Posts Tagged ‘تطوير التعايش مع الآخر’

التعددية

Herkul | | العربية

التعددية هي من أكثر المصطلحات شيوعًا في دنيا العولمة، ويلاحظ وجود هذا المصطلح -رغم أنه من مصطلحات العصر الحديث- مسمّى بلا اسم في خضم الحياة الاجتماعية في العهود الأولى التي كان يُطبّق فيها الإسلام بحق، حيث كان المؤمنون حينذاك يقدِّرون تعدد المشاعر والآراء والأفكار، ويتعاملون بسماحة مع الجميع.

ومن الضروري بدايةً معرفةُ أنه لم يكن في مجتمع الصحابة الكرام ما يسمى بالاتفاق المطلق، فقد كان من بين هؤلاء الأطهار من يحمل توجهات مختلفة وأفكارًا شتى، ولو ألقينا النظر على حياة سيدنا عمر وسيدنا أبي ذر أو على حياة سيدنا أبي بكر وسيدنا بلال الحبشي عليهم جميعًا رضوان الله؛ لألفينا فرقًا شاسعًا فيما بينهم، وهم الذين كانوا جميعًا ينهلون من معين واحد وهو منهل العذب المورود، ويتعيّشون على غذاء معنوي واحد، ويسيرون لتحقيق هدف واحد، ولكن رغم هذا كله فالاختلافُ كان بيِّنًا في تأويلاتهم ومفاهيمهم وأنماط حياتهم.

ورغم أن المناهج الفكرية لدى المسلمين وأنماطَ حياتهم في العهود اللاحقة كانت تتشكل وفقًا للأدلة الأصلية مثل الكتاب والسنة والإجماع والقياس، والأدلة الفرعية مثل العرف والعادة والمصلحة والاستحسان؛ فقد حافظ الاختلاف على وجوده بين هؤلاء المسلمين، ومع أنهم كانوا يستندون إلى نفس المصادر التي تحدد أفكارَهم ومعيشتَهم فقد أوجدوا العديد من الحلول المختلفة للمشاكل التي واجهوها.

فرغم وحدة المصادر التي يستندون إليها، والاجتهادات النقية الصادقة المخلصة التي قاموا بها، وعلاقة الطالب والمعلم التي كانت تسود بينهم فقد كانت هناك اختلافات جوهرية بين اجتهادات الإمام مالك والشافعي، وبين الشافعي وأحمد بن حنبل، رحمهم الله جميعًا.. بل إن الصاحبين -أبا يوسف ومحمدًا- قد درسا على يدي الإمام أبي حنيفة، ورغم ذلك كان الواحد منهما يحمل آراءً مختلفةً للغاية عن آراء الآخر، لأن لكل إنسان إحساسًا وإدراكًا وقابليةَ فهمٍ مختلفة، فإذا كان هذا القدر من التعددية بين هؤلاء المجتهدين الذين عاشوا حياتهم كلها في فلك الكتاب والسنة فلكم أن تخمنوا حجم الاختلافات التي قد تحدث إذا تعلق الأمر بعامة الناس!

لقد كان المسلمون يعتبرون الاختلاف رحمةً من الله بحسب ما ورد في الأحاديث الشريفة، فقابلوه بسماحة وتقدير بالِغَين، ولم تتضرر الوحدة والاتحاد فيما بينهم مع وجود هذا القدر من الاختلاف في المجتمع.

   تطوير التعايش مع الآخر

إن السعي إلى التعايش في وحدةٍ ووئامٍ مع الآخرين رغم اختلاف البيئات والثقافات والمفاهيم والإرادات والأفكار من شأنه أن يُكسب المرء ثواب العبادة؛ لأن الفرد يشعر بردِّ فعلٍ مضاد تجاه أي أمرٍ يخالف طبيعته، ويشعر برغبةٍ في معارضة الآراء والمفاهيم المخالفة له، من أجل ذلك كان قمعُ مثلِ هذه المشاعر السلبية يحتاج إلى سعي وجهدٍ كبيرين، وهذا بدوره يُفضي إلى إحراز الثواب الجزيل، ولقد كان النبي صلوات ربي وسلامه عليه يحثّ دومًا المؤمنين على التعايش في إطار جماعي، وكان يوصيهم بعدم الانفصال عن الجماعة.

وإن قدرة الناس على إقامة وحدة وتوافق فيما بينهم على اعتبار أنهم أفراد مجتمع واحد رغم وجود الكثير من الاختلافات؛ مرتبطٌ بقبول كل شخص في موقعه، والنظر بتسامح إلى الاختلافات القائمة، ومثل هذا المفهوم للتعددية أثرٌ من آثار رحمة الله تعالى، وضده الاستبداد الذي يُمارَس من خلاله قمعُ الناس، واضطهادهم، وفرض نمط حياة معين للجميع، ولا ريب أن هذا يهدد الحقوق والحريات الأساسية، ويطمس القابليات والقدرات، ويجعل المجتمع على نمط واحد، ويعزله عن العالم.

فإذا كان المسلمون لا يريدون أن ينحصروا داخل حلقة ضيقة منعزلةً عن العالم ولا أن يتخلفوا عن مواكبة العولمة؛ فعليهم أن يتفاعلوا مع الثقافات والملل المختلفة، وينفتحوا على العالم، فمن جهةٍ يعرِّفون مخاطبيهم بمنظومة القيم التي يؤمنون بها، ومن جهة أخرى يستفيدون من حياض الثقافات والحضارات المختلفة.

ولكن إذا كان من الممكن ظهور بعض الفروق والاختلافات -وهذه حقيقة واقعة- بين أفراد المجتمع الواحد الذين يدينون بدين واحد، ويتوجهون إلى قبلة واحدة، ويعيشون في بيئة ثقافية واحدة؛ فمن المرجح ازدياد هذه الاختلافات عند التعايش مع أتباع الديانات واللغات والأعراق والثقافات المختلفة، وهنا لا بد أن يعي المسلمون بدايةً أن ثقافة التعايش مع الآخر في هذا العالم الذي أصبح قرية صغيرة قد بات أمرًا لا مفر منه، وعليهم أن يطوِّروا من تجربة التعايش مع أتباع الثقافات والأديان المختلفة، ومن ثم يكون من الأهمية بمكان تبني بعض الأسس مثل: الاجتماع على أرضية مشتركة، والتوافق على الحد الأدنى من القواسم المشتركة، وإيجاد نقاط اتصال مشتركة، وتقبّل كل شخص في موقعه ومستواه.

ولقد أصبح بعضُ المسلمين في عالم اليوم يتوجسون خيفة من التعددية؛ على أساس أنها ستُفضي إلى التآكل والتنازل عن القيم الدينية، فباتوا لا يعرفون كيف يتصرفون في هذا الصدد، بل إن بعضهم ربما يحمل للآخرين بعض المشاعر العدائية، ويتخذ بعض المواقف المتطرفة.. فمن الواجب بداية إدراك أن إعلان المسلمين الحرب على أتباع الديانات والثقافات المختلفة لن يحرز لهم أيَّ مكسب، ولن يصلوا من خلاله إلى أي منفعة، بل على النقيض تمامًا، يجب التوافق والتواصل مع الجميع انطلاقًا من التكريم الإلهي الذي منحه الله تعالى للإنسان كإنسان.

   التعددية والاختلافات نوعٌ من الثراء

إن الاعتراف بأن الاختلافات حقيقة واقعة، وتشكيل البنية الاجتماعية تبعًا لذلك؛ لا يمنعنا من حق الاعتراض أو وضع قيود اعتراضية على بعض الأفعال والأفكار المخالفة.. إذ إن مشاركتَنا أصحابَ الرؤى العالمية المختلفة البيئةَ نفسها بل ومخالطَتهم لا يعني تقبّلَنا لجميع أفكارهم وإقرارَها، ونفس الأمر بالنسبة للآخرين، فهؤلاء بوسعهم مخالفة بعض أفكارنا، المهم هو ألا تتسبب هذه الاختلافات في الصراع، بل يجب دفع الاختلافات جانبًا بقدر الإمكان للحفاظ على الوحدة والوفاق الاجتماعي، وإبراز النقاط والقواسم المشتركة.

وإن احترامنا للإنسان لمجرد أنه إنسان، وتقبّلنا للاختلافات على أساس أنها واقع معاش، ثم التعامل بواقعية وعقلانية، والاعتراف بوجود العولمة؛ لا يستلزم منا التضحية بقيمنا الذاتية، والتنازل عنها، وتعريضها للتآكل، فلطالما نحن مسلمون فلا ينبغي لنا التنازل أبدًا عن ذلك أينما كنا، فلا نتخلى عن قيمنا الدينية ولا عن مفهومنا الإسلامي، ولا عن شعور الإحسان لدينا؛ ولكن يجب علينا ألا نجبر أحدًا على فعل ذلك، المهم هو أن يستطيع الناس التعايش جنبًا إلى جنب محافظين على اختلافاتهم؛ بل حتى يعتبرونها نوعًا من الثراء.

وإن التعامل بمزيدٍ من الحساسية والدقة في مسألة تطبيق الناس القيمَ التي يؤمنون بها دون جبر أو إكراه للآخرين لهو أمرٌ جدير بالاحترام والتقدير؛ فمثلًا إذا حان وقت الصلاة ونحن في اجتماع مع فريق من أتباع الديانات المختلفة فعلينا أن نستأذنهم دون خجل ونؤدي صلاتنا، فإنني لم أشهد حتى الآن انزعاجَ هؤلاء الناس من حرصنا على أداء عباداتنا، بل كانوا يقابلون رغبتنا تلك بكل احترام وتقدير؛ فإن ارتياح الناس في ممارسة عقائدهم، والتصرف بشكل علني وشفاف لن يضر بالعلاقات، بل على العكس سيعزز الثقة المتبادلة، المهم هو ألا يقع بين الأفراد شيء من الغلظة أو التعصب أو الشدة، وأن نتجنب القيام ببعض التجاوزات التي تسوق الآخرين إلى المخالفة والاعتراض.

   الموقف الإيماني في مكافحة المنكرات

وقد يقابِل البعضُ التعدديةَ بالمعارضة على اعتبار أن تقبّلَها يعني تقبّل كل أنواع التطرف والانحراف والفجور، والحق أن البعض قد يعدّ التحرر والانحراف حقًّا مكتسبًا ومن متطلبات الحرية والديمقراطية، إلا أن الأفعال والتصرفات التي يقر المؤمن بصحتها معلومةٌ وواضحة؛ بيد أن عدم إقرارنا بصحة فعلٍ ما أو إقرارنا بخطئه لا يقتضي إعلاننا الحرب على أصحاب هذا الفعل؛ طالما أنه لا يمسّ حقوقنا ولا حقوق الآخرين ولا حقوق الرأي العام.. ولقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة على ذلك حينما عاش مدة طويلة مع المشركين في مكة، ومع المنافقين واليهود في المدينة المنورة.

ولكن ألا يحِقّ لنا أن نتدخل لمنع المواقف والتصرفات الخاطئة أو نعمل على الحيلولة دون وقوع المنكرات؟!

إننا لا نقصد مما ذكرناه أن نقف صامتين دون أن نحرّك ساكنًا إزاء المنكرات، فلا شك أنه ينبغي للمسلمين أن يكونوا قدوة حسنة للجميع، وأن يعبّروا عن الحقائق التي يؤمنون بها بقدر ما تواتيهم الفرص وتتوفر لديهم الإمكانات؛ فإن مراعاة حساسية الآخرين باطراد، والتشجيع على ما يجب القيام به بما لا يتسبب في رد فعل معاكس، وتحذير الآخرين ممّا لا ينبغي؛ هو من جملةِ الوظائف الأساسية للمؤمنين.. وثمة مسألة مهمة لا بد من ذكرها هنا وهي أنه لا يصح القيام بتصرفاتٍ عدائيةٍ تفضي إلى الفتن وإفساد الانسجام الاجتماعي إزاء أنماط الحياة التي يعتبرها البعض من مقتضيات الحرية والديمقراطية، وإلا فإن التعامل بعنف مع السلبيات سيحول من الآن دون القيام بأعمال جليلة تساهم في الإصلاح والتعمير في المستقبل.

ومن المعلوم لدى الجميع أن العالم الغربي بشكل خاص يضمر نوعًا من الكراهية البغيضة إزاء المسلمين في يومنا الحاضر، وفي المقابل يضمر بعض المسلمين أيضًا عداوةً للغرب، وهذه الاعتبارات من الأمور التي تضرّ بثقافة التعايش مع الآخر، ولكن يجب على المسلمين محاسبة أنفسهم قبل تخطئة الآخرين؛ لأن السبب الرئيس في هذا كله هو عدم وصولنا إلى هؤلاء في الوقت المناسب، وعدم التعبير عن أنفسنا بشكل صحيح، ولقد تسبب إهمالنا هذا في ظهور العديد من المشاكل الكبيرة اليوم، فلو أننا انتشرنا في كل ربوع العالم بسرعة مثل جماعة الحواريين، ومثّلنا الإسلامَ بحقٍّ لما قابلنا هذا القدر من السلبيات اليوم، ولَفكّر الناس بشكل مختلف عن الإسلام، ولكانوا على الأقل عرفوا المسلمين على نحوٍ صحيح.