Posts Tagged ‘الحقوق’

هل نحن مخلصون للأمانة أوفياء لها؟

Herkul | | العربية

   سؤال: ذكرتم فيما مضى: “أن الحق الأول شيء، والحق المكتسب بالتمثيل شيء آخر، فالحق إن لم يُمَثّل حسب مقاييس قيَمه الذاتية يمكن أن يُسْتَرَدَّ، ويُسَلَّم إلى من يكونون نسبيًّا أسبق وأفضل في استحقاقهم لهذا الحق، إلى أن ينشأ الممثّلون الحقيقيّون”، فما الرسائل التي تنطوي عليها هذه العبارة؟

   الجواب: الأصلُ أن الحقوق كلها لله تعالى؛ فمن أسمائه “الحق”، وليس للإنسان أية حقوق ذاتية، وتجلّيًا من تجليات عظمته سبحانه وتعالى استودع بعضَ الحقوق الناسَ، وزودهم بأنواع مختلفة من النعم؛ إذ يأتي الإنسان إلى الدنيا وهو يمتلك مجموعة من الحقوق والامتيازات دون أي جهد أو تعب منه.. وهذه يمكن تسميتها بـــ”الحقوق الموهوبة”؛ لأن الإنسان لا يكتسبها باستخدام إرادته، ويمكن النظر من هذا المنظور إلى العديد من الحقوق والامتيازات؛ بدءًا من خلق الإنسان بشرًا إلى ولادته في بلدة مسلمة، ومن تزوده بمهارات وقدرات عالية إلى نشأته في بيئة مناسبة..

وعلى الإنسان أن يسعى إلى أن يكون أهلًا لهذه الحقوق التي منحها الله تعالى له على سبيل اللطف الجبري، وذلك بأن يستوفي إرادته حقها ويعمل على تنمية مواهبه وقدراته حتى النهاية، ومما لا شك فيه أن كل نبي من الأنبياء عليهم السلام بمنزلة مرشدٍ وهادٍ لنا في هذا الصدد.

وللتعبير عن هذه الحقيقة فكما يمكن القول إن الله تعالى منح عباده هذه الحقوق دون مقابل، كذلك أنعم عليهم بها بناءً على علمه الأزلي بالنشاط والجهد الذي سيحقّقونه طوال حياتهم، فمثلًا إنه لنعمة عظمى وفضيلة كبرى أن يتشرّف أي إنسان بالنبوة، فهو سبحانه يشرّف بهذه النعمة من شاء من عباده، وقد يمكن القول أيضًا: إن الله جل جلاله كرَّم بعض عبيده بمثل هذه الرتبة العالية؛ لعلمه الأزليّ بما سيبذلونه من جهد وسعي طوال حياتهم بدءًا من طفولتهم.

ومن ينظر إلى حياة مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم يوقن تمامًا أنه صلى الله عليه وسلم كان أهلًا للنِّعَم التي يمتلكها، مثل نعمة العفة والعصمة والفطنة، فضلًا عن النبوة! فلقد استطاع صلوات ربي وسلامه عليه من خلال استخدام إرادته إلى أقصى حد، أن يستفيد بشكل مثمِرٍ ونافع للغاية من الحقوق الأولى التي مُنِحت له، وظل طوال حياته السنية يتخذ القرارات الصائبة، ويختار الاختيارات الصحيحة المناسبة بحيث لا يمكن لأيِّ عقل سليم أن يعارضها أو يعترض عليها؛ فرغم أنه بشر يتكون من لحم ودم فإنه أنجز أشياء تتجاوز أعمال الملائكة.

   إعطاء المرء موقعه حقّه

الإنسان الذي يعيش متفحصًا الحياة يرى أن ما أنعم الله تعالى عليه من حقوقٍ ونِعَمٍ منذ ولادته تستمر أيضًا في المراحل اللاحقة من حياته، فمثلًا كم شخصًا منا ارتبط بالخدمة الإيمانية والقرآنية فكرًا وتدبّرًا واستيعابًا لفلسفة الأمر؟! لقد وجد معظمنا نفسه فجأة في خضم الأمر، حدث ذلك كما لو أننا كنا نسير في الشارع مع خمسين شخصًا، وإذا ببابٍ يُفتح فيؤخذ منا ثلاثة أو خمسة إلى الداخل.. وعليه فإنه من الصعب للغاية أن يقول الإنسان في هذا الصدد: “فكرتُ وخططتُ ونفذتُ”.. لقد مرّ أذكياء كثيرون من نفس الجادة، لكنهم لم يفكروا في أن يدلفوا إلى الداخل من ذلك الباب الموارب، حتى إن بعضهم مرّ من جانب الباب، ولم يره ولم يسمع الصوت الذي يناديه.

وهكذا فإن القضية الرئيسة تتمثل في النظر إلى هذه الحقوق والنعم الموهوبة كلها على أنها أمانة مهمّة جدًّا والسعيِ إلى إعطائها حقها والوفاء بها.. فلا ينبغي للإنسان أن ينزلق إلى كفر النعمة بتجاهل النعم التي يمتلكها، ولا أن يتردّى في الغرور والكِبر تفاخرًا وتباهيًا بها، يجب عليه بالدرجة الأولى أن يعزوَ كل هذه النعم والأفضال إلى مالكها الحقيقي، أي إلى الله تعالى، ثم يسعى لأن يكون مستحقًّا لها وجديرًا بها.

أجل، يجب علينا أن نعي ونفهم نِعَمَ الله وألطافه بالدرجة الأولى، وألا نهوي في الغرور والكبر بنسبتها إلى أنفسنا، ثم يجب علينا أن نوفِّي حق الموقع والمكانة والمرتبة التي وضعنا الله تعالى فيها، يجب علينا أن نضبط جميع مواقفنا وسلوكياتنا وفقًا للمكانة التي نحن فيها، وإن اطّلَعْنا على شيءٍ من الحقائق السامية؛ فيجب علينا أن نعتبرها نعمة مهمة جدًّا، ونهرول لتعريف جميع القلوب المحتاجة بها؛ لأن العلاج الوحيد لعدم الوقوع في دوامة الأنا هو ربطُ القلب بغاية مثالية رفيعة، وإذا كنا لا نريد الغرق أو الاختناق، فيجب علينا أن نتشبّث بمقبض قوي أو بحبل متين.

يجب علينا أن نحاول الاستفادة من جميع الحقوق والنعم والعطايا التي وهبها الله تعالى لنا على سبيل الأمانة ونعمل على رعايتها وتنميتها تمامًا مثل البذرة التي تُلقى في باطن أرض خصبة.. يجب علينا أن نقول باستمرار: “ترى ما الذي يجب عليَّ فعله حتى تُخرِج الحبة الواحدة التي بيدي سنبلتين، ويخرج من السنبلتين خمسون حبة من القمح؟”، يجب علينا أن نبحث عن طرق كي تُنْبِتَ الحبّةُ الواحدة سبعَ سنابل وفي كل سنبلة مائة حبة كما عبر القرآن الكريم[1]، وينبغي لنا أن نسعى بكل استطاعتنا إلى الاستفادة العظمى من كل المواهب والقدرات التي نمتلكها؛ بالنظر إليها بهذا المنطق وتلك الفلسفة.

إن السبيل إلى الوفاء بحقِّ الموقعِ أو الوقوف حيث ينبغي؛ يتمثل في القدرة على النظر إلى المسألة من خلال المنطق التالي: يجب على الإنسان أن يفحص بشكل متكرّرٍ المسافةَ ما بين المكان الذي يتواجد فيه والمكان الذي يجب أن يتواجد فيه، وعليه أن يتساءل دائمًا: “بما أن الله منحني تلك النعم وأعطاني فرصة العيش في مثل هذا المناخ الجميل، فما هي الأشياء التي يريدها مني؟”، وأن يؤدي شكر النعم التي يمتلكها.

إن العطية والمنحة والهبة الأولى نعمة وفضل من الله تعالى، لا دخل لنا فيها، لقد وضعنا الله عز وجل في موقف ومقام معين، غير أنه يجب علينا أن نحقق عبوديتنا لربنا سبحانه وتعالى بما سنبذله لاحقًا من نشاط وجهد وجدية، حتى الملائكة ليقولون: “ربَّاه! ما أعظمها من حكمة كانت في إدخالك هذا الشخص من ذلك الباب المفتوح!”.

إن سادتنا الصحابة الكرام رضوان الله عليهم يمثلون نماذج مهمة جدًّا بالنسبة لنا في هذا الصدد، لقد خلقهم الله في نفس العصر الذي عاش فيه نبينا صلى الله عليه وسلم، ومهّد لهم السبيل ليكونوا صحابته، فوفّوا بحق ذلك، ولقد بلغ أولئك الأشخاص الذين كانوا يئدون بناتهم في ظلمات الجاهلية، ويعبدون الأصنام التي صنعوها بأيديهم، ويتخبطون في غياهب أنواع شتى من الوحشية، ولا يعترفون بحقوق النساء؛ بلغوا مستوى ومنزلة مكنتهم من أن يحكموا العالم كمعجزة من معجزات القرآن ويثقفوا عقل البشرية ويصقلوه، أي إنهم أعطوا المكانة والمرتبة التي منحهم الله تعالى إياها حقها، وخلال وقت قصير أعطوا الإنسانية درسًا في الحضارة، وملؤوا البسيطة علمًا وعدلًا وإنصافًا ورحمةً.

   سمات حملة الدعوة

إن لم تُستغَلّ الألطاف التي منحها الله للناس كحق أولي كما ينبغي فإن الله تعالى يسلبها ممن ليسوا أهلًا لها، ويُسلّمها إلى من هم أكثر أهلية لها؛ إذ يقول الله عز وجل في القرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (سورة الْمَائِدَةِ: 5/54).

وهنا يصرح الله تعالى بأنه سيأتي بطائفة أخرى تحل محل من ارتدوا عن دينه، أو من لم يقوموا بواجباتهم على النحو الأمثل، وتاريخ الإسلام مليء بأمثلة من هؤلاء، فمثلًا عندما بدأ الأمويون في الاضطهاد والوحشية وسفك الدماء استبدلهم الله بالعباسيين، وعندما بدأ العباسيون يضطربون ويضعفون استقر الأمر للسلاجقة، فوقعت على عاتقهم مقاومة الحملات الصليبية والمغولية، وعندما صاروا هم أيضًا عاجزين عن أداء هذه المهمة العظيمة استبدلهم الله هذه المرة بالعثمانيين..

أي إنه حين تعجز طائفة عن بلوغ المستوى الذي يريده الله جل وعلا، ولا تستطيع أداء حقِّ مكانتها، وتبدأ في التراجع بحيث لا تقف حيث يجب فإن الله تعالى يسلب منهم هذا الأمر، ويكله إلى غيرهم، فيجعلهم يمثلون دعوته.

حسنًا، ماذا يجب أن تكون صفات مَنْ يتمسكون بدين الله وينشرونه في أرجاء العالم؟

أولًا: أن يحبّهم الله ويحبونه، والحقيقة أن هذا الحبَّ متبادَلٌ، فإذا اشتاقت نفوسكم حنينًا إلى الله عندما تذكرونه فلكم أن تعلموا أن الله يحبكم، فإذا كنتم تريدون معرفة مكانتكم عند الله فعليكم أن تنظروا إلى مكانة الله ومقامه عندكم، فبقدر علاقتكم بالله، تكون علاقة الله بكم، ولذا يرد ذكر هذين النوعين من الحب الواحد تلو الآخر.

ثانيًا: يذكر القرآن الكريم أن هذه الطائفة التي تبدأ حركة إنشاء جديدة وتسعى إلى إحداث انبعاث عام؛ تخفض أجنحة التواضع والذل من الرحمة للمؤمنين، أي إنهم يرون أنفسهم دون الجميع وأقل منهم.. وعلى حد قول سيدنا عليٍّ رضي الله عنه يعيشون بين الناس كواحدٍ من الناس..

ثالثًا: إنهم يتخذون موقفًا صارمًا للغاية من الصفات الكفرية، وبعبارة أخرى: إنهم يحاولون إزالة سمات الكفر كي يعيش الجميع حياة إنسانية، ويفكروا تفكيرًا سليمًا ويتخذوا القرارات بشكل صحيح، ويبذلون قصارى جهدهم حتى يتخلص الناس من دوامة الكفر، أي إنهم يحاولون تمكين القلوب من الاتصال بالله تعالى من جديد عبر إزالة ما بين الناس وما بين الله من حواجز.

رابعًا: يناضل هؤلاء باستمرارٍ في الطريق الحق الذي يؤمنون به، ويسعون لتخليص البشر وتطهيرهم من الصفات السلبية، ولإيصالهم إلى الله عز وجل..

 خامسًا: إنهم لا يخافون ولا يذعرون ولا يعيشون جنون العظمة أمام حملات الإهانة والتحقير والأذى والافتراءات التي يتعرضون لها في هذا السبيل، فلا يستطيع كلام الناس غير اللائق ومواقفهم الفظة وسلوكياتهم العدوانية أن تُثنيهم عن الطريق الذي هم مصممون عازمون على المسير فيه، ولا شك أن كلَّ واحد من هذه الأمور فضلٌ وإحسان من الله يهبهما لمن يشاء.

   من أجل القدرة على حمل الأمانة دائمًا

يستطيع أي شخص من خلال النظر إلى الأمر بعقلانية أن يزن نفسه من ناحية هذه الصفات السامية التي وضعها الله تعالى، ويمكنه أن يراجع ويفتش هل دعوة الحق قد مُثِّلت من قبل الناس الجديرين بها أم لا؟! بيد أنه ينبغي له أن يحرص على عدم إساءة الظن بأحد أثناء قيامه بذلك.

أما بالنسبة لمسألة أن “الحق سيظل يتنقّل بين من يكونون الأسبق والأفضل نسبيًّا في استحقاقهم لهذا الحق، إلى أن ينشأ الممثلون الحقيقيون” كما ورد في السؤال؛ فإننا لو قلنا إنه لا يوجد ممثلون حقيقيون لدعوة الحق في يومنا هذا لكنّا قد أسأنا الظن بالجميع، لكن بإمكان كل شخص أن ينظر إلى نفسه بهذه الطريقة، ويقول: “إنني في أحسن الأحوال مجرد مؤتَمَنٍ ومستودَع، ولست جديرًا لتمثيل هذه الأعمال حقَّ التمثيل”، ويمكنه التفكير على النحو التالي: “إنني أسعى لمساندة هذه الدعوة حتى لا تسقط رايتها على الأرض، ولا تُنسى القيم تمامًا، ولا نعيش تحت وصايات مختلفة”.

لكن الأمر الأهم هو أن يحاول كل مؤمن أن يكون أمينًا على الدوام، وليس مؤقتًا، وثمرة هذا ومردوده كبير لدرجة أنه لا يمكن مقارنته بأي شيء آخر، فإذا كان هناك مثل هذا الهدف السامي فإن التعلق بأشياء سواه من فتور العزيمة ودناءة الهمة، يجب على الإنسان من ناحية أن يُعليَ من همته دائمًا، ويرفع من مستواه باستمرار، ويسعى إلى تحقيق جدارة تليق بذلك، ومن ناحية أخرى يجب عليه أن يتضرع ويدعو الله دائمًا: “اللهم اجعلني أمينًا صادقًا مخلصًا في الأمانة حتى ذلك اليوم الذي ستسترد فيه أمانتك!”. آمين..

***

[1] انظر: سورة البقرة: 2/261.

تنظيم الوقت وحياتنا الأسرية

Herkul-ARB | | العربية

 

سؤال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلَ دعوةٍ ودولة، وفي الوقت ذاته أبًا وزوجًا وأقربَ صاحبٍ لأصحابه، ومع ذلك كان ينظّم وقته ولا يخلّ بأيّ حقٍّ لهؤلاء، وعلى ذلك فما الذي يجب على ذوي الغايات السامية أن يراعوه عند تنظيم أوقاتهم حتى يقيموا توازنًا بين الحقوق التي عليهم؟

الجواب: تنظيم الوقت يعني النظرَ بعين الاعتبار إلى جميع الأمور التي ينبغي القيام بها، وتحديدَ أولوِيّاتها، وتخطيطَ الحياة وفقًا لذلك، ويدخل ضمن هذا التخطيط أيضًا؛ حياتُنا التعبّدية مثل الصلاة والذكر والدعاء، فضلًا عن المسؤوليّات التي يجب علينا القيام بها تجاه مَن نحن متكفّلون برعايتهم كالأسرة والأولاد وغير ذلك.

فمثلًا المؤمن لا يترك قيام الليل بحجّة الخدمة، بل يجب عليه ألا يفعل ذلك. أجل، يجب على القلب المؤمن أن يأخذ نصيبه من قيام الليل، ولو بصلاة ركعتين، فالواقع أن الإنسان الذي يستيقظ ليلًا ويخصص مابين عَشر دقائق إلى خمس عشرة دقيقة من وقته لصلاة التهجد والدعاء لا يخسر شيئًا ألبتّة من حياة الخدمة، بل على العكس يفوز بأشياء كثيرة؛ لأن مَن يُحسن استغلال ليله يسلُك طريقَ الانبعاث، والتهجد ليلًا أمرٌ يُباهي الله به ساكني الملأ الأعلى، والدعاء في هذه الأوقات من الليل لا يُقارن بغيره من الأدعية، وكذلك فإن وضع الجباه على الأرض، والوصال مع سجادة الصلاة، والخضوع والتذلّل لله تبارك وتعالى، وسكب العبرات وسط هذا الصمت الرهيب الذي يمتاز به الليل البهيم لهو أمرٌ عظيم لا يمكن مقارنته بالعبادات التي تُؤدَّى في الأوقات الأخرى، من أجل ذلك علينا ألا نتغافل عن قيام الليل عند تنظيم يومنا.

“أعط ِكلَّ ذي حقٍّ حقّه”

وكما يجب على الإنسان ألا يُعرِض عن العبادات التي تغذّي حياته القلبية والروحيّة فعليه أيضًا أن ينظر بعين الاعتبار إلى الحقوق العامة في حياته الاجتماعية، ويضع لها ترتيبًا على قدر أعبائها، ولا يعزب عن عِلمكم ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة الذين أهملوا ذويهم ليتفرّغوا لعبادة ربّهم: “إن لربك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، فأعط كلّ ذي حقٍّ حقّه”[1].

وكما رأينا يشير الحديث إلى أنه من الضروريّ ألا يتسبب الانشغال حتى بالعبادة إلى إهمال الإنسان للحقوق التي عليه مثل حقّ نفسه، وحقّ زوجته، وحقّ أبنائه… إلخ.

وكما تعطي مسألة تخصيص خمسة أوقات للصلاة دروسًا مهمّةً للمؤمنين في تنظيم الوقت، كذلك فإن الآيات الكريمة التي تتحدّث عن حكمة خلق الليل والنهار تمدّهم ببعض المعطيات في هذا الشأن، فمثلًا يقول ربّنا تبارك وتعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (سُورَةُ القَصَصِ: 73/28).

فهذه الآية الكريمة وما شابهها ترشد المؤمنين إلى موضوع تنظيم الوقت، وتقول لهم: إن نظّمتم أوقاتكم، وأدّيتم نهارًا ما عليكم أن تقوموا به نهارًا، وأدّيتم ليلًا ما عليكم أن تقوموا به ليلًا، فُزْتم من الليل ببعدٍ آخر، ومن النهار بأفقٍ مختلف وتخلّصتمْ من التشوّش والاضطراب في حياتكم، وما تعثّرتم بالعقبات الناشئة عن الفوضى والعشوائيّة، ونعمتم بحياةٍ أكثر بركةً ونماءً.

تخطيط الأربع والعشرين ساعة

فإن كنتم تنشدون من وراء تنظيم أوقاتكم أن تكون أوقاتكم أكثر بركةً وتنظيمًا فعليكم أن تضعوا جدولًا لكل ساعات اليوم الأربع والعشرين، فإن فعلتم ذلك استطعتم أن تحدّدوا بشكلٍ واضحٍ أيَّ الأعمال التي ينبغي لكم القيام بها في أيّ ساعات اليوم؛ بدءًا من الالتقاء بالأصدقاء حول الحديث عن ذكر الحبيب إلى قراءة الكتاب، ومن ترتيب الغرفة إلى الانشغال بالذكر والأوراد، ومن التشاور مع الأهل في بعض المسائل إلى وقت الاستراحة، بل قد تدخل ضمنَ هذا التنظيم الفترة التي قد تخصّصونها للجلوس وشرب الشاي وتناول الطعام، فمثلًا إن كانت عشرون دقيقة تكفي لتناول الطعام فلا بدّ من الاكتفاء بها، وألا نضيّع أوقاتنا في الكلام الفارغ بعد الطعام، بل ينبغي أن نقتطع أوقاتًا احتياطيّة من الأربع وعشرين ساعة حتى لا تخلّ الأشغال التي قد تطرأ بعد ذلك ببرنامجنا.

فإن نظّمنا أعمالنا بكلّ فروعها وأصولها على هذا النحو المفصّل ازداد الوقت بركةً، وحصد الإنسان ثمرة أعماله أضعافًا؛ لأن الحياة إن نُظّمت صار الإنسان منظّمًا في وقته، وتعوّد على العمل في إطار برنامجٍ معين، وبهذا الحافز المعنويّ يستطيع القيام بأعماله في يسرٍ وسهولة.

ولا يُفهم من كلامي أن مثل هذا النمط الحياتي يعني آليّةَ الإنسان، بل يعني أن يكون الإنسان منظّمًا وأن تجري حياته في نظامٍ وانضباط، والإنسان المنظّم لا يعيش خواء في عباداته وطاعاته، ولا يُهمل ذكره وأوراده، ولا يُقصِّر في المهام التي تقع على عاتقه، ولا يُخلّ بحقوق أفراد أسرته.

إقناع من يسيرون معنا في نفس الطريق

وهنا مسألةٌ مهمّةٌ لا بدّ من الالتفات إليها عند تنظيم الوقت: يجب على الإنسان أن يفاتح الذين يشاركونه حياته في مسألة تنظيم الوقت التي يعتزم تطبيقها، وأن يستفيد من آرائهم وأفكارهم، وبعد ذلك يحدّثهم عن أهمّيّة الوظائف التي عليه أن يقوم بها، وأن يقنعهم عقلًا وقلبًا بها؛ بمعنى أن على الإنسان أن يحاول إقناعهم قدر المستطاع بما علينا من حقوقٍ لله والدّين والقرآن؛ إلى جانب حقوق الزوجة والأولاد والوالدين، ولا بدّ أن يعطي كلّ ذي حقٍّ حقّه، فإن توصل مع مَنْ يشاركونه نفس البيت إلى اتّفاقٍ في هذه المسألة استطاع القيام بعمله براحةٍ أكبر وسهولة أرحب، دون أن تعترضه أيّ كلمةٍ أو تصرُّفٍ سلبيٍّ ممّن حوله.

 تصوّروا إنسانًا أقنع نفسه بضرورة استغلال معظم وقته في سبيل إعلاء كلمة الله، وآمن بهذا يقينًا، فهذا الإنسان تشرّبَ هذه الوظيفة وجعلها جزءًا من طبيعته؛ حتى إنه يقوم بها باذلًا في سبيلها شتى التضحيات دون تردّد، لكن إن لم يعلم من يشاركونه حياته عظم حقّ الله تعالى وأهميّة رفع راية دينه في كلّ أنحاء العالم وأن هذا الدين أمانة وعليه أن يكون في شد معنوي دائمٍ إزاء هذه الأمانة، وإن جهل الآخرون أيضًا الأهمية الحياتية من ترميم تلك القلعة التي تنخر فيها عوامل الضعف منذ عصورٍ فلن يرغبوا في السير معه في الطريق نفسه، ولذلك على الإنسان أن يبذل جهدًا أكبر حتى يسلك معه الآخرون الطريق نفسه، وهذ يجعل الإنسان يُصاب بالنصب والتعب بعد مدّة.

بيد أنه إن قدر على أن يُقنع مَن يشاركونه حياته بالعقيدة والغاية المثلى التي يتبنّاها، ويتنسّم معهم الفكرة والشعور نفسه، ويبثّ في قلوبهم شعور رعاية الخدمات التي يقوم بها؛ فلا شكّ أن هذا الأمر سيساعده بشكلٍ جدّيٍّ في تيسير أمره وتنظيم أموره، بل إنه لو قصّر يومًا في أداء مهامه التي عليه أن يقوم بها كأن لم يحضر إلى اجتماعٍ كان عليه أن يحضره أو أنه لم يشارك في برنامجٍ للقراءة كان عليه المشاركة فيه؛ فإنّ أوّلَ ردِّ فعلٍ سيلقاه؛ سيصدُرُ من هؤلاء الذين يشاركونه الحياة، وسيكون هذا عنصرًا محفّزًا بالنسبة له.

فإن حدث خلاف ذلك -بأن لم تكن لدى زوجته أو أولاده أو مَن يعيشون معه دراية بتنظيم الوقت الذي يخطّط له- فلا مفرّ من وقوع بعض الاختلافات في الفكر والشعور بعد فترة، وسيتسبّب هذا في انقطاع العناية الإلهية؛ لأن توفيق الله ينشأ عن الوفاق والاتّفاق، فلو كنتم تريدون أن تحظوا بتوفيق الله وعنايته فعليكم أن تحرصوا على الوفاق والاتفاق فيما بينكم أوّلًا، أيًّا كانت الدائرة التي تعملون في إطارها.

التبرّع بالوقت

الموضوع الآخر الواجب الوقوف عليه هنا هو: مدّة الوقت المخصّص لما سننجزه من أعمال في سبيل غاية سامية؛ إذ إن العمل الذي يَضطلع به -لأجل تحقيق مثالية معيّنة- إنسانٌ يخصّص حوالي سبع أو ثماني ساعاتٍ فحسب من يومه بمنطق الموظّف أو العامل سيكون محدودًا بسبب ضيق ذلك المنطق، فإن تولّى الإنسان مسؤولية بضعة أعمال في سبيل غاية سامية، وكان الوقت اللازم لإنجازها يتراوح ما بين ثلاث عشرة إلى خمس عشرة ساعة؛ انبغى له أن يسعى للوفاء بهذا عبر تنظيمِهِ وقتَه تنظيمًا جيّدًا؛ أي إنه يجب عليه أن يُنفق وقتَه في سبيل الله تعالى بقدر ما يستطيع دون أن يُضيّع ولو ثانيةً واحدة هباءً من جانبٍ، ويجتهد من جانبٍ آخر للاستفادة من وقته هذا على نحوٍ أفضل من خلال تنظيمه أعماله وترتيبِه إيّاها أيضًا.

ولاسيّما إن كان الأمر المطروح في يومنا هذا هو إعمارُ قلعة معنوية تضرّرت عبرَ عصور طويلة؛ فإنّ مَن نذورا أنفسَهم لخدمة القرآن والإيمان مطالَبون بتقديم تضحيات أكثر ممّا كان حتى الآن، وأن يتحرّكوا بحذرٍ وحساسيّةٍ أكثر في هذا الشأن، ولتحقيقِ ذلك فهم يستطيعون “التبرّعَ بالوقت” فيما بينهم، فمثلًا يعلن أحدهم أنه سيخصّص وسيتبرع باثنتي عشرة ساعة من يومه في خدمة أمته، بينما آخر يتنكّب مسؤوليّة عملٍ مدّته ثلاث عشرة ساعة، وثالثٌ يعِد بأن يعمل في سبيل الله تعالى أربع عشرة ساعة، والحاصل أن الجميع يسعى ويجتهد للاستفادة من الوقت وتنظيمه في إطار الخدمة بالتبرع من وقته بعددٍ معيّنٍ من الساعات، وهذا هو مفهوم العمل الذي يقع على عاتق المسلم الحقّ، فإن كان مفهوم العمل لا يعني هذا في يومنا؛ فهذا يعني جهلًا بهذا الجانب من الإسلام.

وإن كان البعض لا يتبرّع -رغم ما لديه من إمكانيات- بالوقت بالقدر المأمول منه؛ فهذا يعني وجود حاجةٍ إلى إقناع العقول في هذا الشأن؛ إذ من المهمّ جدًّا تحقيق التطابق والتوافق مع المخاطبين في هذا الموضوع، بيد أنه يلزم بعد تحقق مثل هذا النوع المرجوّ من التوافق ألا تُنتهك حقوق أيّ إنسان على الإطلاق، وعلى كل فرد أن يتصرّف بحساسيّةٍ شديدةٍ في الوفاء بما يقع على كاهله من مسؤوليات؛ فلا يتعدّى الأزواج على حقوق بعضهم، ولا يلحقنَّ الضرر بحقوق الأُسرِ، ولا يقعنَّ أي نوعٍ من الظلم بين الرئيس والمرؤوس، ولا تنتهكنَّ ما في مقر العمل من مسؤوليّات.

وإلا فإننا إن كنّا نفهم من الحديث عن العمل التحرُّكَ وفقًا لمنطق الموظّف فيكون التراخي بعد أن نعمل سبع أو ثماني ساعات، والاهتمام بالمأكل والمشرب، والتجوّل كيفما يحلو لنا، وارتياد المقاهي -مأوى الكسالى وذوي الهمم الضعيفة- واللعب والمشاركة في مجموعة من الأنشطة البدنية والشيطانية فهذا يعني أننا نسيء فهم القضية، ومن يتحرّك بهذه العقلية يستحيل عليه أن يُنجِز ولو حتى عُشْرَ الأعمال الواجب القيام بها خدمةً للإنسانية في يومنا، بل إن الإنسان الذي يتبنّى فهمًا سقيمًا للعمل كهذا الفهم لن يتورّع عن الخروج في عطلةٍ خلال أكثر الأوقات حاجةً إليه، والاستئذان حين يجب القيام بأعمال وشؤون مهمّة جدًّا، وهكذا يُعرقل الأعمال الضرورية الواجبة الأداء.

أما مفهوم ساعات العمل بالنسبة لأهل الخدمة فليس على هذا المنوال؛ فهم يسعون قطعًا للوفاء بالمسؤولية التي تحمّلوها على عاتقهم في سبيل خدمة الحقّ، ولا يتركون عملًا بدؤوه دون أن يُتمُّوه، وإن حدث تقصيرٌ منهم في أثناء وفائهم بتلك المسؤولية في حقّ أزواجهم وأبنائهم وعائلاتهم سعوا لتلافيه وإصلاحه، وعملوا على ترضية وتطييب خاطر من يظنّون أنهم أخلوا بحقّهم؛ فيقابلونهم بباقة زهرٍ مثلًا، ويبيّنون لهم سبب تأخّرهم، ثم يَفُونَ لهم بما قطعوه على أنفسهم من وعدٍ في أقرب فرصة، ويصلحون الأخطاء وأوجه الإهمال اللاإرادية.

وهنا يتوجّب على الأزواج التسامح فيما بينهم في مواجهة ما قد يحدث من تأخيرٍ بسبب عملٍ لا بدّ من إنجازه، ويجب ألا يُنسى أصلًا أن الساعات والدقائق بل وحتى الثواني التي تمرّ في فترة انتظارٍ كهذه هي في حكم العبادة بالنسبة للمنتظرين؛ لأن انتظارًا على هذا النحو يُعدُّ تضحيةً حقيقيةً، وكل واحد من الزوجين في حاجةٍ إلى الآخر؛ فهناك قضايا وأمور معيّنة يجب عليه أن يتقاسمها ويتدارسَها مع رفيق حياته، وهكذا فإن ثواني يقضيها إنسان ينتظر رفيق حياته المناضل المجاهد في سبيل الخدمة، -وهو في حاجة إليه- قد تُقبل دون أن يشعر هو كعبادة سنوات طويلة؛ ذلك لأن نيّةَ المؤمن خيرٌ من عمله[2]، وإن كان أحد الزوجين يسعى في الخير والآخرُ يدعمه معنويًّا ومادّيًّا نال كلاهما -بإذن الله تعالى- ثواب ذلك العمل الصالح.

 

[1] صحيح البخاري، الأدب، 86.

[2] انظر: الطبراني، المعجم الكبير، 185/6-186.