Posts Tagged ‘عصر السعادة’

ضوابط التأويل الصحيح للدين

Herkul | | العربية

إن العملَ على نقلِ نمطِ الناسِ في الحياة أثناء عصر السعادة (عصر النبوة) إلى يومنا الحاضر حرفيًّا بالضبط، ومحاولةَ تطبيقه بعينه دون أدنى تغيير أو تعديل قد لا يتناسب مع روح الدين، كما أنه ربما يُفضي إلى نزاع وخلاف أيضًا، فما يجب القيام به هو استيعاب الفلسفة الأساسية للسنة استيعابًا جيدًا، ووضعُ الحلول للمشاكل اليومية بما يتناسب مع ظروف الزمان الذي نعيشه انطلاقًا من النقاط التي سكت عنها الشرع ولم يقطع فيها بحكم، وعند النظر إلى السيرة بهذه النظرة يمكن حينئذ أن تُستنبط المبادئ والقواعد المهمة بالنسبة ليومنا الحاضر من إستراتيجية الرسول صلى الله عليه وسلم في الحرب والسلم، ومن منهجه في الإرشاد والتبليغ، ومن مفهومه للحكم والإدارة، أو من إجراءاته الخاصة بالفتوى والقضاء.

لا جرم أننا نمتلك قيمًا عالميةً، ولكن المهم هو القدرة على تفسيرها وفقًا للظروف الراهنة، قد تكون الحياة التي نرغب أن نعيشها موجودةً في الماضي وإن كانت على نحوٍ ومسارٍ مختلف، ولكنكم إن لم تميزوا بين مسار الماضي ومسار الحاضر تمييزًا جيدًا، وتجاهلتم الفروق التي بينهما؛ فيستحيل أن تحققوا الرغبات والأهداف، فعلينا ألا ننسى الحاجة الملحّة لتنوّع الصيغ والأساليب، وضرورة إعادة النظر في بعض الحلول الجاهزة التي أمامنا.

ومع هذا فليُعلَمْ جيدًا أنه ليس من السهل تفسير الأحكام الأساسية والقيم التي توارثناها وفقًا للأوضاع الحالية والظروف الراهنة، وأنه كثيرًا ما وقعت أخطاء جسيمة للغاية في هذا الشأن، ولا سيما أنه كثيرًا ما تحدث سقطات وأخطاء عند السعي إلى حل المشاكل بإبراز القناعات الذاتية، والتمسك بزمام الآراء الشخصية.. أما السبيل لتقليل هذه الأخطاء المحتملة إلى أقل قدرٍ ممكن فهو إحالة هذا الأمر إلى هيئةٍ تتولى مطالعته ومذاكرته؛ لأن بوارق الحقائق تسطع من تداول وتبادل الأفكار.

إننا وإن كنا على علم جيّد ببعض القضايا فمن غير الممكن أن نعرف عنها كلَّ شيء لا سيما في عالم اليوم الذي تعقدت فيه الحياة كثيرًا، فقد تقصر رؤانا أحيانًا؛ وبالتالي ربما لا نستطيع النظر إلى الأحداث نظرة شمولية كاملة.. وربما لا نمتلك معلومات كافيةً بشأن كل المجالات المتعلقة بالموضوع الذي نشتغل به، والأدهى من ذلك أننا قد ننساق أحيانًا وراء أنفسنا ورغباتنا وأهوائنا، وربما لا نستطيع معالجة الأحداث في إطار منطقية القرآن الكريم، ولا تقويم كل مسألة نتناولها وفقًا للمعايير السليمة التي وضعها القرآن والسنة، فما نراه مصلحةً ونفعًا ومعقولًا بالنسبة لنا قد يدخل في باب المصلحة المردودة (أي التي لا تشهد النصوص الشرعية لنوعها ولا لجنسها بالاعتبار)، وبالتالي ربما نصدر أحكامًا تتعارض مع روح الدين.

وهكذا فإن السبيل إلى الانسلاخ من كل هذه المحاذير هو الاستعانة بالوعي الجمعي، وعليه فلا يُقطَعُ في أمرٍ ما إلا انطلاقًا من مبدإ الشورى، فلو أنكم تمررون قراراتكم وآراءكم من مصفاة الشورى، وتضبطون أفكاركم الشخصية بوجهات نظر الآخرين فقد يتسنى لكم حينئذ العثور على الرأي السديد والقرار السوي الصحيح، فقد بيّنَ سلطان الكَلِمِ صلى الله عليه وسلم أنه: “مَا خَابَ مَنِ اسْتَخَارَ، وَلَا نَدِمَ مَنِ اسْتَشَارَ[1].

من جانب آخر فعندما نتناول القضايا الدينية لا بدّ لنا من الوقوف حيث وقف الصحابة رضوان الله عليهم والسلف الصالح، إلى جانب الحرص على عدم انتهاك أحكام الدين المحكمة الثابتة عند تقديم آرائنا في القضايا الصالحة للتفسير والتأويل، أو عند الإتيان بتفسيرات تتناسب مع ظروف الزمان.. فلا ينبغي أن تسوقنا إلى إساءة الأدب مع علماء السلف، ولا سيما الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، لأن هذه الأنشطةَ الذهنية والعقلية التي نبغي من ورائها إيجاد حلول للمشاكل اليومية؛ إذا انفلتت فيها الأمور من أيدينا فلا ندري إِلَامَ تصير العاقبة، فلو أنكم شرعتم في الأمر اليوم بمساءلة الصحابة ومحاكمتهم فسيأتي يوم تتطاولون فيه -لا قدّر الله- على مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم، وتنظرون إليه -حاشاه- على أنه “ساع للبريد”.. بل قد لا يقتصر الأمر على ذلك، ويمتد إلى القرآن الكريم، وليس بقليل عدد أولئك الذين ينظرون اليوم إلى القرآن على أنه نصٌّ تاريخي، ويرونه مجرد كتابٍ يخاطب أفهام الناس الذين كانوا يعيشون قبل أربعة عشر قرنًا من الزمان، وبالتالي يحاولون تبديل الكثير من محكماته.

وإن السعي إلى إبراز الذات اعتمادًا على العادات والكماليات والآراء المختلفة قد يقود إلى بعض الآراء الهامشية المنافية لروح القرآن الكريم، وكذلك فإن اعتبارَ نمط الحياة الذي يفرضه العالم الحديث أمرٌ لا يمكن التخلص منه أو لا يمكن تعديله وتغييره، أو الاعتقاد باستحالة إعادة بعض الممارسات التي ابتعدت عن أصلها إلى مدارها الصحيح مرة أخرى، أو الاعتقاد بأنه يستحيل أن تُغرس في المجتمع من جديد بعض القيم المنسية المهملة؛ كلُّ ذلك قد يبدو من المبررات الأخرى لما يحدث في هذا الشأن من انحرافات وانزلاقات.

ومن الأسباب التي تكمن وراء هذه الفكرة عدمُ الإيمان كما يجب بعناية الله ورعايته، وعدمُ الثقة بقدر كافٍ بالقيم المتبناة والحقائق المسلّم بها، في حين أن قدوتنا ومثلنا الأعلى في هذا المجالِ هو رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقد أنشأ صلى الله عليه وسلم من مجتمعٍ جاهليٍّ يسود فيه كل أنواع الظلم والوحشية أمّةً تربّي العقول والقلوب، ورفعَ هؤلاء الجاهليين الغلاظ المفتقرين إلى قواعد السلوك إلى مرتبة معلمي الحضارات.

ومن الخطإ الجسيم الاعتقاد بأن المشاكل لن تُحلّ إلا بجهودنا ومساعينا أنفسنا، أو أن نعدّ الطريق إلى بعثٍ جديدٍ بعد الموت محصورًا بقوتنا وقدراتنا، وما يقع على عاتقنا هو القيام بواجبنا ومسؤوليتنا وعدم التدخل فيما يقتضيه شأن الربوبية، ثم الاعتماد فيما بعد على قوة الحقيقة، والإيمان الكامل بمزيد عناية الله تعالى ورحمته.. ومن المؤكد أن الله تعالى القوي القدير ذي العزة والجبروت سيبارك جهودَنا الضئيلة، وسيمدنا بمدده عند عجزنا وتقصيرنا؛ ومن ثم فإنه ينبغي لنا ألا نتلاعب بالحقائق بالنظر إلى عجزنا وضعفنا، وألا نبتعد عن القيم التي نتبناها بحجة مواكبة الحياة المعاصرة.. لا بد من الإيمان بقوة القرآن، والاستناد إليه، وعدم تحريف أحكامه ظانين أننا بذلك سنجد الحل للمشاكل التي تواجهنا.

ولا ننسَ أنه كما لا يُستَصْغَرُ شيءٌ من البرّ والثواب، فكذلك لا يستصغر شيء من الخطإ والذنوب.. وكما أن هناك أمورًا صغيرةً -مثلما ورد في الحديث الشريف- يمكنها أن تكون سبيلًا لخلاصِنا ونجاتِنا مثل تبسُّم الإنسان في وجه أخيه، وإماطة الأذى عن الطريق؛ فكذلك هناك أخطاء صغيرة لا نأبه بها ونستصغرها قد تُلقي بنا إلى أسفل سافلين، وعلى ذلك يجب قياس كون الشيء هينًا أو عظيمًا بالنظر إلى نتيجته، وأحيانًا ما تنتج الزاوية الصغيرة التي في المركز زاوية كبيرة على الخط المحيط، والقرار الخاطئ من الرماة حين تركوا مواقعهم على الجبل رغم تحذير رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم من فِعْلِ ذلك كلّفَ الكثير من الصحابة حياتهم، وقد تتسبّب أخطاءُ المغامرين في مشاكل كبيرة للأمة قد يصعب التغلب عليها، وبالمثل فإن الأخطاء التي قد يرتكبها من يتبوّؤون مقامًا يسمح لهم بفهم الدين وتفسيره، قد تؤدي إلى انحرافات كبيرة يصعب تلافيها في المستقبل.

ثمّ إنّ مواقف وسلوكيات الأشخاص الذين يوجِّهون المجتمع بصفة خاصة ويأخذون زمام المبادرة في مثل هذه الأمور مهمةٌ للغاية؛ لأن الخلف يكونون على إثرهم، فإن أحسنوا السيرَ قصَّ هؤلاء الخلفُ إثرهم، ولكن لو اقترف السلف بعض الأخطاء فلن تقتصر هذه الأخطاء عليهم، بل ستعمّ وتتفاقم، فمن المؤسف أنه من بين الأسباب المهمة الكامنة وراء مشاكلنا الحاضرة هو عدمُ استيفاءِ البعضِ ممن هم في الطليعة بحقوق المقام الذي يتبوؤونه، وعدم قدرتهم على التفكير فيما يتطلبه هذا المقام، ولذلك فإن انحرافاتهم الفكرية قد تؤدي إلى انهيارات كبيرة عندما تتلقّفها القاعدة الشعبية، فإذا كانت استقامة التفكير والتصرفات مهمة بالنسبة للجميع، فهي أكثر أهمية بالنسبة لمن هم في الطليعة.

***

[1] الطبراني: المعجم الأوسط، 6/365؛ المعجم الصغير، 2/175؛ القضاعي: مسند الشهاب، 2/7.

الماضي والحاضر والمستقبل

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: تولون أهمية كبيرة لتقييم الماضي والحاضر والمستقبل من منظور مخروطي، فكيف نطبق هذه الحقيقة على حياتنا أفرادًا ومجتمعات؟

الجواب: الماضي والحاضر والمستقبل ثلاثة ظروف زمنية متباينة عند من يعيش اللحظة الراهنة فحسب، أما من يستطيع أن يتجاوز ظرف الزمان فهي عنده ثلاثة أوجه لشيء واحد؛ وأمَّا من يستثمر كل شيء لصالح متعه الجسدية فيؤثر أن يحيا حياةً ماجنة في الوقت الراهن، ولسان حاله يقول:

لا تَشغل البَال بماضي الزمان
ولا بَآتي العيش قبلَ الأوان
واغنم مِن الحاضرِ لذّاتهِ
فليسَ في طبعِ اللَّيالي الأمان1

وأمّا السائحون في أفق القلب والروح فيحيطون بالظروف الثلاثة مجتمعة، ولا يفدون واحدًا منها بآخر ألبتة؛ فإهمال أحدها سيُحدث شرخًا خطيرًا جدًّا؛ فمثلًا من ينفصلون عن ماضيهم ولا يستثمرون الحاضر أنّى لهم أن يَعمروا مستقبلًا جديدًا؟ ولما قال “ضياء كوكالب”2 لـ”يحيى كمال”:3

عينُكَ على ما فات ولستَ ما هو آتي             فأنت خرابيٌّ لا خراباتي4

ردّ يحيى كمال الذي يُحافظ على علاقته بالماضي من ناحية ما

إنني آتٍ جذوره ضاربة في الماضي                         فلستُ بخرابي ولا خراباتي

 

المضيّ إلى المستقبل بدافع من الماضي

الماضي مليءٌ بنماذج كثيرة جميلة مثيرة تجعل أصحاب الخيال والتنبؤات المستقبلية يُفعمون بالأمل، وفي قصص الأنبياء المذكورة في القرآنِ الكريم وصحيحِ السنة أمثلة تلفت النظر إلى هذه الحقيقة؛ وأعظم هذه الأمثلة ما ورد في حياة سلطان الأنبياء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ تعلمون أنَّه صلى الله عليه وسلم جاء في فترةٍ غشيت الإنسانيةَ فيها ظلماتٌ كثيفة، ووحشيةٌ مضاعفة، واستبدادٌ مفرط، وجهل مدقع، أي إن العصر الجاهلي كان يجهل جواب هذه الأسئلة: “مَن نحن، ومِن أين جئنا، وإلى أين نسير؟”، ويجهل أنه جاهل بها، وسادت في كل مكان صولة وعنوة؛ فالقوي يأكل الضعيف، ويفرض آراءه على الناس، فيتلوّث المجتمع في مشاعره وأفكاره وأحاسيسه؛ ولما راح محمد عاكف رحمه الله يرسم تلك اللوحة المظلمة قال

كان في الناس ما في الضباع من الشراسة أو تَزيد

فالأخ يأكل أخًا له أدردَ أي يُبيد

وجابت الفوضى مشارق أرضنا والغرب البعيد

فاستفحلت الفُرقة فينا وأتت على بنياننا في الشرق الوحيد

ولما جاء مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم أطاح في حملة واحدة بالقياصرة والأكاسرة، وأنقذ البشرية من هذا المناخ المظلم المدلهمّ؛ أجل، لقد أحدث رسولُنا الأكرم صلى الله عليه وسلم بعون الله ومشيئته تحوُّلًا رائعًا في زمن قصير جدًّا حوالي ربع قرن في عصر خِلْوٍ من وسائل الاتصال المتاحة في عصرنا من صحيفة ومذياع وتلفاز وشابكة “إنترنت”؛ وهذا حدثٌ مدهش حتى قال سيد قطب: إن الأعمال التي اضطلع بها الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام عليهم الرضوان لا وصف لها إلا أنها معجزة قرآنية، فمن رأى الماضي مصدرًا لدينامية كتلك واستفاد منه استنتج أنه إن كان قد تحقق بعثٌ كهذا في الماضي، فلِمَ لا يتحقق بعثٌ من جنسه مرة أخرى اليوم؟

وفي حوادثِ العصورِ التي تلت عصرَ السعادة مصدرُ أملٍ وطاقةٍ لنا أيضًا؛ فمثلًا كلما قوي المسلمون وتبوَّؤوا مكانهم بين مراكز القوى الدَّولية، تداعت عليهم عدة جبهات معادية؛ فغزاهم المغول في عصرٍ ما، والصليبيون في عصر آخر، وما إن اندحر واحد حتى تسلط علينا آخر، لكن في كل عدوان كان المعتدون يصطدمون بأسوار الإسلام المنيعة التي لا تتهدم، ويرتدون على أدبارهم بإذن الله وعنايته، ويتفرق جمعهم؛ ومن تلك الأسوار آلب أرسلان، وقليج أرسلان، وصلاح الدين عليهم رحمة الله ومغفرته؛ وكم ارتدينا أكفاننا -نحن أمة الإسلام وتأهبنا للموت- فإذا بوهاد الموت تغدو بإذن الله روضًا أَرِيْضًا، وبساتين وجنّات نتبختر فيها؛ فإذا كنا نرسف اليوم تحت وطأة جبهات كثيرة معادية، أليس من الممكن أن نتجاوزها كلَّها ونُبعَث بعثًا جديدًا؟ ولِم لا ترتسم على مُحيّا الإنسانية ابتسامة جديدة؟ ولِمَ لا تتبوأ أمتنا مكانها مرة أخرى بين مراكز القوى الدولية لإقامة الحق والعدل؟

لا بد من قراءة التاريخ بكل صفحاته البيضاء منها والسوداء، وتجنُّبِ إيقاظ أحقاد الماضي وضغائنه!

والنظر إلى التاريخ بهذه العين يكشف كيف أنّ الحق تعالى خلق فراشة من يرقة نشأت في قلب “سُويوت”5، فسادت حفنة -هي بضع مئات من الخيام- العالمَ ولما تمضِ بعدُ مائة وخمسون سنة على نشأتها؛ حتى إنَّ الغرب يطلق فيما بينه على الدولة العلية اسم “الإمبراطورية العثمانية”، وهذا مؤشر على نوع من التسليم بالأمر؛ لأن الدولة العلية صدّت هجومًا عالميًا متعاقبًا بدأ بالحروب الصليبية، ودحرته إلى القارة الأوربية.

فينبغي دراسة هذه الأحداث التاريخية وملابساتها ثم تمحيصها واستخلاص العبرة منها؛ فيُقال إن التمحيص والتدقيق التاريخي من أبرز خصائص سيدنا معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما التي ميزته عن سائر الصحابة، فلطالما طلب من حاشيته أن يستعرضوا له دروسًا من التاريخ؛ ليستنبط منها العبر؛ ولا عجب في وصفنا لسيدنا معاوية رضي الله عنه بهذا. ومع احتفاظنا بحقّ سيدنا علي كرم الله وجهه، وتسليمنا بأن الحقّ معه، فإن سيدنا معاوية رضي الله عنه قد قام بأعمال نافعة كثيرة جدًّا لا يستهان بها للمجتمع الإسلامي؛ منها أن شوكة الإمبراطورية الرومانية ما انكسرت إلا في عهده بفضل الله وعنايته.

ولا ريب أن التاريخ يكرّر نفسه دائمًا وإن لم تقع الأحداث عينها؛ فلو أحسنّا قراءتنا للماضي واستلهمنا العبرة من تكرار الأحداث واستثمرنا حاضرنا بإتقان لَمَضَينا إلى الأهداف التي لا بدّ أن نسير إليها دون تعثّر.

أجل، إن الماضي كنزٌ يجب أن نستفيد منه؛ إلا أن علينا أن نضع نُصب أعيننا أننا فئات شتى في المجتمع، وربما ارتكب بعضنا أخطاء وآثامًا من قبل؛ فجرح البعض منا الآخر وآذاه وأدمى قلبه؛ ومن الخطأ في رأيي تصوير هذه الأحداث بآلامها ومرارتها مجدّدًا كما في الروايات والأفلام، وإحياء الأحداث البائدة في يومنا هذا، وجعلها مثارًا للنزاع والخصام؛ لا جرم أن هذه الأحداث التاريخية قد وقعت جميعها، وهذا لا نزاع فيه؛ لكن من الخطأ استغلالها في مواجهة بعضنا واتخاذها مسوِّغًا للنزاع والعراك؛ ولا نقصد بذلك أن: “علينا أن نُعنَى بالصفحات المشرقة في التاريخ فحسب”، كلَّا، بل لا بد أن تخضع الأحداث التاريخية بحلوها ومرّها للدراسة والتمحيص، حتى نتجنّب تكرار الوقوع في الأخطاء نفسها.

وهذا إنْ دلَّ فإنما يدلّ على أنه ينبغي تحليل ما في تاريخنا من فترات مشوبة بالهموم والأكدار أيضًا، وأن نتقن فنّ تجاوز الأزمات، ولكن لا يفوتنا -ونحن نقوم بذلك- أن نتجنّب إثارةَ ما اندثر من دفين الحقد والبغضاء، وأن نسعى بشفقة ولين لنستثمر هذه العبر والعظات ونتخذ منها عارضًا ضوئيًّا يكشف حاضرنا ومستقبلنا.

 

لا مستقبلَ لمَن لا تصورَ له للمستقبل

أمّا المستقبل فإن القلوبَ المؤمنة بالآخرة يمتد مستقبلها ما بين الغد والحياة الأبدية في الدار الآخرة، وأمَّا مَن همُّهم أن يعيشوا في دعة وراحة فلا يفكرون في ماضٍ ولا مستقبل؛ إذ لا يعتقدون أنّ التنقيب في الماضي سيبلغ بهم الحقيقة، ولا يرغبون بالتفكير في المستقبل لئلا يتكدرَ صفاؤُهم وتفسدَ متعتهم.

والمستقبل ذو قدْر كما الماضي لدى الأرواح التي نذرت نفسها للحقّ تبارك وتعالى، فهؤلاء لهم نحوَ المستقبل آمالٌ وتشوفاتٌ ومُثلٌ عليا وتصوراتٌ وغاياتٌ مثلى، ولا صلةَ لهذه التشوفات بحبّ المنصب وأخذ كلّ منهم نصيبه من نِعم الدنيا خلافًا لما يزعمه بعض الناس، بل إن غايتهم المثلى هي إرساء الحق والعدل في الأرض كلّها، ونشر الأمن والسلام، وتجديد البثّ لمشاعرِ الأخوّة في العالم كافّة، وتطوير ثقافة التعايش مع الآخر في عالمٍ أشبه بقرية صغيرة، وهذا يمهّد لتهيئة جوّ حميمي من الطمأنينة في كل مكان؛ أما مَن يرسف في إِسَارِ الأنانية فقد وقف كلّ شيء على أنانيته ومنافعه الشخصية وملذّاته الزائلة، جاء في رسائل النور: “إذا لم تكن هناك غايةٌ ومُثُلٌ عُليا أو نسيها أصحابُها أو تناسَوها تحولت الأذهان إلى أنا الأفراد وطافت حولها”.

والإنسان الذي خلقه الله في أحسن تقويم هو الماضي والحاضر والمستقبل؛ لذا لا بد أن تكون لمستقبله آمالٌ وغاياتٌ مثلى، وإلا -نسأل الله السلامة- قهرته أنانيته وتعثر؛ فأصبح أنانيًّا أو خِدْنًا للأنا أو نرجسيًّا يُصاب بالدُّوار ويعشَى نظره ويفقد وعيه أمام أي استحسان أو تقدير.

ومَن حدّد لمستقبله غايات مثلى فهو رجل إحياء، وبطل انبعاث، وشخصية شامخة؛ يحاول دائمًا أن يبثّ إلهامات روحه في نفوس الآخرين، ويُعِدّ من اليوم خططًا لمشاريع سيقوم بها في المستقبل، ويسعى سعيًا حثيثًا لتحقيق ذلك بقدر ما تسمح الظروف.

 

الحاضر حِقبة زمنيَّة ذهبيّة

والزمن الحاضر مهمٌّ جدًّا بالنسبة للقلب المؤمن، فهو يعتبر اللحظة التي يعيشها منه حقبة زمنيّة ذهبية؛ فيحاول استغلال الإمكانيات التي مَنّ الله عليه بها في هذه الحقبة الذهبية دون تضييعٍ للوقت؛ والحق أنَّنا في منزلةٍ هدَانَا الله تعالى إليها فاهتدينا، فما علينا إلا استغلال المنزلة التي نحن فيها بفعالية أكثر، حتى لو ألقوا بنا على رأسِ جبلٍ صخريّ أملس لا يُنبت شيئًا ولو عشبًا فلنمسك بمطرقة ومسمار ولنسعَ لاستخراجِ الترابِ من الصخر، ثم ننادِ على من في أسفل الجبل أن أَمِدُّونا بشيء من البذور، نحاول بذلك أن نستنبت تلك المنطقة الصخرية؛ أي لو وُضِع المؤمن على رأس صخرةٍ فعليه أن يستخرج منها الماء كما ضرب سيدنا موسى عليه السلام بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا، ثمّ ليأتِ بتراب وينثر البذور على الصخر

أجل، لا ينبغي أن يكون الإنسان فاتر الهمة في استغلال ما بيده من طاقات، فكم من عملٍ رائع يستطيع كلّ فرد أن ينجزه على أي حالٍ كان

لا بُدَّ أن نستثمر كلّ ما مَنّ الله به علينا بأن نستغلَّ اللحظة الراهنة ليرفرف الإسلام في أفقنا؛ وعلى كلٍّ أن يبذل كلَّ ما في وسعه في هذا الصدد، بل على الإنسان أن يحاسب نفسه دائمًا ويقول: “هل يا ترى قمتُ بما يجب القيام به من أعمال في الوقت الراهن على حسب ما أنعم الله عليّ به من طاقات أم أن مرض الكسل أضناني في هذا الوقت؟

وحمادى القول أن على صُنَّاع فكر المستقبل أن يفكِّروا ويُتقنوا حساب ما يمكن أن ينجزوه من أعمالٍ بحسب ما بأيديهم من طاقات، وأن يستغلّوها بشكل مثمر في تحقيق غاياتهم المثلى؛ وأن يستفيدوا من الحالة الراهنة ويباشروا الأعمال التي يُظنّ استحالة القيام بها ولو في أحلك الظروف؛ لتنعم البشرية بأجواء ربيعية جديدة بفضل الله وعنايته.

 

[1] من رباعيات عمر الخيام.

[2] “ضيا كوك آلب (Ziya Gökalp)” (1875م- 1924م): أحد الكتاب القوميّين في عصره.

[3] “يحيى كمال بَيَاتْلِي (Beyatlı)” (1884م – 1958م): شاعر وكاتب وسياسي تركي مشهور، كان له باع كبير في التاريخ والثقافة العثمانية.

[4] كلمة “خرابيّ” نسبة إلى الخراب، أما “الخراباتيّ” فنسبتها إلى “الخرابات” كلمة فارسية بمعنى الحانة، والخراباتي يأتي بمعنى “الفقير” أيضًا.

[5] إشارة إلى نشأة الدولة العثمانية ومؤسسها عثمان الأول المولود في بلدة “سُويُوْت” (Söğüt) التابعة لمدينة “بِيلَه جِكْ (Bilecik)” سنة 656 هـ/ 1258م.