طغاة العصر

Herkul | | العربية


ألا ليت كل إنسان ينظر إلى ما لديه من ميزات، ويقول كما قال الشيخ محمد لطفي أفندي:

نعمة لم أكن أنا الحقير أهلًا لها،
فما سر هذا اللطف والإحسان؟!

وليت المرء لا ينسى ولو للحظة واحدة تلك المقاييس التي قدمها بديع الزمان إذ يقول: “يا نفسي المرائية! لا تغتري قائلة: إنني خدمت الدين، فإن الحديث الشريف صريح بـ”إِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الفَاجِرِ”[1]،  فعليك أن تعدّي نفسكِ ذلك الرجل الفاجر، لأنك غير مزكاة.. واعلمي أن خدمتك للدين وعباداتك ما هي إلا شكر ما أنعم الله عليك، وهي أداء لوظيفة الفطرة وفريضة الخلق ونتيجة الصنعة الإلهية.. اعلمي هذا وأنقذي نفسك من العجب والرياء”[2].

كم شخصًا يحاسب نفسه، ويقول: “ترى هل أنا فاسق؟ هل أحمل في قلبي نفاقًا؟”، إن الشخص الذي لا يتحرّى وضعه وموقفه، ولا يخضِع نفسه للمحاسبة والمراقبة باستمرار، يستصغر الأخطاء والذنوب التي يرتكبها ولا يكترث بها، ولا يرى نفسه إنسانًا مقصّرًا يحتاج إلى التطهّر، فلماذا يبحث عن باحة التطهر والتزكية من لا يظن أنه قد لوث عالمه القلبي والروحي ونظام تصوره وآلية تخيله وقدراته العقلية؟ من يرى نفسه كاملًا مطهرًا مثل الملائكة لا يدرك ذلك حتى لو انغمس في الدنس والقاذورات من رأسه إلى أخمص قدميه.. لذلك لا يتوب ولا يرجع إلى الله، بل ولا يحلم بالإنابة والأوبة.

من لا يرى شوائبه وقاذوراته يعجز عن التخلّص من سوء الظنّ وإلقاء الجرائم على الغير عند مواجهة المشاكل، كما أنه يُحرم من التوبة والإنابة؛ لأنه دائمًا ما يبحث فيما حوله عن أسباب السلبيات التي تقع، فلا ينظر إلى نفسه، ولا يحاسبها، ولا يستطيع رؤية أخطائه وعيوبه.. لهذا السبب يبحث دائمًا عن المجرم بعيدًا عن نفسه، ولا يستطيع التخلّص من هذه الحالة النفسية المرضية.. وإنكم حتى وإن ألبستم هؤلاء الأشخاص الذين اعتادوا على انتقادِ الآخرين وإلقاءِ اللوم عليهم نظاراتٍ كبيرةَ المقاس فلن يقدروا على رؤية أخطائهم وأدناسهم أنفسهم؛ لأنهم عمي حيال ذلك.

إن الذين يضعون دائمًا أعينهم الشريرة على الآخرين وينشغلون باستمرار بأوجه قصور وثغرات “الآخر” هم في الحقيقة أناس يرثى لحالهم.. ألا يُرثى للمساكين الذين سقطوا في بئر القطران، وصارت رؤوسهم غارقة في لجة الأدناس والأوساخ، وربما ينتهي بهم الأمر إلى مراجل الزفت في جهنم؟ الشيء الذي يقع على عاتق من لم يفقد إنسانيته ​​هو الشعور بالأسف تجاههم، فليس من سلوك المؤمن أن يقول: “دعه يغرق، دعه يهوي، دعه ينحدر إلى قاع الأرض…”، بل يقع على عاتقه أن يقول: “أصلحهم الله، وأنار بصيرتهم، وهداهم إلى طرق التطهر والتنقي من الوحل والزفت الذي ينغمسون فيه!”، وإلا تحولت البلاد إلى ساحة للحرب حينما يلقي الشخص التهم تباعًا على من حوله، ويوجه إليهم الإهانات غير المناسبة، ويكيل لهم السب واللعن، وبالمقابل يلجأ الآخرون إلى قاعدة المعاملة بالمثل القاسية الظالمة، فيردون بالمثل ويهمون بالهجوم.

الظالمون المتغطرسون

لسوء الحظ، توجد اليوم مجموعة استسلمت تمامًا لمشاعر الكراهية والحسد، تحمِّل الآخرين فاتورة كل سلبية تحدث، وتُحمّل طائفة من الناس-جعلَتْهم كبش فداء- جميعَ الجرائم والذنوب التي تقع، وتأكل لحومهم مثل أكلة لحوم البشر عبر اغتيابها إياهم باستمرار، وتشويهها لهم بأكاذيب وافتراءات لا يمكن تصورها؛ إذ صار الكذب والافتراء، والغيبة والتشويه والانتقام طبعها وعادتها.

لطالما وُجِد مثل هذا الظلم والجور في تاريخ البشرية، لكنهما بلغا الذروة في بعض الفترات، ومن ذلك مثلًا، عهد يزيد بن معاوية، فـ”يزيد” والمتغطرسون من حوله قتلوا بوحشية حوالي سبعين شخصًا في كربلاء، كان بينهم عائلات وأطفال ونساء، ولا جرم أن الزحف بجيش كبير على حفنة من الناس لا تملك القوة والإرادة للقتال وضربَها بالسيف عملٌ وحشيٌّ لا يمكن تصوّره.. علاوة على أن هؤلاء الشهداء ليسوا أشخاصًا عاديين؛ فقد كان سيدنا الحسين حفيد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقدمتهم، وبجانبه أيضًا أقاربُه وشيعته من النساء والأطفال.. لكن هؤلاء الهمجيين الذين طار صوابهم قتلوهم دون أن يكترثوا بمن أمامهم، حتى إنهم قطعوا رأس سيدنا الحسين المبارك، وداسوا جسدَه بالجياد.

وفي الفترات اللاحقة أيضًا، كانت روح “يزيد” تنبعثُ من وقتٍ لآخر، وترتكب القسوة والوحشية نفسها ضدّ من نذروا أنفسهم لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم وتبنّوها، وأمثال يزيد من طغاة هذا العصر يفعلون الشيء نفسه، ولكم -إذا أردتم- أن تقوموا بجولة في عالم خيالكم؛ حينها يتمثل أمام أعينكم أمثال يزيد واحدًا تلو الآخر، وظلمهم المشابه الذي ارتكبوه.. سِيحوا بخيالكم في مناطق جغرافية مختلفة من العالم، بما في ذلك بلدكم، عندها سترون كيف يأكل الناس بعضهم بعضًا بطريقة وحشية، وستشاهدون بحزنٍ وأسفٍ كيف قمعَ الظالمون الذين استولوا على السلطة الأبرياءَ الذين لم يبايعوهم.

إن طغاة العصر، مثلهم مثل يزيد قديمًا، يستخدمون كل آليات القوة والعنف للدولة من أجل سحق الأبرياء الضعاف أساسًا، ويرتكبون أعمالًا وحشية وفظائع من أجل القضاء على من يرونهم تهديدًا لسلطنتهم، وإلى جانب هؤلاء الظالمين المتغطرسين، يجب ألا ننسى العُمي الذين لا يرون أو يتجاهلون هذه الفظائع التي يتم ارتكابها، كيف يمكن للمرء أن ينسى أشباه البشر الذين يرون كل هذا الكذب والخيانة والظلم والفظاعة ويسكتون عن الحق ويرونها أشياء عادية والأكثر من ذلك يساندون الظلم!. إن سحق الأبرياء الذين ليس لديهم القوة للمقاومة ولا الرغبة في القتال إنما هي سمة من سمات المتوحشين الذين فقدوا إنسانيتهم.

نعم، نحن نعيش في زمن يُنظر فيه إلى الأكاذيب والافتراءات والشناعات والأفعال الدنيئة والوحشية والظالمة على أنها أشياء عادية، بل إن الظالمين الذين يفكرون بميكافيلية يرون كل هذا ضروريًّا من أجل الوصول إلى أهدافهم البغيضة، وربما يتصورونه جهادًا، ينامون ويستيقظون بمشاعر الانتقام، وربما أيضًا ينشغلون في أحلامهم ورؤاهم بسيناريوهات القضاء على الأشخاص الذين أعلنوهم أعداء لهم، وعندما يستيقظون يسعون لتنفيذِ هذه السيناريوهات.. يدبّرون شتى أنواع المؤامرات يوميًّا من أجل القضاء على من لا يفكرون مثلهم.. لذلك فإنهم دائمًا ما ينثرون القذارات حولهم بما يمارسونه من أفعال، والأسوأ من ذلك أنهم يرتكبون باسم الإسلام كلَّ شرورهم؛ فيلوّثون وجه الإسلام المشرق الذي ربما لم يتلوث إلى هذا الحد منذ وجوده.

محمد الذكي

من ناحية يقترفون بلا خجلٍ العديد من الذنوب التي حرمها الإسلام، ومن ناحيةٍ أخرى يَدَّعون إقامة الإسلام؛ إن هذا لشيء عجاب! إن هؤلاء الجهّال يجهلون الإسلام، ولا يدرون شيئًا عن العالم الذي يعيشون فيه، إنهم لا يفقهون روح الكتاب والسنة ولا يدركون ظروف البيئة الاجتماعية.. وعلى الرغم من ذلك فإنهم لا يفتؤون يردّدون ادعاءاتهم الضخمة، ويا لها من ادعاءات لم يتطرّق إليها سيّدُنا أبو بكر ولا سيدنا عمر رضي الله عنه! إنهم يقولون ما يتجاوز قاماتهم، ثم ينوؤون بحمله، وينسحقون ويندحرون.. فيقول المرء لهذا القدر من الجهل واللامبالاة: “كفى”، فما يحدث في النهاية من ضرر، إنما يحدث لأمتنا وللمسلمين، وتعظم المشاكل على التوالي يومًا بعد يوم، ويتعذّر التخلّص منها ويتأزم الموقف.

إن قصّة محمد الذكي ترسم وضعهم هذا بشكلٍ جيّد للغاية، فقد كان هناك رجل اسمه محمد الذكي، ابتكر خطة للنزول من منحدر كبير، قال إنه يمكنه إنزال رفاقه بسرعة من خلال طريق مختصر دون التنقل في المسارات الطويلة، فبحسب هذه الفكرة سيتشبث أحدهم بالصخور في الأعلى، والثاني يتشبث به من تحته، والآخر بالثاني من تحته وهكذا، حتى يشكلوا عمودًا إلى أسفل، بعد ذلك يتشبث الآخرون بهم فينزلون، ولكن عندما لم تستطع أيادي من في الأعلى تحمل الحمل، تدحرجوا جميعًا من أعلى إلى أسفل دفعة واحدة، فمات تسعة وثلاثون شخصًا من بين الأربعين، وكسر ذراع الحي.. ركض الذين شاهدوا الحادث في المنطقة المحيطة إلى محمد الذكي وسألوه عما حدث، فكانت تلك إجابته: “لا تقلقوا يا رفاق! أوشك أن يكون حادث، لكن الأمر تحت سيطرتي تمامًا!”.

صدقوني، إن ما يفعله القادة اليوم لا يختلف كثيرًا عن هذا.. لقد حوّلوا دولةً مباركة -كانت تحمل لواء الإسلام لعدة قرون، وقدمت أشياء مهمة للإنسانية، وكانت عاملًا مهمًّا في التوازن الدولي- إلى كومة من الأنقاض، لكنكم عندما تذكرونهم بالضرر الذي تسببوا فيه، فإنهم يجيبون مثلما أجاب محمد الذكي ويصرون على القول إنه لا توجد مشكلة.. سيسجل التاريخ كلّ هذه الأحداث بطريقة ساخرة، ولن يتمالك القراء أنفسهم من الضحك تارة والبكاء تارة أخرى.

الساكت عن الحق شيطان أخرس

أعلاه أشرنا إلى الفظائع التي ارتكبها “يزيد” ضد آل البيت، ولكن يجب ألا ننسى هنا من دعَوا “الحسين” ووعدوه بتقديم الحماية اللازمة، طالما أنكم دعوتموه، فلماذا لم تحموه؟ لماذا لم تهرعوا لإنقاذه هو ومَن كان معه بينما كان السيف يُعمَلُ فيهم؟ لماذا تركتموهم وشأنهم؟ إنّ “يزيد” شخص سيئ -عليه من الله ما يستحقّ- قد ظلمَ ظلمًا بيِّنًا، ولكن ألا يُسمّى ما تفعلونه أنتم أيضًا ظلمًا؟! كيف يمكنكم أن تشاهدوا من بعيد فلذةَ كبدِ نبينا صلى الله عليه وسلم وهو يُقَطَّع إربًا؟ وكيف تسنى لكم أن تنظموا -دونما خجل- المراثي لاستشهاده بينما لم تفعلوا ما كان من المفترض أن تفعلوه؟

من المؤسف أنه لم يتغير شيءٌ في هذا الشأن؛ فبعض الناس يقسون ويظلمون، وآخرون يصيرون شياطين خُرسًا أمام هذا الظلم، بل ويشاركونهم فيه عندما لا يعملون لرفعه.. لِنقل إن الظالمين يفعلون ما تمليه عليهم شخصيّتهم، لكن ماذا عن أولئك الذين يرون كثيرًا من الظلم ولا يتكلمون رغم معرفتهم به، بل ويدعمونه بطرق مختلفة! أنا مندهش من موقفهم أكثر من موقف الظالمين أنفسهم، إنني أشفق على هؤلاء المساكين الذين يشاهدون كل الفظائع وكأنهم يشاهدون مسرحية.

عندما نتذكر الفظائع التي ارتكبها أمثال “يزيد”، و”الحجاج”، و”شمر بن ذي الجوشن”، و”ابن ملجم” و”أبي لؤلؤة” يخطر بأذهاننا أن نقول: “خسف الله بكم باطن الأرض!”، إلا أنه لم يرد في القرآن الكريم ولا في السنة المطهرة ولا في عقيدة أهل السنة أثرًا يحكي ثواب اللّعنِ، والحقيقة أن بعض علماء أهل السنة لعنوا “يزيد” وقالوا بجواز اللعن، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى نصَّ جمهورُ العلماء على أنه مع جواز ذلك، فليس هناك ما يشجع عليه، وموقف المؤمن الصادق هو التصرف باعتدال وحيطة، وعدم المغالاة، وإمساك لسانه في هذا الأمر أيضًا كما هو الحال في كل الأمور.

وسواء قلنا شيئًا أم لا، فإن الله سيقدر ما يستحقّون ويعاقبهم بما هم أهله، وواجب المؤمن الذي يتحرك من منطلق المروءة ويحمل مشاعر إنسانية عميقة أن يدعو قائلًا: “اللهم اهدنا إلى طريقك وأصلح أحوالنا نحن وهؤلاء الظالمين الذين حادوا عن الطريق الصحيح! فإن كانوا فقدوا قدرتهم على الإصلاح، فإننا نحيلهم إليك، فإن لم يختاروا طريق الصلاح، واستمرّوا في الإفساد والفتنة، فاقضِ في أمرهم عاجلًا غير آجل… اللهم قيّد أيديهم وأذرعهم، وغلّل أرجلهم، اللهمّ اربط على عقولهم فلا يفكرون، وعلى ألسنتهم فلا يتكلمون، وعلى أقلامهم فلا يكتبون، حتى يكفوا عن ممارسة شرورهم، واسلبهم كل ما لديهم من طرق ووسائل وإمكانات وأدوات ومواد يستخدمونها ضد الأبرياء، اللهم ولا تسمح لهم بالوصول إلى أهدافهم البغيضة، وارفع الظلم الذي يعاني منه الأبرياء والمظلومون والضحايا، وهدئ من روعهم، وانصر عبادك المساكين العاجزين، وأيّدهم بحفظك وعنايتك”.. وهذا هو مقتضى الوفاء للمضطهدين والضحايا، فضلًا عن كونه إظهارًا لمقتضى فطرتنا الإنسانية.

[1] صحيح البخاري، الجهاد والسير، 182؛ صحيح مسلم، الإيمان، 178.

[2] بديع الزمان سعيد النورسي: الكلمات، الكلمة السادسة والعشرون، ص 542-543.