Posts Tagged ‘أبطال الإنفاق في سبيل الله’

الجَرَّة المشروخة: سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّه

Herkul | | العربية

   سؤال: ورد في أحد الأحاديث النبوية الشريفة الحديث عن سبعة أصناف من الناس سيستظلون بعرش الرحمن يوم القيامة؛ يوم لا ظلّ إلا ظلّه سبحانه وتعالى، فما هي الصفات المشتركة بينهم؟

   الجواب: ثمة عنصران مهمَّان جدًّا يُمكِّنان الإنسان من إحراز مستوًى في العبادة والوصول إلى القمم المستهدفة من خلقه، هما وفاؤه بعباداته وطاعاته مهما كان في الأمر من مشقة ، من ناحية، وابتعادُه عن الذنوب والمحرمات مهما كانت صعبة ، من ناحية أخرى؛ لأنه كلما كان العمل الذي يضطلع به العبد صعبًا، كلما زاد الثواب والمكافأة التي سيحصل عليها.. وبالمثل، إذا استطاع المرء تجنب الخطايا التي يصعب للغاية تجنُّبُها، قَدِر على الوصول إلى أعلى مراتب العبودية.. والنقطةُ اللافتة للانتباه في هذا الحديث المعني بالذكر والتي تعتبر قاسمًا مشتركًا هي حقيقةُ أن هذه الأصناف السبعة تنجز أعمالًا يصعب القيام بها بالنظر إلى بعض الخصائص الفطرية الكامنة في الإنسان والظروف المعيشية المحيطة به.

ونص الحديث المراد على النحو الآتي: عن أبي هريرة رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: “سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الإِمَامُ العَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ، أَخْفَى حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ[1].

والآن فلننظر عن كثبٍ وبالترتيب، إلى تلك الأصناف الواردة في هذا الحديث الشريف:

   1- الإمام العادل

ذكر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الإمام العادل على رأس من سيستظلّون بظلّ العرش، ويدخل ضمن هذا الإطار أيضًا جميع المسؤولين والإداريين؛ بدءًا من “القائم مقام” المسؤول عن إدارة أصغر قصبة وصولًا إلى رئيس الدولة المسؤول عن إدارة الدولة، وهكذا يفوز بهذه البشارة كلُّ مسؤول في مثل هذا الموضع، يسعى إلى إقامة العدالة بحذافيرها، ويتصرّف بحساسية بالغة وحذر شديدٍ لئلا يظلم أو يجور ولو على مثقال حبة من شعير.

من السهل إلى حد ما بالنسبة للأشخاص العاديين الذين لا يشاركون في أي مستوى من مستويات الإدارة أن يكونوا عادلين، ولكن كلما زادت المسؤوليات والالتزامات كلما أصبح من الأصعب مراعاة العدالة والحفاظ على الاستقامة، وعلى سبيل المثال: إذا كان من الصعب على منْ يتولى منصب عمدة قرية أن يكون أكثر عدلًا من أي شخص عادي؛ فإن مَنْ يكون مسؤولًا عن دولة كبيرة وفي موقع السلطان سيصعب عليه تحقيق العدالة؛ لأن من يحرزون مثل هذا الموقع يتمتعون بقوة وقدرة كبيرة، ويقف بجانبهم أناس يقولون دائمًا “فخامة الملك” احترامًا وخضوعًا، بالإضافة إلى ذلك، هناك جماهير غفيرة تصفق لهم ما إن يتفوهوا بكلمة، دون اعتبار إن كانت جيدة أو سيئة.

الحقيقة أنه من الصعب للغاية ألا يتجرع امرؤ في مثل هذا الموقع من سُمّ القوة، وألا ينجذب للتصفيق والتقدير، وألا يسيء استعمال الإمكانيات الواسعة التي بيده، وألا يبرح العدل والحقانية مع وجود كل هذه العوامل المُضلِّلة والمُفسدة، وهكذا فإن الإنسان الذي يتغلب على هذه الصعوبات، ولا يختلس حتى حبة شعيرٍ ليست له، ويستخدم جميعَ الإمكانيات والقوى والقدرات المستأمن عليها في سبيل خدمة أمته فحسب سوف يحظى بمزيد من المفاجآت الإلهية حين ينتقل إلى الحياة الآخرة. وبتعبير آخر كلما ارتفع مقام المرء ومنصبه كلما صعُب عليه الحفاظ على استقامته؛ والتغلبُ على هذه الصعوبة يرفعه بشكل عمودي إلى الكمال الإنساني.

   2- شاب نشأ في عبادة الله

وفقًا للآية الكريمة ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (سورة الذَّارِيَاتِ: 51/56) فإن الهدف الأساس من خلق البشر هو أن يعبدوا الله تعالى، وبحسب تفسير ابن عباس رضي الله عنهما لهذه الآية هو الوصول إلى معرفة الله. وبالتالي فإن الطريق إلى النجاح في الامتحان الدنيوي هو معرفة الله، والتعرف عليه، ومحبته، وعبادته حق العبادة. فلا شك أن هناك مجموعة من الصعوبات أمام النجاح في امتحان كهذا إذا ما وُضعت في الاعتبار العوامل التي قد تحيد بالإنسان عن الطريق المستقيم كالنفس والشيطان.

ومع أن هناك صعوبات يواجهها الجميع حتى يتمكنوا من عبادة الله بحقٍ، إلا أنه من الصعب جدًّا أن تكون هناك حياة تعبدية مثالية لا تشوبها شائبة في مرحلة الشباب التي تطوّقها تمامًا الأهواء والرغبات، لهذا السبب ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن الصنف الثاني الذي سيستظل بعد الإمام العادل بظل عرش الله، هم زمرة الشباب الذين أسلموا أنفسهم للعبادة، ونشؤوا وكبروا وبلغوا الكمال في دربها، ونظرًا لأنه يصعب للغاية على الشاب أن يتمرد على رغباته وإملاءاتها ويقول لها “لا”؛ فقد أُشيد في الحديث الشريف بالشباب الذين يتغلبون على هذه الصعوبة ويطيعون الله بدلًا من الهوى، وعليه فإن قدرة الشاب على قول “لا” للرغبات والمطالب المحرمة التي قد تطمع فيها أعضاء جسده كالعينين والأذنين واللسان؛ سترفعه إلى قمة الكمال الإنساني.

   3- رجل قلبه معلق بالمساجد

أما الصنف الثالث الذين ورد ذكرهم في الحديث فهم الذين تعلقت قلوبهم بالمساجد، تخيلوا شخصًا يأتي المسجد فيؤدي صلاته، ثم يخرج جسده الماديّ ويغادر، إلا أن قلبَه يظلّ في المسجد، وبينما هو في الخارج يبقى في انتظار الصلاة التالية على أحرِّ من الجمر؛ إذ لم تتمكن مفاتن الدنيا وهموم المعيشة، والحرص على كسب المال، وفكرة التلذّذ بمتع الدنيا من أن تجد لها مكانًا في قلبه.. بالعكس فحين يخرج من المسجد الذي تعبد فيه لله ربه يشعر وكأنه يختنق بثاني أوكسيد الكربون؛ ولذلك يبدأ في التطلع إلى طريق المسجد حتى يتنفس الأكسجين من جديد، فمثلًا حين يُصلي الظهر ويخرج من المسجد يقول في نفسه “ليت أذان العصر يُرفع فأُهرع إلى الجامع؛ ليتني أشعر مرة أخرى في وجداني بنداء المؤذن “الله أكبر”.

ويمكننا ربط هذا بذلك الحديث النبوي الشريف “مَنْ أَتَى فِرَاشَهُ وَهُوَ يَنْوِي أَنْ يَقُومَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ حَتَّى أَصْبَحَ كُتِبَ لَهُ مَا نَوَى وَكَانَ نَوْمُهُ صَدَقَةً عَلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ[2]، ففي مثل هذه الأحاديث يقول رسولنا صلى الله عليه وسلم إن أنفاس الإنسان الذي تعلّق قلبُه بعبادة الليل ستكتب له بمثابة التسبيح والذكر، وذلك لمجرد نيّته هذه فحسب.

ولا شك أن ارتباط الإنسان بالمساجد والعبادة إلى هذا الحد حال لا يتسنى الجميع أن يناله؛ ولذلك فإن من يستطيعون هذا يرتقون مباشرة إلى الله تعالى.

   4- المتحابون في الله

أما الزمرة الرابعة فهم الذين قال عنهم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم “رَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ”، والأصل أن “الحب في الله، والبغض في الله” أساسان مهمان في الدين، لكن هذا الأمر ليس يسيرًا ألبتة، فمن الصعوبة بمكان أن ينحّي المرءُ مصالحه وأذواقه ورغباته الشخصية ناحيةً، ويتحبب إلى أخيه ويتقرب ويتودّد إليه لأجل دينه وتديّنه وإيمانه وقربه من ربه وخدمته لدينه وأمَّته.

ولكن أليس ما نشعر به من حب عميق في نفوسنا تجاه رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم جميعًا، وتشوفنا لأن نكون بجوارهم، سببُه الأساس هو نيل رضا الله سبحانه؟! وبتعبير أكثر وضوحًا: ألسنا نحبّهم بسبب الرسالة الإلهية التي حملوها إلينا، وقربِهم من الله عز وجل، ولأنهم مثّلوا في أنفسهم أوّلًا جماليّات الإسلام الحقيقية على وجهها الأكمل، واضطلعوا ببطولات حقيقيّة من أجل دينهم؟! لقد أظهر هؤلاء تفوُّقًا فريدًا وعاليًا في مسألة تمثيل الدين ومعايشته حتى إن كل الموازين الدنيوية لتعجز عن وزن وتقدير ذلك، بل إنني أظن أنه لو وضعت أعمالهم وفضائلهم تلك على الميزان في الآخرة لما تحمل الميزان وخرَّ من عِظم وثِقل أعمالهم.

وبجانب هذا النوع من الحب توجد أيضًا علاقات تقوم على المنفعة الدنيوية والمصلحة الشخصية، وفي سبيل تلك المصلحة يكون أحد الطرفين للآخر بمثابة ذيل أينما حلوا أو ارتحلوا، فأحيانًا تجدهم يلتفون حولهم وكأنهم حراس أو ندماء، وأحيانًا يتملّقونهم، وأحيانًا أخرى يتسابقون من أجل ستر وإخفاء عيوبهم، ومع أنهم يظهرون لهم الحب والوداد إلا أنهم في الأصل لا يحبون إلا منفعتهم ولا يجرون إلا وراء مصلحتهم.. ومثل هذه العلاقات المنفعية لا يُبتغى بها مرضاة الحق سبحانه وتعالى.

فالمتحابون في الله الذين تقوم علاقتهم على رضا الحق سبحانه، لا يتملقون ولكن يحبون الخير لبعضهم البعض؛ وما يرونه من قصور وأخطاء عند بعضهم لا يتحرَّجون من قوله، ويجذب بعضهم بعضًا دائمًا إلى الاستقامة، بل إن عتابهم وانكسار قلوبهم من بعضهم البعض يكون في الله أيضًا، وفي سبيل الحيلولة دون أن يقع أحد أصدقائهم في الظلم أو الخطإ، فإن من أعظم العوامل التي تُدخِل المرء في ظل عرش الرحمن يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظله هو: التحابّ في الله دون التشوّف إلى أي مصلحةٍ دنيوية، وقيام هذه العلاقة واستمراريتها على أساس رضا الله سبحانه وتعالى فحسب.

   5- أبطال العفة

الصنف الخامس الذي أخبرنا به النبي صلى الله عليه وسلم بأنه سيستظل بظل عرش الله يوم القيامة هو الشخص العفيف الذي إذا “طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ”، ولا شك أن صبر الإنسان في تلك الحال وضبطَه لرغباته وغرائزه يُعَدّ أمرًا في غاية الصعوبة، ولذلك فإن نجاح الشخص في ذلك الموقف الصعب يجعله يرتقي إلى عرش الكمالات الإنسانية.

ويُروَى في هذا الصدد: أنه كان في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه شاب متعبد قد لزم المسجد، وكان عمر به معجبًا، وكان له أب شيخ كبير، فكان إذا صلى العتمة انصرف إلى أبيه، وكان طريقه على باب امرأة فافتتنت به، فكانت تنصب نفسها له على طريقه، فمر بها ذات ليلة، فما زالت تغويه حتى تبعها، فلما أتى الباب دخلت، وذهب يدخل فذكر الله عز وجل، وجلي عنه، ومثلت هذه الآية على لسانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ (سورة الأَعْرَافِ: 7/201)، فخر الفتى مغشيًّا عليه، فدعت المرأة جارية لها فتعاونتا عليه، فحملتاه إلى بابه، واحتبس على أبيه فخرج أبوه يطلبه، فإذا به على الباب مغشيًّا عليه، فدعا بعض أهله، فحملوه فأدخلوه، فما أفاق حتى ذهب من الليل ما شاء الله عز وجل، فقال له أبوه: يا بني ما لك؟ قال: خير، قال: فإني أسألك، قال: فأخبَرَ بالأمر، قال: أي بنيّ، وأيّ آية قرأتَ؟ فقرآ الآية التي كان قرأَ، فخرّ مغشيًّا عليه، فحركوه فإذا هو ميت، فغسلوه وأخرجوه ودفنوه ليلًا، فلما أصبحوا رُفع ذلك إلى عمر رضي الله عنه، فجاء عمر إلى أبيه فعزاه به، وقال: ألا آذنتني؟ قال: يا أمير المؤمنين كان الليل، قال: فقال عمر: فاذهبوا بنا إلى قبره، قال: فأتى عمر ومن معه القبر فقال عمر: “يا فلان ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ (سورة الرَّحْمَنِ: 55/46)، فأجابه الفتى من داخل القبر: “يا عمر قد أعطانيهما ربي عز وجل في الجنة مرتين”[3].

   6- أبطال الإنفاق في سبيل الله

ويشخّص الحديثُ حالةً دقيقةً وصعبةً أخرى فيقول: “وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ، أَخْفَى حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ”، والأصل أن المسألة هنا يكتنفها تشبيهٌ مهمّ يشير إلى أهمية القيام بأعمال الخير في السرّ والكتمان، فإذا روعي هذا الأمر فسيظل الشخص بعيدًا عن أدنى أشكال الرياء والسمعة، كما سيجنِّب المتصدَّق عليه الشعور بالخزي والحرج، فضلًا عن أن الشخص المتصدِّق سيظل محتفِظًا بإخلاصه، دون أن تشوبه أيّة شائبة.

وتأثرًا بهذا الحديث وغيره من الأحاديث ظهر في عهد الدولة العثمانية ما يُسمّى بـ”أحجار الصدقة”[4]، وكانت عبارة عن أعمدة حجرية يترك فيها المتصدِّق بعض الصدقة من النقود، حتى يأتي المحتاجُ ويأخذ منها قدر حاجته، وإنّ إقامة مثل هذا النظام ليدل على مدى استقامة المجتمع في ذلك الوقت، وخلوّه من جرائم السرقة والغصب والابتزاز.

أما عكس ذلك فهو التصدق على المحتاجين أمام أعين الجميع، عندها لا يَسلم المحتاج من المنّ والأذى، والتعرض للهمز واللمز من هؤلاء وأولئك؛ لأن مقصد هؤلاء المجاهرين بالصدقات هو الظهور أمام الناس بمظهر الكريم المحب للخير، ونيل التقدير والتصفيق والتهليل من قِبل المجتمع، يقول الله تعالى مشيرًا إلى هؤلاء ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ (سورة البَقَرَةِ: 2/263).

   7- الخشيةُ حدّ البكاء

وينتهي الحديث بـ”رَجُل ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ”، والحقيقة أن الإنسان إذا انزوى إلى مكان لا يراه فيه أحد، ووضع رأسه على الأرض ساجدًا لله تعالى في ظلمة الليل مثلًا متذكرًا موقعَه ومكانه من الطاعة، ومتفكرًا في موقفه أمام الحق سبحانه، ومتأملًا في عظمةِ الله جل جلاله وصغرِه أمام تلك العظمة الإلهية ففاضت عيناه بالدموع إثر ذلك؛ فلا جرَمَ أن هذا من أعظم الأعمال التي يرفع الله سبحانه بها عباده إلى الأعلى مباشرة. 

والواقع أن كل الأمور التي ورد ذكرها في الحديث هي أمورٌ شاقّة وصعبةٌ لا يوفّق إليها كثيرٌ من الناس؛ حيث تحتاج إلى الصبر والتحمل والعزيمة والثبات، فمن ينجح في اجتياز تلك المصاعب والعقبات، يكون مظهرًا للكثير من الألطاف الإلهية.. ويمكن قياس أعمال الخير الأخرى على تلك الأعمال بجامع العلّة، فكل العبادات والطاعات التي يقوم بها الشخص يمكن تقييمها وفقًا لهذا المعيار، بناءً على ذلك فمَن يقوم بالأعمال الشاقّة، أو مَن يظلّ مبتعدًا عن المحرمات التي يسهل الوقوع فيها ويصعب الاحتراز منها؛ سيحرز مرتبة عظيمة عند الحق تعالى فينال من النعيم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

نسأل الله أن يقوِّي ويوفِّق جميع المؤمنين لا سيما الأجيال الخادمة للدين إلى تجاوز الصعاب وتحقيق تلك المرتبة العالية، فإن هؤلاء سيقومون -بمشيئة الله- بما أنيط بهم من أعمال شاقة، وسيتحلون بأسمى درجات الصبر والصمود أمام المنكرات والشرور، وعندها سينالون شرف الدخول في ظل عرش الله عز وجل، وسيسعدون بالألطاف الإلهية التي لا حصر لها.

***

[1] صحيح البخاري، الأذان، 36؛ صحيح مسلم، الزكاة، 91.

[2] سنن النسائي، قيام الليل، 63؛ سنن ابن ماجه، إقامة الصلاة، 177.

[3] ابن عساكر: تاريخ دمشق، 45/450، البيهقي: شعب الإيمان، 1/468.

 [4]أحجار الصدقة: عمود متوسط الطول من الحجر الرخام مجوف من أعلاه لوضع النقود وفي أحد جوانبه توجد فتحة لاستخراج النقود. وهكذا لم يكن يلتقي المتصدق بمن تصدق عليه.