الموقف الثابت والأقنعة الساقطة

Herkul | . | العربية

كلُّ مشكلةٍ ومعاناةٍ تعيشها تكون حبلى بالبهجة والسرور، وبالتالي يجب عليك أن تتحمل فترة الحمل.. فإذا كنت تريد أن يكون لديك ابنٌ كهالة النور وأن تضمّه إلى حضنك، فعليك أن تتحمل المتاعب التي ستتعرض لها قبل ذلك وأن تعمل على مواجهتها بصبرٍ، وهذا بالطبع ليس بالأمر السهل، ولكنك ستشعر بعد ذلك بفرحة تنسيك معاناتك السابقة، وعلى حدِّ قول الأستاذ سعيد النورسي فإنه “بعد انتهاء الأزمات تزول ألامها وتبقى لذّاتها”.

إن الصعوبات التي نواجهها في الحياة الشخصية والعائلية والاجتماعية مثل هذا تمامًا، وكما قيلَ: “بقدر الكدِّ تُكتَسب المعالي”؛ فإنه بقدر المعاناة والأزمات تُبلغ الجماليات والمقامات العُلا، ويُعبّر القرآن عن هذه الحقيقة بالآية الكريمة: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (سورة الشَّرْحِ: 94/6) بل إنه كلما كانت المصائب والأزمات شديدة، كلما كان ما يليها من راحةٍ وبِشرٍ وسرورٍ وهناءةٍ أوسع نطاقًا وأعمق وأكثر تشعُّبًا.. إنه يمنحك بهجةً تُنسيك ما عانيته من أزمات، تمامًا مثل الأمّ التي أنجبت طفلها، فتسترخي وترتاح بمشاعر شكر الله وحمده على النعم والبركات الواردة منه تعالى.

تعرّضَ العديد من الأنبياء وأتباعهم المخلصين عبر التاريخ لكل أنواع الإهانة والاضطهاد والتعذيب لمجرّد أنهم دعوا أقوامهم إلى الحق والحقيقة، ومن ذلك مثلًا نُصبت الصلبان لأولئك الذين واصلوا دعوة المسيح ورسالته، وحُفرت الخنادق المليئة بالنار، وما ذلك إلا لأنهم لا يشاركون الطغاة والظالمين الذين يعيشون في زمانهم المعتقدَ والفكرَ وفلسفةَ الحياة والنظرةَ للعالم نفسها، ومع ذلك فقد عضّوا على إيمانهم بالنواجذ وصبروا وثابروا في مواجهة كلِّ أنواع الشرّ التي مُورِست ضدّهم، ولم يرجعوا عن الطريق الذي سلكوه..

 لقد أدّوا المهمة التي تحمّلوها كما ينبغي وبإخلاصٍ جادّ ووعيٍ صادقٍ، وبذروا البذور بقدر استطاعتهم على الأراضي البكر.. إن هؤلاء الذين نذروا أنفسهم لهذه الغاية واتخذوا فلسفة الإحياء أساسًا لهم، لم يفكروا في أنفسهم قطّ، لقد تحمّلوا كلَّ المصاعب والمشقّات، وفي النهاية رحلوا عن هذا العالم الفاني تاركين العديد من الجماليّات أمانةً لمن خلفهم.

سيكون هناك أمثال “فرعون” و”النمرود” و”دقيانوس” في كلِّ عصر، وسوف يلجأُ أهلُ النفاق -الذين يغيّرون أساليبهم وطرقهم باستمرار- إلى كلّ الوسائل للتخلّص من القلوب المؤمنة، والزجّ بها في دوامة المصائب، والقضاء عليها.. وعندما نواصل بذلَ الجهود بإخلاصٍ وصدقٍ كي نبلّغ البشرية جمعاء بالحقائق التي نحبّها -بغض النظر عن المتاعب والمصائب التي تحلّ بنا- يوفّقنا الله في ذلك؛ لأنه لم يتخلّ قطُّ عن السائرين في طريقه، بل لا ينبغي لنا حتى أن نتشوّف لوقت حصاد البذور التي بذرناها، دعونا نبذر البذور، ونجهّز لها التربة والبيئة الملائمة، وليجمع ثمارها من يجمعها، ولينقلها إلى المخزن من ينقلها… لا ينبغي أن نهتم بهذا.

أما النقطة التي تحتاج أن نركز عليها أساسًا فهي ما إذا كان الطريق الذي نسير فيه يتوافق مع روح القرآن وسنة نبينا أم لا؟ فإذا كان ما نفعله موافقًا لرضا الله، وكانت روح سيد الأنام راضية عن هذه الأشياء؛ فيجب علينا ألا نُبالي بالضغوطات التي سنتعرض لها من قبل الظالمين والفسقة والمنافقين.. وعلينا أن نقف صامدين حيث نقف، ونتمسّك ونتحلّى بالصبر، ونركّز على مهمتنا الرئيسة دون أن نقع في تشتُّتٍ وفُرقة.. علاوة على ذلك يجب أن نعتبرَ التعرُّض للإهانة والتعذيب والاضطهاد من قبل الأشخاص الذين رهنوا حياتهم بالمصالح الدنيوية، فضلًا ولطفًا من الله، ونشكر الله أننا مختلفون عنهم، وأن نواصل طريقنا.. فهذا يعني أن الله يحبّنا ويختبرنا بمثل هؤلاء، وقد سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ: “الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ صُلْبَ الدِّينِ يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى قَدْرِ دِينِهِ، فَمَنْ ثَخُنَ دِينُهُ ثَخُنَ بَلَاؤُهُ، وَمَنْ ضَعُفَ دِينُهُ ضَعُفَ بَلَاؤُهُ”[1].

نعم، بعض الظالمين والطغاة الذين جعلوا من فعل الشر طبعًا فيهم لن يدَعوكم تهنؤون بالراحة أثناء السير في هذا الطريق؛ فسوف يشوّهون سمعتكم أحيانًا، ويهدّدونكم بالموت أحيانًا، وسيحاولون أحيانًا أخرى إخافتكم وترهيبكم وإثناءكم عن طريقكم بالتعذيب والإيذاء، وهنا سيغيّر بعضُ الأشخاص من ضعافِ المناعة جبهَتهم عند مواجهة ضغطٍ بسيطٍ، وبعضُهُم سيغترُّ بالأعراض الدنيوية الفانية وينخدع بالمناصب والمقامات، وبعضهم سيتخلى عنكم في أكثر الفترات حرجًا فيُفضّل أن يكون إلى جانب القوة والسلطة؛ فتتعرّضون للخيانة حيث تتوقّعون الولاء والوفاء، ومع ذلك ستمنحكم كلُّ هذه الأحداث فرصةً كي تعرفوا الناس من حولكم بشخصيّاتهم الحقيقية، وسيتبين الوفي من الخائن، والمؤمن من المنافق، وستعرفون القيمة الحقيقية للناس.

إنها لنعمةٌ عظيمةٌ من الله أن يكشف لكم الناس بعوالمهم الداخلية وطبائعهم الأساسية؛ إذ لا يمكنكم التعرّف على الناس بشخصياتهم الحقيقية في أوقات السعة والرخاء، فلا يمكن حملُ دعوة الإيمان والقرآن إلا من قبل أناسٍ فدائيين صادقين وصابرين لا يملّون، ويستحيل تكليف الشخصيات الضعيفة بالقضايا الكبرى، وعلى حدّ قول يونس أمره: “إن هذا الطريق بعيدٌ، ومنازله كثيرةٌ، وليس هناك جسْرٌ، وهناك مياهٌ عميقة”، وهكذا فإن الله تعالى يكشف لكم في مثل هذه الأوقات الصعبة الأشخاصَ الذين لن يستطيعوا السير معكم ولا مرافقتكم في هذه الرحلة الطويلة، ويعطيكم رسالةً مفادُها أنه يجب عليكم توخّي الحذر من هؤلاء.. إنه يفضح لكم أمثال “ابْن أُبَىّ بن سلول” ويحذّركم منهم، ففي هذه الأوقات الصعبة ستعرفون مع مَن يمكنكم أو لا يمكنكم المسير في الطريق الطويل الذي سلكتموه.

والواقع أننا مأمورون بحسن الظنّ في الجميع، ومن واجبنا أن نفتح قلوبنا لكلّ من يلجأ إلينا، ونصفح عن كل من يطلب الصفح، ونعامل الجميع بإنسانية، وأن نقترب خطوات إلى من يدنو منا خطوة واحدة، لذلك فإننا سنفتح قلوبنا لهؤلاء في المستقبل ولن نحرمهم من التبسم الذي هو صدقة، فالمؤمن إنسان ذو مروءة وهو راقٍ ونبيلٌ؛ لا يخدع أحدًا حتى وإن خُدِع، ولا يتحرك بمشاعر الحقد والضغينة والانتقام، إلا أنه لا يتخلى أبدًا عن الحيطة والحذر تجاه من انقلبوا عليه وخانوه ولو مرة، لاحتمالية أن يُعيدوا الكرة، لا يسمح لهم بانتهاك سلامة خطِّ السير في طريقه الطويل؛ فالمؤمن لا يُلدغ من جُحرٍ مرتين؛ فيأخذ جميع الاحتياطات اللازمة حتى لا ينخدع مرّة أخرى من الأشخاص أنفسهم، إنه لا يسمح للمنافقين -الذين يبدون في الظاهر أنهم على الحقّ- بأن يخدعوه ويُضلّوه ويُفسدوه.

والخلاصة أن كل إنسان يفعل ما تُمليه عليه شخصيته؛ فالبائسون الذين استسلموا لأحقادهم وضغائنهم، ولم يستطيعوا التخلّص من مرض الحسد والحقد، ويتحركون بوخزِ الشيطان وإغوائه؛ سيخطّطون لمؤامرات لا يمكن تصوّرها كي يُضلّوا من يسيرون على طريق الأنبياء، وواجبُنا إزاء هجماتهم هذه هو التحرك معًا في وفاق واتفاق كاملٍ مستمسِكين بعضنا مع بعض مثل “البنيان المرصوص”، لدرجة أنه لو حاول حتى خمسون تيّارًا مفسِدًا فصلَ بعضنا عن بعض لاستعصى ذلك عليهم.

بالإضافة إلى ذلك، يجب ألا نشعر بالهلع أو الذعر في مواجهة المتاعب والصعوبات التي نتعرض لها، ويجب أن نعلم جيدًا أنه حتى لو اجتمع كلُّ شياطين الدنيا، فلا يمكنهم أن يؤذونا أو يُبعِدونا عن الطريق الذي نسير فيه إلا بإذن الله، ومن ثم لا داعي للذعر واليأس والخوف، بل علينا أن نتحلى بالشجاعة، ونحافظ على أملنا، بل وأن نكون مصدرًا للأمل لكل من حولنا.. بالإضافة إلى ذلك يجب علينا أن نحاول الاستفادة من الفرص والإمكانات التي وضعها الله أمامنا، وعلينا -إذا لزم الأمر- أن نعمل في الأسواق بالحدادة وتلميع الأحذية وحبك الحبال كي نواصل حمل دعوة الإيمان والقرآن التي نؤمن بصدقها من صميم قلوبنا.

[1] مسند الإمام أحمد، 3/128؛ الحاكم: المستدرك على الصحيحين، 1/99.