Posts Tagged ‘المحاسبة’

مواجهة النفس إزاء حسد الحاسدين

Herkul | | العربية

   سؤال: إن الخدمات التي يُسعى لإنجازها على مستوى العالم عبر تحمُّلِ تضحيات كبيرة وحقيقية، ومكابدة الغربة والحرمان قد تنظر إليها بعض الأوساط الدينية نظرةَ شكٍّ وريب، وقد يدعمون حملات التشويه والتشهير ضدها؛ فكيف تُقيّمون ذلك من وجهة نظركم؟

   الجواب: تحققت في تاريخنا الإسلامي إنجازاتٌ ونجاحات مهمة للغاية في مسألة خدمة الإسلام الدين المبين، ولا يمكننا التقليل من أهمية الخدمات الأسطورية للعثمانيين على وجه الخصوص، ولا نستطيع تجاهل اضطلاعهم بدور مخفر الشرطة في حماية العالم الإسلامي، وريادتهم له عدة قرون.. وحين ننتقل إلى الدار الآخرة سنرى ونفهم ما الذي تعنيه وتساويه كل هذه الجهود والمساعي لدى الحضرة الإلهية.. إلا أن لكل زمان حكمَه وظروفَه؛ إذ إن الخدمات التي يجب القيام بها إبان فترة يُتَّجه فيها نحو العولمة، ستكون أكثر اختلافًا من حيث طبيعة العمل.. وإذا تناولنا المسألة بفلسفة الإمام الشافعي أمكننا القول: “رضي الله عن أسلافنا أبدًا؛ لقد أنجزوا أعمالًا عظيمة بالنظر إلى ظروف عصرهم الذي عاشوه، لكنهم ومع ذلك فقد تركوا لنا أعمالًا كثيرة تنتظرنا كي نقوم بها”.

لقد فعلوا ما أمكنهم فعله بحسب ظروف الفترة التي عاشوها، وحملوا الأمانة بحق وسلموها إلى الأجيال اللاحقة.. ومع ذلك، وبقدر ما فعلوا وأنجزوا من أعمالٍ فقد فاتتهم أعمالٌ كثيرة أخرى، وهذا يعني أن الظروف لم تكن مواتية لتلك النوعية من الأعمال، كان من الصعب للغاية القيام بذلك على ظهور الجياد أو البغال أو الإبل، غير أنه في يومنا الحاضر يمكن إنجاز الأعمال المخطط لها وتنفيذها بشكل أسرع وبصورة أكثر عملية، وذلك بفضل إمكانيات الاتصال والتواصل التي تطورت.. لقد وضع الله سبحانه وتعالى التكنولوجيا والتقنية الحالية تحت تصرف أجيال اليوم، فانفتح المتطوعون على جميع أنحاء العالم عبر إجادتهم استخدام هذه التقنيات، وحققوا نجاحات عظيمة في البقاع التي ذهبوا إليها.

   المحاسبة ومواجهة النفس

نحن نعلم أن من قَدَّر كلَّ هذه المحاسن هو الله، ونقول دائمًا مثلما قال “الشيخ محمد لطفي أفندي”: “نعمة لم أكن أنا الحقير أهلًا لها، فما سر هذا اللطف والإحسان؟!” لأن الخدمات التي أُنجِزت حتى اليوم تكشف أن ثمة توجهًا إلهيًّا حاضرًا في المسألة يفوق بكثير الاستعداد والجدارة، فالله يبث عشقًا وحماسًا حقيقيًّا في قلب الأمة، وهي أيضًا تبذل قصارى جهدها في سبيل إعلاء كلمة الله؛ فتلتف حول الخدمات التي تجدها معقولة وتسعى إلى الوفاء بما يقع على عاتقها من مسؤولية في سبيل إقامة صرح روح الأمة.

إنني أندهش حين أرى عشق الهجرة والخدمة لدى الإخوة المنتشرين في بلاد مختلفة تاركين وطنهم ومنازلهم في سبيل حمل قيمنا الخاصة إلى جميع أنحاء العالم.. إنني أحار أمام الرغبة والحماس اللذين يمتلكونهما، والاتساق العالي الذي يظهرونه.. هذا يعني أن هناك دفعًا وسوقًا إلهيًّا؛ لأنه يستحيل على المنطق البسيط تفسيرُ انفتاحِ هؤلاء الشباب على كل أرجاء العالم وإنجازهم أعمالًا مُبهرة في مثل هذه المرحلة وقد داسوا كلَّ رغباتهم وأهوائهم بأقدامهم في مرحلة عمرية تتدفّق فيها دماؤهم نحو الدنيا والرغبات الجسمانية، ولما يكتسبوا بعد خبرة معيشية كبيرة، وقد تخرجوا حديثًا في الجامعة، ليس هذا سوى لطفٍ إلهيٍّ عظيم.. وما تجاهلُه ولا عدمُ تقديره أو شكرِه إلا نكرانٌ لنعمة الله تعالى.. كما أن عدم الدعاء لهؤلاء الرفاق يعتبر عدم وفاءٍ لهم، نسأل الله أن يمُنَّ على جميع إخواننا الموجودين في مختلف نواحي الحياة وأرجائها بالاستقامة، ويثبِّتهم، ويُوفِّقهم إلى تحقيق نجاحات أكبر وأعظم بكثير.

إننا إن نربط الأعمال التي تم إنجازها بذكائنا وإرادتنا وقوّتنا وقدرتنا نكنْ قد أشركنا عن غير قصد، وجعلنا أنفسنا -حاشا وكلا- شركاء لله في شؤونه وأفعاله، كما أن موقفَنا هذا يمكن أن يثير الحسد والغيرة ويؤدي بالآخرين إلى بعض الاختلالات والوقاحات والتجاوزات.

أعتقد أن لدينا بعض أوجه القصور في هذا الموضوع، وكما قال بعضهم؛ فقد وقعنا من فينة إلى أخرى في ملاحظات من قبيل: “نحن أحفاد عِرق يصنع الأبطال!”، لقد عجزنا عن إدراك أن الله الذي تتجلى قدرته في إنجاز الأعمال العظيمة من عناصر صغيرة بسيطة، قد منَّ بذلك علينا أيضًا، لم نتمكن من التصرف وفقًا لهذه الفلسفة والفهم.. ربما نكون قد أزعجْنا الآخرين بمواقفنا وسلوكياتنا دون أن ندرك ذلك، فتسببت مواقفنا في خلق نوع من ردِّ الفعل لديهم بفعل تأثير لا يمكننا معرفته، وحتى لا يُفهم خطأ؛ إنني لا أستخف بأحدٍ يدافع عن الخدمة الإيمانية والمهمة القرآنية، فلكلٍّ منهم قيمةٌ وقدرٌ مستقلَّين في نظري، لكنني أقول هذا إيفاءً بحق الله ومواجهة لأنفسنا.

واجبنا هو مراقبة أنفسنا بشكل مستمر والتحقق من جميع الأعمال التي نقوم بها، يجب أن نسأل أنفسَنا دائمًا: تُرى هل نحن على الطريق الصحيح؟ هل يمكننا فعلًا تقديم الخدمات التي نقوم بها دون الدخول في أية تشوُّفات دنيوية أو أخروية تتعلق بالمستقبل؟ إنني شخصيًّا، أعتبر قولَ: “إلهي، إننا نسعى ونضحي في سبيل إبلاغ الآخرين بثقافتنا وقيمنا.. أرجوك أدخلني الجنة!”؛ سوءَ أدب مع الله تعالى، إنني لا أستسيغ لنفسي ولو حتى التشوف إلى شيء أخروي إلا رضاه جل وعلا، أسأل الله دائمًا أن يُحَوِّل إدبار أمتنا التي انحنى ظهرها إلى إقبال، وأن يُقوِّم احديداب العالم الإسلامي، وأن تتمكن الإنسانية من العيش في سلام وطمأنينة، وأعتبر ما دون ذلك من طلب للرغبات الجسدية والبدنية مثل نيل الجنان والحور العين والقصور سوء أدبٍ من حيث صلتي بالله، وأستعيذ بالله من هذا أيضًا.

هذه هي أصوات قلبي.. وإلا، فإن طلب الجنة والاستعاذة بالله من جهنم؛ إنما ذلك من مطالب ديننا المشروعة؛ إذ نطلب هذا في أدعية الصباح والمساء. نعم، إننا نسأل الله الجنة، ونرجوه الوقاية من النار لأن ديننا أجاز ذلك.. هذه مسألة مختلفة.. لكننا لا نرهن ما نفعله وما سنفعله في سبيل الله بالحصول على مجموعة من المكافآت الدنيوية أو الأُخروية، نرى هذا أمرًا دنيويًّا وجسديًّا وأنانيًّا، ونبتعد عنه فراسخ وفراسخ، نحن لا نفكر في الأهداف الدنيوية مثل تقلد الوزارة أو رئاسة الوزراء، ونرى التوقف عن طلب رضا الله وتوجيه قلوبنا لنيل مثل هذه الرتب الدنيوية أمرًا يشبه الانحدار من أعلى المراتب إلى أدنى الدركات.

يجب أن تكون هذه الاعتبارات متأصِّلةً في نفوسنا بشكل جيد للغاية، وينبغي ألا تلوِّثَ عقولَنا فكرةُ أننا قمنا بشيء، أو أن نرى أنفسنا شيئًا.. والتفكيرُ السليمُ يجب أن يكون من قبيل: لو كان في مكاننا أناسٌ مؤهَّلون ومجهّزون بالمؤهلات العالية، يعملون بعزم نبويٍّ، فمن يدري ما هي التطورات العظيمة التي كان من المحتمل حدوثُها! ولكن ماذا عسانا أن نفعل! فها نحن موجودون بدلًا منهم! لقد صارت المناوبة والعمل مسؤوليتنا.. ومن يدري، ربما نكون قد وقعنا في خيانة القضية”.. إذا تعاملنا مع القضية بهذه الطريقة، فقد نغمر الرغبات والأوهام التي بداخلنا، ولن نسمح لها بالخروج من لساننا، ولا الظهور في قسمات وجوهنا، ولا أن تشكل مواقفنا وسلوكياتنا. نعم، يجب أولًا أن ننظر إلى الأمر من زاوية أنفسنا؛ لأن هذه هي النقطة التي تهمنا في المقام الأول.

   الحَسَدَة

مع الأسف نجد من جهة أخرى مجموعة من المؤمنين لا ينظرون للخدمات المقامة على أنها لطفٌ وفضلٌ وإحسانٌ ومنٌّ مِنَ الله تعالى، وبالتالي تكون نظرتُهم لكم مشوبَةٌ بالحسد والغيرة، وهناك مجموعة أخرى ينظرون لكم نظرة عداوة وحقدٍ يسبب إظهاركم للدين والتدين، ولذلك فهم يتخذون موقفًا مضادًّا لكم، ويناجزونكم بفعاليات عدائية، وينتهزون كلَّ فرصةٍ لكي يردوكم عن طريقكم، إنهم لا يستطيعون تقبل الفاعليات الخدمية التي تقدمونها، ويحاولون تشويه صورتكم تحت مسميات وعناوين مختلفة، فيعملون أحيانًا على تصيد الأخطاء فيما تنجزونه، وأحيانًا أخرى يتهمونكم بخدمة مصالح لقوى خارجية من أجل تشويه صورتكم والحطِّ من اعتباركم، ويرون أن الانفتاح الذي تقومون به على كل أنحاء العالم هو مشروع جنوني، بل ويعتبرون ما تقومون به من فتح قلوب آلاف البشر، وتعلّمهم للغَتِكم، ومحبّتهم لقِيَمِكم، أو على الأقل احترامهم لقيمكم، كل هذا يعدونه والعدم سواء، ولا يريدون فهم القيمة المستقبلية لما تقومون به من فاعليات ومشاريع ستعم فوائدها العالم. ويتغاضون عن الخطوات الهامة التي اتُّخِذت لإحلال جوٍّ عام من الهدوء والسلام، وعن إقامة جسور الصداقة وزرعِ بذور المحبة والتسامح في كل مكان حول العالم.

بيد أننا ننظر للمسألة على أنها توجيه من المولى تعالى واستخدام منه لنا، ولكنهم ينشغلون في الأسباب، ولا يرون أحدًا سواكم وراء تحقيق هذه الجماليات، ومن ثم ينظرون للخدمات التي تُقام حول العالم على أنها نوع من (التحزّب) أو (التمذهب).. ولأنهم لا يوجهون أنظارهم إلى صاحب هذا التوفيق سبحانه وتعالى، أو لكونهم لا ينظرون للأعمال من جهة الحِسِّ السليم والمنطق العقلي، فإنهم يتخذون عداوة (الفلانيين) و(العلانيين) مسلكًا ينتهجونه.

وهناك قسم آخر منذ زمن وهم يدَّعون تمسكهم بالقرآن والسنة وحمل راية الدين؛ ولكنهم باؤوا بالفشل مرات ومرات، ولم يحالفهم التوفيق، وحتى إن رأوا وظنوا أنفسهم عظماء إلا أنهم لم يخطوا خطوتين في اتجاه تمثيل الدعوة التي يدعون أنهم يمثلونها؛ ولكن من جهة أخرى نجد الحق سبحانه يوفق النملة إلى إنجاز ما يعجز عنه الفيل ووحيد القرن، لكن هؤلاء لم يدركوا ذلك ولم يستوعبوه، فربطوا الجماليات المتحققة بفلان وعلان، ولذلك لم يقبلوا قيام أشخاص آخرين بأمورٍ تمنّوا القيامَ بها ولم يستطيعوا، ولذلك فقد أخذوا موقف الجبهة المضادة، فأصبح هناك قسم يعادونكم بسبب طبيعتهم الجِبِلِّيَّةِ، وقِسمٌ آخر بسبب الحسد وحس التنافس.

   إغلاق طريق الحسد

وفي مواجهة كل هذه الحوادث والأمور، يقع على عاتقنا، محاسبة أنفسنا وإعادة النظر في أخطائنا من جهة، ومن وجهة أخرى إيجاد سبل ومناهج لتعديل سلوكهم هذا، كأن تقوموا معهم بمشروعات مشتركة، إذ من غير الممكن إجبار الآخرين على سماع ما نقول وما نشرح، ولكن يمكنكم القيام بمشاريع مشتركة مع أشخاص يفكرون مثلكم ويسيرون تجاه نفس هدفكم، وأيًّا ما كان الاختلاف في المشرب والمذهب فإنه من الممكن الاتحاد من أجل غاية مثالية، ويمكنكم تحقيق مشروع يتفق عليه الجميع، ويمكنكم أيضًا التعاون مع الأشخاص الذين يشاركونكم في بعض المشاعر والأفكار، ويمكنكم إقامة فاعليات مشتركة معهم ويمكنكم إعطاؤهم ساحة خاصة للعمل.

وهكذا يمكنكم من خلال ذلك أن تحفظوهم ولو حتى بقدر ما من الوقوع في المعصية، والغيبة، وتعديل مشاعر التنافس والغيرة والحسد لديهم، وهكذا تحافظون على سلامتكم أثناء سيركم في هذا الطريق، وتحولون دون ازدحام وتعطُّل الطريق، وكذلك تحافظون على مشاعر الوحدة والاتحاد، والإخلاص والصميمية، فأينما وقعت الغيبة والافتراء وتشويه السمعة بين المؤمنين، يفسد الوفاق والاتفاق وتنقطع عناية الله، فلا يجب أن ننسى أنَّ لطفَ الحق سبحانه وعنايتَه مرتبطةٌ بالوحدة وعدم التفرق.

وكذلك فعلينا في مواجهة تلك السلبيات أن نراجع أسلوبنا مرة أخرى، فحتى وإن كنتم أصفياء منزهين كالملائكة في أداء خدمتكم، إلا أن عدم اتباعكم الأسلوب الأمثل قد يولد قسمًا من المشكلات والأعطال، ولذلك فعليكم إظهار تعاطف جاد أثناء حديثكم وفهم مشاعر مخاطبيكم أثناء الحديث معهم، وعليكم أن تبتعدوا عن الألفاظ التي تشير إلى الأنانية الجماعية والكلمات التي تؤدي إلى النفور والإعراض، وأن تطيبوا نفوسهم وتسترضوهم في كل فرصة، مثلًا إذا جاءكم أحدهم قائلًا: (رضي الله عنكم وجزاكم خيرًا على ما قدمتموه من خدمات)، فعليكم أن تجيبوه بقولكم: (نستغفر الله، فلولا الفلانيون والعلانيون هؤلاء وتمهيدهم الطريق لنا، وكسرُهم حِدّة وشِدّةَ الجوِّ العام، لما كنا نستطيع القيام بهذا الأمر ألبتة) وهذه الإجابة ليست من قبيل المداراة في الكلام ولكنها تعبير صادق عن الحقيقة.

وعلى من نذروا أنفسهم للخدمة أن يتحروا الدقة البالغة في ألفاظهم وكلماتهم، وأطوارهم وأحوالهم وتصرفاتهم، ويجب أن يكونوا على وعي تام بأن أقوالهم وتصرفاتهم لن تكون مقصورة عليهم فحسب، بل إنها ستُرَوَّجُ وتُذاع في المجتمع بأكمله، فعليهم أن يتحلوا بأعلى درجات الحساسية حتى لا يتسببوا في تشويه وتلطيخ صورة جماعة كبيرة، فإنهم بجانب تضحياتهم عليهم أيضًا ألا يسمحوا لأحد أن يتصيد خطأ أو يجد الفرصة لتشويه هذه الحركة الطيبة.

ولذلك فنحن لا نتخذ طور الهجوم على الآخرين كما يفعل البعض، ولا يمكن أن نواجه لكماتهم بمثلها، ولا يمكننا أن نقابل خطأهم بخطإ؛ حتى لا نفتح المجال لاتساع الدائرة الفاسدة، وبذات الوقت فإنه لا يمكننا أن نغض الطرف عن سقوط جميع القيم وانهيارها في قاع بئر التعارض والتساقط، إذًا فماذا علينا أن نفعل؟ ينبغي لنا أن نكون مثل “يونس أمره” الذي يقول: “لا يد لي لمن ضربني، ولا لسان لي لمن سبني، ولا قلب لي يؤذي من كسر قلبي”.

ولكن يمكننا أن ندافع عن حقوقنا داخل دائرة القانون فنوضح، ونصحح الأكاذيب، ويمكن رفع دعاوى التعويض وما وراء ذلك من الطرق القانونية، وهذه مسألة مختلفة، لكن لا نقوم بالرد مباشرة على كل من يتحدث عنا، ولا نقابل غوغائية الآخرين بنفس الشكل.. كما يجب علينا ألّا نحطّ من هويتنا بأي شكل من أشكال الرد على الأقوال والأفعال السيئة، لأن مثل تلك الأطوار المستقبحة لا تليق بالمؤمن، أما نحن فنحزن على حال هؤلاء الذين أعماهم الكره، ووقعوا أسرى لمشاعر الحقد والعداوة، ونشفق عليهم، وكما يعبر القرآن أن الكلَّ يعمل على شاكلته، ويفعل ما يليق به؛ قد يثقل على أنفسنا أن نصمت تجاه ما نتعرض له من مساوئ؛ ولكن كلما كبرت مشاعر الكره والعداوة ولم تكبر مشاعر الحب والشفقة والرأفة في قلوبكم، فلن تستطيعوا التغلب على الفتن والعداوات التي تحيط بكم.

وفي هذا الخصوص أيضًا يُعَدُّ التواضع والمحوية أساسًا مهمًّا، وقد توقّفْنا على المسألة بعض الشيء أعلاه، فلو أنكم قدمتم أنفسكم وربطتم المسألة بأنانيتكم، وصرتم تصدرون أصواتًا عالية مثل طبلة المسحراتي فلن يخلو طريقكم من التضارب والتعارض، ولكن إن اتخذتم رضاء الحق سبحانه وتعالى أساسًا لكم وتحركتم في حدود ما أمر به سبحانه، وأعليتم قدر الحق في نفوسكم، فلن يسلط الله سبحانه الآخرين عليكم ليسحقوكم ولن يحكم عليكم بالفناء.. والواقع حتى اليوم أن من يبحث عن المقام والشهرة خسر، وأن من التزم مسلك التواضع والمحوية فاز، فليس المهم إثبات الوجود في نظر الغير، ولكن المهم هو أن نكون مؤهلين للنظر الإلهي.

وباختصار، إن الواجب عليكم فعله هو إنجاز الخدمات بصورة مستمرة، مع الأخذ في الاعتبار القضاء أو على الأقل التخفيف مما قد يتكون داخل المجتمع من عداوة أو عدم راحة تجاهكم، والقيام بكل ما يلزم بخصوص هذا الأمر، وما تقومون بفعله يجب ألا يثير حفيظة الآخرين، ولا مشاعر الحسد، ولا الخوف أو القلق، بل يجب أن يكون العملُ محفوفًا دائمًا بالتمكين والتيقُّظ.

ورغم كل هذا فهناك أشخاص لن يستريحوا لما تقومون به من خدمات، وسيستمرون في عداوتكم، وهناك بعض الطبائع والشخصيات سيقفون ضدكم بسبب عدم اشتراكهم في تلك الأعمال وبسبب كمية وكيفية الخدمات المقامة، فيجب عدم الاستهانة بمشاعر الحسد وعدم القبول، ولكن المهم هو قيامكم بما يتوجب عليكم فعله وأداؤكم له حقّ الأداء.

الجَرَّة المشروخة: اتهامات وافتراءات على الخدمة – 2

Herkul | | العربية

   مظاهر عدم التّقبُّل والحسد

تحقد بعض الشرائح على متطوعي الخدمة، ومن أهم أسباب ذلك الحسدُ والغيرة، ومن ذلك رسالةٌ مكوّنة من ثلاث صفحاتٍ جاءتني قديمًا من شخصٍ قال فيها ما مفادُه: “إن الخدمة تشغل الساحة وتملأُ الميدان إلى درجةِ أنّها لم تُبقِ مكانًا للآخرين”! وكأنه لم يبق في هذا العالم الضخم مجالٌ آخر يُحتاج للخدمة فيه! والحقيقةُ أن هناك أماكن عديدة في العالم تحتاج مشاكلُ الإنسانية فيها إلى حلول، ويمكن إيصال الحق والحقيقة إليها. نعم، اذهبوا إلى إفريقيا، اذهبوا إلى الشرق الأقصى، اذهبوا إلى الصين، اذهبوا إلى روسيا، إلى أمريكا، اذهبوا إلى حيث شئتم، وحاولوا أنتم كذلك نقلَ عالمنا الثقافي الثري إلى الناس هناك، والاستفادة من ثرائهم وكنوزهم الإنسانية، ما أكثر الأماكن البكر في العالم، والتي يمكن استزراعها والحصول على ثمارها الطيبة.

ولكنّ عدمَ القيام بهذا والشكوى صراحةً من الخدمات المنجزة؛ إنما هو مؤشّرٌ على عِظَمِ ما يكمنُ في الصدور من مشاعر عدم التقبل.. وهذا يعني أنهم يتحدثون فيما بينهم عن مثل هذه الأمور، ويصرّحون بانزعاجهم من الخدمات المنجزة! إن مشاعر عدم التقبل ربما تدفع الإنسان إلى التخريب بقدرٍ لا يدفعه إليه الكفرُ؛ فبعض الأشخاص الحاقدين يبذلون قصارى جهدهم لمنع الاهتمام والتوجه إلى غيرهم، وتضييق مجال تأثيرِ غيرهم على المجتمع، فيلجؤون إلى كل أنواع الكذب والافتراء والتشويه، بل إنهم يحاولون أن ينسبوا إلينا مجموعةً من الجرائم لا علاقة لنا بها من قريب ولا من بعيد، ويسعون إلى جعلنا في مواجهة مباشرة مع الدولة، ويقدموننا وكأننا أعداء ألداء لها.

وكما سبق أن تعرّضنا لمثل هذه الغوائل مرات عديدة فإننا نتعرض لها الآن أيضًا، ولستُ أدري إن كانت طاقتُنا تكفي للقضاء على مشاعر المزاحمة والغيرة الكامنة لدى الناس أم لا؟ ولكننا مكلَّفون بتنفيذ ما يقع على عاتقنا، وهو التحرك بشفافية تامة، والتزام الحساسية لأقصى درجة تفاديًا لإثارة مشاعر الحسد لدى أي إنسان، والأكثر من ذلك تمهيدُ الطريق الذي نسير فيه للآخرين عبر جعل أهدافنا هدفًا يتبنّونه، إن كنتم ترغبون في اعتلاء قمة جبل “إفريست”، فادعوا الآخرين من مختلف الأفكار الذين يُكنون لكم الضغينة والحسد أن “هيّا بنا نصعد سويًّا”.. أَثبتوا أنكم لا تفرقون ولا تعادون أحدًا، بالإضافة إلى ذلك لا تنسوا أن أصحاب الأفكار المختلفة عنكم قد يُضيفون إليكم شيئًا مفيدًا، لا تربطوا المسألة بفلان أو علان فحسب فتُضيّقوا الفضاء الذي بسطه الإسلام، ولا تُحَوِّلوا ما أمامنا من طرق واسعة إلى دُروبٍ ومنعطفات من أجل الوصول إلى الهدف، وإلا تعثّرتم في الطريق، وعجزتم عن الوصول إلى المكان المطلوب.

لا تدخلوا مع بعض الأشخاص في خلافات وصراعات بشأن بعض القضايا الفرعية، لا سيما إن كنتم تستطيعون الاجتماع حول محكمات القرآن والسنة، احترموا تمامًا الطريق الذي يسير فيه كلُّ إنسان، والمنهجَ الذي يتبعه؛ فالاحترام مفتاحٌ سحري، إن تحترموا الآخرين تُثيروا مشاعر الاحترام لديهم تجاهكم، وإلا فإنكم تدفعونهم إلى مهاجمتكم، عبروا للآخرين عن مشاعر التقدير، ولا تفعلوا هذا انطلاقًا من مبدإ المُداراة، بل لأنكم تؤمنون بذلك في أعماقكم، ليسمعوا الصوت والنغمة نفسها كلّما سمعوكم في مناسبات وأوقات مختلفة تمامًا، وهذا سيكشف صدقَكم وإخلاصكم؛ لأن القولَ شيءٌ، والحفاظ َعليه، وجعلَه جزءًا من طبيعة الإنسان شيءٌ آخر.

إنكم لا محالةَ ستجدون صعوبة بالغة في هذا الأمر، ولن يوافق الطريقُ الذي يسلكه الآخرون فهمَكم وطبيعتَكم، وستُطلُّ الأنانية برأسها، بل وستصبح تلك الأنانية أكثر صلابة فيما يتعلق بالأنانية الجماعية، ولكن ينبغي أن تعرفوا أن التغلب على مثل هذه الصعوبات يتأتّى عن طريق إعطائكم إرادتَكم حقّها، وتحمّلِ المواقف المزعجة، بل إن التراجع إلى الوراء بضع خطوات -إذا لزم الأمر- سيمنحُكم ثوابَ العبادة من ناحية، ويجعل الآخرين يتعاطفون معكم ويتوقون إلى مشاركتِكم دربَكم ومنهجَكم من ناحية أخرى.. علاوة على أن من لم ير منكم إساءةً لسنوات طويلة فسيبدأ في بناء الثقة بكم.

وكما أكدنا سابقًا؛ فالطرق المؤدية إلى الله تعالى كثيرةٌ بعدد أنفاس المخلوقات؛ وذلك بحكم الفطرة، وعليه فإن الاختلاف في الفروع جنايةٌ طالما أمكن الاتفاق في القضايا الرئيسة، إن كنتم تبتعدون عن البعض بدعوى أنكم تتبعون الطريق الأجمل فهذا يعني أنكم على خطإٍ عظيم، وعلى حد قول الأستاذ النورسي فإن الحسن المتفق عليه أفضل من الأحسن المختلف فيه، ومن ثم فإن عصرنا الذي يحتاج بشدة إلى الوفاق والاتفاق في أمسِّ الحاجة إلى تناول مشاعر الحسد أو التنافس التي في الصدور، وعجنها ووضعها في قالب الإخلاص، فإن لم تُراعَ تلك المبادئُ فإن مسار الطريق سيكون في خطر، ومهما تحركتم بتضحية وفدائية فستقع حوادث مرورية لا يمكن توقّعها، ثم تضطرون إلى بذل عشرة أعوام من عمركم في مسافةٍ يمكنُ قطعها خلال عامين فقط.

   فتن المنافقين وإفسادهم

بالإضافة إلى كل ذلك، لا يمكن تجاهل دور المنافقين الذين يسيئون التصرف ويفسدون باستمرار، فإن كانوا يكرهونكم بسبب دينكم وتدينكم، وطريقكم ومنهجكم، ونموكم وتطوركم وتقدمكم فسوف يدبرون لكم المكائد والمؤامرات واحدةً تلو الأخرى باستمرار، وإن بلادنا لم تخلُ قطّ ممن يعادون الدين، ويثيرون الخلافات والشقاق بين أفراد الأمة باستمرار، ويرغبون في إفساد البنية العامة لبلادنا والزج بها في دوامة الاضطرابات، فهؤلاء الأشخاص الذين سيطرت عليهم فكرة الشر سيشعرون بالانزعاج من كل الحملات الإيجابية التي تعود بالنفع على البلاد، فيفعلون كل ما بوسعهم لعرقلتها وإفسادها.

إنهم يعملون ضدكم باستمرار؛ فيهمسون -أحيانًا- في آذان الحاكمِ بأشياء يُلَفِّقُونها ضدكم، وأحيانًا يختلقون بعضَ الحجج الواهية فيقدمونكم من خلالها إلى الرأي العام كمجرمين، وأحيانًا أخرى يُحرّضون عليكم الناس من قطاعات مختلفة، حتى إنهم عند عجزهم عن الوصول إلى أهدافهم بمثل هذه الفتن يضعون مختلف شرائح المجتمع في مواجهة مباشرة؛ فيضربون بعضها ببعض، ويحاولون إثارة الصدام فيما بينها، وبعد أن تقضي شريحة على الأخرى سوف يقفزون هم أيضًا على رأسها.

ولهم مؤسّسات فكرية ومراكز إستراتيجية أسّسوها للقيام بهذه الأعمال على وجه الخصوص، وفي أروقتها يضعون الخطط والمشاريع المتعلقة بكيفية القضاء على من لا يفكّرون مثلهم، وفي غرفها المغلقة يُلَفِّقُون شتى الأكاذيب والافتراءات بشأنهم، لدرجة أن رياح -وبعبارة أصح عواصف- تلك الفتن والمفاسد التي يثيرها مثل هؤلاء الناس يمكنها تقويض الدول؛ لأن التخريب أسهل من التعمير.

وهنا لا بد من القول إنه لا أساس إطلاقًا لكل المزاعم المثارة ضد الخدمة، وما هي إلا افتراءات وتشويهات، حتى إنّ مثيري تلك الافتراءات يعلمون هم أنفسُهُم أنه لا أساس لها من الصحة، ولا سيما أن وصف المنتسبين إلى الخدمة بالإرهابيين، واتهامَهم بخيانة الوطن ليس إلا نتيجةً للحقد عليهم والاغتياظِ منهم؛ لأنه حتى اليوم لم يخرج من بين المنتسبين إلى حركة الخدمة، الضاربين في شتى أصقاع الأرض حاملين إليها رسائل المحبة شخصٌ على الإطلاق لجأ إلى العنف أو تلوّثَ بالجريمة.

إن مُرَوِّجي هذه المزاعم يعلمون يقينًا أن رجال الخدمة لم يحملوا معهم ولو حتى شفرةً صغيرة، ناهيك عن أن يلجؤوا إلى العنف والإرهاب المسلح؛ فهؤلاء الأشخاص الذين نذروا أنفسهم للحب لا يدوسون ولو حتى نملةً عامدين، وبالرغم من كل هذا التحريض والضغط فقد حافظ رجال الخدمة على نهجهم، ولم يخرجوا إلى الشوارع بأي شكل من الأشكال، وهذا دليل كافٍ على صدقهم وإخلاصهم، كما أن متطوعي الخدمة الموجودين منذ ما يقرب من نصف قرن والنشطين في مجالات مختلفة لم يثبت بحقهم حتى الآن أيُّ دليلٍ على ارتكابهم لأية جريمة بالرغم من مراقبتهم من قبل أجهزة سرية مختلفة؛ لذا سُمح بالعمل للمؤسسات التي أنشؤوها في العديد من دول العالم.

لكنه وعلى الرغم من هذا البياض الناصع لسجلات المنتسبين إلى الخدمة إلا أن هناك أشخاصًا يُعادون متطوعي حركة الخدمة لأسباب مختلفة؛ منها ما ذكرناه سابقًا ومنها ما لم نذكره، ويختلقون ويُلفّقون الأدلة لإدانتهم، ويحيكون الخطط لإيذائهم، بدعوى الحفاظ على مستقبل الأمة ومصالح البلاد أحيانًا، وبذريعة حماية أسس الدين، ومتطلبات الجمهورية والديمقراطية وتحقيق السلام العالمي أحيانًا أخرى، مع أن الخدمة لم ولا ولن تمس هذه العناصر بأي سوءٍ أو ضرر.. الأمرُ على العكس تمامًا؛ فالخدمات المبذولة ترمي إلى دعم كل هؤلاء وتطويرهم، لذا فإن الواقع على عاتقنا هو بيان كل هذه الأمور وتوضيحُها مرارًا وتكرارًا.

   مواصلة العمل

وبغض النظر عما يفعله الآخرون من شرور؛ فإن الذين آمنوا بالله وحكمته، والتزموا أوامره بالسعي فهداهم سبحانه وتعالى إلى الطريق القويم؛ لا تدفعهم تلك الأفعالُ إلى التردد، ولا تُحيرهم أو تنالُ من عزيمتهم، ولا تجعلهم يتوقفون أبدًا.. إن هؤلاء المؤمنين بالله وحكمته ما داموا يثقون بأن طريقَهم يَعِدُ بنتائج طيبة لصالح أمّتنا والبشرية في العالم على حدٍّ سواء، وما داموا يفحصون طريقهم باستمرار ويتحقّقون من مدى صحة الموضع الذي يتم الوصول إليه بالنسبة للمقاييس العامة والقِيَم الكونية؛ فعليهم ألا يَنظروا إلى الكلام الصادر من هنا وهناك، وألا يرتبكوا أو يخافوا طالما تيقّنوا من عدم ارتكابهم الخطأ.

فقد رُميَ نبيُّ الله نوح عليه السلام بالحجارة، وتعرّض سيّدُنا هود عليه السلام للتضييق والتهديد، وهُدّد صالح عليه السلام بالقتل، واضطر سيدنا موسى عليه السلام إلى ترك وطنه، وأُرِيدَ صَلبُ المسيح عليه السلام، ونُشر زكرياءُ عليه السلام بالمنشار، وهناك الكثير والكثير من الأنبياء تعرضوا لشتى أنواع الظلم والقمع.. لكنَّ أيَّ فردٍ منهم لم ينكص عن الطريق الذي سلكه، وإذا كان أشرفُ عباد الله تعالى وأقربُ خلقه إليه قد سامهم الظالمون شتى أنواع الأذى وأذاقوهم صنوفَ الألمِ؛ فلا يمكن لسالكي دربِ السعادةِ على هداهم ألّا يُفتَنوا كما فُتِنَ سلَفُهم الصالح، قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (سورة العَنْكَبوتِ: 29/2-3).

ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف: “يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى قَدْرِ دِينِهِ فَمَنْ ثَخُنَ دِينُهُ ثَخُنَ بَلَاؤُهُ وَمَنْ ضَعُفَ دِينُهُ ضَعُفَ بَلَاؤُهُ[1].

وعليه يُعتبر المضحون الذين يستهدفون نيل رضا الله تعالى عبر إحياء مستقبل الإنسانية قد فازوا في النهاية حتى وإن أُلقوا في حفر الموت على قارعة الطريق، ولا ينبغي لهم أن يحزنوا لذلك، بل يحزنون على مَن ظلمهم وتأخذهم الرأفة بهؤلاء المعتدين الذين ضيّعوا آخرتهم بأيديهم، فعندما شُنق عبد الله بن الزبير رضي الله عنه من قِبَلِ “الحجاج بن يوسف” برزت أمه سيدتنا أسماء رضي الله عنها للحجاج وخطبت خطابًا مؤثرًا مزعزعًا، فكان مما قالته للحجاج: “يا حجاج! لَئِنْ أَفْسَدْتَ عَلَيْهِ دُنْيَاهُ لَقَدْ أَفْسَدَ عَلَيْكَ آخِرَتَكَ”[2]، إذًا يجب أن يكون هذا ما يُحزِنُنا.

بالإضافة إلى ذلك: تسامَحُوا وأحبّوا ما استطعتم، ولا تنسوا أنّ عَبَدَةَ الشيطان ومَنْ يتحركون بتوجيهاته لن يتخلّوا عن عدائهم لكم، فعليكم أن تواصلوا طريقكم بحذر ويقظة، وتذكّروا أنه كلّما منَّ الله تعالى عليكم بنعمٍ وألطافٍ انزعج من ذلك أعداء الله ورسولُه، وراحوا يحيكون المؤامرات في سبيل تشويه خدماتكم الطاهرة، والحقيقةُ أنه بالنظر إلى الخدمات المبذولة باسم الخدمة يتبيّنُ أنها لا يمكن أن تُزعجَ أحدًا سوى الشيطان المطرودِ من حضرة الله، غير أن هناك أشخاصًا كثيرين يُعينُون الشيطان على الشرّ، لذا فينبغي لكم وأنتم تواصلون طريقكم بعيدًا عن التوقف أو الذعرِ؛ أن تتحلّوا بالبصيرة الفائقة والحيطة والحذر التامّين.

ونظرًا لأن التعامل مع هذه الأشياء الواسعة الدائرة إلى هذا الحد لا يمكن أن يتحقق من خلال الاعتبارات الفردية، يلزمكم تناولُ الأمور الخاصة بكم وفقًا لمبدإ المشورة والوعي الجماعي، وإن كنتم لا ترغبون في التعرض للخيبة والخسران فعليكم بالتشاور حتى في أبسط الأمور، والالتزام بالقرارات الناتجة عن ذلك.

   المحاسبة

أخيرًا وليس آخرًا، من المفيد أن أذكركم بأمر كثيرًا ما نؤكد عليه؛ حيث إن الأستاذ النورسيَّ يحمّل نفسه المسؤولية ويعتبر -في أحد المواضع من كتبه- أن اعتداء الدنيويّين عليه إنما حصلَ بسبب بعض المشاعر التي قد تدبُّ بداخله، والتي لا يُقرُّها أصلًا.. لذا يجب علينا قطعًا أن نُخضع أنفسنا للمحاسبة في هذا الشأن، فنحن نقول إننا نبغي رضا الله تعالى فقط، وإننا متعلقون بغاية سامية جدًّا هي إعلاء كلمة الله التي هي أكبر وسائل نيل رضاه تعالى، تُرى هل نستطيع الحفاظ دائمًا على تلك الفكرة والشعور الأول في كل لحظةٍ من حياتنا؟ تُرى هل تخطر ببالنا -ولو شيئًا قليلًا- أفكارٌ مثل الاستفادة من النعم الدنيوية وتحقيق الراحة في الدنيا؟ تُرى هل نتدخل في شأن الربوبية من خلال التشوف إلى بعض الرغبات المتعلّقة بالمستقبل؟ تُرى هل نثق باتساع الخدمات المبذولة ونراها وكأنها مصدر قوة فننسى مصدر القوة الحقيقي الذي يجب الركون إليه والوثوق به؟!

من الممكن زيادة الأسئلة أكثر، ويمكنكم التفكير فيما هو أعمق من ذلك، ومحاسبة أنفسكم من هذه الناحية؛ فالتعبير عن أمرٍ ما شيء، وتمثل ذلك الأمر شيءٌ آخر، إنْ صدر منكم أيُّ خطإٍ أو تقصيرٍ في هذه القضايا فقد تنالون صفعة رحمة، وبالتالي فما يجب عليكم فعله هو سرعة التوجه إلى الله بالتوبة والاستغفار كمن أذنب، وبما أنَّ أحدًا منّا ليس مُبَرّأً ومزكًّى فلا نستطيع أن نزعم أن مشاعرنا وأفكارنا نظيفةٌ معصومةٌ على الدوام، تمامًا مثل بعض الدقيق الذي يخرج من بين حَجَرَيْ الطاحونة ويتطاير بعيدًا عن المخزن، فإن بعض أفكارنا أيضًا قد تذهب بنا إلى أماكن لا نريدها، ويستغل الشيطان فراغكم هذا فيُسلِّط عليكم بعضَ الناس، وهو ما يعتبر في الوقت نفسه عقابًا إلهيًّا لكم نتيجة أخطائكم.

ومن ثمَّ يجب علينا الحذر التام لئلا تكون هناك أية ثغرة في علاقتنا مع الله تعالى، ولنراقب أنفسنا باستمرار: هل نحافظ على قوامنا أم لا؟ فإن حدّدْنا أخطاءنا وأوجهَ تقصيرنا وجب علينا الإسراع بإصلاحها، وعندما نفعلُ ذلك ونوثق صلَتَنا بالله تعالى فإنه يحفظنا ويرعانا، وإن استطعنا التغلّب على أنفسنا وعلى الشيطان طاشت أفكار المخطّطين ضدنا، وضلت أعمال المنفذين، والخلاصة أن الله تعالى سيواصل إنعامه علينا طالما أننا لم نتعرّض للتشوّه والتفسّخ الداخلي.

[1] الحاكم: المستدرك على الصحيحين، 1/99.

[2] الحاكم” المستدرك على الصحيحين، 4/571.