Posts Tagged ‘التبليغ’

التدرّج في الدعوة إلى الله

Herkul | | العربية

   سؤال: اتبع الرسول صلى الله عليه وسلم منهجًا في التبليغ في العهدين المكي والمدني يتغير تبعًا للظروف، فما الرسائل التي يبعث بها هذا المنهج للعهود المتأخرة؟

   الجواب: لم ينزل القرآنُ الكريم جملةً واحدة، وإنما نزل منجّمًا خلال مدة تصل إلى ثلاثة وعشرين عامًا، ولقد كان هذا الأمر يحمل أهميةً بالغةً بالنسبة للذين عاشوا عهد الجاهلية أو الذين كانوا حديثي عهدٍ بالإسلام؛ وذلك من أجل تأهيلهم والوصول بهم إلى الكمال رويدًا رويدًا، ولقد رصد القرآن الكريم الوضعَ العام الذي كان عليه المجتمع في تلك الآونة، ووضع أحكامه وفقًا لما تستلزمه الظروف، فلم يُكلّف الله تعالى الناسَ بالفرائض المتعلّقة بالعبادات والمعاملات جملة واحدة، وعلى سبيل المثال فقد تدرّج الأمرُ بالصلاة والزكاة ضمن وتيرة معينة حتى تحقق واكتمل في النهاية بالترويض والتدريب، ونفس الأمر نراه عند النظر إلى بعض الأحكام مثل تحريم الربا والخمرِ، إذ لم يحرمهما الله تعالى مرّةً واحدة، ولكنه تدرَّجَ في تحريمها وأنزلَ آيات تتناول أضرارهما، وتروّض المجتمع وتُهَيِّئُه لِقبول ما يُقضى بشأنهما من أحكام في النهاية.

   الآيات المكية والمدنية

وعند النظر إلى الآيات التي نزلت في العهدين المكي والمدني نجد بينهما اختلافات كبيرة، فبالنسبة للعهد المكي يُلاحَظُ فيه أن الناس كانوا حديثي عهد بالإسلام، وأن المسلمين قلة قليلة، ومعظم المخاطبين بالوحي من عبدة الأصنام، وهؤلاء كانوا متمردين متعصبين تعصبًا أعمى لدين آبائهم وأجدادهم، وكأن تقليدهم لآبائهم قد نفذ إلى أرواحهم، ولذا كان القرآن الكريم يلفت الأنظار بالآيات التي نزل بها إلى انحرافاتهم هذه على الدوام، ويؤكد على حقيقة التوحيد وركائز الإيمان.

أما في العهد المدني فلقد بدأت تتشكل فيه الجماعة المسلمة رويدًا رويدًا حول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يعد عبدة الأوثان فقط هم الذين يقفون ضد المسلمين، فلقد كان هناك اليهود والمنافقون أيضًا، ومن ثم بدأت الآيات الكريمة تتنزل وفقًا لما تتطلّبه تلك الظروف آنذاك.

فالربا على سبيل المثال قد بيَّن القرآن الكريم قطعية حرمته في العام التاسع من الهجرة النبوية، وتوعد آكليه بالعقاب الأليم، يقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (سورة البَقَرَةِ: 2/275).

أما الآيات التي نزلت قبل ذلك فيما يتعلق بمسألة الربا فكانت تُهيّئ الأذهان، وتنفّر الناس منه شيئًا فشيئًا، وفي النهاية حرّمته بشكل قاطع بالآية السالفة الذكر، ففي بادئ الأمر عقد الحق سبحانه وتعالى مقارنةً بين الربا والزكاة، فقال: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ (سورة الرُّومِ: 30/39)، وقد جاء في الآيات التالية لفتُ الأنظار إلى حرمة الربا في الشرائع السابقة، وتوبيخ اليهود الذين ما زالوا يأكلونه ويعملون به، يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (سورة النِّسَاءِ: 4/161)، وبعد ذلك حرم القرآن الكريم أخذ الفائدة على رأس المال على اعتبار أنها عادة جاهلية، فقال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (سورة آلِ عِمْرَانَ: 3/130)، وفي النهاية جاء أمر قطعيٌّ بتحريم الربا.. وكذلك موضوع الخمر فقد جاء تحريمه على أربع مراحل.

   التدرّج في الدعوة بعد عصر السعادة

فمن غير الممكن بعد أن أتمّ الله دينه وأكمله أن نغضّ الطرف أو نخفي بعض هذه الأحكام، فالتدرج في عرض الأحكام الشرعية وإبرازها بهذا الشكل كان خاصًّا بوقت معين فقط، ولذلك فليس من الصحيح قطعًا بعد أن أكمل الله دينه أن نفكر في الاكتفاء بتبليغ بعض أحكام القرآن فقط، ونعرض عن البعض الآخر.

وبيد أن هذه الفلسفة التشريعية التي تقوم على التدرّج تكشف عن حقائق مهمة بالنسبة للمنهج الذي يجب أن يتبعه رجالُ الإرشاد والتبليغ، لا سيما وأنها تدلّهم على ضرورة تقديم الأولويات عند عرض رسالة القرآن على المخاطبين الذين أُبعِدوا عن الدين كلية، وصُرفوا عن منابع ثقافتهم الذاتية ورؤاهم العالمية وكأنهم يعيشون عهدَ الفترة من جديد، وكذلك توضح لهم النقطة التي عليهم البدء بها، ونوعية الطريق الذي يجب عليهم اتباعه فيما بعد، وتعلّمهم أن التغيير ليس بالسهل اليسير، وأن التخلص من بعض العادات يستغرق زمنًا معينًا.

ولسنا نبالغ -في رأيي- إذا قلنا إن الإنسانية التي ابتعدت بشكل كبير عن القيم الدينية تعيش اليوم فترة جاهلية ثانية، فكما نرى في المقابلات الصحفية أو الإعلامية في الشوارع بات عدد كبير من المسلمين اليوم -رغم أنهم يعيشون في دولة مسلمة- لا دراية لهم بأركان الإيمان، ولذا فعلينا أن ندرك أولًا أننا نعيش في أزمنة عصيبة متمردة، ثم نبدأ العمل من حيث بدأ نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

فمن المعلوم أن أول ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم لمشركي مكة هو: “قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ تُفْلِحُوا[1]، فلم يوجّه الأنظار حتى إلى نفسه في البداية، لأنه لو فعل ذلك لخامرت البعضَ فكرةُ أنه يريد الزعامة، وربما يسبب توجيه الأنظار إلى نفسه في رد فعل سلبي لدى الناس وفي انفضاضهم من حوله، إلا أنه من غير الممكن لشخصٍ ليس بنبي، ولا يستند إلى قوة إلهية أن يقول مثل هذا الكلام، ولا أن يعطي هذا الضمان القوي، ولا أن يتعهد لأحد بالنجاة. أجل، لا مغزى لكلام إنسانٍ لا يستند إلى ركن شديد؛ ولهذا كان بكلامه هذا يومئ ضمنيًّا إلى أنه قد أتى برسالة من عوالم ما وراء السماوات؛ بمعنى أنه كان يؤكد على نبوته، فلم يلبث العاقلون أن يفهموا بسهولة ويسرٍ ماذا يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم؛ وهذا بُعْدٌ آخر من أبعاد فراسته وفطنته النبوية صلوات ربي وسلامه عليه.

ولقد استهل بديع الزمان سعيد النورسي مؤلفاته بالحديث عن الإيمان، وركز على حقائق الإيمان من البداية إلى النهاية، إذ إن الحقائق الإيمانية هي أول ما يخاطب به الذين أُبعِدوا عن قيمهم الذاتية، وهذا لا يعني أن نتوقف عن الحديث عن العبادات والطاعات، ونهمل الحديث عن المسائل المتعلقة بالمعاملات والحياة القلبية والروحية، ولا نتعرض بالكلام عن الذنوب والمحرمات، بل لا بد من تناول هذه الموضوعات مع مراعاة مستوى الأشخاص، المهم هو تحديد ما يُقال أولًا وما يُقال ثانيًا حسب مستوى مخاطبينا، وتعيين ما يلزم عرضه عليهم؟ ومتى؟ وكيف؟ وكما أن تبليغَ كلِّ المسائل الدينية من ضمن المسؤوليات الواقعة على عاتقنا وكذلك فإن تقديمَ المسائل التي لها حقُّ الأولوية مسؤولية أخرى.

   الأسلوب المتبع في عرض الحقائق السامية

من جانب آخر فلا يغبْ عن بالنا أن الأسلوب المتبع في عرض الحقائق الدينية له أهمية بالغة، فثمة أناس اليوم قد ابتعدوا عن الإيمان رغم أنهم يدّعون الإسلام، ولا يسمحون لكم بالحديث عن حاناتهم وماخوراتهم ومعابدهم، فعليكم إذًا أن تحدّثوا الناس دون أن تتعرضوا لطواطمهم وأيقوناتهم التي يقدّرونها، لِنفرض أنكم تريدون أن تُبعدوا الناسَ عن الأشياء التي حرمها الإسلام مثل الربا والخمر والقمار والزنا، فإن أقحمتم القرآن والسنة في كلامكم وعرضتم الأمر مباشرة على أنه أوامر دينية، فستجدون من مخاطبيكم ردَّ فعلٍ عنيف، ولكن بدلًا من ذلك يمكنكم الحديث عن مثل هذه المسائل بتوضيح آثارها وتأثيراتها على الصحة والاقتصاد والقيم الاجتماعية؛ بمعنى أن تتحدثوا إليهم بلسان الطبيب الحاذق، وتعرضوا عليهم النتائج التي توصل إليها رجالُ العلم، مستدلين بالإحصائيات المختلفة، وعندها ستقولون ما تريدون دون اعتراض من أحد.

فمن يدري كم إنسانًا خسرناه حتى الآن بسبب حِدَّتِنا وغِلظتنا وجهلنا بالأمر وأسلوبنا الخاطئ؟! أحيانًا ما أفكّر في حالتي الجنونية التي كنتُ عليها في العشرينات من عمري، وكيف أنني كنت متمرّدًا متناقضًا مع نفسي، فأوبخ نفسي توبيخًا شديدًا، ولكن ماذا عسانا أن نفعل وقد كنا ضحيةً لانعدام الرائدين والموجّهين في ذلك الوقت، ولم يكن هناك أحد يحدثنا عن هذه الموضوعات، فعلى النقيض تمامًا كان هناك من يلقّنوننا مشاعرَ العداوة إزاء غير المؤمنين والفساق والفجار والظالمين، وكم سمعنا من أقوال سلبية وإهانات دائمة في حق الذين ابتعدوا عن القيم الدينية واقترفوا المحرمات؛ حتى استقرت تلك الأقوال والإهانات في اللاوعي عندنا، وتوطّنت في خلايانا العصبية، وأثرت في مشاعرنا وأفكارنا، وأحيانًا أفكر في تلك الأيام فأحمد الله على أننا لم نعادِ أو نخاصم أو ننازع أشخاصًا يفكرون بشكل مختلف عنا، ويعيشون على نحو آخر، فكان هذا من آثار صيانة الله وحفظه لنا، وإلا لما استطعنا أن ندفع فاتورة تلك الأيام.

وهنا قد يُطرح سؤال عمّا إذا كنا قد حققنا في الوقت الراهن التفكير السليم فيما نقول أم لا؟ ويا تُرى هل استطعنا أن نتخلص من الأفكار التي تفوح منها رائحة التميز العنصري أم لا؟ وهل نستطيع أن نشرح ما نشرح دون ربطه بفلان أو علان؟

لقد كان رجالُ الخدمة الإيمانية والقرآنية في فترةٍ ما قلة قليلة وضعفاء، لذا قد تُحُدِّث عن فكرة أهمية الأنانية الجماعية والانتماء إلى هذه الجماعة أو تلك الطريقة، وذلك بهدف تشجيعهم؛ إلا أن هذه الأمور ليست موضوعات رئيسة مثل الأسس الإيمانية، فعدم تعبير الإنسان عن تبعيته لهذه الجماعة أو تلك الطريقة لا يُخرجه عن الدين، ولا يبعده عن حلقة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل لا ينفصل عن الشيخ الذي يسير في إثره، ربما أخطأنا أخطاء بالغة في هذه الأمور، وكان الأولى أن نفكر بشكل أوسع، ونفتح صدورنا للجميع، وننحّي غِلظتنا جانبًا، ونتحلى بالشفقة والرحمة، ونقوم بخدماتنا في كل مكان، فإن لم يثمر بعضها أثمر البعض الآخر منها بإذن الله سبحانه وتعالى.

 ***

[1]  مسند الإمام أحمد، 25/404-405.

مسؤولياتُ أبطالِ الإصلاح

Herkul | | العربية

لقد أصبحت الحداثةُ أمرًا واقعًا لا مفرَّ من تأثيرها، والمسلمون أيضًا لم يستطيعوا النجاة منها، فمن الممكن رؤية هذا التأثير حتى في أنماطِ الفهمِ والتفسير الديني لدى علماء الدين، مما أدى إلى شيءٍ من التغير والتحوّل إلى أن ابتعدنَا عن قيمنا الذاتية.

فهل نستطيع أن نعود مرة أخرى إلى قيمنا الخاصة بأصولها وفروعها أم لا؟! وهل يمكن إرجاع الدين مرة أخرى إلى شكل مناسب لماهيته الحقيقية أم لا؟! لا نستطيع معرفة ذلك.. غير أنه يمكننا القول: إن مسألة جمع الأجزاء المتفرقة والمبعثرة ولملمتها وإعادتها من جديد إلى هويتها الأصلية مرهونة بعملية ترميم وإصلاح تستغرق زمنًا طويلًا للغاية نظرًا لِعظم حجم التخريبات، وقد لا يتيسر هذا الأمر لجيل بكامله؛ لأن للزمن والأوضاع العامة تأثيراتهما وتدخلاتهما المهمة، والجميع يضيف نَفَسَه وصوته ورأيه إلى الأمر، وفي ظل العولمة ليس من السهل على الإطلاق العثور على صوتنا الخاص ونغمتنا الذاتية بين أصوات هذه الجوقة، وهذا النوعُ من التطورات مرتبطٌ بالوقت.

   أسلوب التمثيل والتبليغ

إن إدراك أبطال الإصلاح للمشكلة في وضعٍ كهذا ومواصلتهم مساعيهم لإصلاحها بشكل يتوافق مع روح العصر أمرٌ مهمٌّ للغاية، وبدايةً يجب عليهم أن يمثلوا الإسلام بوجهه المبشر والمشجع تمثيلًا كاملًا، وعليهم بعد ذلك أن يُوصِّلوا الحق والحقيقة إلى الصدور المحتاجة المتعطشة إليهما دون أن يُكرهوا أحدًا، ولا أن يُصعِّبوا الدين القائم على التيسير أساسًا، ولا أن يُنفروا الناس، ولا أن يُضحوا بالأصول لصالح المسائل المتعلقة بالفروع، وعليهم أن يقفوا بالدرجة الأولى على المسائل الأساسية المسماة بالضروريات والحاجيات على مستوى الأمة والإنسانية على حد سواءٍ بدءًا من حياتنا العائلية، وألا يقع صراع على الفرعيات والتفاصيل.

إن ما يقع على كاهل المسلم باعتبار الأصل هو أن يُطَبِّقَ بحساسية كاملة وتامة كافة المسائل الخاصة بالدين بدءًا من السنن وصولًا إلى الآداب، غير أنه يجب علينا أن نقدمها ونعرضها على الآخرين بأسلوب تيسيري وتبشيري موافقًا لوصايا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يجب ألا نقصر قطعًا في الأصول، وألا نتشدد كثيرًا في المسائل الخاصة بالفروع، وألا ننفر الناس من الدين  عبر التمسك بمثل هذه الأشياء، وألا نجعلهم يفرون من حولنا؛ بالعكس يجب أن نكون مبشرين وميسّرين ومُؤلفين ومُحبِّبين.

ومع أن إطلاق صفة “الثقب الأسود” على المسلمين شيءٌ لا يروقني، بيد أنه يمكننا القول: يجب على المسلمين أن يمتلكوا قوة جذب مثل الثقوب السوداء؛ فمن المعلوم أن هذه الثقوب السوداء تجذب إليها كل ما هو قريب منها، وكذلك المؤمن يجب أن يمتلك قوة جذب هكذا من خلال فكره وعالمه الفكري ومحاكمته العقلية ومنطقه وبريقه في التمثيل وعدم ذبوله ولا شحوبه أبدًا، يجب أن يقول من يراه: “قسمًا بالله لا كذب في وجه هذا الإنسان!”.

وقد ذكرت مقولة الأستاذ “نجيب فاضل” في مناسبات عديدة؛ إذ كان يقول: على المؤمن أن يكون مثل قرص سكر مضغوط، فيمنح الحلاوة والعذوبة للبحار والمحيطات إذا ما تركتموه فيها، ويمكننا أيضًا ربط المسألة بقول الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي؛ إذ يقول: “إن كان لي طالب في مكان ما فإنني أعتبر ذلك المكان قد فُتح لصالحي”، ما أعلاها من همة! لقد تحرك طيلة حياته ملتزمًا بكلمته هذه، ودائمًا ما أعلن أن القنوط عقبة في طريق السير إلى الكمال، ودائمًا ما ظلّ يتلوى ويجتهد كي لا يقع الناس في مثل هذا المستنقع.

إن كنتم تعتقدون أن منظومة القيم التي تؤمنون بها وتعيشونها وتمثلونها تعني شيئًا بالنسبة للحياة الدنيا والحياة الآخرة فلا يجدر بكم أن تبخلوا في هذا الشأن، بالعكس يجب عليكم أن تكونوا أسخياء للغاية، وأن تقيموا المعارض في كل مكان، وتقولوا مثلما قال الشيخ “محمد لطفي أفندي”: “أشرَقَتْ شمس التوحيد؛ فالأمر مباح، ولينهل منه مَن ينهل!”، يجب عليكم أن تقدموا مشاعرنا وأفكارنا من خلال الكتب والندوات والمنتديات بما يتوافق وأحوالَ عصرنا وآفاقَ فهم الناس؛ فكل هذه مسؤوليات منوطة بكم.

وفي هذا الصدد يجب أن نعطي حقّ كلّ شيء منحه الله إيانا؛ سواء كان “اختيارًا جزئيًّا”، أو “استطاعة”، أو “رغبة”، أو “تصرفًا في الميل والرغبة” في إطار فهم العلماء، وأن نستخدمه حتى آخر قطرة فيه دون أن نضيع ولو ذرة واحدة منه، فيجب التحرك مثل رجل الأعمال أو المستثمر، أو التاجر الذي يسعى في سبيل إنجاز أعمال عظيمة برأسمال صغير للغاية، وأن ندرس الخطوات التي سنخطوها دراسةً جيدةً، وأن نستخدم إرادتنا بشكل مُثمِر للغاية.

   تكوين مناخ السلم في العالم

إلى جانب هذا ثمة مسؤولية أخرى تقع على عاتق من نذروا أنفسهم لخدمة الحق والحقيقة تجاه إنسان عصرنا الذي يهاجم بعضه بعضًا بدافع طمعٍ لا ينتهي، ويركضون ليأكل بعضهم بعضًا، ويقسمون البلاد ويمزقونها بإشعال فتيل الحروب؛ وتكمُن هذه المسؤولية في إقامة جسور لن تنهدم بين الناس، وتأسيس أواصر ترابط قوية للغاية، والمساهمة بهذه الطريقة في تكوُّن جوٍّ من السلم العام في العالم أجمع، فثمة حاجة شديدة إلى إظهار سُبل العيش الإنساني وإلى التذكير مرة أخرى بأن الإنسانية جمعاء من نسل آدم عليه السلام، فإن تعذَّرَت إقامة مثل هذا الجو من السلم في عالم تُثار فيه دائمًا العداوات والصراعات، وتنتج الأسلحة الفتاكة في كل مكان منه؛ فلن يستطيع أحدٌ أن يعيش حياته في أمنٍ وأمانٍ.

وبدلًا من الصراع والتناحر والهدم والتسلّط والسيطرة عليهم يلزم الكشف لهم عن أفق التعاون والتضامن الأخوي، غير أنه يلزم فعل هذا أيضًا وفقًا لظروف وأوضاع عالمنا المعاصر، وإن أفكارًا مثل العثمانية الجديدة لا تعدو أن تكون خيالًا وهوسًا غريبًا ليس إلَّا.. ويقول الشيخ بديع الزمان سعيد النورسي: “الحال القديم محالٌ؛ إما حالٌ جديد أو اضمحلال”[1]، ومن هذا المنطلق فإنه يجب على الساعين لتوفير السلم والسلام في العالم أجمع أن يتحركوا وفقًا لضروريات العصر الحديث، وأن يسعوا إلى توفير ما يمكن أن يُوفَّقوا إليه من هذا دون انفصال عن الواقع والحقائق.

إن تحقُّقَ ذلك مرهونٌ بالجَودَةِ في نشأةِ الكوادر، وتجهيزِها الكامل ماديًّا ومعنويًّا، ونضوجِها العقلي والفكري والمنطقي، وامتلاكِها مكتسبات تمكّنها من قراءةِ الأوامر التشريعية والتكوينية قراءة صحيحة، وتقييمِها تقييمًا صحيحًا، ووضعِ كل شيء في موضعه المناسب.

يجب على تلك الكوادر أن يتمكنوا من قراءة الأوامر التكوينية وفقًا للرؤية التي قدمها لنا القرآن الكريم، وأن يربطوا كل شيء في الكون بخالقه متحرّرين من الآراء الطبيعية والوضعية والمادية، متمكّنين من قراءة ما تعنيه هذه الأمور بحقّ صانعها وعند خالقها، أي إنه يجب أن تكون عوالمهم العقلية والقلبية منفتحة على ما وراء الطبيعة أيضًا بجانب الطبيعة؛ ذلك لأن قدرتَهم على تحويل الأزمات التي تجري وتأتي من اليمين واليسار إلى حزمٍ وباقات من المعرفة والحكمة وتحقيقَهم ترقيات في مراتب اليقين أمرٌ مرهون بهذا.

   الحفاظ على القوام والشد المعنوي

إن الحفاظ على القِوام والشد المعنوي أثناء الركض والسعي في سبيل إعلاء كلمة الله أمرٌ مهمٌّ للغاية، فعلينا أن نظلّ نشيطين دائمًا دون أن ننهزم لسلبيات الأزمان، وألا نذبل أبدًا في مواجهة برد الشتاء الزمهرير ولا حرِّ الصحراء الحارق، وألا نُصاب بالشحوب، وأن نستطيع الحفاظ على رونقنا، وأن ننفع الآخرين دائمًا طيلة الفصول الأربعة كالشجرة التي عبر عنها القرآن الكريم في هذه الآية الكريمة: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ۞ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ (سورة إِبْرَاهِيمَ: 14/24-25).

ويجب توضيح أن حماية المكتسبات أصعب من الحصول عليها في البداية.. يمكنكم أن تمتلكوا مكتسبات حقيقية بفضل جهودكم ومساعيكم، وتحرزون مستويات معينة في نقطة معرفة الله ومحبة الله، غير أنه قد تحُلُّ بكم لاحقًا أشياء تُدهشكم مثل المقام والمنصب، قد تغيرون الطريق والوجهة أمام بعض الضغوط والمظالم التي ستتعرضون لها، وقد تضطرون إلى مجموعة من التنازلات عن بعض قيمكم بسبب شعور الخوف، وقد تسقطون في براثن علل وأسقام كالركون إلى الراحة والدعة وحب الجسد، وقد تتسلل إليكم مشاعر كالحسد والغيرة وعدم قبول الآخر، وربما تتسبب كل هذه الأمور في فقدان القوام والاتزان، ومن هذه الزاوية فإنه من المهم للغاية القدرة على البقاء أحياء وأصحاء كالحبات التي تنمو حتى تصبح سنابل دون أن تنزلق وتحيد ولا أن تسقط وتفسد.

لا نستطيع أن نعلم يقينًا الأمور التي رهن الله تعالى بها تحقُّقَ غايتنا المثالية، وهل هي مرتبطةٌ بامتلاك قوام معين أو الحفاظ على القوام؟! وهل يحقق الله تعالى النتائج التي نرغب فيها عندما نصل إلى هذا القوام؟! أم أن للمشيئة الإلهية مرادات أخرى؟! إننا لا نستطيع معرفة أيٍّ من هذه الأشياء؛ ففي علم الله ثمة وقتٌ مرهون لكل شيء، قد لا يخلق دائمًا النتائج التي نريدها ونرغب فيها، ومهما يكن فإن الواجب الواقع على كاهلنا هو حماية قوامنا وصيانةُ الأمانة وأداءُ المسؤوليات المنوطة بنا أداءً تامًّا دون نقص ولا تقصير؛ لأنه ليس للإنسان إلا ما سعى بحسب ما أفادت الآية الكريمة: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (سورة النَّجْمِ: 53/39)، ويجب ألا يعنينا ما وراء ذلك من أمور؛ فخلقُ النتيجة من شأن الله تعالى.

***

[1]  بديع الزمان سعيد النورسي: صيقل الإسلام، ص 461.

الجَرَّة المشروخة: اتهامات وافتراءات على الخدمة

Herkul | | العربية

   سؤال: لماذا كلُّ هذه الاتهامات والافتراءات بل والإهانات لحركة الخدمة التي اختارت لنفسها منذ البداية طريقَ المحبة والتسامح والتضحية والتفاني؟ وما الذي ينبغي عمله إزاء كل هذه التصرفات؟

   الجواب: بادئ ذي بدء أرى من الضروري التنبيهَ إلى شيء طالما ذكرته في مناسبات عدة، وهو أنه ليس من الصواب قطعًا نسبة الخدمات التعليمية والثقافية والإغاثية التي بذلتها حركة الخدمة المنتشرة في كل بقاع الأرض إلى الأنانية الجماعية، أو عزوُها إلى أشخاص معينين، أو إرجاعها إلى بنية مركزية ذات تسلسل وظيفي هرمي، فمثل هذه الرؤى والتفسيرات ناشئةٌ عن الجهل بماهية الأمر؛ لأن كل هذه الفعاليات القائمة هي من أجل مكافحة ألدّ أعداء الإنسانية في أيامنا مثل الجهل والفقر والفرقة، والكشف عن إمكانية التعايش السلمي مع كل الإنسانية؛ إنما هي أثرٌ من آثار القلوب المضحية التي التفّت حول غاية سامية منطقية جليلة.

فكما أن بعض العبادات مثل صلاة الجمعة والطواف حول الكعبة والوقوف بعرفة تجمع الذين يسيرون إلى هدفٍ واحد ويحملون مشاعر وأفكارًا واحدة في المسجد أو المطاف أو عرفات؛ فكذلك وحدة الفكر والشعور هي التي تجمع محبِّي الخدمة حول فعاليات ومشاريع معينة؛ لأن بعض الأرواح المتفانية التي تجيش قلوبها بخدمة الإنسانية ويراودها حلم المستقبل المشرِق في حلّها وترحالها عندما ترى أيَّ تجمُّعٍ -ولو كان صغيرًا- يقوم بالخدمات التي يتصورونها ويحلمون بها؛ فإنهم يفكرون مباشرةً في ضرورة أن يكون لهم مكان ضمن هذا الأمر، ويشرعون في دعم الخدمات المبذولة.

لا سيما وأن الصدق والآمال والثقة والعشق والشوق الذي يحمله هؤلاء الذين انضمّوا إلى هذه القافلة المباركة من قبل وكرسوا حياتهم لها دون تشوّفٍ لأي منفعة؛ يجذب الكثيرين للانضمام إليهم، أي إن الخدمات التي يبذلها هؤلاء المتطوعون الذين يتمتعون بهذه الأخلاق الرفيعة وليس لهم هدف سوى خدمة الإنسانية تمثل مرجعًا مهمًّا للآخرين، وتشجعهم على الاشتراك في هذه الفعاليات ورعايتها.

علاوة على أنّ تقبُّلَ أصحابِ الثقافات والأعراق بل والديانات المختلفة لأنشطة الخدمة ودعْمَهم لها قد وسّع من نطاق الأمر، فرغم أنّ هذه الخدمات قد بدأت في أول الأمر على يد حفنةٍ من الرجال فإن العديد من الناس الذين لمسوا سلامة ونفع هذه الخدمات قد قاموا باستنساخ هذه المشاريع الخدمية في الأماكن التي يعيشون فيها؛ وبتعبير آخر: اجتمع العديد من الناس رغم اختلاف فلسفتهم الحياتية ورؤاهم العالمية حول منطقية الخدمة، وبينما تحمَّلَ بعضُهم المسؤولية في الأنشطة التعليمية والثقافية أو الحوارية مباشرة بدأ البعض الآخر في دعم هذه الأعمال ماديًّا ومعنويًّا.

فلو لم تكن هذه الأعمالُ سليمةً ومنطقيةً من حيث القيم الإنسانية العالمية وظروف الزمان الذي نعيش فيه لما كان من الممكن أن يتحرك نحوَ هذه الخدمات مثلُ هذا الكمّ الغفير الذي جاوز الملايين، ولكان من المتعذّر إقامة مئات المدارس في كل أنحاء العالم شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا، ولمَا بذل رجال الأعمال كل ما بحوزتهم في سبيل رعاية الطلاب، ولما أقيمت جسورٌ للحوار بين الناس بمختلف الأفكار في بلاد مختلفة من العالم، فحتى يتحقق ذلك كان لا بدّ لهذه الأعمال والخدمات أن تكون من مقررات ومعاييرِ الدين الذي تتبعونه والعقلِ الذي تحملونَه والقيمِ التي تتبنونها.

إنني أرى أن العامل الأهم في نجاح هذه الخدمات هو عناية الله وإعانته سبحانه وتعالى، وإن كان البعضُ لا يُفكر على هذا المنوال إلّا أنني أؤمن بذلك، فالله تعالى يدلّل على عظمته أحيانًا بأن يوظِّف أناسًا صغارًا ضعافًا في أعمال شاقّة عظيمة، وهذا في رأينا ممكن أن نراه بوضوح عند النظر إلى الخدمات المبذولة، ولكن قد لا يبدو هذا الأمر منطقيًّا بالنسبة للجميع، غير أن الأعمال العظيمة التي قام بها فتيانٌ تخرجوا حديثًا في الجامعة، ليس بحوزتهم إمكانيات مادية كافية، ولا يحملون أي تجربة أو معرفة بالبلاد التي سيهاجرون إليها أو الأعمال التي سيقومون بها، ثم قيامهم خلال فترة يسيرة بإقامة المدارس في تلك الدول، وتقبّل شعوب هذه الدول لهم؛ لا يمكن تفسير هذا كله إلا أن عناية الله وإعانته كانت ترعاهم وتقف إلى جانبهم.

ولكن قد ينظر البعض إلى عظمة الأعمال المبذولة فقط، فيخطِئ في الاستنتاجات؛ لأنه لم يدرك عظمة الله تعالى من وراء هذه الأمور، ويتخيل وجود بعض البؤر الخفية؛ فبحسب معاييرهم المعوجّة لا بدّ من وجود عباقرة مثل “نابليون” أو “يوليوس قيصر” أو بعض المؤسّسات الفكرية وراء هذه المشروعات والخدمات، فيقومون بتشويش الأذهان عبر تساؤلهم الدائب عن مصدر هذه الخدمات أو تلميحهم إلى وجود بؤر خفية، ويواصلون النظر بارتياب إلى العديد من هذه الأعمال الجميلة؛ بسبب جهلهم وعدم إدراكهم لعناية الله، وكيف أن التضحية قوة كبيرة، والأدهى من ذلك أنهم يقومون بالهجوم ويركنون إلى الافتراء على الخدمة وأربابها.

وفي رأينا أن كل هذه الخدمات قد تحققت بمشيئة الله تعالى وعنايته أولًا، وبدعم وجهود القلوب الصادقة التي استوعبت معقوليّة هذا الأمر ثانيًا، وإننا على يقين بأن الله سبحانه وتعالى لن يتخلى عنا في سيرنا هذا طالما اقتربنا منه وتحركنا في سبيل مرضاته.

   لا تتقرر الأحكام بناء على الأوهام والاحتمالات

أما النقطة الأخرى التي دعت هؤلاء لمهاجمة الخدمة وأربابها فهي تحرّكهم وفقًا للأوهام والاحتمالات ومقارنتهم رجال الخدمة بأنفسهم، فهؤلاء لما ظفروا بالقوة والنفوذ حاولوا من خلالهما تعزيز مناصبهم وإمكانياتهم المادية، واستغلالهما في القهر والتضييق على الذين لا يفكّرون مثلهم، وخافوا أن يفعل الآخرون الشيء نفسه، ونظرًا لأنهم نفذوا بأساليب ملتوية إلى مفاصل الدولة في فترة ما، وبعد ذلك فرضوا نُظمًا للوصاية من أجل التحكم فيمن لا يفكر مثلهم فقد فسروا المسألة بما يتوافق مع أفكارهم ومشاعرهم، وزعموا وجود بعض الأجندات السرية لدى رجال الخدمة الذين فتحوا صدورهم للجميع، ومن أن هؤلاء ذوي الكسبِ غيرِ المشروعِ هم شرذمة قليلون؛ إلا أنهم أثّروا في شرائح كبيرة من الشعب، وشوّهوا أذهانهم.

فمثلًا عزّ على البعض أن يتقلّد غيرُهم وينجح في القيام بمسؤوليات ووظائف مهمّة في الدولة، فراحوا يتحدثون عن نفوذ رجال الخدمة داخل أركان الدولة، وتشكيلهم كادرًا فيها، علمًا بأن الجميع مواطنون في هذه الدولة ومن نسيجها، ولكلٍّ الحق في الاشتغال بالوظيفة التي يرغبها بعد استحقاقه لها، وادعاء خلاف ذلك ضربٌ من التمييز.. ولقد ذكرتُ هذا من فوق المنبر قبل أربعين أو خمسين عامًا، قلتُ لجموع المصلين حينها: “لماذا يرسل المتدينون في هذه الدولة أولادهم إلى المعاهد الدينية، ومدارس الأئمة والخطباء، وكليات الإلهيات فقط؟ ألا توجد مدارس أخرى في هذه الدولة؟ لماذا لا تعلّمون أبناءكم في كلية الطب؟ ولا توجهونهم إلى كلية العلوم السياسية والقضاء والأمن والكلّيات العسكرية؟ هذه الدولة دولتنا، وهذه المدارس مدارسنا، فيجب أن يوجه مواطنو هذه الدولة أبناءهم إلى كل المجالات التي يرونها جديرة بهم ونافعة لهم”.

لقد ناديتُ قديمًا بكثيرٍ من هذه الأفكار جهارًا نهارًا، وبأريحيةٍ تامّة من على متن المنبر، ولو تكرر الأمرُ اليوم لذكرتُ الشيءَ نفسَه، ولكن رغم ذلك ما زال البعض يتحدث عن مسألة تسلل رجال الخدمة إلى مفاصل الدولة، علمًا بأن التسلل يعني نفوذ عنصر أجنبي إلى بنية الدولة في خفاء؛ فقد يتسلل بعض الأشخاص من أممٍ مختلفة إلى بنية الدولة للتحكم في مقدراتها، أما مواطنو الدولة فلا يُسمّى عملُهم فيها تسلُّلًا، بل التحاقًا، لأن الالتحاق حق من حقوقهم؛ فمن حق أبناء هذه الدولة الحقيقيين أن يتقلّدوا الوظائف في كل مناصب الدولة المهمة، وأن يكونوا من المقرِّرين لمستقبلها، وادعاءُ خلافِ ذلك هو عطبٌ فكري.

من جانبٍ آخر فليس من الصواب مطلقًا الانزلاق وراء أوهام وشبهات متعلقة بالمستقبل؛ لأنه لا بد وأن رجال الخدمة غدًا سيتحركون على نفس النهج الذي يسيرون عليه اليوم، فمن بين الدساتير المهمة عند هؤلاء: أن يتوجّهوا بالمحبة والشفقة إلى جميع الإنسانية، ويحتضنوا الجميع، ولا يتخلّون عن المروءة والإنسانية حتى إزاء أعدائهم الألدّاء، فإن كان لا بد من الحديث عن أجندة هؤلاء فإنني أقول: إن هذه الأجندة لا وجود فيها لشهرةٍ أو صيت، أو منصب أو موقع، أو أي سلطنة دنيوية؛ الشيءُ الوحيد الذي ينشدونه هو رضا الله تعالى، أما ما دون ذلك من مصالح وأطماع فقد أوصدوا كل الأبواب دونها.

دعكم من المناصب والسلطات الدنيوية، إن هؤلاء الرجال لا يرون من الصواب -أو لا ينبغي أن يروا- تعليق خدماتهم حتى على مصلحة أخروية؛ فمثلًا قد يتجرع الإنسان بعضَ المعاناة والآلام في سبيل الخدمة التي يبذلها إرضاءً لله، كأن يتعرض للملاحقات والتحقيقات والتهديدات والنفي والحبس وهجر الوطن، فلو أنه تمنى في نفسه الجنة مقابل ما يلقاه فقد طلب شيئًا زهيدًا للغاية، إذ كيف نطلب ما هو أدنى من رضا الله، طبيعيّ أن يسأل العبدُ اللهَ الجنةَ في دعائه والبعد عن النار، ولكن تعليق عمل الخير على هذا الأمر يعني طلب القليل رغم وجود فرص للفوز بمكاسب أفضل وأعظم.

والآن فإن لم تكن الجنة هي الهدف من هذه الفعاليات الجميلة التي تتحقق باسم الخدمة فإن أي سلطنة دنيوية -في رأيي- لا قيمة لها بجانبها، ولذلك فإذا كان جزاء هذه الخدمات رضا الله ومرافقة النبي صلى الله عليه وسلم في الفردوس الأعلى، فلا نجعل من خدماتنا وسيلة للوصول إلى أي مقامات أو مناصب دنيوية.. ولذا فإن نيابة البرلمان، والوزارة، ورئاسة الوزراء، وغيرها من المناصب التي يُشار إليها بالبنان ويتهافت عليها الناس ويصفقون لأصحابها هي بعيدة كل البعد عنا، حيث إننا نراها تردّيًا عن الموقع الذي نتواجد فيه، فلا يصح لمن ظفر بالدخول إلى دائرة الحرم ومخاطبة السلطان أن يطلب ما يطلبه الذين يقفون في الممرات!

   اختلاف عالمهم الفكري

ومِن المعلوم لدى الكثيرين ما قام به متطوعو الخدمة من تضحيات رائعة في تركيا أو في أنحاء مختلفة من العالم، ومَنْ تربطه بهؤلاء الفدائيين علاقةٌ قريبة فقد اطّلعَ قطعًا على تلك التضحيات، ولا شك أنهم تحدثوا مرات ومرات عن الخدمات التي قام بها هؤلاء الفتية الذين أنهوا جامعتهم حديثًا ورحلوا إلى بلادٍ وراء البحار يجهلون حتى اسمها وموقعها على الخريطة، فقاموا بوظائفهم هنالك وعملوا كالعمّال عند تشييد المدارس بأجورٍ زهيدة يتقاضونها أحيانًا ولا يجدونها أحيانًا أخرى.

إن تضحيات هؤلاء ليست متعلقة بزمن معين، فما زال العديد من متطوعي الخدمة رغم بلوغهم أرذل العمر يواصلون هذه التضحيات.

وهذا يؤكد لنا أنه من غير الممكن أن تتحقق هذه التضحيات من أجل قضاء باقي سنوات العمر في أريحية وهدوء، أو بغية الحصول على بعض المقامات والمناصب الدنيوية؛ لأن الحصول على بعض المنافع الدنيوية لا يجدر به كل تلك المعاناة وهذا القدر من الحرمان، إن الهدف الكامن وراء هذه التضحيات كما ذكرنا سابقًا هو نيل رضا الله وتحقيق السعادة الأخروية، وهذا يعني أن هذه القلوب المضحية لا تنشد إلا النجاح بمدِّ يد العون للآخرين، وتخليصهم من مستنقع الجهل والفقر والفرقة.

ولكن من المتعذر أن يفهم هذا أولئك الذين تربوا في محيطات ثقافية مختلفة عنكم ولا عِلْمَ لهم بعالمكم الفكري، إذ كيف لهم أن يستوعبوا معنى هذه التضحيات دون أن يخالطوكم أو يعرفوا خصائص الطريق الذي تسيرون فيه!

إن أولئك الذين لم يقوموا بأي تضحية في حياتهم إلا وفكّروا في المصلحة التي تعود عليهم من خلالها؛ إنما هم دنيويّون، يقضون كل أعمارهم في الركض خلف الدنيا الفانية، ولذا من المستحيل أن يفهموا الخدمات التي تحققت بروح التفاني ودون تشوّفٍ لأي غرض دنيوي؛ لأن هؤلاء لم يفكروا في مثل هذا، ولم يسمعوا عنه، ولم يشاهدوه، ولم يعيشوه.

   أن نحسن التعبير عن أنفسنا

وإنني بهذا القول لا أقصد تبريرَ مخاوفهم وشكوكهم في هذه المسألة أو أبحث عن عذر لهم، بالعكس فإنني أقول هذا بغيةَ فهمِ ما يجري على الوجه الصحيح، وتحديدِ ما ينبغي عمله بشكل سليم، إذ علينا أن نواصل شرح المسألة وتوضيحها حتى وإن لم يفهموا، وأن نحاول الاقتراب منهم وإن كانوا بعيدين عنا، وألا نكتفي بالتبليغ مرة أو اثنتين أو ثلاثة، بل نواصل شرحنا وتوضيحنا كما كان يفعل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم للمرة الرابعة والخامسة والسادسة…

وكلكم يعلم ما فعله سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عمرو بن هشام المشهور بأبي جهل، وكيف أنه ذهب إليه يدعوه إلى الإسلام ربما خمسين أو مائة مرة، لقد كان أبو جهل بالفعل إنسانًا يصعبُ إقناعه بالإيمان باعتباره شخصًا مصرًّا على الكفر والضلالة، وكما كان عنيدًا إلى أقصى حدّ، كان أيضًا يرى نفسه أفضل من الآخرين، وينظر إلى الجميع من برج عاجيّ، كان -وهو سيدٌ من سادات بني مخزوم- يحلم باليوم الذي يرأس فيه مكة كلها، ولذا لم يستسغ ظهورَ إنسانٍ آخر يُدير هذا المجتمع ماديًّا ومعنويًّا، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم صاحبُ الفطنة العظمى على علمٍ بهذا كله، ومع ذلك لم يكترث بالأمر، ومضى يواصل تبليغه، لأن التبليغ واجبُه، أما الهداية فهي من الله وحده.

ولهذا يجب ألا نقنع بما نفعله في سبيل تبليغ مشاعرنا وأفكارنا، ونواصل التعبير عن أنفسنا مرة بعد أخرى، ذات يوم جاءني شخص مهم وقال لي: “ما زال هناك العديد من الناس من شرائح مختلفة يجهلون روح الخدمة ومعناها”، وهذا يعني أننا قد ركنّا إلى الدعة والخمول، فلم نستطع أن نعبّر عن ذاتيتنا للآخرين بشكل صحيح، ولم نقم بما ينبغي، سواء بأقوالنا أو بأفعالنا، ولم نعط الآخرين فرصةً للتعرف علينا عن كثب، ورغم أن خدماتنا ارتقت عموديًّا فقد ظلّ تعريف الآخرين بهذه الخدمات يجري بشكل أفقي.

ومن ثَمّ ينبغي ألا نتكاسل أو نتباطأ في هذا الموضوع، ولو لزم الأمر يجب السير إلى أقدام هؤلاء فردًا فردًا كما كنا نفعل أثناء فعاليات الحوار في التسعينات من القرن المنصرم. أجل، إذا كنا نريد ألا تعترضنا المشاكل في طريقنا، فلا بد أن نوسّع المحيط الذي نتواصل معه بقدر ارتقائنا وتوسُّعنا في الخدمات، وإن كنا لا نريد أن يقطع طريقنا على التوالي هؤلاء الذين أُشرِبت قلوبهم بالحسد والغيرة والعداوات التي ورثوها عن الماضي، فيجب أن نواصل تجديد خطواتنا في سبيل تحطيم هذه العداوات وتهيئة البيئات وتكثير عدد المتعاطفين معنا وإقامة الصداقات.

ألَا تودّون أن يدرك الآخرون جمالياتكم ويشاركوكم دربكم ذات يوم؟! ألا ترغبون في أن يدافعوا عنكم ضد المفترين؟! إذًا يجبُ عليكم إذا رأيتموهم يخطِئون في التعرف عليكم بسبب اختلاف ثقافتهم وفكرهم ويتمادون في اتهامكم دون وجه حق؛ أن تواصلوا بإصرار وعزيمة التعبيرَ عن استغنائكم وإخلاصكم وصدقكم ومحبتكم وسماحتكم وعدم تشوّفكم لأي غرض دنيوي، وحتى يتسنى لهم التعرّف على حقيقتكم وإدراك ما تحملونه من مشاعر في سبيل خير الإنسانية؛ فلا بد أن تخالطوهم فترةً مديدة، واعلموا أن شكّهم وريبتهم فيكم ستستمرّ حتى تأتي اللحظة التي تحسنون فيها التعبير عن أنفسكم.

فإن كنتم تريدون أن يأتي الناس إليكم سائرين فاذهبوا إليهم راكضين متخلّقين بالأخلاق الإلهية، وإن كنتم ترغبون أن يفتحوا صدورهم لكم فابدؤوهم أنتم بفتح صدوركم لهم، وإن كنتم تترقّبون منهم البسمة فقابلوهم بوجه طَلْق، افتحوا قلوبكم للجميع حتى يفتح الآلاف قلوبهم لكم، انفذوا إلى أعماق القلوب حتى لا تلقوا أيّ ردّة فعل في أي مكان، واقتربوا من الجميع حتى يقتربوا منكم.

وإلى جانب كلِّ هذا إن أردنا أن يفهمنا الآخرون ويتعرفوا علينا بشكلٍ صحيح فعلينا أن نعامل الجميع بوضوحٍ وشفافية مطلقة، وأن نظهر دائمًا ما نكنّ لهم من مشاعر صادقة، ولكن يجب علينا عند فعل ذلك أن نراعي مستوى فهم الآخرين، ولا نقع في خطإ انتقاء الأسلوب الذي نعاملهم به.

 فضلًا عن ذلك يجب أن نفعل ما نفعل بما يتوافق مع قوانين ولوائح البلاد التي نتواجد فيها، بل علينا قبل أن نخطو أي خطوة أن نتقابل مع المسؤولين في تلك البلاد، وأن نأخذ الإذن منهم في القيام بخدماتنا، وندعوهم إلى البرامج والفعاليات التي نقيمها، ونفتح مجالسنا للجميع حتى يتعرفوا علينا عن قرب، وأن نُظهر للجميع أننا جديرون بحفظ الثقة وصيانة الأمانة، ولا يمكن أن يأتي الضرر من قِبَلنا.

ومن ثَمّ يجب أن نتجنّب كلَّ فعلٍ أو سلوك يدعو الآخرين إلى التوجس خيفة منا؛ حتى لا نفتح المجال لأن يخطئوا في تفسيراتهم أو يراودهم حسٌّ بأننا نشتغل بأمور خفية من ورائهم، ويجب ألا تنسوا أن خطأكم في مثل هذه الأمور لن يضرّ فقط بخدمة أصدقاء دربكم الذين يعملون في الخدمة في كل أنحاء العالم، بل سيصعِّب أمر أصدقائكم المتعاطفين مع أفكاركم وأمرَ خلَفِكم القادمين من بعدكم.

ولا شك أن نجاحكم في هذا الأمر لن يتحقق في التوّ واللحظة، بل ستجدون صعوبة في البداية، ويظل الشك يساور هؤلاء نحوكم حتى اللحظة التي تستطيعون فيها التعبير عن أنفسكم بشكل صحيح، غير أن مخاطبكم بعد أن يجرّبكم سنوات طويلة ويرى أنكم أمناء ثقات سيشرع في الحديث عنكم لغيركم، ويقول: “إن هؤلاء موضعُ ثقة، لا يتأتى الضرر منهم ألبتة”، ولا شك أن حديثهم ودفاعهم عنكم سيكون تزكيةً مهمّة بالنسبة لكم، وسيَنتُجُ عنه تأثيرٌ أبلغُ من حديثكم عن أنفسكم.

لا مناص أن يتمخض الزمان عن أمثال أبي جهل وعتبة وشيبة، لكن صوت الرأي العام ونفَسه وحماسَه سيقطع أنفاسهم.

وجدير بالإنسان أن يفعل كل ما بوسعه للوصول إلى مثل هذه النتيجة؛ لأن ما نتحمله ولا نستسيغه اليوم سيأتي يوم ويُفرحنا، ولا ننسَ أن مهمتنا هي الاستثمار في الإنسان، أما نتيجةُ هذا الاستثمار فقد تستغرق على الأقل ربع قرن، وأحيانًا نصف قرن.

(هذا المقال سيتابع في الأسبوع القادم).