Posts Tagged ‘معوقات نيل الحرية’

الجَرَّة المشروخة :الحرية الحقيقية

Herkul | | العربية

   سؤال: “ليس هناك مقام ولا منصب أسمى من العبودية (لله)، وإن وُجِد فهو الحرية التي هي في الأصل بُعدٌ من أبعاد العبودية”، فما معنى هذا الكلام؟ وكيف ينبغي أن يكون مفهوم الحرية لدى المؤمنين في هذا العصر الذي أكثر فيه الناس من الحديث عن الحرية؟

   الجواب: إن العبودية الحقيقية لله تقتضي تخليص صاحبها من جميع العبوديات المخزية والمزرية والمبتذلة، والإنسان الذي يعي هذا الشعور بالعبودية لله ينسلخ من عبوديته للمخلوقات، ولا يقع أسيرًا لرغباته وشهواته.

   معوقات نيل الحرية

أما من لم يستطع أن يكون عبدًا حقيقيًّا لله فإنه معرَّض للابتلاء بشتى صنوف العبوديات، فأحيانًا يصير عبدًا لرغباته وشهواته، ويعيش حياة بوهيمية لا تقيم وزنًا للأعراف والقواعد، وأحيانًا ينهزم أمام أطماعه، ويدخل في مضاربات شتى لجمع الأموال والثروات بغضّ النظر عن حلها أو حرمتها، وأحيانًا أخرى يقع أسيرًا للمقام والمنصب، ويستغل موقعه، ويطمح للاستيلاء على مال الشعب وأملاكه.

وقد يصير عبدًا لحسده وضغائنه، فيحقد على الذين يسعون في طريق الخير ويعملون على فتح قلوب الناس، وبسبب ما يستولي عليه من حقد وحسد يحرص على أن يعيق أعمال هؤلاء ويقف حجر عثرة في طريقهم، ولا شك أنه بذلك يجلب على نفسه أضرارًا جسامًا، ففي الدنيا يكاد يهلك نفسه عندما يرى النجاحات التي حقّقها هؤلاء، وفي الآخرة يُبطِل عمله، وفي هذا الصدد يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف: “الْحَسَدُ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ“.

ثمة عبودية أخرى يُبتلى بها الذين لا يستطيعون أن يكونوا عبادًا حقيقيين لله تعالى، ألا وهي حب الشهرة، فمحبو الشهرة يلتمسون كل الطرق لأن يُشار إليهم بالبنان، وليتوجه إليهم الناس بالتصفيق والتقدير، ولو حقق هؤلاء المساكين نجاحًا صغيرًا وقدموا شيئًا من التضحيات فإنهم يأملون أن يقول الناس عنهم: “أنتم فخر بلدنا”.. إنهم لا يتكلمون دون تصفيق، ولا يقدمون شيئًا دون تقدير، التصفيق يستهويهم ويجعلهم يغيبون عن وعيهم، وهكذا يصبح هؤلاء الناس الذين يحملون هذه الروح الأنانية عبيدًا للشهرة.

وهناك أيضًا عبيدٌ للدعة والراحة والمال والمصالح والمنافع، وهؤلاء البائسون -غير القادرين على تذوق العبودية لله ولا على معرفة قيمتها- يظلون يركضون طوال عمرهم وراء رغباتهم وأطماعهم وأهوائهم وولعهم وشغفهم وميولهم، ويلتمسون كل الأبواب في هذا السبيل، ولكن لا يقنعون ألبتة ولا يُحرزون السعادة الحقيقية.

والواقعُ أن أساس الوثنية هو ضعفُ شعور العبودية لله، فنظرًا لأن المشركين لم يستطيعوا أن يكونوا عبادًا لله بحق ولم ينالوا نصيبًا من حظوظ العبودية فإنهم قد لجؤوا إلى طرق مختلقة لسد جوعهم وإرواء ظمئهم، فوقعوا تحت تأثير بعض الأفكار الشيطانية؛ مما جعلهم مثلًا ينصبون شيئًا على الأرض حتى يهطل المطر، أو يتوسلون لأهل القبور كي تتحقق مطالبهم، أو يربطون خرقًا بالأضرحة ويوقدون الشموع بغية الوصول إلى أهدافهم، وبذلك وقعوا رويدًا رويدًا في وديان الشرك.

وهناك بعض من الناس يعارضون مسألة العبودية لله، بحجة أن هذا -حاشا لله- ينافي كرامة الإنسان، وأن الإنسان الذي يتوجه بعبوديته لله سيعتاد على العبودية، وبالتالي سيوجه عبوديته للمخلوقات، بمعنى أنهم اعتقدوا أن العبودية لله تنافي الحرية، علمًا بأن هذا هو السبيل لإحراز الحرية الحقيقية، وعندما يكون الإنسان عبدًا لله يتحرر من كل العبوديات الأخرى، ويجب أن نسلّم بداية بأن الإنسان يختار دين الإسلام بمحض إرادته، ويؤمن بأركان الإيمان بكامل حريته، ويؤدي عباداته بكل أريحية، باختصار يؤدي عبوديته لله بإرادته الحرة.

لأجل ذلك توجد علاقة وطيدة بين الحرية وبين العبودية، فمن لم يستطع أن يتخلص من طوق الشهرة وحب الراحة والخمول والدعة وغير ذلك من الأطواق فإنه لا يستطيع أن يكون حرًّا، كما لا يمكن أن يكون عبدًا لله بالمعنى الحقيقي، فكما أن الحرية لازمة للعبودية الكاملة، فكذلك إحرازُ الحرية الحقيقية يتوقف على العبودية الحقة لله تعالى، فإذا أراد الإنسان أن يقطع علائقه عما سوى الله وأن يتحرر من أهوائه ورغباته ومن عبودية المخلوقين وأن يمحو من قلبه كل المخاوف سوى خشيته من الله تعالى فعليه أن يعمل على أن يكون عبدًا حقيقيًّا لله تعالى.

فإذا كان الله سبحانه وتعالى قد وهب الإنسان نعمة جليلة مثل الإرادة فعليه أن ينظر فيما يستغلها، وأن يتشوّف إلى عظائم الأمور، وينأى بمطالبه عن الأذواق والحظوظ الدنيوية حتى لا يضرّ بشرفه وكرامته، وعليه ألا يضيّع رأس عمره في الجري وراء الصغائر التافهة، وألا يقع أسيرًا للمشاعر الجسمانية والنفسانية، وألا يخشى أحدًا سوى الله تعالى، وألا يخنع أمام هذا أو ذاك، وألا يركع ولا يحني عنقه، ولا يتصرّف كالمتسول، إنما ينحني ويركع إلى مَن هو جدير بالانحناء والركوع وهو الحق سبحانه وتعالى.

وهكذا فكما أن هذا هو السبيل لإعطاء الإنسان إرادته حقها فكذلك هو أيضًا السبيل للحرية الحقيقية، فإن الإنسان بفضل عبوديته لله ينسلخ من المشاعر السلبية كالحسد والطمع، ومن المخاوف والتطلعات الدنيوية، وحينذاك يطمئن عالمه الداخلي ويرتاح، ومثل هذا الشخص لا ينسحق أمام أي قوة دنيوية بسبب أنه على أهبة الاستعداد للرحيل في أي وقت عن الدنيا كما جاء إليها.

   هل هناك ما يُعرف بالحرية المطلقة؟

ومن الناس من يفهم الحرية على أنها حرية مطلقة لا تعترف بأي قيد، ولا تتقيد بأي شرط، ولا تخضع لأي مبدإ، ولكن مثل هذه الحرية لا وجود لها في أي مكان بالعالم، فلا النظام الرأسمالي ولا النظام الليبرالي ولا النظام الشيوعي سمح للناس بأن يعيشوا كما يحلو لهم بلا قيد أو شرط، بل وضعوا قواعد وشروطًا تقيد الحرية بشكل ما، فمثلًا رغم أن الأنظمة الشيوعية قد أبرزت مفهومًا يوسِّع من دائرة المباح في كثير من الموضوعات ويخاطب رغبات الناس وأهوائهم، فإنها قد تعاملت بشدة كبيرة للغاية في مسألة التبعية لأنظمتها، فكشفت عن استبداد كبير في تصرفاتها، وبذلك سلبت الناس حقوق الملكية، وقتلت رغبتهم في السعي والعمل، وعرّفت المجتمعات بالعديد من القوانين التي تتنافى مع طبيعة الإنسان وعقله.  

وعلى غرار ذلك فرغم أن بعض الدول في عصرنا الحالي قد اعترفت بقدر كبير من الحرية لمواطنيها فإنها لم تسمح ألبته بأي أفكار تناهض الأيديولوجية الرسمية للدولة، بل وضعت بعض القيود حتى في الأماكن التي يُنادَى فيها بحرية الفكر والوجدان، وعندما برزَتْ أفكارٌ تناقض مفاهيمها اتّجهت إلى وضع بعض العقوبات المشددة التي تمنعها، ورغم كثرة كلامهم عن الحرية فإنهم لم يتحملوا أدنى مخالفة لأنظمتهم. أجل، إن القصد من ذكر كل هذا هو أن الحرية المطلقة لا تكون إلا في الرؤى والأحلام، فحتى الآن لم تظهر حرية مطلقة غير مقيدة في أي مكان بالعالم.

والواقع أن سلامة حياة المجتمع وتناغمها يتطلب وضع بعض الضوابط التي تقيِّد الحريات، فلو فُهمَت الحرية على أنها تلبية كل الرغبات والشهوات دون قيد أو شرط فهذا من شأنه أن يتسبب في اختلال الأنساب، وتشتت الأسر، وتشوّه المجتمع، وعلى الشاكلة نفسها فلا يمكن إقرار بعض الأفعال التي تقع باسم الحرية مثل إهانة المقدسات، وازدراء الدين، والسخرية من قيم الأمة؛ لأن في هذا تدميرًا لكل القيم الأخلاقية، وكذلك لا يمكن تشريع العمل ضد الدولة والأمة بحجة الحرية؛ لأن هذا سيُفضي إلى ضعف مفهوم الأمة والدولة، وإلى صعوبة تعايش الناس مع بعضهم.

ولكل هذه الأسباب سنّت جميع الأنظمة الحقوقية قوانين تحقق المحافظة على الدين والنفس والنسل والمال والعقل، وطبقت عقوبات مشددة على الجرائم التي تهدد هذه الكليات الخمس؛ بمعنى أن الدول جميعها قد شعرت بالحاجة إلى تقييد الحريات فاستصدرت لذلك بعض القوانين والتشريعات، وقديمًا قالوا: “تنتهي حريتك عندما تبدأ حرية الأخرين”، بتعبير آخر: مهما كان للمواطنين من حقوق وحريات فإنها تقف عند الحد الذي يبدأ عنده حرية الآخرين، ولو تناولنا المسألة من وجهة نظر إسلامية نقول: إن حرية الإنسان تقف عند الحدود التي وضعها الله ورسوله ودينه.

وعلى ذلك فإن مفهوم الحرية المطلقة الذي يدعو إليه البعض في أيامنا ليس له مسوّغ من وجهة النظر الإسلامية أو المنطق الإنساني، ولذا قال البعض إن مفهوم الحرية المطلقة الذي يبيح للإنسان أن يفعل ما يشاء لا يصلح إلا في عالم الحيوانات، ومع ذلك فقد شاهدنا في بعض البرامج الوثائقية أنه حتى الحيوانات لا تستطيع أن تواصل حياتها وفقًا لهذا المنهج، حيث إن لديهم أيضًا حدودًا وساحات معينة، فإذا هم أحدهم بانتهاك حدود الآخر والتعدي على حقوقه وقعت المواجهات بين بعضهم البعض، بل قد يتحول الأمر إلى عراك ونزاع، وعندها يضطر المغلوب إلى أن يدع الساحة للآخر.

وكذلك فإن العديد من الحيوانات تعيش فيما بينها في جو من التعاون والتضامن، فمثلًا إذا نظرنا إلى حياة طيور البطريق في القطب الجنوبي فستأخذنا الدهشة والعجب من النظام الذي أسَّسَته تلك الطيور فيما بينها، حتى إن العديد من القراء والمفكرين وأصحاب المحاكمات العقلية والمنطقية من الناس لا يستطيعون القيام بنفس الأعمال التي قامت بها هذه الطيور، ولو أن الناس أسّسوا فيما بينهم نظامًا هكذا لعاش الجميع في راحة وطمأنينة، وعلى ذلك فإن الحيوانات قد استطاعت بالسوق الإلهي وليس بإرادتها أن تمارس حياتها ضمن حدود وضوابط معينة؛ بمعنى أنه لا وجود بينها للحرية المطلقة.

لقد وضع الله في عقول الحيوانات قسمًا من القوانين لتعيش داخل نظام وانتظام، فهي تعيش وفقًا لتلك القواعد بدافع إلهي، بينما الإنسان كائن ذو عقل وإرادة، بل يمكننا القول إن العقل والإرادة من لوازم الإنسان غير المفارقة له، بمعنى أنها خصائصه الأساسية التي لا يمكن التفكير في إنسانيته بدونها، فالإنسان ليس مجموعة متراكمة من الأخشاب ولا نبتة كسيقان نبات دوار الشمس، ولكي يستطيع الناس العيش مع بعضهم داخل نظام وانتظام وتناغم عليهم أن يراعوا الحدود ويتحملوا المصاعب بمحض إرادتهم.

إن إعطاء الإرادة حقَّها أمرٌ في غاية الأهمّية، وإذا ما التزم الإنسانُ به فلن يُحقق التناغم الداخلي المجتمعيّ فقط، بل سيتسنى له تجاوزُ الملائكة الكرام.. إن مفخرة الإنسانية جمعاء عليه الصلاة والسلام -وهو من استخدم الإرادة على وجهها الصحيح- قد تجاوز جبرائيل عليه السلام في رحلة المعراج، لذلك فالتنعم بالجنان والفوز برؤية الرحمن سبحانه وتعالى مرتبط دائمًا باستخدام الإرادة في موضعها الصحيح.. وبتعبير آخر لو أن الإنسان التزم -من خلال الإرادة- بالنطاق الذي حدده الله، وسار في الطريق الذي رسمه له، وراعى المبادئ الموضوعة له نال رضا الله سبحانه ورضوانه، ولذلك على الإنسان أن يتنازل عن بعض جوانب الحرية، وأن يخضعها بالإرادة لشيءٍ من المبادئ.

ومن جهة أخرى فالحرية نعمة كبيرة منَّ المولى عز وجل بها على الإنسان، ولذلك فإن معرفة قدر هذه النعمة وقيمتها والمحافظة عليها مسؤولية هامة تقع على عاتق الإنسان، لأن وظيفة المؤمن هي استخدامه نعمَ اللهِ عليه وفقًا لمراد الله تعالى وأوامره.

فلو أنه جل جلاله منحَنا بعض الحقوق وأحسن علينا بها كي نظل في دائرة الإيمان ونرتب فلسفتنا وأفكارنا وحياتنا وفقًا لها، فلا يمكننا التضحية بأي من تلك الحقوق، لأنه إذا لم نستطع حمايتها والمحافظة عليها فلن نستطيع المحافظة على وجودنا كأفراد وعائلات وأمة، ولن نعيش الإسلام بالتمام، لأن عيش الإسلام بصورة كاملة لا يمكنه أن يتأتى إلا في مجتمع صُمّم وفقًا للأسس الإسلامية.

ولو أن العالم الإسلامي اليوم أضاع -نتيجة للكسل والإهمال- مثل هذه النعمة التي منَّ الله تعالى عليه بها، وانصاع لأشكال عديدة من الوصايات المختلفة، أي إنهم لو لم يحافظوا على حريتهم فسيُسألُون عن ذلك أمام الله تعالى، والأدهى من ذلك أنهم إن كانوا لا يشعرون بوقوعهم تحت وصاية كهذه، ولا يظهرون أية حماسة أو غيرة من أجل الخلاص منها، ولا يحاولون استرداد ما سُلب من أيديهم من إمكانات، فهذا معناه أنهم يهينون حريتهم ودينهم وإيمانهم.

ومن هذه الجهة فإن معرفة قيمة نعمة الحرية التي منَّ الحق تعالى بها علينا، والاستمساك بها واستخدامها في مكانها أمر في غاية الأهمية، لأن بقاء ذاتيتنا الخاصة وعدم تبدّلنا وتغيّرنا مرتبطٌ بذلك، فينبغي لكل مسلم أن يكون على وعي بالعصر الذي يعيش فيه، وأن يضع الخطط والمشاريع المستقبلية، وعليه وفقًا لإدراكه الخاص أن يخطو خطوات تدفعه إلى الأمام وإلى مستقبل أفضل، وإهمالُ هذا يحمل في طياته إهانةً لما يؤمن به من قيم، كما أن الاستسلام للغفلة في هذا الشأن جرمٌ.

لو أن الأجيال السابقة حافظت على حقوقها وحريتها وعزتها وشرفها، وأدَّت وظيفتها على أكمل وجه وبلا تقصير، لما عاش المسلمون اليوم الوصاية والتشرذم الذي هم فيه، إنني دائمًا ما أقدم خالص احترامي للأجداد وأحاول أن أذكرهم بالخير دائمًا، إلا أنني حين أنظر إلى ما يتعرض له المسلمون اليوم من وصايات بعضها فوق بعض لا أستطيع منع نفسي من عتابهم بعض الشيء؛ لماذا عجزوا عن قراءة الواقع في عصرهم قراءة صحيحة؟ لماذا لم يستطيعوا تمييز عدوهم؟ لماذا فقدوا مكانتهم كعنصر موازنة في العالم؟ لماذا فقدوا حرياتهم وأسلموها لآخرين؟ لماذا أدخلوا أنفسهم في ربقة الذل والهوان؟ ولماذا أصبحوا أسرى وأذلاء عند الآخرين؟!

والأمر نفسه بالنسبة للمسلمين اليوم فلو أنهم لم يقوموا بما يجب عليهم من أجل إنقاذ أنفسهم من هذه المشكلة التي هم واقعون فيها، ولم يتحلوا بفضيلة تحمل الصعاب في سبيل ذلك، فإن أجيال المستقبل ستواجههم بمثل تلك الكلمات، وستُطلِق الأسف والتعسَ على الإخلال بحقّ الوظيفة، وعلى عدمِ إنشاء مجتمعٍ جديد، وعلى العجز عن إرشاد الأحفادِ إلى طرق الانبعاث، وعلى تفكيرهم المنحصر في المنافع والراحة الشخصيّة! ومن يدري ربما لن تتكلم تلك الأجيال القادمة بحَيطةٍ وحذرٍ مثلنا، وربما تصلُ بنقدها إلى صبّ اللعنات عليهم. 

ولذلك يجب على المؤمنين أن يستخدموا ما أنعم الله تعالى عليهم به من آلاء ونعم وإمكانات بصورة عملية لتأمين مستقبلهم مبتغين رضا الله سبحانه، وعليهم أن يبذلوا في هذا الطريق كل ما بوسعهم من طاقة، وأن يضربوا أروع الأمثلة في التضحية؛ لدرجة أنهم لن يبخلوا بالتضحية بأرواحهم في سبيل تحقيق ذلك، يجب عليهم أن يضعوا النهاية والخلاص لخمسة قرون من الكسل وقرنين من الركود التام، عليهم أن يُعوِّضوا المسؤوليات التي أضعناها خلال تلك الفترة.

   الفكر الحر في العلم

تعرض المسلمون بعد القرن الخامس الهجري لمرحلة من التوقف في البحوث العلمية، لذلك فإن أحد الأعمال الواجبة اليوم هي تمرير العلوم من منشور الفكر الإسلامي وصياغتها من جديد، وإعادة تشكيلها وترتيبها وتصنيفها وفقًا لخريطتنا الفكرية. نعم، لقد وضعنا -حتى القرن الخامس الهجري- قواعد البحث بصورة مباشرة عبر القامات العلمية آنذاك، إلا أن هذا الأمر انتقل إلى الغربيين في العصور التالية، فوضعوا العلوم في قوالب مختلفة من وضعية ومادية وطبيعية.

إننا لا نستطيع اليوم فيما نقوم به من أعمال وأبحاث في مختلف مجالات العلوم أن نخرج عما وضعوه من مناهج واصطلاحات، فنواصل دراساتنا في إطار قوالبهم، لذلك فإننا عاجزون عن التفكير بشكل مختلف عنهم، وبالتالي لا تقودنا أبحاثُنا إلى الحقيقة التي نسعى إليها، لذلك يجب على علماء المسلمين أن يتخذوا الفكر الحرّ مبدأً لهم، وأن يعيدوا النظر مرة أخرى في المكتسبات العلمية من بدايتها، وأن يتخلصوا من الوضع القائم وينفكوا من التبعية العلمية ويناقشوا كل شيء، لأنه من دون المناقشة لا يمكن تأسيس شيء جديد، ولذلك يجب أن نتوقع احتمالية خطإ المعلومات التي حصلنا عليها جاهزةً ولو بنسبة قليلة، فمثلًا الدكتور المتخصص في مجال الطب يجب عليه أن يعيد النظر في كل ما تعلمه ليتأكد من صحة تلك المعلومات من عدمها، وأن يُخضعَ تلك المعلومات للاختبار. 

هذا العمل ليس سهلًا ألبته، ويتطلب عشقًا حقيقيًّا للعلم والبحث والحقيقة، والأكثر من ذلك قد يستلزم قدرة الإنسان على وقف حياته من أجله، وتحمل المصاعب والمشقات وتقديم تضحيات حقيقية، وإذا كان الغرب قام بثورة صناعية وقطع مسافة طويلة في العلوم التقنية فقد تحقق هذا على أيدي منْ وقفوا أعمارهم وسنِي حياتهم من أجل هذا العمل، فمنهم من وقف حياته من أجل الدراسة والتدقيق في حياة الحيوانات، ومنهم من فعل ذلك من أجل كشف خبايا التاريخ وأسراره، ومنهم من أراد أن يفك شفرة الحوادث الطبيعية، لكن هؤلاء في النهاية أسندوا أعمالهم إلى الأسباب المادية والطبيعية، ومن أجل اجتياز الوضع الراهن يجب إسناد كل ما يتوصل إليه من حقائق علمية متعلقة بالوجود والأشياء إلى الذات العلية الخالق سبحانه، وكما يتم نقض الغزل وإعادة نسجه في حُلة جديدة منمّقة، يجب أيضًا أن يتم فعل ذلك في موضوع العلم، وقد نُصيب أحيانًا ونخطِئ أخرى في أثناء قيامنا بذلك، ونطور بعض المسائل إلى أحسن مما هي عليه، ونسير على نفس الخطى مع الآخرين في بعض المسائل، بل إننا قد نطلب المساعدة منهم.

ولكن هذه الأمور، لا تتم على أيدي أناس عاديين؛ إذ إن تحقّقها يستلزم جدية تامة وعزمًا حقيقيًّا، وطالما أنه لم يُبذل مثل هذا الجهد والعمل، فلن يتمكن المسلمون من التخلص من الازدواجية، ولن يستطيعوا القضاء على صراع العلم والدين، وكما أن القرآن الكريم كتاب جاء من صفة كلام لله تعالى، فإن الكون أيضًا كتاب آخر مستمد من قدرة الله سبحانه وتعالى وإرادته، ولأن هذين الكتابين من المصدر ذاته فلا يمكن أن يكون هناك تعارض بينهما.

نعم، كما تؤلمني الوصاية المفروضة على الإرادة، تؤلمني الوصاية المفروضة على العلم، أما تناول المسائل بصورة مستمرة على شاكلة قال فلان هكذا وقال فلان هكذا، وعدم إضافة فكر جديد، فهذا ليس إلا همهمات أرواح بائسة أسلمت أنفسها للوصاية المفروضة عليها، وأقول كما قال الشاعر محمد عاكف “عشت حرًّا منذ الأزل، وسأعيش حرًّا، أتعجب أهناك مجنونٌ يستطيع تقييدي بالأغلال!”.. والحقيقة أنه ينبغي أن يكون هذا شعار كل مؤمن، على الشخص أن ينظر إلى ماضيه المجيد وأن يتوجه بنظره إلى جذوره الروحية والمعنوية، ثم يعيد النظر إلى حاله البائس اليوم ويتفكر، ويعيبُ ذلك على نفسه، ثم يتوجه لإنشاء دنياه من جديد عبر تخلصه من تلك العيوب.

ولأن هذا الإحياء لن يحققه إنسانٌ يرزحُ بأفكاره تحت الوصاية؛ فلا بد من وجود أفكارٍ حرَّة، فالأساس أن الحرية تبدأ في الفكر، والإنسان الذي ينقاد في أفكاره للآخرين لا يمكن أن يكون حرًّا، وعليه فقد ظل إنسانُنا تحت الوصاية لعدة قرون؛ ففقَد عشقَه وحماسَتَه، ودخل تحت وصاية الآخرين.. إن ما يؤسَفُ له أن هذا الجيل المسكين البائس أصبح يتسوّل كلّ شيء من غيره، وما يجب عليه الآن هو أن ينجو من التسول وأن يحصل على حرّيته الحقيقية.