، ويطمح أن يصل دائمًا إلى عبودية أسمى وأعلى وأجلّ، ولو حتى أمضى لياليه كلها في العبادة، وصام نهارها، وأنفق ثروته كلها في سبيل الله؛ فلا يظنَّنَّ أبدًا في أنه أعطى عبادته حقّها، إذ إنّ استعظام العبادة سبيلٌ إلى السقوط والتردي، ويجب أن نعلم أن ما أديناه من عبادة أم عبودية أم عبودة -مهما كانت عظيمة- فهي صغيرةٌ في واقع الأمر، والله تعالى هو الذي يعظّم هذه الصغائر بفضله وكرمه ويمنّ علينا بالنعيم الأبدي، إنه عز وجل واسع الرحمة والمغفرة.

***

[1] بديع الزمان سعيد النورسي: الكلمات، الكلمة الرابعة والعشرون، ص 408.

[2] الحاكم: المستدرك على الصحيحين، 4/278.

[3] صحيح البخاري، المرضى، 19؛ صحيح مسلم، صفات المنافقين، 71-78.

الجَرَّة المشروخة: التعمّق في العبودية

Herkul | | العربية

   سؤال: ما الأمور التي ينبغي للمؤمن مراعاتها حتى يبلغ الكمالَ في العبودية لله تعالى؟

   الجواب: يجب على المؤمن أن يستفرغ جهده في سبيل التوجه إلى الله والتعمق في العبودية، وأن يبذل طاقته من أجل إعلام الناس بالقيم التي يؤمن بها؛ وذلك أهم وأعظم الغايات. أجل، لا بد أن يتمثّل العبد هذا النمط من العبودية لربه، ويفرّغ نفسه لمثل هذه العبادة؛ حتى إذا ما رآه أحدهم قال: “يبدو أن هذا الشخص لا يُشغِل نفسه إلا بالعبودية”، وإذا اطّلعت عليه الملائكة أخذَتْها الدهشة والحيرة من عمق عبوديّته لربه، فَتَرمُقه بمشاعر الغبطة والتقدير قائلة: “سبحان الله! كيف لهذا البشر المستودَع بالغرائز والشهوات أن يجتاز هذه الملمات، ويسيح في أفق الروح؟

وعلى نفس الشاكلة يجب على المؤمن أن يكرّس نفسه لخدمة الإيمان والقرآن حتى إذا ما نظر إليه أحدٌ من الخارج قال: “من المحتمل أن هذا الشخص لا يعرف شيئًا سوى الخدمة”، وإذا ما رأى الآخرون همتَه وسعيَه وعزمَه على استغلال كل إمكانياته لإعلاء كلمة الله، وأن تسترد أمته موقعها اللائق بها في التوازن العالمي حسبوا أنه مجنون، والواقع أنه إن لم تلتصق به هذه الصفة بسبب وعيه الديني وتعمّقه في معايشة الإسلام فمن الصعب أن نقول إنه قد وصل إلى الكمال في الإيمان.

باختصار يجب عليه أن يكون مثل الصحابة الأجلاء رضوان الله عليهم أجمعين؛ فمن رآهم وصفهم بقوله: “رهبانٌ بالليل فرسانٌ بالنهار”؛ بمعنى أنهم كانوا يقضون ليلَهم في العبادة والطاعة مثل الرهبان الذين وهبوا أنفسهم للعبادة في الأديرة، ويظلّون حتى الصباح يئنّون ويسبّحون ربهم كتسبيح داود عليه السلام دون كللٍ أو مللٍ، أما في النهار فإنهم يجوبون الديار وهم يمتطون صهوة جيادهم في سبيل إعلاء كلمة الله، وكذلك يجب أن يكون حال المؤمن، يبذل وسعه في الجهتين، وأيًّا كانت الجهة التي يراه الناس فيها فعليه أن يثير إعجابهم وتقديرهم بعمق أحواله وتصرفاته.

   أعظم دليل مبشِّر لما سيمنحه الله لاحقًا

والواقع أن نجاح الإنسان في مهمّة إعلاء كلمة الله منوطٌ بتعمّقه في العبودية؛ بعبارة أخرى: إن انفتاح صدور مخاطبيكم لكم عن آخرها يتناسب طرديًّا مع انفتاح وجدانكم لربكم جل وعلا، فبقدر توجّهكم إلى الحق تعالى يتوجه الناس إليكم، وإن لم يكن اليوم فغدًا.

قد تقع بعض الإخفاقات اليوم، وتتعرضون للمصائب ابتلاءً من ربكم وتطهيرًا لكم، فالصحابة رضوان الله عليهم وهم الصفوة قد تعرضوا لمثل هذه الابتلاءات الشديدة فصبروا، فمن لم يَبلغ الاستقامة الكاملة في داخله اندثر؛ ولم يثبت إلا الأصفياء فيهم الذين حافظوا على موقعهم ووضعهم كأفراد في هذا المجتمع الزكي الفريد، ولهذا فمن المهم أن نحافظ على استقامتنا ونعزز علاقَتنا بربنا سبحانه وتعالى، فإذا استطعنا الحفاظ على عمقنا في العبودية فإن الله تعالى اليوم أو غدًا سيوجِّه القلوب من جديد إلينا ويوطِّن حبنا في قلوب الخلائق.

لقد هاجر رجال الخدمة إلى كل ربوع العالم، ورغم وجود بعض التقصير لديهم فإنهم لاقوا قبولًا حسنًا في الأماكن التي رحلوا إليها، ووضع الله حبهم في قلوب الخلائق، وهذا أعظم برهان على ما سيمنحه الله من عطايا لاحقًا. أجل، لم ير هؤلاء حيثما رحلوا أيّ ردٍّ معاكس حتى اليوم، فإذا ما وقعت بعض المشاكل البسيطة فهذا لا محالة إنما ينشأ عن خطإ أسلوبنا ومنهجنا في التعامل مع الآخرين، أو عن نسبة هذه النجاحات إلى أنفسنا؛ وعلى ذلك إن لم نخلّ بعهدنا الذي قطعناه مع ربنا، وتوجهنا إليه بكل كياننا فلا بد أنه إن شاء الله سيزيد من نعمه وإحساناته لنا ويديمها علينا.

ما ذكرناه حتى الآن هو جانبٌ من المسألة، أما الجانب الآخر فهو: مهما تعمقَ الإنسانُ في عبادته لربه، ونذر نفسه لخدمة دينه فعليه ألا يقنع بما يعمله، وأن يطلب المزيد على الدوام قائلًا: “هل من مزيد؟”، وبدهيٌّ أن الإنسان لو أخذ بعين الاعتبار النعم التي يملكها في الدنيا فضلًا عن الألطاف الأخروية فسيستقلّ العبادات التي يتوجه بها إلى ربه ويقتنع أكثر أنها غير كافية، فعلى سبيل المثال: لقد خلق الله تعالى الإنسان من العدم ثم سوّاه وجعله بشرًا سويًّا، ثم أنعم عليه بالاصطفاف خلف مفخرة الإنسانية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فكل هذا وغيره نعمٌ عظيمةٌ لا يستطيع العبدُ أن يؤدّي حقّها.

   أبطال التوبة والإنابة والأوبة

من جانب آخر على المؤمن أن يتوجه إلى الله بالتوسل والتضرع مستشعرًا الندم من أعماق قلبه على أبسط الأخطاء التي ارتكبها في حقه سبحانه وتعالى، فإذا ما رفع يديه إلى السماء بالتوبة والاستغفار أو وضع جبهته على الأرض ساجدًا بَدَا وكأنه يحمل آثام البشرية بأسرها.

ولا ريب أن أعظم مرشد لنا في هذا الأمر هو المرشد الأكمل وقدوة العالمين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فقد كان يستغفر الله ويتوب إليه في اليوم أكثر سبعين مرة، ولكن يا تُرى هل كان ذلك بسبب ذنبٍ اقترفه؟ حاشا لله! فهذا الظن يُفضي بالإنسان إلى الشكّ وعدم اليقين.. لقد كان صلى الله عليه وسلم يقوم بما تتطلبه عبوديته من جانب، ويدعو إلى ما تقتضيه دعوته وإرشاده من جانب آخر، وكان باستغفاره ودعائه كأنما يخاطب أمّته قائلًا: “أيها المسلمون! استغفروا الله وتوبوا إليه على كل ذنب اقترفتموه عمدًا أو خطأً أو سهوًا، وابكوا وتحسّروا وتوبوا إلى ربكم على كل الأفكار البغيضة التي لوَّثت أخيلتكم وتصوراتكم وعزائمكم ونواياكم”.

فمن أهم الخصال التي يتّسم بها المؤمن أن ينسَى كلّ خيرٍ فعله، ويتذكر دائمًا أدنى خطإ ارتكبه. أجل، مهما تعمّق المؤمن في عبوديته، ومهما استفرغ طاقته في سبيل تبليغ الدين إلى الصدور المتعطشة، ومهما قدم من خير لتلبية حوائج الناس المادية والمعنوية فعليه ألا يقنع بذلك وأن يتناساه، حتى لا يُداخله الكِبر والغرور.

وحتى لو تذكر ذنبًا صغيرًا اقترفه قبل خمسين عامًا فعليه أن يتلوّى ندمًا واضطرابًا وكأنه قد أتى بهذا الذنب حديثًا ويقول في نفسه: “كيف تلطخَت يداي بمثل هذه اللوثيات مع أن الله تعالى قد وضع لنا مبادئ إلهية تنير طريقنا حتى لا نحيد عن الطريق المستقيم، وجعلها لنا شريعة ومنهاجًا”، وفي كل مرة يتذكر فيها الذنب يستغفر الله من ذنبه مرة أخرى، وينزل بمطرقة التوبة والاستغفار على رأس كل خطأ وذنب اقترفه، حتى لا تدنُ الذنوب من حِماه مرة أخرى.

إن ما يليق بالمؤمن الحقيقي هو أن يستصغر مزاياه ونجاحاته كلما كبرت وأن يهوِّل من شأن أبسط خطاياه وذنوبه كلما صغرت.. أجل، عليه أن يهوّل من حجم انحرافاته الصغيرة والكبيرة كالنظر إلى الحرام أو الاستماع إلى الحرام، أو النطق بالفحش من الكلام، أو المشي إلى الحرام، أو مدّ الأيدي إلى الحرام، أو تلوث العقل بالأفكار البذيئة؛ كل هذه الانحرافات على المؤمن أن يهوّل من شأنها وينقصم ظهره وينحني صلبه أمامها، ويقول كما قال الشاعر:

لو وزنني بهذه الذنوب الديّانُ

لانكسر في أرض المحشر الميزانُ

فالمؤمن الذي يعيش حياته بهذا الميزان الحساس سيعيش دائمًا في جوٍّ من المشاعر الروحية العالية، ومَن يداوم على التوبة والاستغفار، ستكون مشاعره في غاية التيقّظ والتنبه تجاه كل الأمور المنهي عنها، أما مشاعر التأنيب ومحاسبة النفس فستكون بمثابة الخندق الحاجز بينه وبين المحرمات، لتتشكل لديه مناعة مسبقة تجاه المعاصي، وإذا حدث العكس ولم يلتزم الشخص بهذه الدرجة من التيقّظ تجاه المحرمات، وتساهل قائلًا: “ماذا يمكن أن يحدث من ارتكاب هذا الأمر الصغير؟!”؛ فسيتطور الأمر ومع مرور الوقت ستصبح هذه الصغائر المجمعة ضخمةً كالجبال وسيصيبه وبالها.

وإذا نظرنا إلى حال عظماء الناس لوجدناهم دائمًا ساروا على طريق الاستقامة هذا، وسيدنا على رضي الله عنه أحد هؤلاء يقول بصوت يملؤه الأنين والتضرع “إلهي إذا لم تعف عن غير محسن فمن لمسيء في الهوى يتمتع” وهنا أتعجب وأتساءل: هل نزلت المعصية بساحة خيال هذا الشخص الجليل؟! إن واجبنا تجاه قولهم هذا هو ترديدنا “حاشا.. معاذ الله” لأننا لا ندري ما يعدّه هؤلاء المقربون من المعاصي.

ومن ناحية أخرى، على المؤمن أن يحترز من الظهور عبر أحواله وأطواره بمظهر المختلف المتميز على الآخرين، فعليه أن يولي اهتمامًا كبيرًا لإصلاح باطنه وظاهره، وأن يتصرف بالصورة الطبيعية في كل موقف، وأن يبقى على مسافة بعيدة من أدنى درجات الرياء والسمعة، وألا يُدخل نفسه في أفعال وأطوار متصنعة للإعلاء من شأن نفسه، وألا يلهث وراء طلب التقدير والتصفيق، وأن يكون صادقًا وصميميًّا لأقصى درجة، وكما يعبِّر مولانا جلال الدين الرومي في قوله النفيس: “إما أن تبدو كما أنت، وإما أن تكون كما تبدو”، فعلى الشخص ألا يدفع الآخرين إلى أن يعتقدوا به ما ليس فيه.

فكل واحدة من جملة هذه المسائل تشكِّل بعدًا عميقًا مختلفًا للعبودية، فلو قام الإنسان بما يجب عليه في كل هذه المسائل فسيصل بإذن الله وعنايته إلى الذرى، أما الذي يقصر في بعض هذه الأمور فهو على خطر التعثر والبقاء وسط الطريق.

   اجتياز الصراط

من الجدير بالذكر أن العبودية قد تبدو سهلة وبسيطة من ناحية التكاليف الواقعة على عاتق المؤمنين إلا أنها في الحقيقة عبارة عن خطٍّ دقيق جدًّا، وبعبارة أخرى يمكننا أن نقول إن العبودية يسيرة كالسير في الطريق العام، ولكنها من جانب أخر صعبة كصعوبة العبور فوق الصراط.

والذين يظنون أن المسألة بسيطة وهينة فسينجون بعناية الله سبحانه وتعالى، ولهذا السبب علينا ونحن نعرض مسألة العبودية على الآخرين ألا نعرضها بصورة تقطع عندهم الآمال، فلو أن شخصًا تربطه مع الله علاقة قوامها خيط رفيع من القطن فعلينا أن نتوخى الحذر ولا نقطع هذا الخيط، فمن أين لنا أن نعلم، ففي يوم ما قد يتحول هذا الخيط الرفيع برحمة الله إلى عروة وثقى لا انفصام لها، بمعنى أن مثل هذا الرابط الذي كان ضعيفًا في بداية الأمر، سيقوى بمرور الزمن ليتخلص الإنسان من عبودية الجسم والبدن ويرتقي إلى ذروة الكمالات الإنسانية.

ولكن عندما ينظر الإنسان لنفسه يجب عليه ألا ينظر إليها بهذا الشكل، بل عليه أن يتفقد في كل وقت رابطته مع الله هل هي خيطٌ رقيق، أم حبل متين؟ وربما في كل يوم عليه أن يتفقد عدة مرات هذا الخيط المستمسك به هل يتحمله أم لا، هل سيجتاز به الجسورَ أم لا، هل سيصل للمنزل والمستقر أم لا؟ فمهما كان مدى ثبات موقفه تجاه الذنوب والمعاصي، ومهما كان مدى تشبثه بالأوامر الدينية عليه أيضًا أن يحمل شعور الهم والتأنيب لنفسه في كل حين.

يُنقل عن سيدنا عمر رضي الله عنه قوله: “لو نادى مناد في السماء أن جميع أهل الأرض في الجنة إلا واحدًا لظننت أنه أنا”، بينما في الحقيقة استطاع سيدنا عمر خلال عشر سنوات من خلافته للمؤمنين تحقيق ما لم تستطع الدولة العثمانية تحقيقه عبر مائة وخمسين عامًا، ولربما كانت وجهة نظره “لو أن في مكاني هذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه، لقام بتحقيق أضعاف وأضعاف ما قمت به، لأنه في عامين ونصف حقق ما فعلتُه في عشر سنوات”.

ولهذا السبب فمهما حقق الشخص من نجاحات مبهرة وفتحت على يديه أفاق جديدة للإنسانية، بل لو أنه من خلالها فتح باب عصر جديد فعليه ألا يغتر بنفسه، وعليه ألا يربط أي عمل يقوم به بتقدير وتصفيق الآخرين له، وعليه ألا يتطلع لمنافع دنيوية من وراء أفعاله، بل عليه أن يقوم بكل أفعاله مستهدفًا رضا الله سبحانه وتعالى وناسبًا الفضل له جل جلاله.

فهناك علاقة طردية بين مقدار انشراح صدر العبد عند إسناده النجاحات المتحققة على يديه إلى لله تعالى مع قوة إيمانه، فالمؤمن الممتلئ قلبه بالإيمان إذا نُسبت إليه النجاحات شعر بالضيق ولم يرتح للأمر فيقول “لماذا الناس ينسبون إليّ ما لا يصح نسبته إليّ؟”، ومثل هذا التفكير يصنع ويحقق كل شيء فيحول الشيء الصغير إلى عظيم، والقطرة إلى محيط، والذرة إلى شمس، بل ويحقق المستحيل من الأمور.  

    الترجيح الصائب

وبهذا الاعتبار فعلى الإنسان أن يقوم بالاختيار الصحيح والترجيح الصائب، فإذا كان الناس المحتشدون حوله في الصالونات وفي الميادين -الذين معظمهم لا يفهمون ما يقوله- يقولون له: “إننا نفتخر بك”؛ فعليه ترجيح قول الروحانيين والملائكة في الأرض والسماء له: “إننا نفتخر بك”، وإذا كانت ترجيحاتكم متوجّهة إلى النعم الأخروية بمعنى أنكم اخترتم الله سبحانه على ما ومن عاداه، فسيتوجه لكم جل جلاله ويصطفيكم لتكونوا من “الأخيار”، فالسبب الكامن وراء إطلاق لفظ “المصطفين الأخيار” على الأنبياء العظام، هو أنهم قاموا بالترجيح الصائب في هذا الأمر، فإذا كانت النتيجة في الآخرة إما إلى الجنة أو إلى النار فعلينا في هذه الحياة أن نقوم بترجيح صائب ونختار إلى أيهما نتّجه.

فالمؤمن الحقيقي هو الذي يتعمق في العبودية، ويأخذ على عاتقه مهمة إعلاء كلمة الله، ويحاول أن يكون من أبطال التوبة والاستغفار، ويقف أمام الله تملؤه الخشية، ويسعى إلى الوصول للكمال الباطني والظاهري، ويعلم أن كل توفيق له من الله سبحانه.. والشخص يوفَّق في القيام بمثل هذه الأعمال بحسب كمال إيمانه، والله تعالى يقول في القرآن الكريم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ (سورة النِّسَاءِ: 4/136) منبّهًا المؤمنين على مسألة تجديد إيمانهم وموضحًا الطريق نحو التعمق في الإيمان، ويؤكد الرسول صلى الله عليه وسلم على هذا المعنى بقوله في الحديث الشريف “جَدِّدُوا إِيمَانَكُمْ[1].

ومن هذه الجهة فعلى الإنسان في كل صباح أن يعقد العزم على بدء يومه بإيمان جديد نضِرٍ، وأن يجدد إيمانه عبر التعمق فيه أكثر فأكثر، ليبث فيه الحياة والنضارة، وكلما زاد الإيمان قال: “يا إلهي كيف لم أشعر بك أمس بمثل ما أشعر بك اليوم!”، وعليه ألا يرى سوى المعبود بحقٍّ والمقصود بالاستحقاق.. عليه أن يحلل كل ما رآه وشعر به من جديد ويضعه تحت الاختبار مرة أخرى ليستخرج صيغًا ومعاني جديدة، وبمقاربة بديع الزمان “سعيد النورسي” عليه أن يكون بطلًا من أبطال “هل من مزيد؟”، ففي كل منزل ينزله يحاول ملء زاده والتزود للانطلاق إلى منزل آخر، لا يعرف الشبع ولا الارتواء، يفرد أجنحته فيظلّ محلقًا يبتغي الارتقاء دون توقفٍ ولا انتهاء.

***

[1]  مسند الإمام أحمد، 2/359.