Posts Tagged ‘التواضع’

التواضع والإخلاص

Herkul | | العربية

التواضع حال وشعور قلبي، ويعني التذلل واستحقار النفس، وهذا عظيم جدًّا عند الله تعالى، ويُطلق على صاحب هذه الصفة العظيمة “متواضع”، وعلى الرغم من أن التواضع ينعكس في الغالب على الأفعال والسلوكيات، إلا أنه لا يمكننا الجزم بتواضع المرء من عدمه بمجرد النظر إلى سلوكه الظاهري.. فالنية هي التي تحدد المتواضعَ من غيره سواءً كان المتواضعُ يصلي في الصف الأوّل خلف الإمام أو في الصف الأخير. المهم هنا هو الشعور الداخلي الذي دفعه إلى هذا الفعل، ومن ثم يكون من الواجب على المرء أن يراجع نفسه دائمًا وأن ينتبه إلى إحساسه ومشاعره ويقِوّم حياته وفقًا لذلك، فالإنسان المتواضع يتجنَّب دائمًا المواضع التي تستدعي تبجيله وتعظيمه أمام الآخرين؛ إذ يشعر بالضيق والحرج عندما يضعه الآخرون في مكانة كبيرة لشيء فعله.

وفي كثيرٍ من الأحاديث النبوية يرد التذكير بفضل التبكير إلى الصلاة والوقوف في الصف الأول خلف الإمام، هذا هو الجانب الموضوعي من المسألة.. أما ما نحاول الحديث عنه هنا فهو الجانب المتعلق من المسألة بالتواضع والكبر، وبالتالي فهو أمر ذاتي، ومع ذلك فإن الشخص ربما ينال الثواب أيضًا نتيجة صدق هذه الاعتبارات، فمثلًا قد نجد شخصًا يأتي إلى المسجد مبكرًا ولكنه يقف في الصف الخلفي ليس إلا إيثارًا منه لينال أخٌ آخر تلك الفضيلة، فهذا نوع من الجود وعملٌ مقبول عند الله، ولكن قد لا يكون من الصواب أن يفعل الشخص الشيء نفسه دائمًا حتى ولو كان سخاء ومروءة من هذا القبيل؛ فقد يتحول هذا بعد مدة ما إلى محاولة التعريف به وإشهار نفسِه أمام الناس.

ومهما قام المؤمن بأعمالٍ جليلة فعليه أن يعرف كيف يتخلّص على الفور من الوقوع في فخِّ إشهار نفسِه أمام الناس، يجب عليه أن يكون عازمًا كل العزم على أن يقضي حياته في تواضع تام، ومحو تام، وخجل تام.. بيد أنه ينبغي له ألَا يقيِّد هذه الأمور بالشكليات؛ لأن مفهوم التواضع المرهون بأشكالِ وأنماطِ سلوكيةٍ محددة من الممكن أن يدفع الإنسان إلى عقدة التصنع وإبراز النفس دون وعي منه، لذا فعلى المرءِ أن يكون مرِنًا وأن يتخذ القرار وفقًا لحالته الروحية؛ فليس للسلوكيات والأفعال قيمة في حد ذاتها؛ ولكن ما يُكسبها القيمة والتقدير هو نية المرء وقراراته الداخلية.

   الأحكام التي يصدرها الضمير

إن مَن يستطيع قراءة الإنسان وفهمه جيدًا هو الإنسان نفسه.. أي مرآة الضمير؛ فالضمير يشبه حجر الزاوية والميزان الذي لا يضلّل ألبتة، لذا فعلينا أن نجعله معيارًا وميزانًا في كل أفعالنا وتصرفاتنا، وأن نتحرّك وفقًا له.

وإذا تناولنا مثال الصلاة مرة أخرى، نجد شخصًا يقول في ضميره “لستُ جديرًا بالوقوف في الصف الأول”، ويتراجع إلى الصف الخلفي اعتمادًا على هذه الملاحظة؛ أي إن شعور التواضع بداخله هو الذي يدفعه إلى فعل ذلك، فيتجلى تواضعه على هذا النحو، بينما شخص آخر يقف في الصف الخلفي ليجعل الآخرين يقولون عليه: “كم أن فلانًا متواضع! يقف في الخلف على الرغم من أنه يأتي إلى الصلاة باكرًا!”، حتى وإن لم يفكر المرء في هذا صراحة فإن فكرة خبيثة جدًّا ربما تنتابه وتستقرّ في ذهنه دون وعي منه، ومن ثم تأتي الخسارة بسبب إبراز النفس وتعظيمها.

ويجب العلم بأن الإنسان إنما هو إنسان نياته وعوالمه الباطنية وانفعالاته الداخلية، هذا هو ما يصبغ الأفعال وينسجها ويشكلها، وبه تكتسب الأفعال قيمة وعمقًا أو تفقد ذلك تمامًا، وكما ورد في الحديث النبوي فإن الرجل يقاتل بكل بسالة وشجاعة في ساحة الوغى؛ إلا أن عمله هذا إذا لم يكن مرصَّعًا بالإخلاص فإنه لا يساوي شيئًا على الإطلاق عند الله تعالى؛ كما أنه لن يقرِّبه من الجنة ولو قيد أنملة؛ بل على العكس يقرِّبه من النار.

ورجل آخر ثريّ مثل قارون، قد أنفق ما لديه من كنوز حتى آخرها، لكنه إنْ خطرت بذهنه واستقرت فيه أفكار من قبيل أن يقول الناس له: “كم أنت جواد! هكذا يكون الجود والكرم!”، فهذا يعني أن أعماله صارت هباءً منثورًا[1]، ويمكنكم أن تقيسوا على هذا سائر الأعمال والمزايا الأخرى من الرفعة في العلم وحسن الخطابة وعذوبة الكتابة أو البراعة في إلقاء الشعر.. إن فكرةَ الشهرةِ والصيت ونسبةَ العمل إلى النفسِ -ولو بقدر يسير- تقضي تمامًا على العمل الصالح والخدمات المبذولة حتى وإن كانت مذهلةً تأخذ بالألباب، وعلى هذا يجب أن يكون رضا الله عز وجل هو المقصد الأول والأخير في جميع الأعمال، ويجب العمل على نيل رضاه تعالى فحسب.

إن منْ لا يمرّر أحواله وأفعاله من مصفاة الوجدان ولا يحاسب نفسه من وقت لآخر يندم أيَّما ندم أمام المولى تعالى.. والواجب علينا هو أن ندقّق حتى في أكثر تصرّفاتنا براءةً وعصمةً وأن نتحقّق دائمًا من سلامتها.

يمكنكم القيام بأعمال طيبة للغاية لصالح الإنسانية؛ فمثلًا لقد قمتم بإصدار الصحف والمجلات وبث القنوات التلفزيونية، والنجاح في هذا الصدد.. إلا أنكم إذا أقحمتم أنانيَّتكم في ذلك، فإن هذه الأعمال الطيبة تُردُّ في وجوهكم يوم القيامة، وتَحبَط جميعها؛ فلا يمكن لأي عمل لا يُعتمد فيه على الله أن يحقِّق النجاح، كما أن الأعمال التي تفوح رياءً وسمعةً هي ضدكم وضد دينكم وضد أمتكم، وإن نجحت الأعمال التي لا تقوم في الأساس على الصدق والإخلاص نجاحًا مؤقتًا، فاعلموا جيدًا أن ذلك إنما هو استدراج.

   الكذب صفة الكفار

إذا أردنا ألا نتعرض للخسران الدنيوي والأخروي، فعلينا أن نؤدي جميع أعمالنا وكأننا نراه تعالى فإن لم نكن نراه فإنه يرانا، وهذا يقتضي أعلى درجات الإخلاص والصدق، يجب ألا نتفوه بقول أو نكتب كلمة أو نقوم بعمل دون ربطه بفكرة الإحسان، وعلينا دائمًا أن نتحرى رضاه تعالى في كل شؤوننا وتصرفاتنا صغيرِها وكبيرِها، لأن ما لا يستند إليه جل جلاله من أعمال إنما هو كذب.. إنها كذبٌ حتى ولو فتحنا إسطنبول، وانتصَرْنا في موقعة “جالديران”، وغلَبْنا في “مرج دابق” و”الريدانية”.. إياكم أن تفهموا من كلامي هذا أنني أرى ما قام به السلطان الفاتح والسلطان ياووز كذبًا وبهتانًا، فلا يليق الكذب ألبتة بهذه القامات الجليلة، وإنما أحاول أن أقدم مشهدًا ورؤية مناسبة فيما يتعلق بالتحكم في عالمنا الداخلي والسيطرة عليه.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن “الكذب” هو العلَامة الأبرز في شبكة البلاء التي ستتسلط على أمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في آخر الزمان، وكلمة “الدجال” أيضًا تعني المخادع الكذاب، ولما كانت هذه الكلمة قد وردت في اللغة العربية بصيغة المبالغة فإنها لا تُستخدم لكذاب عادي؛ وإنما تعني الكذاب البارع بحيث صار يصدِّق الأكاذيب التي اختلقها هو.. وإنَّ أفعالَه وإن بدت وكأنها وقعَت لصالح الإيمان والإسلام وتنبع من شعور الإحسان ومن أجل خير الأمة ومصلحتها، إلا أنها كذبٌ وبهتانٌ بيِّن لا صلة له بالصدق والإخلاص، كما أن الوعود التي يعِد بها مستقبلًا هي محضُ كذب وافتراء أيضًا، والكذب كما يصفه الأستاذ بديع الزمان هو لفظٌ كافر، ولا تليق بالمؤمن.

ومع الأسف فالشيطان يخدع الكثيرين اليوم بشراك الكذب سواء أكان فعليًّا أو قوليًّا أو حاليًّا أو تخيليًّا، ويضلهم عن السبيل، والواجب على المؤمن الحقيقي هو أن يلتزم الصدق دائمًا؛ ويفر من الكذب فراره من الأسد.

***

[1] انظر: صحيح مسلم، الإمارة، 152. (إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ، وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ، وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ).

الدعاء الذي تعلمه سيدنا أبو بكر الصديق من رسول الله صلى الله عليه وسلم

Herkul | | العربية

   سؤال: سأل أبو بكر الصديق رضي الله عنه النبيَّ صلى الله عليه وسلم أن يعلّمه دعاءً يدعو به في الصلاة، فقال صلى الله عليه وسلم: “قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ[1]، فما الرسائل التي يوجّهها لنا هذا الدعاء؟

   الجواب: لقد كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه رجلًا ورعًا شديد التواضع، التزمَ الحساسية والدقّة المتناهية في حياته، وكمثالٍ على ذلك فلقد حدث أن قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذات يوم: “مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاَءَ، لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ“، وعندما طرقت أذنَ أبي بكر الصديق تلك الكلمات قال مرتعدًا من تلك العاقبة السيئة: إِنَّ أَحَدَ شِقَّيْ ثَوْبِي يَسْتَرْخِي، إِلَّا أَنْ أَتَعَاهَدَ ذَلِكَ مِنْهُ؟! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مهدئًا من روعه: “إِنَّكَ لَسْتَ تَصْنَعُ ذَلِكَ خُيَلَاءَ[2].

لقد كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه من أوائل المؤمنين، وهو يصغر الرسول صلى الله عليه وسلم بعامين فقط، ومن ثم عايش المصطفى صلى الله عليه وسلم في مرحلة الطفولة والشباب، ومع أن ذلك قد يكون عقبةَ في طريق الإيمان إلا أنها لم تمثل أية عقبة له، بل إنه أول ما دعي إلى الإيمان أجاب مباشرة وبدون أدنى شبهة أو تردّد وعاش عمره كلّه بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصاحَبَ مفخرةَ الإنسانية صلى الله عليه وسلم في رحلة الهجرة واختبأ معه في غار ثور، وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن سيدنا أبا بكر وسيدنا عمر وزيراه من أهل الأرض[3]، ومن ثم فإنه أحد السعداء الذين عاشوا الإسلام وفهموه فهمًا سليمًا، وممّا يُؤسَفُ له أن بعضَ التعساء يشنعون على وزيرَي رسول الله من أهل الأرض ويسيئون إليهما رضوان الله عليهما.

   أفق العبودية الحقّة

لقد توجّه صرحُ المعرفة هذا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يطلب منه أن يعلّمه دعاءً يتضرع به إلى الله في صلاته، فيقوم الرسول بتعليم صديقِهِ الصدّيق الذي يطلب المعية معه هذا الدعاءَ الذي يعبّر عن التواضع والمحوية والخجل، ولو أن لدينا صديقًا كهذا يتحلى بالتواضع والإخلاص وسألَنا أن نعلّمه دعاء فإننا سنمطره بالمدح والثناء، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم بدلًا من أن يقول له ما قد يسعد قلبه من ثناء؛ فقد اهتمّ بالأمور التي ستسعده في حياته الأخروية، ولم يمنحه المقامات والحظوظ الدنيوية، بل على العكس تمامًا فقد راح يوجّهه إلى أفق العبودية الحقة لله تعالى.

ويبدأ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الدعاء بتلك الكلمات: “اللَّهمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا“، فلا يكتفي بأن يذكر كلمة الظلم بصيغة المفعول المطلق وما تحمله من دلالات تأكيدية بل يضيف إليها قيدًا لفظيًّا آخر، وهو: “كثيرًا”، وهكذا يكون فخر الإنسانية صلى الله عليه وسلم يقول لأقرب أصدقائه ناصحًا إياه أن يقول وهو بين يدي ربه: “كم ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا! وارتكبت من المعاصي ما لا يوصف ولا يسمى!”..

ويكمل الدعاء بقوله: “وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ“، وبهذه الإفادة يؤكد على أن الله وحده هو من يغفر ويعفو عن الذنوب، ويكمل بعدها بقوله: “فَاغْفِرْ لِي مغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي“، ويشتمل الدعاء على المعنى التالي: “يا رب! إنني لا أدري كيف ستغفر لي المعاصي التي ارتكبتها وهي كأمثال الجبال! ولا كيف يمكن أن تغفر لي وأنا حمّالُ المعاصي والآثام! فكيفما ستعفو يا الله بالتفاتك الخاص لحالي اعفُ عني وارحمني!”، ومن بعدها يقول: “إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمِ“، وبهذه العبارة فهو يتوجه مرة ثانية لرحمة الله ومغفرته.

من المعلوم أن الصلاة لا يصح فيها شيء من كلام البشر، ولذلك ينبغي أن تكون هناك حساسية عالية لما يردده المرء من أدعية أثناء الصلاة، فهذا الأمرُ مهمٌّ وحسّاس، لا سيما عند الأحناف، فهم لا يجيزون للمصلي أن يدعو أثناء صلاته إلا بأدعية قرآنية أو مستمدة من الأحاديث النبوية المشهورة والمتواترة، فأثناء توجهنا لجانب الحق جل شأنه وعندما نفرد أجنحتنا محلقين في طريقه فلا بد أن تكون ريشات أجنحتنا مستمدة منه سبحانه، لكنّ باقي المذاهب تتوسّع في هذا الأمر قليلًا، ولأن هذا الحديث الشريف من الأحاديث المأثورة ونُقل إلينا عبر قنوات صحاح؛ فالدعاء به أثناء الصلاة لا يكون محذورًا، ولا سيما أن سيدنا أبا بكر رضي الله عنه قد طلب دعاءً يتضرّع به في الصلاة على وجه الخصوص.

ويجوز الدعاء أثناء القيام والركوع والسجود في الصلاة، ولكن للدعاء أثناء السجود الأفضلية، فقد ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله: “أَقْرَبُ مَا يَكُونُ العَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ”،[4] ولأن السجود ذروة العبودية، فيوصينا الرسول صلى الله عليه وسلم ونحن في أقرب مكان من الله أن تكون أصواتنا وأنفاسُنا تلهج بدعاء الحق جل جلاله.

   مكانة سيدنا أبي بكر

عندما ننظر إلى حياة سيدنا أبي بكر رضي الله عنه نجد أنه قامةٌ شامخة؛ لم يرتكب -بحسب قوله نفسه- أي نوع من الحرام لا بعد الإسلام ولا قبله، وكانت نظرة سيدنا عمر إليه رضي الله عنهما هكذا: “لَوْ وُزِنَ إِيمَانُ أَبِي بَكْرٍ بِإِيمَانِ أَهْلِ الْأَرْضِ لَرَجَحَ بِهِمْ[5]، ويُحتمل أنه بعد إسلامه لم يمر حتى بخياله ولا بحلمه الإثم والظلم، ولو أن شهادتي تُقبل بحقه لشهدت بذلك أنا أيضًا، لكن ما قيمة شهادتي والملائكة في السماء شهودٌ له!

إن توصية سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدَنا أبي بكر بدعاء كهذا تظهر مدى تواضع سيدنا أبي بكر، وقدرته على الاستيعاب والتفهم.. إنه يعرف مكانه ويدرك موقفه أمام الله تعالى، ورسولُ الله أيضًا قال له ما قال لأنه علم أنه رضي الله عنه على وعي وإدراك لتلك الخصائص، ولما كان يعلم يقينًا أنّ صاحبه في الغار يمحو نفسه ويطهّرها باستمرار، وقد جعل التواضع والتفاني عمقًا في طبيعته فقد كان عليه الصلاة والسلام واثقًا من أن صاحبه سيتقبل هذا الدعاء بكل أريحية، وإلا فإن انزعاجَ إنسان -حفظنا الله- من النصيحة بمثل هذا ومقابلتَه بردّة فعل سلبية؛ يكون سببًا في سقوطه وهلاكه، ومع أن سيدنا أبا بكر لم يذكر شيئًا يتعلق بعدد مرات قراءته لهذا الدعاء لاحقًا؛ إلا أنه ربما يكون قد اتّخذه لصلواته وِردًا وللسانه ذكرًا.

وعلاوة على ما سبق فإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن خلال هذا الدعاء قد أعطى رسائل مهمة للأجيال اللاحقة من بعده، وبعبارة أخرى: كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي أمته رسالةً في شخص هذا الإنسان؛ إذ يعرف أن ذلك الشخص قدوة طيبة للغاية، فإذا كان سيدنا رسول الله يُوصي أقرب صحابته إليه -رفيقه في الغار والذي قال عنه “وزيري”- بأن يدعو هكذا، وأن ينظر هكذا إلى نفسه؛ فعلى أية حال يجب علينا نحن أن نكون أكثر حساسية ودقة في هذا الشأن.

والواقع أن هذا الدعاء يتطابق معنًى مع أدعية سيدنا آدم وسيدنا يونس عليهما السلام التي وردت في القرآن الكريم؛ إذ يقول سيدنا آدم عليه السلام متضرعًا إلى الله تعالى: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (سورة الأَعْرَافِ: 7/23)، ويقول سيدنا يونس عليه السلام: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (سورة الأَنْبِيَاءِ: 21/87).

   مفتاح الخير كله: التواضع والتفاني

أجل، إن الحق تعالى يستطيع أن يسمو بنا ويرفعنا بالتفاتاته السبحانية، وإحساناته الربانية، وإكراماته الإلهية، ويمُنَّ علينا بواردات وَهِبات مختلفة، فإذا ما بذلتم مجهودًا جادًّا للتوقف عن تخيُّل أنفسكم دائمًا في قاع البئر، ومشاهدةِ السماء من هناك وبذلتم جهدًا حقيقيًّا للحصول على أوجه الحسن والجمال التي ترونها فإن الله تعالى قادر على أن يبارك في قليلكم ويكثره ويزيده، إن تحبوا الله يُحببكم، وإن تطلبوا رضاه يرضَ عنكم، إن تبكوا مثل أيوب عليه السلام، وتفيض دموعكم مثل الجداول فإنه لا يردّكم خائبين، ويجعل دموعكم وسيلة إلى الهدف، فقد قال في حديث قدسي: “إِذَا تَقَرَّبَ العَبْدُ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِذَا تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا، وَإِذَا أَتَانِي مَشْيًا أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً[6]، أي إنه يقابل أبسط قُربات العبد بأضعاف أضعافها.

وعليه فإن الله تعالى لا يترككم وحيدين، وإنما يوصلكم إلى القمم من خلال ترقيتكم بكل عمل صالح تعملونه، وبفضل العبادة والطاعة يأتي يوم تحدون فيه أنفسكم في السماوات، وتنظرون إلى كل شيء نظرة مخروطية، وحين يصل الإنسان إلى نقطة كهذه يجب عليه ألا يُهمل قول: “يبدو أنني تائه! فهذه منزلةٌ لم أكن أنا الحقير أهلا لها!”، وحتى وإن قَدِر على إنجاز أعمال عظيمة جدًّا، وأدى مهام كبيرة للغاية، وحقق نجاحات مُبهرة فيجب عليه ألا ينسى أن “النفس أدنى من الكل، والوظيفة أسمى وأعلى من الكل”، وعليه أن يمتثل قول الشيخ محمد لطفي أفندي:

الجميع جيدون وأنا الحقير

كلُّ عبدٍ هو قَمْحٌ وَحَسَن

الجميع قمح، وأنا التبن

وَوَحْدِي أَنَا التِّبْنُ وَوَحْدِيَ الْقَبِيحُ

وإلا فإن من يرى نفسه في القمم، وأسمى من القمم لا مفر من أن ينقلب على رأسه يومًا ما؛ فيتدحرج في وادي غيٍّ دون وعي.

الواقع أن هذا إحدى ثنائيات المؤمن، فمن ناحية تسعون إلى معرفة الحق تعالى بأسمائه وصفاته، ومن ناحية أخرى تكونون حذرين، واعين بموقفكم وحقيقتكم مهما ارتقيتم وعلوتم.

وزيادةً في التوضيح تستطيعون أن تكونوا وسيلةً لتشكّلات وانفتاحات وفتوحات جديدة كي يتردد اسم الحق وتحلق الروح المحمدية في جميع أرجاء الأرض، وإلى جانب رقيّكم الشخصي تكونون وسيلةً لرقيّ وازدهار روح الإسلام والإحسان، ولكن العظمة الحقيقية هي عدم الانهزام للعُجب والغرور إزاء هذا كله؛ والتخلص من فكرة “أنجزنا أعمالًا عظيمة”؛ فكما أن الكبر والغرور مفتاح جميع الشرور؛ فإن التواضع والتفاني والحياء مفتاح جميع الخيرات.

لهذا السبب يجب على المؤمن دائمًا أن ينحني تواضعًا مثل العصا إزاء كثرة النعم التي يحظى بها، وروعة الإنجازات التي يُوفَّق إليها، فما يليق بالمؤمن ليس التكبر والتفاخر إزاء النجاحات والإنجازات، بل تفكّره بأخطائِه وذنوبِه مثلما فعل سيدنا أبو بكر، ولجوؤُه إلى رحمة الله تعالى ومغفرته، ذلك أن مضاعفة الله تعالى مظاهر إحسانه وإكرامه وإنعامه على عبده مرهون بتواضعه وتأدبه دائمًا أمام ربه تعالى، على العبد أن يشعر كلّما رفعه الله تعالى، بأنه في بئر أعمق، فإن تصوّرَ أن مظاهر الإحسان والحظوة التي نالها هي من عمل نفسه ومن عنده سلبه الله تعالى إياها يومًا ما.

ويمكننا هنا أن نتذكر قول سيدنا عليٍّ رضي الله عنه: “كُنْ عِنْدَ النَّاسِ فَرْدًا مِنَ النَّاسِ”، ومن يعيش وفقًا لهذه الفكرة فقد ابتعد عن فكرة التفوق والتعالي على الغير، وتخلّص من مرض رؤية النفس أسمى من الآخرين، بل يجب على المؤمن الحقيقي ألا يرى نفسه أفضل ممن يبدون مجرمين ومذنبين؛ لأن الله فحسب هو من يعلم الوضع الحقيقي لكل إنسان، وهو المطلع على قلبه.

وحاصل الكلام أن ما يضمن طلب المؤمن الذُّرى دون أن تزلّ قدمه ولا يزيغ بصره، وبقاءه في أمن وطمأنينة مرهونٌ برؤيته نفسَه إنسانًا عاديًّا يسير على الأرض، مهما ارتقى، ومهما حلّق في الآفاق وطاف.

***

[1]  صحيح البخاري، الدَّعَوات، 16.

[2]  صحيح البخاري، المناقب، 33؛ صحيح مسلم، اللباس والزينة، 42.

[3]  سنن الترمذي، المناقب، 46؛ مسند الإمام أحمد، 1/134.

[4]  صحيح مسلم، الصلاة، 215.

[5] البيهقي: شعب الإيمان، 1/143

[6] صحيح البخاري، التوحيد، 50؛ صحيح مسلم، الذكر والدعاء، 2.