Posts Tagged ‘الاستقامة’

“المعوقات التي تعترض “روح التفاني

Herkul | | العربية

   سؤال: نعرف أن روح التفاني بمثابة الآلية الرئيسة للخدمة؛ فهل يمكن لكم أن تبيّنوا لنا المخاطر التي تهدد هذه الروح؟ وما طرق الوقاية منها؟

   الجواب: إن الإنجازات والنجاحات التي أنعم الله تعالى بها على الأرواح المضحية تستوجب مقابلتها بمشاعر التحدث بالنعمة، والعمل على شكرها؛ لأن الجماليات التي تحققت حتى اليوم على يد متطوعي الخدمة الذين انفتحوا على ربوع العالم تَفوق طاقتنا وإرادتنا.. إذ إن تحقُّق هذا يتطلب -في دائرة الأسباب- اجتماع العديد من العوامل كحماس التبليغ، وشعور التضحية، والمعلِّمين المؤهَّلين، ورجال الأعمال الأسخياء، والمصادر الكافية، والتخطيط، والمشاريع السليمة، وحسن الاستقبال والقبول في الأماكن المقبلين عليها، واجتماعُ هذه العوامل دفعةً واحدة أمرٌ صعب للغاية وفقًا لحسابات الاحتمالات.

لذلك يجب علينا توخّي الحذر من نسبة الفضل في تحقّق هذه الخدمات إلى أشخاص أو كوادر أو هيئات بعينها، ولا بد من نسبتها إلى عون الله تعالى وعنايته، فمثل هذا التصرف إقرار بالحقيقة، فضلًا عن أننا إذا ما نسبْنا النجاحات المحققة إلى دهاء بعض الأشخاص وبراعة تخطيطهم ومهاراتهم، نكنْ -كما عبر الحديث الشريف[1]– قد قطعنا أعناقهم، وقد لا يتسنى للجميع تحمّل هذا الأمر، فقد يسيء المرء الأدب وينسب الإنجازات والنجاحات إلى نفسه ناسيًا رحمة الله تعالى وعنايته، فيجب علينا ألا نؤلّه ولا نقدّس أحدًا، وخاصة في مثل هذا الزمان حيث تفشت الغفلة وسادت الأنانية كفرعون جامح.

ولا ينبغي أن نستنتج من كلامنا هذا ضرورة غضّ الطرف عن الأعمال الطيبة التي أنجزها الناس بما بذلوه من عمل وجهد كبير؛ بالعكس يجب علينا أن نصفّق لهم ونقدرهم ونحفّزهم ونكافئهم حسب استحقاقهم في ذلك، والأهم من هذا كله ندعمهم بأدعيتنا، فنبتهل إلى الله تعالى ونضرع إليه بالدعاء دائمًا: “اللهم ثبت أقدام إخواننا في الخدمة، ولا تضلهم عن السبيل، واحفظهم من الزلل والانحراف، وأنعم عليهم بالإيمان والمعرفة، وزِدْهُم عشقًا واشتياقًا!”؛ فهذا من مقتضيات الصدق والوفاء مع رفاق دربنا.

   أعظم الكرامات: الاستقامة

نشكر الله شكرًا كثيرًا أن تحققت خدمات تفوق الوصف في ساحة الإرشاد والتبليغ إبان فترة استقرّ فيها السيف المادي في غمده.. فقد تحمّلت القلوب المضحية صعوبات كبيرة من أجل إيصال القلوب إلى الله تعالى من جديد عبر إزالة العقبات التي تحول بينهم وبينه تعالى، فكان منهم من عمِل في بناء مؤسسات الخدمة كواحد من العمال، ومنهم من تقاضى أجرًا أقلّ من أقرانه بكثير، ومنهم من لم يستطع أن يتقاضى أجرًا شهورًا عديدة، ومنهم من لم يستطع زيارة أهله ووطنه لسنوات طويلة.. لا يمكننا غض الطرف عن كل هذا الجهد والسعي المبذول بصدق وإخلاص، ولا يمكننا أن نقابل بالكفر والنكران ألطاف الله تعالى التي تهطل علينا زخًّا زخًّا، فما كان لهذه الجماليات أن تتحقّق لو لم ينعم المولى جل جلاله علينا بروح التفاني وشعور التضحية، ولو لم يجعل الرحمن عز وجل وُدَّنا في قلوب مخاطبينا، فالشكر والمنَّة لله رب العالمين.

وبما أن روح التفاني هي الآلية الرئيسة للخدمة فالأهمُّ هو التمكن من الإبقاء على هذه الروح حتى المنية، أي المحافظة حتى النهاية على روح التضحية والإيثار اللذين بُدئَ بهما العمل؛ وبتعبير آخر: المحافظة على الاستقامة، وهذا ليس بالأمر الهيّن كما يُظنُّ؛ وانطلاقًا من كونِنا بشرًا فإنه ثمة امتحانات شتى ومتباينة تنتظرنا، فنحن بشرٌ مخلوقون من لحم ودم، نحمل نفسًا بين جنباتنا، ولدينا ميول وطلبات ورغبات في الدنيا.

وتُعبر الآية الكريمة الآتية عن الامتحانات التي تنتظر الإنسان في الدنيا بقوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ (سورة آلِ عِمْرَانَ: 3/14).

والإنسان، حتى وإن لم يدخل في دائرة الحرام، إلا أن لديه ميلًا فطريًّا، وقد يريد الاستفادة في دائرة الحلال من زخرف الدنيا ومتاعها، وربما يَحُول حبُّ الأهل والأبناء بينه وبين القيام بخدماته، وربما تتعلق بذهنه فكرة الكسب والغنى، وربما ينجذب إلى العيش الرغيد والتلذّذ بمتع الدنيا، وربما يتطلّع إلى عطلة على الشواطئ أو قمم الجبال فيلهو ويقضي وقتًا ممتعًا، والحال أن كل هذه الأمور ربما تسوق الإنسان بمرور الوقت إلى دائرة الحرام أو على الأقل تقيِّد قدميه وتغلّل عنقه، فتصدّه عن السبيل، ومن لم يستطع كسر قيوده والمحافظة على موقفه أمام شهوات الدنيا الفاتنة يصعب عليه أن يحافظ على مشاعر التضحية والتفاني.

أجل، إن هناك الكثير ممّن خسروا لأنهم لم يستطيعوا أن يحافظوا على التضحية التي بذلوها في بادئ الأمر حتى النهاية.. فمثلًا ساروا لمدة طويلة على الدرب الذي عزموا المسير فيه وواجهوا مصاعب عديدة، ولكنهم تعثروا في رغبات النفس وأهوائها في موضع ما؛ فعلى الرغم من أن بعضَهم هاجروا منفتحين على ديار مختلفة، واضطلعوا هناك بخدمات في غاية الجمال، إلا أن عقولهم ذهلت بعد مدة معينة، وغشيت أبصارهم، وبدؤوا يفقدون قوامهم ويتغيّرون؛ فغيَّر المنصبُ بعضهم، والوسائلُ والإمكانات بعضَهم، وتعلَّق بعضُهم الآخر بفكرة المصلحة الشخصية، وبعضُهم بالشهرة، وفي النهاية لم يستطيعوا الحفاظ على وفائهم وولائهم، ولا على حيوية روح التفاني غضّةً طريّةً.

والحقيقة أن عددَ من سلكوا هذا الخطّ المتعرج قليلٌ جدًّا؛ ربما واحد بالألف؛ فقد حدث أن عاش هذا القدر من الزيغ والضلال أناسٌ حتى في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولكن يجب الاعتبار من هذه الوقائع أيضًا حتى يتسنى لنا أن نعيش حياة تكتنفها اليقظة والتمكين.

   فيروسات تعرِّض الحياة المعنوية للشلل

عبر الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي عن التهديدات المحتملة التي تنتظر رجال الخدمة بقوله “الهجمات الست”[2]، وركز تحت هذا العنوان على ستة فيروسات يمكن أن تتسلّط على الإنسان؛ فلفت الانتباه إلى الفيروسات التي رآها تشكّل الخطر الأكبر بحسب عصره، إلا أن المخاطر التي قد تحيق بالإنسان -ذي الفطرة المنفتحة على الشر كما على الخير- لا تقتصر على هذه، وإنما يمكن الحديث عن العديد من الفيروسات التي قد تدفعه إلى المساوئ، وتُصيب حياته المعنوية بالشلل، ومن ثم فالوظيفة والمسؤولية الملقاة على عاتق الأرواح المتفانية التي تدرك أهميةَ الأمانة وثقلَها هي الثبات والصبر في مواجهة المساوئ التي قد تُضِلّها سواء السبيل، فإن حملها للأمانة مرهونٌ بهذا، يقول الأستاذ بديع الزمان في دعائه: “اللهم اجعلنا أمناء على ما أمَّنْتَهُ عندنا إلى يوم لقائك.. آمين”.

نحن نوقن بأنه حتى الملائكة ستقدّم التحيّة للأرواح المتفانية المنفتحة بروح التضحية الحقّة على العالم بأسره، وسوف تذكرهم الأجيال القادمة بالخير؛ غير أن هناك من سيتعثرون ويتساقطون على الطريق، وهناك من سينقلبون على أعقابهم كمن عزم على زيارة الكعبة فلما بقي بينه وبينها القليل غيَّرَ وجهته أو عاد أدراجه، وسيكون حبّ الأهل والأبناء سببًا في انحراف بعضهم عن الطريق، وسيكون حبُّ الراحة والدعة سببًا عند البعض الآخر، وفئةٌ بسبب الخوف، وآخرون بسبب مشاعر الحسد والغيرة.. هناك كثيرون عزموا على تحقيق غاية مثالية، ولكنّ السفينة فاتتهم في اللحظة الأخيرة لأنهم تعثّروا في أشياء صغيرة جدًّا.

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف: “أَلَا إِنَّ بَنِي آدَمَ خُلِقُوا عَلَى طَبَقَاتٍ شَتَّى، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ مُؤْمِنًا وَيَحْيَا مُؤْمِنًا وَيَمُوتُ كَافِرًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ كَافِرًا وَيَحْيَا كَافِرًا وَيَمُوتُ مُؤْمِنًا[3]، أي إنه لا يجدر بأحد أن يأمنَ عاقبته؛ حتى إن العلماء أكدوا على العلاقة المتلازمة بين أن يأمن الإنسان عاقبته وبين الكفر؛ فكما أن اليأسَ قد يؤدي إلى الكفر فكذلك الشعور بالأمان المطلق قد يؤدي إلى الكفر أيضًا، وكما يُطْلَبُ من المؤمن ألّا ييأسَ أو يقنط من رحمة الله، عليه في الوقت نفسه ألا يفقد الخوف والخشية.. وباستقراء حياة الأولياء الصالحين يتبيّن أنهم عاشوا حياتهم بين الخوف والرجاء.

إذا أردنا أن نعيش حياة مستقيمة فعلينا أن نتنبّه إلى الكلمات التالية للأستاذ بديع الزمان: “إن الأمور الخيرية المهمة والعظيمة تعترضها موانع وعقبات مضرّة للغاية، فالشياطين يكدون أنفسهم ويجهدونها مع خدام تلك الدعوة المقدسة، لذا ينبغي الاستناد إلى الإخلاص والاطمئنان إليه في مواجهة تلك الموانع والشياطين”[4].. فلمَ يتعرض الشيطان لمن لا يعمل؟! فهو في الأساس يتحرّك وفق خطط الشيطان ومشاريعه دون أن يأخذ أمرًا بذلك، أما لو أنكم كنتم تعملون على إقامة صرح روحكم، ونفع الإنسانية، فلن يترككم شياطين الإنس والجن وما تفعلون، بل وسيبذلون قصارى جهدهم كي يُضلّوكم عن السبيل.

   ترصُّد الشيطان لخدام تلك الدعوة المقدسة

وقد رُوِيَ في الأثر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل الشيطان عن أبغض خلق الله إليه، فأجابه: “أنت”. لماذا؟! لأنه صلى الله عليه وسلم هو الإنسان الذي سيقيم صرح روح الإنسانية جمعاء؛ فصار صلى الله عليه وسلم الهدف الأكبر لشياطين الإنس والجن، وعلى الرغم من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نشأ في مركز الكرة الأرضية، وينتسب إلى عائلة قوية، إلا أنهم أجبروه على الهجرة من مكّة.. وليس هو فحسب، بل حينما ننظر إلى تاريخ الأنبياء العظام نجد أن كثيرًا من الأنبياء مثل سادتنا إبراهيم وموسى ولوط عليهم السلام قد تعرّضوا للعاقبة نفسها؛ فلم يُسمح لهم بالعيش حيث نشؤوا.. ولا يختلف عن هذا ما تعرّض له أيضًا عظماء التابعين المخلصين للأنبياء على مرّ التاريخ، ومن أقرب هذه الشخصيات إلى عصرنا هذا الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي الذي طاردوه من منفًى إلى آخر، وهو الذي قال تعبيرًا عما لقيه وتعرض له من إيذاءٍ وقسوةٍ وغلظةٍ: “لم أذق طوال عمري البالغ نيّفًا وثمانين سنةً شيئًا من لذائذ الدنيا؛ قضيت حياتي في ساحات الحرب، وزنزاناتِ الأَسر، أو سجون الوطن ومَحاكمِ البلاد؛ لم يبق صنف من الآلام والمصاعب إلا وتجرّعتُه، عوملتُ في المحاكم العسكرية العرفية معاملة المجرمين، ونُفيت وغُرِّبْتُ في أرجاء البلاد كالمشرّدين، وحُرِمْتُ من مخالطة الناس في زنزانات البلاد شهورًا عديدة، وعُرِّضْتُ للتسميم مرارًا، وعُرِّضْتُ لإهانات متنوِّعة”[5].

وحين نضع كل هذا في عين الاعتبار ندرك كيف يواجه المخاطرَ والصعابَ أولئك المنفتحون على ربوع العالم بروح التضحية والتفاني.. فإنهم حتى وإن وصلوا إلى قمة الإخلاص إلا أن الشيطان يسعى كي يُزلَّ أقدامهم أينما كانوا، ويعترض طريقهم بجميع حيله ومكائده، ولا يتركهم وشأنهم ولو للحظة واحدة، وإنما يستخدم أدواته جميعها محاولًا أن يُزِلَّ أقدامهم، كما أنه يجب ألا ننسى أنه كلما زادت منافع الشيء ومكاسبه كلما عظم خطره وغُرمه، ومن يسقط من قمة برج الإخلاص قد يتردّى -حفظنا الله- في هاوية سحيقة، ومن يعرف الله تعالى ورسوله ودينه وتديّنه قد يخسر في وقت هو أدعى للكسب إذا تخلى عن إقامة صرح روحه وبدأ يركض وراء رغباته البشرية والجسمانية.

ولهذا السبب يجب أن يثبُت المتفانون ويصمدوا، ويُوصِدوا جميع الأبواب أمام أهواء النفس ومكائد الشيطان، وألا يلطّخوا سمعة الخدمة وعفتها.. فعندما يضلُّ منْ مهد اللهُ لهم السبيل وأنعم عليهم بالإمكانات ليضطلعوا بخدمات مهمّة لتنظيف وجه العالم المشوّه؛ فإن ضلالهم هذا لا يقتصر على أنفسهم فقط، بل يعتدي أيضًا على حقوق كلِّ من يسيرون معهم في السبيل نفسه، وبالتالي فقد شوّهوا أعمال البر والإحسان التي تحقّقت بمساعي وجهود الآلاف وربما جهود الملايين من الناس، فلو أننا لا نريد أن نكون سببًا في مثل هذا الدمار الكبير يتوجّب علينا أن نتكاتف مثل أحجار القبة ونتعاضد، ونواصل المسير في الطريق الصحيح دون أن ننهزم لأي زلل أو سقوط.

***

[1] عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَجُلًا ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَثْنَى عَلَيْهِ رَجُلٌ خَيْرًا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “وَيْحَكَ، قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ –يَقُولُهُ مِرَارًا– إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ مَادِحًا لَا مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ: أَحْسِبُ كَذَا وَكَذَا، إِنْ كَانَ يُرَى أَنَّهُ كَذَلِكَ، وَحَسِيبُهُ اللَّهُ، وَلَا يُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا“. (صحيح البخاري، الأدب، 54؛ صحيح مسلم، الزهد، 65)

[2] هو القسم السادس من المكتوب التاسع والعشرين من كتاب “المكتوبات” للأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي، ويعني الأستاذ بـ”الهجمات الست”: حبّ الجاه والشهرة، والخوف، والطمع، وفكرة العنصرية، والأنانية والغرور، وحب الراحة والدعة.

[3] سنن الترمذي، الفتن، 26.

[4] بديع الزمان سعيد النورسي: اللمعات، اللمعة الحادية والعشرون، ص 221.

[5]  بديع الزمان سعيد النورسي: سيرة ذاتية، ص 491.

التدين الحقيقي واكتساب الهوية السليمة

Herkul-ARB | | العربية

 سؤال: ما الذي يجب على المؤمن أن يراعيه إذا ما تعرّض لمعاملةٍ فظّة أو كلمةٍ نابية، كيلا يصيب هويته أيّ تصدّعٍ أو انكسارٍ؟

الجواب: الهوية في اصطلاحنا تعني استمراريّة أداء الأعمال والعبادات الإسلاميّة وفقًا لشعور الإحسان؛ أي أنْ نعبد الله كأننا نراه، فإن لم نكن نراه فإنه يرانا، وأن يكون هذا الشعور بمرور الزمن جزءًا لا يتجزّأُ من طبيعتنا، وهذا ما يمكن أن نسميه بـ”الهوية الإسلامية”، فهويةُ المؤمن تعني إذًا أن يوثّق صلتَه بربه سبحانه وتعالى، وأن يبدي كمال التقدير والتوقير لمفخرة الإنسانية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بما يليق بمنزلته عليه الصلاة والسلام، وأن يؤدّي ما يقع على عاتقه من وظائف فردية أو أسرية أو اجتماعية على الوجه الأمثل، وأن يسعى جاهدًا لتكون حياتُه كلّها على هذا المنوال، إذًا فالهويّة عندنا هي انتماء إلى الإحسان.

التدريب بالنوافل

واكتساب مثل هذه الهوية مرهونٌ بما يُبْذَلُ من جهدٍ جهيدٍ وسعيٍ حثيث، غير أن المحافظةَ عليها طوال حياته أمرٌ جدّ عسير، وهذا يقتضي من المؤمن ألا ينزل عن صهوة جواده أبدًا، بل ينشدُ دائمًا مثل هذه الصعاب، فها هو النبي صلى الله عليه وسلم يذكرُ أن سورة “هود” قد شيبته، فيقول: “شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا[1] و”هودٌ” هذه هي التي تحتوي على قول الله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ (سُورَةُ هُودٍ: 112/11).

ومن ثم فعلى المؤمن الحقيقيِّ أن يتَّخذَ من الدنوّ إلى ذلك الأفق الذي عاشَه سيّد السادات صلوات ربي وسلامه عليه -قدر استطاعته- غايةً عُليا وهدفًا منشودًا، فلو درّب نفسَه على أداء العبادات جاعِلًا هذه المسألةَ جزءًا لا يتجزَّأ من طبيعتِه؛ فسيخفِّف قدرًا ما من العبء الذي تنوء به إرادتُه، ويتمكّن من أداء باقي التكاليف بشكلٍ أكثر يسرًا وراحة.

وإنّ النوافل لتؤدي هذه المهمّة، فمثلًا قد يثقل على النفسِ صيامُ شهرٍ متتابع في أيام الصيف الطويلة الحارّة، ولكنَّ صاحب الشريعة صلى الله عليه وسلم -كما هو معلوم لدى الجميع- قد أوصانا بصيام ثلاثة أيام من كل شهر ويومي الإثنين والخميس من كل أسبوع[2]، فمَنْ يتعوّد على صوم النافلة في الأيام المعتدلة يسهل عليه مقاومة الجوع والعطش في أيام الصيف الطويلة الحارة، ويمكنه أن يؤدّي بعون الله فريضةَ الصوم بشكل أيسر.

ويسري هذا الأمر على الزكاة أيضًا، فقد فرض الإسلامُ الزكاةَ -بربع العُشر أو نصف العشر أو العشر أو الخُمس- في مال المسلم حسب نوعه، فلو لم يمرِّن الإنسانُ نفسَه على إيتاء الصدقات تطوّعًا -وإن بقدرٍ يسير- شقَّ عليه أداء الزكاة التي افترضها الإسلام، ولكن لو عوّد نفسَه على التصدّق -ولو بالقليل- رويدًا رويدًا إلى أن يجعل هذا الأمر جزءًا من طبيعته، فلن يستصعِبَ دفع الزكاة التي أمره بها ربُّه.

وعلى نفس المنوال إنْ تحيّن الفرد أداء صلاة النافلة في أيسر الأوقات وأنسبها بالنسبة له، وجعل أداءَها جزءًا من طبيعته فسيتيسر عليه فيما بعد أداء صلاة الصبح والفروض الأخرى في الأوقات التي تشقّ على النفس عادةً، كما سيتمكن من اجتياز المعوّقات التي اصطنعَتْها نفسُه وهواه، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف: “إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ لِكُلِّ نَبِيٍّ شَهْوَةً، وَإِنَّ شَهْوَتِي فِي قِيَامِ هَذَا اللَّيْلِ”[3].

فالنبي صلى الله عليه وسلم يسلّط الضوءَ هنا على فكرة العبادة التي غدت جزءًا لا يتجزّأ من الطبيعة الإنسانية ولا تقبلُ الانفصام عنها، وكأنه صلى الله عليه وسلم يريد أن يقول: “إنني أتلذّذ بعبادة ربّي كما يتلذّذ أحدُكم بقضاءِ شهواته”.

وهكذا فعلى كلّ مسلمٍ أن يحثَّ الخطى جاهدًا ليبلغَ هذا الأفق، ومع العِلمِ أنه ليس بمقدورِ الجميعِ بلوغ هذه الذروة الشامخة، إلا أنّ سلوك هذا الطريق وتغيّي هذه الغاية هو بحدِّ ذاته لَمِنْ أعظم الفضائل والمزايا؛ إذ إن كلّ جهد مبذول في هذا السبيل ليُكتَبُ لصاحبه عبادةً، ويرتقي به درجةً.

ولكم أن تأخذوا بهذه الفكرة نفسِها في الأمور السلبية التي لا بدّ من تجنّبها وتحاشيها، فمثلًا إذا ما تعرض الإنسانُ للأمور المنكرة التي تخدعه بها نفسُه ويفتِنه بها هواه قد يصعب عليه حينئذٍ أن يؤدّي إرادته حقها، ولكن إن اتخذ الإنسانُ لنفسه منهجًا في الحياة، فأوصَدَ الأبوابَ أمام شتّى أنواع المحرمات صغيرِها وكبيرِها، وجعل ذلك بُعدًا من أبعاد طبيعته وفطرته فإنّ الله المتفضّلَ المعين سيُمكّنه من التغلّب على أيّ كارثةٍ تدهوه، حتى وإن تعرض للمنكرات التي تسحر العقول وتكدّر الأبصار، وسيَسْتَلُّهُ مـمّا يحيقُ به دون أن يتلوّث أو يتلطّخ بالأرجاس.

الاستقامة في الأفعال والتصرّفات

وكل ما ذكرناه يسري أيضًا على مسألة علاقة المؤمن بالآخرين. أجل، على المؤمن أن يتوخى أمور الدين في معاملته وعلاقاته مع الخالق أو المخلوق، وأن يجعل هذا الأمر جزءًا من طبيعته، ونقول بمزيد من التفصيل: لو لم يستطع الإنسان أن يجعل من الأخلاق الحميدة -كاحتضان الناس بحبٍّ بغضِّ النظر عن انتماءاتهم، وإغداقِ البشاشة عليهم، وإكرامهم والإحسان إليهم، وإغاثة الملهوف منهم- جزءًا من طبيعته فلربما يتصرّفُ عفويًّا بفظاظةٍ وغِلْظة إذا ما تعرّض يومًا لمعاملةٍ قبيحةٍ لم يكن يتوقّعها، وسيجدُ صعوبةً بالغةً في التقيُّدِ بأسلوبٍ إيمانيٍّ أثناء الردّ على ما لقيه من إهانة، وقد يقع في الخطإ والزلل؛ لأنه لم يعوّد نفسه على مواجهة الإهانات بمثل هذا الأسلوب، ومثل هذه الانحرافات في السلوك والتصرفات قد تخلّ بثقة الناس في ذلك الشخص واعتمادهم عليه، ومن ثم فإن كنا نرغب في جعلِ أنفسنا محلَّ ثقةٍ لمن حولنا فعلينا أن نجعل من العبادات وتجنُّبِ المحرمات وحسن المعاملة بعدًا من أبعاد طبيعتنا.

ورغم كل شيءٍ فقد تصيب هويّةَ الإنسان أحيانًا بعضُ التصدُّعات والانكسارات وفقًا لوقع الحادثة وشدّتها، وقد ينجمُ هذا الانكسار في الهوية أحيانًا عن غيرة الإنسان الدينية، وأحيانًا أخرى عن الافتراءات والإهانات التي يوجّهها البعض لذلك الإنسان والتي تفتقر إلى الإنصاف، وأحيانًا أخرى من إثارة نزعة هذا الإنسان وحساسيته، وإزاء هذا الموقف قد يتعكّر تلقائيًّا مزاج المؤمن، وقد تقع الكثير من المشاحنات والمنازعات، فتنكسر القلوب وتوغر الصدور، لكن علينا ألا ننسى أن القيام بردّ فعلٍ لا يتّسق مع طبيعتنا سَيُخِلُّ بثقة الناس فينا، ومن ثمّ يجب على المؤمن الحقيقي ألا يتخلى عن هويته إزاء أي تجاوز أو إهانة منحطّة، وإن كان لا بدّ أن يردّ فليردّ بأسلوبٍ يليق بالمؤمن الذي يمثّل أنموذجًا للأدب والأخلاق.

أبطال الصبر أرباب الهوية

الحقيقة أنَّ المؤمنين سُمح لهم في القرآن الكريم بمقتضى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (سُورَةُ النَّحْلِ: 126/16) الردُّ بالمثل على ما يتعرضون له من اعتداءات، ورُخّص لهم في ذلك، ومع هذا فإنَّ الحق تعالى يُخاطِبُ أرباب الهويّة الرفيعة في ختام الآية قائلًا: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ (سُورَةُ النَّحْلِ: 126/16).

ذلك لأن الإنسان الذي يُصاب في حياته -ولو مرة واحدة- بالتصدُّعِ في هويّته يكون قد هزَّ ثقةَ مخاطبيه فيه، كما يكون قد فتح البابَ لأخطاء لاحقة، ومَن تتشقّقُ هويّته على هذا الشكل يكون عُرضةً للخطإ التلقائيّ والزلل العفوي، لذا فمن الواجبِ حمايتها دائمًا وأبدًا، وألا نسمحَ بانتهاكها أو تصدّعها مهما تنوّعت الظروف والأحوال.

فعلى الأرواح الناذرة نفسَها لخدمة الإيمان والقرآن والمتعلقة بها قلبيًّا أنْ تحافظ على آفاق الحبِّ والتسامح في كل مكان، وألا تُغيّر منهجها ولا اتجاهَهَا حتى في مواجهة أدنى وأحقر الاعتداءات التي قد تتعرّض لها؛ ويُشيرُ إلى هذا “يونس أمره” بقوله: “قَابِل الضاربَ بالصَّفحِ، والسَّابَّ بالعفوِ؛ فينبغي ألّا يكونَ الزاهدُ جَزِعًا!”، وأنتم أيضًا يمكنكم أن تستخدموا العبارة نفسها ولكن تغيروا شطرها الأخير ليكون هكذا: “فينبغي ألَّا يكونَ طَالِبُ القرآن جَزِعًا!”. أجل، ينبغي لهم ألّا يكسروا قلبًا وإن كُسرت قلوبهم، وألّا يُؤْلِموا وإن أولِمُوا؛ لأن الذي يتألَّمُ ويتأذَّى باعتبار النتيجة هو القلبُ، والقلب -حتى وإن لم يكن كذلك في الحقيقة- هو عرش الرحمن باعتبار ما فيه من معانٍ كامنة، وبتعبير آخر: فإن القلب يُعتبر بذرة أو نواة تُنبتُ شجرةً، والحقيقة أنه قد لا تُكتشفُ هذه القيمة الرفيعة -التي تعتبر نواةً بالنسبة للبعض- ما لم تبذر في أرضٍ خصبة، وما لم يتوفّر لها المناخ الملائم، وما لم تتعانق مع أشعة الشمس، لذا أربأُ بكم عن التصرّف غير اللائق تجاه هذا المخلوق العظيم الذي خلقه الله كمثالٍ مصغّرٍ لعرش الرحمن.

ويتبادر إلى الذهن حول هذه النقطة مباشرةً تساؤلٌ: “حسنًا، هل يصمت المؤمن أمام الشرور والمساوئ، وكيف يتصدّى لها؟”، أولًا: من الواجب على المؤمن أن يعلم أنه إنما يتصدّى للتصرُّفات والسلوكيّات السيئة لعينها هي لا لِعينِ مرتكبيها، فلا بدّ أن يواجه الجهلَ والإلحادَ والنفاق والتمرّدَ مثلًا كي يزيلَ ما يقتلُ قيمةَ الإنسان المعنويّة من صفاتٍ وما يقهرُها من سماتٍ، وبتعبير آخر يجب على المؤمن أن يشعر في مواجهة ذوي الصفات السلبية بنفسِ القلق والاضطراب والحرصِ الذي يشعر به تجاه أولاده السائرين نحو جرف هارٍ، أو الذين ينزلقون نحو الهاوية، ويتَقطّعَ حزنًا وخوفًا عليهم، وعليه أن يسعى جاهدًا دون كلَلٍ أو مللٍ لإرشادهم إلى الطريق الصحيح بتوصياته وتحذيراته، ويصوِّرُ لنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الوضع تصويرًا تمثيليًّا رائعًا فيقول: “مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَوْقَدَ نَارًا، فَجَعَلَ الْجَنَادِبُ وَالْفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهَا، وَهُوَ يَذُبُّهُنَّ عَنْهَا، وَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، وَأَنْتُمْ تَفَلَّتُونَ مِنْ يَدِي[4].

أجل، إنّ المؤمن الحقيقي رمزٌ للرحمة والشفقة، والسؤالُ يطرحُ نفسَه بنفسِه عليكم؛ هل -باعتباركم مـمّن يمثّل الرحمة والشفقة على وجه البسيطة- إذا رأيتم إنسانًا يتّجه ويندفع هاويًا نحو جهنم تقولون: “فلتذهب نفسك إلى الجحيم! ما دمت تريد الذهاب إليها، فعجّلْ إذًا؟”، أم أنكم تحاولون إثنَاءَهُ عن هذا الطريق السيئ الذي يسلكه فتفعلون مثلما فعل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتسْعَون إلى إنقاذه من المناخ والبيئة التي هو فيها؟ إن الخَيَارَ الأوّل هو خيارُ مَن اسودّ ضميره وأظلمَ وجدانه، أما الثاني فإنه صفة المؤمن الحق؛ لذا فالتصدّي للأوصاف السيئة كما أنه غايةٌ في الأهمّيّة والنفعِ بالنسبة للإنسانيّة فهو كذلك في غاية الأهمّية لمن ينشدُ رضوان الله تعالى.

نسأل الله تعالى أن يجعلنا جميعًا من أولئك الملتزمين بالدين حقًّا، الذين تَشَرّبوا الإسلام في قلوبهم صدقًا، وجعلوه ديدنهم، واستمدوا منه هويّتهم، حتى في مواجهة أكثر الحوادث سلبية وسوءًا.

 

[1] سنن الترمذي، تفسير القرآن، 56؛ مصنف عبد الرزاق، 368/3.

[2] انظر: صحيح البخاري، الصوم، 56، أحاديث الأنبياء، 37؛ صحيح مسلم، الصيام، 181.

[3] الطبراني: المعجم الكبير، 84/12.

[4] صحيح البخاري، الأنبياء، 40؛ صحيح مسلم، الفضائل، 17، 19.