Posts Tagged ‘التحرر من الشكل والنزول إلى الجوهر والروح’

الجَرَّة المشروخة: مساعدة المحتاجين بعيدًا عن الأنانيةُ الجماعية

Herkul | | العربية

   سؤال: من أهم ما يميز حركة الخدمة “مدّ يد العون إلى الآخرين”، فما أهم الفعاليات التي يتوجب القيام بها لتحقيق هذه الميزة وتفعيلها؟

   الجواب: الإسراع لمساعدة المحتاجين هي أبلغ دعوة لاستجلاب عناية الله عز وجل، ففي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ[1].

وفي حديث آخر يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “خَيْرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ[2].

   صنوف العون

ولقد استطاعت جمعية “هل من مغيث (Kimse Yok mu?)”[3] أن تسدّ حتى اليوم ثغرة مهمة في هذا الميدان، ولكن علينا ألا نكتفي بالفعاليات التي تقوم بها.. والواقع أنه يجب على الجميع أن يؤسس مثل هذه الجمعية الخيرية في عالمه الذاتي، وأن يهرول لمساعدة الآخرين، وإذا أخذنا بعين الاعتبار كلَّ صنوف العون وأشكاله وأنواعه سنلحظ أن فعالياته تجري في إطارٍ ضيّق؛ لأن تقديم المساعدات المادية للمحتاجين ما هو إلا نوع فقط من أنواع الإعانة، فلو أننا فكرنا في الأمر من نواحيه المادية والمعنوية والدنيوية والأخروية فسنجد أنه يتعدّى إلى نطاق أوسع كثيرًا.

ولهذا يجب ألا نقنع بمدّ يد العون إلى الذين يعانون من الأزمات المادية فقط، بل يجب إلى جانب ذلك أن نسعى إلى إعانة الذين يعيشون في خضمّ الأزمات المعنوية، ويتلوَّوْن من الضغط والضيق، ويئنّون من الأزمات النفسية، وأن نبثّ الأمل والاطمئنان والسكينة في نفوسهم، وأن ندلّهم على طريق الحياة المطمئِنّة الآمنة.

فإذا ما نظرنا إلى المسألة من هذا المنظور الواسع لألفينا كل الناس في المجتمع مكلفين بمد يد العون إلى غيرهم؛ كلًّا حسب وضعه وموقعه، فكما أن الذي آتاه الله مالًا يستطيع تقديم العون إلى المحتاجين من خلال مساعدته المادية، فكذلك الطبيب يمكنه إعانة الناس من خلال العمل على تخفيف آلامهم، وكذلك الشرعيّون يستطيعون إعانة غيرهم من خلال إسداء النصيحة لهم، وعلى الشاكلة نفسها الأخِصائيون النفسيون يمكنهم أن يكونوا مرشدين لمن يعيشون في أزمات نفسية.

أما أهمّ هؤلاء فهم الذين يعملون على التقاء القلوب بربها وفوزها بآخرتها؛ وذلك من خلال إزالة العقبات التي تحول بين العباد ورب العباد سبحانه وتعالى. أجل، يجب على الذين عشقوا الحق تبارك وتعالى ونذروا أنفسهم لإعلاء كلمته أن يمدوا يد العون إلى الذين يجهلون الطريق، وانقطعت بهم السبل، فتاهوا في منعطفات الأودية بدلًا من السير على الجادة.. وكما أن الأزمات الدنيوية تعتبر من أكثر العقبات التي تمنع القلوب من الالتقاء بالله، وتحول دون تفكيرها في الآخرة فإن الجهود والمساعي المبذولة من أجل التخلص من هذه الأزمات تدخل -بمعنى ما- ضمن الأمور التي تساعد على التقاء القلوب بالله سبحانه وتعالى، وإن قضاء حوائج الناس المادية والمعنوية هو جسر مهم ينقذ الناس من الاشتغال بالأمور البسيطة التافهة، ويقربهم من الله سبحانه وتعالى، وإن أيّ دعم لمن يعانون الفقر والضيق سيكون عاملًا مهمًّا في تيسير استجابتهم للدعوة في سبيل الله.

والواقعُ أن تقديم الدعم المادي والمعنوي هو مسلك الأنبياء العظام عليهم الصلاة والسلام، فلو ألقينا نظرة على حياته السنية صلوات ربي وسلامه عليه لوجدنا أمثلة كثيرة على ذلك؛ فقد ظل صلى الله عليه وسلم طوال حياته يسعى إلى مساعدة الناس ورعاية المحتاجين على الدوام بصفته موظّفًا عزيزًا كريمًا من قِبل الله تعالى، حتى إنه لم يكن يردّ سائلًا ألبتة، إن كان معه أعطاه، وإلا وعده بالإعطاء، وفي الوقت ذاته لم يقصِّر في أداء كلِّ ما يلزم لإزالة العراقيل بين القلوب وربها، وإعانة القلوب على الوصول إلى الله والالتقاء به سبحانه وتعالى، حتى إنه في خطبة الوداع وقف صلوات ربي وسلامه عليه أمام الحشود الهائلة فأشهَدَهم وسألهم قائلًا: “هَلْ بَلَّغْتُ؟” ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فردّ الجميع في نفس واحد وكأنهم جوقة موسيقية: “نَعَمْ”، فقال عليه الصلاة والسلام: “اللَّهُمَّ اشْهَدْ“.

ولعلنا نفهم هذا السؤال النبوي الذي ينطلق من الشعور الكبير بالمسؤولية عند تفسيره على النحو التالي:

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه يقول لهم: “هل أديتُ مهمّة الرسالة بحق؟ هل أنا أبلغتُ دعوة الله بحق؟ هل ساندتكم بحق؟ هل دللتُكم على الحق بكل وضوح؟”، وهكذا فإن كلَّ إنسانٍ حسب موقعه ومستواه مكلّف بحمل مثل هذا الشعور بالمسؤولية، وبمحاسبة نفسه، وهل يا تُرى أدَّى حق الموقع الذي هو فيه أم لا؟ فمثلًا عليه إن كان واعظًا أن يسأل الناس بعد مرور عشر سنين أو عشرين سنة عن أفكارهم ومشاعرهم، قائلًا لهم: هل أديتُ وظيفتي نحوكم؟ أتشهدون على ذلك؟ لأن مثل هذا التصرف له أهمية بالغة من أجل الخلاص من براثن المسؤولية؛ فيجب على الإنسان ألا يدع مثل هذه الشهادة إلى ما بعد وفاته، بل ينبغي له وهو ما زال حيًّا يرزق أن يحاسب نفسه، ويعاني من التفكير وسؤال النفس هل أدى وظيفته بحق أم لا، وأن يكشف عن هذه المشاعر للرأي العام، وأن يُشهدهم على ما فعل، وينطلق بشهادتهم إلى الحق سبحانه وتعالى.

أجل، إن مدّ يدِ العون إلى الناس حسبَ حاجتهم وعدم ردّ الأيدي التي تمتد طلبًا للمساعدة؛ هو مطلبٌ إنساني وخُلقٌ إيماني، وكما يمكن أداؤه بالجهود الفردية يمكن كذلك القيام به عن طريق بعض الجمعيات كجمعية: “هل من مغيث؟”، فمن خلالها وأمثالها يمكننا مساعدة الفقراء والمحتاجين، والركض لإغاثة الملهوفين، والأخذ بيدِ مَن تقطّعت بهم السبل؛ فإن فعلنا ذلك تفضل الله تعالى علينا -وهو سند من لا سند له- بعونه وإعانته في أكثر أوقاتنا احتياجًا، ولقد ظلّ متطوّعو الخدمةِ يقومون حتى الآن بمثل هذه الفعاليات، وسيستمرون على ذلك بعون الله وإذنه فيما بعد.

   تجنّب الأنانية الجماعية

أُريد أن أتوقّف ههنا مع موضوع مهمٍّ من وجهة نظري، إن مثل هذه الأعمال الخيرية وتقديم المساعدات يجب ألا يُبتغى من ورائها سوى إعانة المحتاجين وبالتالي الفوز برضا الله سبحانه وتعالى، ويجب التجرد من أي أفكار أخرى تخرج عن هذا الإطار، وعدم استخدام تلك الأعمال الخيرية كوسيلة لنيل الشهرة أو الوصول لمنفعة دنيوية ألبتة.

فهل يا ترى استطعنا أن نصل إلى تلك الدرجة من الإخلاص ونحن ننجز تلك الأعمال؟ أم أننا ضحينا بتلك الأعمال الميمونة من أجل نيل الشهرة أو الشرف؟ إنني لا أريد أن أسيء الظن بأحد، ولكن ينبغي لنا ألا نغض الطرف عن ذلك التقصير الذي نرتكبه أحيانًا، فمع الأسف قد تُنسب بعض الأعمال الجميلة الخادمة للإنسانية إلى الأنانية الجماعية، فحينها تتسبب هذه الأنانية الجماعية في إظهار الحقد والكره لدى الذين لا يحبون الدين، وفي نفس الوقت تثير مشاعر الغبطة والحسد لدى بعض المسلمين المبتدئين الذين لم يصلوا بعد إلى درجة الإيمان الحقيقي.

ونتساءل هل يا ترى يمكن القيام بهذه الخدمات دون نسبتها إلى فلان أو علّان؟ لو اعتقدنا أنه يمكن تنفيذها بدون نسبتها لأحد ولم نفعل، إذًا فقد ارتكبنا خطأً منهجيًّا، وهذا الخطأُ قد أوقعَ الذين يُضمرون العداوة لنا في فخ ممارسة العدوان علينا، وأوقع أهلَ الإيمان بفخّ الحسد، وعلى ذلك يظهر في مواجهتنا أناسٌ لا يستسيغون وجودَنا، تراكمت في نفوسهم مشاعرُ الحقد والكره؛ حتى صار كلُّ ما يشغلهم في قيامهم وقعودهم هو القضاء على تلك الخدمات المنتشرة في ربوع الأرض شرقًا وغربًا.

يا ليتنا كنا مسمّى بلا اسم، ويا ليتنا قمنا بأضعاف تلك الأعمال ولكن بلا عنوان وبلا اسم، إننا لو نظرنا إلى عصور الإسلام الأولى لوجدنا كثيرًا من الأمور تم إنجازها وأداؤها وكانت عبارة عن مسمى بلا اسم، فرغم أن المسلمين في ذلك العصر وصلوا إلى قمة الزهد والتقوى والورع والإخلاص إلا أننا لم نرَ لا منظّمات ولا مؤسّسات ولا طرق ولا حركات، وإلى القرن الثالث الهجري لم يكن هناك لا طريقة نقشبندية ولا طريقة قادرية ولا رفاعية، ففي تلك القرون الثلاثة الأولى كان المسلمون لا يحيدون عن أوامر الله قيد أنملة، وكانوا يحيون حياة القلب والروح بكل أعماقها ودقائقها؛ دون أن يعرفوا معنى الصوفي أو يدرسوا التصوف أو أن يكون لديهم علم بالطرق أو يدخلوا التكايا والزوايا .

وهذا لا يعني أنني أتهم هؤلاء الذوات الذين أنشؤوا تلك الطرق وأقول بأنهم مبتدِعة.. بالعكس، فكل واحد من هؤلاء اتخذ طريقًا ومسلكًا منشؤه خصوصيات الرسول صلى الله عليه وسلم أو خصوصيات الخلفاء الراشدين، ولقد أخذ هؤلاء الظروف التي عايشوها بعين الاعتبار فمنهم من جعل الخلوتية مشربه، ومنهم من جعل الجلوتية مرتكزه.. ومنهم من أصبح ذكره جهريًّا ومنهم من أصبح ذكره خفيًّا.

ولقد ظل هذا المسمى الذي كان موجودًا دون اسم حتى العصر الثالث الهجري، ثم وضعت الأسماء رويدًا رويدًا فظهرت بعض الأنانيات الجماعية دون شعور، وبدأ ينتشر في المجتمع ما يسمى بالانتماء لفلان وفلان.. ورغم أن المؤسسين الأوائل بريئون من ذلك -فهم كالتاج فوق رؤوسنا- إلا أن الخلف تسربت إلى نفوسهم نسبةُ ما يقومون به إلى الأنانية الجماعية، ونشأ عن ذلك أيضًا ظهور الانقسام داخل المجتمع، حيث بدأ الجميع يتحدث بصيغة “نحن” و”أعمالنا”، وأصبح تقييم الناس على أساس هل هذا الشخص ينتسب إلى حزبنا أو منهجنا أو طريقتنا أم لا؟ ولا ريب أن هذا الانحياز قد صاحبه شيء من الظلم والجور.

فبما أنكم لم تصلوا إلى المستوى الذي وصل إليه عبد القادر الجيلاني، ومولانا خالد البغدادي، وشاه نقشبند… في الزهد والورع، فإنه لَـخَطر العظيم أن تعتمدوا في أفعالكم على انتسابكم لهذا أو ذاك، بل إن الفرد لو لم يأخذ حذره وينتبه فإن الأمر يكون بمثابة السم الزعاف، وهؤلاء الذوات الكبار حتى وإن لم يرتكبوا مثل تلك الأخطاء فإن اتخاذ النسبة والانتماء إليهم أساسًا للقيام ببعض الأعمال يوقع عوام الناس من أمثالنا في ورطات خطيرة، وطريق السلامة من تلك المهالك هو معاملة جميع المنتسبين للطرق المختلفة وللمشارب المتباينة بمعيار واحد، واحتضان الجميع وإظهار المحبة لهم، وتقدير كل عمل جيد يقومون به.

ولكنني أرى في نفس الوقت أن أسلم طريق وآمنه هو أن نكون مسمى بلا اسم، ليتنا اتخذنا هذا المعيار فيما قدمنا من خدمات! ربما حينها ما كان الناس ليتوقفوا عند نسبتها إلى هذا أو ذاك وكانوا سيُقبلون على الأعمال الخدمية هذه ولا يبتعدون عنها، وفي الأساس فإن هذا المنهج هو الذي يتناسب مع حقيقة الأمر؛ لأن كل الخدمات الجيدة التي قدمت لا يمكن نسبتها إلى فلان ولا إلى علان؛ فالمخطِّطُ لها وفاعلُها وخالقُها على الحقيقة هو الله سبحانه وتعالى، وقد استخدم الله سبحانه وتعالى بعض الناس على وجه خاص لإنجاز هذه الخطة القدرية ولذلك لا يحق لأحد أن ينسب تلك الخدمات الجميلة لنفسه.

ويا تُرى هل اشتغلنا بموضوع الاسم كثيرًا؟ ولم نتجاوزه ونضعه خلف ظهورنا؟! إن الخالق جل جلاله يقول في سورة الكهف: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ (سورة الْكَهْفِ: 18/20)، ألم ننتبه إلى النقطة التي تشير إليها هذه الآية! هل اشتغلنا بالاسم كثيرًا حتى أَثَرْنا حِقد الأعداء وحسَدَ الأصدقاء؟ إن مثل هذه الموضوعات يجب علينا أن نطيل الوقوف عندها والمناقشة والبحث.

والخلاصة، فكل خدمة تبتغي وجه الله سبحانه وتعالى وإقامة صرح الروح المبتغى، يجب أن تبتعد كلَّ البعد عمّا يمنع إتمامها، أما إذا اعتمدنا في هذه الأمور على الأنانية الجماعية وتضرّرت الخدمة، فيجب أن يكون موقفُنا نحن كمؤمنين على النحو التالي: إذا كانت أرواحُنا وأموالُنا -وليست الأنانية الجماعية فحسب- تعوق دون سير الخدمات فليسلبها الله منا كلها ولْتَبقَ الخدمة، والحقيقة أن رأيي أنا الفقير كان هكذا على الدوام، ودائمًا كنت أرفع أكف الضراعة إلى الله سبحانه وتعالى داعيًا “اللهم إن كان وجودي يضرّ بالخدمة فاقبضني إليك”.

ولأن المهم هو استدامة الفاعليات الخادمة للدين وللأمة ولكل الإنسانية فعندما نؤدي ما علينا ونرسل أطياف الإيمان إلى القلوب، وننشر نسمات المحبة والتسامح بين الناس، فلا حاجة لأن نُعرف ولا لأن يُحتفى بنا ولا لأن يُصفق لنا الناس، وإلا حينها سنكون أضعنا رضا الله من أجل تصفيق الناس، وهذا نوع من أنواع الشرك.. وطريقُ الانعتاق من هذا الشرك هو أن نقوم بما علينا من خدمات دون إثارة أية جلَبة، وأن نتجنب الأبّهة والعظَمة، ونسيرَ في طريقنا إلى الله بهدوء.. هذا هو طريقُنا ومسلكُنا.

 ولكن لا أستطيع الجزم بأننا حافظْنا على تلك الآداب والأركان، ربما أحيانًا أضَعْنا أعمالَنا بسبب جهلِنا وسذاجتِنا.

   التحرر من الشكل والنزول إلى الجوهر والروح

من المؤسف أن الأسماء في العديد من القضايا الدينية تقدّمت على المسمّيات كثيرًا في يومنا هذا، وأصبح كلُّ شيء يجري على الأسماء، وعندما يكون الأمرُ كذلك يتعذّر التغلّب على هذه النوعية من الأشكال والقوالب، ويتعذّر كذلك إدراك الجوهر والروح.

وكمثال على ذلك فالصلاة والصيام والزكاةُ يؤديها الجميع ولا يستهينُ بها أحد، بيد أنه إن تعذر التغلب على الشكلية في أدائها، وإدراكُ المعنى الذي تحمله، والإحساسُ بتعمق شعور العبادة في الوجدان، أي إنه حين يتعذر إدراك أنَّ كل واحدة منها بمثابة جسر يُوصّل إلى الحقيقة؛ يستحيل الانتقال من الاسم إلى المسمى، والارتقاءُ من الإسلام النظري إلى الإسلام القلبي والروحي، ويصعبُ السير قُدمًا إلى المنتهى؛ لا سيما أن الأسرار مثل السر والخفي والأخفى لا يمكن الإحساس بها قط، ذلك أن هذه العبادات وأمثالَها بمثابة قوالب وأظرفٍ وأردية للجوهر، والأساس هو السعي من أجل الوصول إلى ذلك الجوهر من خلال تلك القوالب، ومحاولة الإحساس به وتمثيله.

أجل، الأساس هو العمل على تطبيق الإسلام بمفهومه الحقيقي، والإخلاص التام، والقدرة على تشكيل النموذج والقدوة للآخرين في هذا، فإن كان القلب يلهج دائمًا بـ”الرضا” وينبض به، ويتحرى مراد الله تعالى في كل شيء فهذا يعني أنه يعيش إسلامًا حقيقيًّا، والأساس أن الحركة المنتظمة حول أشخاص معيّنين وكذلك ما تريد المؤسسات فعله هو عبارة عن هذا الأمر، والهدف الرئيس المُراد الوصول إليه خلف هذه الأسماء الظاهرة على الساحة هو تطبيق الإسلام بحذافيره وبحساسية بالغة، وتمثيله بالطريقة التي مثَّله بها سادتنا أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ رضي الله عنهم أجمعين، ذلك أنه عند النظر إلى العديد من الأشخاص الذين كانوا يصلون مائة ركعة كل ليلة في العهد الأول، ويصومون صوم داود، ويختمون القرآن مرةً كل أسبوع، بل كل ثلاثة أيام؛ يمكننا القول إنهم أدَّوا وظيفة هذه المؤسسات تمام الأداء.

لكن الاسم بدأ يتقدم على المسمى مع مرور الزمن، وراح المسمى ضحية للاسم، والروحُ للجسد، والمعنى للقالب.. وكلما أُمعِن في الاسم تمادى الناس أكثر فأكثر بالأنانية الجماعية، وبدؤوا يفاخرون ببعض انتماءاتهم، وبعد أن التزموا طرقًا مختلفةً لصالح تطبيق الدين وتمثيله، بدؤوا يحوِّلون كل واحدٍ من تلك الطرق إلى مذهب يربطون كل شيء به، ويعتبرون ما يجب القيام به لصالح الدين عبارة عن هذه الأمور فحسب.. عندئذ أصبحت هناك حالة من العمى والصمم وقسوة القلب تجاه الجوهر والمعنى، وحين تم تقييم القضايا وتناولها من منظور الأنانية الجماعية شُرِعَ في القول بتقييمات ضيقة ومتعصبة إلى حد كبير من قبيل “من يلتحق بنا ويفكّر مثلنا ينجُ، ومن لا يتبع سبيلنا لا يُفلح”، وراح الدين وقيَمُه الحقيقيّة يتعرّضان للغدر ويُستهان بهما.

من ناحية أخرى فإنَّ التحرك التزامًا بالأنانية الجماعية يتسبب في نسبة بعض النجاحات والإنجازات إلى فلان وعلان، وبالتالي إلى نسيان الله تعالى، وبينما الأصل هو التقرب إليه تعالى خطوة في كل شيء مرئي ومسموع ومتذوق، والقدرة على رؤية يد قدرته خلف كل حادثة، والقدرة على قول “هو” دائمًا عبر إفناء الذات؛ فإن من يتحركون وقد سيطرت عليهم الأنانية الجماعية لن يستطيعوا قول هذا، وسيشرعون في الابتعاد عن جوهر الأمر.

إن أخطر أحوال الابتعاد هو عدم الفطنة إلى ذلك الابتعاد؛ لأن الإنسان إذا أدركَ ابتعاده فإنه يفكّر في تلافيه بطريقة ما، ويتوجه إلى الله بالتوبة والاستغفار من جديد، إلا أنه من الصعب أن يتراجع عما ارتكبه من خطإٍ ما لم يكن يدرك ذلك الخطأ، ولا سيما إذا كان يرى الصدق والصواب لدى المجموعة المرتبطِ بها فقط، ولا يستطيع أن يرى مثل هذا الصدق والصواب عند سواها، وكان يعزو الأشياء التي يفعلها في كل المجالات -إدارية ودينية وغيرها- إلى نسبته وارتباطه بالمجموعة وإلى فلان وعلان فيها؛ فهذا يعني أنه ينحدر إلى الهاوية دون أن يدرك على الإطلاق، وبعبارة أخرى: رغم أن الطرق المؤدية إلى الله تعالى كثيرة بعدد أنفاس المخلوقات؛ فإن رؤيةَ إنسانٍ الطريقَ الذي سلكه فحسب من تلك الطرق، وعدمَ اعترافه بشيء صحيحٍ خلافه، واعتبارَه كلَّ الطرق الأخرى باطلةً -حفظنا الله- قد يتسبب في هلاكه.

وسبيلُ البعد عن خطر كهذا يتمثل بالدرجة الأولى في تجديد الإيمان باستمرار، وتقوية الصلة بالله، وتقديم رضاه تعالى على كل شيء، إلى جانب هذا أيضًا يجب على الإنسان ألا يتعلق بالخدمات التي اضطلع بها بنفسه وألا يعول عليها، وعليه أن يشجع الخدمات التي ينجزها الآخرون، وألا يتجاهل أنشطة من يخدمون بطرق مختلفة في شتى بقاع الدنيا، بالعكس يجب عليه أن يبحث عن سبل للعمل سويًّا معهم، والمضي قدمًا إلى الأهداف المشتركة.

ثانيًا، إن من يمدحون الأنشطة والمشاريع النافعة للإنسانية والتي تعدها بمستقبلٍ زاهر، ويثنون عليها ويروجون لها؛ يجب ألا يكونوا هم القائمين بها، فإن كان في هذه الأعمال جانب يستحق أن يُعظم ويُفخّم فيجب أن يقوم بذلك الآخرون؛ وعلى الآخرين ألا يمدحوه إلا إن كان يستحق المدح والثناء، والأكثر من ذلك أيضًا أنه يجب أن تُردَّ كل هذه المحاسن وتُعزى إلى الصاحب الحقيقي جل جلاله لكل أنواع الحسن والجمال ، وإن كانت ثمة أشياء تُعزى إلى بعض الناس -بمقتضى السنن الفطرية- فيجب أن يُقال من الأعماق وبشكل صادق تمامًا “ليس لنا تدخل في الأمر، لو لم يهيئ الآخرون الأرضية لذلك، ولم تُهَيَّأ الأذهان في هذا الشأن؛ لما استطعنا نحن أن ننجح في هذه الأمور”، وهذا تصرُّفٌ ضروري إحقاقًا للحق، واحترامًا لله، وتجنبًا لإثارة مشاعر الحقد والحسد لدى الناس، وإلا فإن الإخلاص يكون قد تعرض للخدش من جانب، وأُخِلَّ بأمن الطريق من جانب أخر.

   الفيروسات القاتلة للإنسان

إن من عجزوا عن التمسك بحبل وثيق وعن الحصول على قوامهم المعنوي خاصةً قد يتطايرون يمنة ويسرة ويهلكون مثل أوراق الشجر التي حل عليها الخريف، فهناك أنواع شتى من الفتن تؤدي بِقَدَمِ الإنسان أن تزل، فمثلًا إن كانت القوة الواجب استخدامها في تقويم الظالمين، وتخفيف آلام المظلومين، ومد يد العون إلى المحتاجين وإعانة الحق وإنهاضه تُستخدم في سحق الآخرين، وتُسخّر لصالح المنافع الشخصية، فتُعمي الإنسان عن الحق والحقيقة، فإن قوَّةً كهذه تُعتبر بالنسبة للإنسان فيروسَ بلاءٍ من الله تعالى.

وبالشكل نفسه فإن الشهرة والسُّمعة والصيت الذي يمكن استخدامه كرصيد لدى الناس لإبلاغهم بالحق والحقيقة وإرشادهم إلى الطريق الحق إن كانت تستخدم كوسيلة لإرضاء مجموعة من الأهواء والرغبات الشخصية وتجعل الإنسان يتشوف إلى تقدير الآخرين وإجلالهم له فهي مصيبة أخرى بالنسبة للإنسان. ويصف الأستاذ بديع الزمان شهرة كهذه بمقولة “عسل مسموم”، ذلك أننا نشاهد بكل أسى وحزن كثيرين من المشتاقين للشهرة والمبتلين بها في يومنا الحاضر يتسمّمون ويهلكون أمام أعيننا.

الشهوةُ الجنسية سيفٌ ذو حدين، تمامًا كالقوة والشهرة، يمكن أن تكون نعمة بالنسبة للإنسان ويمكن أن تكون فيروسًا قاتلًا أيضًا، فإن استُخدمت في إطار الدائرة المشروعة من أجل استمرار النسل كانت نعمةً عظيمة، ولكن إنْ دخَل الإنسانُ في البوهيمية غير مكتفٍ بالمتع واللذائذ التي في إطار الدائرة المشروعة، وانحرف إلى مختلَف طرق الإشباع في الدائرة غير المشروعة كانت الشهوةُ بلاءً بالنسبة له، ولقد هلك كثيرون في زماننا بسبب فيروس الشهوة، كما أن البعض استفاد من نقطة الضعف هذه فاستغلّها لدى الآخرين وأسَرَهم ورهنَهم من خلالها، ثم استخدمهم في الاتجاه الذي أراده.

كذلك الثروة المُكتسبة من طريق مشروع، والمستخدمة في سبيل إعلاء الإسلام الدين المبين، ومساعدة المحتاجين في المجتمع تعتبر نعمة عظيمة بالنسبة للإنسان، بينما الثروة المُكتسبة من طرق غير مشروعة والتي تجعل الإنسان وقحًا ترِفًا فهي بلاء.. وعند النظر إلى أحوال المساكين الذين يستغلون المناقصات وجميع إمكانيات الدولة لحسابهم الشخصي، ويسيطرون على ثروات عظيمة في فترة قصيرة بينما هم جاؤوا من أماكن فقيرة عشوائية، ويستخدمون ثرواتهم تلك في إشباع رغباتهم التي لا تنتهي نفهم بصورة أفضل كيف أن الثروة تحولت إلى مصيبة، وكما أن الثروة كانت وسيلة لارتقاء أشخاص عظام مثل سيدنا عثمان رضي الله عنه ارتقاء مباشرًا إلى الله تعالى فقد تكون سببًا لأن يغرق آخرون في أعماق الأرض مثلما حدث مع قارون.

وهكذا فإن “الأنانية الجماعية” أيضًا قد تكون فيروس بلاءٍ، والحقيقةُ أنّ أناسًا يحملون شعورًا وفكرًا مختلفًا وبنفس الوقت يستطيعون أن يُشكِّلوا وحدة واحدةً عبر الالتفاف حول غاية وفكرة مثالية مشتركة ثم يستثمروا تلك الطاقة في الخير والبر لَيُعد نعمة كبرى بالنسبة لهم.. لكن إن كانت الأنانية الشخصية تكتسب مزيدًا من القوة عبر الأنانية الجماعية كما أشار الأستاذ بديع الزمان فإن المجموعة -التي يُفتَرَضُ أن تُشبه في الأساس نقوشًا مختلفةً في شريط زينة- تتحول إلى وسيلة للفرقة والصراع من خلال تهويل الفروق الدقيقة الفرعية بين الطرق والحركات، وحين يقع الناس في صراع من أجل الاستحواذ على المكان بدافع الحقد والحسد تصبح الأنانيّة الجماعية مرضًا اجتماعيًّا.

لقد تسلطت هذه النوعية من الاختلافات والفروق على شعوب ودول شتى منذ القديم، بل إنها دكت حتى أعظم الإمبراطوريات وخسفت بها الأرض.. يجب الانتباه إلى أن كل واحدة من هؤلاء كافية لإغراق الإنسان، ولا بد من مكافحة هذه الفيروسات والميكروبات، والسعي إلى تحويل وجهها إلى الخير والبر، فإن استطعنا النجاح في هذا كانت له نتائج خيرة ونافعة للغاية، وفي حال حدث العكس تسبَّبَت في هلاك الأفراد والمجتمعات على حد سواء.

***

[1] صحيح مسلم، الذكر، 38؛ سنن أبي داود، الأدب، 68.

[2] الطبراني: المعجم الأوسط، 6/58.

[3] جمعية “هل مِنْ مُغِيث؟ (Kimse Yok mu?)”: هي إحدى جمعيات العمل المدني العالمية المؤسسة في (03 يناير 2002م)، وكان يعمل معها عشرات الآلاف من المتطوعين، وهي كانت تقدم المساعدات الإنسانية في كل أنحاء العالم دون أدنى تمييز بسبب الدين واللغة والعرق والنوع، وكانت تمدّ يد المساعدة في محافظات تركيا كلها عبر 40 فرعًا لها، وفي 110 دول بالعالم، وهي عضو استشاري بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة (ECOSOC)، وقد فازت الجمعية في 10 يوليو بـ”جائزة البرلمان التركي لأفضل الخدمات المقدمة”، ومنذ عام 2010م وحتى اليوم وهي تعمل بالتعاون مع المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) من أجل توفير احتياجات اللاجئين في تركيا في مجالات مثل الصحة والتعليم والغذاء؛ وتأتي فلسطين وغزة على رأس المساعدات التي تقوم بها الجمعية خارج تركيا، ومنذ (2006م) وحتى الآن تزداد تدريجيًّا فعاليات المساعدات والمعونات التي تقدمها الجمعية في المنطقة، وقد اكتسبت صفة “الجمعية العاملة للصالح العامّ” بقرار مجلس الوزراء التركي الصادر في 19 يناير (2006م)، كما حصلت بقرار مجلس الوزراء التركي الصادر في 6 فبراير (2007م) على صلاحية “جمع التبرعات دون تصريح”، إلا أن هذه الصلاحية أُلغيت من التنفيذ بقرار مجلس الوزراء الصادر في 2014/09/22؛ فقامت الجمعية برفع دعوى قضائية ضد هذا القرار الأخير لدى محكمة مجلس شورى الدولة في 2 أكتوبر (2014م) تطالب فيها بوقف القرار من التنفيذ، وكانت لا تزال الإجراءات القانونية مستمرة ولكن أغلقتْ من قبل الحكومة في تاريخ 23 يوليو/تموز (2016م).