Posts Tagged ‘الأنانية’

مصيدةُ الأنانيةِ وقوّةُ الإخلاصِ المركزية

Herkul | | العربية

عندما يرى الإنسان نتائج أعماله على أرض الواقع قد يظنّ أنه يقوم بأعمال محمودة، وقد يبدو ذلك عاديًّا وبريئًا جدًّا بالنسبة له، لكن الخطيئة قد تجد مكانًا لها حتى في قلب أكثر المشاعر والأفكار براءة، ومن ذلك على سبيل المثال أنه حين تتسلط على خلايانا العصبية أفكارٌ مثل: “نحن من خططنا لهذا، ونحن من أنجزناه”؛ فإننا قد لوّثنا العمل الذي نقوم به؛ وتستحيل الاستقامة على هذا المنوال، وإنكم إذا ما أنجزتم أشياءَ عظيمةً، وفتحتم عوالم جديدةً، وعثرتم على كنوز في أعماق الأرض ثم حدَّثَتْكم أنفسكم بأنَّ الفضلَ في ذلك يعود إليكم أيضًا؛ فإنكم خاسرون لا محالة.

   استحالةُ الشَّرَاكَةِ في عمليّة الخَلق

إن إرادة الإنسان عامل أساسي عند بدء العمل، ولذا فإن واجبه هو أن يمنحَ إرادته حقها، ويتخذَ جميعَ الأسباب التي تؤدي إلى النتيجة، ويستنفذَ في سبيل ذلك طاقتَه وجهدَه وعزيمتَه.. وبعد أداءِ واجبِه عليه ألا ينسب إلى نفسه النتيجة التي تتحقق كمظهر من مظاهر الإرادة الإلهية، وألا يعتبرها من عند نفسه؛ لأن خالق كل الموجودات والحوادث التي في الكون هو الله سبحانه وتعالى، وعمليةُ الخلقِ هذه لا تحتمل ولا تقبل الشراكة قطعًا، والدخول في فكرة المشاركة هنا -في مسألة إنجاز هذه النجاحات التي أنعم الله بها علينا- إنما هو نوعٌ من الشرك بالله تعالى.

فعندما يبدأ الناس في الاعتقاد بأن النعم التي منَّ الله تعالى بها عليهم إنما هي من عند أنفسهم فإنهم يفقدونها، وحتى وإن استمرّ التوسع بفعل قوته المركزية بسبب الإخلاص الذي كان في بداية الأمر لمدة معينة فإن هذا التوسع يتوقف بعد فترة ما بسبب فقدان الإخلاص، وإنَّ مَنْ يبدؤون في نسبة العمل إلى أنفسهم بعد أن تقلّدوا وظيفتهم المباركةَ بإخلاص لَيَخْسرون حتى وإن كانوا أعظم الأولياء، وسيتعثرون إن عاجلًا أو آجلًا.

لهذا السبب فإن الأستاذ بديع الزمان يوصي بقراءة رسالة الإخلاص مرة كل خمسة عشر يومًا في الأقل[1]، بغيةَ محوِ الشرك الثقيل وهو الأنانية، والابتعاد عنه إلى ما هو أخف منه بدرجة وهو “نحن”، ثم محو “نحن” أيضًا بتفكير أكثر صدقًا، والارتباط بـ”هو” جل جلاله.

إن الطريق الذي نسير فيه هو طريق التوحيد.. طريق إعادة بعث العقائد المتعلقة بوجود الله ووحدانيته من جديد؛ بعد أن تضررت مقوّماته الأساسية على مرّ السنين ونُسيت من قِبلِ الكثيرين، ويجب العلمُ بأن حاملَ فكرةِ الشِّرك لا يمكنه السير في طريق التوحيد، فإنْ هَمَمْتُم وربَطْتُم -في مثل هذا الطريق- بعضَ النجاحات بغير الله وبالأسباب وبأنانيتكم؛ فإن الله تعالى يأخذها من أيديكم شيئًا فشيئًا، وبينما تظنون أنّكم أنْشَأتُم عالَمَكم الخاص إذا به ينهار فوق رؤوسكم؛ فترزحون وتنسحقون تحته أنتم أيضًا.. ولذا فكلّما زادت أنعم الله وإحساناته عليكم كلما توجَّبَ عليكم أن تقووا الصلة والارتباط به عز وجل، وأن تمحوا كل شيء من العقل سوى الله تعالى.

ويلخص الأستاذ بديع الزمان منزلة الأسباب بالعبارات التالية: “إنّ الأسباب حجابُ تصرّف القدرة؛ إذ العزةُ والعظمة تقتضيان الحجابَ، لكنَّ المتصرف الفعال هو القدرة الصمدانية؛ إذ التوحيد والجلال هكذا يقتضيان، لا مؤثر إلا الله وحده”[2]، ويقول في موضع آخر: “فالأسباب لا تأثير لها تأثيرًا حقيقيًّا، وإنما هي ستائر أمام عزة القدرة وعظمتها، لئلا يرى العقل مباشرةً يد القدرة بالأمور الخسيسة بنظره الظاهر”[3]، وكما تبين فالأسباب أستارٌ ليس إلا، وعلى الرغم من أن الإنسان قد شُرِّف بنعمة العقل والتكريمِ و”أحسن تقويم”؛ فإن أفعاله لا تعدو كونَها سببًا، لذلك فإن استبدالَ “هو” بـ”أنا” سوءُ أدبٍ كبير مع الله تعالى.

ولا ينبغي للمرء أن يسمح حتى لأصغر الأفكار الخاطئة بأن تتسلّط على عقله في هذا الشأن؛ لأنها قد تنمو رويدًا رويدًا وتُحوِّل مُعتنِقَها إلى رمز للأنانية، ومَن ينحدرُ إلى هذه الدركة من الشرك يستحيل عليه أن يُحطِّم -بسهولة- هذا الصنم الضخم الذي بناه بيديه.

   إن الله لا يحب من يقول “أنا”

يقول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (سورة الصَّافَّاتِ: 37/96)، ربما لا يشعر الإنسان بهذا دائمًا، وقد يعتبر النتيجة المتحقّقة من عند نفسه أحيانًا، بيد أنه بمجرد أن ينتبه لذلك فعليه أن يستغفر فورًا، ويتجنب الآراء والملاحظات الخاطئة، وألَّا يسمح حتى لخياله أن يتلوث بهذه الأشياء؛ وإلى اليوم لم نرَ من بين مَن يقولون “أنا.. أنا..” مَن حقّقَ نجاحًا أو فلاحًا، وحتى وإن ارتقى أحدهم بعضَ الشيء إلا أنه يقع سريعًا ويخرُّ منكبًّا على وجهه، وينقلب رأسًا على عقبٍ.. فإن تعيشوا الحياة بإحساسٍ وتفحُّصٍ جادّين فستجدون كثيرًا من أعمالكم التي داخَلَتْها الأنانيةُ وأَثنيتُم عليها قد باءت بالفشل، فالله يمقتُ الأنانيةَ ولا يحبّها.. فإذا كنا ننشدُ النجاح فيما نقوم به من خدمات فعلينا أن ننفّذَ أعمالنا كلها في مدار الإخلاص وفلكه.

إن النفس تريد أن ترى ذاتها مستقلة وأن تفخر بإنجازاتها، ولكن النفسَ أمّارةٌ بالسّوء كما قال سيدنا يوسف عليه السلام في القرآن الكريم: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ (سورة يُوسُفَ: 12/53)، ولذا فلا يمكن الوثوق بها، وعندما نقوم بشيءٍ ما من أجلها أو نربط ذلك الشيءَ بها؛ فإننا نقلل من قيمة العمل المنجَزِ ونقضي على تأثيره، إذ إن ما يُقامُ به من أعمالٍ من أجل النفس محكومٌ عليه بأن يكون عقيمًا لا قيمة له في الآخرة أيضًا، ولذلك طالما تحرَّكْتم لصالح النفس فلن تحصلوا على أجر من الله تعالى حتى وإن فتحتم عوالم جديدة.

علاوة على ذلك، فإن هذه المواقف المرتبطة بالأنا حينما تصطدم بالعباد المخلصين فسيصدر عنهم ردّ فعل كاره لها، وستصطدم بكراهيتهم إياها فليس هناك شكٌّ في أنها ستدفع أيضًا مَنْ يسيرون معكم على الخط نفسه إلى الحسد والغيرة منكم، فيجب التذكير أنه بقدر ما يُعجَبُ الإنسان بنفسِهِ وبأعمالِه بقدر ما يبغضه الناس ويرفضونه ويبتعدون عنه.

   عدمُ استعظام العمل عبادةٌ

من ناحية أخرى فإن الأعمال المنجَزَة تُصبح كبيرة وعظيمة -حتى وإن كانت صغيرة- إذا ما نُفّذت بإخلاص، فما يُفعل في سبيل الله لا يكون صغيرًا.. والحقيقة أن نبيَّنا صلى الله عليه وسلم يبين أنه لا ينبغي التقليل من شأن العمل الصالح مهما كان بسيطًا، فقد قال صلى الله عليه وسلم: “تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ، وَأَمْرُكَ بِالمَعْرُوفِ وَنَهْيُكَ عَنِ المُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَإِرْشَادُكَ الرَّجُلَ فِي أَرْضِ الضَّلَالِ لَكَ صَدَقَةٌ، وَبَصَرُكَ لِلرَّجُلِ الرَّدِيءِ البَصَرِ لَكَ صَدَقَةٌ، وَإِمَاطَتُكَ الحَجَرَ وَالشَّوْكَةَ وَالعَظْمَ عَنِ الطَّرِيقِ لَكَ صَدَقَةٌ، وَإِفْرَاغُكَ مِنْ دَلْوِكَ فِي دَلْوِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ[4].

نعم، لا ينبغي أن نقلل ونحقر من شأن أي عمل يُنجزُ من أجل الله، إلّا أنه يجب علينا أن نراه في أعيننا صغيرًا، وهذا المعنى يتوافق مع الدعاء المنسوب إلى نبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم حينما دعا فقال: “وَاجْعَلْنِي فِي عَيْنَيَّ صَغِيرًا وَفِي أَعْيُنِ النَّاسِ كَبِيرًا[5]، إذن يجب على المؤمن أن ينظر من هذا المنظور إلى جميع الأعمال التي يحاول القيام بها، وألا يستعظم أيًّا من أعماله، وأن يستقِلَّ العبادات التي يؤدّيها في سبيل الله، ويستقِلَّ أيضًا معرفته، وكذلك جهودَه في سبيل إعلاء كلمة الله، وألا يرى الوقتَ الذي كرَّسه لله تعالى والجهودَ التي بذلها في سبيل الإرشاد والتبليغ كافيًا وافيًا.. والحقيقةُ أن مثل هذا الرأي يُعتبر عبادةً من زاوية مختلفة، دَعُونا نُسَمِّها “عبادةُ عدمِ استعظام العمل”.. وإن كانت العظمة واردة فإنها في العمل من أجل البشرية وفي ربطه برضاء الله جل وعلا؛ ذلك لأننا نؤمن بأن الله قد يوفق حتى الجهود الصغيرة إلى انفتاحات عظيمة وخيرات كبيرة.

فمثلًا إن بضعَةَ منازل طلابية أنشأتموها بنيَّات صادقة في فترة ما يمكن أن تُصبح وسيلةً لتوسّعات كبيرة في المستقبل، وقد تتحوّل البذور التي بذرتموها إلى فسائل، فتتحوّل إلى أشجار، وتبدأ تمد أغصانها في كل مكان، ثم يتحول العالم إلى بستان وردٍ؛ حتى إنَّ منْ بذر البذور تسيطر عليه الدهشة والحيرة إزاء هذه النتيجة.. يكفي أن تُنجز الأعمال من أجل رضا الله وألَّا يحاول المرء التعبير عن نفسِه من خلالها.

ونتيجة لذلك يمكننا القول إنَّ الله سيوفق مَنْ لا يهتمون بتحقيق فائدة شخصية من وراء أعمالهم الصالحة، ولا يضعون أنفسهم في الحسبان، ولا يطلبون الدنيا، ويتواضعون ويخدمون بإخلاص، وكما ورد في الآية الأولى من سورة الفتح: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ (سورة الفَتْحِ: 1/48)، فإنه سيفتح طريقهم، ويحول الممرات الضيقة أمامهم إلى طرق سريعة واسعة.

من ناحية أخرى فإن من يقول: “إنني أعمل، وأركض، وأهاجر، ثم بعد ذلك أعاني من أنواع الحرمان المختلفة؛ أين مردود كل هذه الجهود والتضحيات؟!”، ويتطلع إلى نسج عالمه الخاص مثل العنكبوت فإنه سوف يقع في شِباكِ هذه الخطوط العنكبوتية التي نسجها، هذه هي مصيدةُ الأنانية، وإذا ما وقع في هذه المصيدة فلن يتمكن من الخروج منها مرة أخرى، وسيكون طعمة للآخرين.. سلَّمَنا الله جميعًا ورزقنا حسن الخاتمة..

ملحوظة: تم إعداد هذا المقال من كلمة ألقاها الأستاذ فتح الله كولن في تاريخ 5 مارس 2010م.

***

[1]  بديع الزمان سعيد النُّرسي: اللمعات، اللمعة الحادية والعشرون، ص 219.

[2] بديع الزمان سعيد النورسي: المثنوي النوري، ص 55.

[3] بديع الزمان سعيد النورسي: المثنوي النوري، ص 423.

[4] سنن الترمذي، البر والصلة، 36.

[5] مسند البزار، 10/315.

النوابغ وانكشاف القابليّات

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: يرد مصطلح النوابغ في مؤلّفاتكم ودروسكم، فما المقصود بهذا المصطلح؟ وما الأمور التي لا بدّ من مراعاتها من أجل انكشاف قابليّات مثل هؤلاء الناس؟

الجواب: يُقصد بالنوابغ هذه العقول التي تسعى إلى فهم الأشياء والأحداث والكون والإنسان والمجتمع والعصر الذي يعيشون فيه، وتبذل وسعَها لنقل هذه المعلومات النظرية التي فهمتها إلى الواقع المعيش؛ وفي هذا السبيل تفكِّرُ وتدقق وتبحث باستمرار، ولما كان يدفع هؤلاء عشقُ الحقيقة وحبُّ العلم والولعُ بالبحث استطاعوا أن يحلوا -بفضل من الله وعنايته- المشاكلَ التي انكبّوا على حلّها، وأن يُحرزوا الكثير من النجاحات، وأن يكونوا وسيلةً لإنارة المجتمع الذي يعيشون فيه.

القابليات وسيلة امتحان

غير أنّ مَن أحرزوا مثل هذا المستوى يتعرّضون لمخاطر جدّية، فمثلًا يُداخلهم وَهمٌ بأنهم متميّزون عن غيرهم، فيعتقدون -اعتمادًا على قدراتهم ومهاراتهم- أنّ باستطاعتهم حلَّ جميع المشاكل التي يقابلونها والتغلّب عليها بذكائهم وقابلياتهم، وبسبب هذه الحالة يستبدون برأيهم، أو يتعاملون بخشونة وغلظة واستغناءٍ مع الأفكار والمقترحات الأخرى لأنهم يرغبون في التأكيد على عِظم أفضليتهم؛ بمعنى آخر: فإن انفتاح هؤلاء أكثر من غيرهم على آفاق عالية في بعض المسائل قد يجعلهم ينظرون إلى غيرهم باستعلاء ويستخفون بآراء غيرهم، بل إنهم ربما يُنمّون في أنفسهم صفة التمرّد، ويلجؤون إلى الاعتراض على الفور، حتى وإن طُرحت عليهم أفكارٌ عقلانية ناشئة عن تفكّرٍ عميق، وينسون أن الحقّ يعلو ولا يُعلى عليه.

والحق أن مثل هذه الانحرافات ناجمةٌ عن قصورٍ في التربية، فالمعلّمون قديمًا كانوا مربّين حقيقيّن في الوقت ذاته؛ بمعنى أنهم كانوا قدوةً حسنة لمَن حولهم في جلوسهم ونهوضهم ووقوفهم واعتقاداتهم وأفكارهم ورؤاهم العامة؛ كانوا يربونهم بلسان حالهم، ولكن من الصعب جدًّا أن نقول: إن التعليم في النظام التعليمي اليوم يسير مع التربية كفرسَي رهان، وهذا الحال لا يمكن أن يجبر القصور في التربية حتى وإن كان التعليم في مستوى متقدِّم عنها، فالتربية تعني الارتقاء بالإنسان العادي إلى الإنسانية الحقّة، فعلى المربين المثاليّين أن يكونوا على مستوى يستطيعون من خلاله إقامة صرح إنسانيٍّ وكأنهم نحّاتون مهرة، فإن لم يَتَتَلْمَذ النوابغ على أيدي مربّين جيّدين ولم يخضعوا لتأثيرهم فمن الصعب جدًّا أن ينسلخوا عن فكرة “أنا أعلم الناس”، أو استيعاب فكرة الاستفادة من الآخرين.

المقهورون تحت الأنانية

وقد حدّثْتكم من قبل في مناسباتٍ شتى عن موقفٍ لبطلٍ من الأبطال الذين يشلكون الرعيل الأول؛ ممّن قاموا -طوال حياتهم- بخدمة الأستاذ النورسي رحمه الله رحمة واسعة، كيف أنّه في مجلسٍ ما خالفَ أحدهم رأي هذا البطل الكريم، فقال له والابتسامة تعلو شفتيه “حقًّا يا أخي، ربّما يكون الحقّ معك”؛ وذلك لأنه أدرك أن مخاطبه ليس في حالةٍ روحيّةٍ تسمح له بالاعتراف بالحقيقة وفهمِ ما يُقال، ولكن لما شاهد المعترض بعد مدّةٍ فساد رأيه في عديدٍ من المواطن جاء إلى هذا الرجل العظيم وقال له هذه المرة: “سيدي، لقد أخطأتُ الرأي، فلقد كان الحقّ معك في ذلك اليوم”، وإذ بهذا السيد الكبير يقول له دون أن يغيّر من طوره: “لا ضيرَ يا أخي لا ضير”.

ولقد قابلت أنا أيضًا مثل هذه الحادثة كثيرًا، غير أنني في كلّ مرّةٍ كنت أتجاوزها، لأن مثل هؤلاء الناس يظنون أن عقولهم قد بلغت كلّ مسألة، فيعترضون على كل شيء، ففي هذه الحالة عليكم أن تتركوا المسألة للوقت، حتى لا تتفاقم المشكلة، وينفضّ الناس من حولكم، والتاريخ حافلٌ بكثيرٍ من هذه الأمثلة المريرة، على سبيل المثال “هتلر”، كان يتمتّع بشيءٍ من المهارات، ممّا دفعه إلى الإعراض عن الدخول في قالب معين أو إلقاء السمع لأيّ نصيحة؛ لأن مرض الاستعلاء قد استولى عليه، وفي النهاية عرّض أمةً عظيمةً للهزيمة في سبيل مجازفة من مجازفاته، وما زال شعبه يلعنه حتى يومنا هذا.

تنشئة النوابغ يتطلّب اهتمامًا خاصًا

إن السبيل الوحيد لحماية الناس من مثل هذه الصفة التمردية الخاطئة هو ضمان امتثالهم للمجتمع عبر تربيتهم وتأهيلهم؛ إذ ينبغي بيانُ أهمية الوفاق والاتفاق لهم باستخدام أساليب ومناهج متنوعة عبر إيجادِ وسيلة ملائمة لذلك، ومن الضروي القول: إن مزيدَ عناية الحق تعالى ورعايته مرتبطٌ بهذا الأمر، ولا بدّ من التأكيد على أنّه من الفضيلةِ أن يتخلّى الإنسان عن فكره الشخصي -مهما كان دقيقًا وصائبًا- حفاظًا منه على التناغم والانسجام العام.

ومع ذلك فإن تركَ مثل أولئك الناس يعيشون مع أخطائهم الخاصّة بهم في مسائلهم الشخصية التي لا تتعلّق بحقوق العامة؛ قد يكون -في بعض الأحيان- سبيلًا مفيدًا من أجل تربيتهم؛ فليتمادوا بقدر ما يستطيعون، وليتخبّطوا ثم ليرجعوا إلى أنفسهم فيقولون: “لقد كنتم على صوابٍ!” وذلك لأن ضمان إدراك الأشخاص أخطاءهم بإرادتهم الشخصية والحرّة أمرٌ مهمٌّ جدًّا في تربية الإنسان وتنشئته.

والإنسان حين يرى إنسانًا قديرًا كفؤًا يُفني عمره في سبيل أنانيته لاهِثًا وراء الأهواء والنزوات يعجز ألا يتحسّر عليه ويقول بشأنه: “ليته!..” ليت الأشخاص العوالي الهمم، المدركة عقولهم مختلف المسائل، القادرين على حلّ المشكلات، الشجعان المقدامين -ليتهم- يستخدمون قواهم وقدراتهم وملكاتهم ومواهبهم هذه من أجل إعلاء شأن الدين الإسلامي المبين، وفي سبيل بيان ثقافتنا الأمميّة بدلًا من السعي إلى إثبات النفس والاعتراض على هذا وذاك؛ ذلك لأن النوابغ التي تستخدم ما وهبها الله تعالى من قدرات ومواهب بشكلٍ متلائمٍ مع الهيئة التي تتواجد فيها في سبيل الوصول إلى غايةٍ ساميةٍ؛ بوسعها أن تتسبّب في إنجاز عديدٍ من الأعمال والأنشطة النافعة.

ومن ثم فإنّ مسؤوليّةً كبيرة تقع على عاتق الأشخاص والأفراد الذين يدفعونهم ويتولّون أمرهم. أجل، ينبغي لمن هم في موقع الإدارة أن يبذلوا جهدًا حقيقيًّا وكبيرًا بغيةَ اكتساب هذه النوعية من الناس، وضمان عملهم على نحوٍ يتلاءم مع المجتمع الذي يعيشون فيه، والاستفادة من مواهبهم بهذه الطريقة؛ فإن كان هؤلاء الأفراد الأفذاذ سيضطلعون بعمل عشرة أشخاص وجبَ على المسؤولين القائمين على أمرهم أن يخصّصوا لهم من الوقت والجهد ما يخصّصونه لعشرة أشخاص -إن لزم الأمر-؛ فقد بذل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم جهدًا حقيقيًّا وعظيمًا -كما هو معلوم- كي يَدخُلَ الإسلامَ أصحابُ القدرات والمؤهّلات الفريدة من أمثال خالد بن الوليد وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة؛ فصقل رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه النوعية من المواهب والكفاءات التي كانت ذات مكانةٍ مرموقةٍ في المجتمع الجاهلي وعجنها وأولاها اهتمامًا خاصًّا، ثم ترك أمرها للدين، وبالطبع فقد صار كل واحدٍ من سادتنا الصحابة هؤلاء وسيلةً في تحقّق الكثير من الخدمات العظيمة الجليلة بالنسبة للإسلام.

وإذا نظرتم إلى التاريخ العثمانيّ وجدتم أن السلاطين العثمانيّين كانوا إذا ما اكتشفوا صاحب موهبةٍ عبقريّةٍ سارعوا وسعوا من أجل اكتسابه والفوز به؛ وقد اكتشف إداريُّو ذلك العصر بفضل فراستهم وحدسهم المواهبَ وشجعوها حتى وإن كانت من ثقافاتٍ وأديان مختلفة، وبحثوا عن الطرق والسبل المؤدية إلى الفوز بهم، وفي ظلّ هذا دخل الإسلامَ أمثال “زاغنوس (Zağanos)” و”أفرنوس (Evrenos)” و”غازي ميخال (Gazi Mihal)” و”المعمار سنان (Mimar Sinan)” و”صوقوللو (Sokullu)” -جزاهم الله خير الجزاء-، ودخلوا تحت إمرة الدولة العثمانية، وخدموا الإنسانية طيلة عمرهم؛ فكان من بين هؤلاء القائد والصدر الأعظم -رئيس الوزراء في عصرنا- والمعماري، فأدّوا خدمات نافعةً ومفيدة جدًّا لأمتنا.

 ومن الواجب البحث -دون إفراطٍ ولا تفريطٍ- عن طرق اكتساب النوابغ باسترضائها وتشجيعها والاحتفاء بها ومكافأتها بشكل مناسب؛ إذ إن التصرّف على هذا النحو خلقٌ إلهيٌّ في الأساس؛ لأننا نشاهد في شؤون الله الجليلة أنه لا يترك جلّ جلاله أيَّ نجاحٍ دون أن يكافئ ويثيب عليه، وما يلزم القيام به من هذه الناحية هو مكافأة وتقدير النوابغ من أجل اكتشاف المواهب والنوابغ المختلفة من جانب، وإثارة مشاعر وفكرة نفع البشرية في أرواحها من جانبٍ آخر.