Posts Tagged ‘الظلم’

الجَرَّة المشروخة: الموقف من الظلم

Herkul | | العربية

 

سؤال: ما الموقف الذي ينبغي اتخاذه لاتقاء الظلم، لا سيما في هذا الزمان الذي شاع فيه هذا الأمر بكل أنواعه؟

الجواب: ورد مفهوم الظلم بشكل واسع للغاية في القرآن الكريم والسنة الصحيحة، وهو يعني باختصارٍ: تجاوزَ الحدّ وانتهاك حقوق الغير.. ولا ريب أنه على درجات متفاوتة؛ فمثلًا قتلُ النملة يُعدّ ظلمًا؛ فلا حقَّ لأحدٍ أن يسلب حيوانًا حقَّه في الحياة دون وجه حق، والأفظع من ذلك أن يجري هذا الظلم في حقّ إنسان، والأكثر خطرًا وفداحة ًمن ذلك أن يُرتكَب هذا الظلم في حق طائفة أو فئة معيّنة.

فالظلم أيًّا كان نوعه هو ضلال وانحراف نبَّهَ النبي صلى الله عليه وسلم إلى مردوده الأخروي بقوله: “اِتَّقُوا الظُّلْمَ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ[1]، أي إن كلَّ ظلم ارتكبه الإنسان سواء كان في حق إنسان أو حيوان أو في حقٍّ من حقوق الله تعالى سيتمثّل له آلامًا وعذاباتٍ في الآخرة، وما من ظالمٍ إلا وسيجازيه الله تعالى في الآخرة.

ولقد اعتبر العلماء المحققون الظلم واحدًا من العوائق التي تحول دون الإيمان، وهذا أمر جدير بالوقوف عنده، فكما أن الظلم يعيق صاحبه من الدخول في دائرة الإيمان بالله فهو كذلك يعتبر عاملًا مهمًّا للخروج منها.

منع الظلم

وبما أن الظلم أمر قبيح وفظيع إلى هذه الدرجة بالنسبة للإنسانية فلا بدّ من الحيلولة دون ارتكابه ومقاومته، كلٌّ حسب سلطانه وطاقته وموقعه، كما يقول الحديث الشريف: “مَنْ رَأَى مُنْكَرًا فَاسْتَطَاعَ أَنْ يُغَيِّرَهُ بِيَدِهِ فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ بِلِسَانِهِ، فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ[2]، وقد اشتهر الأثر الذي يقول: “السَّاكِتُ عَنِ الْحَقِّ شَيْطَانٌ أَخْرَسُ”.

وإن منعَ بعض أنواع الظلم البسيطة قد يكون في استطاعة ومقدور الأفراد، إلا أن هناك صنوفًا من الظلم لا يمكن قمعها إلا بيد الدولة، بل والأدهى من ذلك أن هناك ظلمًا يُرتكَب في عالم اليوم الذي تسوده العدالة والديمقراطية -وإن كانتا لا تتحققان على الوجه الأمثل- لا تقوى حتى الدول على التغلب عليه، ولذلك فإن منع هذا الظلم الذي تنشأ عنه شلالات الدماء، والذي تُهدّم بسببه البيوت ويُيتَّم الأبناء وتُرمّل النساء، وتتوالى فيه الفظائع والشناعات؛ لا يتأتى إلا بقوة مؤسساتٍ وهيئاتٍ دولية معينة، وعلى ذلك فإن سكت الأفراد أو الدول أو المؤسسات الدولية -كلٌّ حسب موقعه- على الظلم غدا كلٌّ منهم شيطانًا أخرس، وصار مشاركًا في هذا الظلم لأنه غض الطرْفَ عنه على الرغم من قدرته على التصدي له، وسيحاسب على ذلك في الآخرة.

وكما أن اتخاذَ موقف ضدّ الظلم والعملَ على مقاومته ومنعه أمرٌ مهمّ للغاية فإن اتباع إستراتيجية سليمة في هذا الصدد وتجنّبَ الخطإ في أسلوب ومنهج مقاومته لا يقلّ أهمية عن ذلك، فعلى الإنسان منذ البداية أن يحدد متى يستطيع منع هذا الظلم والجور، وأن يكون على وعي بإمكانياته، وألا يتسبب في وقوع فتن أكبر بينما يحاول منع الظلم؛ أي عليه أن يتحاشى عمل المنكر عند تقديم المعروف.

بالظلم يتعذر الوصول إلى أي غاية

يعتقد البعض أن بإمكانهم الوصول إلى أهدافهم وغاياتهم عبر ارتكابهم الظلم والاضطهاد، وإنّهم لَعَلَى خطإٍ كبير، فما أقِيم حقٌّ أو تم التوصل إلى هدف حتى اليوم من خلال الظلم.

من جانبٍ آخر فكما لا تتحقق أيُّ غايةٍ سامية بارتكاب الظلم فكذلك لا يمكن إعادة الحقوق المسلوبة من خلاله، ولو حدث خلاف ذلك لأدى هذا إلى وقوع ظلم جديد وانتهاكٍ وتدميرٍ للحقوق والعدالة، ولذلك فإن كانت الغاية هي سيادة الحق وتحقيق العدالة فلا بد من التعلق بالحق من بداية الأمر إلى نهايته، ويمكن أن نعبِّر عن ذلك بقولٍ طالما ذكرناه في مناسباتٍ عدّة: “وكما يجب أن يكون الهدفُ مشروعًا فلا بدَّ أن تكون الوسيلةُ الموصلةُ إليه مشروعةً أيضًا”.

حسنٌ، فهل من سبيل لمنع هذا الظلم المستشري بكافة أنواعه في أيامنا الحالية؟ وإلى أيّ مدى يمكننا النجاح في ذلك؟ لا نعلم هذا، ولكن المهم هو السير في طريق الإصلاح والتعمير.. وما يقع على عواتق سالكي هذا الطريق هو تمثيلُ الحقّ والحقيقة على الدوام، وفتح الصدور للجميع، وتحاشي مقابلة الظلم بمثله، كما يقول الشاعر نابي:

لا تضايق أحدًا بظلمك

ولا تظلمه وإن ظلمك

ولا تطرق بالشكوى بابَ الملك

وفوِّض أمر من ظلمك إلى ربك

أن نكون مثل مولانا جلال الدين الرومي!

ربما أننا كثيرًا ما نذكر -بشيء من الحماسة والفخر- كلًّا من مولانا جلال الدين الرومي ويونس أمره وأحمد يسوي أو حاجي بكتاش ولي، ونشير إلى تسامحهم، بيد أن ذكر مولانا سهل، ولكن أن نكون مثله فهذا صعب، فهل تستطيعون فعلًا احتضان واحتواء من يُهينكم ويشتمكم بينما تتحدثون عن مولانا جلال الدين الرومي؟ هل إذا ما ظُلمتم بحثتم عن سبل لحل تلك المشكلة بشكل لطيف؟ هل تستطيعون أن تقربوا إلى أنفسكم من أعتدى عليكم وظلمكم؟ هذا هو أن نكون مولانا حقًّا.

ثمة حكاية تُروى بشأن تسامح مولانا؛ إذ جاءه تلميذ جِلف ذات يوم ينتقد قوله “لي قدم في قلب الإسلام، وأخرى في اثنتين وسبعين أمة”، ويتهمه بالزندقة وتضليل المسلمين ويعيب عليه قوله ذلك.. ودون أن يقطع مولانا كلام ذلك الرجل ظل يستمع إليه في هدوء ووقار منحهما الله تعالى إيّاه، فلما رأى أن ذلك التلميذ قال ما أراد قوله ولم يبق لديه شيء آخر ليقوله؛ سأله: “هل انتهى كلامك؟” فأجابه “نعم”، عندها قال له مولانا بصوت لين ورقيق للغاية “أقبِلْ، فصدري مفتوح لك أنت أيضًا”.

هنا مربطُ الفرس وبيتُ القصيد؛ ففي موقف كهذا تذوب وتنمحي جميع المشاعر السلبية التي يُكِنُّها الطرف الآخر، ويتحوّل ما بداخله من الأحقاد والضغائن إلى أطياف من المحبة تغمركم من مفرق رأسكم وحتى أخمص قدميكم، وبينما ثمة سبل ومناهج لإمطار الأنوار على هامات الناس فلماذا نمطرهم شُهُبًا ونيازك؟!

إن ظلَمَكم وبَغَى عليكم من يُعادونكم مرة أو أكثر.. فإنهم سيتخلون عن ظلمهم وجورهم هذا بعد مدة حينما لا يجدون منكم رد فعلٍ على ما اقترفوه بشأنكم.. وبينما حلُّ المشكلات بطريق الحِلمِ واللين ممكنًا فلماذا اللجوء إلى طرق من شأنها أن تثير مشاعر الحقد والبغض وتُذكِي نارَها؟!

ولكنني أرى ثمة فائدة في توضيح أمر سبق الحديث عنه في مناسبات مختلفة، ألا وهو أننا نستطيع التخلي عن حقوقنا الشخصية والتسامح فيها.. ولكننا لا نستطيع اتخاذ الموقف نفسه حين يُهاجم دينُنا ومقدساتنا وقيمُنا أو بلادنا.. وما يجب فعله هنا كالتالي: أولًا شرحُ الأمر بشكل معقول لمن يمارسون تلك الشرور ضدنا، ثمّ السعي إلى تصحيح أخطائهم، فإن عاندوا كذّبنا ما يدّعونه، فإن لم يتراجعوا عن أخطائهم، وواصلوا تمردهم وبغيانهم توجهنا للقضاء ليحكم بيننا.

بيد أنه ينبغي لنا في أثناء فعل هذا كله الالتزام بالحدود التي وضعها لنا القانون والأخلاق، وعدم التضحية بالشهامة والأخلاق السامية أبدًا، وأن نتصرف بصورة إنسانية دائمًا، وعلينا إبَّان القيام بمجموعة من الشروح والتصحيحات وتكذيب الافتراءات أن نجتهد دائمًا كي نقدم إلى الطرف الآخر رسائل إيجابية عبر أقوالنا وتصرفاتنا ونظراتنا وأسلوبنا في التعبير، وألا نتنازل أبدًا عن شخصيتنا وهويتنا، وأن نتحدث ونتكلم بصوت جبريل عليه السلام وأنفاسه، وليس بمزامير الشيطان ووساوسه؛ فَظُـلْـمُ الآخرين واعتداءاتهم تكشف عن شخصياتهم، وعليه ينبغي ألا يمنع ذلك الموقفُ أولئك الملتزمين بالقيم الإنسانية العالمية وفكر الإسلام ومبادئه من أن يفعلوا ما تُملِيه عليهم شخصيتهم وهويتهم.

هل يجدُر ارتكاب هذا القدر من الظلم؟!

أرى أن هذه الحياة الدنيا القصيرة لا تستحق ظلم الآخرين ولا حتى مقابلة ظلمهم بمثله؛ فنحن جميعًا ضيوف فيها؛ إذ إننا بعد إقامة محدودة في دار ضيافة الدنيا الفانية سننتقل إلى الآخرة الأبدية كي نُحاسب عما فعلناه، فهل تستحق العراك والشجار؟! هل تستحق إثارة الفرقة والاختلاف؟! هل تستحق ارتكاب الظلم والجور؟! إنها لا تستحق أيًّا من ذلك.. وفي قول مجهول صاحبه قيل عن الدنيا وفنائها:

انظر بعين العبرة إلى الدنيا فهي دار ضيافة

ليس فيها مقيمٌ؛ فما أشدّ فتنتها الجارفة!

رأسمال السيد والعبد فيها كفنٌ في النهاية وفي نفس المكان يُدفنون

فإن لم يكن المغرور بها مجنونًا فماذا عسى أن يكون؟!

وكي يستطيع الإنسان حلّ المشكلات التي واجهها حتى اليوم فقد استغلّ مشاعر الحقد والبعض مرات عديدة، ويا ليتنا من الآن فصاعدًا نستخدم مشاعر الحب والتسامح بدلًا منها! ليتنا نستطيع فتح قلوبنا للجميع، وليت كلَّ داخل فيها لا يخاف من ألَّا يجد لنفسه مكانًا فيها! ليتنا نستطيع التعامل مع الجميع بشعور عميق من الاحترام والتقدير! ليتنا نستطيع أن نقرأ مشاعر الناس والبيئات الثقافية التي نشؤوا فيها قراءة صحيحة عبر شعور حقيقي من التعاطف، وليتنا نتصرف تجاه الجميع وفقًا لهذا! ذلك أن نمط التصرف الذي نرجوه من الآخرين هو عينه الذي يرجونه وينتظرونه هم منّا.. فإن كنا ننتظر احترامًا من الآخرين فعلينا أن نُباشرهم به، وإن كنا نريد أن تُراعى حقوقنا فعلينا أن نراعي حقوق الجميع.

من المفيد معرفة أن مشكلات اليوم أصبحت معقدة للغاية بحيث يستحيل على أصحاب الفكر الضيق والمتحجر القيامُ بحلها، وكذلك أصحابُ الأفكار الراديكالية الذين تحرّكهم مشاعر التعصب لا يستطيعون أن يفعلوا شيئًا لصالح فتح القلوب وتحقّق السلام الإنساني.. ناهيك عن عدم قدرتهم أساسًا على استثارة مشاعر احترام قيمهم الذاتية في قلوب الآخرين، إنهم عاجزون عن تحبيب مفخرة الإنسانية محمد صلى الله عليه وسلم إلى الآخرين؛ لأنهم أسرى أنفسهم.

ولهذا السبب فإن حلّ مشكلات البشرية اليوم تتطلَّبُ ضمائر حيّة رحبة، وقلوبًا عامرةً غنيّة، وأفكارًا عميقة.. وكما استطاع مولانا جلال الدين الرومي أن يجمع -قبل حوالي سبعة قرون- شمل المسلمين من جديد بوصفات معقولة وضعها إبّان فترةٍ شهد فيها المسلمون انحطاطًا وتشرذمًا حادًّا؛ فإن الواجب على القلوب المؤمنة اليوم أن تستحضرَ وتُـحْيِـيَ روح مولانا جلال الدين الرومي من جديد، لا سيما في هذا العالم الذي تفكّكت فيه الإنسانية، وسلك البشر فيه اتجاهات معاكسة لبعضهم، وتأسست العلاقات بينهم على النزاعات والأعمال العدائية.. وما لم يتمّ ذلك فلن يتسنى منعُ مظاهر الظلم والعدوان المنتشرة في مختلف أنحاء العالم.

إننا إذا فكرنا في الطغاةِ ومطامعهم ومدى الخطورة التي يتعرض لها السلام والأمن العالمي بسبب الأسلحة المرعبة التي يعملون على إعدادها انتقامًا وثأرًا؛ حينها يتبين مدى عظم المسؤولية الواقعة على ذوي القلوب الفدائية الذين نذروا حياتهم لتحقيق الحب والتسامح.

 

[1]صحيح البخاري، المظالم، 9؛ صحيح مسلم، البر، 56.

[2]صحيح مسلم، الإيمان، 78؛ سنن الترمذي، الفتن، 11.

مظهرٌ جديدٌ من مظاهِرِ الظلم، والإسلامُ الشكليّ

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: إنَّ مَنْ لا يسكتون على الظُّلمِ والجَورِ ويحاولون تحذيرَ الناس من المنكرات يتعرضون لهجمات كالافتراء عليهم وتهديدهم وقمعهم؛ فما التصرُّفُ الذي يتَّفِقُ مع القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة وينبغي لهؤلاء الناس أن يلتزموه في مواجهة ما يتعرضون له؟

الجواب: يبيِّنُ الحقُّ تعالى في قوله ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 110/3) أنَّ أمَّةَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم هي خيرُ أمَّةٍ أُخْرِجت للناس، وقد ربطَ الله عزَّ وجلَّ وصفَ الخيريَّة هذا بصِفَتِها آمرةً بالمعروفِ ناهيةً عن المنكر إلى جانب صفة الإيمان، وبتعبير آخر رَبَطَهُ بنشرِها الخيرَ وحمايتِها الناسَ من أضرارِ الشرِّ، ومن هذه الناحية فإنَّه ينبغي للمؤمن إذا أرادَ تنشِئةَ جيلٍ نموذجيٍّ قدوةٍ تغبِطُه حتى الملائكةُ عليهِ؛ أن يُساهمَ -بواسطةِ الأمر بالمعروف- في تحليةِ الناسِ بالفضائلِ والمحاسِنِ، وأن يسعى -بواسطة النهي عن المنكر- إلى تخليةِ الناسِ عن الرذائلِ، ومنعِهم ممّا استنكره واستحقره اللهُ جلّ جلاله ورسولُه صلى الله عليه وسلم والعقلُ السليم والطبيعةُ البشرية.

فِعلُ الخيرِ سِرًّا

إن التحذيرَ من الشرور والآثام له سُبُلٌ مؤَطَّرَةٌ وقنواتٌ خاصّةٌ وحدودٌ واضحةٌ، فيجبُ ألا ننسى أن الموقف الواجب اتِّخاذُه عند النهي عن المنكرات لا يكون موجَّهًا للشَّخْصِ نفسِهِ، بل للأوصاف السيِّئَةِ الموجودة فيه، وبتعبير آخر: إنَّ كلَّ صفةٍ سيّئةٍ تُشبِهُ فيروسًا يُصيبُ البَشَرَ، والغايةُ الأصليّة من النهي عن المنكر هي القضاءُ على ذلك الفيروسِ لا على حامِلِهِ حتى يستردّ الفردُ صحَّتَهُ وعافيَتَهُ وأمنَه وطمأنينتَهُ مجدّدًا، ولذا فإنَّ المؤمن يقف في وجهِ الصفاتِ الذميمةِ، بل يعلن الحربَ عليها، لكن ينبغي له أن يكون رحيمًا إلى أبعد الحدود بمن يحملونها، ويستخدمَ تجاههم لغةً وأسلوبًا ليّنًا، لدرجة أنه يجبُ عليكم وأنتم تُحَذِّرون مرتكبي المنكرات مما يفعلونه ألا يَفطنوا إنْ كنتم تعارضونهم أو لا. أجل، ينبغي لكم أن تتحرّكوا وتتصرّفوا هكذا بأسلوبٍ رقيقٍ دقيقٍ حتى يتسنَّى لهم أن يتخلَّصُوا سريعًا ودون وعيٍ من تلك الصفات الذميمة التي يحملونها، ويخلعوها عنهم كما يخلعُون ملابِسَهم تمامًا؛ فالتصرُّفُ هكذا هو أحدُ ضروريّات وثوابتِ السلوكِ والمنهجِ النبويِّ صلى الله وسلّمَ على صاحبِهِ.

وإن قابَلْتُم المواقفَ والسلوكيّات السلبية بِمِثْلِهَا فإنّكم تُضَاعِفُونها أكثر بدلًا من أن تمنعوها، ولا سيما في عصرنا الذي تُضَخُّ فيه السلبيَّات إلى الناس دائمًا؛ مما أدّى إلى ممارَسَتِهِم العديدَ من السلوكيات والتصرفات المنبوذة، وهذه مسألةٌ شديدة الخطورة.إذًا كونوا -كما وصفَ وأرادَ مولانا جلال الدين الرومي- شمسًا تلاطِفُ الجميعَ شفقةً ورحمةً، وترابًا تدوسُه الأقدامُ تواضعًا ولينَ جانبٍ، ومطرًا يروي النباتَ والشجرَ كرمًا ومعونةً، وشجرًا نافعًا للآخرين ظِلًّا وثمارًا، وليلًا يوارِي كلَّ شيءٍ سترًا للعيوب، وميِّتًا بُعدًا عن الحدّة والعصبّية، ومحيطًا متراميَ الأطراف تسامحًا وصفحًا… كما ينبغي لكم أن تُحافظوا على نفس الموقف لا سيّما تجاه من بَعُدوا عنكم وانزلَقُوا في مجموعةٍ من الأخطاءِ والزلّات بسبب همزات الشياطين وإغواءِ النفسِ الأمارةِ بالسوءِ رغمَ أنهم يتَّجِهونَ إلى نفسِ القبلةِ التي تتّجهون إليها ويسجدون معكم حيث تسجدون، فيجب عليكم أن تَثبُتوا على موقفكم وتُحافظوا على منهجِكم معهم حتى وإن بَعُدوا هم عنكم؛ لأنكم إن بَعُدتُم عنهم شبرًا كلَّما بعدوا عنكم شبرًا تضاعَفَت المسافةُ وشَسَعَ البونُ بينكما، غير أنكم إن تَثبُتوا على موقفكم تُقلِّصوا المسافة بينكما، ويصبح هذا البعد خطأً قاصرًا عليهم دونكم، فلو أنهم ندِموا ذات يومٍ وأرادوا الرجوعَ فإنهم لا يُعانون كثيرًا في تلافي أخطائهم التي ارتكبوها، ولا يضطرّون في سبيلِ تحقيقِ ذلكَ إلى استخدامِ جدليّاتٍ وحُججٍ واهيةٍ مختلفة، فليس من الجيِّدِ تضخيم الفتنة وتوسيعها، بل المهمُّ هو التصدّي لها بدِرْعِ الفطنة والقضاء عليها.

الامتحان بمشاعر العزّة والشَّرَف

قد يَعُدُّ البعضُ اتخاذَ موقفٍ تجاهَ هذا النوع من الناس أحدَ ضروريّات حمايةِ شرفهم ومجدهم وعِزّتهم، غير أنَّ مفخرةَ الإنسانيّة صلى الله عليه وسلم -تاجَ الشَّرَفِ والمجدِ وقِمّتَهُ- قد رجعَ خطوةً إلى الوراء في بعضِ المواقف الحسّاسة حين استدعى الأمر ذلك؛ مُفكِّرًا فيما سَيجْنِيه من مكتسبات ومنافع لاحقًا، وبهذه الطريقة علَّمَنَا أن التراجُع قليلًا حين يقتضي الأمرُ ذلك إنّما هو مِن إستراتيجيّاتِ المسلمين.

فمثلًا لقد خرجَ النبيُّ صلى الله عليه وسلّمَ من المدينةِ ومعه أصحابُهُ الكرام قاصدينَ مكّةَ المكرَّمةَ لأداءِ مناسكِ العمرة، واجتازوا لأجلِ ذلك زهاءَ أربعمائة كيلومتر ركوبًا على الخيل والجمال، غير أنّهم لما اقتربوا من مكّة ولم يبقَ بينهم وبينها إلا مرحلَتَين أو ثلاثة؛ اعترضهم مشركو مكَّة ومنعوهم من دخولها؛ إذ حاصرَ خالدُ بن الوليد المعروفُ بدهائه العسكري -ولم تكن عيناه آنذاك قد انفتحتا على الحقيقة بعدُ- حاصرَ المسلمينَ بكتيبتِهِ المختارةِ من صفوةِ خيَّالةِ قريش، منعوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم وأصحابَه من الدخول فلم يعترضْ مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم على هذا، في حين أنَّ مَنْ كان هناك من ساداتنا الصحابة كانوا قادرين -بإشارة منه صلى الله عليه وسلم- على أن يناضلوا بحقٍّ واستماتةٍ ويتغلَّبوا -بإذن الله تعالى- على مشركي مكةَّ وفيهم خالد بن الوليد وعمرو بن العاص، ويدخلوا مكَّةَ عنوة.

لكنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ائْتَمَنَ نفسَهُ على شرفِ وعزَّةِ أتباعِهِ إلى جانبِ عِزَّتِهِ وشرفِهِ نفسِهِ وافق على المادة الواردة في المعاهدة بشأنِ عودةِ المسلمين من حيث أتوا دون أن يَعْتَمِروا ويزوروا مكَّةَ هذا العام، لقد وافقَ رَغْمَ وعدِهِ أصحابَهُ ومعرفتِهِ مشاعرَهم وأحاسيسَهم، وعاد بعد إبرام المعاهدة هو وأصحابُه سويًّا إلى المدينة دون أن يعتمروا، وعلى نفسِ الشاكلةِ أيضًا فقد أمر صلى الله عليه وسلم بِنفسِه أن تُمسَحَ عبارةُ “رسول الله” المدونةُ في أوّل المعاهدة بسبب اعتراض المشركين عليها، كما قَبِلَ صلى الله عليه وسلم مواد الاتفاقيّة التي بدت في ظاهرها ضدّ المسلمين في صلح الحديبية كمادة أنه: “من أتى محمدًا من قريش من غير إذن وليه رده محمدٌ إليهم، ومن جاء قريشًا مِمَّنْ مع محمد لم يُرَد إليه”، حتى إن بعض المسلمين الذين كانوا يُعذَّبون في مكّة أثناء الصلح كسيدنا أبي جندل هربوا ولجؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أنّه صلى الله عليه وسلم أعادهم كرْهًا وعلى مضضٍ، بسبب إصرار المشركين وإلحاحهم على تفعيلِ الاتفاقيّة مباشرةً.

إن هذه هي النقطة التي تُنتهك فيها الشرفُ والعزةُ من جانبٍ، وقد تحمَّل كلَّ هذه الأمور مفخرةُ الإنسانية صلى الله عليه وسلم الذي اعتصر وجدانه ألمًا وشعر بكلِّ الآلام والهموم التي اكتَنَفَت مشاعرَ ساداتِنا الصحابة في مواجهة تلك الأحداث، وعند النظر إلى هذه الأحداث يمكن تقييمُها -في جانب منها- على أنها خطوة للوراء، غير أنَّ كلَّ واحدةٍ منها كانت حملةً مهمَّةً جدًّا من أجلِ الانتقالِ إلى الشدِّ المعنويِّ والسيرِ قُدمًا نحوَ الفتحِ المستقبليِّ الـمُنتَظَر؛ حيث إنَّ الرجوع خطوةً إلى الوراء هنا شَكَّلَ ظروفًا مناسبةً وأرضيَّةً خصبةً لفتح مكة فيما بعد، وكوّنَ مناخًا ملائمًا استطاعَ المسلمونَ خلالَه بفضلِ الله فتحَ مكّة بسهولةٍ ويُسرٍ.

الصبر الفعّال ولحظة تنسيم التجلّيات الإلهيّة

قد يُساءُ إلى شَرَفِنا وتُكسَر عِزَّتُنا ونُؤذَى نفسيًّا في يومنا الحاضر أيضًا، ونتعرَّض للحقد والبُغض والحسد حتى يصل الأمرُ لمعارضة أجمل الأعمال التي نضطلع بها وأكثرها معقوليّة فتُوصَفُ بأنها شيطانيّة، وفي فترةٍ زمنية معينة كان يُهاجمكم مَنْ ينزعجون من كلِّ شيء يتعلق بالدين، ويفتشون في كلِّ ما يخصُّكم صغيرًا كان أو كبيرًا، ويُخْضِعونه للمراقبة، وقد مرَّت سنوات على هذا، ولكنه لم يتغيَّرْ شيءٌ كثير؛ إذ جاء المتذَبْذِبون -الذين هم لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء- بعد الملحِدين، وواصلوا هذا الظلم، وبعد أن ذهبوا هم أيضًا جاءت هذه المرةَ مجموعةٌ من المسلمين استجمعت في يدها قوَّةً وإمكانيَّاتٍ معيّنة، وبدأت هي الأخرى تستسيغُ المظالم التي ارْتُكِبَتْ سابقًا ضدّكم بسبب تديُّنِكم والتزامِكم، وعارضت بأسلوبٍ مُغرِضٍ -لم تتخِذْه ضدّ أيِّ شخص على الإطلاق- المدارسَ والمدنَ الطلابيَّة ومراكزَ التأهيلِ الجامعيِّ التي أنشأها شعبُنا المخلصُ بكلِّ جهدٍ وإخلاصٍ، وأَعْدَت هذه المجموعةُ بعضَ الناس ضدّ تلك المراكز التعليميّة “أملًا في العثورِ على ثغرةٍ فيها!”، وذلك لأنَّ الحسدَ والحقدَ يجعلُ الإنسان يأتي من الشرور ما لا يأتِيه الكافر أحيانًا.

غير أنّه ينبغي لنا ألا نفزعَ أو نهتزَّ في مواجهة كلِّ هذه الشرور والمساوئِ، وألا نتشدَّقَ قائلين: “مجدي، وعزّتي!”، بالعكس يجب الانتباهُ إلى أنَّه ثَـمَّة مظالم وأضرارٌ تقعُ في محيط إذن الله تعالى لِحِكَمٍ خفيّة، والتي لو لم يأذنْ بوقوعها لما استطاع أحدٌ أن يَضُرَّ أحدًا، فيجب الرضا بما يقسمُه، والتوجُّهُ إليه تعالى ثقةً في رحمتِهِ وعطفِهِ، ومن هذا القبيلِ قولُ الشاعر:

ما أعذب البلاء إن كان من جلالِهْ

وما أحلى الوفاء إن كان من جمالِهْ

فكلاهما صفاءٌ للروحِ

فما أحلى لطفه وما أعذب قهره!

ويجب انتظارُ اللحظات التي ستُنَسِّمُ فيها تجلّيات العناية الإلهية، وإنْ وَقَعَ ظلمٌ واضطهادٌ من أعداءِ الدين أو حتى من المتذبْذِبين، أو من المؤمنين الذين أَكَلَهم الحسدُ، أو حتى ممّن يَبدون مسلمين ظاهريًّا وشكليًّا ممّن يضعون جباهَهم على الأرض؛ فإنه يجب علينا ألا نتخلّى أبدًا عن أفكارِنا ومشاعرِنا ومبادئِنا الأساسيّة في هذا الشأن، وينبغي لنا أن نفتحَ صدرَنا للجميعِ دائمًا، ونعرف كيف نرسل باقات المودّة والمحبّة إلى الجميع، ويجبُ علينا أن نقابلَ كلَّ سهمٍ يرمينا به المعتدونَ بوردةٍ نرسلها إليهم عوضًا عن كلِّ سهم، وأن نُمطِرَهم بالورود بدلَ السهام، وسواء فَهِمُوا هذا أَمْ لم يفهموه؛ فإنّنا سنظلُّ مخلصين صادقين لما نفهمُه من القرآن الكريم والسنة النبوية أسلوبًا ومبدأً إلى أنْ تفارق أرواحُنا أجسادَنا.

 

السلوك الإيماني في مكافحة الشرور

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ما السلوك الإيماني في مكافحة الجور والظلم؟

الجواب: جاء الدين الإسلامي برسالة العدل والتوازن ليضع نغمات وألحانًا عالميّةً إزاء كل إفراطٍ وتفريطٍ، وهو في مكافحته للشرور لا يرضى بالمسكنة والسلبية التي تقبل الظلم وتخضع له، ولا يسمح أيضًا -بحجة مكافحة الظلم- بأيّ عنفٍ أو تجاوزٍ قد يفضي إلى جور وظلم آخرين، إن المؤمن حصنٌ منيعٌ وساعدٌ لا ينثني يتصدّى للظلم عند اللزوم، ويبذل وسعه لإقامة الحقّ دون خوفٍ أو توانٍ، لكن سلوكه على العموم هو المحو والتواضع الجمّ والشفقة واللين والرحمة بالجميع.

فمثلًا على المؤمن -إذا ما قام الأعداء بالاعتداء على شرفه وكرامته ووطنه وبلده وحرّيّته ودولته- أن يكون كالساعد الذي لا يُصرع والرأس التي لا تخنع، ويؤدّي ما عليه على أكمل وجه، ولكن إن انتهت الحرب، وجنح العدو للسلم، فليجعلْ من نفسه رجلًا للحلم والسلم، ويجنح هو أيضًا للسلم، ويسعى إلى معايشة جماليّات الإسلام وإحيائها في جوّ السلم والسلام؛ لأن أمر القرآن الكريم صريح في هذا الشأن: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ (سُورَةُ الأَنْفَالِ: 61/8).

وفي آيةٍ أخرى يشير ربُّنا تبارك وتعالى إلى هذه الخصائص التي يتحلّى بها المؤمن، فيقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 54/5).

وهذا يعني أن المؤمنين يخفضون أجنحة التواضع لإخوانهم المؤمنين، ويعاملونهم بلينٍ وتواضعٍ إلى حدّ الذلة، ولكنهم مع ذلك أعزاءُ على الكافرين والجاحدين، لا يخضعون لهم ولا يتذلّلون، وما أجمل ما قاله الشاعر الإسلامي “محمد عاكف”:

فلا تظنّنّني وإن كنت لينًا     أنّـي خـروفٌ آنس

ربـمـا تُقطـع عنقي     لكنها لا تنقادُ أو تُساسُ

إنه إنسانٌ ونموذجٌ كامل في العزة والكرامة، ولكن ينبغي أن أنبّه مرّةً أخرى أنّه لا بدّ من تعيين الموضع الذي يُتّخذ فيه هذان الموقفان.

“ألَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ”

إن البطولة خصلةٌ جميلةٌ للغاية، ومَن الذي لم يُعجَب بشجاعة سيدنا خالد بن الوليد وبطولته؟! فلم يمض على إسلامه سوى بضعة أيام حتى دَهِشَ الجميع لبطولته.

فعن سالمٍ عن أبيه قال: “بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ إِلَى بَنِي جَذِيمَةَ، فَدَعَاهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ، فَلَمْ يُحْسِنُوا أَنْ يَقُولُوا: أَسْلَمْنَا، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: صَبَأْنَا صَبَأْنَا، فَجَعَلَ خَالِدٌ يَقْتُلُ مِنْهُمْ وَيَأْسِرُ، وَدَفَعَ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمٌ أَمَرَ خَالِدٌ أَنْ يَقْتُلَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَقْتُلُ أَسِيرِي، وَلَا يَقْتُلُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِي أَسِيرَهُ، حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْنَاهُ، فَرَفَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ، مَرَّتَيْنِ”[1].

وفي واقعةٍ مشابهةٍ يقول سيدنا أسامة بن زيد رضي الله عنهما: “بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً إِلَى الْحُرَقَاتِ فَنَذِرُوا بِنَا فَهَرَبُوا فَأَدْرَكْنَا رَجُلًا، فَلَمَّا غَشِينَاهُ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَضَرَبْنَاهُ حَتَّى قَتَلْنَاهُ فَذَكَرْتُهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَنْ لَكَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا قَالَهَا مَخَافَةَ السِّلَاحِ قَالَ: أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَالَهَا أَمْ لَا؟ مَنْ لَكَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَمَا زَالَ يَقُولُهَا حَتَّى وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أُسْلِمْ إِلَّا يَوْمَئِذٍ”[2].

ونفهم مما قاله سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هاتين الواقعتين أن على المسلم أن يتوخّى دستور العدل المطلق حتى في ساحة الحرب.

العقل والدبلوماسيّة بدلًا من القوّة الغاشمة

من جانبٍ آخر: على المؤمن أن يضع في اعتباره أن الأمر لا يُحلّ دائمًا بالسيف والمدفع والبندقية حتى في محاربة الأعداء، وإذا ما لجأنا إلى القوّة الغاشمة في حلّ المشكلة؛ فإنّنا بذلك نؤجّج مشاعر الحقد والكره لدى الآخرين، وننزِل الأعداء منزلةَ المظلومين، وبذلك نُكسِبُ عدوّنا أنصارًا له، وفي النهاية تتفاقمُ المشكلة القائمة، وتستعصي على الحلّ، بيدَ أنه من الممكن إحراز نتائج هائلة باللجوء في حلّ المشكلة إلى الدبلوماسية لا القوة الغاشمة.

فمثلًا إنني شخصيًّا أحبّ السلطان “ياووز سليم” -جعل الله الجنة مثواه- حبًّا جمًّا، وأعتبره في مقدّمة السلاطين العثمانيّين، مع استثناء واحد أو اثنين منهم، ولكنني لا أتمالك نفسي إلا أن أستفسر بمنطقي القاصر عن بعض إستراتيجياته العسكرية: كان السطان “ياووز سليم” رحمه الله قويًّا في نفسه، كما كان وراءه جيشٌ من السواعد التي لا تُصرع، إذا ما أمره قائلًا: “أقبلوا على الموت”؛ لم يتردّد أحدٌ منهم في تنفيذ أمره على الفور، كان في مواجهته دولةُ فتنةٍ أقامها الفرس على أطماعهم وأضغانهم، دولةٌ كانت تمثّل خطرًا حقيقيًّا على العالم الإسلامي، فأغار عليهم من أجل الحفاظ على وحدة الإسلام ونظام العالم، فكانت له الغلبة عليهم، ولكن يا تُرى أما كان بإمكانه أن يلجأ إلى الطرق العقلية والمنطقيّة والدبلوماسيّة بدلًا من استخدام القوة الغاشمة؛ حتى يحول دون انتشار بعض الفتن التي ما زالت آثارها إلى اليوم؟، هذه هي ملاحظتي حول هذا الموضوع، فإن أخطأت فإنني ألتمسُ العفوَ من هذه الروح العظيمة، وإن اقترفت ذنبًا فأدعو الله أن يغفر لي، ولكنني أعتبر أنه من الضروري التأكيد على أهمّيّة العقل والمنطق والمحاكمة العقليّة والدِّبلوماسيّة.

تأمّلوا، منذ سنوات ولا نستطيع أن نتخلّص من حوادث الإرهاب في بلدنا تركيا، منذ ثلاثين عامًا والمشاكل ما زالت قائمة رغم اللجوء إلى الشدة والعنف، يا ترى أما كان من الممكن اتّخاذ سبيلٍ آخر للحيلولة دون هذا الأمر؟ أما كان من الممكن حلّ المشكلة لو أننا نَفَذْنا بمعلّمينا ورجالِ شرطتنا وأئمةِ مساجدنا وأطبائنا وإداريّينا إلى قلوب هؤلاء الناس؟

أما كان من الممكن حلّ المشكلة لو أنّنا انفتحنا على عوالمهم الداخلية، ودللناهم على طريق المدرسة والجامعة بدلًا من دروب الجبال الوعرة، وأتحنا الفرص والإمكانيات حتى لا يطمحون إلى الأموال التي يغدقها عليهم الآخرون في كلّ المناسبات؟ وهذا هو ما يعني استخدام اللغة الدبلوماسية، فالقوة الغاشمة كثيرًا ما تحول دون الاستخدام الأمثل للعقل والمنطق.

وإن اللجوء إلى منطق “يمكنني أن أضغط على هؤلاء بالقوّة على كل حال” قد يمنع من تتبّع الأساليب الإستراتيجية والسياسة البديلة.

“الذِلّةُ” انتظارًا للمنفعة ليست تواضعًا

إن كان العقل واللباقة والدبلوماسية والمحاكمة العقلية والقول اللين والأسلوب الرقيق يشكل جانبًا من المسألة في مواجهة الشرور، فإن الجانب الآخر هو الصمود في مواجهة القوّة الغاشمة الفظّة والوقوف والتصدّي لها بصلابةٍ دائمة، ومن هنا: فإن التذلّل للظالمين والمجحفين طمعًا في المنفعة والمصلحة ينبغي ألا يُخلط بينه وبين التواضع والتفاني؛ فهذا الموقف مختلفٌ تمامًا، ومما يؤسَف له أن القول اللين والحال اللين والأسلوب اللين التي يبدو كل واحد منها دينامية مهمّة جدًّا في سبيل الدعوة إلى الحقّ والحقيقة تستخدم في بعض الأحيان والمواقف كأَرْدِيَةٍ وأستار من أجل التزلّف والتقرّب إلى ممثلي القوة الغاشمة.

أجل، إن مقصد بعض الشخصيّات الضعيفة من التحلّي بالقول والأسلوب الليّن هو الانقضاض على منصبٍ معيّنٍ؛ إذ تراهم يتحرّكون وكلّ همِّهِم وشغلِهم الشاغل رفعُ مكانتهم ورصيدهم لدى الآخرين ونيلُ الاهتمام والعناية منهم أو حبُّ الجاه، ولا ينبغي لنا -أبدًا- إساءة الظنّ بأيّ إنسان بدعوى “أنك تُرائي أو تنافق في هذا الموضوع” بل إن بعض أصحاب الفراسة لا ينبغي لهم -وإن أدركوا النيّة الحقيقيّة المتوارية خلف تصرّفات تلك الشخصيّات الضعيفة وأطوارها- التصريح بهذا وكأنه حكمٌ موضوعيّ، وإن فعلوا فقد أذنبوا، وإن الله ليحاسبنّهم على هذا الذنب، بيد أنه ينبغي لكلّ شخصٍ أن يقيس تصرُّفاته ويزنها كلّها في وجدانه وضميره، ويحاسب نفسه بنفسه.

إن جميع المساعي والجهود المبذولة من أجل التصالح والتلاحم والتقاسم بين مختلَف قطاعات المجتمع لا شكّ أبدًا في أنها ستُكسب الإنسان الثوابَ والجزاء الحسن، إلا أنه إن حَدثَ وأُهينت الكرامة في بعض الأحيان وازدُريت رغبةً في تحقيق المصالح الشخصية، والوصول إلى المنصب والمقام، ونيل مراتب مختلفة، وجمعِ تقديرِ الآخرين وإعجابهم، والعيش في راحةٍ ورفاهية في الدنيا، وتذلل ّالإنسان في سبيل ذلك، وشَعر بالامتنان أمام الآخرين كان اسم هذا الفعل ” مذلة”.

المماشاة لصالح المجتمع

إلا أنه لا ينبغي الخلطُ بين التذلّل وبين الأسلوب والطريق الذي نسمّيه المماشاة والمداراة في حلّ المشكلات؛ فالمماشاة والمداراة: هي التصرفات المتّبعة من أجل إدارة الناس ومعاملتهم ومن ثمّ تكوينِ أرضيّةٍ ومناخٍ معيّن لتحقيق السلم وعدم افتعال نزاعٍ واشتباكٍ مع العدوّ، ويقول حافظ الشيرازي[3]

وراحة الأماني، تفسيرُها يدري

مَن للصديق يتمنّى، وللعدوّ يُدارى

فراحة العالمين في هاتين الكلمتين على السواء، وهما: “أن تستعمل المروءة مع الأصدقاء والمداراة مع الأعداء”[4]، ووفقًا لوجهة النظر هذه فإن التعزز في مواجهة العدوّ لا يعني اقتناص الفرصة كلّما سمحت من أجل نزالهم والدخول معهم في صراعٍ واقتتالٍ، ولا سيما حين ينتفي توازنُ القوى بين الفئتين المتخاصمتين فإن الدخول في مغامرة من هذا القبيل ليس إلا إلقاء الضعيف نفسَه بنفسِه في التهلكة؛ ولهذا السبب فربّما يكون من النافع والصالح التصرّف بلينٍ ورفقٍ من أجل مداراة الأعداء بهدف حماية حقوق مجتمعٍ بأسره حين ينتفي التوازن في القوى؛ لأنه لا فائدة ولا طائل مطلقًا من وراء تحريك وإثارة كلّ حسدٍ وحقدٍ وعداوة قد تؤدّي إلى وقوع أنواع متعدّدةٍ من الضرر، وإذا نظرنا إلى المسألة من حيث نظر إليها فضيلة الأستاذ بديع الزمان؛ نجد أن الإنسان المحاط بتسعةٍ وتسعين عدوًّا من المؤكد أنه -إن كان عاقلًا- لن يرغب في أن يتم عددهم مائة، بل إنه يفعل العكس فيحسب حساباته في كيفيّة تخفيض هذا العدد ولو واحدًا، وهكذا فإنه يمكنُ تناولُ جميع هذه الأمور في إطار موضوع المداراة وحسن التدبير.

 

[1] صحيح البخاري، المغازي، 58.

[2] سنن أبي داود، الجهاد، 104.

[3] حافظ الشيرازي (1320-1389م): هو شمس الدين محمد، أشهر شعراء فارس على الإطلاق، لا يعرف إلا القليل عن نشأته، له “ديوان” شعر مليء بالقصائد.

[4] ديوان حافظ الشيرازي، ترجمة: إبراهيم أمين الشواربي، تهران- 1999م، مهرانديس للنشر، ص 11-12 (62-63) غزل: 10.