ابن الوقت

Herkul | | العربية

   سؤال: اعتمادًا على ثراء الماضي المجيد تضعُ أجيال اليوم خططًا ومشاريع للمستقبل المجهول، فما هي المسؤوليات التي يجب عليهم الانتباه إليها حتى يتمكنوا من التحرك بشكل يتناسب مع ظروف عصرهم؛ أي يصبحوا “أبناء الوقت”؟

   الجواب: “ابن الوقت”، هو مصطلح يطلقه الصوفية خاصة على أولئك الذين استوعبوا زمانهم جيّدًا، واستطاعوا قراءةَ الأوامر التكوينية بحق، وسبروا أغوار الأشياء والحوادث، فضلًا عن وقوفهم وفهمهم الجيد للقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.. وبتعبير آخر: ابن الوقت هو من ينظر إلى الأشياء والحوادث نظرة شمولية، ويدرك جيدًا أبعاد العلاقة فيما بين الثلاثي: “الإنسان والكون والله تعالى”.

وإن من لا يُتقِنُ فهمَ الأوامر التكوينية جيدًا إلى جانب الأوامر التشريعية، ولا يدري شيئًا عن الأحداث والتطورات الواقعة في زمانه، لا يتأتى له فهمُ القرآن الكريم وتفسيرُه وفقًا لظروف عصره، بينما الشخص الذي يفهم عصره، ويدرك جيّدًا أحداث زمانه يمكنه أن يكشف عن تفسيرات تناسب زمانه الذي يعيش فيه، مستفيدًا من النهايات المفتوحة التي سكت عنها القرآن الكريم؛ أي الجوانب الصالحة للاجتهاد والاستنباط، وهذا في الحقيقة من الواجبات المهمة الملقاة على عاتق “أبناء الوقت”.

وإذا أردنا مزيدًا من التوضيح نقول: إن المعنى الأول الذي يمكن فهمه من مصطلح “ابن الوقت”، هو وقوف المرء على علوم عصره وتقنياته؛ بأن يحصل على خبرات عصره في العلوم التجريبية مثل الفيزياء والكيمياء والأحياء والفلك والرياضيات، ويتوصل إلى ما يتوافق بينها وبين الكلام الإلهي، ويبحرَ -خاصة- في تفسير الآيات الدالة على الحقائق العلمية من خلال الإمكانات التي تتيحها العلوم الحديثة.

أما المعنى الثاني الذي يُفهم من “ابن الوقت”، فهو اطلاعُ المرء على ثقافة عصره وحضارته، وقراءتُه الحوادث الاجتماعية قراءة صحيحة، وتعرفُه على الأيديولوجيات والتيارات المختلفة، وإلمامُه بما يشيع حوله من مفاهيم وأفكار.

فيجب على المسلمين اليوم أن يعملوا على اكتساب خبرات العصر، سواء في العلوم التجريبية أو العلوم الاجتماعية، إلى أن يتبوّؤوا المكانة التي يجب عليهم إحرازها.. وإلا تسلّط عليهم الآخرون، وقيَّدوا أرجلَهم بالسلاسل وأعناقهم بالأغلال، فيُجبَرون على العيش تحت وصايتهم.. فلِزامًا علينا أن نستثمر علوم وتكنولوجيا العصر على أفضل وجه بما يخدم غايتنا المثالية.. وهذا بالطبع ليس هدفًا يتحقّق فجأة من تلقاء نفسه، لكن إذا قرأنا عالم اليوم جيدًا، وتوصلنا إلى النتائج الصحيحة، وقمنا من فورنا بتنشئة الخبراء في مختلف المجالات، وإنشاء المعامل والمختبرات، فستصل المسألة إلى بُعدٍ مختلف تمامًا بعد خمسين عامًا.

   عمليات العنف والإرهاب

ولا يمكن لمن يعجز عن قراءة عصره قراءة صحيحة أن يحل مشاكل العصر، بل على العكس، فإن كل محاولة يقوم بها في سبيل الحل ستتسبب في اضطرابات ومشكلات جديدة، بل وربما تُلحِق به ضررًا بالغًا رغم اعتقاده بأنه يخدم الإسلام بفعله هذا.

ومن الضروري أن يكافح الإنسان ويجاهد من أجل دينه ووطنه وبلده ونسله ومستقبله، وإذا تطلَّبَ الأمرُ فإنه يواجه الأعداء من أجل حماية هذه القيم المقدسة والذود عنها، ولا يتردد في التضحية بماله وحياته في هذا السبيل.. ولكنكم الآن في زمن تُصنع فيه الأسلحة القوية المدمرة، فإذا استفززتم الآخرين أو تجاوزْتم الحدود بدعوى السعي لتحقيق العدالة أو لأسباب تافهة واهية، فسوف توقِّعون صحيفةَ إعدامكم بأيديكم.

وإن الذين يمارسون اليوم أعمال العنف والإرهاب، ويحصدون أرواح الأبرياء بالعمليات الانتحارية دون أن يأبهوا بأهليهم وذراريهم، ويعتدون على معابد أصحاب الديانات الأخرى، وينتهكون حرمة مقدساتهم؛ لا يمتّون بصلةٍ إلى القيم الأساسية للإسلام لا من قريب ولا من بعيد.. فكما أن هذه الأعمال تتنافى جذريًّا مع روح الإسلام، كذلك فإنها تقوّض القيم الديمقراطية والمبادئ الإنسانية التي تتصدر الساحة اليوم.. فإذا كان أحد أسباب هذه الاضطرابات عدم فهم الإسلام فهمًا سليمًا؛ فإن السبب الآخر يكمن في العجز عن النظر بشكل شمولي إلى التطورات الجارية في العالم.

أجل، لا مكان للعمليات الإرهابية والعنف لا في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية المطهرة، وإن من يتورطون في مثل هذه المخالفات والمناقضات يعيشون بمنأى عن الإسلام حتى ولو أتموا تعليمهم الديني أو زعموا أنهم يتبنّوْن قضية ما.. فهذا مخالف للنهج والدرب الذي سار عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن تبعه من سادتنا الخلفاء الراشدين الممثلين المخلصين له.. فحتى في الفترات التي شاع فيها الظلم والقمع من بعض الشخصيات أمثال يزيد والحجاج والسفاح؛ إلا أيَّ أحدٍ لم يكن يقرّ بأعمال العنف التي لا تعترف بقاعدة أو قانون ولا تميز بين النساء والصغار والشيوخ.

وبالمثل أيضًا، فهل ذُكر أن أُحرقت أي كنيسة خلال ستة قرون من التاريخ العثماني؟ وهل دُمِّرت المعابد؟ وهل هوجمت القيم التي يقدسها أتباع الديانات الأخرى؟ تذكر الروايات أن السلطان محمدًا الفاتح قد اشترى كنيسة آيا صوفيا من ماله الخاص وحوّلها فيما بعد إلى مسجد، رغم أنه كان يمتلك القوة والسلطة الكبيرة لاغتصابها رغم أنوفهم.. وفي العهود اللاحقة تم تحويل بعض الكنائس التي لم يكن يؤدى بها صلوات إلى مساجد.. لكننا لا نعرف كنيسة تم إحراقها أو تدميرها.. وإن بقاء العديد من الكنائس قائمةً بطقوسها وأجراسها حتى يومنا هذا لهو خيرُ دليل على ذلك.

   احترام مقدسات الآخرين

وإن ما وقع بين سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه والأساقفة عند فتح بيت المقدس ليُغني اللبيب في هذا المجال:

لما فتح المسلمون “القدس” وطلبوا من الأساقفة مفاتيح المسجد الأقصى، أبَوا أن يسلموها إلا إلى خليفة المسلمين.. فخرج أمير المؤمنين عمر بن الخطاب مع خادمه من المدينة على دابة واحدة -خشية الإسراف- يتناوبانها.. فلما اقتربا من المسجد الأقصى جاء دور الخادم في الركوب.. وكانت ملابس سيدنا عمر مرقَّعة وغير مهندمة من أثر السفر الطويل.. فلما رآه الأساقفة، قالوا: “هذا الذي نجد صفاته في كتبنا”، وسلّموه المفاتيح، ولما حانت الصلاة قال للبطريرك: أريد الصلاة، فقال له: “صلّ في موضعك”، فامتنع قائلًا: “لو صليتُ داخل الكنيسة لاتخذها المسلمون بعدي مسجدًا ولقالوا هنا صلى عمر، فتُحرمون من التعبّد في كنيستكم”، رافضًا عرض البطريرك وراح يصلي في موضع خارجها.

أيُّ فَهمٍ هذا؟! هل يمكن القول: إن البشرية استطاعت -على الأقل- أن تُحافظ على مثل هذا الأفق رغم مرور ألف وأربعمائة عام على هذه الحادثة؟

 إن هؤلاء هم الذين فهموا الإسلام حقًّا، وقرؤوا العالم والمجتمعات والتغيرات المجتمعية قراءة سليمة.. وبفضل هذا استطاعوا أن يُحققوا للإنسانية فترةَ سلام حقيقية.

أجل، إن من يلجأ إلى الإرهاب وأعمال العنف لأي مبرر كان، هو على خطإ عظيم.. فالأعمالُ الإرهابية والإجرامية لا يمكن أن تبررَها ادعاءاتُ التنظيمات الإرهابية الراديكالية بالنضالِ من أجل الحرية، ولا أفكارهم باسترداد الحقوق المسلوبة، ولا نواياهم بمعاقبة المجرمين والظالمين على ظلمهم.. فالنضالُ الذي يُشَنُّ بطريق غير شرعي من أجل الحرية، يعني تعدّيًا على الحرية ودحرًا لها.. ولا شك أن الممارسات الوقحة والدنيئة التي تقع باسم إقامة العدل تُعَدُّ تعدّيًا على العدل.. ولا ينبغي أن ننسى أن مثل هذه الأفعال المخالفة للإسلام والقيم الإنسانية والعالمية سوف تستغلها بعض البؤر التي تنضح بالكراهية والعداء.. هذا هو ما يريدونه؛ فالأعمال المتطرفة غير المتزنة تسهِّل عملهم، وتمهد السبيل أمامهم للتدخل والاحتلال.

   دوامة العنف والوحشية

من ناحية أخرى، لا ينبغي التغافل عن أن الأعمال القائمة على العنف مثل الهدم والحرق وقتل الأبرياء والإخلال بنظام المجتمع؛ سوف تورّث أجيال المستقبل مشاعر الكراهية والنفور والانتقام.. وإن واجب مسلمي اليوم لا يكمن فقط في نزع فتيل مزيد من النزاعات الجديدة، بل يكمن في دفن الشحناء والبغضاء والأحقاد الموجودة في باطن الأرض، ووضع الصخور الضخمة عليها حتى لا تعود مرة أخرى، فليست هناك طريقة أخرى غير هذه للمّ شمل الإنسانية حول مشاعر الحب، وخلق جوٍّ من السلام العام.

إن الذين يبحثون عن حلول لمشكلاتهم عبر اللجوء إلى التطرف والعنف؛ كما لم يستطيعوا -مع الأسف- فهمَ حقيقة الإسلام فهمًا صحيحًا، كذلك لم يتمكنوا من قراءة عصرهم قراءة صحيحة، فهم إنما يعطون بأعمالهم الشنيعة والدنيئة هذه صورةً سيئةً للغاية عن الإسلام، وهذا يؤدي بدوره إلى زيادة مشاعر العداء للإسلام، وتعميق الفكرة السلبية عن المسلمين، وتقوية التصورات والمفاهيم الخاطئة عن العالم الإسلامي.. فالوحشية لا تولِّد إلا وحشية، والعنف لا يولِّد إلا عنفًا.

ويجب أن نعلم جيدًا أن كل عمل يتنافى مع عقلانية القرآن وفقه السيرة سينقلب بالسلب علينا، فإذا أردنا أن نكون “أبناء الوقت” و”أبناء الزمان”، فعلينا بالاتّزان والتحلّي بالصبر الجميل، وأن نتصرّف بحلمٍ وأناة.. وبغضّ النظر عن المشكلات التي تنشأ حديثًا عن المواقف غير المتّزنة؛ فلا ننسَ أن إصلاح وترميمَ الخروق والشقوق التي تسبب فيها بعض المجرمين المحسوبين علينا؛ واجبٌ يقع على كاهلنا جميعًا، وعلينا أن نوضح أينما ذهبْنا ولكل شخص نلتقي به أن الإسلام ليس دين عنف ولا هو بالذي يعطي أي قيمة أو قدرٍ للإرهاب.

هل نحن مخلصون للأمانة أوفياء لها؟

Herkul | | العربية

   سؤال: ذكرتم فيما مضى: “أن الحق الأول شيء، والحق المكتسب بالتمثيل شيء آخر، فالحق إن لم يُمَثّل حسب مقاييس قيَمه الذاتية يمكن أن يُسْتَرَدَّ، ويُسَلَّم إلى من يكونون نسبيًّا أسبق وأفضل في استحقاقهم لهذا الحق، إلى أن ينشأ الممثّلون الحقيقيّون”، فما الرسائل التي تنطوي عليها هذه العبارة؟

   الجواب: الأصلُ أن الحقوق كلها لله تعالى؛ فمن أسمائه “الحق”، وليس للإنسان أية حقوق ذاتية، وتجلّيًا من تجليات عظمته سبحانه وتعالى استودع بعضَ الحقوق الناسَ، وزودهم بأنواع مختلفة من النعم؛ إذ يأتي الإنسان إلى الدنيا وهو يمتلك مجموعة من الحقوق والامتيازات دون أي جهد أو تعب منه.. وهذه يمكن تسميتها بـــ”الحقوق الموهوبة”؛ لأن الإنسان لا يكتسبها باستخدام إرادته، ويمكن النظر من هذا المنظور إلى العديد من الحقوق والامتيازات؛ بدءًا من خلق الإنسان بشرًا إلى ولادته في بلدة مسلمة، ومن تزوده بمهارات وقدرات عالية إلى نشأته في بيئة مناسبة..

وعلى الإنسان أن يسعى إلى أن يكون أهلًا لهذه الحقوق التي منحها الله تعالى له على سبيل اللطف الجبري، وذلك بأن يستوفي إرادته حقها ويعمل على تنمية مواهبه وقدراته حتى النهاية، ومما لا شك فيه أن كل نبي من الأنبياء عليهم السلام بمنزلة مرشدٍ وهادٍ لنا في هذا الصدد.

وللتعبير عن هذه الحقيقة فكما يمكن القول إن الله تعالى منح عباده هذه الحقوق دون مقابل، كذلك أنعم عليهم بها بناءً على علمه الأزلي بالنشاط والجهد الذي سيحقّقونه طوال حياتهم، فمثلًا إنه لنعمة عظمى وفضيلة كبرى أن يتشرّف أي إنسان بالنبوة، فهو سبحانه يشرّف بهذه النعمة من شاء من عباده، وقد يمكن القول أيضًا: إن الله جل جلاله كرَّم بعض عبيده بمثل هذه الرتبة العالية؛ لعلمه الأزليّ بما سيبذلونه من جهد وسعي طوال حياتهم بدءًا من طفولتهم.

ومن ينظر إلى حياة مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم يوقن تمامًا أنه صلى الله عليه وسلم كان أهلًا للنِّعَم التي يمتلكها، مثل نعمة العفة والعصمة والفطنة، فضلًا عن النبوة! فلقد استطاع صلوات ربي وسلامه عليه من خلال استخدام إرادته إلى أقصى حد، أن يستفيد بشكل مثمِرٍ ونافع للغاية من الحقوق الأولى التي مُنِحت له، وظل طوال حياته السنية يتخذ القرارات الصائبة، ويختار الاختيارات الصحيحة المناسبة بحيث لا يمكن لأيِّ عقل سليم أن يعارضها أو يعترض عليها؛ فرغم أنه بشر يتكون من لحم ودم فإنه أنجز أشياء تتجاوز أعمال الملائكة.

   إعطاء المرء موقعه حقّه

الإنسان الذي يعيش متفحصًا الحياة يرى أن ما أنعم الله تعالى عليه من حقوقٍ ونِعَمٍ منذ ولادته تستمر أيضًا في المراحل اللاحقة من حياته، فمثلًا كم شخصًا منا ارتبط بالخدمة الإيمانية والقرآنية فكرًا وتدبّرًا واستيعابًا لفلسفة الأمر؟! لقد وجد معظمنا نفسه فجأة في خضم الأمر، حدث ذلك كما لو أننا كنا نسير في الشارع مع خمسين شخصًا، وإذا ببابٍ يُفتح فيؤخذ منا ثلاثة أو خمسة إلى الداخل.. وعليه فإنه من الصعب للغاية أن يقول الإنسان في هذا الصدد: “فكرتُ وخططتُ ونفذتُ”.. لقد مرّ أذكياء كثيرون من نفس الجادة، لكنهم لم يفكروا في أن يدلفوا إلى الداخل من ذلك الباب الموارب، حتى إن بعضهم مرّ من جانب الباب، ولم يره ولم يسمع الصوت الذي يناديه.

وهكذا فإن القضية الرئيسة تتمثل في النظر إلى هذه الحقوق والنعم الموهوبة كلها على أنها أمانة مهمّة جدًّا والسعيِ إلى إعطائها حقها والوفاء بها.. فلا ينبغي للإنسان أن ينزلق إلى كفر النعمة بتجاهل النعم التي يمتلكها، ولا أن يتردّى في الغرور والكِبر تفاخرًا وتباهيًا بها، يجب عليه بالدرجة الأولى أن يعزوَ كل هذه النعم والأفضال إلى مالكها الحقيقي، أي إلى الله تعالى، ثم يسعى لأن يكون مستحقًّا لها وجديرًا بها.

أجل، يجب علينا أن نعي ونفهم نِعَمَ الله وألطافه بالدرجة الأولى، وألا نهوي في الغرور والكبر بنسبتها إلى أنفسنا، ثم يجب علينا أن نوفِّي حق الموقع والمكانة والمرتبة التي وضعنا الله تعالى فيها، يجب علينا أن نضبط جميع مواقفنا وسلوكياتنا وفقًا للمكانة التي نحن فيها، وإن اطّلَعْنا على شيءٍ من الحقائق السامية؛ فيجب علينا أن نعتبرها نعمة مهمة جدًّا، ونهرول لتعريف جميع القلوب المحتاجة بها؛ لأن العلاج الوحيد لعدم الوقوع في دوامة الأنا هو ربطُ القلب بغاية مثالية رفيعة، وإذا كنا لا نريد الغرق أو الاختناق، فيجب علينا أن نتشبّث بمقبض قوي أو بحبل متين.

يجب علينا أن نحاول الاستفادة من جميع الحقوق والنعم والعطايا التي وهبها الله تعالى لنا على سبيل الأمانة ونعمل على رعايتها وتنميتها تمامًا مثل البذرة التي تُلقى في باطن أرض خصبة.. يجب علينا أن نقول باستمرار: “ترى ما الذي يجب عليَّ فعله حتى تُخرِج الحبة الواحدة التي بيدي سنبلتين، ويخرج من السنبلتين خمسون حبة من القمح؟”، يجب علينا أن نبحث عن طرق كي تُنْبِتَ الحبّةُ الواحدة سبعَ سنابل وفي كل سنبلة مائة حبة كما عبر القرآن الكريم[1]، وينبغي لنا أن نسعى بكل استطاعتنا إلى الاستفادة العظمى من كل المواهب والقدرات التي نمتلكها؛ بالنظر إليها بهذا المنطق وتلك الفلسفة.

إن السبيل إلى الوفاء بحقِّ الموقعِ أو الوقوف حيث ينبغي؛ يتمثل في القدرة على النظر إلى المسألة من خلال المنطق التالي: يجب على الإنسان أن يفحص بشكل متكرّرٍ المسافةَ ما بين المكان الذي يتواجد فيه والمكان الذي يجب أن يتواجد فيه، وعليه أن يتساءل دائمًا: “بما أن الله منحني تلك النعم وأعطاني فرصة العيش في مثل هذا المناخ الجميل، فما هي الأشياء التي يريدها مني؟”، وأن يؤدي شكر النعم التي يمتلكها.

إن العطية والمنحة والهبة الأولى نعمة وفضل من الله تعالى، لا دخل لنا فيها، لقد وضعنا الله عز وجل في موقف ومقام معين، غير أنه يجب علينا أن نحقق عبوديتنا لربنا سبحانه وتعالى بما سنبذله لاحقًا من نشاط وجهد وجدية، حتى الملائكة ليقولون: “ربَّاه! ما أعظمها من حكمة كانت في إدخالك هذا الشخص من ذلك الباب المفتوح!”.

إن سادتنا الصحابة الكرام رضوان الله عليهم يمثلون نماذج مهمة جدًّا بالنسبة لنا في هذا الصدد، لقد خلقهم الله في نفس العصر الذي عاش فيه نبينا صلى الله عليه وسلم، ومهّد لهم السبيل ليكونوا صحابته، فوفّوا بحق ذلك، ولقد بلغ أولئك الأشخاص الذين كانوا يئدون بناتهم في ظلمات الجاهلية، ويعبدون الأصنام التي صنعوها بأيديهم، ويتخبطون في غياهب أنواع شتى من الوحشية، ولا يعترفون بحقوق النساء؛ بلغوا مستوى ومنزلة مكنتهم من أن يحكموا العالم كمعجزة من معجزات القرآن ويثقفوا عقل البشرية ويصقلوه، أي إنهم أعطوا المكانة والمرتبة التي منحهم الله تعالى إياها حقها، وخلال وقت قصير أعطوا الإنسانية درسًا في الحضارة، وملؤوا البسيطة علمًا وعدلًا وإنصافًا ورحمةً.

   سمات حملة الدعوة

إن لم تُستغَلّ الألطاف التي منحها الله للناس كحق أولي كما ينبغي فإن الله تعالى يسلبها ممن ليسوا أهلًا لها، ويُسلّمها إلى من هم أكثر أهلية لها؛ إذ يقول الله عز وجل في القرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (سورة الْمَائِدَةِ: 5/54).

وهنا يصرح الله تعالى بأنه سيأتي بطائفة أخرى تحل محل من ارتدوا عن دينه، أو من لم يقوموا بواجباتهم على النحو الأمثل، وتاريخ الإسلام مليء بأمثلة من هؤلاء، فمثلًا عندما بدأ الأمويون في الاضطهاد والوحشية وسفك الدماء استبدلهم الله بالعباسيين، وعندما بدأ العباسيون يضطربون ويضعفون استقر الأمر للسلاجقة، فوقعت على عاتقهم مقاومة الحملات الصليبية والمغولية، وعندما صاروا هم أيضًا عاجزين عن أداء هذه المهمة العظيمة استبدلهم الله هذه المرة بالعثمانيين..

أي إنه حين تعجز طائفة عن بلوغ المستوى الذي يريده الله جل وعلا، ولا تستطيع أداء حقِّ مكانتها، وتبدأ في التراجع بحيث لا تقف حيث يجب فإن الله تعالى يسلب منهم هذا الأمر، ويكله إلى غيرهم، فيجعلهم يمثلون دعوته.

حسنًا، ماذا يجب أن تكون صفات مَنْ يتمسكون بدين الله وينشرونه في أرجاء العالم؟

أولًا: أن يحبّهم الله ويحبونه، والحقيقة أن هذا الحبَّ متبادَلٌ، فإذا اشتاقت نفوسكم حنينًا إلى الله عندما تذكرونه فلكم أن تعلموا أن الله يحبكم، فإذا كنتم تريدون معرفة مكانتكم عند الله فعليكم أن تنظروا إلى مكانة الله ومقامه عندكم، فبقدر علاقتكم بالله، تكون علاقة الله بكم، ولذا يرد ذكر هذين النوعين من الحب الواحد تلو الآخر.

ثانيًا: يذكر القرآن الكريم أن هذه الطائفة التي تبدأ حركة إنشاء جديدة وتسعى إلى إحداث انبعاث عام؛ تخفض أجنحة التواضع والذل من الرحمة للمؤمنين، أي إنهم يرون أنفسهم دون الجميع وأقل منهم.. وعلى حد قول سيدنا عليٍّ رضي الله عنه يعيشون بين الناس كواحدٍ من الناس..

ثالثًا: إنهم يتخذون موقفًا صارمًا للغاية من الصفات الكفرية، وبعبارة أخرى: إنهم يحاولون إزالة سمات الكفر كي يعيش الجميع حياة إنسانية، ويفكروا تفكيرًا سليمًا ويتخذوا القرارات بشكل صحيح، ويبذلون قصارى جهدهم حتى يتخلص الناس من دوامة الكفر، أي إنهم يحاولون تمكين القلوب من الاتصال بالله تعالى من جديد عبر إزالة ما بين الناس وما بين الله من حواجز.

رابعًا: يناضل هؤلاء باستمرارٍ في الطريق الحق الذي يؤمنون به، ويسعون لتخليص البشر وتطهيرهم من الصفات السلبية، ولإيصالهم إلى الله عز وجل..

 خامسًا: إنهم لا يخافون ولا يذعرون ولا يعيشون جنون العظمة أمام حملات الإهانة والتحقير والأذى والافتراءات التي يتعرضون لها في هذا السبيل، فلا يستطيع كلام الناس غير اللائق ومواقفهم الفظة وسلوكياتهم العدوانية أن تُثنيهم عن الطريق الذي هم مصممون عازمون على المسير فيه، ولا شك أن كلَّ واحد من هذه الأمور فضلٌ وإحسان من الله يهبهما لمن يشاء.

   من أجل القدرة على حمل الأمانة دائمًا

يستطيع أي شخص من خلال النظر إلى الأمر بعقلانية أن يزن نفسه من ناحية هذه الصفات السامية التي وضعها الله تعالى، ويمكنه أن يراجع ويفتش هل دعوة الحق قد مُثِّلت من قبل الناس الجديرين بها أم لا؟! بيد أنه ينبغي له أن يحرص على عدم إساءة الظن بأحد أثناء قيامه بذلك.

أما بالنسبة لمسألة أن “الحق سيظل يتنقّل بين من يكونون الأسبق والأفضل نسبيًّا في استحقاقهم لهذا الحق، إلى أن ينشأ الممثلون الحقيقيون” كما ورد في السؤال؛ فإننا لو قلنا إنه لا يوجد ممثلون حقيقيون لدعوة الحق في يومنا هذا لكنّا قد أسأنا الظن بالجميع، لكن بإمكان كل شخص أن ينظر إلى نفسه بهذه الطريقة، ويقول: “إنني في أحسن الأحوال مجرد مؤتَمَنٍ ومستودَع، ولست جديرًا لتمثيل هذه الأعمال حقَّ التمثيل”، ويمكنه التفكير على النحو التالي: “إنني أسعى لمساندة هذه الدعوة حتى لا تسقط رايتها على الأرض، ولا تُنسى القيم تمامًا، ولا نعيش تحت وصايات مختلفة”.

لكن الأمر الأهم هو أن يحاول كل مؤمن أن يكون أمينًا على الدوام، وليس مؤقتًا، وثمرة هذا ومردوده كبير لدرجة أنه لا يمكن مقارنته بأي شيء آخر، فإذا كان هناك مثل هذا الهدف السامي فإن التعلق بأشياء سواه من فتور العزيمة ودناءة الهمة، يجب على الإنسان من ناحية أن يُعليَ من همته دائمًا، ويرفع من مستواه باستمرار، ويسعى إلى تحقيق جدارة تليق بذلك، ومن ناحية أخرى يجب عليه أن يتضرع ويدعو الله دائمًا: “اللهم اجعلني أمينًا صادقًا مخلصًا في الأمانة حتى ذلك اليوم الذي ستسترد فيه أمانتك!”. آمين..

***

[1] انظر: سورة البقرة: 2/261.

ماذا نفضّل؟

Herkul | | العربية

   سؤال: كيف يجب أن نفهم الآية الكريمة الرابعة والعشرين من سورة التوبة؟

   الجواب: يشير السؤال هنا إلى قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (سورة التَّوْبَةِ: 9/24).

يبدأ الحق تعالى الآية الكريمة بلفظ “قُل” في إشارة إلى أنّ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم واسطةٌ بين الله تعالى وبين عباده، ويشير هذا الأسلوب بشكل عام إلى أهمية التكاليف والمسؤوليات وثقلها، كما يُشعر هذا الأسلوب بأن الأوامر التي يرِدُ ذكرها قد نزلت من عند الذات الإلهية، وهذا في الوقت ذاته يمنع بعض المتحاملين والمتحيزين أو المتمردين من إساءة الظن بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ مذكّرًا إياهم بأنه عليه الصلاة والسلام لا يتحدث من تلقاء نفسه.

ثم تلفت الآية الانتباه إلى المصير المؤلم الذي قد يحيق بالمرء في حال تقديمه شيئًا من الأمور الدنيوية على محبة الله ورسوله أو على الكفاح والجهاد في سبيله تعالى، وكذلك تأمر الآية من تعلّقوا بمفاتن الدنيا تعلقًا يُنسيهم الله تعالى بأن: “تَرَبَّصُوا!” أي “انتظروا”، فماذا سينتظرون؟! أمرَ الله، والمعنى المراد هنا هو ما سيقع لهم من عقاب وعذاب وما سيحل بهم من بلايا ومصائب؛ لأن مثل هؤلاء الأشخاص لم يحسنوا اختيارهم أو أنهم لم ينتبهوا إلى ما يجب أن تُعطى له الأولوية.

وفي ختام الآية يقول الحق تعالى: ﴿لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾؛ وهذا يعني أن التعلُّق القلبي بالأشياء المذكورة في الآية قد يُضِلُّ الإنسان ويُوقعه في الفسق إن تقدم على حب الله تعالى.

ولكن ما هو الفسقُ؟ الفسقُ: هو تجاوزُ الإطار الذي حدده الله في الإسلام؛ أي عدم مراعاة أوامر الدين ونواهيه.. فقد وضعَ الإسلام لكلٍّ من العقيدة والأعمال والأخلاق والمشاعر والأفكار والصلة بالله والحياة القلبية والروحية إطارًا خاصًّا بها، وكما يُفهم من الآية، فإن الشرط الأساسي والأوّلي للالتزام بهذا الإطار هو تقديم محبة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وتفضيل الجهاد والنضال في سبيل الله عز وجل على كل شيء.. فإن لم يحسن المرء اختياره في هذه المسألة، فيستحق أن يوصم بـ”الفسق”.

   الحبّ المتّزن واللائق

والحقيقة أن كل ما ورد في الآية الكريمة مهمٌّ للغاية بالنسبة للإنسان؛ فبالطبع يجب على الإنسان أن يُحب والديه، وألا يُقصِّر في احترامهما، وعليه أن يحتضن أولاده وينشغل بتربيتهم، وعليه كذلك أن يُحب إخوانه، وأن يكون مستعدًّا لمساعدتهم في أية لحظة، ويجب أن يحب زوجته، ويحتفي بأقاربه؛ فهذه كلها أشياء مطلوبة.

نعم، يجب على المرء أن يهتم بكلِّ هؤلاء ويعاملهم دائمًا بلطف وإحسان.. ذلك أن ثمة تأكيدًا وتوجيهًا ورَدَ في العديد من الآيات والأحاديث على ضرورة هذا النوع من الرعاية، وعلى أهمية الواجبات والمسؤوليات التي يجب عليه الوفاء بها، فلا يصح أن يُهمِل الإنسان والديه وأبناءَه وأقاربه وذويه، وإلا حاسبه الله عز وجل على ذلك.

وبالمثل، فلا حرجَ أن يعمل الإنسان ويكسب ويتاجر ويربح المال.. بالطبع، على الإنسان أن يُعِدُّ دراسة جدوى جيدة قبل البدء في العمل، ويخطو خطوات معقولة وواقعية حتى يتسنى له تحقيقُ الأرباح واتقاءُ الأضرار المحتملة.. لا حرج في هذه الأمور طالما أنها لا تتقدم على حب الله ورسوله، ولا تُبعد الإنسان عن إعلاء كلمة الله، بل على العكس، إنها من جملة واجبات المؤمن بحسب درجته ومكانته.. لكن المذموم في الآية هو أن يعتني الإنسان ويشغل وقته بهذه الأمور دائمًا، ويضعها في مقدمة القضايا الأكثر أهمية عند ترتيبه لأولوياته.

ومن المهم عدم الخلط بين هذين الأمرين، أي إن للإنسان بعض الاهتمامات الدنيوية، ولا يوجد مانع مطلقًا من انشغاله بها، بل على العكس، إنها من مطالب الطبيعة البشرية، كما أن عليه بعض الالتزامات الدنيوية، ولا يمكن التفكير في إهمالها.. إلا أنه لا ينبغي أن تقف الدنيا حائلًا بين العبد وبين الله عز وجل، ولا أن تتقدم على أكثر الأشياء تقديرًا عند الله، وإذا كان هناك شيء يفصل في هذا الأمر فهو ضمير الإنسان.

قد يفتتن الإنسان أحيانًا بأبنائه وأمواله وثرواته وقصوره التي يعيش فيها وينسى ما يجب ألا ينساه أبدًا إزاء المتع الدنيوية.. وقد تمنعه أمواله وأولاده من الخدمات في سبيل الله جل وعلا؛ ذلك لأن عناقيد الفاكهة التي تتدلى من الأغصان، والظلال التي تنعش الإنسان، والمياه الباردة التي يجِدّ الإنسان في البحث عنها عند اشتداد حرارة الصيف، هي التي جعلت حتى صحابيًّا جليلًا مثل كعب بن مالك يتخلف عن غزوة تبوك، لكنه نجا من الهلاك بفضل إخلاصه في توبته وصدقه.

أجل، أحيانًا ما يحدث -حفظنا الله- أن ينسى الإنسانُ اللهَ ورسولَه بسبب بساتينه ورِياضه ومكاسبه وأماكن لهوه وتسليته، وتحل هذه الأشياء محل حبه لله ورسوله، وقد تمنع هذه الأشياءُ الإنسانَ من السعي والجد في سبيل الله، وفي هذه الحالة يصبح الإنسان عُرضةً للمصائب والابتلاءات، وتخلصًا من هذه العاقبة السيئة تُذَكِّرُ الآية الكريمة المؤمنين بضرورة أن يرجح حبُّ الله ورسوله على كلِّ أنواع الحب الأخرى، وأن يتقدم الشوق والرغبة في أن يرفرف اسم الله الجليل والاسم المحمدي الكريم في كل أرجاء العالم؛ على كل شيء.

إذا كان المؤمن يحب الله ورسوله أكثر من كل شيء، وكان همه وشغله الشاغل هو إعلاء كلمة الله دائمًا، وكان يضع هذه الأمور على رأس أولوياته فإن علاقته بالأغيار لن تضره شيئًا.. لكن إذا لم يكن هؤلاء في المقدمة فهذا يعني أن الإنسان لم يحسن اختياراته، وسيضطر -حفظنا الله- إلى دفع ثمن اختياره.

   لا يجتمع حبان في قلب واحد

جاء في منقبة عن إبراهيم بن أدهم قدس الله سره: لا يجتمع حُبَّان في قلب واحد؛ فيجب على المؤمن أن يحدد بداية، وبشكل صحيح، من سيحب، وبمن سيهتم، وبمن سيرتبط قلبيًّا، وهذا هو ما تبيّنه لنا الآية الكريمة.. إنها تُعلّمنا أنه لا ينبغي أن يتقدم أيُّ حبٍّ على محبة الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم، ومهما شعر الإنسان بمقتضى طبيعته، من اهتمام ومحبة تجاه بعض الكائنات الفانية الضعيفة، فيجب أن يأتي هذا الحب في الدرجة الثانية، ولا ينبغي بأي حال من الأحوال أن تحل محبةُ الأولاد أو الأموال محلَّ محبة الله عز وجل، وإلا فإنه يخشى من سوء العاقبة.

ولقد وجِّه للأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي سؤالٌ يتعلق بالحرب العالمية الأولى مفاده: إن المصيبة نتيجةُ جنايةٍ، ومقدمةُ ثوابٍ؛ فما الذي اقترفتم حتى حَكم عليكم القدر الإلهي بهذه المصيبة، إذ المصائب العامة تنزل لأخطاء الأكثرية؟ وما ثوابكم العاجل؟

فأجاب قائلًا: مقدمتها إهمالنا لثلاثة أركان من أركان الإسلام؛ الصلاة، الصوم، الزكاة، إذ طَلب منا الخالقُ سبحانه ساعة واحدة فقط من أربع وعشرين ساعة لأداء الصلوات الخمس فتقاعسْنا عنها، فجازانا بتدريب شاق دائم لأربع وعشرين ساعة طوال خمس سنوات متواليات، أي أَرْغَمَنَا على نوع من الصلاة.. وإنه سبحانه طلب منا شهرًا من السنة أن نصوم فيه رحمة بنفوسنا، فعزّت علينا نفوسنا فأرغَمَنا على صومٍ طوالَ خمس سنوات، كفّارة لذنوبنا، وإنه سبحانه طلب منا الزكاة عُشرًا أو واحدًا من أربعين جزءًا من ماله الذي أنعم به علينا، فَبَخِلنَا وظلمنا، فأرغَمَنَا على دفع زكاة متراكمة، فـ” الجزاء من جنس العمل ”[1].

وإذا نظرنا إلى المسألة من وجهة نظر بديع الزمان فسنرى أن الله تعالى قد عاقبَنا بأشكال مختلفة على ما وقع منا من تقصير وإهمال في معايشة دين الإسلام المبين، وهذا هو المعنى المراد إيصاله من قوله تعالى: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾ (سورة التَّوْبَةِ: 9/24).

بل إنه يمكن النظر من هذه الزاوية أيضًا إلى المشاكل والأزمات التي يتعرض لها المسلمون حاليًّا، فلا حاجة للبحث عن مجرم في الخارج، وبدلًا من التسلي بسَبِّ ولعن الظالمين والطغاة القساة الذين يحيطون بنا ويتحكمون فينا ويحرموننا من القدرة على فعل ما نريد، يجب علينا أولًا أن نعود إلى أنفسنا ونحاسبها قائلين: “تُرى ماذا فعلنا حتى يحلّ بنا كل هذا؟!” فلو أن المسلمين فضلوا الأمورَ الواردة في الآية على ربهم ونبيهم وإعلاء الدين، فسيعاقبهم الله بصنوف وأشكال مختلفة من الجزاء، وعليه يجب علينا أولًا أن نفعل مثلما فعل بديع الزمان؛ فنفتّش عن عيوبنا وتقصيراتنا في البداية، ثم نهتم بجبرها وإصلاحها.

ومن المؤسف في يومنا هذا أننا لا نفكّر في الله كما ينبغي ، ولا نحب مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم كما يلزم، ولا نبذُل الجهود والمساعي اللازمة للتعريف باسمه في جميع أنحاء العالم، ربما تُحمَل عباراتي هذه على إساءة الظن، إلا أنَّ هذه هي القناعة التي تتكون بداخلي عندما أنظر إلى الوضع العام للأمة المحمدية.

فمن المعروف محبة سيدنا عمر رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وارتباطه به من صميم قلبه.. لقد كان يحبه لدرجة أن نبينا صلى الله عليه وسلم عندما انتقل إلى أفق روحه، سلّ عمر سيفه قائلًا: “من قال إن محمدًا قد مات ضربتُ عنقه”، فقد كان رضي الله عنه مرتبطًا به قلبيًّا ومحبًّا له بإخلاص، لكنه عندما التقى النبي ذات يوم وقال له: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لَا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: فَإِنَّهُ الآنَ، وَاللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “الآنَ يَا عُمَرُ[2].

إنني أحيل هذا الأمر إلى ضمائركم.. فزنوا أنفسكم بموازين ضمائركم الحساسة وقوِّموها، وحاولوا أن تحددوا أين أنتم من الإسلام؟ هل تقفون حقًّا حيث يجب أن تكونوا؟ أم أنكم خرجتم من الدائرة التي يجب عليكم الوقوف فيها، وانتهكتم المجال المباح، ودخلتم في عداد الفاسقين الذين أكّد الحق تعالى على عدم هدايته لهم في ختام الآية؟!

فيا ليتنا ننشغل دائمًا بحب الله تعالى ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن نتحرق شوقًا وعشقًا لتعريف كل الكون بهما والحديث عنهما! ليتنا نحاسب أنفسنا باستمرار ونحاول تصحيح أوجه القصور لدينا! ليتنا نهتمّ أكثر فأكثر بما يمكننا فعله من أجل القيم التي نؤمن بها! ليتنا نبحث باستمرار عن طرق بديلة للدخول إلى القلوب! ليتنا نتمكن من وضع إستراتيجيات جديدة تكون أكثر نفعًا للناس عندما نقابلهم! وذلك حتى لا نندم يوم لا ينفع الندم.

[1] بديع الزمان سعيد النورسي: الكلمات، اللوامع، ص 840.

[2] صحيح البخاري، الأيمان، 2.

التواضع والإخلاص

Herkul | | العربية

التواضع حال وشعور قلبي، ويعني التذلل واستحقار النفس، وهذا عظيم جدًّا عند الله تعالى، ويُطلق على صاحب هذه الصفة العظيمة “متواضع”، وعلى الرغم من أن التواضع ينعكس في الغالب على الأفعال والسلوكيات، إلا أنه لا يمكننا الجزم بتواضع المرء من عدمه بمجرد النظر إلى سلوكه الظاهري.. فالنية هي التي تحدد المتواضعَ من غيره سواءً كان المتواضعُ يصلي في الصف الأوّل خلف الإمام أو في الصف الأخير. المهم هنا هو الشعور الداخلي الذي دفعه إلى هذا الفعل، ومن ثم يكون من الواجب على المرء أن يراجع نفسه دائمًا وأن ينتبه إلى إحساسه ومشاعره ويقِوّم حياته وفقًا لذلك، فالإنسان المتواضع يتجنَّب دائمًا المواضع التي تستدعي تبجيله وتعظيمه أمام الآخرين؛ إذ يشعر بالضيق والحرج عندما يضعه الآخرون في مكانة كبيرة لشيء فعله.

وفي كثيرٍ من الأحاديث النبوية يرد التذكير بفضل التبكير إلى الصلاة والوقوف في الصف الأول خلف الإمام، هذا هو الجانب الموضوعي من المسألة.. أما ما نحاول الحديث عنه هنا فهو الجانب المتعلق من المسألة بالتواضع والكبر، وبالتالي فهو أمر ذاتي، ومع ذلك فإن الشخص ربما ينال الثواب أيضًا نتيجة صدق هذه الاعتبارات، فمثلًا قد نجد شخصًا يأتي إلى المسجد مبكرًا ولكنه يقف في الصف الخلفي ليس إلا إيثارًا منه لينال أخٌ آخر تلك الفضيلة، فهذا نوع من الجود وعملٌ مقبول عند الله، ولكن قد لا يكون من الصواب أن يفعل الشخص الشيء نفسه دائمًا حتى ولو كان سخاء ومروءة من هذا القبيل؛ فقد يتحول هذا بعد مدة ما إلى محاولة التعريف به وإشهار نفسِه أمام الناس.

ومهما قام المؤمن بأعمالٍ جليلة فعليه أن يعرف كيف يتخلّص على الفور من الوقوع في فخِّ إشهار نفسِه أمام الناس، يجب عليه أن يكون عازمًا كل العزم على أن يقضي حياته في تواضع تام، ومحو تام، وخجل تام.. بيد أنه ينبغي له ألَا يقيِّد هذه الأمور بالشكليات؛ لأن مفهوم التواضع المرهون بأشكالِ وأنماطِ سلوكيةٍ محددة من الممكن أن يدفع الإنسان إلى عقدة التصنع وإبراز النفس دون وعي منه، لذا فعلى المرءِ أن يكون مرِنًا وأن يتخذ القرار وفقًا لحالته الروحية؛ فليس للسلوكيات والأفعال قيمة في حد ذاتها؛ ولكن ما يُكسبها القيمة والتقدير هو نية المرء وقراراته الداخلية.

   الأحكام التي يصدرها الضمير

إن مَن يستطيع قراءة الإنسان وفهمه جيدًا هو الإنسان نفسه.. أي مرآة الضمير؛ فالضمير يشبه حجر الزاوية والميزان الذي لا يضلّل ألبتة، لذا فعلينا أن نجعله معيارًا وميزانًا في كل أفعالنا وتصرفاتنا، وأن نتحرّك وفقًا له.

وإذا تناولنا مثال الصلاة مرة أخرى، نجد شخصًا يقول في ضميره “لستُ جديرًا بالوقوف في الصف الأول”، ويتراجع إلى الصف الخلفي اعتمادًا على هذه الملاحظة؛ أي إن شعور التواضع بداخله هو الذي يدفعه إلى فعل ذلك، فيتجلى تواضعه على هذا النحو، بينما شخص آخر يقف في الصف الخلفي ليجعل الآخرين يقولون عليه: “كم أن فلانًا متواضع! يقف في الخلف على الرغم من أنه يأتي إلى الصلاة باكرًا!”، حتى وإن لم يفكر المرء في هذا صراحة فإن فكرة خبيثة جدًّا ربما تنتابه وتستقرّ في ذهنه دون وعي منه، ومن ثم تأتي الخسارة بسبب إبراز النفس وتعظيمها.

ويجب العلم بأن الإنسان إنما هو إنسان نياته وعوالمه الباطنية وانفعالاته الداخلية، هذا هو ما يصبغ الأفعال وينسجها ويشكلها، وبه تكتسب الأفعال قيمة وعمقًا أو تفقد ذلك تمامًا، وكما ورد في الحديث النبوي فإن الرجل يقاتل بكل بسالة وشجاعة في ساحة الوغى؛ إلا أن عمله هذا إذا لم يكن مرصَّعًا بالإخلاص فإنه لا يساوي شيئًا على الإطلاق عند الله تعالى؛ كما أنه لن يقرِّبه من الجنة ولو قيد أنملة؛ بل على العكس يقرِّبه من النار.

ورجل آخر ثريّ مثل قارون، قد أنفق ما لديه من كنوز حتى آخرها، لكنه إنْ خطرت بذهنه واستقرت فيه أفكار من قبيل أن يقول الناس له: “كم أنت جواد! هكذا يكون الجود والكرم!”، فهذا يعني أن أعماله صارت هباءً منثورًا[1]، ويمكنكم أن تقيسوا على هذا سائر الأعمال والمزايا الأخرى من الرفعة في العلم وحسن الخطابة وعذوبة الكتابة أو البراعة في إلقاء الشعر.. إن فكرةَ الشهرةِ والصيت ونسبةَ العمل إلى النفسِ -ولو بقدر يسير- تقضي تمامًا على العمل الصالح والخدمات المبذولة حتى وإن كانت مذهلةً تأخذ بالألباب، وعلى هذا يجب أن يكون رضا الله عز وجل هو المقصد الأول والأخير في جميع الأعمال، ويجب العمل على نيل رضاه تعالى فحسب.

إن منْ لا يمرّر أحواله وأفعاله من مصفاة الوجدان ولا يحاسب نفسه من وقت لآخر يندم أيَّما ندم أمام المولى تعالى.. والواجب علينا هو أن ندقّق حتى في أكثر تصرّفاتنا براءةً وعصمةً وأن نتحقّق دائمًا من سلامتها.

يمكنكم القيام بأعمال طيبة للغاية لصالح الإنسانية؛ فمثلًا لقد قمتم بإصدار الصحف والمجلات وبث القنوات التلفزيونية، والنجاح في هذا الصدد.. إلا أنكم إذا أقحمتم أنانيَّتكم في ذلك، فإن هذه الأعمال الطيبة تُردُّ في وجوهكم يوم القيامة، وتَحبَط جميعها؛ فلا يمكن لأي عمل لا يُعتمد فيه على الله أن يحقِّق النجاح، كما أن الأعمال التي تفوح رياءً وسمعةً هي ضدكم وضد دينكم وضد أمتكم، وإن نجحت الأعمال التي لا تقوم في الأساس على الصدق والإخلاص نجاحًا مؤقتًا، فاعلموا جيدًا أن ذلك إنما هو استدراج.

   الكذب صفة الكفار

إذا أردنا ألا نتعرض للخسران الدنيوي والأخروي، فعلينا أن نؤدي جميع أعمالنا وكأننا نراه تعالى فإن لم نكن نراه فإنه يرانا، وهذا يقتضي أعلى درجات الإخلاص والصدق، يجب ألا نتفوه بقول أو نكتب كلمة أو نقوم بعمل دون ربطه بفكرة الإحسان، وعلينا دائمًا أن نتحرى رضاه تعالى في كل شؤوننا وتصرفاتنا صغيرِها وكبيرِها، لأن ما لا يستند إليه جل جلاله من أعمال إنما هو كذب.. إنها كذبٌ حتى ولو فتحنا إسطنبول، وانتصَرْنا في موقعة “جالديران”، وغلَبْنا في “مرج دابق” و”الريدانية”.. إياكم أن تفهموا من كلامي هذا أنني أرى ما قام به السلطان الفاتح والسلطان ياووز كذبًا وبهتانًا، فلا يليق الكذب ألبتة بهذه القامات الجليلة، وإنما أحاول أن أقدم مشهدًا ورؤية مناسبة فيما يتعلق بالتحكم في عالمنا الداخلي والسيطرة عليه.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن “الكذب” هو العلَامة الأبرز في شبكة البلاء التي ستتسلط على أمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في آخر الزمان، وكلمة “الدجال” أيضًا تعني المخادع الكذاب، ولما كانت هذه الكلمة قد وردت في اللغة العربية بصيغة المبالغة فإنها لا تُستخدم لكذاب عادي؛ وإنما تعني الكذاب البارع بحيث صار يصدِّق الأكاذيب التي اختلقها هو.. وإنَّ أفعالَه وإن بدت وكأنها وقعَت لصالح الإيمان والإسلام وتنبع من شعور الإحسان ومن أجل خير الأمة ومصلحتها، إلا أنها كذبٌ وبهتانٌ بيِّن لا صلة له بالصدق والإخلاص، كما أن الوعود التي يعِد بها مستقبلًا هي محضُ كذب وافتراء أيضًا، والكذب كما يصفه الأستاذ بديع الزمان هو لفظٌ كافر، ولا تليق بالمؤمن.

ومع الأسف فالشيطان يخدع الكثيرين اليوم بشراك الكذب سواء أكان فعليًّا أو قوليًّا أو حاليًّا أو تخيليًّا، ويضلهم عن السبيل، والواجب على المؤمن الحقيقي هو أن يلتزم الصدق دائمًا؛ ويفر من الكذب فراره من الأسد.

***

[1] انظر: صحيح مسلم، الإمارة، 152. (إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ، وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ، وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ).

التعددية

Herkul | | العربية

التعددية هي من أكثر المصطلحات شيوعًا في دنيا العولمة، ويلاحظ وجود هذا المصطلح -رغم أنه من مصطلحات العصر الحديث- مسمّى بلا اسم في خضم الحياة الاجتماعية في العهود الأولى التي كان يُطبّق فيها الإسلام بحق، حيث كان المؤمنون حينذاك يقدِّرون تعدد المشاعر والآراء والأفكار، ويتعاملون بسماحة مع الجميع.

ومن الضروري بدايةً معرفةُ أنه لم يكن في مجتمع الصحابة الكرام ما يسمى بالاتفاق المطلق، فقد كان من بين هؤلاء الأطهار من يحمل توجهات مختلفة وأفكارًا شتى، ولو ألقينا النظر على حياة سيدنا عمر وسيدنا أبي ذر أو على حياة سيدنا أبي بكر وسيدنا بلال الحبشي عليهم جميعًا رضوان الله؛ لألفينا فرقًا شاسعًا فيما بينهم، وهم الذين كانوا جميعًا ينهلون من معين واحد وهو منهل العذب المورود، ويتعيّشون على غذاء معنوي واحد، ويسيرون لتحقيق هدف واحد، ولكن رغم هذا كله فالاختلافُ كان بيِّنًا في تأويلاتهم ومفاهيمهم وأنماط حياتهم.

ورغم أن المناهج الفكرية لدى المسلمين وأنماطَ حياتهم في العهود اللاحقة كانت تتشكل وفقًا للأدلة الأصلية مثل الكتاب والسنة والإجماع والقياس، والأدلة الفرعية مثل العرف والعادة والمصلحة والاستحسان؛ فقد حافظ الاختلاف على وجوده بين هؤلاء المسلمين، ومع أنهم كانوا يستندون إلى نفس المصادر التي تحدد أفكارَهم ومعيشتَهم فقد أوجدوا العديد من الحلول المختلفة للمشاكل التي واجهوها.

فرغم وحدة المصادر التي يستندون إليها، والاجتهادات النقية الصادقة المخلصة التي قاموا بها، وعلاقة الطالب والمعلم التي كانت تسود بينهم فقد كانت هناك اختلافات جوهرية بين اجتهادات الإمام مالك والشافعي، وبين الشافعي وأحمد بن حنبل، رحمهم الله جميعًا.. بل إن الصاحبين -أبا يوسف ومحمدًا- قد درسا على يدي الإمام أبي حنيفة، ورغم ذلك كان الواحد منهما يحمل آراءً مختلفةً للغاية عن آراء الآخر، لأن لكل إنسان إحساسًا وإدراكًا وقابليةَ فهمٍ مختلفة، فإذا كان هذا القدر من التعددية بين هؤلاء المجتهدين الذين عاشوا حياتهم كلها في فلك الكتاب والسنة فلكم أن تخمنوا حجم الاختلافات التي قد تحدث إذا تعلق الأمر بعامة الناس!

لقد كان المسلمون يعتبرون الاختلاف رحمةً من الله بحسب ما ورد في الأحاديث الشريفة، فقابلوه بسماحة وتقدير بالِغَين، ولم تتضرر الوحدة والاتحاد فيما بينهم مع وجود هذا القدر من الاختلاف في المجتمع.

   تطوير التعايش مع الآخر

إن السعي إلى التعايش في وحدةٍ ووئامٍ مع الآخرين رغم اختلاف البيئات والثقافات والمفاهيم والإرادات والأفكار من شأنه أن يُكسب المرء ثواب العبادة؛ لأن الفرد يشعر بردِّ فعلٍ مضاد تجاه أي أمرٍ يخالف طبيعته، ويشعر برغبةٍ في معارضة الآراء والمفاهيم المخالفة له، من أجل ذلك كان قمعُ مثلِ هذه المشاعر السلبية يحتاج إلى سعي وجهدٍ كبيرين، وهذا بدوره يُفضي إلى إحراز الثواب الجزيل، ولقد كان النبي صلوات ربي وسلامه عليه يحثّ دومًا المؤمنين على التعايش في إطار جماعي، وكان يوصيهم بعدم الانفصال عن الجماعة.

وإن قدرة الناس على إقامة وحدة وتوافق فيما بينهم على اعتبار أنهم أفراد مجتمع واحد رغم وجود الكثير من الاختلافات؛ مرتبطٌ بقبول كل شخص في موقعه، والنظر بتسامح إلى الاختلافات القائمة، ومثل هذا المفهوم للتعددية أثرٌ من آثار رحمة الله تعالى، وضده الاستبداد الذي يُمارَس من خلاله قمعُ الناس، واضطهادهم، وفرض نمط حياة معين للجميع، ولا ريب أن هذا يهدد الحقوق والحريات الأساسية، ويطمس القابليات والقدرات، ويجعل المجتمع على نمط واحد، ويعزله عن العالم.

فإذا كان المسلمون لا يريدون أن ينحصروا داخل حلقة ضيقة منعزلةً عن العالم ولا أن يتخلفوا عن مواكبة العولمة؛ فعليهم أن يتفاعلوا مع الثقافات والملل المختلفة، وينفتحوا على العالم، فمن جهةٍ يعرِّفون مخاطبيهم بمنظومة القيم التي يؤمنون بها، ومن جهة أخرى يستفيدون من حياض الثقافات والحضارات المختلفة.

ولكن إذا كان من الممكن ظهور بعض الفروق والاختلافات -وهذه حقيقة واقعة- بين أفراد المجتمع الواحد الذين يدينون بدين واحد، ويتوجهون إلى قبلة واحدة، ويعيشون في بيئة ثقافية واحدة؛ فمن المرجح ازدياد هذه الاختلافات عند التعايش مع أتباع الديانات واللغات والأعراق والثقافات المختلفة، وهنا لا بد أن يعي المسلمون بدايةً أن ثقافة التعايش مع الآخر في هذا العالم الذي أصبح قرية صغيرة قد بات أمرًا لا مفر منه، وعليهم أن يطوِّروا من تجربة التعايش مع أتباع الثقافات والأديان المختلفة، ومن ثم يكون من الأهمية بمكان تبني بعض الأسس مثل: الاجتماع على أرضية مشتركة، والتوافق على الحد الأدنى من القواسم المشتركة، وإيجاد نقاط اتصال مشتركة، وتقبّل كل شخص في موقعه ومستواه.

ولقد أصبح بعضُ المسلمين في عالم اليوم يتوجسون خيفة من التعددية؛ على أساس أنها ستُفضي إلى التآكل والتنازل عن القيم الدينية، فباتوا لا يعرفون كيف يتصرفون في هذا الصدد، بل إن بعضهم ربما يحمل للآخرين بعض المشاعر العدائية، ويتخذ بعض المواقف المتطرفة.. فمن الواجب بداية إدراك أن إعلان المسلمين الحرب على أتباع الديانات والثقافات المختلفة لن يحرز لهم أيَّ مكسب، ولن يصلوا من خلاله إلى أي منفعة، بل على النقيض تمامًا، يجب التوافق والتواصل مع الجميع انطلاقًا من التكريم الإلهي الذي منحه الله تعالى للإنسان كإنسان.

   التعددية والاختلافات نوعٌ من الثراء

إن الاعتراف بأن الاختلافات حقيقة واقعة، وتشكيل البنية الاجتماعية تبعًا لذلك؛ لا يمنعنا من حق الاعتراض أو وضع قيود اعتراضية على بعض الأفعال والأفكار المخالفة.. إذ إن مشاركتَنا أصحابَ الرؤى العالمية المختلفة البيئةَ نفسها بل ومخالطَتهم لا يعني تقبّلَنا لجميع أفكارهم وإقرارَها، ونفس الأمر بالنسبة للآخرين، فهؤلاء بوسعهم مخالفة بعض أفكارنا، المهم هو ألا تتسبب هذه الاختلافات في الصراع، بل يجب دفع الاختلافات جانبًا بقدر الإمكان للحفاظ على الوحدة والوفاق الاجتماعي، وإبراز النقاط والقواسم المشتركة.

وإن احترامنا للإنسان لمجرد أنه إنسان، وتقبّلنا للاختلافات على أساس أنها واقع معاش، ثم التعامل بواقعية وعقلانية، والاعتراف بوجود العولمة؛ لا يستلزم منا التضحية بقيمنا الذاتية، والتنازل عنها، وتعريضها للتآكل، فلطالما نحن مسلمون فلا ينبغي لنا التنازل أبدًا عن ذلك أينما كنا، فلا نتخلى عن قيمنا الدينية ولا عن مفهومنا الإسلامي، ولا عن شعور الإحسان لدينا؛ ولكن يجب علينا ألا نجبر أحدًا على فعل ذلك، المهم هو أن يستطيع الناس التعايش جنبًا إلى جنب محافظين على اختلافاتهم؛ بل حتى يعتبرونها نوعًا من الثراء.

وإن التعامل بمزيدٍ من الحساسية والدقة في مسألة تطبيق الناس القيمَ التي يؤمنون بها دون جبر أو إكراه للآخرين لهو أمرٌ جدير بالاحترام والتقدير؛ فمثلًا إذا حان وقت الصلاة ونحن في اجتماع مع فريق من أتباع الديانات المختلفة فعلينا أن نستأذنهم دون خجل ونؤدي صلاتنا، فإنني لم أشهد حتى الآن انزعاجَ هؤلاء الناس من حرصنا على أداء عباداتنا، بل كانوا يقابلون رغبتنا تلك بكل احترام وتقدير؛ فإن ارتياح الناس في ممارسة عقائدهم، والتصرف بشكل علني وشفاف لن يضر بالعلاقات، بل على العكس سيعزز الثقة المتبادلة، المهم هو ألا يقع بين الأفراد شيء من الغلظة أو التعصب أو الشدة، وأن نتجنب القيام ببعض التجاوزات التي تسوق الآخرين إلى المخالفة والاعتراض.

   الموقف الإيماني في مكافحة المنكرات

وقد يقابِل البعضُ التعدديةَ بالمعارضة على اعتبار أن تقبّلَها يعني تقبّل كل أنواع التطرف والانحراف والفجور، والحق أن البعض قد يعدّ التحرر والانحراف حقًّا مكتسبًا ومن متطلبات الحرية والديمقراطية، إلا أن الأفعال والتصرفات التي يقر المؤمن بصحتها معلومةٌ وواضحة؛ بيد أن عدم إقرارنا بصحة فعلٍ ما أو إقرارنا بخطئه لا يقتضي إعلاننا الحرب على أصحاب هذا الفعل؛ طالما أنه لا يمسّ حقوقنا ولا حقوق الآخرين ولا حقوق الرأي العام.. ولقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة على ذلك حينما عاش مدة طويلة مع المشركين في مكة، ومع المنافقين واليهود في المدينة المنورة.

ولكن ألا يحِقّ لنا أن نتدخل لمنع المواقف والتصرفات الخاطئة أو نعمل على الحيلولة دون وقوع المنكرات؟!

إننا لا نقصد مما ذكرناه أن نقف صامتين دون أن نحرّك ساكنًا إزاء المنكرات، فلا شك أنه ينبغي للمسلمين أن يكونوا قدوة حسنة للجميع، وأن يعبّروا عن الحقائق التي يؤمنون بها بقدر ما تواتيهم الفرص وتتوفر لديهم الإمكانات؛ فإن مراعاة حساسية الآخرين باطراد، والتشجيع على ما يجب القيام به بما لا يتسبب في رد فعل معاكس، وتحذير الآخرين ممّا لا ينبغي؛ هو من جملةِ الوظائف الأساسية للمؤمنين.. وثمة مسألة مهمة لا بد من ذكرها هنا وهي أنه لا يصح القيام بتصرفاتٍ عدائيةٍ تفضي إلى الفتن وإفساد الانسجام الاجتماعي إزاء أنماط الحياة التي يعتبرها البعض من مقتضيات الحرية والديمقراطية، وإلا فإن التعامل بعنف مع السلبيات سيحول من الآن دون القيام بأعمال جليلة تساهم في الإصلاح والتعمير في المستقبل.

ومن المعلوم لدى الجميع أن العالم الغربي بشكل خاص يضمر نوعًا من الكراهية البغيضة إزاء المسلمين في يومنا الحاضر، وفي المقابل يضمر بعض المسلمين أيضًا عداوةً للغرب، وهذه الاعتبارات من الأمور التي تضرّ بثقافة التعايش مع الآخر، ولكن يجب على المسلمين محاسبة أنفسهم قبل تخطئة الآخرين؛ لأن السبب الرئيس في هذا كله هو عدم وصولنا إلى هؤلاء في الوقت المناسب، وعدم التعبير عن أنفسنا بشكل صحيح، ولقد تسبب إهمالنا هذا في ظهور العديد من المشاكل الكبيرة اليوم، فلو أننا انتشرنا في كل ربوع العالم بسرعة مثل جماعة الحواريين، ومثّلنا الإسلامَ بحقٍّ لما قابلنا هذا القدر من السلبيات اليوم، ولَفكّر الناس بشكل مختلف عن الإسلام، ولكانوا على الأقل عرفوا المسلمين على نحوٍ صحيح.

التدرّج في الدعوة إلى الله

Herkul | | العربية

   سؤال: اتبع الرسول صلى الله عليه وسلم منهجًا في التبليغ في العهدين المكي والمدني يتغير تبعًا للظروف، فما الرسائل التي يبعث بها هذا المنهج للعهود المتأخرة؟

   الجواب: لم ينزل القرآنُ الكريم جملةً واحدة، وإنما نزل منجّمًا خلال مدة تصل إلى ثلاثة وعشرين عامًا، ولقد كان هذا الأمر يحمل أهميةً بالغةً بالنسبة للذين عاشوا عهد الجاهلية أو الذين كانوا حديثي عهدٍ بالإسلام؛ وذلك من أجل تأهيلهم والوصول بهم إلى الكمال رويدًا رويدًا، ولقد رصد القرآن الكريم الوضعَ العام الذي كان عليه المجتمع في تلك الآونة، ووضع أحكامه وفقًا لما تستلزمه الظروف، فلم يُكلّف الله تعالى الناسَ بالفرائض المتعلّقة بالعبادات والمعاملات جملة واحدة، وعلى سبيل المثال فقد تدرّج الأمرُ بالصلاة والزكاة ضمن وتيرة معينة حتى تحقق واكتمل في النهاية بالترويض والتدريب، ونفس الأمر نراه عند النظر إلى بعض الأحكام مثل تحريم الربا والخمرِ، إذ لم يحرمهما الله تعالى مرّةً واحدة، ولكنه تدرَّجَ في تحريمها وأنزلَ آيات تتناول أضرارهما، وتروّض المجتمع وتُهَيِّئُه لِقبول ما يُقضى بشأنهما من أحكام في النهاية.

   الآيات المكية والمدنية

وعند النظر إلى الآيات التي نزلت في العهدين المكي والمدني نجد بينهما اختلافات كبيرة، فبالنسبة للعهد المكي يُلاحَظُ فيه أن الناس كانوا حديثي عهد بالإسلام، وأن المسلمين قلة قليلة، ومعظم المخاطبين بالوحي من عبدة الأصنام، وهؤلاء كانوا متمردين متعصبين تعصبًا أعمى لدين آبائهم وأجدادهم، وكأن تقليدهم لآبائهم قد نفذ إلى أرواحهم، ولذا كان القرآن الكريم يلفت الأنظار بالآيات التي نزل بها إلى انحرافاتهم هذه على الدوام، ويؤكد على حقيقة التوحيد وركائز الإيمان.

أما في العهد المدني فلقد بدأت تتشكل فيه الجماعة المسلمة رويدًا رويدًا حول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يعد عبدة الأوثان فقط هم الذين يقفون ضد المسلمين، فلقد كان هناك اليهود والمنافقون أيضًا، ومن ثم بدأت الآيات الكريمة تتنزل وفقًا لما تتطلّبه تلك الظروف آنذاك.

فالربا على سبيل المثال قد بيَّن القرآن الكريم قطعية حرمته في العام التاسع من الهجرة النبوية، وتوعد آكليه بالعقاب الأليم، يقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (سورة البَقَرَةِ: 2/275).

أما الآيات التي نزلت قبل ذلك فيما يتعلق بمسألة الربا فكانت تُهيّئ الأذهان، وتنفّر الناس منه شيئًا فشيئًا، وفي النهاية حرّمته بشكل قاطع بالآية السالفة الذكر، ففي بادئ الأمر عقد الحق سبحانه وتعالى مقارنةً بين الربا والزكاة، فقال: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ (سورة الرُّومِ: 30/39)، وقد جاء في الآيات التالية لفتُ الأنظار إلى حرمة الربا في الشرائع السابقة، وتوبيخ اليهود الذين ما زالوا يأكلونه ويعملون به، يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (سورة النِّسَاءِ: 4/161)، وبعد ذلك حرم القرآن الكريم أخذ الفائدة على رأس المال على اعتبار أنها عادة جاهلية، فقال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (سورة آلِ عِمْرَانَ: 3/130)، وفي النهاية جاء أمر قطعيٌّ بتحريم الربا.. وكذلك موضوع الخمر فقد جاء تحريمه على أربع مراحل.

   التدرّج في الدعوة بعد عصر السعادة

فمن غير الممكن بعد أن أتمّ الله دينه وأكمله أن نغضّ الطرف أو نخفي بعض هذه الأحكام، فالتدرج في عرض الأحكام الشرعية وإبرازها بهذا الشكل كان خاصًّا بوقت معين فقط، ولذلك فليس من الصحيح قطعًا بعد أن أكمل الله دينه أن نفكر في الاكتفاء بتبليغ بعض أحكام القرآن فقط، ونعرض عن البعض الآخر.

وبيد أن هذه الفلسفة التشريعية التي تقوم على التدرّج تكشف عن حقائق مهمة بالنسبة للمنهج الذي يجب أن يتبعه رجالُ الإرشاد والتبليغ، لا سيما وأنها تدلّهم على ضرورة تقديم الأولويات عند عرض رسالة القرآن على المخاطبين الذين أُبعِدوا عن الدين كلية، وصُرفوا عن منابع ثقافتهم الذاتية ورؤاهم العالمية وكأنهم يعيشون عهدَ الفترة من جديد، وكذلك توضح لهم النقطة التي عليهم البدء بها، ونوعية الطريق الذي يجب عليهم اتباعه فيما بعد، وتعلّمهم أن التغيير ليس بالسهل اليسير، وأن التخلص من بعض العادات يستغرق زمنًا معينًا.

ولسنا نبالغ -في رأيي- إذا قلنا إن الإنسانية التي ابتعدت بشكل كبير عن القيم الدينية تعيش اليوم فترة جاهلية ثانية، فكما نرى في المقابلات الصحفية أو الإعلامية في الشوارع بات عدد كبير من المسلمين اليوم -رغم أنهم يعيشون في دولة مسلمة- لا دراية لهم بأركان الإيمان، ولذا فعلينا أن ندرك أولًا أننا نعيش في أزمنة عصيبة متمردة، ثم نبدأ العمل من حيث بدأ نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

فمن المعلوم أن أول ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم لمشركي مكة هو: “قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ تُفْلِحُوا[1]، فلم يوجّه الأنظار حتى إلى نفسه في البداية، لأنه لو فعل ذلك لخامرت البعضَ فكرةُ أنه يريد الزعامة، وربما يسبب توجيه الأنظار إلى نفسه في رد فعل سلبي لدى الناس وفي انفضاضهم من حوله، إلا أنه من غير الممكن لشخصٍ ليس بنبي، ولا يستند إلى قوة إلهية أن يقول مثل هذا الكلام، ولا أن يعطي هذا الضمان القوي، ولا أن يتعهد لأحد بالنجاة. أجل، لا مغزى لكلام إنسانٍ لا يستند إلى ركن شديد؛ ولهذا كان بكلامه هذا يومئ ضمنيًّا إلى أنه قد أتى برسالة من عوالم ما وراء السماوات؛ بمعنى أنه كان يؤكد على نبوته، فلم يلبث العاقلون أن يفهموا بسهولة ويسرٍ ماذا يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم؛ وهذا بُعْدٌ آخر من أبعاد فراسته وفطنته النبوية صلوات ربي وسلامه عليه.

ولقد استهل بديع الزمان سعيد النورسي مؤلفاته بالحديث عن الإيمان، وركز على حقائق الإيمان من البداية إلى النهاية، إذ إن الحقائق الإيمانية هي أول ما يخاطب به الذين أُبعِدوا عن قيمهم الذاتية، وهذا لا يعني أن نتوقف عن الحديث عن العبادات والطاعات، ونهمل الحديث عن المسائل المتعلقة بالمعاملات والحياة القلبية والروحية، ولا نتعرض بالكلام عن الذنوب والمحرمات، بل لا بد من تناول هذه الموضوعات مع مراعاة مستوى الأشخاص، المهم هو تحديد ما يُقال أولًا وما يُقال ثانيًا حسب مستوى مخاطبينا، وتعيين ما يلزم عرضه عليهم؟ ومتى؟ وكيف؟ وكما أن تبليغَ كلِّ المسائل الدينية من ضمن المسؤوليات الواقعة على عاتقنا وكذلك فإن تقديمَ المسائل التي لها حقُّ الأولوية مسؤولية أخرى.

   الأسلوب المتبع في عرض الحقائق السامية

من جانب آخر فلا يغبْ عن بالنا أن الأسلوب المتبع في عرض الحقائق الدينية له أهمية بالغة، فثمة أناس اليوم قد ابتعدوا عن الإيمان رغم أنهم يدّعون الإسلام، ولا يسمحون لكم بالحديث عن حاناتهم وماخوراتهم ومعابدهم، فعليكم إذًا أن تحدّثوا الناس دون أن تتعرضوا لطواطمهم وأيقوناتهم التي يقدّرونها، لِنفرض أنكم تريدون أن تُبعدوا الناسَ عن الأشياء التي حرمها الإسلام مثل الربا والخمر والقمار والزنا، فإن أقحمتم القرآن والسنة في كلامكم وعرضتم الأمر مباشرة على أنه أوامر دينية، فستجدون من مخاطبيكم ردَّ فعلٍ عنيف، ولكن بدلًا من ذلك يمكنكم الحديث عن مثل هذه المسائل بتوضيح آثارها وتأثيراتها على الصحة والاقتصاد والقيم الاجتماعية؛ بمعنى أن تتحدثوا إليهم بلسان الطبيب الحاذق، وتعرضوا عليهم النتائج التي توصل إليها رجالُ العلم، مستدلين بالإحصائيات المختلفة، وعندها ستقولون ما تريدون دون اعتراض من أحد.

فمن يدري كم إنسانًا خسرناه حتى الآن بسبب حِدَّتِنا وغِلظتنا وجهلنا بالأمر وأسلوبنا الخاطئ؟! أحيانًا ما أفكّر في حالتي الجنونية التي كنتُ عليها في العشرينات من عمري، وكيف أنني كنت متمرّدًا متناقضًا مع نفسي، فأوبخ نفسي توبيخًا شديدًا، ولكن ماذا عسانا أن نفعل وقد كنا ضحيةً لانعدام الرائدين والموجّهين في ذلك الوقت، ولم يكن هناك أحد يحدثنا عن هذه الموضوعات، فعلى النقيض تمامًا كان هناك من يلقّنوننا مشاعرَ العداوة إزاء غير المؤمنين والفساق والفجار والظالمين، وكم سمعنا من أقوال سلبية وإهانات دائمة في حق الذين ابتعدوا عن القيم الدينية واقترفوا المحرمات؛ حتى استقرت تلك الأقوال والإهانات في اللاوعي عندنا، وتوطّنت في خلايانا العصبية، وأثرت في مشاعرنا وأفكارنا، وأحيانًا أفكر في تلك الأيام فأحمد الله على أننا لم نعادِ أو نخاصم أو ننازع أشخاصًا يفكرون بشكل مختلف عنا، ويعيشون على نحو آخر، فكان هذا من آثار صيانة الله وحفظه لنا، وإلا لما استطعنا أن ندفع فاتورة تلك الأيام.

وهنا قد يُطرح سؤال عمّا إذا كنا قد حققنا في الوقت الراهن التفكير السليم فيما نقول أم لا؟ ويا تُرى هل استطعنا أن نتخلص من الأفكار التي تفوح منها رائحة التميز العنصري أم لا؟ وهل نستطيع أن نشرح ما نشرح دون ربطه بفلان أو علان؟

لقد كان رجالُ الخدمة الإيمانية والقرآنية في فترةٍ ما قلة قليلة وضعفاء، لذا قد تُحُدِّث عن فكرة أهمية الأنانية الجماعية والانتماء إلى هذه الجماعة أو تلك الطريقة، وذلك بهدف تشجيعهم؛ إلا أن هذه الأمور ليست موضوعات رئيسة مثل الأسس الإيمانية، فعدم تعبير الإنسان عن تبعيته لهذه الجماعة أو تلك الطريقة لا يُخرجه عن الدين، ولا يبعده عن حلقة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل لا ينفصل عن الشيخ الذي يسير في إثره، ربما أخطأنا أخطاء بالغة في هذه الأمور، وكان الأولى أن نفكر بشكل أوسع، ونفتح صدورنا للجميع، وننحّي غِلظتنا جانبًا، ونتحلى بالشفقة والرحمة، ونقوم بخدماتنا في كل مكان، فإن لم يثمر بعضها أثمر البعض الآخر منها بإذن الله سبحانه وتعالى.

 ***

[1]  مسند الإمام أحمد، 25/404-405.

مصيدةُ الأنانيةِ وقوّةُ الإخلاصِ المركزية

Herkul | | العربية

عندما يرى الإنسان نتائج أعماله على أرض الواقع قد يظنّ أنه يقوم بأعمال محمودة، وقد يبدو ذلك عاديًّا وبريئًا جدًّا بالنسبة له، لكن الخطيئة قد تجد مكانًا لها حتى في قلب أكثر المشاعر والأفكار براءة، ومن ذلك على سبيل المثال أنه حين تتسلط على خلايانا العصبية أفكارٌ مثل: “نحن من خططنا لهذا، ونحن من أنجزناه”؛ فإننا قد لوّثنا العمل الذي نقوم به؛ وتستحيل الاستقامة على هذا المنوال، وإنكم إذا ما أنجزتم أشياءَ عظيمةً، وفتحتم عوالم جديدةً، وعثرتم على كنوز في أعماق الأرض ثم حدَّثَتْكم أنفسكم بأنَّ الفضلَ في ذلك يعود إليكم أيضًا؛ فإنكم خاسرون لا محالة.

   استحالةُ الشَّرَاكَةِ في عمليّة الخَلق

إن إرادة الإنسان عامل أساسي عند بدء العمل، ولذا فإن واجبه هو أن يمنحَ إرادته حقها، ويتخذَ جميعَ الأسباب التي تؤدي إلى النتيجة، ويستنفذَ في سبيل ذلك طاقتَه وجهدَه وعزيمتَه.. وبعد أداءِ واجبِه عليه ألا ينسب إلى نفسه النتيجة التي تتحقق كمظهر من مظاهر الإرادة الإلهية، وألا يعتبرها من عند نفسه؛ لأن خالق كل الموجودات والحوادث التي في الكون هو الله سبحانه وتعالى، وعمليةُ الخلقِ هذه لا تحتمل ولا تقبل الشراكة قطعًا، والدخول في فكرة المشاركة هنا -في مسألة إنجاز هذه النجاحات التي أنعم الله بها علينا- إنما هو نوعٌ من الشرك بالله تعالى.

فعندما يبدأ الناس في الاعتقاد بأن النعم التي منَّ الله تعالى بها عليهم إنما هي من عند أنفسهم فإنهم يفقدونها، وحتى وإن استمرّ التوسع بفعل قوته المركزية بسبب الإخلاص الذي كان في بداية الأمر لمدة معينة فإن هذا التوسع يتوقف بعد فترة ما بسبب فقدان الإخلاص، وإنَّ مَنْ يبدؤون في نسبة العمل إلى أنفسهم بعد أن تقلّدوا وظيفتهم المباركةَ بإخلاص لَيَخْسرون حتى وإن كانوا أعظم الأولياء، وسيتعثرون إن عاجلًا أو آجلًا.

لهذا السبب فإن الأستاذ بديع الزمان يوصي بقراءة رسالة الإخلاص مرة كل خمسة عشر يومًا في الأقل[1]، بغيةَ محوِ الشرك الثقيل وهو الأنانية، والابتعاد عنه إلى ما هو أخف منه بدرجة وهو “نحن”، ثم محو “نحن” أيضًا بتفكير أكثر صدقًا، والارتباط بـ”هو” جل جلاله.

إن الطريق الذي نسير فيه هو طريق التوحيد.. طريق إعادة بعث العقائد المتعلقة بوجود الله ووحدانيته من جديد؛ بعد أن تضررت مقوّماته الأساسية على مرّ السنين ونُسيت من قِبلِ الكثيرين، ويجب العلمُ بأن حاملَ فكرةِ الشِّرك لا يمكنه السير في طريق التوحيد، فإنْ هَمَمْتُم وربَطْتُم -في مثل هذا الطريق- بعضَ النجاحات بغير الله وبالأسباب وبأنانيتكم؛ فإن الله تعالى يأخذها من أيديكم شيئًا فشيئًا، وبينما تظنون أنّكم أنْشَأتُم عالَمَكم الخاص إذا به ينهار فوق رؤوسكم؛ فترزحون وتنسحقون تحته أنتم أيضًا.. ولذا فكلّما زادت أنعم الله وإحساناته عليكم كلما توجَّبَ عليكم أن تقووا الصلة والارتباط به عز وجل، وأن تمحوا كل شيء من العقل سوى الله تعالى.

ويلخص الأستاذ بديع الزمان منزلة الأسباب بالعبارات التالية: “إنّ الأسباب حجابُ تصرّف القدرة؛ إذ العزةُ والعظمة تقتضيان الحجابَ، لكنَّ المتصرف الفعال هو القدرة الصمدانية؛ إذ التوحيد والجلال هكذا يقتضيان، لا مؤثر إلا الله وحده”[2]، ويقول في موضع آخر: “فالأسباب لا تأثير لها تأثيرًا حقيقيًّا، وإنما هي ستائر أمام عزة القدرة وعظمتها، لئلا يرى العقل مباشرةً يد القدرة بالأمور الخسيسة بنظره الظاهر”[3]، وكما تبين فالأسباب أستارٌ ليس إلا، وعلى الرغم من أن الإنسان قد شُرِّف بنعمة العقل والتكريمِ و”أحسن تقويم”؛ فإن أفعاله لا تعدو كونَها سببًا، لذلك فإن استبدالَ “هو” بـ”أنا” سوءُ أدبٍ كبير مع الله تعالى.

ولا ينبغي للمرء أن يسمح حتى لأصغر الأفكار الخاطئة بأن تتسلّط على عقله في هذا الشأن؛ لأنها قد تنمو رويدًا رويدًا وتُحوِّل مُعتنِقَها إلى رمز للأنانية، ومَن ينحدرُ إلى هذه الدركة من الشرك يستحيل عليه أن يُحطِّم -بسهولة- هذا الصنم الضخم الذي بناه بيديه.

   إن الله لا يحب من يقول “أنا”

يقول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (سورة الصَّافَّاتِ: 37/96)، ربما لا يشعر الإنسان بهذا دائمًا، وقد يعتبر النتيجة المتحقّقة من عند نفسه أحيانًا، بيد أنه بمجرد أن ينتبه لذلك فعليه أن يستغفر فورًا، ويتجنب الآراء والملاحظات الخاطئة، وألَّا يسمح حتى لخياله أن يتلوث بهذه الأشياء؛ وإلى اليوم لم نرَ من بين مَن يقولون “أنا.. أنا..” مَن حقّقَ نجاحًا أو فلاحًا، وحتى وإن ارتقى أحدهم بعضَ الشيء إلا أنه يقع سريعًا ويخرُّ منكبًّا على وجهه، وينقلب رأسًا على عقبٍ.. فإن تعيشوا الحياة بإحساسٍ وتفحُّصٍ جادّين فستجدون كثيرًا من أعمالكم التي داخَلَتْها الأنانيةُ وأَثنيتُم عليها قد باءت بالفشل، فالله يمقتُ الأنانيةَ ولا يحبّها.. فإذا كنا ننشدُ النجاح فيما نقوم به من خدمات فعلينا أن ننفّذَ أعمالنا كلها في مدار الإخلاص وفلكه.

إن النفس تريد أن ترى ذاتها مستقلة وأن تفخر بإنجازاتها، ولكن النفسَ أمّارةٌ بالسّوء كما قال سيدنا يوسف عليه السلام في القرآن الكريم: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ (سورة يُوسُفَ: 12/53)، ولذا فلا يمكن الوثوق بها، وعندما نقوم بشيءٍ ما من أجلها أو نربط ذلك الشيءَ بها؛ فإننا نقلل من قيمة العمل المنجَزِ ونقضي على تأثيره، إذ إن ما يُقامُ به من أعمالٍ من أجل النفس محكومٌ عليه بأن يكون عقيمًا لا قيمة له في الآخرة أيضًا، ولذلك طالما تحرَّكْتم لصالح النفس فلن تحصلوا على أجر من الله تعالى حتى وإن فتحتم عوالم جديدة.

علاوة على ذلك، فإن هذه المواقف المرتبطة بالأنا حينما تصطدم بالعباد المخلصين فسيصدر عنهم ردّ فعل كاره لها، وستصطدم بكراهيتهم إياها فليس هناك شكٌّ في أنها ستدفع أيضًا مَنْ يسيرون معكم على الخط نفسه إلى الحسد والغيرة منكم، فيجب التذكير أنه بقدر ما يُعجَبُ الإنسان بنفسِهِ وبأعمالِه بقدر ما يبغضه الناس ويرفضونه ويبتعدون عنه.

   عدمُ استعظام العمل عبادةٌ

من ناحية أخرى فإن الأعمال المنجَزَة تُصبح كبيرة وعظيمة -حتى وإن كانت صغيرة- إذا ما نُفّذت بإخلاص، فما يُفعل في سبيل الله لا يكون صغيرًا.. والحقيقة أن نبيَّنا صلى الله عليه وسلم يبين أنه لا ينبغي التقليل من شأن العمل الصالح مهما كان بسيطًا، فقد قال صلى الله عليه وسلم: “تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ، وَأَمْرُكَ بِالمَعْرُوفِ وَنَهْيُكَ عَنِ المُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَإِرْشَادُكَ الرَّجُلَ فِي أَرْضِ الضَّلَالِ لَكَ صَدَقَةٌ، وَبَصَرُكَ لِلرَّجُلِ الرَّدِيءِ البَصَرِ لَكَ صَدَقَةٌ، وَإِمَاطَتُكَ الحَجَرَ وَالشَّوْكَةَ وَالعَظْمَ عَنِ الطَّرِيقِ لَكَ صَدَقَةٌ، وَإِفْرَاغُكَ مِنْ دَلْوِكَ فِي دَلْوِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ[4].

نعم، لا ينبغي أن نقلل ونحقر من شأن أي عمل يُنجزُ من أجل الله، إلّا أنه يجب علينا أن نراه في أعيننا صغيرًا، وهذا المعنى يتوافق مع الدعاء المنسوب إلى نبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم حينما دعا فقال: “وَاجْعَلْنِي فِي عَيْنَيَّ صَغِيرًا وَفِي أَعْيُنِ النَّاسِ كَبِيرًا[5]، إذن يجب على المؤمن أن ينظر من هذا المنظور إلى جميع الأعمال التي يحاول القيام بها، وألا يستعظم أيًّا من أعماله، وأن يستقِلَّ العبادات التي يؤدّيها في سبيل الله، ويستقِلَّ أيضًا معرفته، وكذلك جهودَه في سبيل إعلاء كلمة الله، وألا يرى الوقتَ الذي كرَّسه لله تعالى والجهودَ التي بذلها في سبيل الإرشاد والتبليغ كافيًا وافيًا.. والحقيقةُ أن مثل هذا الرأي يُعتبر عبادةً من زاوية مختلفة، دَعُونا نُسَمِّها “عبادةُ عدمِ استعظام العمل”.. وإن كانت العظمة واردة فإنها في العمل من أجل البشرية وفي ربطه برضاء الله جل وعلا؛ ذلك لأننا نؤمن بأن الله قد يوفق حتى الجهود الصغيرة إلى انفتاحات عظيمة وخيرات كبيرة.

فمثلًا إن بضعَةَ منازل طلابية أنشأتموها بنيَّات صادقة في فترة ما يمكن أن تُصبح وسيلةً لتوسّعات كبيرة في المستقبل، وقد تتحوّل البذور التي بذرتموها إلى فسائل، فتتحوّل إلى أشجار، وتبدأ تمد أغصانها في كل مكان، ثم يتحول العالم إلى بستان وردٍ؛ حتى إنَّ منْ بذر البذور تسيطر عليه الدهشة والحيرة إزاء هذه النتيجة.. يكفي أن تُنجز الأعمال من أجل رضا الله وألَّا يحاول المرء التعبير عن نفسِه من خلالها.

ونتيجة لذلك يمكننا القول إنَّ الله سيوفق مَنْ لا يهتمون بتحقيق فائدة شخصية من وراء أعمالهم الصالحة، ولا يضعون أنفسهم في الحسبان، ولا يطلبون الدنيا، ويتواضعون ويخدمون بإخلاص، وكما ورد في الآية الأولى من سورة الفتح: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ (سورة الفَتْحِ: 1/48)، فإنه سيفتح طريقهم، ويحول الممرات الضيقة أمامهم إلى طرق سريعة واسعة.

من ناحية أخرى فإن من يقول: “إنني أعمل، وأركض، وأهاجر، ثم بعد ذلك أعاني من أنواع الحرمان المختلفة؛ أين مردود كل هذه الجهود والتضحيات؟!”، ويتطلع إلى نسج عالمه الخاص مثل العنكبوت فإنه سوف يقع في شِباكِ هذه الخطوط العنكبوتية التي نسجها، هذه هي مصيدةُ الأنانية، وإذا ما وقع في هذه المصيدة فلن يتمكن من الخروج منها مرة أخرى، وسيكون طعمة للآخرين.. سلَّمَنا الله جميعًا ورزقنا حسن الخاتمة..

ملحوظة: تم إعداد هذا المقال من كلمة ألقاها الأستاذ فتح الله كولن في تاريخ 5 مارس 2010م.

***

[1]  بديع الزمان سعيد النُّرسي: اللمعات، اللمعة الحادية والعشرون، ص 219.

[2] بديع الزمان سعيد النورسي: المثنوي النوري، ص 55.

[3] بديع الزمان سعيد النورسي: المثنوي النوري، ص 423.

[4] سنن الترمذي، البر والصلة، 36.

[5] مسند البزار، 10/315.

مسؤولياتُ أبطالِ الإصلاح

Herkul | | العربية

لقد أصبحت الحداثةُ أمرًا واقعًا لا مفرَّ من تأثيرها، والمسلمون أيضًا لم يستطيعوا النجاة منها، فمن الممكن رؤية هذا التأثير حتى في أنماطِ الفهمِ والتفسير الديني لدى علماء الدين، مما أدى إلى شيءٍ من التغير والتحوّل إلى أن ابتعدنَا عن قيمنا الذاتية.

فهل نستطيع أن نعود مرة أخرى إلى قيمنا الخاصة بأصولها وفروعها أم لا؟! وهل يمكن إرجاع الدين مرة أخرى إلى شكل مناسب لماهيته الحقيقية أم لا؟! لا نستطيع معرفة ذلك.. غير أنه يمكننا القول: إن مسألة جمع الأجزاء المتفرقة والمبعثرة ولملمتها وإعادتها من جديد إلى هويتها الأصلية مرهونة بعملية ترميم وإصلاح تستغرق زمنًا طويلًا للغاية نظرًا لِعظم حجم التخريبات، وقد لا يتيسر هذا الأمر لجيل بكامله؛ لأن للزمن والأوضاع العامة تأثيراتهما وتدخلاتهما المهمة، والجميع يضيف نَفَسَه وصوته ورأيه إلى الأمر، وفي ظل العولمة ليس من السهل على الإطلاق العثور على صوتنا الخاص ونغمتنا الذاتية بين أصوات هذه الجوقة، وهذا النوعُ من التطورات مرتبطٌ بالوقت.

   أسلوب التمثيل والتبليغ

إن إدراك أبطال الإصلاح للمشكلة في وضعٍ كهذا ومواصلتهم مساعيهم لإصلاحها بشكل يتوافق مع روح العصر أمرٌ مهمٌّ للغاية، وبدايةً يجب عليهم أن يمثلوا الإسلام بوجهه المبشر والمشجع تمثيلًا كاملًا، وعليهم بعد ذلك أن يُوصِّلوا الحق والحقيقة إلى الصدور المحتاجة المتعطشة إليهما دون أن يُكرهوا أحدًا، ولا أن يُصعِّبوا الدين القائم على التيسير أساسًا، ولا أن يُنفروا الناس، ولا أن يُضحوا بالأصول لصالح المسائل المتعلقة بالفروع، وعليهم أن يقفوا بالدرجة الأولى على المسائل الأساسية المسماة بالضروريات والحاجيات على مستوى الأمة والإنسانية على حد سواءٍ بدءًا من حياتنا العائلية، وألا يقع صراع على الفرعيات والتفاصيل.

إن ما يقع على كاهل المسلم باعتبار الأصل هو أن يُطَبِّقَ بحساسية كاملة وتامة كافة المسائل الخاصة بالدين بدءًا من السنن وصولًا إلى الآداب، غير أنه يجب علينا أن نقدمها ونعرضها على الآخرين بأسلوب تيسيري وتبشيري موافقًا لوصايا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يجب ألا نقصر قطعًا في الأصول، وألا نتشدد كثيرًا في المسائل الخاصة بالفروع، وألا ننفر الناس من الدين  عبر التمسك بمثل هذه الأشياء، وألا نجعلهم يفرون من حولنا؛ بالعكس يجب أن نكون مبشرين وميسّرين ومُؤلفين ومُحبِّبين.

ومع أن إطلاق صفة “الثقب الأسود” على المسلمين شيءٌ لا يروقني، بيد أنه يمكننا القول: يجب على المسلمين أن يمتلكوا قوة جذب مثل الثقوب السوداء؛ فمن المعلوم أن هذه الثقوب السوداء تجذب إليها كل ما هو قريب منها، وكذلك المؤمن يجب أن يمتلك قوة جذب هكذا من خلال فكره وعالمه الفكري ومحاكمته العقلية ومنطقه وبريقه في التمثيل وعدم ذبوله ولا شحوبه أبدًا، يجب أن يقول من يراه: “قسمًا بالله لا كذب في وجه هذا الإنسان!”.

وقد ذكرت مقولة الأستاذ “نجيب فاضل” في مناسبات عديدة؛ إذ كان يقول: على المؤمن أن يكون مثل قرص سكر مضغوط، فيمنح الحلاوة والعذوبة للبحار والمحيطات إذا ما تركتموه فيها، ويمكننا أيضًا ربط المسألة بقول الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي؛ إذ يقول: “إن كان لي طالب في مكان ما فإنني أعتبر ذلك المكان قد فُتح لصالحي”، ما أعلاها من همة! لقد تحرك طيلة حياته ملتزمًا بكلمته هذه، ودائمًا ما أعلن أن القنوط عقبة في طريق السير إلى الكمال، ودائمًا ما ظلّ يتلوى ويجتهد كي لا يقع الناس في مثل هذا المستنقع.

إن كنتم تعتقدون أن منظومة القيم التي تؤمنون بها وتعيشونها وتمثلونها تعني شيئًا بالنسبة للحياة الدنيا والحياة الآخرة فلا يجدر بكم أن تبخلوا في هذا الشأن، بالعكس يجب عليكم أن تكونوا أسخياء للغاية، وأن تقيموا المعارض في كل مكان، وتقولوا مثلما قال الشيخ “محمد لطفي أفندي”: “أشرَقَتْ شمس التوحيد؛ فالأمر مباح، ولينهل منه مَن ينهل!”، يجب عليكم أن تقدموا مشاعرنا وأفكارنا من خلال الكتب والندوات والمنتديات بما يتوافق وأحوالَ عصرنا وآفاقَ فهم الناس؛ فكل هذه مسؤوليات منوطة بكم.

وفي هذا الصدد يجب أن نعطي حقّ كلّ شيء منحه الله إيانا؛ سواء كان “اختيارًا جزئيًّا”، أو “استطاعة”، أو “رغبة”، أو “تصرفًا في الميل والرغبة” في إطار فهم العلماء، وأن نستخدمه حتى آخر قطرة فيه دون أن نضيع ولو ذرة واحدة منه، فيجب التحرك مثل رجل الأعمال أو المستثمر، أو التاجر الذي يسعى في سبيل إنجاز أعمال عظيمة برأسمال صغير للغاية، وأن ندرس الخطوات التي سنخطوها دراسةً جيدةً، وأن نستخدم إرادتنا بشكل مُثمِر للغاية.

   تكوين مناخ السلم في العالم

إلى جانب هذا ثمة مسؤولية أخرى تقع على عاتق من نذروا أنفسهم لخدمة الحق والحقيقة تجاه إنسان عصرنا الذي يهاجم بعضه بعضًا بدافع طمعٍ لا ينتهي، ويركضون ليأكل بعضهم بعضًا، ويقسمون البلاد ويمزقونها بإشعال فتيل الحروب؛ وتكمُن هذه المسؤولية في إقامة جسور لن تنهدم بين الناس، وتأسيس أواصر ترابط قوية للغاية، والمساهمة بهذه الطريقة في تكوُّن جوٍّ من السلم العام في العالم أجمع، فثمة حاجة شديدة إلى إظهار سُبل العيش الإنساني وإلى التذكير مرة أخرى بأن الإنسانية جمعاء من نسل آدم عليه السلام، فإن تعذَّرَت إقامة مثل هذا الجو من السلم في عالم تُثار فيه دائمًا العداوات والصراعات، وتنتج الأسلحة الفتاكة في كل مكان منه؛ فلن يستطيع أحدٌ أن يعيش حياته في أمنٍ وأمانٍ.

وبدلًا من الصراع والتناحر والهدم والتسلّط والسيطرة عليهم يلزم الكشف لهم عن أفق التعاون والتضامن الأخوي، غير أنه يلزم فعل هذا أيضًا وفقًا لظروف وأوضاع عالمنا المعاصر، وإن أفكارًا مثل العثمانية الجديدة لا تعدو أن تكون خيالًا وهوسًا غريبًا ليس إلَّا.. ويقول الشيخ بديع الزمان سعيد النورسي: “الحال القديم محالٌ؛ إما حالٌ جديد أو اضمحلال”[1]، ومن هذا المنطلق فإنه يجب على الساعين لتوفير السلم والسلام في العالم أجمع أن يتحركوا وفقًا لضروريات العصر الحديث، وأن يسعوا إلى توفير ما يمكن أن يُوفَّقوا إليه من هذا دون انفصال عن الواقع والحقائق.

إن تحقُّقَ ذلك مرهونٌ بالجَودَةِ في نشأةِ الكوادر، وتجهيزِها الكامل ماديًّا ومعنويًّا، ونضوجِها العقلي والفكري والمنطقي، وامتلاكِها مكتسبات تمكّنها من قراءةِ الأوامر التشريعية والتكوينية قراءة صحيحة، وتقييمِها تقييمًا صحيحًا، ووضعِ كل شيء في موضعه المناسب.

يجب على تلك الكوادر أن يتمكنوا من قراءة الأوامر التكوينية وفقًا للرؤية التي قدمها لنا القرآن الكريم، وأن يربطوا كل شيء في الكون بخالقه متحرّرين من الآراء الطبيعية والوضعية والمادية، متمكّنين من قراءة ما تعنيه هذه الأمور بحقّ صانعها وعند خالقها، أي إنه يجب أن تكون عوالمهم العقلية والقلبية منفتحة على ما وراء الطبيعة أيضًا بجانب الطبيعة؛ ذلك لأن قدرتَهم على تحويل الأزمات التي تجري وتأتي من اليمين واليسار إلى حزمٍ وباقات من المعرفة والحكمة وتحقيقَهم ترقيات في مراتب اليقين أمرٌ مرهون بهذا.

   الحفاظ على القوام والشد المعنوي

إن الحفاظ على القِوام والشد المعنوي أثناء الركض والسعي في سبيل إعلاء كلمة الله أمرٌ مهمٌّ للغاية، فعلينا أن نظلّ نشيطين دائمًا دون أن ننهزم لسلبيات الأزمان، وألا نذبل أبدًا في مواجهة برد الشتاء الزمهرير ولا حرِّ الصحراء الحارق، وألا نُصاب بالشحوب، وأن نستطيع الحفاظ على رونقنا، وأن ننفع الآخرين دائمًا طيلة الفصول الأربعة كالشجرة التي عبر عنها القرآن الكريم في هذه الآية الكريمة: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ۞ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ (سورة إِبْرَاهِيمَ: 14/24-25).

ويجب توضيح أن حماية المكتسبات أصعب من الحصول عليها في البداية.. يمكنكم أن تمتلكوا مكتسبات حقيقية بفضل جهودكم ومساعيكم، وتحرزون مستويات معينة في نقطة معرفة الله ومحبة الله، غير أنه قد تحُلُّ بكم لاحقًا أشياء تُدهشكم مثل المقام والمنصب، قد تغيرون الطريق والوجهة أمام بعض الضغوط والمظالم التي ستتعرضون لها، وقد تضطرون إلى مجموعة من التنازلات عن بعض قيمكم بسبب شعور الخوف، وقد تسقطون في براثن علل وأسقام كالركون إلى الراحة والدعة وحب الجسد، وقد تتسلل إليكم مشاعر كالحسد والغيرة وعدم قبول الآخر، وربما تتسبب كل هذه الأمور في فقدان القوام والاتزان، ومن هذه الزاوية فإنه من المهم للغاية القدرة على البقاء أحياء وأصحاء كالحبات التي تنمو حتى تصبح سنابل دون أن تنزلق وتحيد ولا أن تسقط وتفسد.

لا نستطيع أن نعلم يقينًا الأمور التي رهن الله تعالى بها تحقُّقَ غايتنا المثالية، وهل هي مرتبطةٌ بامتلاك قوام معين أو الحفاظ على القوام؟! وهل يحقق الله تعالى النتائج التي نرغب فيها عندما نصل إلى هذا القوام؟! أم أن للمشيئة الإلهية مرادات أخرى؟! إننا لا نستطيع معرفة أيٍّ من هذه الأشياء؛ ففي علم الله ثمة وقتٌ مرهون لكل شيء، قد لا يخلق دائمًا النتائج التي نريدها ونرغب فيها، ومهما يكن فإن الواجب الواقع على كاهلنا هو حماية قوامنا وصيانةُ الأمانة وأداءُ المسؤوليات المنوطة بنا أداءً تامًّا دون نقص ولا تقصير؛ لأنه ليس للإنسان إلا ما سعى بحسب ما أفادت الآية الكريمة: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (سورة النَّجْمِ: 53/39)، ويجب ألا يعنينا ما وراء ذلك من أمور؛ فخلقُ النتيجة من شأن الله تعالى.

***

[1]  بديع الزمان سعيد النورسي: صيقل الإسلام، ص 461.

تحقيق الوفاق والاتفاق

Herkul | | العربية

كنت أرغب خلال مدة إقامتي في مدينة “أدرنة” أن أقوم بتدريس القرآن الكريم للطلاب في دورات التحفيظ إلى جانب إمامتي بالمسجد، وبالفعل فقد عهد إليّ مكتب الإفتاء بهذه المهمة، فذهبتُ للمشاركة في التدريس عدة مرات، غير أن زملاءَنا القائمين على تدريس الطلاب كانوا ذوي مشارب مختلفة، فانزعجوا من وجودي واهتمامي بالطلاب، وبناء على ذلك أعرضتُ عن الذهاب مرة أخرى تجنُّبًا للخلاف والصراع.

قد يُضمِر البعضُ عداوةً لكم بسبب انهزامهم أمام شعور الغيرة والمنافسة ولِفرط حبهم لمسلكهم، والواجب عليكم عندئذ هو عدمُ تضخيم المشكلة؛ لأن تبادل مشاعر التنافر والعداء يُنتج ضررًا أكبر بكثير، حيث تزيد الفجوة وتتباعد المسافة بين كلا الطرفين كثيرًا، مثل المركبين اللذين يسيران في اتجاهين متعاكسين، فإذا استطاع أحدهما أن يقف حيث هو، فإن المسافة التي بينهما ستظل محدودةً بطول الطريق الذي قطعَه الآخر فحسب.

   من أجل الراحة والسلامة في الدارين

إن الوظيفة الملقاة على عاتق طلبة القرآن الكريم هي ألا يتوقفوا عند كل شيء، فإن حدث وتوقفوا فعليهم أن يتحمّلوا ويصبروا ويغضوا الطرف، وليكنْ قولُ الشاعر “حافظ الشيرازي” نبراسًا لهم في حياتهم:

“إن نيل الراحة والسلامة في كلا الدارين يقوم على أمرين: معاشرة الأصدقاء بالمروءة والإنصاف، ومعاملة الأعداء بالعفو والصفح”.

ولا داعي لإساءة الفهم هنا، فإننا لا ننظر لأي مؤمن يحمل ذرة من الإيمان في قلبه على أنه عدو لنا، بل إن من الوقاحة وإساءة الأدب أن نتعامل معه بالمداراة والمماشاة، ولكن قد يَراكم البعض أعداء لهم، ويتحاملون عليكم بدافعٍ من الغيرة والحسد، عندئذٍ يجب عليكم القيام بما هو جدير بكم من أجل تهيئة وتحقيق جوٍّ من الصلح والسلام، والمحافظة على مشاعر الوحدة والأخوّة.

إن كل المساعي التي يبذلها المؤمن من أجل الحيلولة دون ظهور مشاعر الحسد والغيرة في داخله تدخل في باب العبادة، ويُكتب في صحيفة حسناتِه كلُّ ما بذله من جهدٍ وسعي من أجل الحفاظ على الوفاق والاتفاق اللذين هما أعظم وسيلة لاستجلاب التوفيق الإلهي؛ ولذا فعلينا أن نصبر ونتحمل كل ما يوجَّه إلينا من أذًى واضطهاد، وهذا منوطٌ بتأهيل أنفسِنا وتدريبها على مثل هذه الأشياء.

ذات يوم أنبأ طلابُ رسائلِ النور أستاذَهم النورسي رحمه الله بأن فلانًا العالِم يتعرض بالنقد والتجريح لشخصه ولرسائل النور، فأجابهم قائلًا: “بلِّغوا ذلك العالم الواعظ عني السلام، فإنني أقبَل انتقاده لشخصي واعتراضه عليّ بتقدير وبرحابة صدر، وأنتم بدوركم لا تَسُوقوا ذلك العالم الفاضل ولا أمثاله من العلماء إلى المناقشة والمناظرة، وإن حدَثَ أيُّ تعدٍّ أو تجاوزٍ علينا، فلا تقابلوه حتى بالدعاء عليهم؛ إذ إن ذلك المتجاوز أو المعترض -أيًّا كان- هو أخونا في الإيمان، وحتى لو عادانا فإن مسلكَنا لا يسمح لنا أن نعاديه بمثل عدائه، ولا سيما أُولُو العِلْم، فعليكم ألا تثيروا غرورَهم العلمي إن كانوا على غرور وأنانية”[1].

   لا ينبغي التنازل عن هويتنا

قد يتشارك الناس في القيام بالخدمات رغم اختلافهم أصلًا، ومهما حاولوا أن يقمعوا ما في داخلهم من مشاعر المنافسة والغيرة فقد تنعكس على بعضهم تلك المشاعر السلبية رغمًا عنهم ولو بقدر صغير، ولا سيما إذا كانوا يرون أنفسهم أفضل وأعلى من الآخرين، وحينها يستخفون بالخدمات التي يقوم بها الآخرون، أو يحاولون منعهم، فيجب علينا ألا نتنازل عن هويتنا ألبتة إذا صادفنا مثل هذا الوضع، وأن نتصرف -مهما فعل الآخرون- بما يليق ويجدر بنا، وأن نراعي الدقة البالغة في التعامل معهم منذ البداية حتى لا نسوقهم إلى إذكاء شعور المنافسة والغيرة نحونا، وأن نتحلى بالصبر الجميل عند إفسادهم نظامنا رغم ما بذلناه من جهد وسعي، فإن كان هناك نادمون في النهاية فلا بد أن يكونوا هم النادمين على صنيعهم.

فإن شعروا بالندم يومًا ما وجاؤوكم فعليكم آنذاك أن تتعاملوا معهم بشهامة ومروءة، وعندما بدؤوا يذكرون أخطاءهم ويطلبون العفو والسماح منكم ينبغي لكم أن تقولوا برحابة صدر: “إننا لا نذكر شيئًا من هذا القبيل”، وحتى وإن جرحوكم بكلامهم الفظّ الغليظ وأفعالهم غير اللائقة فالرأي عندي هو أن ينتهي هذا الأمر عندكم، لأن أهل الإيمان يجب أن يكونوا منصفين.

إن المسلمين إذا ما أوذوا أو ظُلِموا من قبل البعض فهذا قد يمس غيرة الله تعالى، فثمة حقوقٌ عامّة إلى جانب الحقوق الفردية، إننا لا نتدخل في حقوق الله سبحانه وتعالى، فهو سبحانه يفعل ما يشاء، إن شاء غفَر وإن شاء عذّب، ولكن يمكننا العفو عن حقوقنا كافةً، بل والعفو حتى عمّن يحكمون علينا بدخول النار؛ لأن شعارنا هو أن نتعامل مع الآخرين كما يقول يونس أمره “بلا يَدٍ لمن ضربَنا، وبلا لسان لمن سَبّنا، وبلا قلبٍ لمن كسر خاطرنا”، فإن لم نفعل فلن نستطيع أن نمنع الهرج والمرج الذي قد يحدث في الداخل والخارج، والذي ظهرت أماراته منذ أمد بعيد.

وكما أننا مكلفون بالإعراض عن الذنب، فكذلك نحن مكلَّفون بألا نكون سببًا في ارتكاب الآخرين مثل ذلك الذنب ودخولهم النار، وأن نتوخى أعظم درجات الدقة والحذر في هذا الأمر؛ بمعنى أنه يجب أن نفرّ من الحسد والغيرة المقيتة فرارَنا من الثعبان والعقرب، وأن نقوم بكل ما بوسعنا حتى لا يقع الآخرون في مثل هذه الذنوب، وهذه فضيلة مهمة للغاية بالنسبة للمؤمن، قد لا يستوعب ذلك أو يفكرُ فيه جميعُ الناس، ولكن يجب على الواعين أن يحتاطوا لمثل هذا الأمر.

   الإنصاف والشهامة وإحقاق الحق

من الوسائل المهمة للحفاظ على الوفاق والاتفاق بين المؤمنين أو الحيلولة دون وقوع الحسد والغيرة فيما بينهم هو أن نمتدح أعمال الخير التي يقوم بها الآخرون ونُشيد بها ونصفق لها، بل وحتى إن صفقوا لنا وأشادوا بأعمالنا فعلينا أن نتعامل معهم بمروءة وشهامة أكبر، ونقول لهم: “إنما هذا التصفيق يجب أن يكون لكم”، ولو جاءَنا أناسٌ مختلفون عنا في مشاربهم ومذاهبهم يمتدحوننا فعلينا أن نقول لهم في راحة واطمئنان: “لولا مساعي محمد زاهد كوتكو (ت: 1980م)، وأسعد أفندي (ت: 2001م)، وسليمان أفندي (ت: 1959م)، والحاج سامي أفندي (ت: 1984م)، ومحمود أفندي وغيرهم من الرواد العظام ما كان بإمكاننا القيام بعُشر ما نفعله الآن”.

والواقع أن هذه الكلمات هي نوعٌ من الإنصاف وإحقاق الحق، فلو تعاملنا مع الأمر بهذا القدر من الحساسية فسنحطم لدى الآخرين مظاهر الحدة والعنف تجاهنا، ونحول دون بروز غيرتهم وحسدهم لنا، بل وإن كلَّ فكرٍ وإرادةٍ سنقوم به في هذا الشأن سيصبُّ في صحيفة أعمالنا، فإن لم نفعل وحاولنا جلب الأنظار إلينا دائمًا ونسبنا كلَّ نجاحٍ نحرزه إلى أنفسنا؛ فسنكون قد دفعنا الآخرين إلى الوقوع في الذنب ولن نكسب شيئًا عند الله أيضًا، وسيفسد الوفاق والاتفاق بين المؤمنين، ويلوح الفراق والاختلاف في الأفق، وعندها نفقد التوفيق الإلهي.

فعلى رجال القلب الذين وهبوا أنفسَهم لدعوةٍ سامية أن يُراعوا مسألة الوفاق والاتفاق هذه عندما يعزمون العمل في أي مجال من مجالات الخدمة، فإن اعتقد الذين يعملون في هذا المجال قَبْلنا أن مشاركتنا لهم ستفسد عملهم وتُخلّ بوظيفتهم فعلينا أن نترك المجال لهم، وأن نتوخى مزيدًا من الحساسية والدقة في هذا الأمر وننظر هل هذه الخطوة التي نخطوها ستزعج الآخرين أم لا؟.. ولقد حاولنا حتى اليوم أن نراعي مثل هذه الملاحظات بقدر الإمكان، فلو تكفل البعض بالقيام بأعمال معينة في مجال بعينه فإننا تركناها لهم وبحثنا عن مجالات خدمية أخرى.

إن المؤمن لا ينزعج من الأعمال الخيرة التي يقوم بها الآخرون، ولا يحسدهم ولا يقف عثرة في طريقهم مطلقًا، إنما يذعن لكلام الله تعالى في القرآن الكريم ويتنافس في الخير معهم، ويجري بسرعة أكبر حتى لا يتخلف عن إخوانه في الفضل والثواب.. ولكن الغبطةَ والتنافسَ متاخمان للحسد، فإن لم ينتبه الإنسان انزلقت قدمه وانتقل من طرف إلى طرف آخر.. ومن السبل التي تحول دون وقوع ذلك هو دعمُ الآخرين في خدماتهم عند الحاجة؛ كالقيام بتوجيه من لم يستطع إحراز النجاح منهم وإرشادهم وإمدادهم بأصحاب الخبرة والتجربة؛ وبذلك نمنع تدخل النفس في الأمر، ولا نسمح بظهور شيءٍ من المشاعر السلبية البغيضة.

ليس سهلًا تطبيقُ كلِّ هذا، لأن تحقيقه يحتاج إلى تحمُّلٍ وإعمالِ فِكر، ولذلك يجب أن نساعد بعضَنا في مثل هذه الأمور، وأن نعيد تأهيل بعضنا البعض، فإذا اجتمعنا حاولنا إصلاحَ الأخطاء التي اعترت تفكيرنا، وتوجيهَ الناس إلى الإخلاص والتواضع والمحو.. قد يفكر الآخرون بشكل مختلف في هذه المسائل، وهذا ليس من شأننا، المهم هو نحن، أين نقف وماذا نفعل؟، فعندما نضع الخطط وحتى عندما نعمل على تحقيقها؛ علينا أن نسير في الطريق الصحيح ونمثل الاستقامة، ونراعي مشاعر الآخرين..

***

[1]  بديع الزمان سعيد النورسي: الملاحق، ص 193.

شعور العبودية

Herkul | | العربية

   سؤال: يقول الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي: “إن وظائف العبودية وتكاليفَها ليست مقدمةً لثوابٍ لاحق، بل هي نتيجةٌ لنعمة سالفة”[1]، فإلى أيّ نوع أشار الأستاذ النورسي بهذا القول من شعور العبودية؟

   الجواب: إننا نستخدم مصطلحات “العبادة والعبودية والعبودة”؛ تعبيرًا عن مراحل ومراتب أداء العبودية إلى الله تعالى، فالعبودة هي أداء العبادات والطاعات بأعماقها وأبعادها، مع مراعاة شروطها الظاهرية والباطنية؛ وبتعبيرٍ آخر: هي أداء العبودية على مستوى القلب والروح، وهي بذلك تعبّر عن ذروة الأمر.

ربما لا يستطيع بعضُنا الوصولَ إلى شعور العبودية من هذا النوع؛ لأن مثل هذا الشعور منوطٌ باستشعار العبادات كلية؛ فمثلًا الصلاة، قد يستطيع أيُّ مؤمنٍ أن يؤديها مراعيًا شروطَها وأركانها؛ ولكن لا يتسنّى للجميع تحقيقُ هذا الأمر مع استشعار نشوة المعراج وكأنه يحلّق في السماوات العلى؛ حيث إن ذلك مرتبط باستشعار روح الصلاة بحقٍّ من البداية إلى النهاية؛ وهذه هي العبودة.. أما العبودية فتُطلق على ما يأتي في الترتيب السابق للعبودة، والعبادة تُطلق على أعمال معينة نؤديها لله تعالى اقتضاءً لعبوديّتنا له.

وأيًّا كان الاسم عبادةً أم عبوديةً أم عبودةً؛ فلا ينبغي للإنسان أن يقنع بعبوديته لله حيث يراها كافيةً وينتظر من ورائها مقابلًا عظيمًا. أجل، قد يُحرز الإنسان في الحقيقة الشيء الكثير بعبوديته؛ ولكن ليس من الصواب أبدًا أن يقايض العبدُ ربه بما يؤدي من عبادات له تعالى، بل يجدر به أن يقيّد كلَّ الأعمال التي يؤديها باسم العبودية بشعور الحمد والشكر العميق، وهذا ما يعبّر عنه بديع الزمان سعيد النورسي بقوله: “إن وظائفَ العبودية وتكاليفها ليست مقدمةً لثوابٍ لاحق، بل هي نتيجةٌ لنعمةٍ سالفة”؛ بمعنى أن الصواب في أن نعدَّ العبودية شكرًا لله على النعم التي أنعمَها الله سلفًا، وليس عملًا سنؤجَر عليه لاحقًا.

   عدم تقييد العبادات بالأجر

ولمزيد من التوضيح نقول: إننا نحاول الإيفاء بتكاليف عبوديتنا لله تعالى من خلال صلاتنا وزكاتنا وصومنا وحجنا، وغير ذلك من الأعمال الصالحة.. ولكننا في الوقت ذاته نرغب مقابل عبوديتنا لربنا أن تُعمَّر دُنيانا، وأن نمتلك سكنًا دافئًا كركنٍ من أركان الجنة، وأن نوهب أولادًا يُحيطون بنا ويغمروننا بالحيوية والمرح، وأن تُوسَّع أرزاقُنا، وتُيسّر أمورُنا، إلا أن التشوُّفَ لمثلِ هذه الأمور مقابل العبودية يجانبه الصواب.

دع عنك أداء العبادة من أجل إحراز النعم الدنيوية، فإن مجرد الاعتقاد بأن العبادات التي نقوم بها هي مقابل نعيم الجنة، والتشوّف إلى اكتساب هذا النعيم عن طريق العبودية إنما هو مخالفٌ من ناحيةٍ ما لشعور العبودية؛ لأنه ليس بالإمكان إحراز مثل هذه النعم الأبدية بعمرٍ قصيرٍ أنفقْنا ثلثَه في النوم، وثلثَه مع الأهل والعيال، والبعضَ الآخر في الاشتغال بالأمور الدنيوية، فمحالٌ أن نقابلَ نعيمَ الجنة بما نقوم به من أعمال، ولا يظنّنَّ أحدٌ أن نعيمَ الجنةِ حقُّ مكتَسَبٌ بما يقوم به من أعمال صالحة.

فقد جاء في الأثر عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: “خَرَجَ مِنْ عِنْدِي خَلِيلِي جِبْرِيلُ آنِفًا، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنَّ لِلَّهِ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِهِ عَبَدَ اللَّهَ تَعَالَى خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ فِي الْبَحْرِ عَرْضُهُ وَطُولُهُ ثَلَاثُونَ ذِرَاعًا فِي ثَلَاثِينَ ذِرَاعًا وَالْبَحْرُ مُحِيطٌ بِهِ أَرْبَعَةَ آلَافِ فَرْسَخٍ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، وَأَخْرَجَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ عَيْنًا عَذْبَةً بِعَرْضِ الْأُصْبَعِ تَبَضُّ بِمَاءٍ عَذْبٍ فَتَسْتَنْقِعُ فِي أَسْفَلِ الْجَبَلِ وَشَجَرَةَ رُمَّانٍ تُخْرِجُ لَهُ كُلَّ لَيْلَةٍ رُمَّانَةً فَتُغَذِّيهِ يَوْمَهُ، فَإِذَا أَمْسَى نَزَلَ فَأَصَابَ مِنَ الْوضُوءِ وَأَخَذَ تِلْكَ الرُّمَّانَةَ فَأَكَلَهَا ثُمَّ قَامَ لِصَلَاتِهِ، فَسَأَلَ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عِنْدَ وَقْتِ الْأَجَلِ أَنْ يَقْبِضَهُ سَاجِدًا وَأَنْ لَا يَجْعَلَ لِلْأَرْضِ وَلَا لِشَيْءٍ يُفْسِدُهُ عَلَيْهِ سَبِيلًا حَتَّى بَعَثَهُ وَهُوَ سَاجِدٌ.

قَالَ: فَفَعَلَ فَنَحْنُ نَمُرُّ عَلَيْهِ إِذَا هَبَطْنَا وَإِذَا عَرَجْنَا فَنَجِدُ لَهُ فِي الْعِلْمِ أَنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُوقَفُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.

فَيَقُولُ لَهُ الرَّبُّ: أَدْخِلُوا عَبْدِي الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي.

فَيَقُولُ: رَبِّ بَلْ بِعَمَلِي.

فَيَقُولُ الرَّبُّ: أَدْخِلُوا عَبْدِي الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي.

فَيَقُولُ: يَا رَبِّ بَلْ بِعَمَلِي.

فَيَقُولُ الرَّبُّ: أَدْخِلُوا عَبْدِي الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي.

فَيَقُولُ: رَبِّ بَلْ بِعَمَلِي.

فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِلْمَلَائِكَةِ: قَايِسُوا عَبْدِي بِنِعْمَتِي عَلَيْهِ وَبِعَمَلِهِ، فَتُوجَدُ نِعْمَةُ الْبَصَرِ قَدْ أَحَاطَتْ بِعِبَادَةِ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، وَبَقِيَتْ نِعْمَةُ الْجَسَدِ فَضْلًا عَلَيْهِ، فَيَقُولُ: أَدْخِلُوا عَبْدِي النَّارَ.

قَالَ: فَيُجَرُّ إِلَى النَّارِ فَيُنَادِي: رَبِّ بِرَحْمَتِكَ أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ.

فَيَقُولُ: رُدُّوهُ فَيُوقَفُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيَقُولُ: يَا عَبْدِي مَنْ خَلَقَكَ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا؟

فَيَقُولُ: أَنْتَ يَا رَبِّ.

فَيَقُولُ: كَانَ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِكَ أَوْ بِرَحْمَتِي؟

فَيَقُولُ: بَلْ بِرَحْمَتِكَ.

فَيَقُولُ: مَنْ قَوَّاكَ لِعِبَادَةِ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ؟

فَيَقُولُ: أَنْتَ يَا رَبِّ.

فَيَقُولُ: مَنْ أَنْزَلَكَ فِي جَبَلٍ وَسَطَ اللُّجَّةِ، وَأَخْرَجَ لَكَ الْمَاءَ الْعَذْبَ مِنَ الْمَاءِ الْمَالِحِ، وَأَخْرَجَ لَكَ كُلَّ لَيْلَةٍ رُمَّانَةً وَإِنَّمَا تَخْرُجُ مَرَّةً فِي السَّنَةِ، وَسَأَلْتَنِي أَنْ أَقْبِضَكَ سَاجِدًا، فَفَعَلْتُ ذَلِكَ بِكَ؟

فَيَقُولُ: أَنْتَ يَا رَبِّ.

فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: فَذَلِكَ بِرَحْمَتِي وَبِرَحْمَتِي أُدْخِلُكَ الْجَنَّةَ، أَدْخِلُوا عَبْدِي الْجَنَّةَ، فَنِعْمَ الْعَبْدُ كُنْتَ يَا عَبْدِي فَيُدْخِلُهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ.

قَالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: إِنَّمَا الْأَشْيَاءُ بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى يَا مُحَمَّدُ[2].

ويقوّي هذا الأثر قوله صلى الله عليه وسلم: “لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الجَنَّةَ“.

قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟

قَالَ: “لَا، وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ[3].

والواقع أن هذه الحقيقة التي عبّر عنها الأستاذ النورسي في بداية الحديث تستند على مثل هذه الأحاديث، لذا فعلينا ألا نستهدف من العبادات والطاعات التي نقوم بها إحرازَ سعادةٍ دنيوية أو أخروية، فنحن لا نؤدي عبادتنا لله كي يرزقَنا بالأولاد أو الأموال، بل وحتى لا ينبغي أن يكون الغرضُ من وراء هذه العبادات الوصولَ إلى نعيم الجنة والفوزَ بالسعادة الأبدية، ولا يحدونا أملُ الحصولِ على جزاءٍ دنيوي أو أخروي عند أداء العبودية.

بل إنه من الوقاحة وسوء الأدب مع الله عز وجل النظرُ إلى المسألة على أنها حقٌّ مكتسب؛ لأن عدم القدرة على رؤية نِعَمِ الله وما وراءها من يد الرحمة؛ يُعتبر نوعًا من العمى واختلال النظر، ولو نظرنا إلى المسألة من حيث المنطق الرياضي فسيظهر أنه من المستحيل الفوز بالنعيم الأبدي بعبادة قليلة تؤدَّى خلال عمر قصير، فما يليق بالمؤمن هو أن يعتبر عبادته شكرًا لله تعالى على النعم التي أسبغها عليه في الماضي، أما التشوف إلى المكتسبات الدنيوية والأخروية فهو أملٌ ورجاء من رحمة الله تعالى.

  زخات النعم

وإننا إذا ما نظرنا حولنا واستغرقنا في التأمل الأنفسي والآفاقي فسنجد أن هناك كثيرًا من النعم التي أسبغها الله تعالى علينا، حتى إنه يستحيل مقابلة هذه النعم بالعبادات التي نؤديها، والقرآن الكريم يلفت الانتباه إلى هذا بقوله: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ (سورة إِبْرَاهِيمَ: 14/34).

فقد خلقَنا الله ولم نكُ شيئًا، وأخرَجَنا إلى عالم الوجود، وهذا شرفٌ بحدِّ ذاته، ولو تعمَّقْتُم قليلًا بخيالكم فسترون كم أن العدم بئرٌ من الظلام، والوجودَ نعمةٌ من الرحمن، وبعد ذلك لم نُترَك في الوجود هكذا، بل أصبحنا من ذوي الحياة، ثم لم نقف عند مستوى النبات والحيوان، بل ارتقينا درجة، وصرنا بشرًا ذوي عقل وشعور، وعليه شكَّلْنا الكونَ وتدخلْنا في الأشياء بعقولنا وإراداتنا ومعارفنا التي وهبها الله لنا من علمه الإلهي المحيط، ولم يقف الأمر عند ذلك بل اختصّنا سبحانه وتعالى بفضله وأسبغ علينا نعمة الإيمان.

وإذا فكرنا في النعم المتداخلة التي أكرمنا الله بها فسنفهم بشكل أفضل مقدار الدَّينِ المعلّق في رقبتنا حمدًا وشكرًا لله سبحانه وتعالى.

وهكذا يجب أن نستشعر كلَّ هذا بعمقٍ عند أداء عبوديتنا لربنا سبحانه وتعالى، وعندما نستدير وننظر إلى الوراء نفكر في المراحل التي تخطيناها حتى وصلنا إلى الحالة التي نحن فيها، ونضع في اعتبارنا ونُصْبَ أعيننا ما حظينا به من النعم، ونؤدي وظيفة العبودية بهذا الشعور، وينبغي لنا أن نفكر في أن العبادات التي نقوم بها أو التي سنقوم بها إنما هي شكر على النعم التي وُهِبَتْ لنا سابقًا، فضلًا عن ذلك فليس بالإمكان أداء وظيفة الشكر بحق، ولكن من الضروري أن نحمل هذا الشعور على الأقل.

   استعظام العمل هو السبيل للسقوط والتردي

إن الإنسان إذا قدَر على أن يقول: “إنني مكلفٌ بأداء العبودية شكرًا لله على ما أسبغه عليَّ من نعمٍ لا تحصى، ولو استطعتُ لَصلّيتُ مائةَ ركعة كلَّ ليلة كما كان يفعل بعضُ السلف الصالح”؛ فإنه بذلك يكون قد وصل إلى أفق مهمٍّ للغاية، وعليه بعد ذلك أن يرفع أكف الضراعة إلى الله عز وجل كما كان في قصّة “الجرة المشروخة” ويقول: “اللّهم إن السلطنة تليق بالسلطان، والفقر يليق بالفقير”.. أملُنا في الله تعالى أن يتفضّل علينا بالثواب الجزيل على هذا القدر القليل من العبادة.

ولا يُقصد بكلامي هذا ألا نسأل الله الجنة ولا نستعيذ به من النار، فإننا ندعو الله دائمًا وبعد كل صلاة نسأله الجنة ونستعيذ به من النار، ونعتبر ذلك من مقتضيات عبوديتنا لله سبحانه، ونسأله تعالى ذلك اعتمادًا على لطفه ورحمته بنا.

وإن الإنسان الذي يسير على نهج النبي صلى الله عليه وسلم ويقتدي به هو الذي يسأل الله أن يدخله الجنة ويبعده عن النار، فهذا شيء كامنٌ في طبيعة الإنسان، لكن لا ينبغي له أن يجعل العبادات التي يؤديها علةً غائيةً لدخول الجنة أو النجاة من النار، ولا أن يربط العبادات بذلك؛ لأن غايتنا الأهم هي نيل رضا الله تعالى، وما عدا ذلك يتضاءل إزاءه، ولهذا فإن أسباب العبودية ترجع إلى أمر الله، والنتيجةُ التي تُرجى منها هي رضا الله، والثمرةُ التي تُجنى من ورائها هي الفوز في الآخرة، غير أنه يجب ألا يغيب عن بالنا أن هذه الثمرة تتحقق بلطف الله وفضله لا بِعَملِنا نحن.

وعندما ينظر الإنسانُ إلى المسألة على هذا النحو يتخلص من الغرور والأنانية، وينسلخ من كل سلوك مشِين كأن يدخل -حاشا لله- في مساومةٍ مع الله جل جلاله، وعندها يستصغر العبادات التي يقوم بها، ويطمح أن يصل دائمًا إلى عبودية أسمى وأعلى وأجلّ، ولو حتى أمضى لياليه كلها في العبادة، وصام نهارها، وأنفق ثروته كلها في سبيل الله؛ فلا يظنَّنَّ أبدًا في أنه أعطى عبادته حقّها، إذ إنّ استعظام العبادة سبيلٌ إلى السقوط والتردي، ويجب أن نعلم أن ما أديناه من عبادة أم عبودية أم عبودة -مهما كانت عظيمة- فهي صغيرةٌ في واقع الأمر، والله تعالى هو الذي يعظّم هذه الصغائر بفضله وكرمه ويمنّ علينا بالنعيم الأبدي، إنه عز وجل واسع الرحمة والمغفرة.

***

[1] بديع الزمان سعيد النورسي: الكلمات، الكلمة الرابعة والعشرون، ص 408.

[2] الحاكم: المستدرك على الصحيحين، 4/278.

[3] صحيح البخاري، المرضى، 19؛ صحيح مسلم، صفات المنافقين، 71-78.

ترصيعُ الرسالة بالفصاحة وحسن البيان

Herkul | | العربية

   سؤال: أنتم ذكرتم من قبل أنه: “من الضروريّ أن يهتم مهندسو الفكر في المستقبل بالفصاحة وحسن البيان”؛ فهلّا توضّحون لنا فكرتكم هذه بمزيدٍ من التفصيل؟

   الجواب: جاء القرآن المعجز البيان برسالة خلاصٍ وإنقاذٍ للإنسانية، وهو من هذه الناحية يحتوي أحكامًا محكمةً، ومعانيَ واسعة، ورسائل جامعة، فيعرضها ويقدّمها بأسلوب مثالي خاص به مؤثّر للغاية، ولذلك فإن القرآنَ معجِزٌ في قوّة بيانه إلى جانب أنه معجِزٌ في ثراء مضمونه ومحتواه أيضًا.

ولو أن القرآن الكريم لم يعرض رسالته بأسلوب فريد ومثالي، فلربما استطاعت فئةٌ من مخاطبيه الأوائل الذين يهتمون كثيرًا بالبلاغة والبيان أن يقدحوا فيه، إلا أننا لا نعلم نقدًا وُجِّه لبلاغة القرآن وبيانه، وهذا يعني أنهم لم يتمكنوا من العثور على أي خطإ فيه، ربما لم يقبلوا محتواه لأنهم لم يستطيعوا هجرَ عاداتهم، ولا التخلي عن تقليد أسلافهم، ولا ترك غطرستهم، ولا التخلي عن ظلمهم، ولا فهم منظوره الصحيح، أي إن السلاسلَ التي في أقدامهم والأغلالَ التي في أعناقهم كانت تمنعهم من قبول الرسالة الإلهية، وبالرغم من هذا فإنهم ما استطاعوا منع أنفسهم من التعبير عن إعجابهم بأسلوب القرآن الكريم.

وبالمثل فإننا عندما ننظر إلى كلمات مفخرة الإنسانية محمد صلى الله عليه وسلم يتبين أنه عبّر عن مقصده بأسلوب خلاب، حتى إن سيدنا أبا بكر رضي الله عنه أحد أساطين الكلام لم يستطع أن يتمالك نفسه من أن يقول أمام قوة بيانه عليه الصلاة والسلام: “لقد طفتُ في بلاد العرب وسمعتُ فصحاءَهم فما سمعتُ أفصح منك!”، لقد كان صلى الله عليه وسلم سلطانَ البيان حتى إنه قدم رسالته للناس بأسلوب عذب يداعب الأرواح، وفي نمطٍ مثالي لا تشوبه شائبة، وبأسلوب يحتوي معانيَ واسعةً عميقةً.

وعلى هذا فكما أن روعة المحتوى مهمة فإن طبيعة الصوت والروح التي ستُقدّم وتَعرِض هذه الرسالة مهمّةٌ أيضًا، إذا كنتم تريدون أن تقدّموا تلك القيم التي ورثتموها عن الماضي كي تستفيد بها الإنسانية فعليكم أن تقدموها بأسلوب يشبه الشِّعر، أي إنه بجانب إحرازِه واحتوائه الحقائقَ السامية والمعانيَ الواسعة العميقة، يجب التعبير عنها بأسلوب بياني رفيع، وهذا أيضًا يتطلّب أفقًا علميًّا وثراءً فكريًّا حقيقيًّا، وحماسًا قلبيًّا وإلهامًا جليًّا، ووقوفًا على اللغة وقدرةً على التعبير والبيان على حد سواء.

   تنشئة النخبة

مما لا شك فيه أن الحيلولة دون وقوعِ خللٍ في هذه المجالات مرهونةٌ بتنشئة طبقةِ نخبةٍ تتمتّع بثقافة عالية، والواقع أن المجتمع يعجّ بالكثير من أصحاب المواهب العلمية والفكرية والبيانية.. والمهم هو العثورُ على هذه العقول الفذة وإبرازُهم عبر توفير بيئة مناسبة، وتنميةُ مواهبهم.. تخيلوا عباقرةً وُلدوا في القرية، وإن لم تُهيَّأ لهم بيئةٌ يمكنهم فيها تطوير مهاراتهم، ولم يُهتم بتعليمهم، ولم تُمنح لهم الفرصة للتدرب على أيدي أساتذة جيدين فإنهم سيُصبحون على الأكثر رعاةً جيّدين أو مزارعين بارعين، ويستخدمون عبقرياتهم في تربيةِ حيواناتهم تربية جيدةً والعثورِ على المراعي المناسبة لها.. لهذا السبب يجب أن نبذل قصارى جهدنا لتحويل مثل هذه النوابغ الفائقة إلى شخصيات خالدة تخدم عالمنا الفكري وغايتنا المثالية ويشار إليها بالبنان.

بغض النظر عن مدى صعوبة المحاولة إلا أنه لا يمكن للجميع تحقيق هذا، ومع ذلك لا يمكن تنشئة هؤلاء ما لم تُمهد السبل في هذا الغرض.. إنكم إن تسعَوا في سبيل تنشئة جيلِ النُّخبةِ فقد بدأتْم المسيرةَ، وانطلقتم في تهيئة الإمكانات وتعبيدِ الطرق، إلا أن بعضًا فحسب من هؤلاء سيصلون إلى المستوى المطلوب؛ لأن هذا العمل يتطلّب امتلاك مجموعة من القدرات والمهارات الخاصة، وتركيزًا حقيقيًّا وعملًا وجهدًا طويل الأمد على حدٍّ سواء.

وبعبارة أوضح: إن الشخص الذي يسلك هذا الطريق يلزمه أولًا امتلاك بعض الصفات الشخصية الخاصة، ثم يأتي بعد ذلك دَورُ الانغماس بين الكتب سنوات طويلة، والاطلاع على مختلف المؤلفات، وعقد المقارنات بين النصوص المختلفة، وإخضاع ما يقرؤه للتحاليل والتراكيب.

ولا أستطيع أن أواصل حديثي دون الإشارة إلى أننا متأخرون للغاية في هذه المجالات.. للأسف، ليس لدينا اليوم عدد كافٍ من الأشخاص القادرين على إنتاجِ أعمالٍ إبداعية، وتقديمِ دراساتٍ علمية، وتأليفِ قصصٍ وروايات على مستوى عالٍ، وكتابةِ سيناريوهات دون إحداث فجوات منطقية، وليس لدينا أيضًا ما يكفي من المنتجين والمخرجين لتحويل السيناريوهات التي تُصاغ إلى مسلسلات تلفزيونية أو أفلام.

إن كنتم تريدون أن تصبحوا أصحاب الكلمة في عالم المستقبل، وتنوون التعبير عن أنفسكم في أماكن مختلفة وعبر أشخاص مختلفين فعليكم أن تُوقدوا مشاعل العلم هذه في كل مكان وتُنشئوا مفكري المستقبل.. وهذا يعتمد على معالجة القضية بروحٍ تَعْبَويّة جادة، وينبغي أن توجهوا آلاف الناس إلى طريق العلم والمعرفة، لينشأ من بينهم علماءُ ومفكرون ونُخَبٌ مؤثرة، هناك كثير من هؤلاء الناس في تاريخنا، ومع ذلك فإنهم غير ملحوظين بشكل جيد لأنهم كسلسلة الجبال المتقاربة الارتفاع، بيد أن هذه النماذج قد تمت تنشئتُها على مسافات متباينة في الغرب فكانوا أكثر بروزًا.

إننا نؤمن بأن لدينا قيمًا رائعة للغاية وأننا نمثّل حقائقَ عظيمةً، وإذا كنا نعتقد أن العالم يحتاج إليها، ونشعر بالحاجة إلى نقل هذه القيم إليهم، فعلينا أن نعلنَ النفيرَ العام من أجل تنشئة الأشخاص الذين يستطيعون القيام بهذه المهمة على أفضل وجه، وإلى جانب جمال الأسلوب والسلوك وحسن التمثيل، فإنه يتعين علينا كذلك أن نقدم رسالتَنا في صورة يقبلها إنسان اليوم، وهذا أيضًا مرهونٌ بالمواهب والملَكات التي تساعدهم على التعبير الجيد عن مقصدهم بأسلوب واضح ورفيع بحيث لا يدع أي مجال للشك أو الريب في عقل المخاطب، وتساعدهم أيضًا على الإعراب عن أفكارهم بأجمل القصائد وأسمى النصوص النثرية.

   عذوبة الأسلوب

إذا كان العصرُ الذي نعيشه أصبح عصرَ العلم والبيان، فعلينا أن نتخذ الخطوات المناسبة لهذا، يجب أن تكون لدينا قدرةٌ على البيان لدرجة تؤهّلنا من التعبير عن هدفنا بشكلٍ سلسٍ للغاية، والوقوف على الفروق الدقيقة بين الكلمات، وكتابة أعمال في مختلف فروع الأدب بحصيلة لغوية ثرية، ويجب ألا نترك أية ثغرات أو فجوات خلال التعبير عن مشاعرنا وأفكارنا، وأن نُخضع -على جناح السرعة- المعانيَ التي تلوح بذهننا لمراحل التخيل والتصوّر والتعقّل، ونضعها في أنسب القوالب، إن لم تستطيعوا تقديم الشيء الذي تتحدثون عنه -حتى ولو كان من وحي السماء- بما يتناسب قدره وقيمته فلن تكونوا قادرين على إثارة الاهتمام اللازم به، بل وحتى قد تتسبّبون بشيءٍ من رد الفعل ضده، لذا فإن هذه واحدة من القضايا المهمة التي يجب التركيز عليها في يومنا الحاضر.

من المهم جدًّا الاستفادة من الفنون اللفظية المختلفة مثل الاستعارة والكناية والمجاز والجناس والتورية لا سيما في الأسلوب الأدبي والخطابي عند التعبير عن قضية ما، ومع ذلك يظل من الضروري الحرص على عدم التكلف والتصنع في هذا الصدد، ولا ينبغي البحث عن الإعجاز والإبداع بتعابير مغلقة وغامضة ومبهمة كما يفعل بعض الكتاب والشعراء اليوم، ولا الدخول في الأوهام والخيالات للتعبير عن أنفسنا، يجب أن ننتبه إلى أن تكون الموضوعات التي نتحدث عنها ونكتبها مفهومةً؛ ولكن لا ينبغي أن نهمل العمقَ والفنَّ فيها.. إن سرَّ عمقِ القرآن كامنٌ في وضوحه، إنه كالماء النقي الصافي. أجل، هو نقيٌّ وصافٍ وبراق لدرجة توهمك بضحالته عندما تنظر إليه من الشاطئ، وتقول: إنني إن أدخلت رجلي فسيصل إلى كعبي فقط، لكنك عندما تدخل فيه تغرق.. هذا هو العمق القرآني.

وحاصل الكلام أنه لا يكفي مجرد حمل القضايا العلمية والفكرية على نحو سطحي فحسب، بل يجب أن نتحمّلَ مسؤوليةَ نقلِها وإبلاغِها للآخرين، وأن نتصرّف بحذر ووعي شديدين أثناء الإيفاء بهذه المسؤولية، ويجب أن نحدد جيدًا نوعَ وموضع الأسلوب الذي يلزم استخدامُه، وأن نقدم القيم التي نؤمن بها بأسلوب يشرح الصدور ويسعدها.

مسؤوليات رجال الخدمة

Herkul | | العربية

قد نشكو حالنا أحيانًا لأننا وُلِدنا في زمن تتراكم فيه المشكلات بعضها فوق بعض، ونبحث عن الخير والكمال كأحد متطلبات الطبيعة البشرية، ونشتاق إلى الأيام الجميلة الخالية التي كانت في الماضي، فنقول “ليتنا جئنا قبل ذلك!”، وقد تأخذنا مشاعرنا للرغبة بالعيش في زمن الصحابة أو التابعين، وأحيانًا أخرى نتنقل بين صفحات التاريخ المجيدة، ونقول كما قال محمد عاكف وهو يكتنفه شعور الحزن:

لو أنني أدركت عصر الورد لكنت عندليبه

ماذا لو أنك جئت بي قبل ذلك؟ رباه!

وأعتقد أن مثل هذه المشاعر والأفكار تجيش بها صدورُ معظمِنا.

على المرء ألا يفرّ من المشكلات التي يمر بها، وإنما عليه العمل على مواجهتها وحلها؛ فهناك أعمال كثيرة يجب أن يقوم بها الإنسان الذي خلقه الله تعالى “خليفة” له في الأرض واستعمله لإعمارها؛ وقد يرفع الله تعالى مَنْ يتعهدون بهذه الأعمال ويقومون بها إلى مقام الصحابة، وبالتالي فإن الواجب علينا هو أن نقول هكذا: “يا إلهي، لا أعرف لو عشتُ في عصر الورد مَن سأكون، أنا سعيد لأنك أوجدتني في هذا العصر، لك الشكر يا ربّ!”.

بالطبع إن كل مؤمن يبحث عن بيئة ملائمة يتمكن فيها من ممارسة القيم التي يؤمن بها بشكل مريح، إننا مثل كثير من الناس نحلم ببيئة ديمقراطية تسودها حرية الفكر والاعتقاد، ويعيش الجميع فيها كما يؤمنون، ويستطيعون بسهولة تمثيلَ القيم التي يؤمنون بها، والتعبيرَ بحرّية عن آرائهم وأفكارهم، لا شك أن العيش في بيئة كهذه يتبنى المجتمع فيها ثقافة الديمقراطية المتطورة ستقدم للناس أشياء كثيرة. لكنني على قناعة بأن تعميرَ حصن تهالكت بعض أجزائه منذ قرون، وترميمَ القيم المدمرة والمحطمة، وإعادة الناس إلى الاستقامة إنما يتمّ عبر إزالة ما في المشاعر والأفكار من انحرافات، وإعادةِ الفضائل المفقودة إلى المجتمع… والخلاصة فإن التجرّد لعمليّة الانبعاث من جديد واجبٌ فوق الواجبات وهو أكثر أهمية وفائدة.

وبالنظر إلى حجم الواجبات التي تترتب علينا اليوم ومدى أهميتها يترتب علينا أن نقول: “لِحُسن الحظ أن الله تعالى أوجَدَنا في هذا العصر!”، لأن هذا يعني تمثيلًا لوظيفةٍ تركها الأنبياء أمانة لنا ولو كان ذلك على مستوى الظلية بطول موجة تجلٍّ مختلفة تخصُّ هذا العصر، ولا شك أنه يبشرنا بأمور في غاية التميّز حين يعبر عن مظهرية مختلفة للغاية، ولا يمكن ولا ينبغي الاستخفاف بمثل هذه المظهرية والفضيلة التي قد ترقى بالإنسان إلى أوج الكمالات.

ومن ثمَّ فعلينا بدايةً أن نعرف في أي موضع نحن نقف، وما نوعُ المسؤوليات المنوطة بنا، ثم نبذل قصارى جهدنا للوفاء بحق موقعنا.. فإن تحرّكْنا على هذا المنوال فإننا نسير في طريق جيد، ويمكن للإنسان أن ينطلق وينفتح على الخلود من خلال طريق كهذا بحسب قدراته وإخلاصه.

   عمق النية

نقطة أخرى يلزم الانتباه إليها في هذا الشأن، ألا وهي أن تتم جميع الأنشطة والفعاليات بصدق وإخلاص وأن تُربط تمامًا برضا الله سبحانه وتعالى، ومن ثم ستحظى الأعمال التي يتم القيام بها على هذا النحو ببركة مختلفة، وسيحصل فاعلوها على مكافآت كبيرة؛ فالإخلاصُ لا يتعلّق بالصلاة أو الزكاة أو الصوم أو الحج فقط، على العكس من ذلك، يجب ربطُ كلِّ عملٍ يتمّ القيام به برضا الله تعالى، فالإنسان بوسعه أن يجعل غايةَ حياته العملَ من أجل الله، والبدء من أجل الله، والحديثَ من أجل الله، والنومَ من أجل الله، والنهوضَ من أجل الله، والتبسّمَ من أجل الله… إلخ. يمكن استهداف رضا الله تعالى دائمًا؛ عند إزالة حجر من الطريق قد يضر بالناس، وعند مدِّ يدِ العون للمحتاجين، وتسوية الخلافات بين الناس، وجمعِهم حول نقاط الالتقاء والاتفاق وما شابه ذلك، عندئذ سيكون مردود كل هذه الأعمال مختلفًا للغاية في الآخرة.

وزيادةً في التوضيح فإن علاج إنسان واحد أحيانًا، ومداواته وتسكين آلامه وأوجاعه، والظفرَ بدعائه قد يرفع المؤمن إلى مستوى الولاية بحسب مدى إخلاصه وصدقه، لذا لكم أن تحسبوا أنتم كم أن علاجَ السرطانات التي انتشرت في المجتمع وتطويرَ مشاريع لمنع النزاعات والصراعات على مستوى الإنسانية وربطَ ذلك بطلبِ رضا الله يمثّل عبادة شمولية كلية!

إن رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم ذو رسالة عالمية، أي إنه أُرسل إلى الإنسانية جمعاء، وواجبُنا نحن باعتبارنا أمته عليه الصلاة والسلام هو أن نتطلّع لتمثيل هذه النبوة العالمية، فإذا كنا نطمح إلى ذلك ونعيش دائمًا بهذه النية والعزم، ونُعلي دائمًا من همتنا فإن جزاءَنا وثوابنا سيكونان وفقًا لذلك؛ لأن الناس يكافَؤُون حسب نياتهم ومثابرتهم وجهودهم؛ وليس بحسب نجاحهم وما حققوه من نتائج! لماذا نقع في تشوّف أمام الله في الإطار الضيق للأعمال التي قمنا بها؟ لماذا لا نبحر في فضاء النية؟ إذا كانت الأفعال مبنية على النيات وسيجازي الله الناس على نواياهم، أليس واجبنا هو الاهتمام بالاستفادة من هذا الكم الهائل من النيات والعزائم؟!

يجب إعلاء الهمم والعزائم دائمًا، وينبغي -مثلًا- استهداف الوصول إلى كل البشرية قاطبة في المنطقة الممتدة من القطب الشمالي إلى القطب الجنوبي، ومن أمريكا إلى جرينلاند، وجمع هؤلاء كلهم حول نقاط الاتفاق المشتركة المعينة، وتحقيق التفاهم والتواؤم بينهم، يجب علينا السعي إلى ألا نترك مكانًا في العالم إلا وتصله أطياف مشاعرنا وفكرنا، فإن إعلاءَ الأهداف والـمُـثُلِ ورفعتَها هو أحد جوانب عمق النية والعزيمة، وقد يثيب الله تعالى من يعيش مشغولًا بهذه النوعية من المشاعر والأفكار كما لو أنه حقق غاياته المثالية تلك.

   الارتباط بالحقائق

يجب ألا يؤدّي إعلاء المُثُل والأهداف إلى الانفصال عن الواقع، بل يجب الانتباه إلى أن يتم تناول جميع الأهداف في إطارٍ قابلٍ للتحقيق، وعند تحديد الأهداف لا بد من وضع الزمان والمكان والإمكانيات في الحسبان، ويجب أن تُحدَّدَ بشكل صحيح الخطواتُ التي سيتمّ اتخاذُها، وتُربطَ بفصولٍ ومراحلَ معينة، فإن كان يلزم إحالة جزء من المسألة إلى الأجيال القادمة وتركها أمانة لهم فلا يجب التعجل في الأمر إذًا.

الخلاصة أنه إلى جانب عُمقِ النية وسموّ الأهداف تبقى مراعاة الواقع أمرًا مهمًّا للغاية، كما يجب أن تؤخذ في الاعتبار ظروفُ العصر، والفرصُ والموارِد البشريّة المتوفرة، والصعوبات والمشاق التي في الطريق، والعقبات التي قد تنتج عن الأرواح المعادية المنغلقة على العداء.. وبمعنى آخر، يجب تقييم قوة الأقطاب الإيجابية والأقطاب السلبية معًا، وعدم تجاهل عداوة الجبهات المعادية إلى جانب الكوادر الحالية، فإن بادرتم بفعل بعض الاعتبارات الخيالية مثل إيصال البشرية جمعاء إلى شاطئ السلامة في نفس واحد، والإطاحة بالقياصرة والأكاسرة في ضربة واحدة وقعتم حينئذٍ في اليأس بعد فترة، وشعرتم بانكسار وانكسار؛ فهذه الأمور تتعارض مع الحقائق الإنسانية والاجتماعية، ولم تحدث مثل هذه الأحداث والتطوّرات غير العادية من قبل.

والواقع أن محمد عاكف يقول في أحد المواضع:

أنقذَ ذلك المعصومُ البشرية في نفحة

وطرح الأكاسرة والقياصرة في حملةٍ

وبُعثت كل حقوق الضعيف المهضومة

وكان الظلم لا يخطر بباله زوالٌ فقُبِر وغار

إلا أنه بالنظر إلى الحياة السنية لمفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم يتضح أن خلاصَ الإنسانية لم يتحقّق في نفَسٍ واحد، ولا في حملةٍ واحدة، ويظهر أن هذه هي ثمرة حياة دامت ثلاثة وعشرين عامًا منسوجة بالألم والمعاناة، ثم إن الأمر لا ينتهي عند سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فبعد أن انتقل إلى أفق روحه وقعت إحدى عشرة حادثة ردة، واستمرّ الصراع والفتنة في الفترات اللاحقة أيضًا، ولولا وجود سادتنا أبي بكر وعمر وعثمان وعليٍّ رضي الله عنهم -وذلك في إطار دائرة الأسباب- ربما ما استطاعت هذه الأمانة أن تصل إلى حيث وصلَت؛ فقد أخمدوا حوادث الردة، وقوّموا العديد من القبائل المتمردة، وأزالوا الأخطار، وجعلوا الإنسانية يعانق بعضها بعضًا، وإن كان ذلك مؤقتًا وفي منطقة محدودة.

أجل، إن تحقُّقَ النتائج مرهونٌ بزمن معين، وليس من الممكن تحقيقها بصورة أسرع، وإنها لحقيقة أن الإمكانيات التكنولوجية قد تطورت كثيرًا اليوم، ويمكن الحصول على أشياء كثيرة بشكل أسرع وأسهل عبر تحقيق أقصى استفادة منها، ومع ذلك فإنه مهما تكن الإمكانيات التي تحشدونها، فلا يمكنكم أن تحقّقوا التأثير الذي حقّقه نبيُّنا بقوّته القدسية وبما حظي به من إلهامات ومعاملة خاصّة، ومن هذه الزاوية فإنه يلزم أن نكون واقعيين وعقلانيين للغاية في الطريق الذي نسلكه في سبيل تحقّق الغاية المثالية.

   غايتنا المثالية الفريدة

هناك الكثير من الناس في عصرنا بنوا كل مسائلهم على الشك والتردد، يعانون باستمرار من جنون العظمة، ويقولون كلما تكلموا: “تُرى هل لديهم حسابات خفية يسعون لتحقيقها؟”، لهذا السبب أشعر بحاجة إلى تقديم توضيح قصير هنا لتجنب سوء فهم هكذا: أجل، لدينا حساباتنا، ولدينا قضيتنا، ولدينا غايتنا المثالية، وهي كسب رضا الله تعالى، وكوسيلة أعظم لتحقيق ذلك تحبيبه عز وجل للناس، وكذلك تحبيب الناس بعضهم ببعض، وغالبًا ما نُحرِّم على أنفسنا التفكير في أي شيء سوى هذا؛ فمن يتمسكون بنيل الرضا الإلهي لا يطمحون إلى قصور وفيلات على مضيق البوسفور، ولا يركضون وراء شهرة ولا يطمعون في المناصب والمواقع الدنيوية؛ فقد أسلموا الفؤاد وعشقوا جَميلًا يعتبرون الانفصال عنه جل وعلا خيانة له وإهانة لأنفسهم أيضًا.

فلتعلم العوالم السبعة أنه ليست لدينا أية رغبة في شيء سوى نيل رضا الله تعالى، كل ما يهمنا هو أن نتمكن من جعل القلوب تشعر بحب الله، ومن جمع البشرية كلها حول الحب، وأن ننشئَ عالمًا لا يأكل فيه الناس بعضهم أو يضطهد أو يستغل بعضهم بعضًا.. حيث يمكن قبول جميع من فيه رغم اختلاف مواقعهم الخاصة، وتسوده روح المشاركة والتضامن، ولا يُترك المظلومون والضحايا وحدهم، نعتقد أن الإنسانية بحاجة ماسة إلى سماع صوت جديد وأن هذا لا يقل أهمية عن الهواء والماء.

إننا لا نعرف ما هو الاستغلال والانتهاز، وإن كان الجهلُ نقصًا بالمعنى العام، فإنَّ عدمَ معرفة بعض الأشياء أمارةٌ على الكمال، وكذلك لا نعرف التمييزَ والنبذ.. ونعرّف أنفسنا إزاء الألوان والأعراق المختلفة بأننا من ذوي “عمى الألوان” و”عمى الأعراق”، لدينا شعور عميق بالمحبة لدرجة أننا نريد أن نجيش كالمحيطات ونمد يد العون للجميع حتى لا يبقى هناك أحد حزين، إننا نتطلع بفارغ الصبر إلى الأيام التي تتعاون فيها البشرية وتتشارك أحزانها وآمالها فتضحك وتبكي معًا.

باختصار، نحاول إنتاج نسيج جديد يعبّر عن الحب والمودّة والرحمة، نؤمن بأنه من الأهمية بمكان أن تدخلَ المحبّة في القلوب إلى أن تمتلئ حبًّا، وأن يتلاحم الناس بعضهم مع بعض، وإننا لا نستبدل هذا بألف سلطنة دنيوية، ولا ينبغي النظر إلى هذه الكلمات على أنها شعوري الشخصي؛ على العكس من ذلك، إنني أحاول ترجمةَ شعورٍ عام.

قد يجد البعض هذه الكلمات خيالية للغاية ويرون أيضًا أننا نعيش في عالم الخيالات، لكن لا ننسَ أن للحب كرامات خاصة به، إذا كنتم تحبّون وتهتمّون وتصفحون عن العيوب فإنكم تخلقون جوًّا مختلفًا من حولكم، ومن ناحية أخرى، فإن الحب يشبه إكسيرًا سحريًّا؛ فهو من جانبٍ يُغلِق الطرق المؤدية إلى السلبية، ويُصلح بين الناس ويجمع بينهم من جانبٍ آخر.. إن العالمَ ينتظرُ أبطالَ الحب الذين يحبّون الحبّ ويكرهون الكراهية، ينتظر الفدائيين الذين يستطيعون جعل الحب هدفَ حياتهم، أَلَا تريدون أن تكونوا من هؤلاء؟

إن بديع الزمان بكلماته هذه: “ما حيلتي لقد استعجلت وشاءت الأقدار أن آتي إلى خضم الحياة في شتائها.. أما أنتم فطوبى لكم ستأتون إليها في ربيع زاهر كالجنة”[1]؛ يحفّز آمالنا ويحرك مشاعر الرجاء فينا ويشير أيضًا إلى أن العالم سيصبح ورديًّا؛ حيث ستنبت الورود في كل مكان وتصدح العنادل في جنباته، إلا أن توفر مثل هذا الجمال لن يتحقق في لحظة واحدة كما ذكرنا سابقًا، وإذا كان هذا الأمر مرهونًا بوقت معين، فلا يمكننا تغييره، يجب أن نكون عقلانيين في هذا الصدد، وأن نتعامل مع الموضوع في إطار خطة وإستراتيجية معينة أثناء تحقيق ذلك.

والأهم من ذلك، أنه يجب علينا أن نسعى إلى نثر البذور في كل مكان وتحويل كلِّ الأماكن إلى ربيع، مهما كانت الظروف شديدة، يجب ألا تغير طريقَنا ومنهجَنا شدّةُ الفصول والأوضاعُ المختلفة وهجومُ العالم علينا.. لا يجب أن نعلق بالرياح أو العواصف التي تهب، ولا يجب أن نتفرق أمامها، يجب أن نحاول في كل موسم القيام بما يلزم القيام به حسب ظروف ذلك الموسم، وحتى وإن أجرينا بعض التغييرات في خططنا ومشاريعنا حسب الظروف وضَبَطْنا سرعتنا بحسب حالة الطريق، فيجب علينا أن نواصل الركض مثل عدَّاء في الماراثون.

***

[1] بديع الزمان سعيد النورسي: الملاحق، ص 350.

صِفَتان في رَجُلِ التبليغ

Herkul | | العربية

   سؤال: يقول ربنا سبحانه وتعالى في سورة “يس”: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (سورة يس: 36/21)، فما الرسائل التي يحملها هذا البيان الإلهي لرجال التبليغ اليوم؟

   الجواب: تتعرض القطعة الثانية من سورة “يس” إلى الحوار الذي دار بين أصحاب القرية، وقد أرسل الله تعالى إليهم رسولين فكذبوهما، فعزَّزَ الرسولَين بثالث؛ لكن وضعَ القرية لم يتغير، وواصَلوا كَيلَ الاتهامات للرسلِ بالكذب، وجرِّ الشؤمِ عليهم، وهدّدوهم بالرجم والعذاب والأذى إن لم ينتهوا عن دعوتهم إلى الله تعالى.

وفي تلك الأثناء جاءهم رجلٌ من “أقصى المدينة”، ويُفهم من هذا التعبير أنه كان يعيش في الطرف الآخر من المدينة أو أنه شريفٌ من الطبقة الأرستقراطية، فأوصاهم وقدَّمَ النصيحةَ لهم باتباع الرسل، وكان مبرِّرُه في ذلك أمرين، الأوّل: أن هؤلاء الرسل لم يطلبوا منهم أجرًا، والثاني: أنهم مهتدون.. وكما لم يُصرِّح القرآن الكريم باسمِ مؤمنِ آلِ فرعون الذي أسرع لنجدة سيدنا موسى عليه السلام فكذلك لم يصرّح هنا باسم ذلك الرجل الذي جاء أهلَ القرية ناصحًا، وترى أغلبُ التفاسير أن البلدة المذكورة هنا هي “أنطاكية”، وأن الرسل المبعوثين هم من حواريي سيدنا عيسى عليه السلام، وأن ذلك الرجل الذي جاء لنجدتهم هو “حبيب النجار”؛ لا سيما تفسير “حَمّامي زاده” (ت: 1846م) من علماء الدولة العثمانية، فقد جاء فيه معلومات مفصَّلة حول هذا الموضوع، وقد لاقى هذا الرأيُ نوعًا من القبول بين الناس، فضلًا عن ذلك يوجد في مدينة “أنطاكية” مسجدٌ يحملُ اسمَ “حبيب النجار” بالفعل، وبداخله ضريح يُنْسَبُ إليه.

والواقع أن القرآن الكريم لم يصرح بالزمان ولا بالمكان ولا باسم الشخص في هذه الآية؛ حتى يجذب انتباهنا في الأصل إلى الرسالة التي ينبغي التركيز عليها، ولذلك ليس من الصواب البتُّ في المسألة، ومن الضروري توخّي الحيطة والحذر في الأمور التي سكت عنها القرآن الكريم، فإن كان لا بدّ من تقديم تفسير أو تأويل فالأفضل هو ترك مجال النظر مفتوحًا فنختم قولَنا بعبارة: “والله أعلم”، ولا بد من تبنّي هذه النظرة عند النظر إلى الشروح والتأويلات المندرجة في التفاسير المتعلقة بأمورٍ لم يأت فيها نصٌّ صريحٌ في الكتاب والسنة، وبصرف النظر عما إذا كان هذا التفسير لـ”فخر الدين الرازي” (ت: 606هـ) أو لـ”البيضاوي” (ت: 685هـ) أو لـ”أبي السعود أفندي” (ت: 982هـ) أو لغيرهم فالأصلح هو تناول المسألة بحيطة وحذر، وتذييل الكلام بقول: “والله أعلم بالصواب”.. وكما أن الحَجْر على التفاسير الأخرى وضربَها بعرض الحائط فيه ما فيه من الوقاحة وسوء الأدب فكذلك ليس من الصواب اعتبار هذه التأويلات هي الحق والصواب القاطع، والأفضل إزاء مثل ذلك أن نقول: “فيه نظر”، وألا ننكرَ احتماليّةَ كونها صحيحة.

وبعد هذا الشرح الموجز لأصول التفسير لِنُلْق نظرة إلى كلمات “حبيب النجار” عن قرب، فبدايةً نجد أنه يستهل كلامه قائلًا لقومه: “يَا قَوْمِ”، وهي عبارةٌ يكتنفها اللين والشفقة؛ لأنه بهذه العبارة يكشف عن اهتمامه وعلاقته بقومه، ويومئ إلى أنه نشأ معهم في البيئة نفسها، وشاركَهم الثقافةَ عينها، وهو نفس الأسلوب الذي استخدمه الأنبياء مثل سيدنا نوح وسيدنا هود وسيدنا صالح وسيدنا موسى عليهم السلام مع أقوامهم؛ وهذا يعني أن أسلوب الخطاب عاملٌ مهمٌّ في قبول المخاطب للرسالة باستحسان واحترام.

بعد هذا الخطاب يقول: ﴿اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ (سورة يس: 36/20)، ولا يكتفي بذلك بل يوضح السبب قائلًا: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (سورة يس: 36/21)، ليلفتَ الأنظار إلى استغناء هؤلاء الرسل، وعدم تشوُّفهم للأجر، وكأنه يريد أن يقول: إن هؤلاء الرسل قد اجتازوا الطرق الطويلة، وتجشّموا كثيرًا من الصعاب، وعرّضوا أنفسهم للخطر؛ حتى يدّلوكم على طريق الصواب ليس إلا، ويبلِّغوكم الحقّ والحقيقة، ورغم ذلك لم يطلبوا منكم أجرًا مقابل قيامهم بوظيفتهم، ولم يطمعوا في أيِّ مقابلٍ مادّيٍّ أو معنويّ جزاء تقبّلكم للحقائق، بل ولم يسألوكم مكانًا يأوُون إليه ويرقدون فيه.

وكذلك لم يتشوّف هؤلاء الرسل إلى أيِّ مقامٍ مقابلَ تعريفِهم إياكم بربِّكم، وإرشادِهم إياكم إلى طريق الجنة، وتوجيههم لكم، بل وحتى لم يطلبوا منكم إعزازًا ولا تقديرًا ولا تصفيقًا ولا مكافأةً؛ ولذلك فإن إصغاءَكم لدعوتهم لن يعودَ عليهم بمنفعة، ولن يرجع عليكم بأيّ ضررٍ أو حرمان.

ثم يشير “حبيب النجار” بقوله: “وَهُمْ مُهْتَدُونَ” إلى أن هؤلاء الرسل يسيرون على الجادة وطريق الهداية، ويُفهم من ذلك أن هؤلاء الرسل قد كشفوا بمظاهرهم وأحوالهم وتصرّفاتهم وسلوكياتهم عن صورة بشرية مقنعة وموثوق فيها، فلم يرتكبوا إثمًا، ولم يقترفوا ذنبًا، ولم يتعرضوا لأحد بأذًى، وقد اطّلع أهل المدينة على سلوكياتهم، وتعرّفوا إليهم عن قربٍ، وشهِدوا على حَيطَتِهم وحَذَرهم.

بمعنى أنهم كانوا مؤمنين صالحين إذا رأيتَهم -كما جاء في الحديث الشريف- ذكّروك بالله؛ لأن التعبير باللسان فقط عن سيرهم على طريق الهدى لا يجدي شيئًا، فإن لم يكن أهل المدينة قد تعرفوا عليهم بالمعاملةِ والمعشَرِ لقالوا: “ما أدرانا أنهم على طريق الهداية؟!”، إن هؤلاء الرسل بالفعل قد خلَّفوا أثرًا وراءهم اتخذَ من خلاله “حبيب النجار” دليلًا على وجوب اتباعهم والاقتداء بهم.. وباختصارٍ فإنّ هؤلاء الرسلَ رغمَ ما كابدوه من معاناة طويلة إلا أنهم لم يتشوّفوا إلى شيء، ولم يسألوا الناس شيئًا.. ليس ذلك فقط، بل مع ذلك فقد أحسَنوا تمثيلَ الدعوة وتجسيدَها بمعيشتهم وأحوالهم.

ومما يلفت الانتباه أن كلمة “مُهْتَدُونَ” جاءت في جملة اسمية، ومن باب “الافتعال”، ومجيئُها في جملة اسمية يدل على الثبات والدوام، ويبين أنهم لم يغيروا من طَورهم وسلوكياتهم ألبتة، بل ظلُّوا دائمًا يسيرون على الهداية والاستقامة، أما مجيء اللفظ من باب الافتعال فيشير إلى أنهم جعلوا الهداية بُعدًا من أبعاد طبيعتهم، فمن الأهمية بمكان أن يكون الصدق والاستقامة جزءًا من طبيعة الإنسان، وأن يكتسب سمةَ الدوام والاستمرارية.

والواقع أن الحفاظ على الإخلاص والاستقامة أمرٌ صعبٌ لا يتيسّرُ للجميع، ولا شك أن الذين يمثلون أعلى ذرى الإخلاص هم الأنبياء، وكما أنهم لم يتشوفوا إلى أي أجرٍ مقابل قيامهم بوظيفة التبليغ فكذلك لم يفكّروا في أن يتركوا ثروةً من ورائهم؛ فقد ارتحل خاتمُ الأنبياء صلى الله عليه وسلم إلى أفق روحه ودرعُه مرهونة عند يهودي، ولم يترك لأزواجه الطاهرات إلا ما يكفيهن قوت يومهن.

وكذلك جعل الممثلون الصادقون لنهج النبوة الإخلاصَ وعدمَ التشوف للأجر مبدأً حياتيًّا لهم، ويمكن القول إن أعظم مَن مثّل هذا الأمر بعد النبي صلى الله عليه وسلم هم الخلفاء الراشدون وسيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنهم، غير أن الكثيرين لم يمثلوا ذروة الإخلاص، ولكن حقّقوا نوعًا من الاستقامة والعدالة النسبية ، ولم يوفّقوا إلى تحقيق العدالة المحضة الحقيقية، فكان قبولهم بقدر قربهم من الحقيقة.

يقول الأستاذ النورسي رحمه الله في “المكتوبات”: “نحن مكلَّفون باتباع الأنبياء من أجل نشر الحق وتبليغه”[1]، ويذكرنا في هذا السياق بالآية التي تقول: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللهِ﴾ (سورة هُودٍ: 11/29)، وهي مدلول كلام “حبيب النجار”، والصوت والنفَس المشترك لجميع الأنبياء، ولهذا لم يقبل الأستاذ النورسي هدية من أحد، وفضلًا عن عدم قبول الهدية فقد عاش حياة بسيطة متواضعة، وكان يقدِّم كشفَ حسابٍ دائمًا عن معيشته، وبذلك جنّبَ نفسَه الطعنَ فيه والنَّيلَ منه، فلم يجرؤ أحد أن يقول: “لقد اشترى كذا، وأكل كذا، وجمع كذا، وقد كان يملك من الثروات في مكان كذا وكذا”، وبذلك أشار وعبّر في أبهى حلة وتمامِ جِدّيّةٍ عن إمكانيةِ وراثةِ دعوى النبوة.

إن السير على طريق الهداية، وعدم التشوف لأجر مقابل الخدمات المبذولة؛ من الأسس الحياتية المهمة بالنسبة لأبطال التبليغ اليوم، فالوظيفة التي تقع على عاتقهم اليوم هي أن يكونوا محتسبين غير متشوفين لأجر مهما كلفهم ذلك، حتى إنه ينبغي ألا تكون الغاية الأساسية من هذه الخدمات هي الفوز بالجنة أو النجاة من النار، وإن كان لا بد من طلب الجنة فلا بد أن يكون هذا أملًا في فضل الله ورحمته وكرمه، وكذلك النجاة من النار لا بد أن تكون مرهونة بمغفرة الله ورحمته الواسعة التي سبقت غضبه.

ولا يصح استغلال الخدمات المبذولة في سبيل الله في الحصول على شيء مادي أو معنوي، دنيوي أو أخروي، بل لو افترضنا محالًا أن مقام “الجيلاني” قد قُدِّم إليكم على صينية من ذهب، وقيل لكم: “هذا مقابل ما بذلتموه من خدمات”، فينبغي أن يكون ردُّكم: “إنَّ ربطَ الخدمات المبذولة بمقابلٍ مثل هذا لهو شيءٌ زهيدٌ جدًّا؛ لأننا لا نرغب إلا في رضا الله ومرضاته فحسب”.

وإن ماهية الفوز برضا الله، والوصول إلى المعية الإلهية لا علم لنا بها، ولا سبيل لنا أن نتنبّأ كيف سيظهر لنا ذلك في الآخرة، ولا نستطيع أن ندرك مدى الانشراح الذي سيُحْدِثه في قلوبِنا قولُ الله تعالى لنا: “إني راض عنكم”، ولا قدرَ اللذة العظيمة التي سنعيشها من فورنا عند حدوث ذلك، ولا صنوفَ النعيم التي ستُشعرنا بها هذه الكلمة، ولكننا نعلم انطلاقًا من الآية الكريمة التي تقول: ﴿وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (سورة التَّوْبَةِ: 9/72)، أنه ليس هناك نعمة أعظم من رضا الله، ولذلك فإننا لا ننشد غيره.

أجل، يجب ألا يكون هدف الذين يسعون في طريق الخدمة الإيمانية والقرآنية سوى رضا الله تعالى فحسب، وألا يفكروا في شيء غير هذا، وألا يتخذوا خدماتهم وسيلةً لنيل مقام أو منصب أو شهرة أو أي مكاسب دنيوية، أو لإظهار أنفسهم، وأن يعبروا عن أفكارهم هذه في كل زمان ومكان، وأن يؤكدوا بكل الوسائل أنهم لا يسعون وراء الدنيا، ولا يطلبون إدارةً أو حكمًا، وليس لهم أية أغراض سياسية؛ لأننا في عصرٍ يعاني فيه كثيرون من الهوسِ وجنونِ العَظَمة ويتحركون وفقًا لأوهامهم، قد أسَرَتهم مطامعُهم، وجعلوا أفكارهم ومشاعرهم رهينةَ آمالهم وتطلُّعاتهم، ويظنُّون الجميع مثلهم، ولذا فثمة حاجة ماسة إلى أن نعبّر في كل مناسبة أننا لسنا هكذا، وأن نكذِّب ذلك عن طريق الفعلِ والحالِ أيضًا.

[1] بديع الزمان سعيد النورسي: المكتوبات، المكتوب الثاني، ص 15.

القيم الأوْلَى بمزيد من الاهتمام

Herkul | | العربية

إلى اليوم والتعريف بالإسلام -مع الأسف- يجري بشكل خاطئ للغاية، مما أدى إلى تشكُّلِ تصوُّرات وانطباعات خاطئة عن الإسلام والمسلمين، بالإضافة إلى أنه لم تَعُدْ لدى الغالبية العظمى من المسلمين -وليس الذين يدينون بديانات مختلفة فقط- معرفةٌ سليمة بالذات الإلهية، لدرجة أن مفهوم الذات الإلهية أصبح عرضةً لمفاهيم قاصرةٍ منحرفةٍ، كما أُطلِقت في المحافل المختلفة ادعاءات وافتراءات لا يتصوّرُها العقل حول شخصية سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونبوّته وزواجه وهجرته ومناحي حياته الأخرى؛ بشكلٍ يُشْعِرُ بالحرج من نقلها والكشفِ عنها.

   التكامل بين المعاناة والحركة

وإن إنقاذَ الإنسانية من مثل هذه المفاهيم الخاطئة، وتصحيحَ الأفكار المغلوطةِ المتعلقةِ بالألوهيّةِ والنبوّةِ، وحسنَ شرح الحقائق الدينية لَمِن صميمِ المسؤوليات الواقعة على عاتق جميع المسلمين اليوم، فإن لم يستطع هؤلاء التعبير عن ربهم ونبيهم اللذين يؤمنون بهما فمن يستطيع إذًا؟! ليس الحلُّ هو الشعور بالغضب والاستياء من الأفكار الخاطئة الضالة، ولا الحزنُ إزاء تدحرج الناس في جهنم، ولا البكاءُ والتحسّرُ على وضع المسلمين البائس، ولا تسطيرُ ملاحم حماسية متعلّقة بالإسلام، وإنما المهمّ هو الكفاح والسعي والمحاولة الدؤوبة للقيام بشيء ما.

إن الألم الذي يشعر به المرء إزاء جهلِ الإنسانية، وبُعدِها عن دينها، وعدمِ معرفتها بربها يجب ألا يكون مجرد تنهيدة جافة.. ومما لا شك فيه أن لمثل هذه التنهيدة والألم والمعاناة أهميةً أيضًا، فَحالُ الإنسان الذي يتضعضع أمام مشاكل الإنسانية، حتى يفرّ النوم من عينينه، فيغدو ويروح كالمجنون؛ إنما هو جدير بالتقدير والإعجاب.. وهو دليلٌ على رحابة شفقته، وعظمة حساسيّته ودقّته، ولكن المهم هو أن يتحول هذا الانفعال الداخلي إلى واقع عملي، فبدلًا من أن يترنح الإنسان يمنة ويسرة كالمجنون عليه أن يتجول بين الناس، وأن يبذل سعيه على الدوام، فمن جهة يسعى لأن يكون نموذجًا إسلاميًّا يُحتذى به، ومن جهة أخرى ينفذ إلى قلوب الآخرين بصوته ونفَسه الممتلئين بالصدق والإخلاص بينما يعرض نموذجًا طيبًا عن الإسلام.

أجل، لا يجدر بالفرد أن يقف عاطلًا، بل عليه أن يحوِّل أفكاره ومشاعره إلى عمل واقعي، وأن يسعى إلى استخدام كل ما يملك من إمكانيات في سبيل مالك الملك سبحانه وتعالى، فمثلًا أرباب القلم عليهم أن يستخدموا قلمهم في التعريف برب العالمين والتبليغ عنه، وليس من أجل التعبير عن أنفسهم بعبارات مُنَمَّقَة؛ فالإنسان الذي يتمتع بالقدرة على نظم الشعر لا ينبغي له أن يثرثر بكلام لا معنى له ولا غاية، بل يعمل على إثارة الحماس في القلوب إزاء القيم التي يؤمن بها، فلا يتحرك بمنطق: “الفن من أجل الفن”، بل يستعمل كل ضروب النظم والنثر ليكون صوتًا ونفَسًا للحق والحقيقة.

وبغض النظر عن العمل الذي يضطلع به الكاتب سواء أكان قصة أو رواية أو سيناريو لفيلم فلا بد من سمو الغاية التي يصبو إليها، وإبراز منظومة قيمنا الذاتية من خلال هذا العمل، ولا تُهمَل أية ساحة تعود بالنفع على الناس. 

فعلى من لديهم القدرة على الخطابة والإلقاء وتأليف القصص ونظم الأشعار والمدائح وكتابة السيناريوهات أن يعبروا بخطبهم وبياناتهم وقصصهم وأشعارهم ومدائحهم وأفلامهم ومسلسلاتهم عن عصمة الرسول صلى الله عليه وسلم وصدقه وفطنته بكل أبعادها، وأن يزيلوا من الأذهان كلَّ شكٍّ أو شبهةٍ تدور حوله، فلا يبقَ في الأذهان أدنى شكّ في هذه الشخصية الفاضلة؛ لأنه بقدر قوة إيمان الناس بمفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم تكون درجة التفافهم حول الرسالة التي جاء بها إليهم، وأيُّ شكٍّ أو شبهة تجاهه يتبعُها شكٌّ وشبهةٌ في رسالته معاذ الله!

   تعريف الإنسانية برسول الله صلى الله عليه وسلم

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر، وليس بإله، فهو شخصية عظيمة، صنعه الله على عينه؛ لتحيا الإنسانية بفضله من جديد، ويتحقق على يديه -بإذن الله- انبعاثٌ جديد على مستوى العالم، فكما أن إسرافيل عليه السلام يكون سببًا في بعث الموتى عند نفخه في الصور، فكذلك هو صلى الله عليه وسلم، اختصه الله تعالى بمهمة بعث الإنسانية من جديد بعد أن ماتت روحًا ومعنى، فلا يصح النظر إليه على أنه إنسان عادي، ولا اعتبارُه شخصًا متوسّط المستوى، ولا التشكيكُ فيه، ولا المساءلة عنه، وإنَّ تعريفَ الآخرين بذلك يُعدّ مسؤولية عظمى تقع على عاتق الذين تعرفوا عليه بشكلٍ يتناسب مع قامته وقدره العظيمين.

وبغض النظر عن الوسيلة سواء أكانت شفهية أو كتابية أو مرئية أو مسموعة فلا بد من استغلالها جميعًا في هذا الاتجاه، وأن نزرع في قلب الإنسانية بقصصنا وأشعارنا ومسلسلاتنا وأفلامنا محبةَ النبي صلى الله عليه وسلم وفكرةَ النبوة الصحيحة، كثيرًا ما شاهدتُ فيلم “الرسالة” للمخرج مصطفى العقاد، ورغم ما فيه من أخطاء وقصور وثغرات منطقية ففي كل مرة أشاهده يطبع في نفسي تأثيرًا مختلفًا عميقًا؛ فكما يقول المثل العربي: “ليس من رأى كمن سمع”، ورغم معرفتنا بأنه لا يعدو كونه فيلمًا إلا أننا لا نستطيع أن نخفي إعجابنا بالرسالة التي يقدمها، والانقلاب الذي يُحدثه، والتغيير الذي يحققه.

فلِمَ لا نقدم الأفكار البلورية حول النبي صلى الله عليه وسلم بحيوية هذه الأفلام والمسلسلات على الأجيال الشابة؟! ولِم لا نثير في الناس تعاطفًا قلبيًّا تجاهه صلى الله عليه وسلم باستغلال كل التقنيات والإمكانيات المتوفرة في عصرنا؟! ولم لا نُظهر الحلول والوصفات العلاجية التي قدمها النبي صلى الله عليه وسلم للمشاكل المتداخلة التي تعيشها الإنسانية اليوم؟! والأكثر من ذلك لم لا نزرع في نفوس الجميع أن السيدة عائشة رضي الله عنها هي واحدة من أمهات المؤمنين المباركات التي تتوَّج بها الرؤوس؟! ولم لا نظهِر -عن طريق الأفلام والمسلسلات- عظمةَ سادتنا أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين؟! ولم لا نُصلِح ما تسببه بعضُ المتكلمين من تشقّقات وتصدّعات حول سيرة الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين؟!  

إن كل واحدة من هذه المسائل تعدّ بذاتها وظيفة ملقاة على كل من يحمل حبًّا وتقديرًا واحترامًا للصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، فقد أسهم هؤلاء الصحابة بدور كبير في نقل الإسلام غضًّا طريًّا إلينا، وصانوا الدين بأرواحهم، ونشروه بكل أرجاء العالم، ونقلوه إلينا بشكل صحيح، وتكفلوا بفهمنا الصحيح له عبر تمثيلاتهم الدقيقة وتفسيراتهم العميقة.

فثمة حاجة ماسة لتعريف الإنسانية من جديد بمفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضوان الله عليهم الذين نصروا الدين وذادوا عنه، وألا نتناول المسألة على أنها مجرد حكاية لحدث من أحداث السيرة أو عرض تسلسل زمني للأحداث، بل يجب سبر أغوار كل حادثة، وإسقاطها على الواقع، والتعامل مع عصر السعادة بمنطق فقه السيرة، وأن نكشف عن جانب فطنته صلى الله عليه وسلم، وهو جانبٌ عميقٌ وصعب المنال من خلال الأحداث الواقعية.

   ما يجبُ تصويب الهمّة نحوه

إن الوظيفة الأهم التي تقع على عاتقنا هي إعادة وضع القيم التي نُسيت وشوِّهت وحرِّفت في موضعها الصحيح، وعدم السماح لإثارة الشبهات حولها أو زعزعتها من قِبل البعض، ولذلك فإن الحاجة تدعو إلى تكثيف الهمة حول هذه النقطة أولًا، ويجب أن يستعمل الجميع كل إمكانياتهم وقدراتهم في هذا السبيل؛ ويجب على صاحب الصوت الجميل بنغماته، وصاحب البيان بكلماته، وأرباب القلم بأقلامهم، وكتّاب السيناريو بأفلامهم أن يسعوا جميعًا إلى بث شعور التوقير والاحترام في القلوب إزاء الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وكتابه الكريم.

وإذا ما نظرنا إلى حياة الأستاذ النورسي رحمه الله رحمة واسعة لألفيناه يحدد الأَوْلوِيات جيدًا، ويركّز ويكثّف همته على المسائل الأهم؛ لأنه أحسنَ قراءة عصره، فعمِل بما تقتضيه ظروف زمانه، وركّز على المسائل الإيمانية، وأسدى خدمات مهمّة للغاية مع حفنة من أتباعه المخلصين الملتفين حوله.. المهم هو تحديد مشاكل العصر واحتياجاته بشكلٍ صحيح أولًا، ثم اغتنام الفرص جيدًا، ثم تقديم الحلول المناسبة التي تفتّقت عن إعمالِ الذهن وتلاقحِ الأفكار.

باختصار لا بدّ من تنحية المسائل الفرعية جانبًا، والتركيز على ما يجب التركيز عليه، وإلا ما استطعنا حل المشاكل القائمة، أو التعبير عما نريد التعبير عنه، وربما هذه هي النقطة التي قصّرنا فيها، ولم نركّز عليها بقدر الكفاية.

مواجهة النفس إزاء حسد الحاسدين

Herkul | | العربية

   سؤال: إن الخدمات التي يُسعى لإنجازها على مستوى العالم عبر تحمُّلِ تضحيات كبيرة وحقيقية، ومكابدة الغربة والحرمان قد تنظر إليها بعض الأوساط الدينية نظرةَ شكٍّ وريب، وقد يدعمون حملات التشويه والتشهير ضدها؛ فكيف تُقيّمون ذلك من وجهة نظركم؟

   الجواب: تحققت في تاريخنا الإسلامي إنجازاتٌ ونجاحات مهمة للغاية في مسألة خدمة الإسلام الدين المبين، ولا يمكننا التقليل من أهمية الخدمات الأسطورية للعثمانيين على وجه الخصوص، ولا نستطيع تجاهل اضطلاعهم بدور مخفر الشرطة في حماية العالم الإسلامي، وريادتهم له عدة قرون.. وحين ننتقل إلى الدار الآخرة سنرى ونفهم ما الذي تعنيه وتساويه كل هذه الجهود والمساعي لدى الحضرة الإلهية.. إلا أن لكل زمان حكمَه وظروفَه؛ إذ إن الخدمات التي يجب القيام بها إبان فترة يُتَّجه فيها نحو العولمة، ستكون أكثر اختلافًا من حيث طبيعة العمل.. وإذا تناولنا المسألة بفلسفة الإمام الشافعي أمكننا القول: “رضي الله عن أسلافنا أبدًا؛ لقد أنجزوا أعمالًا عظيمة بالنظر إلى ظروف عصرهم الذي عاشوه، لكنهم ومع ذلك فقد تركوا لنا أعمالًا كثيرة تنتظرنا كي نقوم بها”.

لقد فعلوا ما أمكنهم فعله بحسب ظروف الفترة التي عاشوها، وحملوا الأمانة بحق وسلموها إلى الأجيال اللاحقة.. ومع ذلك، وبقدر ما فعلوا وأنجزوا من أعمالٍ فقد فاتتهم أعمالٌ كثيرة أخرى، وهذا يعني أن الظروف لم تكن مواتية لتلك النوعية من الأعمال، كان من الصعب للغاية القيام بذلك على ظهور الجياد أو البغال أو الإبل، غير أنه في يومنا الحاضر يمكن إنجاز الأعمال المخطط لها وتنفيذها بشكل أسرع وبصورة أكثر عملية، وذلك بفضل إمكانيات الاتصال والتواصل التي تطورت.. لقد وضع الله سبحانه وتعالى التكنولوجيا والتقنية الحالية تحت تصرف أجيال اليوم، فانفتح المتطوعون على جميع أنحاء العالم عبر إجادتهم استخدام هذه التقنيات، وحققوا نجاحات عظيمة في البقاع التي ذهبوا إليها.

   المحاسبة ومواجهة النفس

نحن نعلم أن من قَدَّر كلَّ هذه المحاسن هو الله، ونقول دائمًا مثلما قال “الشيخ محمد لطفي أفندي”: “نعمة لم أكن أنا الحقير أهلًا لها، فما سر هذا اللطف والإحسان؟!” لأن الخدمات التي أُنجِزت حتى اليوم تكشف أن ثمة توجهًا إلهيًّا حاضرًا في المسألة يفوق بكثير الاستعداد والجدارة، فالله يبث عشقًا وحماسًا حقيقيًّا في قلب الأمة، وهي أيضًا تبذل قصارى جهدها في سبيل إعلاء كلمة الله؛ فتلتف حول الخدمات التي تجدها معقولة وتسعى إلى الوفاء بما يقع على عاتقها من مسؤولية في سبيل إقامة صرح روح الأمة.

إنني أندهش حين أرى عشق الهجرة والخدمة لدى الإخوة المنتشرين في بلاد مختلفة تاركين وطنهم ومنازلهم في سبيل حمل قيمنا الخاصة إلى جميع أنحاء العالم.. إنني أحار أمام الرغبة والحماس اللذين يمتلكونهما، والاتساق العالي الذي يظهرونه.. هذا يعني أن هناك دفعًا وسوقًا إلهيًّا؛ لأنه يستحيل على المنطق البسيط تفسيرُ انفتاحِ هؤلاء الشباب على كل أرجاء العالم وإنجازهم أعمالًا مُبهرة في مثل هذه المرحلة وقد داسوا كلَّ رغباتهم وأهوائهم بأقدامهم في مرحلة عمرية تتدفّق فيها دماؤهم نحو الدنيا والرغبات الجسمانية، ولما يكتسبوا بعد خبرة معيشية كبيرة، وقد تخرجوا حديثًا في الجامعة، ليس هذا سوى لطفٍ إلهيٍّ عظيم.. وما تجاهلُه ولا عدمُ تقديره أو شكرِه إلا نكرانٌ لنعمة الله تعالى.. كما أن عدم الدعاء لهؤلاء الرفاق يعتبر عدم وفاءٍ لهم، نسأل الله أن يمُنَّ على جميع إخواننا الموجودين في مختلف نواحي الحياة وأرجائها بالاستقامة، ويثبِّتهم، ويُوفِّقهم إلى تحقيق نجاحات أكبر وأعظم بكثير.

إننا إن نربط الأعمال التي تم إنجازها بذكائنا وإرادتنا وقوّتنا وقدرتنا نكنْ قد أشركنا عن غير قصد، وجعلنا أنفسنا -حاشا وكلا- شركاء لله في شؤونه وأفعاله، كما أن موقفَنا هذا يمكن أن يثير الحسد والغيرة ويؤدي بالآخرين إلى بعض الاختلالات والوقاحات والتجاوزات.

أعتقد أن لدينا بعض أوجه القصور في هذا الموضوع، وكما قال بعضهم؛ فقد وقعنا من فينة إلى أخرى في ملاحظات من قبيل: “نحن أحفاد عِرق يصنع الأبطال!”، لقد عجزنا عن إدراك أن الله الذي تتجلى قدرته في إنجاز الأعمال العظيمة من عناصر صغيرة بسيطة، قد منَّ بذلك علينا أيضًا، لم نتمكن من التصرف وفقًا لهذه الفلسفة والفهم.. ربما نكون قد أزعجْنا الآخرين بمواقفنا وسلوكياتنا دون أن ندرك ذلك، فتسببت مواقفنا في خلق نوع من ردِّ الفعل لديهم بفعل تأثير لا يمكننا معرفته، وحتى لا يُفهم خطأ؛ إنني لا أستخف بأحدٍ يدافع عن الخدمة الإيمانية والمهمة القرآنية، فلكلٍّ منهم قيمةٌ وقدرٌ مستقلَّين في نظري، لكنني أقول هذا إيفاءً بحق الله ومواجهة لأنفسنا.

واجبنا هو مراقبة أنفسنا بشكل مستمر والتحقق من جميع الأعمال التي نقوم بها، يجب أن نسأل أنفسَنا دائمًا: تُرى هل نحن على الطريق الصحيح؟ هل يمكننا فعلًا تقديم الخدمات التي نقوم بها دون الدخول في أية تشوُّفات دنيوية أو أخروية تتعلق بالمستقبل؟ إنني شخصيًّا، أعتبر قولَ: “إلهي، إننا نسعى ونضحي في سبيل إبلاغ الآخرين بثقافتنا وقيمنا.. أرجوك أدخلني الجنة!”؛ سوءَ أدب مع الله تعالى، إنني لا أستسيغ لنفسي ولو حتى التشوف إلى شيء أخروي إلا رضاه جل وعلا، أسأل الله دائمًا أن يُحَوِّل إدبار أمتنا التي انحنى ظهرها إلى إقبال، وأن يُقوِّم احديداب العالم الإسلامي، وأن تتمكن الإنسانية من العيش في سلام وطمأنينة، وأعتبر ما دون ذلك من طلب للرغبات الجسدية والبدنية مثل نيل الجنان والحور العين والقصور سوء أدبٍ من حيث صلتي بالله، وأستعيذ بالله من هذا أيضًا.

هذه هي أصوات قلبي.. وإلا، فإن طلب الجنة والاستعاذة بالله من جهنم؛ إنما ذلك من مطالب ديننا المشروعة؛ إذ نطلب هذا في أدعية الصباح والمساء. نعم، إننا نسأل الله الجنة، ونرجوه الوقاية من النار لأن ديننا أجاز ذلك.. هذه مسألة مختلفة.. لكننا لا نرهن ما نفعله وما سنفعله في سبيل الله بالحصول على مجموعة من المكافآت الدنيوية أو الأُخروية، نرى هذا أمرًا دنيويًّا وجسديًّا وأنانيًّا، ونبتعد عنه فراسخ وفراسخ، نحن لا نفكر في الأهداف الدنيوية مثل تقلد الوزارة أو رئاسة الوزراء، ونرى التوقف عن طلب رضا الله وتوجيه قلوبنا لنيل مثل هذه الرتب الدنيوية أمرًا يشبه الانحدار من أعلى المراتب إلى أدنى الدركات.

يجب أن تكون هذه الاعتبارات متأصِّلةً في نفوسنا بشكل جيد للغاية، وينبغي ألا تلوِّثَ عقولَنا فكرةُ أننا قمنا بشيء، أو أن نرى أنفسنا شيئًا.. والتفكيرُ السليمُ يجب أن يكون من قبيل: لو كان في مكاننا أناسٌ مؤهَّلون ومجهّزون بالمؤهلات العالية، يعملون بعزم نبويٍّ، فمن يدري ما هي التطورات العظيمة التي كان من المحتمل حدوثُها! ولكن ماذا عسانا أن نفعل! فها نحن موجودون بدلًا منهم! لقد صارت المناوبة والعمل مسؤوليتنا.. ومن يدري، ربما نكون قد وقعنا في خيانة القضية”.. إذا تعاملنا مع القضية بهذه الطريقة، فقد نغمر الرغبات والأوهام التي بداخلنا، ولن نسمح لها بالخروج من لساننا، ولا الظهور في قسمات وجوهنا، ولا أن تشكل مواقفنا وسلوكياتنا. نعم، يجب أولًا أن ننظر إلى الأمر من زاوية أنفسنا؛ لأن هذه هي النقطة التي تهمنا في المقام الأول.

   الحَسَدَة

مع الأسف نجد من جهة أخرى مجموعة من المؤمنين لا ينظرون للخدمات المقامة على أنها لطفٌ وفضلٌ وإحسانٌ ومنٌّ مِنَ الله تعالى، وبالتالي تكون نظرتُهم لكم مشوبَةٌ بالحسد والغيرة، وهناك مجموعة أخرى ينظرون لكم نظرة عداوة وحقدٍ يسبب إظهاركم للدين والتدين، ولذلك فهم يتخذون موقفًا مضادًّا لكم، ويناجزونكم بفعاليات عدائية، وينتهزون كلَّ فرصةٍ لكي يردوكم عن طريقكم، إنهم لا يستطيعون تقبل الفاعليات الخدمية التي تقدمونها، ويحاولون تشويه صورتكم تحت مسميات وعناوين مختلفة، فيعملون أحيانًا على تصيد الأخطاء فيما تنجزونه، وأحيانًا أخرى يتهمونكم بخدمة مصالح لقوى خارجية من أجل تشويه صورتكم والحطِّ من اعتباركم، ويرون أن الانفتاح الذي تقومون به على كل أنحاء العالم هو مشروع جنوني، بل ويعتبرون ما تقومون به من فتح قلوب آلاف البشر، وتعلّمهم للغَتِكم، ومحبّتهم لقِيَمِكم، أو على الأقل احترامهم لقيمكم، كل هذا يعدونه والعدم سواء، ولا يريدون فهم القيمة المستقبلية لما تقومون به من فاعليات ومشاريع ستعم فوائدها العالم. ويتغاضون عن الخطوات الهامة التي اتُّخِذت لإحلال جوٍّ عام من الهدوء والسلام، وعن إقامة جسور الصداقة وزرعِ بذور المحبة والتسامح في كل مكان حول العالم.

بيد أننا ننظر للمسألة على أنها توجيه من المولى تعالى واستخدام منه لنا، ولكنهم ينشغلون في الأسباب، ولا يرون أحدًا سواكم وراء تحقيق هذه الجماليات، ومن ثم ينظرون للخدمات التي تُقام حول العالم على أنها نوع من (التحزّب) أو (التمذهب).. ولأنهم لا يوجهون أنظارهم إلى صاحب هذا التوفيق سبحانه وتعالى، أو لكونهم لا ينظرون للأعمال من جهة الحِسِّ السليم والمنطق العقلي، فإنهم يتخذون عداوة (الفلانيين) و(العلانيين) مسلكًا ينتهجونه.

وهناك قسم آخر منذ زمن وهم يدَّعون تمسكهم بالقرآن والسنة وحمل راية الدين؛ ولكنهم باؤوا بالفشل مرات ومرات، ولم يحالفهم التوفيق، وحتى إن رأوا وظنوا أنفسهم عظماء إلا أنهم لم يخطوا خطوتين في اتجاه تمثيل الدعوة التي يدعون أنهم يمثلونها؛ ولكن من جهة أخرى نجد الحق سبحانه يوفق النملة إلى إنجاز ما يعجز عنه الفيل ووحيد القرن، لكن هؤلاء لم يدركوا ذلك ولم يستوعبوه، فربطوا الجماليات المتحققة بفلان وعلان، ولذلك لم يقبلوا قيام أشخاص آخرين بأمورٍ تمنّوا القيامَ بها ولم يستطيعوا، ولذلك فقد أخذوا موقف الجبهة المضادة، فأصبح هناك قسم يعادونكم بسبب طبيعتهم الجِبِلِّيَّةِ، وقِسمٌ آخر بسبب الحسد وحس التنافس.

   إغلاق طريق الحسد

وفي مواجهة كل هذه الحوادث والأمور، يقع على عاتقنا، محاسبة أنفسنا وإعادة النظر في أخطائنا من جهة، ومن وجهة أخرى إيجاد سبل ومناهج لتعديل سلوكهم هذا، كأن تقوموا معهم بمشروعات مشتركة، إذ من غير الممكن إجبار الآخرين على سماع ما نقول وما نشرح، ولكن يمكنكم القيام بمشاريع مشتركة مع أشخاص يفكرون مثلكم ويسيرون تجاه نفس هدفكم، وأيًّا ما كان الاختلاف في المشرب والمذهب فإنه من الممكن الاتحاد من أجل غاية مثالية، ويمكنكم تحقيق مشروع يتفق عليه الجميع، ويمكنكم أيضًا التعاون مع الأشخاص الذين يشاركونكم في بعض المشاعر والأفكار، ويمكنكم إقامة فاعليات مشتركة معهم ويمكنكم إعطاؤهم ساحة خاصة للعمل.

وهكذا يمكنكم من خلال ذلك أن تحفظوهم ولو حتى بقدر ما من الوقوع في المعصية، والغيبة، وتعديل مشاعر التنافس والغيرة والحسد لديهم، وهكذا تحافظون على سلامتكم أثناء سيركم في هذا الطريق، وتحولون دون ازدحام وتعطُّل الطريق، وكذلك تحافظون على مشاعر الوحدة والاتحاد، والإخلاص والصميمية، فأينما وقعت الغيبة والافتراء وتشويه السمعة بين المؤمنين، يفسد الوفاق والاتفاق وتنقطع عناية الله، فلا يجب أن ننسى أنَّ لطفَ الحق سبحانه وعنايتَه مرتبطةٌ بالوحدة وعدم التفرق.

وكذلك فعلينا في مواجهة تلك السلبيات أن نراجع أسلوبنا مرة أخرى، فحتى وإن كنتم أصفياء منزهين كالملائكة في أداء خدمتكم، إلا أن عدم اتباعكم الأسلوب الأمثل قد يولد قسمًا من المشكلات والأعطال، ولذلك فعليكم إظهار تعاطف جاد أثناء حديثكم وفهم مشاعر مخاطبيكم أثناء الحديث معهم، وعليكم أن تبتعدوا عن الألفاظ التي تشير إلى الأنانية الجماعية والكلمات التي تؤدي إلى النفور والإعراض، وأن تطيبوا نفوسهم وتسترضوهم في كل فرصة، مثلًا إذا جاءكم أحدهم قائلًا: (رضي الله عنكم وجزاكم خيرًا على ما قدمتموه من خدمات)، فعليكم أن تجيبوه بقولكم: (نستغفر الله، فلولا الفلانيون والعلانيون هؤلاء وتمهيدهم الطريق لنا، وكسرُهم حِدّة وشِدّةَ الجوِّ العام، لما كنا نستطيع القيام بهذا الأمر ألبتة) وهذه الإجابة ليست من قبيل المداراة في الكلام ولكنها تعبير صادق عن الحقيقة.

وعلى من نذروا أنفسهم للخدمة أن يتحروا الدقة البالغة في ألفاظهم وكلماتهم، وأطوارهم وأحوالهم وتصرفاتهم، ويجب أن يكونوا على وعي تام بأن أقوالهم وتصرفاتهم لن تكون مقصورة عليهم فحسب، بل إنها ستُرَوَّجُ وتُذاع في المجتمع بأكمله، فعليهم أن يتحلوا بأعلى درجات الحساسية حتى لا يتسببوا في تشويه وتلطيخ صورة جماعة كبيرة، فإنهم بجانب تضحياتهم عليهم أيضًا ألا يسمحوا لأحد أن يتصيد خطأ أو يجد الفرصة لتشويه هذه الحركة الطيبة.

ولذلك فنحن لا نتخذ طور الهجوم على الآخرين كما يفعل البعض، ولا يمكن أن نواجه لكماتهم بمثلها، ولا يمكننا أن نقابل خطأهم بخطإ؛ حتى لا نفتح المجال لاتساع الدائرة الفاسدة، وبذات الوقت فإنه لا يمكننا أن نغض الطرف عن سقوط جميع القيم وانهيارها في قاع بئر التعارض والتساقط، إذًا فماذا علينا أن نفعل؟ ينبغي لنا أن نكون مثل “يونس أمره” الذي يقول: “لا يد لي لمن ضربني، ولا لسان لي لمن سبني، ولا قلب لي يؤذي من كسر قلبي”.

ولكن يمكننا أن ندافع عن حقوقنا داخل دائرة القانون فنوضح، ونصحح الأكاذيب، ويمكن رفع دعاوى التعويض وما وراء ذلك من الطرق القانونية، وهذه مسألة مختلفة، لكن لا نقوم بالرد مباشرة على كل من يتحدث عنا، ولا نقابل غوغائية الآخرين بنفس الشكل.. كما يجب علينا ألّا نحطّ من هويتنا بأي شكل من أشكال الرد على الأقوال والأفعال السيئة، لأن مثل تلك الأطوار المستقبحة لا تليق بالمؤمن، أما نحن فنحزن على حال هؤلاء الذين أعماهم الكره، ووقعوا أسرى لمشاعر الحقد والعداوة، ونشفق عليهم، وكما يعبر القرآن أن الكلَّ يعمل على شاكلته، ويفعل ما يليق به؛ قد يثقل على أنفسنا أن نصمت تجاه ما نتعرض له من مساوئ؛ ولكن كلما كبرت مشاعر الكره والعداوة ولم تكبر مشاعر الحب والشفقة والرأفة في قلوبكم، فلن تستطيعوا التغلب على الفتن والعداوات التي تحيط بكم.

وفي هذا الخصوص أيضًا يُعَدُّ التواضع والمحوية أساسًا مهمًّا، وقد توقّفْنا على المسألة بعض الشيء أعلاه، فلو أنكم قدمتم أنفسكم وربطتم المسألة بأنانيتكم، وصرتم تصدرون أصواتًا عالية مثل طبلة المسحراتي فلن يخلو طريقكم من التضارب والتعارض، ولكن إن اتخذتم رضاء الحق سبحانه وتعالى أساسًا لكم وتحركتم في حدود ما أمر به سبحانه، وأعليتم قدر الحق في نفوسكم، فلن يسلط الله سبحانه الآخرين عليكم ليسحقوكم ولن يحكم عليكم بالفناء.. والواقع حتى اليوم أن من يبحث عن المقام والشهرة خسر، وأن من التزم مسلك التواضع والمحوية فاز، فليس المهم إثبات الوجود في نظر الغير، ولكن المهم هو أن نكون مؤهلين للنظر الإلهي.

وباختصار، إن الواجب عليكم فعله هو إنجاز الخدمات بصورة مستمرة، مع الأخذ في الاعتبار القضاء أو على الأقل التخفيف مما قد يتكون داخل المجتمع من عداوة أو عدم راحة تجاهكم، والقيام بكل ما يلزم بخصوص هذا الأمر، وما تقومون بفعله يجب ألا يثير حفيظة الآخرين، ولا مشاعر الحسد، ولا الخوف أو القلق، بل يجب أن يكون العملُ محفوفًا دائمًا بالتمكين والتيقُّظ.

ورغم كل هذا فهناك أشخاص لن يستريحوا لما تقومون به من خدمات، وسيستمرون في عداوتكم، وهناك بعض الطبائع والشخصيات سيقفون ضدكم بسبب عدم اشتراكهم في تلك الأعمال وبسبب كمية وكيفية الخدمات المقامة، فيجب عدم الاستهانة بمشاعر الحسد وعدم القبول، ولكن المهم هو قيامكم بما يتوجب عليكم فعله وأداؤكم له حقّ الأداء.

التصرف السليم إزاء التعيينات وتكليفات العمل

Herkul | | العربية

   سؤال: ما التصرف السليم تجاه التعيينات والتكليفات بالعمل التي تتم في مؤسسةٍ ما؟

   الجواب: إن ضمان استمرارية نظام التعيين والتوظيف في أية مؤسسة دون قصور أو خلل يعتمد في الأساس على توافر شعور الثقة المتبادلة بين الإدارة والموظفين العاملين تحت مظلتها، ولو أن من يمتلكون سلطة توظيف الناس، وكذلك الذين يتحملون وظائف ومسؤوليات معينة يقومون بأداء حق الأمانة التي حُمِّلوها، ويتجنبون الوقوع ولو حتى في أدنى أنواع الخيانة، ويبثون الثقة فيمن حولهم لَما حدثت مشكلة ولا حتى احتقان في النظام.

   المسؤوليات الواقعة على كاهل هيئة التعيين

زيادةً في التوضيح يجب على المسؤولين عن التعيينات مراعاةُ مبدإ المساواة في معاملة الجميع، وألا يُحابوا أحدًا، وألا يقوموا بأفعالٍ مبنية على الحسابات الشخصية، بل يجب عليهم أن يُراعوا أوضاع مَنْ يُعيّنونهم، وأن يتصرّفوا وفقًا للمصلحة العامة، ذلك أنهم إذا فكروا في مصالحهم الشخصية وانصاعوا لوساوس أنفسهم، فقد أكلوا حقّ العباد، وسيحاسبهم الله على ذلك، وإن لم يُحاسَبوا على ذلك في هذه الدنيا، فإنهم سيُحاسبون عليه في الآخرة حيث تنكشف جميع الأسرار، وعندها يتحرّقون خجلًا وحرَجًا في حضرة الله بسبب ما في قلوبهم من أحقاد وسوء نيّة وحسابات شخصية.

يجب على مَنْ هم في موقعٍ يسمح لهم بقيادة الناس وإدارتهم أن يراعوا قدرة الأشخاص الذين سيكلفونهم بالعمل وملَكَاتهم؛ فقد أعطى الله ملَكاتٍ وقابلياتٍ مختلفةً للجميع، على سبيل المثال قد يكون أحدهم رجلَ نظام وانضباط بشكل كامل.. ويكون آخر ذا همة بحثية عالية؛ فهو يتجول باستمرار بين الكتب، يفتش فيها فيعثر على أفكار أصلية ويستخرجها.. وآخر لديه روح فنية رائعة.. وآخر لديه قدرة على البيان؛ يعرف كيف يتكلم وأين وكيف يتحدث… إلخ. إذا تم توظيف كل واحد من هؤلاء حسب قدرته وموقعه، فسوف يُوفَّقون بإذن الله تعالى.

لكل فرد جانبٌ يتقنه ويبرز فيه، والمهم هو اكتشاف وتحديد هذا الجانب بشكل صحيح، وتوزيع المهام والوظائف وفقًا لذلك، فمثلًا إن تُجْبِروا شخصًا لم يرسم يومًا في حياته على رسم صورة، أو إن تتوقعوا من شخص لم يُمسك قلمًا طيلة حياته أن يكتب مقالًا جميلًا أو أن تقترحوا على شخص محروم من البيان أن يُلقي خطبة؛ فمن المرجح ألا يروقكم العمل الذي سينتج عن ذلك، إذا كنتم لا ترغبون في التسبُّبِ بهذه النوعية من الأعطال وأوجه القصور والخلل فعليكم أن تسعوا إلى اتخاذ خيارات صائبة منذ البداية.

لقد كانت تكليفات رسول الله صلى الله عليه وسلم في محلها تمامًا، فما من أحد وظَّفَه في مكانٍ يستهدف منه تحقيق شيء ما إلا وقد تحقّق ذلك الهدف؛ لأنه عليه الصلاة والسلام يعرف جيّدًا ملكات وإمكانات أصحابه، وفي أي مجال يمكنهم أن ينجحوا، فكان يوظّفهم وفقًا لذلك، إنكم حتى وإن وصفتم النبي عليه الصلاة والسلام بالعبقري، فما منحتموه الدرجة التي يستحقها، إن الأنبياء أصحاب “فطنة”، وهي تفوق العبقرية بكثير وكثير.

نحن لسنا أنبياء، إننا لا نملك الفطنة النبوية مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أصحاب فراسة وكياسة بمستواه عليه الصلاة والسلام، قد لا نستطيع دائمًا قراءة الناس بشخصياتهم وسماتهم، ربما لا نتمكن من النظر إلى الحوادث نظرة مخروطية شاملة، ربما نخطئ في اختياراتنا، قد نظن أن “فلانًا يتقن هذا العمل”، إلا أننا نخطئ فلا تكون النتيجة كما نأمل، وعليه لا ينبغي ترك مثل هذا العمل المهم للمبادرات الشخصية، بل يجب أن يُحال إلى الوعي الجمعي، فإن تم تناول المشاكل بمبدإ المشورة؛ قلَّت احتمالية حدوث أخطاء، ذلك لأنه، وعلى حد قول سيدنا رسول الله: “مَا خَابَ مَنِ اسْتَخَارَ، وَلَا نَدِمَ مَنِ اسْتَشَارَ[1].

علاوة على ذلك، فإن القرارات التي تتخذها هيئة ذات معرفة وخبرة تُعتبر قرارات مقبولة لدى المعنيين بها؛ إذ يشعر الناس براحة أكثر إزاء تقديرات هيئة تتكون من أشخاص يحملون هذه الأوصاف والمؤهلات، فإن يجتمع أشخاص ذوو خبرة يعرفون المجال جيدًا، فيكلفون بمهام يمكن النجاح فيها فقد تمت الحيلولة دون الخسائر والأضرار التي قد تنشأ، ولم يُفسح المجال لخيبة الأمل والاستياء، وأثمرت الأعمال المنجزة بنجاحات كبيرة.

مسألة أخرى يجب على هيئة التعيين الانتباه إليها، ألا وهي إعداد مَنْ سيُكلفونهم بمهمة جديدة إعدادًا ذهنيًّا وفكريًّا بما يناسب تلك المهمة الجديدة، وتزويدهم بالمتطلبات والتجهيزات اللازمة المتعلقة بالعمل الذي سينجزونه، فمثلًا إذا كان ثمة أشخاصٌ سيرسَلون إلى مكان جديد، فيجب ضمان أن يتعرفوا بشكل جيد للغاية على الناس في ذلك المكان الجديد وعلى ثقافتهم وأن يعرفوا تفاصيل المهمة التي سيضطلعون بها، وذلك من خلال عقد ندوات ودورات وتنظيم عروض تقديمية تتعلق بها، يجب الوقوف على الصعوبات التي ستواجههم والمخاطر المحتملة بشأن العمل الذي سيقومون به، ويجب توضيح أهمية العمل الذي يتعين القيام به، والعملُ على أن يذهبوا لأداء المهمة المنوطة بهم وروحُهم المعنوية وحافزهم الذاتي عالٍ.

أمر آخر مهم هو الأسلوب الذي سيتم استخدامه عند الإعلان عن المهمة والكشف عنها، يجب على المسؤولين عن هذا الأمر أن يشرحوا للمكلفين بالمهمة الجديدة مدى أهمية مهمتهم شرحًا وافيًا جيدًا، وأسباب اختيارهم لهذه المهمة من ناحية، كما يجب عليهم، ومن ناحية أخرى أن يجعلوهم يعتقدون بأنهم يستطيعون القيام بعمل جيد أينما ذهبوا، وذلك بفضل علمهم وخبرتهم، يجب ألّا يُسمح أبدًا لأية شكوك بأن تساور أذهانهم، وألا يُسمح لأية عقدة أيضًا بأن تستقر في أنفسهم، كما يجب ألا يُسمح لأي استياء أو انزعاج بأن يتسلل إلى صدورهم.

   المسؤوليات الواقعة على عاتق المُوظفين

إن الواجب على هؤلاء المُعينين لوظائف مختلفة في بلدان ومدن شتى هي التعامل مع المسألة بحسن ظن واحترام للتكليف الصادر بحقهم، فإن لم يتصرفوا هكذا وراودتهم أفكار من قبيل: “إنهم يقصونني عن هنا لتأنيبي وتأديبي، مع أنني قد كوَّنت أرضية جاهزةً هنا، وكنت سأضطلع بأعمال أكثر فائدة، لا يمكنني أن أكون مفيدًا بهذا القدر حيث سأذهب”؛ فقد قيموا المسألة من جانب واحد ووفقًا لحساباتهم الخاصة، وكما أن موقف هؤلاء مجهول بالنسبة لأولئك، فإن موقف أولئك مبهم أيضًا بالنسبة لهؤلاء، لا أحد يستطيع أن يعرف نوايا أو أفكار أي شخص أو ما يدور في قلبه، لهذا السبب، نحن مأمورون بحسن الظن ما أمكن، فنفكر بإيجابية في المهمة المُناطة بنا، بل إننا نجد مجموعة من الأوجه المعقولة نحمل عليها الأشياء التي تبدو في الظاهر وكأن فيها تقليلًا للمرتبة، فنقول: “لا بد وأن ذلك المكان يحتاجني، لذلك فكروا في إرسالي إليه”، فنذهب إلى مهمتنا الجديدة دونما تردد، أي إننا نؤدي ما يُناط بنا ونقوم بدورنا، فإن كانت هناك بعض الاعتبارات والمآرب وراء هذه المسألة أحلناها إلى الله، وإلا فإن رضا كل فرد عن المهمة المكلف بها أو عدم رضاه عنها بحسب آرائه الشخصية تُكبّل إرادة الهيئات التي تتولى الإدارة، ويصير من المستحيل عمل توزيع جيد للمهام، وإنشاء آلية صحية لها.

إننا في معظم الأحيان لا نستطيع معرفة عاقبة الأمر؛ فما نراه في البداية شرًّا قد يكون مفيدًا لنا بالنظر إلى مآلاته، ومن ذلك على سبيل المثال، أننا عندما ننظر إلى حياة الأستاذ بديع الزمان، نرى أن ذلك الشخص العظيم قد نُفي من مكان إلى آخر؛ فقد تم ترحيله من جبل “أرك” ونُفي إلى “بارلا”، ومنها نُقل إلى “قسطمونى”، ثم إلى “دنيزلي” بعد مدة، وهكذا كانت حياته دائمًا في المنفى والسجون، تم ترحيله ونقله من مكان إلى آخر تجليًا للقدر، ولكن هذا قاده إلى نثر البذور أينما ذهب، وأن يوصِّل صوته وأنفاسه للمحتاجين، لقد حوَّل الظلم والجور والسجن إلى مكسب ونصر، وبعبارة أخرى، ينبغي ألا ننسى أن الله سبحانه وتعالى أحيانًا ما يكشف من خلال الاضطهاد والظلم الذي يقع على يد الناس، عما تقضي به مشيئته وإرادته أيضًا؛ فهذه الأعمال وإن بدت وكأن الناس هم من يقوم بها، إلا أنها في الواقع هي من تصرّف يد القدر.

إذا لم تكن هناك عقبة حقيقية فليس من الصواب عدم القيام بالمهمة المحددة، وعدمُ الذهاب إلى المكان المُشار إليه، أما اختلاق الأعذار لرفض ذلك فهو خطأ أكبر، لا بد من التصريح بالحقيقة مهما يكن، إن قول: “آسف، ليس لدي عذر في ذلك، لكن لا يمكنني الذهاب إلى مثل هذا المكان، لا يمكنني القيام بمثل هذه المهمة”؛ بصراحة ووضوح يجعل الموقف أكثر صحة وسلامة.

نعم، من القبح أن يستنكف الشخص عن وظيفة إيجابية وجيدة ويتخلى عن واجب ينبغي له القيام به، أما اختلاق الأعذار غير المعقولة وغير المنطقية، والتحجج بالوالدين، والأسرة والأطفال والصحب والرفاق فهو أعظم قبحًا.

بالإضافة إلى ذلك، قد يكون لدى الشخص المكلف بالمهمة الجديدة رأي مختلف بشأن هذه المهمة والتعيين المقرر، ولكن التعبير عنه بأسلوب مناسب من جملة واجباته أيضًا، كما أنه يُعتبر جانبًا من جوانب المشورة، فعلى سبيل المثال، يجب أن يقول: “أنتم توجهونني إلى الإرشاد والتبليغ، لكنني لست كفئًا في هذا المجال، سأكون أكثر نجاحًا إذا قمت بواجب مثل كذا”..

وقد تكون لدينا آراء شخصية أخرى؛ فربما قد تلقينا سابقًا تدريبًا في مجال مختلف، وبما أننا نمتلك شهادة في تخصص معين فيجب التعبير عن مثل هذه الحالات والتصريح بها، وإن واجب المسؤولين يتمثل في أن يضعوا كل هذه الأمور نصب أعينهم، ويتخذوا القرار وفقًا لذلك.

   طلب الوظيفة والتوقعات

غالبًا ما تكون هناك توقعات تتوارى وراء عدم الرضا والاعتراضات على التعيينات سواء في الدوائر الحكومية أو المنظمات غير الحكومية؛ فمَنْ يتطلعون إلى مناصب أعلى ومَنْ ينتظرون ترقية يفتعلون المشاكل عندما يتعذر عليهم نيل ما يأملونه؛ فيتخذون موقفًا ضد الوظائف التي يرونها بمثابة حطٍّ من الشأن، في حين أن هذا ليس صحيحًا، المهم هو أن يوفيَ الإنسان بحق إرادته ووضعه، وأن يقوم بواجباته ومسؤولياته بالطريقة المثالية، وعليه في أثناء القيام بذلك ألا يتشوف إلى أي شيء وألا يترك جانب الاستغناء، فالاستغناء مبدأ مهم جدًّا في الدين، ذلك أن من يقدرون الأمور حق قدرها إن لم يقدّرونه اليوم فسيقدرونه غدًا، ويأتون به إلى حيث يجب أن يكون، وما يظهر في هذا الشأن من طمع هو سبب الخسران؛ فالإنسان الطامع غالبًا ما يُقابل بعكس غرضه؛ ذلك لأن طمعكم يدفع الآخرين أيضًا للطمع، وهذا يثير مشاعر التنافس غير المحمود.

إن طلب تولي الإدارة والحكم لم يلق استحسانًا في الإسلام، ولم يُرحب به، ومن ذلك مثلًا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رفض طلبات الصحابة من أمثال سيدنا أبي ذر وسيدنا العباس اللذين طلبا الوظيفة، ويقول الشيخ بديع الزمان: “إن “التابعية” أفضل من “المتبوعية” التي هي سبب المسؤولية، ومكمن الخطر”، يجب أن يكون الأساس هو تقديم مَنْ يستطيعون النجاح، ويمكنهم إتقان العمل، ومنحهم الفرصة.

أجل، إنَّ طلبَ الإمارة أو الإدارة لم يحظَ بالترحيب والقبول في ديننا، إلا أن لهذا المبدإ العام بعض الاستثناءات، فمثلًا يمكن للإنسان في حال عدم وجود شخص غيره يستطيع القيام بعمل مهم أن يقول مثلما قال سيدنا يوسف عليه السلام: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (سورة يُوسُفَ: 12/55)، وبالمثل لا يُسمح للمرء بالتحدث عن الدين بأريحية ما لم يتم تعيينه في بعض المهام والوظائف، وفي هذه الحالة يمكن للمرء أن يطلب تولي منبر جامع أو محرابه أو منصته وتحديث الناس عن الحق والحقيقة، وكذلك يمكنه أن يفكر في أن يطلب العمل بالتدريس في مركز تعليم للقرآن ويفكر في تعليم من هناك من الطلاب القرآنَ الكريم والحقائق الدينية.

باختصار، يجب على المرء عندما يطلب وظيفة أن يُحكِّم ضميره، ويسأل نفسه هذه الأسئلة: “هل أريد هذه الوظيفة لله حقًّا أم من أجل تحقيق الهيبة والوجاهة أو كسب بعض المصالح الدنيوية؟” يجب على كل إنسان أن يزن نفسه وفقًا لهذا الميزان، وأن يضبط ما سيتخذ من خطوات.

وكما هو معروفٌ فإن سيدنا عمر رضي الله عنه حين عزل سيدنا خالد بن الوليد عن قيادة الجيوش لم يعترض رضي الله عنه قطّ، بل واصل الحرب بين صفوف الجنود[2]، وبالمثل فإن أبا عبيدة الذي عينه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائدًا في سرية ذات السلال استطاع أن يتخلى عن حقه في القيادة كي لا يتسبب في وقوع خلاف[3]، إننا نطالع مثل هذه التضحيات التي بذلها الصحابة ونقدرها، ولكن المهم هو القدرة على الاقتداء بهم في هذا الموضوع والتمكن من القيام بما قاموا به كما ينبغي أن يكون الحال في كل مجال، إن التطبيق هو الأكثر أهمية من القراءة والمطالعة، فعلينا إن لم نتمكن من فعل هذا أن نترك هذه المعلومات كلها بين دفات الكتب إلى أن يأتيها من يقرؤونها ويجعلونها طبعًا وطبيعة فيهم!

لماذا نقرؤها؟!

إن كنا نعجز عن أن نتشكل وفقًا لهؤلاء فأية فائدة إذًا في قراءتها؟!

خلاصة القول إنه يجب على المرء أن يكون جاهزًا لأداء كل المهام دون أن يفرق بين كونها صغيرة أو كبيرة، يجب عليه أن يقبل أن يكون جنديًّا عاديًّا بدون حرج وانزعاج إذا لزم الأمر.

***

[1] الطبراني: المعجم الأوسط، 6/365.

[2] انظر: الحلبي: السيرة الحلبية، 3/279.

[3] انظر: سيرة ابن هشام، 2/623.

الهجرة

Herkul | | العربية

   سؤال: ذُكر في حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حزِن لموت سعد بن خولة[1] رضي الله عنه في مكة، ودعا الله: “اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ، وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ[2]؛ فما الرسائل المستفادة من هذا الحديث؟

   الجواب: بما أن الإطلاق يصرِف اللَّفظَ إلى كماله؛ فإن كلمة “الهجرة” عندما تُطلَقُ يُفهم منها مباشرة هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام من مكة إلى المدينة.. ربما تكون قد حدثت بعد ذلك هجرات أكثر صعوبة ومشقة وخطرًا، إلا أنه ليس فيما بينها ما يرقى إلى هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فضلًا وكمالًا، وعليه فإن كلًّا منها يُعتبر هجرة ظلية مقارنة بهجرته عليه الصلاة والسلام؛ لأن قيمة الهجرة وقدرها يتناسبان طرديًّا مع قيمة المهاجر والواجبات التي تؤدَّى في المهجَر.

وكما هو معلوم فقد كان المهاجر الأعظم صلى الله عليه وسلم في مقدمة أبطال الهجرة.. فبهجرة هؤلاء تحولت المدينة المنورة إلى مركز للحضارة.. وخلال فترة قصيرة شكلوا وحدة سياسية في المدينة، ثم واجهوا الدنيا في إطار معاييرهم وقيمهم الخاصة.. ويجب ألا نخلط تلك المواجهة بما في عصرنا من مواجهات فظة غليظة مليئة بالحقد والعداوة، على العكس إن تلك المواجهة تحققت التزامًا بالمبادئ والنظم الإنسانية، فشكلت المدينة المنورة نقطة الانطلاق عن المركز بالنسبة لرسالة الإسلام المنتشرة في ربوع الدنيا، وبمرور الوقت انتشر هذا الحراك الذي بدأ في صورة حلقات صغيرة ليسعَ العالم بأسره.

إن الحادثة المذكورة في السؤال المطروح وقعت في حجة الوداع، حيث خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لعيادة سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه لمرض شديد ألمَّ به أثناء الحج، وقد ورد صحيحًا عَنْ ثَلَاثَةٍ مِنْ وَلَدِ سَعْدٍ، كُلُّهُمْ يُحَدِّثُ بالحديث عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى سَعْدٍ يَعُودُهُ بِمَكَّةَ، فَبَكَى، قَالَ: “مَا يُبْكِيكَ؟” فَقَالَ: قَدْ خَشِيتُ أَنْ أَمُوتَ بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرْتُ مِنْهَا، كَمَا مَاتَ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا، اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا” ثَلَاثَ مِرَارٍ[3]، وفي رواية أخرى خاف سعد رضي الله عنه من أن يموت بمكة التي هاجر منها وتركها لوجه الله تعالى، فقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي؟ قَالَ سعد: فقال رسول الله: “إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلًا تَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللهِ، إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً، وَلَعَلَّكَ تُخَلَّفُ حَتَّى يُنْفَعَ بِكَ أَقْوَامٌ، وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ، اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ، لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ[4]، قَالَ: رَثَى لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَنْ تُوُفِّيَ بِمَكَّةَ[5].

وبالفعل فقد عاش سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه عمرًا مديدًا بعد بشارة النبي صلى الله عليه وسلم له وكان سببًا في فتوحات مهمة، إلى أن توفي في المدينة عام (55 هـ).

لقد خاف الصحابة من أن يكون الموت في مكة مانعًا لهم من إتمام هجرتهم، وعاشوا حياتهم عازمين على عدم العودة مرة أخرى إلى وطنهم الذي تركوه، بل والأكثر من هذا أيضًا أننا نعرف أن هناك الكثير من الصحابة لم يبقوا حتى في المدينة المنورة التي هاجروا إليها، وقاموا بهجرات جديدة إلى بلاد مختلفة، فقد تركوا مكان هجرتهم الأولى المقدسة، وهاجروا إلى أماكن أخرى رغبة في نشر الإسلام والجهاد في سبيل الله، وهناك فاضت أرواحهم إلى بارئها.

   ثواب الهجرة

انطلاقًا من الحديث المذكور أعلاه يمكننا بدايةً أن نقول: إن الهجرة التي تحققت من أجل إعلاء كلمة الله وإعلان الاسم النبوي الجليل في كل الأنحاء لتحمل أهمية عظيمة، فقد فُرضت الهجرة على المسلمين في عصر الرسالة الجليلة، وكان يُنظر إليها وكأنها ضرورة من ضرورات الإيمان.. وعلى الرغم من أن الهجرة خرجت عن كونها فرض عين في العصور اللاحقة إلا أنه يمكن القول إنها حافظت على فرضيتها كفرض كفاية؛ ذلك أنه يلزم في كل زمان أن تقومَ زمرةٌ واحدة على الأقل بترك ديارها ووطنها وتهاجر منه كي تبلّغ الإسلام الدين المبين وتمثّله.. ولو أن المسلمين استطاعوا أن يُنظِّموا الهجرة إلى كلّ أرجاء الدنيا حتى اليوم لأصبحوا وسيلة لأن يتعرف الكثير من الناس بعالمنا الثقافي.

لهذا السبب فإن السائرين على الدرب النبوي خاصة ينبغي لهم أن يكونوا جاهزين للهجرة دائمًا، إننا لا نستطيع أن نُسيء الظن بأحد، ولا نستطيع أن نقول: “لماذا لا يُهاجر فلانٌ، لماذا يقف حيث هو؟”، لكن موقف القرآن الكريم والسنة النبوية فيما يتعلق بهذه المسألة واضحٌ وصريحٌ.

إن كل مكان في العالم يشبه بالنسبة لنا أرضًا خصبة صالحة لنثر البذور، لذا ينبغي لنا أن نفعل ما نستطيع ونبحث عن الأماكن المناسبة التي يمكننا أن ننثر فيها الحبوب التي بين أيدينا، علينا أن نُعلي همتنا دائمًا وأن نفكر باستمرار “تُرى هل بقي مكان لم ننثر فيه البذور؟!” علينا أن ننثر البذور حتى في القطبين الجليديين من أجل تحقيق بشارة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الْأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ[6]، فعلينا أن نصلَ بهذه البذور حتى إلى المناطق غير المأهولة بالبشر، فربما تستفيد منها البطاريق والأسماك، ربما لا نعيش لنرى البذور وهي تشق الأرض، وربما نراها وقد تبرعمت ولا ندرك ثمارها، كل ذلك ليس مهمًّا، المهمُّ هو أداؤُنا واجبنا.

وفي الآية الكريمة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (سورة البَقَرَةِ: 2/218) قد قُدمت الهجرة على الجهاد في سبيل الله (بإزالة الحواجز التي بين الناس وبين الله، وأن تلتقي القلوب بالله تعالى).. ولذلك فإن قيمة الهجرة التي تتم في سبيل الله، سواء أكانت في داخل الوطن أو خارجه، عظيمة عند الله.

إن الهجرة تحفّز الإنسان على الخدمة، ويوجد فيها جانبٌ مُلزم للإنسان عمليًّا، ودائمًا ما يقول المهاجر في نفسه: “لم آتِ إلى هنا عبثًا، لدي غاية مثالية، وقد جئت إلى هنا كي أحققها”، ويركز جهده في الخدمات التي يلزم القيام بها، فإن جاء معلِّمًا سعى إلى أداء مهنته على أفضل وجه، وإن جاء رجلَ أعمال اجتهد في أداء الخدمات المتوقعة منه، والخلاصة أنه يُخضع حياته كلها لمسألة الهجرة، ويصبح مُشجِّعًا لما يجب فعله كمهاجر.

ليس من السهل على المرء أن يترك وطنه ودياره ووالده ووالدته ويهاجر ويقمع شعور الصلة وأحاسيسه ومشاعر الحنين إلى الوطن، بيد أنه يجب ألا ننسى أن ثواب الأعمال الثقيلة على النفس سيكون كبيرًا بقدر مشقتها.. إن السفر إلى مدن مختلفة لأغراض سياحية لفترة قصيرة يمتع النفس. ولكن الهجرة من أجل إعلاء كلمة الله تعالى مع عقد العزم على عدم العودة مرة أخرى صعبٌ للغاية.. إن قدرة الإنسان على ترك عائلته ووطنه والأماكن التي اعتاد عليها دون الاهتمام بمشاعر الشوق التي سيشعر بها، بالرغم مما في نفسه من حب وارتباط بها، أمرٌ يتطلب تضحية كبيرة.. وهكذا فإن المكسب الأخروي لمن يُرغِمُ نفسه -دون رغبةٍ منها- على تقديم مثل هذا النوع من التضحية؛ سيكون كبيرًا ومختلفًا تمامًا.

   هل يمكن ترك ديار الهجرة؟

الأصل في الهجرة هو السفر مع عقد النية على عدم العودة مرة أخرى، وعدم النظر للمسألة كما يُنظر إليها بالمفهوم الإداري في تركيا على أنها أداء مأمورية في منطقة نائية كشرق تركيا مثلًا، وكذلك من الواجب عدم النظر إلى بلاد الهجرة على أنها “منطقة انقطاع وحرمان”، وإحصاء الأيام لترك تلك الديار، فهذا يُعَد إساءة لروح ومعنى الهجرة، فالذين يعيشون بخيال العودة لوطنهم الأم أو الذهاب لبلاد أجمل، لن يتكيفوا مع المكان المتواجدين فيه، ولن يستطيعوا أداء وظائفهم حقّها، وذلك لأن الإنسان الذي يهاجر بمثل هذه المشاعر، لن يحب المكان الذي هاجر إليه ولن يقبله، وبالتالي لن يعود بالنفع على هذا المكان.

أما الذي يحملون أفكارًا من قبيل: “لننتهِ من هذا الفصل بأسرع وقت، ولنذهب بعده إلى المكان الذي نفضل أن نذهب إليه”، فهؤلاء بهذه الملاحظة يكونون قد لوّثوا نياتهم، وحري بالإنسان المهاجر أن يمحوَ من ذهنه منذ البداية مثل هذه الأفكار والملاحظات، ولا يربط المسألة بفترة زمنية محددة.

إن الأمر كما ذكرنا، لكن لكل زمن شروطه الخاصة به ويمكن اتخاذ القرار وفقًا لما تحتاجه الخدمة، فقرارُ البقاء في المكان أو الهجرة مرة أخرى لمكان آخر يجب أن يُتَّخَذَ وفقًا لذلك، فالصحابةُ الكرام رضوان الله عليهم الذين هاجروا إلى المدينة قد انتقل بعضهم إلى ديار أخرى وفقًا لما فرضَتْهُ الظروف حينها، وقد هاجروا لأماكن كثيرة لتحقيق غاية مثلى، هاجر بعضهم إلى الشام والبعض الآخر إلى بغداد والبعض الآخر إلى بلاد مختلفة. وبعد أن قاموا بأداء وظيفتهم في ديار الهجرة تلك تركوها فاتحين أشرعة الهجرة إلى بلاد أخرى.

فمَنْ هاجر إلى بلد ما واكتسب منها خبرات وتجارب قد يتوجّب عليه أن يحمل هذه الخبرات والتجارب لأماكن أخرى، فلذلك على المهاجر أن يضمر في نيته البقاء في ديار الهجرة من جهة، ومن الجهة الأخرى أن يكون دائمًا على أهبة الاستعداد للهجرة لمكان جديد، فإن تحرَّك المرء بنية رضا الله تعالى، وبهدف تحقيق خدمات نافعة، فلا ضير حينها أن يهاجر من مهجرِهِ إلى مهجَرٍ آخر.

ولو أن البعض قالوا له: “إنك في هذه الديار منذ أعوام وأعوام ولقد قدمت هنا خدمات جليلة، ولو أنك عدت إلى بلدك الأم لقدمت هناك خدمات أكبر، وستعود بالنفع الأكبر عليها”، وقام حينها باستشارة من يثق في رأيهم ويعتمد عليهم وأشاروا عليه بنفس الأمر فحينها لن تصبح هجرته ناقصة، وسينال ثواب الهجرة كاملًا غير منقوصٍ بإذن الله.. ولقد استخلفَ الرسول صلى الله عليه وسلم بعض الصحابة في مكة بعد الفتح.. وإن لم يفعل ذلك من أجل إدارة وتنظيم حياة المسلمين الجدد؛ لعادت الفوضى إلى مكة واختل النظام مجددًا.

وفي الواقع فالأساس هو النية، ولقد افتتح الإمام البخاري كتابَه الجامع الصحيح بحديث “إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ“، ولذلك فعند الهجرة لا بد أن تكون النية هي نَيْلُ رضا الله تعالى، ومن بعدها إعلاء كلمة الله، وتتويج ذلك بالمجاهدة والتمثيل، وقد يتوجب على الإنسان حتى وإن خرج بنية البقاء في ديار الهجرة وخدمة أبناء تلك الديار، أن يتحرّك وفقًا لتغير الأوضاع والظروف، وقد يستنتجُ مع رفاقِه في طريق الخدمة أنّ انتقاله لمكان هجرة جديد سيكون ذا فائدة أعظم، وعليه حينها أن يكون مثل سادتنا الصحابة رضي الله عنهم بأن يتوجه أينما كانت خدمته أعلى وأكبر نفعًا، فيحمل قيمه وينقلها إلى القلوب المحرومة، ويضاعف هجرته.

نعم، إن النية في غاية الأهمية، فأحيانًا قد يحصل الإنسان على ثواب الهجرة دون أن يهاجر، على سبيل المثال قد يرغب الإنسان من صميم قلبه أن يهاجر لينقل ما حصَّله من خبرات وتجارب إلى أماكن أخرى بقصد الإفادة، ولكن الأشخاص الذين يعملون معه قد يرون أنه لو هاجر فلن يستطيع أحد أن يملأ مكانه، وبالتالي سيترك فراغًا كبيرًا، وأن وجودَه في مكانه الحالي هو أمرٌ ضروري، ويحاولون إقناعه بالبقاء.. ففي هذا الوضع نستطيع أن نقول أن هذا الإنسان وبمشيئة الله سينال ثواب نيته، فكما أن الهجرة ضرورية عندما تقتضي الحاجة إليها، فإن البقاء أيضًا ضروري بنفس القدر عندما تقتضي الحاجة إليه.. وحيثما ظلت نية الهجرة حاضرة في قلب الإنسان فإنه بإذن الله تعالى سينال ثواب الهجرة.

ومن جهة أخرى، قد يكون البقاء في مكان ما لفترة طويلة سببًا في ذبولِ الإنسان وفقدِه لحيويّته ونشاطه، وحينها قد يفقد القدرة على التعبير عن المعنى الواجب التعبير عنه في هذا المكان.. وقد يتسبب هذا القصور في مجموعة مختلفة من المشكلات، ولذلك في مثل هذه الحالة يكون من الأفضل عودة الشخص إلى موطنه الأم أو الانتقال إلى مكان جديد أو نطاق عمل مختلف داخل ساحة الخدمة.

ولو أنني كنت شخصًا يؤخذ بملاحظاته وفي يده الإمكانيات، لما كنت سأترك الأفراد في أماكنهم لفترات طويلة، ولكنت غيرت أماكن الجميع بعد فترة محددة، ولكنت حاولت تطوير النظام ووضعت المعايير، ووفقًا لها يتمّ تقييم أداء الأشخاص، ولو أنني رأيتُ شخصًا يفقد حيويته ونشاطه لكنت مباشرة وجَّهْتُهُ إلى عملٍ آخر يكون أفيد فيه.

وإن كان الأمر لا ينطبق على الجميع ولكن أغلب البشر الذين يبقون في نفس المكان لفترات طويلة، يفقدون عشقهم ونشاطهم، وتتكون لديهم حالة من الأنس والألفة، وقد يتعثرون في بعض الملذات الدنيوية، بل إن حالهم يماثل الماء الراكد الآسن، ويصبح وجهه قديمًا في نظر الآخرين، وبسبب الاعتياد أكثر من اللازم مع من حوله فقد يؤدي هذا لبعض إخفاقات فاضحة ويفقد على إثرها قيمته لديهم، وقد يظهرون له سأمهم منه، فلا يستطيع تقديم أنشطة وفاعليات جادة، ولذلك فإذا أراد الإنسان تجديد عشقه ونشاطه للعمل، وحتى لا يكرّر أخطاءه فعليه أن يحمل تجاربه وينتقل إلى مكان جديد، وهذا يُعَدُّ تعبيرًا عن المعقولية في الخدمة.

وعلى كل شخص ألا يعتقد ويرى نفسه إذا ذهب إلى مكان ما أنه حجرُ أساس لا يمكن المساس فيه أو العيش بدونه، بل على الجميع أن ينظروا إلى الأماكن المتواجدين فيها على أنهم أمناء عليها، وأن يركزوا جهدهم في الخدمات التي يجب تقديمها لهذا المكان، وإن بدا مكان جديد للخدمة فعليه أن ينهض وينطلق ليداوم خدمته هناك، ولأن إنسان الخدمة لا يتقاعد فهو حتى نهاية حياته ينتقل مسارعًا من مكان إلى مكان ومن مهجرٍ إلى مهجَر، ومودِعًا ما اكتسبه من تجارب وخبرات لدى الأجيال اللاحقة.

والأمر المهم هو تجهيز الإمكانات التي تتيح للأشخاص فرصة استخدام إرادتهم إلى أقصى حدودها، وإظهار جهدٍ وجدٍّ لتأمين استخدام قابلياتهم واستعداداتهم أفضل استخدام وأنفعه، وتُعَدّ هذه هي أهم وصفةٍ لمواجهة الذبول والركود.

[1] سعد بن خولة (ت: 7 هـ): صحابي جليل من السابقين إلى الإسلام، هاجر إلى الحبشة ثم إلى يثرب، وشهد غزوات بدر وأحد والخندق وصلح الحديبية مع النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ثم عاد إلى مكة، فمات بها قبل الفتح سنة 7 هـ، وقد أسى النبيُّ وحزنَ على وفاته لما زار سعد بن أبي وقاص في مرضه الذي أصابه عام الفتح حيث قال: “اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ، لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ“. (صحيح مسلم، الهبات، 8)

[2] صحيح البخاري، الجنائز، 35؛ صحيح مسلم، الهبات، 5. (متفق عليه)

[3] صحيح مسلم، الهبات، 8.

[4] يقصد بقوله: “لكن البائس سعد بن خولة” البائس هو الذي عليه أثر البؤس وهو الفقر والقلة، و”رثى له رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن توفي بمكة”؛ قال العلماء: هذا من كلام الراوي وليس هو من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، بل انتهى كلامه صلى الله عليه وسلم بقوله “لكن البائس سعد بن خولة“، فقال الرواة تفسيرًا لمعنى هذا الكلام إنه يرثيه النبي صلى الله عليه وسلم ويتوجع له ويرق عليه لكونه مات بمكة، وقيل سببُ بؤسه سقوطُ هجرته لرجوعه عنها مختارًا وموته بها، وقيل: سببُ بؤسهِ موتُه بمكة على أي حال كان وإن لم يكن باختياره لما فاته من الأجر والثواب الكامل بالموت في دار هجرته والغربة عن وطنه الذي هجره لله تعالى. (شرح صحيح مسلم: محمد فؤاد عبد الباقي، الهبات، 5)

[5] صحيح مسلم، الهبات، 5.

[6] مسند الإمام أحمد، 28/155.

ابتلاءات القضايا الكبرى

Herkul | | العربية

   سؤال: عندما ننظر إلى التاريخ نرى أنه حين ظهرت القضايا الكبرى على الساحة تعذّر على الجميع إدراك قيمتها بالقدر اللازم، وتعذّر فهمُ ممثليها بالقدر الكافي.. فما أسباب ذلك؟

   الجواب: لا يمكننا التعميم في هذا الأمر إلا أن مصير الكثيرين كان هكذا بالفعل.. لقد تعذّر التعرف عليهم خلال الفترة التي عاشوها، حتى إن من نشؤوا معهم في البيئة نفسها، وتحلّقوا معهم على ذات المائدة عانوا من حجابٍ نشأ عن شدّة قربهم منهم، وأُصيبوا بمرض العجز عن رؤية ما هو قريب.. ومن المؤسف أن الكثيرين منهم لم يستطيعوا التعافي من هذا المرض، وفي حياة الرسل والأنبياء وكذلك في حياة أتباعهم المخلصين العديدُ من الأمثلة على هذا.. بالطبع ليسوا كلهم بنفس المستوى، فهناك فوارق نسبية؛ فبينما كان هذا الوضع بشكلٍ بسيط نسبيًّا لدى بعضهم، تُرك البعض الآخر منهم للوحدة حيث جُرِّدوا من المجتمع الذي يعيشون فيه بأكمله.

فبالنظر إلى حياة مفخرة الإنسانية وخاتم سلسلة النبوة صلى الله عليه وسلم نرى كيف عُزل وأُقصيَ لا سيما في السنوات الأولى من البعثة؛ فكانت نظرة مشركي مكة إليه صلى الله عليه وسلم لسنوات عديدة على أنه “يتيم أبي طالب”، وكانت نظرتهم إليه المبنية على أنه الطفل أو الشاب الذي شاركوه الشوارع والجادات نفسها؛ تمنعهم من رؤية الحقيقة.. فلم يتمكنوا من رؤيتها رغم قربهم منها.

   المنافسة بين الأقران

من جانب آخر هناك شعور المنافسة بين الأقران، ينبغي للإنسان أن يكون كاملًا كي يتمكن من تقبل مميزات وفضائل أقرانه، لقد كان العلماء من السلف الصالح إذا درّسَ أحدهم طلّابه كتبًا معينة، ووصل معهم إلى نقطة محددة من التربية والتعليم يقول لهم: “يا أولادي! لم يبق شيء آخر تأخذونه مني، هناك شيخٌ في مكان كذا، عليكم أن تلتحقوا بدروسه من الآن فصاعدًا”.. إن مثل هذا التصرّف مهمٌّ للغاية من أجل دحر شعور التنافس، وقطع الطريق أمام شعور التناطح أو عدم إفساح المجال للحسد، بالإضافة إلى أن هذا يؤدّي إلى أن تترسخ وتستقر أخلاق العلم بين العلماء.

لقد طُبق مثل هذا النوع من الممارسات في التكايا والزوايا أيضًا، والتي هي أماكن الترقي إلى مستوى حياة القلب والروح، ولنفترض أن سائرًا إلى الحق دخل في هذا الطريق ووصل إلى مقام “السير إلى الله” على يد شيخه، فإن كان الشيخ لا يستطيع أن يرقى بمُرِيدِه إلى مقامات “السير في الله” و”السير مع الله” أو “السير عن الله”، ويستحيل عليه أن يُريه هذه الآفاق، ولا يقدر على توفير الزاد والمؤونة اللازمة له في هذا الطريق قال له بكل سهولة: “بُنيَّ! إنني لا أستطيع أن أحملك إلى أبعد من ذلك، هناك مرشد كامل في مكان كذا، اذهبْ إليه وتَتلْمَذْ على يديه”.

إن مثل هذه التصرفات المنصفة والنابضة بالحق ستمنع تلك المشاعر السلبية المذكورة آنفًا.

   أولئك العظام الذين تعذرت معرفتهم في زمانهم

من الصعب بالنسبة للناس أن يستطيعوا التصرف بعدلٍ وإنصاف، ولا سيما إزاء أشخاص مختلفي المشارب والمسالك؛ فأحاسيس الغيرة بين هؤلاء الأشخاص يمكن أن تظهر أكثر، فقد يشعرون بالانزعاج ممن هم أكبر وأعظم منهم، وقد وقعت مثل هذه الأحداث بشكل متكرّر في التاريخ.

فعلى سبيل المثال يمكن القول إن الإمام الغزالي لم يتسنَّ له أن يُعرف في عصره هو بما يليق بقدره وقيمته، حتى إن البعض اعتبروه مبتدعًا، وتعرّض لنقد العديد من معاصريه.

عندما نرجع إلى الوراء وننظر إذ بنا نسمي الإمام الرباني بـ”مجدد الألف الثاني”، إلا أنه هو الآخر لم يُعرف بالقدر الكافي في زمانه هو، حتى إنه أُلقي في السجن، وتعرض لكل أنواع الصعاب، ولا يمكن القول إنّ “شاه ولي الله الدهلوي”، ومولانا “خالد البغدادي” وهناك الكثيرين غيرهم قد قُدروا حق قدرهم في الفترة التي عاشوا فيها.

إننا اليوم نقرأ مؤلفات الدكتور “محمد إقبال”، مثل: أسرار الذات، ورموز نفي الذات، ورسالة المشرق، وجاويد نامه.. ولا يمكننا أن نمنع أنفسنا من قول: “ليت هذه الأفكار العميقة عُرفت في زمانها، لو أن ذلك قد حصل لجاء صداها مهمًّا للغاية في بلاد الهند، ولكانت تعني أشياء مختلفة جدًّا”.. المؤسف أن المجتمعات تعجز عن التصرّف بشكل منصف بالقدر الكافي إزاء الرسل والأنبياء الذين ظهروا من بينهم، وكذلك العديد غيرهم من الذوات والأفكار العظيمة أيضًا.

وعندما ننتقل إلى يومنا هذا يتعذر القول كذلك إن الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي كان معروفًا من قبل معاصريه، فكم عالمًا من العلماء المشاهير وقف إلى جانبه وسانده؟ لم يبرز من بين علماء الإلهيات ولو حتى بضعة أشخاص يدافعون عنه، ولو أن المتخرجين في المؤسسات التعليمية آنذاك مثل الجامعة أو مدرسة الوعظ التي خرّجت علماء ذلك العصر ساندوا هذا الإنسان ودعموه؛ لكان تأثير الخدمات التي أنجزها أكثر وأعظم؛ فمثلُ هؤلاء الأشخاص يُصبحون قادة الرأي في المجتمع، وترقُبُهم الأمة، وتحترم ما يقولونه.. ولو أنهم أيقظوا الضمير العام لخزينة الكنوز التي قدمها بديع الزمان لكانوا سببًا في تطورات عملاقة، ولتدفق في دفاتر حسناتهم الثوابُ الناتج عن الخدمات التي سينجزها الخَلَفُ انطلاقًا من هذه الأعمال.

إننا بينما نقول هذا ينبغي ألا ننسى مَنْ ساندوا هذا الإنسان مثلما فعل الحواريون، واستماتوا في دعمه واعتبروا السجون وكأنها من رياض الجنان، إنهم حقًّا أناسٌ لا يمكن تعويضهم وملء فراغهم، غير أن عددهم لم يكن كبيرًا، إن عددهم لا يتجاوز أصابع اليد.

وهنا يمكننا أن نسأل أنفسنا السؤال التالي: على الرغم من مرور أكثر من نصف قرن منذ ذلك الحين، هل تمكنا من التعرف بحق على هذا الشخص والبنية الفكرية التي قدمها؟! من يدري، ربما سيكون من نصيب الأجيال القادمة أن تعرفه وتفهمه بالوجه الذي يليق به.. إن من أقاموا خيامهم في الأماكن التي أشار إليها، ومن واصلوا حياتهم في فلك القضية التي وضع أساسها سوف يتعرّفون على هذا الإنسان بخدماته وأعماله النفيسة التي خلّفها، وإنني لآمل أن يتمّ على يد هذا الجيل المشرق القادم إنجازُ المهمة التي ينتظرها هذا الشخص.

وهذا يعني أن مصير الكثير من القضايا والأفكار العظيمة وكذلك ممثليها كان عدم الاعتراف بها من قِبل معاصريها، فإن بعضها لم يُعرف تمامًا، والبعض الآخر قد عُرف ولكن ليس بالقدر اللازم.

كذلك لا يمكن القول إن المسيح عليه السلام لاقى حسن القبول بالقدر الكافي في فترة حياته، فعندما اقتُحم منـزله عنوةً عليه السلام كما تُقتحم أوكار قطّاع الطرق؛ لم يخرج أمام هذه الحشود عشرةٌ من أصحاب المروءة فيفتحون أذرعهم كما المقصّ ويدافعون عنه قائلين: “توقفوا، هذا طريق مسدود!”.. فبعدَ أن رحل من بينهم فحسب؛ بدأ الناس يقدّرون قيمته ويركضون من خلفه في حشود كبيرة، وكان لا بد من أن تمر عدة مئات من السنين حتى يتم الاعتراف بدينه رسميًّا من قبل الدول، إلا أنه قد أُفسد في هذه المرّة لونُ ونسقُ هذه الرسالة التي جاء بها؛ وفي حين اجتُزئَت منها بعض الأشياء وحُذِفت، أُدخلت فيها كذلك بعض العناصر الأجنبية التي تنتمي إلى الوثنية الرومانية.

إن مَنْ يتجول بين صفحات التاريخ بخياله ربما يقع في تساؤلات مختلفة إزاء مثل هذه النماذج من الغدر والخيانة، وربما يقول “لماذا لم يُقدَّر فلانٌ حقَّ قدره؟”، أو “لماذا لم يتمكن الأشخاص المحيطون بفلان، والذين يأخذون مكانهم في الصف الأول إلى جواره من أداء واجباتهم الواقعة على عاتقهم؟”، إن تحمل هذه المسؤولية التاريخية ودعمها لم يكن مُيسَّرًا للجميع.

   الارتباط العقلي والمنطقي

هناك نقطة مهمّة بخصوص هذا الموضوع يُستَحْسَنُ الوقوف عندها، ألا وهي أن بعض العلماء الكبار كان لهم محبُّون بالآلاف والملايين، وبالطبع فإن مثل هذا الارتباط لا يُستهان به، فرابطة المحبة والرابطة العاطفية لها قيمتُها، ولكن المهم في الأساس هو عدم ترك هذه الرابطة في مستواها العاطفي بل رفعها إلى مستوى العقل والمنطق.. وبلفظ آخر فيجب ملءُ فراغات الرابطة العاطفية وإحكام وتقوية تلك الرابطة بالعقل والمنطق، وحينما يحدث ذلك ستكون رابطة العلاقة والمحبة دائمة.

ودعونا نحاول فهمَ المسألة من خلال مثال آخر، مثلًا نحن مطالَبون بحب الله عز وجل، ونحن نعبر عن هذا الحب من خلال وسائل متنوعة، ولكن الأمر المهم هنا هو معرفة الأسماء الحسنى والصفات السبحانية للذات الإلهية وتجلياتها في عالم الوجود والتعريف بها، والعلماءُ الكبارُ من أمثال الإمام بديع الزمان سعيد النورسي والإمام الرباني والإمام ابن عربي حاولوا القيام بهذه المهمة كلٌّ بحسب أفقه وزاوية مشاعره، وذلك لأن العلاقة والمحبة المتولدة من المعرفة المبدئية، قد لا تكون كافية بالنسبة لمرحلة انفتاح الأفق والمراحل التي تليها، ولذلك فيجب ملء هذا الفراغ الحاصل وبهذا الشكل يتم تقوية العلاقة والارتباط الشعوري بالمنطق والمحاكمة العقلية، والإنسان الذي يقوم بهذا يعرف أسباب المحبة، ويستطيع أن يقول: “إنني أحب فلانًا لهذه الأسباب..”، وكلّما مرَّ يومٌ يتفكّر في الأسباب الداعية لحبّه فيقوي هذه الرابطة وينطلق معرّفًا بها بصوتٍ جهوري.

ونفس الأمر ينطبق على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالصحابةُ هم أولئك الذين عايشوه صلى الله عليه وسلم، وعرفوه عبر معاني رسالته التي حملها، فأحبوه وأوقفوا أعمارهم في سبيله صلى الله عليه وسلم، وواجهوا الصعاب بصدورهم، وثبتت أقدامهم، وقويت جذورهم الفكرية والعاطفية لدرجة أنهم أمام الحوادث العُظمى لم يهتزوا ولو هزة صغيرة.. أما أولئك الذين اكتفوا منه صلى الله عليه وسلّم بعلاقة عاطفية شعورية، ولم يدركوا رسالته حقَّ الإدراك فهؤلاء الذين سقطوا في حوادث الردّة.

والأمر المهم هنا، هو أن نجعل العلاقة التي تربطنا بالعلماء الكبار علاقة مؤسسة على أرضية قوية، وإلا فالعلاقة الشعورية العاطفية الفارغة من الداخل لن تصمد طويلًا، وإذا عرفنا هؤلاء العلماء من خلال أفكارهم وكتبهم وآفاقهم العالية، فستكون العلاقة التي تربطنا بهم علاقة دائمة، فالارتباط الدائر في فلك العقل والمنطق لن يقلل من محبتهم بل سيزيدها.

وكما يُرى فإننا لا يمكننا أن نجعل الذين يُحبُّون الرسولَ صلى الله عليه وسلم ومَن بعده من كبار العلماء على نفس الدرجة، فبعض منهم يرتبط ابتغاء إلحاق النسبة به ويتصرف بأنانية الجماعة، وبعض آخر يتخذ موقفًا ابتغاء منفعة يريد تحصيلها، والبعض الآخر يتحرّك وفقًا لسيكولوجية الجماهير، بمعنى يتحرك حسبما يتحرك الناس حوله، لكن هناك بعضٌ آخر يتدارسون كتب هذا الشخص ومؤلفاته، ويحاولون التعمق في الأفكار الواردة بها فيضعونها تحت منظار المنطق والمحاكمة العقلية، أما كلماته وأفعاله فيستقبلونها بقلب واسع ووجدان رحب فيشعرون بها ويدركونها تمامًا، وكل هذا يدعم ثقتهم ويقوي ارتباطهم.

   خدعة شيطانية

قسمٌ آخر من المسألة أنه لم يكن للأنبياء الكرام عليهم السلام ولا كبار العلماء من الدعاة أيَّ غرضٍ دنيوي وراء دعوتهم، ولم يشتكوا من أنهم لم يُعرفوا أو يُفهَموا على الوجه الصحيح، ولم يخاصِموا أحدًا لم يقدر قيمتَهم، فهم بدلًا من الانشغال بذلك ركّزوا جهودهم على أداء وظيفتهم ومهمّتهم، وفعلهم هذا ينبغي أن نتّخذه مثالًا نقتدي به، فالعلماءُ الكبار الذين كتبوا كتبًا ونشروا أفكارًا وقاموا بفاعليات أثرت إيجابًا في عصرهم وفي العصور اللاحقة -رغم أنهم لم يعرفوا ولم يفهموا بالوجه اللائق- داوموا على طريقهم بنفس العزم وكأنّ شيئًا لم يحدث، أما بالنسبة لنا ونحن العاديون فمن الممكن والأولى ألا نُفهم أو نُعرف، ويجب ألا يكون هذا الأمر معرقلًا لنا، وألا نقعَ في الخصام والاستياء، بل الواجب علينا هو المداومة على خدمتنا بنفس السرعة والعزيمة.

إن الخطوات التي تكون في سبيل الله لا يمكن أن يستهان أو يستخف بها، بل إن عملًا صغيرًا بمقدار قطرة سيصير مع الوقت بحرًا، وفي يومنا الحاضر فالجهودُ التي يقوم بها من نذروا أنفسهم للتعريف بالله ورسوله في أرجاء المعمورة تستحقُّ التقدير، وذوو العقول والناظرون للمسألة بإنصاف وجداني يعترفون بقيمة وقدر الفاعليات المقامة، بل إن بعضهم عبّر عن رغبته في المساهمة بتلك الفاعليات، إن خدمة الإيمان والقرآن تشبه حملَ كنـزٍ ضخم، ووظيفتُنا تجاه الأيادي المسارعة للمساعدة في حمل هذا الكنـز، هو إجابتهم بالشكر والعرفان.

كما أن المرضى بأنواع مختلفة من الأمراض النفسية مثل الكبر والعناد والحسد وإصدار الأحكام المسبقة، يواجهون الأعمال الحسنة، بل وبحسب الواقع فإنهم يضعون الحواجز أمامها، ومن الحقيقة المرة أن فئةً حاولت عن قصدٍ تشويهَ الفاعليات الحسنة ونسبت إليها ما هو بعيدٌ عنها ولا يمكن تخيُّله معها، وكل هذا قد يكون منشؤه الأصلي وسببه الرئيسي هو الجهلُ؛ لأن الإنسانَ عدوُّ ما يجهل.

إن التغافل عن كل هذه الأمور وعدمَ الشعور بالأسف أمرٌ ليس بيد الإنسان، لكن يجب علينا ألا نفتح المجال للشيطان ليخدعنا، فالشيطان قد يأتي للإنسان من جهة اليمين، ويدخل ليوسوس لنا بحجّة أن قدرَنا وقيمَتَنا غير معروفين، ويعرض لنا الجموع الشاخصة أمامنا بشكل مخالف عمّا هي عليه، فيشعرنا بالاستياء من إنسان عصرنا ومخاطبنا الذي لم يتلهّف لما نقوم به من خدمات ويتلقّفها بالقبول، وقد يقول: “لماذا هؤلاء لا يرون الساعين من أجل تحقيق المشاريع الهامة على مستوى العالم؟”، وقد نتّهم مخاطبينا بأنهم غيرُ أوفياء وبلا حسٍّ ولا مشاعر، وحينها يدفعُنا لإظهار مشاعر الامتعاض والاستياء.

وهكذا وفي أحيان كثيرة فعلينا متى ما شعرنا -دون وعي منّا- بخيالات وتصورات وأمور عالقة في الذهن ألا نطلق لها العنان، بل نسيطر عليها مباشرة عبر الإرادة، وعلينا أن نقول: “إذا كان هناك من لا يعرف قدر وقيمة أمثال الإمام أبي حنيفة، والإمام أحمد بن حنبل، والإمام الغزالي، والإمام الرباني؛ فمن نكون نحن حتى نُعرف؟!”، أما إعراض الناس عنّا فيمكن إرجاعه إلى تقصيراتنا وذنوب أنفسنا، بل علينا أن نرى أنفسنا مستحقّين لما نقابله من مثل هذه الأطوار والتصرفات التي تؤلمنا وتؤذينا، وعلينا مواجهة أنفسنا ومحاسبتها.

أو علينا أن نقول: “من المحتمل أننا لم نستطع أن نشرح لهم بأسلوب سليم القيمَ التي نؤمن بها والطريق الذي نتبعه، أو أن مستوانا غير كافٍ حتى نشرح لهم الأمر، كان لا بد لنا أن نشرح لهم الأمر على مستوى أعلى”، فنحن لسنا بأنبياء حتى نستطيع أن نبلغ ما أمر به الحق سبحانه بنفس درجة نقائه وبهائه دون أن يذبل أو يتغير أو يفقد لونه، بل إن أوضح الحقائق عند مرورها بقلوبنا وألسنتنا قد تفقد لونها وبريقها، ولهذا السبب عند تعرضنا للفشل وللسلبيات علينا بدلًا من البحث عمن نتهمه أن نبحث في دورنا هل قمنا به كما يجب أم لا؟

وباختصار، فما نتعرض له من عدم وفاء علينا أن نجد له سببًا معقولًا، وألا نجعل هذه الأمور سببًا لتلويث عالمنا الداخلي، وعلينا ألا نساعد الشيطان والنفس على ملء عالَمِنا الذهني بالأفكار الملوثة، وألا تجرّنا إلى أودية خاطئة، بل علينا أن نتجرّد من تلك الأفكار مباشرة، وألّا نفسح لها المجال في أرواحنا ومن بعد ذلك تجعلنا نظهر العداء والاستياء لمن حولنا من الناس، إننا لا نقوم بهذه الخدمات لكي يعرفها أحدهم أو يراها، ولا من أجل نَيْلِ التقدير والتبجيل، إننا نقوم بها ويجب علينا أن نقوم بها فقط من أجل نيل رضا الله سبحانه، فمن بعد معرفته ورضاه سبحانه، لا يهم أن يعرفها الآخرون أم لا.

إن ما يقع على عاتقنا هو القيام بأداء وظيفتنا ومسؤوليتنا حق الأداء في هذه الحياة الدنيوية المؤقتة، وانتظار الـأجر والمكافأة من الله سبحانه فقط، أما معرفة قدركم وقيمتكم أو عدم معرفتها فلا أهمية له، وبعد قيامنا بعمل ما يوافق القرآن والسنة فلو وقفت الدنيا كلها أمامنا سيكافئنا الله سبحانه وتعالى على ما قمنا به، ولو أن الخدمات التي قمنا بها حازت على توجه الناس ففي هذه الحالة سيكون هذا لطف كبير ونعمة عظيمة من الله سبحانه وتعالى، ويتوجب علينا في المقابل حمد وشكر ربنا الرحيم سبحانه وتعالى.

إدمان الخدمة

Herkul | | العربية

   سؤال: ما المقصود بعبارة “إدمان الخدمة” التي يتكرر ذكرها في دروس الوعظ، وما هي خصائص مدمني الخدمة؟

   الجواب: إن إدمان الخدمة بإيجاز شديد يعني أن يُكرّس المرء نفسه لغاية مثالية معينة، فإذا كان الإنسان يفكر في الخدمة ليل نهار وفي قيامه وقعوده، ويضع الخطط والمشاريع في سبيلها أيضًا فهذا يعني أنه قد صار مدمنًا للخدمة، كما أن ذهابه إلى المدرسة أو دراسته أو كتابته أو تسطيره شيئًا ما يكون دائمًا من أجل الخدمة، إنه مستعد للتضحية بما يملك من مشاعر الفيوضات المادية والمعنوية من أجل تبليغ الحق والحقيقة للصدور المحرومة، وإنقاذ الناس من لوثيات العصر، والأخذ بيد من سقطوا في مستنقع الوحل فيخرجهم منه.

وبتعبير آخر: فإن إدمان الخدمة يعني أن يرهن الإنسان تصرفاته وسلوكياته كلها برضا الله ومرضاته، وأن يستخدم كافة القدرات والإمكانيات التي يمتلكها في سبيل أن يُعرِّف الإنسانية جمعاء بالله عز وجل.

يصير البعض مدمنين للمواد الضارة كالسجائر أو المسكرات أو المخدرات؛ بينما يدمن الآخرون تناولَ ثلاث وجبات يوميًّا، واحتساء الشاي أو القهوة ثلاث أو أربع مرات في اليوم.. هذه الأنواع من الإدمان هي تعبير عن الضعف البشري، والحقيقةُ أنه يجب على المؤمن ألَّا يكون مدمنًا لأي شيء بهذا المعنى؛ إذ ينبغي له أن يعدّ نفسه ويدرّبها بحيث يستطيع البقاء على قيد الحياة في ظل أقسى الظروف، وأن يقدر على تحمل الظروف الصعبة عند الضرورة، وأن يعرف كيف يعيش بأقل القليل في أسوإ الظروف. ومع ذلك فإنه ليس في الاستفادة من النعم المباحة على وجه العموم أيُّ ضرر على دين المرء وتدينه، ذلك أنه لن يكون سهلًا على مَنْ أدمنوا بعض الأمور، واعتادوا الرفاهية والراحة أن يكونوا متحدثين باسم الحق مُتَبَنِّين للحقيقة في الأوقات الصعبة والحرجة.

عندما يتعلق الأمر بإدمان الخدمة فإنه لا يعني تعبيرًا عن ضعف ما؛ بل على العكس، إنه خصلة سامية يمكن الحصول عليها بجهد وسعي جادّ وحقيقي، فمثلما يجب على المرء في بداية الأمر أن يضغط قليلًا على نفسه ليصير مدمنًا للعبادة، فإن إدمان الخدمة أيضًا مرهون بتصميم وعزم جادّين منذ البداية. ويذكر سيدنا صلى الله عليه وسلم أنه يستمتع بعباداته، كما نستمتع نحن بالأكل والشرب[1]، ولا أدري إن كان من الصحيح أن يُقال عنه عليه الصلاة والسلام أنه “مدمن العبادة”، أم لا؟ إنني شخصيًّا أتحرّج من استخدام مثل هذا التعبير بشأنه صلى الله عليه وسلم، ولكننا إذا استثنينا سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام، أمكن أن يُطلق تعبير”مدمن العبادة” أو “أسير العبادة” على من يعيشون متعة روحية على هذا المنوال أثناء العبادة.

إن مدمن الخدمة يرهن حياته لإعلاء كلمة الله؛ فكلّ مشاعره وأفكاره ومشاغله هي: “اللهم وفّقني للخدمة في سبيل أن يرفرف الاسم الإلهي الجليل، والروح المحمدية العظيمة خفّاقةً في آفاق السمو نحو الأعالي ليكون للحياة معنًى، وإن لم أستطع القيام بذلك فاقبض روحي فإنه لم يعد للحياة معنى”، إنه -بدلًا من أن يعيش حياة بلا معنى- يفضّل أن يقدّم إلى الله طلبًا للرحيل ويستقيلَ من مثل هذه الحياة.

وليس معنى هذا قطع العلاقة عن أمور الدنيا.. على العكس، بل التفكير في الخدمة حتى أثناء العمل والكسب، إنه يعمل ما يعمل، ويمتلك ما يمتلك من إمكانيات، ويرتقى إلى ما يرتقي من مناصب، ويسعى لاستثمار كل ذلك ليكون ترجمانًا للحق والحقيقة، وداعمًا ومساندًا لها.. إن المناصب والرتب التي يستحيل الاستفادة منها من أجل نصرة الحق ورفعته، والدفاع دائمًا عن الحق والحقيقية ليست لها أية قيمة تُذكَر في نظره، ولا أهمّية للتصفيق عنده، ولا للتقدير، ولا للشهرة، ولا للراحة والدعة كذلك.. كل هذه الأشياء ليست أهدافًا يتوجب السعي خلفها، إن همّه وشاغله الوحيد هو الغاية المثالية التي يعشقها من صميم قلبِه.

وليس سهلًا على الإطلاق الوصولُ إلى هذا المستوى من الفدائية، ففي البداية هناك حاجة إلى الانطلاق بعزم وإصرار حقيقيين، وإلى إجهاد النفس وترويضها على تحمل الصعوبات إلى أن تعتاد.

كان لنا صديق -انتقل إلى رحمة الله- عندما عُرض عليه لأول مرة المساهمة بشيء في سبيل عمل الخير، قدم مساعدة مالية بسيطة ذلك اليوم.. لقد أعطى قدرًا من المال يعادل راتبًا شهريًّا يتقاضاه موظّف عادي، لكنه وصف مدى صعوبة ذلك بالنسبة له في ذلك الوقت بهذه الكلمات: “كأني أخرجت قلبي وأعطيتُه”، لكن الشخص نفسه صار فيما بعد مدمنَ خدمة؛ حيث قام بذلك عدة مرات، واجتاز امتحانات مختلفة، وبعد أن ارتقى إلى ذلك الأفق أنفقَ كلَّ ما كان يملكه في سبيل الله، حتى إنه كان مستعدًّا لأن يبذلَ روحَه بكل سرور ورضًا لو أنها طُلبت منه.

 ولقد التقيتُ بأشخاص عظماء نذروا أنفسهم للخدمة أيضًا؛ لدرجة أنني كنت دائمًا أغبط نفسي لوجودي بينهم، هؤلاء الأصدقاء كانوا يستاؤون ويمتعضون عندما لا يُدعَون لأن يضربوا بسهمٍ في الخير، ويقولون: “لماذا نُسينا؟ أرَدْنا أن نقدِّم شيئًا نحن أيضًا!”، وكان بعضُ رجال الأعمال يقول: “يهاجر الطلاب إلى جميع أنحاء العالم، ويهاجر المعلمون أيضًا، فلنهاجر نحن كذلك!”، فيجمعون حقائبهم ويسافرون، وهذا يعني إدمانَهم فكرةَ خدمة الإنسانية في سبيل الله، إلى أن صارت تدفعُهم إلى جهدٍ وسعيٍ مستمرّ.

وإذا شعر الإنسان بمثل هذا الالتزام والارتباط إزاء الخدمة فإنه يريد أن ينتهز كلَّ فرصةٍ تلوحُ له في سبيل هذه الغاية المقدسة، إنه يرغب في الانفتاح على جميع أنحاء العالم، وإضاءة شعلة النور في كل مكان، فإن لم يستطع القيام بذلك اعتبر العيش عبثًا بالنسبة له، وكما أن مَنْ يُدمنون بعض الأشياء يعانون أشد المعاناة بل يموتون في بعض الحالات إذا ما أبعدتموها عنهم؛ فإنني أعتقد أن مدمني الخدمة يُصابون بالجنون إن تُجرِّدوهم منها.

إن ما نحتاجه في كل وقت وحين هو جعلُ مثل هذا الفهم خُلُقًا وسجية، وإنها لَحقيقة أن هذا قد وقع بالفعل بمراتب ومستويات مختلفة في البيئة التي نحن فيها، ونأمل أن يتمّ -يومًا ما- تبنّي هذا الفهم في بيئة أكبر بكثير إن شاء الله؛ فالأشخاص الذين يدمنون مثل هذا الفكر سوف ينيرون العالم بإذن الله وعنايته، وسيجعلون هذا الشعور والفكر ينمو ويزيد في كل مكان، وسيكشفون للبشرية مرة أخرى طريق الطمأنينة والسلام، ويعلمونها آداب الحياة بإنسانية.

وكما أنه من المهم للغاية جَعْلُ الأشخاص مدمنين للخدمة حتى يتسنّى لهم تحقيقُ مثل هذه النتيجة فإن استثمار قابليات وقدرات الأشخاص المدمنين للخدمة أمرٌ مهمٌّ بالقدر نفسه، من المهمّ جدًّا تهيئةُ البيئة اللازمة حتى يتسنى للجميع تحقيق الأداء المُنْتَظَرِ منهم، ودفعُهم للسعي والعمل بطريقة مربحة، كي تؤتي جهودُهم ثمارَها.. كما أنه من المهمّ جدًّا عدمُ تعطيل أيّ شخص أو التضيق عليه، من الضروري وضعُ الشخص المناسب في المكان المناسب، وتوزيعُ الأعمال توزيعًا جيّدًا جدًّا.. ويجب أيضًا إحالة هذه الأمور إلى المشورة، والتصرف بعقل وتفكير مشترك.

نعم ينبغي فتح الطريق أمام الجميع، ويجب أن يتحمل الناس المسؤولية، ويجب كذلك أن تُحترم خدماتهم وتُقدَّر، وتنبغي الاستفادة من تجارب الكبار وخبراتهم، ومن ديناميكيات الشباب وطاقاتهم أيضًا، يجب استخدام كل فرد وفقًا لموقفه ووضعه، وكما قال سيدنا صلى الله عليه وسلم في بياناته المباركة: “لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا[2]، وإلا فإن لم يُظهر الشبابُ الاحترامَ اللازم لرموز الخدمة الذين كرّسوا حياتهم كلّها للخدمة، وقلّلَ الكبارُ كذلك من شأن الشباب قائلين: “أنتم لا تزالون أطفالًا حتى الأمس”، وقلّلوا من شأنهم، فقد انسدّ هذا الطريق.

إذا كان هناك انسدادٌ هكذا في مكان ما، فهناك حاجة إلى جراحة تحويل مسار من أجل انبعاث الخدمات من جديد، فيجب مراجعة العلاقات مرة أخرى، وإحياء روح التفاوض والمشورة مجدّدًا، وبالتأكيد يجب مساعدة الجميع على العمل في قنوات معينة وفقًا لقدراتهم حتى يظلّوا حيوِيِّين وأقوياء ونشطاء، إذا لم يعمل الناسُ فلا مفرَّ من أن يحدث تآكلٌ وخمولٌ بعد فترة، وتضعف العضلات والجهاز العصبي.

أريد أن أذكر شيئًا أخيرًا؛ تعلمون أن حضرة الشيخ الجليل بديع الزمان يقول: “إن الشياطين يكدون أنفسهم ويجهدونها مع خدام تلك الدعوة المقدسة”[3]، لأن عداوة الشيطان تكون بحسب مستوى كل فرد؛ فمن يستمسكون بدين الله ويطبقونه ويمثلونه حقّ التمثيل هم أعداؤه الرئيسون، لذلك فمَن عزم على إحياء الدين، وأسلم نفسه للخدمة وأخلص لها، وصار مدمنًا لهذا الأمر فسيتعرض لمكائد الشيطان كثيرًا، وسيحاول دائمًا تشويشَ عقلِه، وطمسَ نظرِه، وسوقَه إلى أشياء تافهة لا نفع فيها.. لماذا ينشغل الشيطان بمَنْ يكون صيامهم في المواخير، وعيدهم في الحانات، وإفطارهم في معابد الأوثان؟!، لماذا يضيع طاقته سدى بالانشغال بهم؟! إنه مُفسِدٌ محترفٌ.. لذا من المهم جدًّا أن يستعيذ مدمنو الخدمة دائمًا بالله تعالى من الشيطان، وأن يكونوا يقظين في جميع الأوقات للشرر الذي قد يأتي منه.

*** 

[1] انظر: سنن النسائي، عشرة النساء، 1؛ الطبراني: المعجم الكبير، 12/84.

[2] سنن الترمذي، البر والصلة، 15.

[3] بديع الزمان سعيد النورسي: اللمعات، اللمعة الحادية والعشرون (رسالة الإخلاص)، ص 221.

التخلص من الشكليّة

Herkul | | العربية

أحيانًا ما ننخدع في الواجبات التي نقوم بها باسم الدين، ونظنّ أننا بالقيام ببعض الشكليات المطلوبة منا قد أدَّينا واجبنا.. لنفترض أننا نعمل بالإمامة في مكان ما، فنأتي إلى الجامع، ونتقدم الناس فنؤمهم في الصلاة، وحين ننهي وظيفتنا ننهض فنذهب إلى منـزلنا أو إلى عمل آخر لنا.. أو أننا كُلِّفنا بالوعظ في مكان ما، فنعتلي المنبر في أيام معينة من الأسبوع، ونحاول أن نُحدث الناس ببعض الأشياء، وربما أننا أثناء ذلك نصيح ونصرخ، ثم ننزل عن المنبر ونحن مطمئنون لكونِنا قمنا بعملنا، ثم نذهب ونهتم بأمورنا الحياتية.. إننا ننظر إلى الأمور الدينية مثل الإمامة في الصلاة، والوعظ والنصح، وتعليم القرآن والعلوم الدينية مثل أداء موظف لما هو مكلف به من مهام أو عامل لما نيط به من أعمال.. وحين يكون الأمر هكذا يضيع روح العمل ومعناه ومضمونه.

إن أخطر ما يعترضُ هؤلاء الذين ينشدون غاية مثالية ويركضون إثر تحقيق بعث جديد هو أن ينظروا إلى المسؤوليات التي تحملونها على أنها “عمل” و”واجب” عادي، ويجتهدوا ويكدوا في الوحدات والمجالات التي وُظِّفوا فيها، إلا أنهم إلى جانب هذا لا يُراعون العلاقة مع الله ومع سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام.. إنهم وإن كرّسوا أنفسهم تمامًا “لأعمالهم”، وبدوا ناجحين فيما اضطلعوا به من الأعمال؛ فلن يكونوا قد وُفِّقوا بالمعنى الحقيقي في الأعمال التي أنجزوها طالما أنهم لم يستطيعوا التخلّص من استيفاء الأمور الشكلية والظاهرية فحسب، ولم يسبروا الأعماق ويتحركوا بشعور الإخلاص والإحسان.

   تقوية العلاقة بالله

من المؤسف أن الخدمات التي تُنجَز في سبيل الله قد ترتبط بأهداف دنيوية، وتصبح ضحية للشكليات والأمور الظاهرية؛ حيث إن حبّ الدنيا والبعدَ عن الدين يسيطران على حياة الإنسانية في يومنا، والحال أنه يجب على من يُحدثون الإنسانية عن الحق والحقيقة أن يضعوا الأعمال التي يضطلعون بها في مرتبة خارج إطار الوظيفة العادية، ويؤدّوا عبودياتهم بعمق، ويحافظوا على أن تكون علاقتهم بالله تعالى نَدِية طرية دائمًا، ويتحركوا وكلُّهم يقينٌ بأنه عز وجل يراهم حتى يُوفَّقوا في الواجبات التي يفعلونها، أي إنه يجب عليهم إلى جانب قيامهم بأعمالهم أن يستهدفوا العمق والبعد المعنوي دائمًا وأبدًا.

إن قيام إنسان ببعض الأنشطة باسم الدين وتطبيقَه ركضًا وسعيًا باسم الخدمة شيءٌ جميل يجب تقديره، وإذا كان هناك شيء من شأنه أن يُكسب هذا حُسنه وبهاءه فهو تقوية العلاقة بالله تعالى أثناء القيام بتلك الأعمال، فإن كانت هذه الأعمال الطيبة لا تؤدّي إلى انفتاحنا إلى أعماق وأبعاد مختلفة فيما يخصّ صلتَنا بالله تعالى، ولا تُقرِّبنا إليه أكثر فأكثر فهذا يعني أننا نركض ونكدّ لصالح أنفسنا، وحتى وإن توهَّمْنا أننا فعَلْنا شيئًا طيّبًا فإننا ننخدع في الحقيقة.

إن كل عمل نقوم به باسم الخير يجب أن يُعزز صلتنا بالله أكثر، كما أن كل علاقة تقوى وتتعزز يجب أن تكون وسيلة إلى أعمال خيرية جديدة.. إنكم بقدر قوة علاقتكم به ومتانتها، وسعيكم لنيل رضاه تعالى تكون معاملته معكم، فإن عمَّقْتم علاقتَكم بالحق تعالى يعاملكم معاملة مختلفة جدًّا، ويجعل كل واحد منكم إنسانَ تفكُّرٍ وتدُّبر وتذكُّر، ويفتح أفقكم، وبهذه الطريقة تبدؤون أنتم في الشعور والإحساس بكل شيء بشكل أكثر اختلافًا.

لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر الله في اليوم الواحد أكثر من سبعين مرة أحيانًا، ومائة مرة أحيانًا أخرى.. ومن التعليقات على هذا: أنه عليه الصلاة والسلام كان في ترقٍّ دائم كان يرتحل دائمًا وهو في الدنيا إلى سدرة المنتهى أو إلى البيت المعمور، ويشعر بالترقي في كل لحظة، فيجد حاضره مختلفًا عن الماضي، ويشعر بالغد مختلفًا عن الحاضر، وبعد غدٍ مختلفًا عن الغد.. ولذلك فإنه كان حين يلتفت وراءه وينظر إلى الدرجات التي اجتازها يقول: “أستغفر الله، كيف حدث أن وقفتُ هناك؟”.

ومن هذه الناحية فلو أن “الأعمال” و”الوظائف” و”الخدمات” التي نركض في إثرها كانت لا تُثري حياتنا العلمية والعرفانية ولا تُكسبنا شيئًا في سبيل السياحة في مراتب حياة القلب والروح فربما أننا نشبه مَن يدق الماء في الهاوُن، وإذا ما أدّينا واجبنا بشكل صحيح فإننا نأمل ألا يؤاخذنا الحق تعالى، ولكن هذا لا يعني أننا نحافظ على علاقتنا به عز وجل كما ينبغي أن تكون.

ذكرتني هذه الكلمات بحادثة وقعت لي في أيام سجني، إذ كنت قد شاركتُ مشاكلَ السجن ومعاناته مع أشخاص من مشارب مختلفة، وذات يوم كنا نصلي جماعة مع الأصدقاء، فنظر أحدُ المساجين إلينا بسخرية وقال: “إننا نكافح الأفكار السلبية هنا وهناك، ونعرض أرواحنا للخطر، وأنتم هنا منشغلون بالصلاة حتى تتدلى كروشكم!”.

وبغض النظر عن علاقة الصلاة باكتساب الكرش، فإن الجانب غير المنطقي أيضًا من الكلام هو فكرة عدم ضرورة الصلاة عند الاضطلاع بالكفاح في سبيل الله، فوفقًا لمنطقه إذا كان الإنسان يتصدى للسلبيات ويكافحها فيمكنه ألا يُصلي، وألا يصوم أو لا يذهب إلى الحج، وذلك لأنه منشغل في الأساس بـ”أعمال” مهمة للغاية لله، ويؤدي بعض “الوظائف” الحياتية الضرورية.

أجل، إن حماية الفرد لدينه، ودفاعَه عن عرضه وشرفه، وتأمين ماله وروحه أمورٌ يقدّرها الإسلام ويبجلها.. وكفاحُ الإنسان لحماية كلِّ هذه القيم حقٌّ من حقوقه الأصيلة، وواجبٌ من واجباته الأساسية على حد سواء، ومن يُقتل في سبيل هذا فهو شهيد بحسب ما ورد في أحاديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم[1].

ومع ذلك فإن بلوغ كل هذا الجهاد والكفاح قيمة أسمى من كل القيم مرهونٌ بارتباط أولئك الناس وعلاقتهم بالله، فحتى أهم الأشياء التي لا نربطها به تعالى تفقد كثيرًا من قيمتها الحقيقية، وتذبل وتهترئ، وتصبح مهيأة للانهيار، وعلى العكس من هذا فإن الأشياء التي نفعلها مستهدفين رضاه ورضوانه وتبدو وكأنها تافهة بسيطة تبلغ قيمة ومنازل فريدة تمامًا.

   رُهْبَانٌ بِاللَّيْلِ وَفُرْسَانٌ بِالنَّهَارِ

إن سادتنا الصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين هم خير مثال بالنسبة لنا في باب الحفاظ على التوازن بين العبودية والجهاد والخدمات المنجزة في سبيل الله.. ومن دوَّنوا تراجم حياتهم رضوان الله عليهم لخصوا حياتهم بعبارة: “رُهْبَانٌ بِاللَّيْلِ وَفُرْسَانٌ بِالنَّهَارِ”.. ومعنى هذا أن كلَّ واحد منهم كان يتوِّج ليلَه بالعبادة، ويتفطر قلبه بالتوسّل إلى الله والتضرع إليه حتى يطلع الفجر، أما حين يأتي النهار، وتنشأ حالة حرب فإنه يستحيل بطلًا ويخوض الحرب كالصناديد.

فكان مَنْ يراهم وقد انثنوا وانحنوا خضوعًا ليلًا كالعصا يقول: “إن هؤلاء أنضاء عبادة وأطلاح سهر”، لكنهم إذا رأوا السهامَ قد فُوِّقَت والرماحَ قد أُشرعت والسيوفَ قد انتُضِيَتْ ورعدَتْ الكتيبة بصواعق الموت وبرقَتْ استخفّوا بوعيد الكتيبة لوعد الله ومضى الشاب منهم قدمًا حتى اختلفت رجلاه على عنق فرسه وتخضبَّتْ محاسنُ وجهه بالدماء.. وهكذا فإن المسألةَ الحقيقيّة هي القدرةُ على إقامة هذا التوازن.. إنها الخدمة باستماتة من ناحية، والقدرة على التحول إلى إنسان القلب والروح من خلال التخلص من مظاهر الشكلية والصورية من ناحية أخرى.

يجب على الإنسان أن يسعى لأداء الوظائف التي عُهدت إليه بكل طاقته وعلى أكمل وجه، إلا أنه إلى جانب هذا يجب أن يكون على دراية لماذا فعلَ ما فعلَه؟، وعليه ألا يسقط في براثن الغفلة وألا ينخدع بعمله بينما يخدم في سبيل الله، وأن يفعل كل ما يفعله لله تعالى فحسب، وأن تعزِّز خدماتُه علاقتَه بالله، وأن توجهه وتدفعه إلى مزيد من العبادة والطاعة.. وإلا سُئل الإنسان في الآخرة عن: “كم كانت علاقتك بالله؟ كم كنتَ تشعرُ به عز وجل في قلبك؟ كم كان قلبُك يرتجف حين يخطر جلَّ وعلا ببالك؟ لماذا بدوتَ على هيئةٍ أكبر من حقيقتك؟ لماذا سعيتَ بأحوالك وأطوارك أن تُظهِر نفسك بشكل مختلف؟”.

يقول الحق تعالى في القرآن الكريم: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ (سورة الْحَجِّ: 22/41)، فنجد أن الله جل جلاله بينما يعدد في هذه الآية الكريمة صفات المؤمنين الذين مكّنهم في الأرض، الذين يمتلكون قدرات وإمكانيات معينة يؤكد أول ما يؤكد على أنهم يؤدّون صلواتهم بحساسيّة تامة، ويُخرِجون زكاتهم كاملة غير منقوصة، وهذا يعني أن هذا هو ما يريده الله تعالى منّا حقًّا، ويمكننا أن نفهم معنى هذه الآية الكريمة هكذا أيضًا: “إن تُتَوِّجوا الإمكانيات التي منحتُكم إياها بالعبادة والطاعة والشُّكر، فإنني أزيدكم من نِعَمي، وإن لم تفعلوا حرمْتُكم إياها”.

فلا ينبغي للمؤمن أن يترك الاعتدال في هذا الجانب أيضًا مثلما هو الحال في كلّ الأمور، ولا أن يقع في الإفراط والتفريط.. وعليه ألا يركض ويكدح فحسب، ولا أن ينعزل ويخلو تمامًا.. بل عليه أن يعيش الخلوة في اللحظة نفسها التي يركض فيها ويسعى، وبحسب التعبير الذي نستخدمه كثيرًا يجب عليه أن يكون “مع الحق بين الخلق”.. هذا هو مسلك النبي صلى الله عليه وسلم، فإن كان الله وعد المؤمنين بأن “يقسم لهم ربيعًا من جديد”، ورهنَ هذا بأطوارهم وتصرفاتهم على مستوى الشرط العادي؛ فلن يستطيعَ أحدٌ -كائنًا مَن كان- أن يُغيّر ذلك.

***

[1] انظر: سنن أبي داود، السنة، 32؛ سنن الترمذي، الديات، 22.

الوفاق والاتفاق

Herkul | | العربية

إن الخدمات التي تتمّ في سبيل الله تعالى يجب أن يكون القول والعمل فيها صحيحًا قويمًا، وأن تكون الأدوات والوسائل المستخدمة في طريق الوصول إلى رضا الله تعالى مشروعة مباحة أيضًا، بمعنى أن كل مشروع ينبغي أن يكون موافقًا للمبادئ الأساسية للدين، وأن يكون موافقًا للأوامر القرآنية وللبيان النبوي الشريف، ولا يشوبه ما يخالفه، كذلك يجب أن تضع تلك الخدمات نصب أعينها حاجات الناس، وملء الفراغات الموجودة في المجتمع.

ولا شك في أن كلّ أمرٍ من الأمور التي ذكرناها يُعَدُّ مبادئَ أساسية لا غنى عنها للسائرين في طريق إعلاء كلمة الله، ولكي تكون الخدمات التي تتم في سبيل الله مثمرة، فيجب الاهتمام البالغ بمسألة المحافظة على الوفاق والاتفاق داخل المجتمع؛ لأن التوفيق الإلهي يأتي وفقًا للوفاق والاتفاق، وأهم عامل للمحافظة على الوفاق والاتفاق هو عدم تلوّث الأعمال والخدمات بفكرة الأنانية الجماعية.

   الابتعاد عن فكرة الأنانية الجماعية

لو أردنا إيضاح هذه المسألة أكثر لوجدنا أنه بجانب ضرورة موافقة الأقوال والأعمال لما أمر به الله ورسوله، فكذلك يجب تخليصها من فكرة الأنانية الجماعية، فأحيانًا تجد الإنسان يتحدث عن “الدين” و”التدين”؛ ولكن -دون وعي منه- يشير بكلامه إلى نفسه أو إلى المجموعة التي ينتسب إليها، ويظنّ أنه يقوم بوظيفة الإرشاد والتبليغ بينما هو يقدم طريقه ومنهجه هو، أو تجد شخصًا يتحدّث عن تطوير ونماء الدولة بينما هو في الحقيقة يوجه الأنظار إلى نفسه هو والثبات في موقعه الذي يشغله، وشخص آخر يتحدث عن ضرورة إعادة إحياء الروح والنهضة، يقول هذا ولكنه يربط كل هذا بما يقوم به من حملات وحركات.

وعلى سبيل الخطإ في الاجتهاد ينسب بعضهم هذه النجاحات وما يتبعها من جماليات تظهر للعيان إلى أشخاص معينين أو إلى مجموعة بعينها، وهذا يؤدي إلى تقوية الأنانية الجماعية.. إن البشر لديهم حسُّ المبالغة ولذلك فقد يُبالغون في التقدير والإطراء.. فتراهم يُغالون في الحديث عن شخص أو مجموعة بعينها أثناء كلامهم، فيرفعون مقامها بصورة مبالغ فيها.

وإلى حد معين يمكن أن نعتبر مثل هذه الأطوار والتصرفات أخطاء في الاجتهاد ونلتمس العذر لأصحاب هذه الأفعال؛ لكن هذه الأمور جميعها يجب ألا تبعدنا عن التفكير المستقيم، وألا تحيد بنا عن مدارنا الصحيح أثناء قيامنا بأعمالنا، ولو أننا توجهنا إلى التقدير والثناء وربطنا هذه الأعمال بأشخاص معينين ونسبناها إليهم، فحينها نكون قضينا على الوفاق والاتفاق، وانصرف الناس من حولنا.. فبينما نحاول إيضاح الحق والحقيقة،  وإذ بنا نقصرُه على محور واحد فقط، وبدون أن نشعر نتحرك ويكأن جميع مجالات الخدمة هي ملكية خاصة بنا.

   من أجل المحافظة على السلام الاجتماعي

إن ما يقوي الخدمة الإيمانية والقرآنية لا سيما في يومنا الحاضر هو وجود حالة من الوفاق والاتفاق بين أطياف المجتمع، ومن أجل الوصول إلى الوفاق والاتفاق لا بد من بذل كل الجهود، وأخذ جميع التدابير للمحافظة عليه، فمثلًا وكما يقول الشيخ سعيد النورسي: “إن كان الاتفاق في الحق اختلافًا في الأحق، يكون الحق أحيانًا أحق من الأحق، والحسن أحسن من الأحسن”[1]. أجل، إن كنا نختلف على “الأحسن” فحينها يجب علينا الاكتفاء بـ”الحسن”، تمامًا كما فعل حفيد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونقصد هنا سيدنا الحسن رضي الله عنه صاحب البصيرة النافذة.

وكما هو معروف فسيدنا الحسن رضي الله عنه عندما اختلفت فئتان عظيمتان من المسلمين، قرر التنازل عن الخلافة لصالح سيدنا معاوية رضي الله عنه تجنبًا لوقوع فتنة كبيرة، وإلى هذا أشار رسول صلى الله عليه وسلم بقوله: “إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ[2]، فقد تنبأ الرسول صلى الله عليه وسلم بتصرف سيدنا الحسن رضي الله عنه ومدحه قبل وقوع ذلك بكثير، وما نراه هنا هو أن الإمام الحسن رضي الله عنه قد اكتفى بالخيار “الحسن” على “الأحسن” درءًا لوقوع فتنة عظيمة بين المسلمين، فالخَيار الحسن الذي يضمن الاتفاق يُكسب جمالًا يفوق جمال الخيار الأحسن في بعض الأحيان.

ومن هذا المنطلق فالواجب علينا الابتعاد عن كل الألفاظ التي قد تُفسِد أو تعكّر صفو الوفاق والاتفاق، وينبغي الابتعاد عن كل ما يُفهَم منه فكرة الأنانية الجماعية التي تثير مشاعر المنازعة.. دع عنك إثارة مشاعر المنازعة، بل وحتى يجب علينا ألا نفتح باب التنافس المشروع لأن كلًّا من المنازعة والتنافس يفصل بينهما خط رفيع وبالتالي قد يتداخلا.

وفي الظروف العادية لا حرج من التفكير في “أن الآخرين يسعون ويسارعون في سبيل الله تعالى، فلماذا نحن نقف ساكنين؟! فلنسارع معهم”، دع عنك الحرج جانبًا بل القرآن الكريم يحضّ على التنافس قائلًا: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (سورة الْمُطَفِّفِينَ: 83/26).

إلا أن بعض الذين ينطلقون بفكرة التنافس قد يقع في أذهانهم بمرور الزمن ملاحظات شيطانية مثل: “إن العمل في هذا المجال هو حقٌّ مكتسَبٌ لنا، لماذا الفلانيون والعلانيون موجودون في مجالاتنا وتخصّصاتنا دون أن يخبرونا أو يستأذنوا منا؟! لماذا هؤلاء الأشخاص يسارعون ويدخلون في مجالاتنا؟!”، وبالطبع فهذه الأفكار ستؤثر سلبًا على روح الاتحاد، وإن كان هناك البعض يتصرفون بفكرة الأنانية الجماعية فسيتسبب هذا في تحرك الآخرين بنفس الأفكار والمشاعر.

   الانتباه إلى مشاعر الآخرين!

قد يتجمع الناس حول المشاريع التي يرونها معقولة، ويوقنون أنها ذات فائدة للبشر، ومتوافقة مع روح الدين، وقد يهبون أنفسهم لبعض الأعمال الخدمية؛ ولكن أثناء سعيهم الحثيث لتحقيق ما يرونه صوابًا، عليهم مراعاة مشاعر الآخرين وقراءة أفكارهم بصورة صحيحة ووضعها في الحسبان، بمعنى أن عليهم التعاطف مع الجميع، وعليهم أن ينتبهوا ويحسبوا في كل خطوة يخطونها كيف يمكن أن تؤثر هذه الخطوة في مشاعر وأفكار الآخرين.

للجميع قيم يحترمونها، وإذا أردتم أن يحترم الناس قيمكم فعليكم ألا تحتقروا قيمهم، وعليكم ألا تنسوا أن الشيء الذي تنتظرونه من الآخرين هو نفس الشيء الذي ينتظره الآخرون منكم، وعليكم أن تقرؤوا مشاعر الآخرين بصورة صحيحة من خلال التعاطف الحقيقي، وأن تضبطوا تصرفاتكم وفقًا لذلك.

وإلا أصبحت الأفعال الحسنة التي تنوون فعلها، تنعكس بنتيجة سلبية تمامًا على خلاف ما تتوقعون، بل إن أكثر التصرفات براءة وأكثر الألفاظ جمالًا قد تفتح بابًا من النفور، ولو أن هذه الأعمال الخدمية تمت بفكرة الأنانية الجماعية وربطت بها، فبدلًا من أن ينظر الناس إلى العمل فستتوجه أنظارهم ناحية من قام بهذا العمل وسيقولون: “الفلانيون يقومون بهذا العمل، لماذا لا نقوم نحن بعمل مشابه؟ هؤلاء لهم جماعة، فلماذا نحن ليس لدينا جماعة؟!”، وتكون النتيجة هي ضعف الوفاق والاتفاق في المجتمع وبالتالي انقطاع التوفيق الإلهي.

إن الحق سبحانه وتعالى قد ربط توفيقه لأمة محمد صلى الله عليه وسلم بالتفاهم والتوافق والترابط فيما بينهم، وحينما تتفرق الأمة وتقع في حالة من الشتات فحينها يرفع الله رعايته وعنايته عنهم، ولا يكون لهم وكيلًا، بينما القرآن يقول: ﴿وَكَفَى بِاللهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللهِ نَصِيرًا﴾ (سورة النِّسَاءِ: 4/45).

***

[1] بديع الزمان سعيد النورسي: المكتوبات، نوى الحقائق، ص 579.

[2] صحيح البخاري، الصلح، 9.

صلة الرحم

Herkul | | العربية

   سؤال: يقول الله عز وجل ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ (سورة الرَّعْدِ: 13/21) كوصف من أوصاف أُولي الألباب، فما المقصود من “الصلة” المذكورة في هذا البيان الإلهي؟

   الجواب: تلفت الآيات الكريمات المقصودة بالذكر الأنظار إلى خمسة أوصاف لأولي الألباب، فيُعبر أولًا عن وفائهم بعهدهم لله تعالى بعبارة “الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللّٰهِ“، وهذه الآية تشمل وفاءهم بوعد “الإيمان” الذي قطعوه على أنفسهم للحق تعالى في عالم الأرواح، وكذلك وفاءهم بوعودهم في علاقاتهم البشرية، وبعد الذكر بالجانب الإيجابي لمسألة الوعد يرد الحديث أيضًا عن الجانب السلبي: “وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ“، فينفي نقضَهم لوعودِهم وعهودِهم.

ثم يُفهَم من قوله تعالى: “وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّٰهُ بِه أَنْ يُوصَلَ” أنهم يصلون ما يأمر الله تعالى بوصله، ويُراعون ما يأمر بمراعاته من الأمور.

بعد ذلك يَلفت الانتباه بقوله “وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ” إلى أن أولي الألباب يعيشون في خوف وخشية من ربهم، وأنهم يتلوّون دائمًا خشوعًا وخضوعًا في طوق العبودية. والخشية تعبير عن احترام داخلي تجاه الله تعالى، والخشوع يعني التذلّل والانحناء كالعصا أمام عظمة الله وجلاله. وكون الإنسان متصفًا بالخشية والخشوع أمرٌ مرتبط بمعرفة الله سبحانه وتعالى، وهو ما يُعبر عنه في الآية الكريمة: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (سورة فَاطِرٍ: 35/28).

وعقب ذلك يُقال: “وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ“، أي إنهم يخافون ويرتعشون ارتعاشًا من أن يواجهوا الحساب بشدة للغاية.

   أمر إلهي يجب إحياؤه

أوصاف أولي الألباب المذكورة في السورة ليست مقصورة على هذه الأمور فحسب، فثمة أوصاف أخرى أيضًا. ولكن بما أن السؤال عن “الصلة” وليس عن تلك الأوصاف كلها، فدعونا نحاول الوقوف على ذلك بعض الشيء.

الصلةُ لغة تعني الرابطة والعلاقة، وفي الاصطلاح الإسلامي تُستَخدم بمعانٍ مثل الحفاظ على الروابط الإنسانية، وفعل الخير، والمراعاة، لا سيما الحفاظ على دفء علاقات القرابة وذوي الأرحام. وبما أنه تم الوقوف في العبارات السابقة على مسألة الوفاء بالعهد ونقضه، فإن المعنى الأول الذي يفهم من الأمور التي أمر الله بمراعاتها ووصلها هو الوفاء بالعهد، والثبات على الوعود والعهود المقطوعة. وإلى جانب هذا فإنه يدخل ضمن هذه الآية معانٍ أخرى مثل إقامة علاقة وصلة لا تنقطع بالله، ومفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم، وأوامر الإسلام الدين المبين؛ فكل الواجبات الدينية بدءًا من أسس الإيمان إلى أركان الإسلام، ومن أصول الدين إلى أحكام الفروع يمكننا أن نراها نوعًا مما يجب أن يوصَل، وباختصار يمكن القول: لقد أُمرنا ههنا بالالتزام بالدين وبأحكامه.

وبمعنى أكثر خصوصية، فإن المقصود من الصلة هنا هو صلة الرحم، أي مراعاة أواصر القربى وعلاقاتها، وهذا الجانب من المسألة من الأهمية بمكانٍ لا سيما في عالم اليوم الذي انقطع فيه الناس بعضهم عن بعض. فمن المؤسف أن البشر الذين هم فروع أو براعم أو أوراق أو ثمار شجرة واحدة يعيشون منفصلين بعضهم عن بعض، فالأبناء ليسوا مقصرين في واجبهم ومسؤولياتهم تجاه أقاربهم فحسب، بل إنهم في قطيعة مع آبائهم وأمهاتهم. بل وحتى لا يعرفون معظم أقربائهم وأولي أرحامهم إلى أن نسوا المسؤوليات الواجبة تجاههم. وبما أن المجتمع قد انفصل عن قيمه الخاصة ويعيش غربةً خطيرة، فمهما يُنفّذ من حشدٍ وجهد ومهما تبذل من جهود لإعادة تأهيل الناس في هذا الصدد فهي قليلة.

وحينما ننظر إلى القرآن الكريم يتبين أنه كثيرًا ما يتم التأكيد على حق الوالدين وصلة الرحم في آيات عديدة منه؛ فمثلًا يقول الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (سورة النِّسَاءِ: 4/36)، فقد قرن الحق سبحانه وتعالى عبادته وطاعته بالإحسان إلى الوالدين والأقربين.

لهذا السبب يجب أن يكون لدى المؤمن شعور حقيقي بصلة الرحم تجاه أقاربه، وينبغي ألا يُحرَم أحدٌ منهم مهما كانت درجة قرابته، وخاصة الآباء والأمهات، من صلة الرحم. وبما أن الله جل جلاله قد قرَن الأمر برعاية حقوقه بالأمر برعاية حقوق الوالدين، ثم الأقارب، ثم الأشخاص الآخرين الذين بيننا وبينهم صلة أو علاقة ما، فيجب مراعاة هذه الحقوق ألبتة. فحتى الأحجار الجامدة لا تسقط ولا تنهار عندما تتكاتف وتتعاضد فتشكل قبابًا وأقواسًا متينة، وهكذا أيضًا حينما يتعاون الناس ويتكاتفون في الحياة الاجتماعية بدءًا من أقرب دائرة، ويدعم بعضهم بعضًا في احتياجاتهم المادية والروحية؛ فلن يسقطوا ولن ينهاروا.

   يجب ألا تحول الخدمة دون صلة الرحم

من وقت لآخر قد يخطر بذهن الإنسان بعض الملاحظات الشيطانية مثل “إنني على أية حال أعمل في الخدمة، إنني أركض خلف واجب مقدس مثل إعلاء كلمة الله، وبينما أضطلع بهذه الواجبات المهمة للغاية فلا ضير حتى وإن لم أهتمّ بحقوق الوالدين والأقارب…”، وبالتالي قد يصبح الإنسان غير مبال برعاية أواصر القرابة وصلة الأرحام، ذلك أنه ليس من الممكن التوفيق بين مثل هذه الأفكار والمنطق القرآني، لا أحدَ يستطيع أن يمحوَ أو يتهاونَ بمسألةٍ أكَّدَ وشدَّدَ عليها القرآن والسنة، فإن كان الله جل جلاله أمر في كتابه العظيم بمراعاة حقوقهم فهذا تكليف ديني مهم جدًّا بالنسبة للمؤمن، لا حقّ لأحدٍ في تغيير أحكام الله، لذلك فمن واجب المؤمن أن يَصِلَ ما أمر الله به أن يوصَلَ، ويقبّل أيدي والديه، ويطلب دعاءهم، وإذا كان لديهم احتياجات فيجب عليه تلبيتها.

فإنه من الممكن أداء الخدمات التي يجب القيام بها دون تقصير، ولكن مع مراعاة حقوق الوالدين والاهتمام بالأقارب ورعايتهم، لا ينبغي لأي شيءٍ مهما كان مهمًّا أن يكون عقبةً أو حائلًا أمام الآخر، ويجب كذلك أن نخدم الإسلام الدين المبين طلبًا لرضا الله عز وجل، ومن ناحية أخرى لا ينبغي لنا أن نتجاهل نَيل رضا الوالدين والأجداد والجدات، والأخوال والخالات، والأعمام والعمات.

الواقع أنه يمكن اعتبار صلة الرحم وسيلة مهمة لإفراغ إلهامات قلوبنا في صدور الآخرين، ومن خلال الحفاظ على تماسك علاقاتنا مع عائلاتنا وأقاربنا يمكننا أن نجعلهم يدركون ما لدينا من جماليات أيضًا، وهكذا نجعل زياراتنا أكثر بركة بعون الله وإذنه تعالى، ويمكننا تحويلها إلى سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، يمكننا أن نعبر لهم بمواقفنا وتصرفاتنا -وإن لم يكن بأقوالنا- عن بعض الأشياء، وأن نكون قدوةً لهم، وكما نقول دائمًا: “الحال مفتاح لحلول جميع المعضلات”.

ولا سيما أنه مع تطور وسائل الاتصال في يومنا قد صار من السهل جدًّا السؤالُ عن أحوال الأقارب وذوي الأرحام وظروفهم وإرضاؤُهم، فإن كنا نعيش بعيدًا عنهم ولا نستطيع زيارتهم دائمًا يمكننا أن نفي بواجبنا في صلة الرحم عن طريق وسائل مختلفة مثل الهاتف والإنترنت، يمكننا أن نتحدث معهم صوتًا أو صوتًا وصورة، وننقل إليهم ودّنا ومحبتنا، وأن نكون على دراية بأحوالهم، ونرضيهم.

   يجب وصل من قطعنا

أريد أن أتطرق إلى نقطة أخرى تتعلق بالموضوع، ألا وهي أن قطع أقاربنا علاقاتهم بنا وعدم وفائهم بحق صلة الرحم لا يمكن أن يكون حجة لنا لئلا نفي بهذا الواجب تجاههم؛ فقد ورد في الأحاديث النبوية الشريفة أن ثواب من يصل رحمه وقد قطعوه أكثر وأفضل مِن ثواب مَن يَصِلُ من وصلوه[1].

ليت الجميع يفي بهذا الواجب المهم المنوط به! ليته يتصل بأقاربه ويسأل عنهم ويزورهم، ويقبّل أيدي كبارهم، ويعتني بصغارهم، وكما أشرنا سابقًا هناك انفصام خطير في يومنا هذا حتى بين أقرب الأقارب، لذا علينا أن نذهب نحن إلى أقاربنا حتى وإن لم يأتوا هم إلينا، ونسأل عن أحوالهم وشؤونهم حتى وإن لم يسألوا هم، وكما جاء في المثل التركي: أن مقابلة الخير بالخير هو شأن الجميع، بينما مقابلة الشر بالخير هو شأن الرجال العظام.

الجميع يستجيب لصلة من وصلوه، وزيارة من زاروه، فمقابلة الخير والإحسان بمثلهما أمر سهل، وهذا يشبه نوعًا من البيع والشراء، فهو وسيلة ربح لكلا الطرفين، إلا أنه ليس سهلًا الحفاظ على البر والإحسان حين لا يقوم طرف بأداء ما يقع على عاتقه، فإن كان المرء يحافظ على علاقاته وزياراته بالرغم من التصرفات السلبية للطرف الآخر فتلك هي صلة الرحم الحقيقية، فإن كان ثواب المرء عشر حسنات مثلًا في وصله رحم من يصله فربما يكون ثوابه مائة حسنة في صلةِ رحمٍ هكذا من جانب واحد.. لأن وصل إنسان لمن قطعه، وأعرض عنه أمرٌ صعبٌ جدًّا على النفس، فإن كان المرء يصل رحِمَه طلبًا لرضا الله تعالى فحسب، ودون أن يأبَهَ بتصرّفات أقاربه، فلا شك أن عمله هذا سيكون أفضل بكثير عند الله تعالى.

والأكثر من ذلك أنه قد تغلق الهواتف في وجوهنا أحيانًا، ونُطرد من أمام الأبواب، ويُقال لنا إننا لا نريدكم، ربما لا يأتينا رد على رسائل التهنئة كلها التي نرسلها في الأعياد وفي المناسبات الخاصة، يجب ألا نستاء وألا نتضايق بالرغم من كل هذا.. بالعكس نحن بحاجة إلى إيجاد طرق لتليين مخاطبينا عبر البحث عن أساليب جديدة وتطوير أنماط مختلفة، يجب أن نذهب إليهم سواء جاؤوا إلينا أم لا، وأن نكرمهم سواء أكرمونا أم لا، يجب أن نتصل بهم سواء اتصلوا بنا أم لم يتصلوا، يجب أن نقابل شرهم بالخير وغلظتهم باللين والرفق.

إن أخلاق المؤمن تقتضي ذلك، والبطولة والمروة تكمن هنا، وهذا هو المنهاج المحمدي.

***

   ملحوظة: هذا المقال تم تجهيزه من اللقاءات التي دارت في (27 ديسمبر 2007م و10 يوليو 2012م).

***

[1] انظر: صحيح البخاري، الأدب، 15؛ مسند الإمام أحمد، 383/24.

نزاهةُ اللسان

Herkul | | العربية

إنَّ الواجب الذي يقع على كاهل مَنْ نذروا أنفسهم لخدمة الإيمان والقرآن في مرحلة شاعت فيها مشاعر الأنانية أكثر فأكثر، وأُثيرت الحوادث السلبية باستمرار، وتطاول الجميع بعضهم على بعض؛ هو احتضانهم البشرية جمعاء بمزيد من الحب والتسامح أكثر من أي وقت مضى، فإن قابلوا هذه النوعية من الأعمال السلبية بمثلها فقد أساؤوا إساءة عظيمة لمجتمعاتهم أنفسهم وللإنسانية قاطبة على حد سواء.

وبما أننا بشر فقد نغضب ونسخط إزاء بعض الأحداث الأليمة، وننهزم لغضبنا وسخطنا، بل إنه قد تنبري في أنفسنا أحيانًا مشاعر الحقد والغضب تجاه فئة من الظالمين والمُعتدين ممن يتجاوزون الحدود في أفعالهم، بيد أنه يجب علينا أن نقمع هذه المشاعر السيئة وألا نسمح لها بالظهور؛ وذلك عبر إيفائنا إرادَتَنا حقَّها، بل ويجب علينا -ما استطعنا- أن نُذيب تلك المشاعر ونقضي عليها بواسطة نظام هضمنا وعفونا المعنوي، فإذا ما تمكنا من السيطرة على غضبنا الذي يفور ويغلي كالحمم البركانية فزنا من ناحية بثواب العبادة، ومن ناحية أخرى لم نشارك في توسيع رقعة الانقسامات والصراعات في المجتمع.

ومن المؤسف أن السبّ والشتم والتجريح صار مألوفًا أو موضةً في يومنا هذا؛ فالجميع لسانهم سليط، وأسلوبهم مؤذٍ وجارح، حتى وإن استحق البعض هذا فإنه لا فائدة أبدًا من الإساءة إليهم بالقول؛ بل إنه يؤدي إلى الضرر، وكما أن السب والشتم في حق المذنبين لا يؤجر عليه المسلم، فإنه ليس فضيلة أيضًا، ولم يرد في القرآن الكريم ولا في السنة الصحيحة ولو بنصف كلمة تشير إلى أن قول: “لعنكم الله” لمن شقّوا سيدنا زكريا عليه السلام بالمنشار، أو لمن قتلوا سيدنا يحيى عليه السلام أمر تعبدي يؤجر عليه المرء.

ليتنا نستطيع أن نوسّع قلوبنا لاحتضان الأشرار والسّيّئين، ونتمنى لهم الخير، فنقول مثلًا: “اللّهم ألقِ الإيمان في قلوب مَن يسيئون إلينا واشرح صدورهم للإيمان والإسلام والإحسان! اللّهم اهدهم الصراط المستقيم!”، إنني أرى هذا تصرّفًا إنسانيًّا، وفكرًا إنسانيًّا، وسلوكًا إنسانيًّا، وعندما يمكن للمرء أن يتصرّف بإنسانية لا ينبغي له أن يتدنى إلى غير ذلك، وعلى سبيل المثال فإذا ما ركلكم أحدهم أو ضربكم فلا يمكن أن يُوصَفَ فِعْلُهُ بالعمل الإنساني، وإذا ما قابلتم إساءَته بمثلها فإنكم تنسلخون تمامًا من إنسانيتكم، وجميعُ النصوص القرآنية والحديثية تحثُّ المؤمنين وتشجعهم على التصرف بطريقة إنسانية.

   حُسْنُ خلق رسولنا صلى الله عليه وسلم

طالعنا في كتب الحديث أن مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم بكى حزنًا على موت بعض الناس مثل ابنه إبراهيم، والصحابي الجليل عثمان بن مظعون رضي الله عنه، لكن أيًّا منهم لم يهزه عليه الصلاة السلام بقدر ما هزه استشهاد حمزة رضي الله عنه؛ ذلك أن عينيْ رسول الله صلى الله عليه وسلم فاضتا بالدمع حزنًا حين رأى جسد عمِّه حمزة رضي الله عنه الذي أحبه أكثر من نفسه وقد مُثِّل به في ساحة الحرب يوم أحُدٍ، إلا أنه برغم هذا لم يُكِنّ في صدره بغضًا ولا كرهًا لا لـوحشي الذي غرس حربته في صدر سيدنا حمزة، ولا لهند التي تسببت في هذا، ولا لأبي سفيان أيضًا، وقد انضم وحشي لاحقًا إلى صفوف الصحابة، وحين جاء الوقت أخذ مكانه في الجيش الذي أعدَّه سيدنا أبو بكر رضي الله عنه لمواجهة مسيلمة الكذاب مدعي النبوة، فغرس حربته هذه المرة في صدر ذلك الكذاب.

ولو أن النبي الأكرم أخذ موقفًا ضد وحشي وتحدث ضده، فالأرجح أنه ما كان سيشرف بالإسلام، ولا أن يقاتل ببطولة في اليمامة، وبالمثل لو أن أفراد عائلة بني أمية لم يروا الشفقة والمسامحة والرحمة الواسعة من النبي الأكرم لما كانوا سيدخلون في الإسلام.

لم تكن مسامحة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعطفه وعفوه وصفحه موجهة لقاتلي عمه فقط؛ فلقد عفا حتى عن مشركي مكة الذين مارسوا ضده كل أنواع الشر طيلة حياته في مكة، وحرموا عليه ماءً يشربه وطعامًا يأكله، ولم يمنحوه حق الحياة وفرص العيش حيث وُجِد، وأصدروا الأوامر بقتله، ولم يتركوه وشأنه حتى في موطن هجرته بعد أن ترك مكة ورحل عنها، لقد خاف الجميع يوم الفتح من إمكانية محاسبتهم على الجرائم التي ارتكبوها بحقّه من قبل.. كان يدور بخلدهم: “تُرى هل سيقابِل الظلم والتعذيب الذي مارسناه ضدَّه بمثله؟”، بيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ[1]، وهذا هو مضمون ما قاله يوسف عليه السلام لإخوته: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ (سورة يُوسُفَ: 12/92)[2].

أية مروءة هذه! لم ينبس ببنت شفة لهؤلاء الذين ساموه كل أنواع الغلظة والجفاء طوال هذه السنوات، لم يهتم ولم يبالِ بإساءاتهم التي ارتكبوها بحقه، ولم يقف عندها، ولم يتوجه إلى معاقبتهم، بل وحتى إنه لم يتحدث عنها كيلا يُحرجهم، لقد كان سخيًّا كريمًا لأقصى درجة تجاه هؤلاء الذين ندموا بالفعل وكانوا يتشوفون إلى عفوه وصفحه، والواقع أن هذا كان دليلًا على تحلّيه بالأخلاق الإلهية.

أجل، نكرّر فنقول: لا فائدة أبدًا تعود على المرء من الشتم والإساءة إلى هذا أو ذاك، فمثل هذه الكلمات تضيف مزيدًا من السلبيات إلى تلك السلبيات الموجودة بالفعل، وتؤدي إلى تكوُّنِ دائرة مفرغة، والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (سورة الأَنْعَامِ: 6/108)، والقرآن الكريم يحرم سبَّ وشتمَ الأوثان مثل اللات ومناة والعزى وإساف وغيرها التي عبدها مشركو مكة من أمثال أبي جهل وعتبة وشيبة وابن أبي معيط والوليد بن المغيرة؛ إذ يقول: “لا تقولوا للأوثان: خسف الله بكم الأرض، قهركم الله!”، لماذا؟ لأن عبَدَتها سينبَرون هم أيضًا فيقولون في الله ربكم -حاشا وكلا- ما لا يليق من الكلام.

لهذا السبب يجب على المؤمن ألا يدنس فمه ولسانه وقلبه بالكلمات القبيحة السيئة، وألا يستثير الآخرين ضده، بل يجب عليه أن يسعى إلى حل المشكلات عبر تمثيل قيمه بشكل مثالي ولائق، ودعوني أذكركم بعبارة لطالما كررناها: “الحال مفتاح لحلول جميع المعضلات”، فالأساس هو أن يمثل الإنسان قيَمَه تمثيلًا سليمًا، وأن يكون قدوة حسنة.

   مقابلة الإساءة بالإحسان

لطالما كان رجائي من الله تعالى بشأن من يكتبون ضدي ويسيئون إليَّ باستمرار أن يأتي الحق تعالى بهم أمامي ذات يوم، ويقدرني على فعل الخير لهم؛ فمثلًا إن أجد سيارة أحدهم تعطلت بينما أمرّ من الطريق، أتوقف وآخذه إلى سيارتي، وأوصله إلى حيث سيذهب، وأقابل بالإحسان الإساءة مثلما أوصى القرآن الكريم وجسَّدَ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إننا اليوم بأمس الحاجة إلى مثل هذه المعاملة، وبإذن الله تعالى لا نؤذي أحدًا بسبب جوره وتحقيره وإهانته لنا، ولن نكسر بخاطر الآخرين وإن كسروا هم بخاطرنا، ولن نؤلمهم وإن آلمونا؛ لأن القلوب في يومنا تحتاج إلى البناء والتلاحم، وليس إلى التدمير والتفريق.

والواقع أن الظالمين والمتكبرين يستحقون الرأفة والعطف أكثر من الإهانة والإساءة، فالإنسان يتألم لهم حين يفكر في أحوالهم التي سيكونون عليها في الآخرة، فهل يُسَبُّ شِمْرُ بن ذي الجوشن وأبو لؤلؤة المجوسيّ، وابن ملجم أم يؤسَف ويُشفَق عليهم؟! أعتقد أنكم إن تروا حرمانهم من الرحمة في الآخرة يتحرك ضميركم، وتتألم قلوبكم لحالهم.

يجب على الإنسان أن يوفي إرادته حقَّها، وألا يسمح لمشاعر العداوة بأن تحكمه، فإن بدت الكراهية والحقد مرة واستقرّت في صدره فقد يصعب جدًّا اقتلاعُها والتخلّص منها، ومنْ تتلوث خلاياه العصبية بمثل هذه المشاعر السلبية يفكّر باستمرار في الشر، حتى وإن كان يعتقد أنه يتصرّف بعقله، إلا أنه غالبًا ما يتحرّك بتأثير الأحاسيس التي تضخّها فيه تلك المشاعر السيئة، بيد أن الواجب الذي يقع على عاتق من نذروا أنفسهم للقرآن وعشقوه هو أن يتحرّكوا بالعقل والمنطق والمحاكمة العقلية، وأن يتجولوا في المناخات الفسيحة النقية للقلب والروح والضمير.

ولهذا السبب، يجب ألا نسمح للحوادث السلبية أن تحوِّلنا إلى رموز وأساطين للكراهية والبغض، لا ينبغي لنا أن نورث الكراهية والغضب للأجيال القادمة، لا يجب أن نخطئ فنبني هوية أساسها الكراهية.. على العكس، يجب أن نعتمد أساسًا على بناء هوية عِمادُها الحبُّ والاحترام.. قد يخطئ البعض ويضطهدوا ويغدروا، وهناك أمثلة لا حصر لها من هذه الشرور مطوية تكررت خلال مراحل التاريخ، بيد أنه لا ينبغي لنا أن نرتكب الأخطاء نفسها، وإن شوّهوا وأعتموا أيامهم وطالعهم، فلا ينبغي لنا نحن أن نعتم ونشوِّه أيامنا ومستقبلنا.

 ***

[1] متفق عليه.

[2] ابن هشام: السيرة النبوية، 2/412؛ البيهقي: السنن الكبرى، 9/199.

السماحةُ أمانةٌ في أعناقكم

Herkul | | العربية

إن الله سبحانه وتعالى هو الذي منّ على فدائيّي الخدمة الإنسانية بالنجاح في المجهودات التي قاموا بها، وكما منّ عليهم بهذه الألطاف فإن إحساناته تعالى ستستمر إن شاء الله، وإن فدائيّي الخدمة الإنسانية سيستمرّون بأداء مهامهم النبيلة باستخلاص جوهر القيم الروحية والمعنوية ومشاركتِها مع الآخرين سواء في بلدهم الأصلي أو في بلاد مختلفة حول العالم.. وكما حدث سابقًا وفي كل عصر وزمان؛ فعلى الضفة الأخرى هناك بعض المجموعات ستستمر بالتضييق والضغط عليهم، وستقوم بمشاريع عدائية ضد الخدمة الإنسانية.

وإلى جانب عداوة الأعداء سترون غدر الأصدقاء، فمع أنهم يستقبلون معكم القبلة نفسها، ويقفون إلى جانبكم في نفس الصف متوجهين إلى الله تعالى ساجدين إليه، إلا أنهم ينكرون النجاحات التي منّ الله بها عليكم.. وسيدفعهم هذا الإنكار إلى تشويه صورتكم تحت مسميات مختلفة، وسيشنِّعون أجمل أعمالكم الإنسانية، وسيمنعونكم حتى من حقوقكم الأساسية كمواطنين.. وباختصار: سيبذلون كل ما في وسعهم لوضع أيديهم على الطريق الذي مهّدتموه، وربما ستتعرضون لِـجفاءٍ وظلم من هؤلاء الأصدقاء أكثر من الأعداء، وها نحن اليوم نرى هذا النوع من الظلم والأذى بجميع أشكاله ولذلك نشعر باضطراب يقدّ ظهورنا.

إنكم لو استطعتم قراءة طبيعة الإنسان، وفهمَ حيل النفس والشيطان، لأدركتم أن جَور الأعداء وجفاءهم، وحسد الأصدقاء وجحودهم سيظلّ مستمرًّا ومكرّرًا بأشكال وألوان مختلفة؛ إذ يصبح رموز الشيطان يومًا بعد يوم أكثر احترافيةوخداعًا في علاقة عكسية من قلة خبرتنا وسلامة طويتنا.. وبجوار الأعداء ستجدون الأصدقاء يعادونكم ويجورون عليكم، وسيظلم المؤمن أخاه المؤمن.

ولكن أيًّا ما كان الذي سيفعله الآخرون، فالواجب علينا عدم مقابلة الظلم بالظلم، ربما يوجهون لنا الصفعات واللكمات، وربما يحرموننا من حقوقنا في الحياة، ولكن أيًّا تكن الظروف فعلينا ألا نغيّر خُلقنا ونلتزم بسلوك أمثال يونس أمره، ومولانا الرومي.

أجل، عليكم أن تفتحوا صدوركم للأصدقاء والأعداء على حدّ سواء، فتعهدوا بمسامحتكم ولينكم إلى تخفيفِ شِدّتِهم وحدّتهم وغِلّهم وحقدِهم وغيظِهم وحيلهم وخداعهم، وإلى إبطالِ مفعول ذلك كله.. إنكم بسلوكياتكم وتصرّفاتكم الإيجابية ستُجهضون الحيلَ التي يقوم بها من يمكرون بكم، ويدبرون لكم السوء والمكروه.. إن أمطروا السماء فوقكم بالشهب فعليكم أن تُفَتِّتوها بالرفق واللين في المعاملة، فتحوّلوها إلى أشعّة ضوء منيرة، تبتهج تحتها النفوس وتُقام في ظِلالها الولائمُ والأفراح.

فإن عجزتم عن فعل ذلك ما كان بمقدوركم المحافظة على روح الوحدة داخل بلدكم ولا المساهمة في نشر الصلح والسلام في العالم على حدّ سواء، ومما يستدعي الأسف أنه ليس هناك سوى قلة قليلة ممن يدركون حساسية ودقة المسألة إلى هذه الدرجة، لا يُدرك المسألة، لا هؤلاء الذين يعادون الدين والتدين، ولا أولئك الذين يسيرون رافعين راية الدين.. وإنكم لو غفلتم كما غفلوا لقامت القيامة.

   إنتاج المشاريع البديلة

ولذلك فما يقوم به الآخرون من أخطاء وسيئات تجاهكم يجب ألا يحرك في نفوسكم مشاعر مواجهة الخطإ بالخطإ، ولكن على العكس من ذلك فما يمارسونه تجاهكم من سوء معاملة لا بد أن يسوقكم للقيام بإنتاج مشاريع بديلة، فمثلًا: يجب أن نفكر؛ كيف يمكننا إزالة تأثير هذا الإشعاع الضار، وكيف يمكننا تجنب هذه القنبلة الذرية؟ وكيف يمكننا صد هذه الأنظمة المتحدة ضدنا؟ فعلينا تطوير مشاريع مختلفة في هذا الشأن.

ولو أنكم لم تنتجوا مشاريع بديلة في مواجهة السلبيات الموجَّهة إليكم، وفكرتم في مواجهتها بما يماثلها لتكوّنت الدائرة الفاسدة، ولو أنكم قابلتم أخطاء الآخرين بأخطاء أخرى فحينها تكونون قد ضاعفتم الفساد ليس إلا؛ فالخطأُ الواحد سيصبح خطأين، والخطآن سيصيران أربعة، والأربعةُ ثمانية وهكذا لن تستطيعوا إيقاف الفتن الناتجة عن هذه الدائرة الفاسدة.

ومن جهة ثانية، فكما يجب على المؤمن أن يتجنب المعاصي، كذلك عليه ألا يسوق الآخرين إلى ارتكاب المعاصي، بل وحتى عليه أن يَحُول ويمنع دون ارتكابهم المعاصي، وعليه أن يتحلى تجاه الآخرين بالتسامح واللطف والعفو والإحسان والتضحية.. وباختصار: فعليكم أن تشحنوا الجو العام بالأخلاق الإلهية العالية، وحينها فكل من يدخل في هذا الجو العام لن يجرؤ على ارتكاب السوء، وكما يقول الله جل جلاله: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (سورة التَّغَابُنِ: 64/14).

وقد لا يطول بعمري الزمان، فالحمل الأثقل والأكبر لهذا الأمر يقع على عاتقكم، المستقبلُ أمانة في أيديكم، إن حمل المشاعل لتبديد الظلمات وتحويلِها إلى نور هو أمانة في أعناقكم؛ وإن التزامَ السماحة والعفو والصفح والتغاضي والتخلّق بأخلاق الله تعالى أمانة في أعناقكم.. كم من معاصٍ ومساوئ نرتكبها! ولكن الله سبحانه لا يهلكنا، ويعاملنا بحلمه ويمهلنا مرات ومرات، وما يقع على عاتقنا هو التخلّق بأخلاق الله، ويجب أن يكون هذا هو هدفنا الذي نتعقّبه، وما يفعله الأصدقاء من أخطاء ومساوئ تجاهكم أو ما يقوم به الذين يُظهرون لكم العداء من جور وجفاء مستمرّ فكلاهما لا ينبغي أن يكونا سببًا في مسخ شخصيّتكم. بل يجب الحفاظ على مبدئكم كما تحافظون على شرفكم، وذلك بمقتضى قوله تعالى: ﴿كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ (سورة الإِسْرَاءِ: 17/84).

   اللهم اغفر لقومي!

وكما تعلمون فإن الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة أحُد قد لاقى جَورًا وجفاءً من الأعداء، كما أن بعضًا من صفوف الأصدقاء لم يستوعبوا دقة الامتثال والطاعة لأوامر الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا في حقّ المقرّبين عدمُ وفاء.. ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم في مواجهة أولئك الأعداء الذين جاؤوا بهدف القضاء التام عليه وعلى الإسلام في “أُحد”؛ دعا لهم صلى الله عليه وسلم قائلًا: “اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ[1]، أما في مواجهة الصحابة الذين أخطؤوا في اجتهاداتهم فلم ينبس ببنت شفة في حقهم، ولذلك جاء المدح والتبجيل للرسول صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (سورة آلِ عِمْرَانَ: 3/159)، فيقرّر الحق سبحانه مفهوم اللين في المعاملة، وبعد ذلك يذكّرنا بالسلوكيات الواجب مراعاتها فيقول سبحانه وتعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾.

 وهنا، بينما تبرز الآية عِظم خُلق مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم، تُنَبِّه في الوقت نفسه إلى أهمية الالتزام بالحال اللين، والسلوك اللين، والقول اللين، بل وتدعو أيضًا إلى العفو عن الخطإ والتغاضي عن التقصير، والتوجّه إلى الله لطلب العفو والمغفرة لهم، وعدم إهمال جانب المشورة في الأمر، والمخاطَبُ الأول بهذه الأوامر هو الرسول صلى الله عليه وسلم وفي نفس الوقت فنحن مطالبون باتباع هذه الأوامر بالتبعية للرسول صلى الله عليه وسلم، ولذلك فمهما كانت الظروف صعبةً فعلينا أن نتجنب الغلظة والفظاظة والغضب الذي يوقد النار ويشعلها حولنا، وإلا فسنجدُ أنّ من تجمّع حولَنا قد تفرّق وانفضّ.

من المعلوم أن مواجهةَ الإساءة بالإحسان أحد أهم الدساتير القرآنية، وكما تقول الآية الكريمة: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (سورة فُصِّلَتْ: 41/34).

فليس مشروعًا لكم أن تقابلوا المساوئَ والمظالمَ والتعذيبَ بالمساوئِ نفسها، وإن فعلتم فسيحاسبكم الله سبحانه وتعالى، وإذا قابَلْتم الفسادَ بالفسادِ والظلمَ بالظلمِ فسيحاسبكم ربكم ويسألكم: “لماذا لم تتصرّفوا بصورة إنسانية؟”، “لماذا لم تقتَدوا برسولكم محمد صلى الله عليه وسلم؟”.

فعلى المؤمن أن يكون حذرًا يقظًا لكيلا يسوقه ظلمُ أحدٍ بالطرق والأساليب الشيطانية إلى الخطإ، وإن قابله أحد بالإساءة فعليه أن لا يقابله بمثلها، بل على العكس عليه أن يشحن ويقوّي نظامه الداخلي بالصبر والتحمل قائلًا:

ما أعذب البلاء إن كان من جلالِك!

وما أحلى الوفاء إن كان من جمالِك!

فكلاهما صفاء للروح

فما أحلى لطفك! وما أعذب قهرك!

                  (إبراهيم تنوري)

علينا أن نردّدَ هذه الكلمات ونُحسِنَ في مقابلة مساوئ الآخرين، ونتصرفَ بعدها كأن شيئًا لم يكن على الإطلاق، ونفتحَ طرقًا جديدة وبديلة من أجل الخدمة الإنسانية، ونُبدِعَ في الوسائل والأساليب في سبيل استدامة العمل والفاعلية.

***

[1] صحيح البخاري، الأنبياء، 51.

أبواب تُفتح بالرحمة

Herkul | | العربية

لقد وسعت رحمةُ الله ورأفته عبادَه أجمعين، ولقد ملأ عفوُهُ كلَّ شيء، وحلمُه أحاط بكل شيء.. وهذا المعنى تُفيدُه العديد من أسمائه تعالى مثل الرحمن، الرحيم، الرؤوف، الحليم، الكريم.. ويخبرنا القرآن الكريم بأن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضًا يتحلى بمثل هذه “الأخلاق الإلهية” فيقول: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (سورة التَّوْبَةِ: 9/128)، حيث إن صفتَي “رؤوف” و”رحيم” تُستخدمان في الآية وصفًا لسيدنا رسول الله في الوقت نفسه، وهما من أسماء الله الحسنى بالأساس.. وهذا يعني أن سيدنا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان يشتمل في نفسه على روح هذين الاسمين ومعناهما، وكان يؤدّي رسالَتَه على أساسِهِما.

ومن هنا يمكننا أن نستنتج ما يلي: إذا كان مفخرةُ الإنسانية صلى الله عليه وسلم، حين تُعرَض نبوّتُه للتفكّر والتدبر، يوضع في الصدارة بسبب رحمته وشفقته؛ فإنه يمكن القول: إن الوفاءَ بواجب التبليغ والإرشاد حقَّ الوفاء مرتبطٌ بالرحمة والشفقة الحقيقية، وبما أن هذه هي الحقيقة فالأصلُ ألا يحيد عن هذا الطريق رجالُ الإرشادِ في أي عصرٍ وزمان.

ولا سيما أن أجيال اليوم تحتاج إلى الرحمة والشفقة النبوية أكثر من أي جيل آخر.. وإن لم يتم التحرك بمثل هذه الرحمة والشفقة، استحال أداء مهمّة نشر الحق والحقيقة وإبلاغ الجميع بهما كما ينبغي.. وحتى وإن تم أداء هذه المهمة وتنفيذها، فلا يمكن الحفاظ عليها وعلى ديمومتها.

يجب على المرء أن يأخذَ، إلى جانب عقله وإرادته، قلبَه وعواطفه؛ حتى لا يتعب أو يتعثّر في الطريق الذي يسير فيه؛ لأن الأعمال التي تُغرسُ في الطبيعة، وتُحوَّلُ إلى رغبة وشغف، تُنَفَّذ براحة ويُسرٍ أكثر، فإذا ما جعلتم طبيعتكم تساندكم فيما يتعلق بمسؤولياتكم وواجباتكم فقد حصلتم على دعم جاد وحقيقي.

ويمكن لمن يمتلك مشاعر الرحمة والشفقة والعطف أن يتغلب بسهولة على ما يعترضه من عقبات في الطريق الذي يسير فيه من أجل تحقيق غايته المثالية، وإنسانٌ مثل عبد الله بن حذافة السهمي رضي الله عنه يستثمر في سبيل تبليغ الحق والحقيقة جميعَ الفرص التي تسنَح له.. وكما هو معروف، فإن سيدنا عبد الله رضي الله عنه حين أُسِر من قِبل الروم وسُئل عما إذا كانت لديه رغبة أخيرة في شيء أم لا قبل أن يتم إعدامه؛ ردَّ رضي الله عنه على القسِّ الواقف أمامه فيما معناه: “أيها القديس أشكرك كثيرًا على الدقائق القليلة التي منحتني إياها. لأنه خلال هذا الوقت إذا حدثتك عن الإسلام الذي هو الدين الحق، ثم متُّ، فإنني لن أغتم ولن أحزن؛ لأنك في هذه الحالة ربما تنجو”. ولا يُتوقَّع ممّن خَلَتْ نفسُه من مشاعر الرحمة والشفقة والعطف أن يقول هذه الكلمات.

فإذا أصبح المؤمن بطلًا حقيقيًّا للرحمة والشفقة تعذّر عليه أن يتحمل ويرى كيف يخسرُ الناسُ آخرتهم ويحترقون في نار جهنم.. ولقد ورد أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَلَا قَوْلَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي إِبْرَاهِيمَ: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (سورة إِبْرَاهِيمَ: 14/36)، وَقَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (سورة الْمَائِدَةِ: 5/118)، فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: “اللهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي“، وَبَكَى، فَقَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: “يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ، وَرَبُّكَ أَعْلَمُ، فَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ؟” فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا قَالَ، وَهُوَ أَعْلَمُ، فَقَالَ اللهُ: “يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ، فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ، وَلَا نَسُوؤُكَ[1]، وهذا أيضًا رحمة من الله برسوله عليه الصلاة والسلام، والواقع أننا يمكننا اعتبار هذه الكلمات أنها نغمات الرحمة والشفقة التي عبّر عنها جميع الأنبياء والرسل من أجل أممهم، إذ يتحمل النبيُّ المولَعُ بأمّته المهمومُ بشؤونها كلَّ شيءٍ في سبيل إنقاذهم ونجاتهم.

وحسُّ الشفقة والرحمة هذا هو ما جعل الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي يقول: “لو شاهدت سلامة إيمان أمتي، فإنني أرضى أن أحترق في نار جهنم لأنه بينما يحترق جسدي فإن قلبي سيمتلئ سعادة وحبورًا”[2]. والواقع أنكم إذا ما جَسَسْتم نبضَ جميع الأشخاص العظماء، ووضعتم آذانكم على صدروهم سمعتم أشياء مماثلة لذلك.. والإنسانُ الذي يحمل مثل هذا الشعور بالرحمة والعطف يظل يركض دون توقّف ولا توانٍ من أجل ضمان سلامة الإنسانية؛ إذ إن هذا الشعور يكاد يكون بمثابة دينامو بالنسبة له، يسوقه ويشجّعه على الخدمة، ويسهِّل أمره بعض الشيء، أما الشخص المحروم من هذا فإنه يظلّ يجاهد نفسه باستمرار، ويحاول أن يوفي إرادته حقها، والأكثرُ من ذلك أنه يكون بحاجة لإعادة التأهيل المستمر، ورفع الروح المعنوية والحافز النفسي، والحفاظُ على قِوامه مرهونٌ بهذا.. غير أن هذا يفيد أحيانًا، ولا يفيد أحيانًا أخرى؛ فالإنسانُ يعتبر بالتحذيرات والنصائح أحيانًا، ولا يعتبرُ أحيانًا أخرى.

لهذا السبب قال الأستاذ بديع الزمان إن مبدأ الشفقة هو أحد المبادئ الأساسية لمهمّتنا، ولا سيما في يومنا الذي صارت فيه كلُّ القضايا مرهونةً بالمادة والجسمانية على نحو دائم، فثمّة حاجة ماسةٌ إلى إيقاظ شعور الشفقة -الذي يمكننا القول بأنه معانقةُ الجميع واحتضان كل شيءٍ لأنه من صنع الله وخلقِه- في القلوب مرة أخرى، وتوجيه الناس إلى حياة القلب والروح من جديد.

يقول مولانا جلال الدين الرومي: “أَقْبِلْ، أَقْبِلْ، أيًّا كنتَ، فلتُقبِلْ”، لكن إنسان عصرنا ليس مستعدًّا تمامًا للمجيء؛ لذا وجب علينا أن نذهب نحن إليه دون أن ننتظر مجيئه بنفسه إلينا.. يجب علينا أن نسعى لإصلاح القلوب المنكسرة، وحتى وإن تجرّد الآخرون من الإنسانية، وفعلوا كلَّ أنواع السوء؛ فإن الواجبَ الذي يقع على عاتق السائرين على طريق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هو المقابلة بالحسنى حتى الأذى والسوء دون تضايقٍ أو انزعاج؛ إذ يجب ألا تدفعُكم تصرفات الآخرين وسلوكياتهم السيّئة وغير اللائقة إلى الابتعاد عن قيمكم الأساسية، يجب عليكم أن تُبرزوا شعورَ الرحمة والرأفة في كل آن وأوان.

والواقع، أن المؤمن الحقيقي مليءٌ بالرحمة والشفقة، ليس تجاه الإنسانية فحسب، بل تجاه الوجود كله، يخطو بحذر شديد حينما يسير في الطريق خوفًا من أن يَسحق ولو حتى نملة.. لا يُتوقع لأي شخص مليء بمشاعر الرحمة والعطف إلى هذا الحد أن يرضى للناس البقاء على الضلال، وأن يتجاهل دخولَهم النار، ولا سيما من يدرك مدى الجماليات التي يَعِدُ بها الإيمان، ويعرف جيّدًا ما تعنيه الجنّة والنار، لا يمكن ألا يُبالي بحالة أولئك الذين يسبحون في الكفر والضلالة، إنه يحاول أن يأخذ بأيديهم بحبٍّ ونشاط ومودة وعاطفة عميقة، وهذا الشعور يجعله حيويًّا وديناميكيًّا دائمًا.

وبالعبارات الآتية يُبين سيدُنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن من يعامل الآخرين برحمة وعطف وشفقة يجد مثل ذلك من الله تعالى، فيقول عليه الصلاة والسلام: “الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ[3]، وبناءً على ذلك، فإنه بِقدرِ رحمة المرء بالآخرين وشفقته وعطفه عليهم تكون مكانته ومنزلته عند الله.

من المؤسف أن شعور الرحمة والشفقة من القيم المهمة التي فقدناها! في حين أنه خصلة إنسانية مهمة للغاية يحتاج إليها إنسان اليوم بصفة خاصة، فالبشرية اليوم ربما تحتاج إلى التعاطف والتراحم أكثر من حاجتها إلى الهواء والماء والغذاء.

مَن الذي لا يمتلئ بأحاسيس الرحمة والشفقة يستحيل أن يعيش من أجل الآخرين؛ ولا يمكنه التضحية بحياته من أجل إحياء الآخرين، علاوة على ذلك إنه لا يستطيع أن يلج قلوبهم، ولا أن يؤثر في مخاطبيه.. فمن يعامل الناس بغلظة وفظاظة يعود خاوي الوفاض محرومًا، أما إذا ما عُوملوا بلين ورحمة فإن الأبواب كلها تَتَفَتّح؛ فالرحمةُ مفتاحٌ سري عجيب يتعذّرُ على أيِّ بابٍ أن يستعصي أمامه.. والله تعالى سيفتح أبواب الجنة للناس بشفقتهم على الآخرين، والتي هي موجة من موجات تجليات رحمته سبحانه.

لا يوجد هناك سلاح أكثر بترًا في مواجهة الأعداء من الرحمة والشفقة، أولئك الذين يمتلكون هذا السلاح –وماذا تكون كلمة سلاح أمامها!- وهذا الإكسير السحري سينتصرون قطعًا -إن عاجلًا أو آجلًا- على أولئك الذين يعادونهم ويخاصمونهم، ومن المؤكّد أنهم سيخرجون رابحين على شتى الأصعدة، وسيكسبون القلوب والأفئدة، ولكنّ هذا الفوزَ له درجاتٌ متفاوتة، ولا يمكننا أن نتوقّع الشيء نفسه من الجميع، وحتى وإن أصبح بعضُهم يتقاسمون معكم المشاعر والأفكار نفسها كنتيجة للاهتمام والحب العميقين اللذين أظهرتموهما، فربما يصير بعضهم أصدقاء، وبعضهم مؤيدين لكم، وبعضهم متعاطفين معكم، وبعضهم قد يظلون في الأعراف حائرين مترددين؛ أي إنهم ربما يولونكم الأدبار في ساعة العسرة، بينما كانوا معكم في الأوقات اليسيرة الهانئة، ولكن هذه الأمور كلها مكاسب في حدّ ذاتها؛ فكثير من الناس سيُلقون أنفسهم في الأحضان المفتوحة بالمحبة، والشيء المهمّ أن يعرفوا أنّ المكان الذي سيُلقون أنفسهم فيه هو مكانٌ آمن.

إنكم إذا دخلْتم في القلوب وجدْتُم جموع المتطوّعين من حولكم، فمنافذُ القلب ليست ضيقة للغاية بحيث لا يمكن الدخول منها، الشيءُ المهمُّ هو معرفة كيفية فتحها، إن تفتحوا قلوبَكم للآخرين، ولا تبخلوا بأي شيء عليهم يفتح الآخرون قلوبهم لكم.. وإن تستطع الإنسانية الوصول إلى هذه السعة في التعامل والتراحم فلن تبقى مشكلة عصية على الحل.. فالمشاكلُ تتطوّر وتتفاقم في أرضيّةِ ضِيقِ أفقِنا.. ونحن نبني عالمًا ضيقًا، ونريد أن نرى كل شيء في داخل هذا النطاق الضيق، لذلك فإنه حتى الحقائق الواسعة إلى أبعد الحدود تتقلص حين تدخل في إطار عالمنا الضيق هذا! في حين أن القلب والضمير فيهما من السعةِ ما يكفي لاحتواء الوجود كله.

إن مهمة المهندسين المعماريين الذين سيُنشِئون المستقبل تتمثّل في أن يستطيعوا جمْعَ الناس حول القيم الإنسانية الكونية، وذلك من خلال الاستفادة الجيدة للغاية من هذه الفسحة والاتساع.

***

[1] صحيح مسلم، الإيمان، 346.

[2] بديع الزمان سعيد النورسي: سيرة ذاتية، ص 492.

[3] سنن الترمذي، البر، 16؛ سنن أبي داود، الأدب، 65.

.!الخوف من الموت أم الخوف من العاقبة؟

Herkul | | العربية

   سؤال: كيف يمكن التفرقة بين الخوف من الموت والخوف من الانتقال إلى الآخرة بلا إيمان؟

   الجواب: إن الإنسان كائن ذو بعدين مختلفين؛ بُعد جسماني وآخر روحاني، وباعتبار جسمانيته قد يخاف من الموت الذي هو بمثابة معكر لصفو الحياة ولذتها وانتهاء لرغباته الدنيوية، وباعتبار وجوده المادي قد يفزع الإنسان من دخول القبر الذي هو بمثابة فنائه وهلاكه المادي، فلا ترغب النفس بأن تُحرم الأذواق والملذات التي ألِفتها.. وعند تناول موضوع الموت من جهة النفس والبدن والدنيا فلا بد من الشعور بشيء من الخوف كثيرًا كان أو قليلًا، ولقد لاحظت أنا حتى بعضًا من الذين نذروا أنفسهم للدين، ويبذلون ما بوسعهم من أجل إعلاء كلمة الحق ومع ذلك يهابون الموت.. بل قد يخاف الإنسان من الموت حتى ولو فهم حقيقَته حقَّ الفهم، وكتب ودوَّن وشرح عن ماهيته وما وراءه، وكلما زادَت وطأةُ الجسمانية والبدنية، وزادت أوهام النفس وضلالاتها؛ تزداد حِدّةُ وشِدّةُ هذا الخوف.

وأما الذين يرون الموت كأنه انفتاح على حلم وردي جميل ينجون من هذا الخوف بإيمانهم الراسخ واعتقادهم بأنهم يخرجون من عالم ضيق خانق إلى عوالم واسعة رحبة مُبهِجة، وأنهم سيلتقون بالأحبة، وسيحظون بمشاهدة جناب المولى سبحانه وتعالى.. لقد استوعبوا حقيقة الموت وأصبحوا ينظرون إليه على أنه انتقالٌ من غرفة إلى أخرى أو ارتحالٌ من مكان إلى آخر، ولأنهم ينظرون إلى الموت بعدسة حسّهم وشعورهم وسعة وجدانهم ومنظار لطائفهم الربانية فهم يرونه بصورة مختلفة، ولذا فعندما يتحدثون عن الموت يتحدثون عنه بارتياح شديد ينعكس على نغمة صوتهم وأسلوب حديثهم.

إن تجاوز الخوف من الموت، والعيش بمشاعر الاشتياق إلى لقاء الله تعالى، ليس أمرًا سهلًا على الجميع، ولذا فعلى المؤمن كما يدعو الله طالبًا أن يرزقه العلم والإيمان والإخلاص واليقين والتوكل والتسليم فكذلك عليه أن يطلب الشوق إلى لقائه، وفي أدعيتنا نقول: “اللَّهُمَّ الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ الْكَامِلَ وَالْعُبُودِيَّةَ الْكَامِلَةَ التَّامَّةَ وَالْإِخْلَاصَ الْأَتَمَّ وَالْيَقِينَ التَّامَّ وَالتَّوَكُّلَ التَّامَّ وَالْمَعْرِفَةَ التَّامَّةَ وَالْمَحَبَّةَ التَّامَّةَ وَخَالِصَ الْعِشْقِ وَالْاِشْتِيَاقَ إِلَى لِقَائِكَ”، ومن بعدها ندعو فنقول: “وإِلَى لِقَاءِ حَبِيبِكَ”، وندعو الله دائمًا أن يُلهب في دواخلنا مشاعر الشوق والاشتياق إلى لقاء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ربما يرى البعضُ أن هذا قد يكون فيه شيء من الشرك ولذلك لا يستحبّونه، وأنا أيضًا أشعرُ أحيانًا بتردّد خفيف حول هذا الأمر، بَيد أن طلبَ ورغبة لقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرٌ لا يمكن تجاهله أو التغافل عنه، ولذا دائمًا ما أُردّد هذا الدعاء في أورادي، فهذا الدعاء لا ينافي الواحدية أو الأحدية لجناب الحق تعالى، بل إنني أعتقد أن ذلك لا يتعارض مع حقيقة الواحدية والأحدية.

   الباقون في الحياة قسرًا

إن الذين لم ينخلعوا من التعلّق بالحياة الدنيا لن يتخلّصوا أبدًا من شعور الخوف من الموت، فمنهم مَن يتملكه بصورة كبيرة، ومنهم من يشعر به بصورة متوسطة، وكذلك هناك مَن يشعر به بنسبة ضئيلة؛ فالذين تعلّقت حياتهم بالدنيا سيودّون العيش هنا حياة طويلة مديدة، مع أن الموتَ في النهاية واحدٌ، سواء جاء بعد ألف سنة أو بعد عشر سنوات، ولكن الذين ارتقوا في مدارج حياة القلب والروح إلى أن تربّعوا على عرشها؛ ينظرون إلى الموت نظرة مغايرة تمامًا، وهذا ما يزيل عنهم شعور الخوف، فهم كما يرون وجهَ الدنيا الفانية وما يرتسم عليه، تنعكس على أعينهم أيضًا العقبى الباقية وما تمتاز به من ألوان الجمال وأشكاله العديدة، ويكون شغلُهم الشاغل هو الشوق إلى لقاء الله ولقاء النبي صلى الله عليه وسلم، ويرون الدنيا كأنها مكانٌ مخصَّصٌ لأداء الخدمة العسكرية، مما يُوجِب عليهم خضوع أوامر الله تعالى مدّة بقائهم فيها إلى أن يستلموا رخصة الخروج منها.

والدنيا بلا قيمة في أعينهم من جهة شهواتها وأهوائها، ولذلك فلو قلنا إنهم يعيشون في الحياة قسرًا أو كرهًا فلا يعد قولنا هذا كذبًا، فهم يرضون ببقائهم هنا فقط لأن الله وضعهم في تلك الحياة وكلفهم بأداء بعض الواجبات والتكاليف، وعلى هذا الاعتبار فإن الإنسان في الحقيقة إن كان بمقدوره القيام في هذه الدنيا بأعمال ترضي الله سبحانه وتعالى، وإن كان باستطاعته تقديم إكسير لحل غربة الإنسانية في الدنيا، فعليه أن يتحمل البقاء فيها، وأن يصطبر على مساوئها، وإلا فإن الدنيا من حيث دنيويتها لا تُطلب ولا يُرغب فيها، ولكن الشيء الذي يجدر العيش من أجله هو كونها مظهرًا لتجلّيات الأسماء الإلهية الجليلة، وكونها ممرًّا للآخرة؛ ولكن مع الأسف لا يقْدِر الجميع على رؤية وجهي الدنيا هذين.

وإذا تحدّثْنا عن الخوف من الذهاب إلى الآخرة بلا إيمان، فهذا أمرٌ مختلف تمامًا، وباستثناء الرسل العِظام فلقد عاش كلُّ الأولياء هذا الخوف، ومن الممكن القولُ: إن الرسل شعروا بالقلق من عتاب المولى سبحانه وتعالى، ولكن لأن الله عصَمَهم فإن الشعور بالخوف من لقاء المولى بلا إيمان غيرُ جائز في حقهم، ولكن الصحابة الكرام رضوان الله عليهم جميعًا، والأولياء الفخام أمثال الشيخ عبد القادر الجيلاني، والإمام أبي الحسن الشاذلي، والشيخ محمد بهاء الدين النقشبندي، جميعهم خافوا من سوء العاقبة، لأن من لم يخف من سوء عاقبته، خِيف عليه من سوء العاقبة.. فلا أحد يعلم مصيرَه، وللشيطان طرقٌ كثيرة لإضلال الإنسان، وواحدةٌ من تلك الخدع الشيطانية قد تؤدي إلى ضياع رأسمال الإنسان الأخروي من بين يديه، وقد يأتي وقتَ الوفاة ليغوي الإنسان ويمنعه من نُطْقِ كلمة التوحيد، حفظنا وأعاذنا من ذلك، وقد يأتي الموت للإنسان وهو في حال سيئ مخزٍ، فيرحل حينها إلى الآخرة بهذا الحال السيئ والمخزي.

ولهذا السبب فقد أعرب كثيرٌ من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم والتابعين الفخام رحمهم الله، عن مشاعر الخوف من سوء العاقبة، ومن خلف الصحابة والتابعين فكثير من الشخصيات عالية المقام عاشوا تلك المشاعر، وإذا نظرنا في أورادهم وأدعيَتِهم يمكننا أن نشاهد تضرّعاتهم إلى الله وخوفهم من سوء العاقبة، ورغم أن هؤلاء عاشوا أعمارهم متمسكين بالدين لا ينحرفون عنه قدر أنملة، وحافظوا عليه وجعلوه حَكَمًا في كلِّ مسائلهم؛ فقد عاشوا حياتهم بقلق وخوفٍ من الموت على الكفر.

حاشا وكلا أن يلاقوا مثل هذه العاقبة، ولكن الذين لم يعيشوا هذا الخوف ولو لمرة واحدة في حياتهم فأولئك الذين يُخشى عليهم من الذهاب إلى الآخرة بلا إيمان، وبما أننا لا يمكننا إطلاق حكمٍ قطعيٍّ على عاقبة أي أحد، فلا يمكننا القول موتَ هؤلاء على الكفرِ كان من إرادة “القَدَرِ”، فرحمةُ الله سبقَتْ غضبَه، وهؤلاء قد تنالهم رحمة الله سبحانه وتعالى، ولكن الخوف من سوء العاقبة ينبغي أن يشعر به جميعُ المؤمنين، بل إن الإمام الغزالي رحمه الله يقول: إن الخوف يجب أن يغلب على حال حياة المؤمن، فإذا حضرَتْهُ الوفاة غلبَ عليه الرجاءُ والتجأ إلى ربه واعتصم برحمته. 

والحقيقةُ أن مقاربةَ الإمام الغزالي هذه تعدُّ معيارًا مهمًّا للموازنة بين الخوف والرجاء، فالخوفُ من العاقبة يُصيب المؤمن الحقيقي بشحوب وجهه وزوال نَضَارته ووجع معدته، وارتعاد ساقيه.. وذلك لأن الإنسان لا يمكن أن يعرف متى وكيف سيعترضه الشيطان ليوقعه، ولكن يجب ألا يؤدي هذا الخوف بالإنسان إلى الوقوع في اليأس، وإذا ما تسربت مشاعر اليأس إليه فعليه أن يتعلق بحبل الرجاء ليقول داعيًا: “ربِّ إن رحمتك وسعت كل شيء، فلا تمنعها عن هذا المجرم الماثل بين يديك، ربِّ كم من المذنبين الأذلاء مثلي جاؤوا إلى باب جنابك ولم يعودوا صفر اليدين! فلا تحرمني فضلك!”.

   أرتعد خوفًا من عاقبتي!

فكبار العلماء والمشايخ حتى يومنا هذا نظروا إلى أنفسهم على أنهم “مجرمون”، وقضوا أعمارهم في خوف من سوء العاقبة، ولو نظرتم في المذكِّرة الثانية عشرة (اللمعة السابعة عشرة) للإمام الشيخ سعيد النورسي فستفهمون ما أريد إيضاحه، فقد كان يرى نفسه كالعبد الآبق من سيده، وكان يحاسب نفسه محاسبة شديدة.. وإذا نظرنا إلى العَلَمِ الشامخ ذي القدرِ والمقامِ، “الشيخ محمد لطفي أفندي”[1]؛ الذي كان يجتمع حوله آلاف الأشخاص كما تتجمع الفراشات حول النور، نجده دائمًا يردد: “كلُّ عبدٍ هو قَمْحٌ وَحَسَن، وَوَحْدِي أَنَا التِّبْنُ وأنا السيئ”، وكان يتألم ألمًا شديدًا من سوء العاقبة.. أما صديقي الشيخ “قِرْقِنْجِي”[2] حتى في شبابه كان يضرب بيديه على ركبتيه ويقول لي: “يا أستاذ فتح الله، إني أخاف من عاقبتي خوفًا شديدًا”، إن هذا هو حال الكبار، أما الصغار فلأنهم لم يستطيعوا أن يطّلعوا أو يقفوا على هذا الأفق؛ لم يشعروا بالخوف أو القلق من عاقبتهم.

مع الأسف الشديد فإن أغلب المؤمنين اليوم إن كانوا يخافون من الموت فإنهم لا يخافون من سوء العاقبة، وأغلب الناس يخافون من الدخول إلى القبر وتحلُّلِ أجسامهم واستحالتها رفاتًا ورميمًا، ولكن البشر الذين جاؤوا إلى الحياة بفطرة سليمة قلّما شعَرَ أحدهم بالقلق من فكرة عودته إلى ربه، ومع أن أولياء الله ترتجف مفاصلُهم من خشية الله، إلا أن أمثالنا ممن لا يعرفون آداب ولا أركان هذه الولاية، يعيشون حياتهم بلا جِدّية ولا مبالاة.

والحقيقة أن الإيمان يَعِدُ بأمور جميلة، فالإيمانُ هو المفتاح السري لدخول الجنة، وبه تتحقق الرغبة في الخلود والأبدية، ومن ثم لا يُتوقع من المؤمن الحقيقي ألا ترتعد فرائصه لفقدان هذه الرغبة، ولكن من لم يعرف قيمة الإيمان العالية لن يتخذ التدابير اللازمة لحمايته ولن يخاف فقدانه، ولذلك يمكننا القول: إن خوفَ الإنسان من الذهاب إلى الآخرة بلا إيمان يكون بمعيار عمق إيمانه، أما ذوو الإيمان السطحي فمخافةُ الله عندهم ستكون إما منعدمة أو غير كافية.

إن المفلسَ الفقير لن ينتابَه القلق حتى وإن كان يتجول في أزقة وأحياء اللصوص، ولكن الذي يحمل كنـزًا غاليًا، فدعْ عنك تجوّلَه في أزقّة وأحياء اللصوص بل عندما يتجوّل مع أكثر الناس عصمة وبراءة فسيخاف على كنـزِه من أن يمسّه أيُّ مكروه أو ضرر، ومن ثم سيتّخذ كافة التدابير اللازمة للمحافظة على هذا الكنـز من السرقة أو الغصب، وكما ترون أثناء نقل الأموال مِن وإلى البنوك تكون موضوعة في عربات مصفحة وترافقها قوة أمنيّة لحمايتها.

فماذا لو كان هذا الكنـزُ، لا يفيد الإنسان في دنياه فحسب، بل يؤمّن للإنسان سعادَتَه الأبدية أيضًا، فلتحسبوا أنتم مقدار العناية البالغة والخوف الشديد الذي يجب إظهاره في مثل هذا الموقف.

***

[1]  الشيخ محمد لطفي أفندي (1868-1956م): عالمٌ زاهدٌ وشاعرٌ، ولد في محافظة “أَرْضُرُومْ” شرقي تركيا، حصل على الإجازة العلمية من كبار علماء عصره، وبعد أن عُيِّن إمامًا وخطيبًا انتسب لشيخ النقشبندية محمد بيري كفراوي، عُرف بين الناس بـ”إمام أَلْوَارْ”، واشتهر بلقب “سيدي أفا”، نظم أشعارًا بالعربية والفارسية والتركية، نُشرت فيما بعد تحت عنوان “خلاصة الحقائق”.

[2]  “محمد قِرْقِنْجِي (Mehmed Kırkıncı)” (1928-2016م): كاتب وعالم دينيّ تركيّ، وهو من طلاب الأستاذ بديع الزمان سعيد النُّورسي رحمه الله.

 

(!) المجانين

Herkul | | العربية

   سؤال: سمعناكم في أحد المجالس تدعون الله قائلين: “اللهم إن خزائنك واسعة، تعطي كلَّ سائل سُؤله، فاللهم هبني حفنة من مجانين الدين”، فماذا تقصدون بـ”مجانين الدين”؟

   الجواب: ربما تجاوزتُ حدي ولهجْتُ بذكر هذا الدعاء منذ عهد مبكّر، وأكاد أتمثل هذه الذكرى أمامي وكأنها حدثت اليوم: ففي إحدى المواعظ بمسجد “كستانه بازاري (Kestanepazarı)” في مدينة إزمير قلت: “ليت لي بين هذه الجماعة حفنةً من المجانين”؛ والمعنى الذي قصدتُه من لفظة “مجانين” آنذاك: أولئك الذين يقيمون حياتهم على إعلاء كلمة الله تعالى فحسب مثل الصحابة الكرام رضوان الله عليهم تمامًا، وهم الذين يقولون: “قيمةُ الحياة في هذه الغاية، وإلا فلا؛ لأن حياتنا التي سنعيشها بدون هذه الغاية لن تختلف عندئذ عن حياة المخلوقات الأخرى التي هي أدنى درجة عن الإنسان”.

هم الذين يتحرون الدقة في أداء الحقوق التي تُمليها عليهم وظيفةُ العبودية، ويقومون بمسؤولياتهم، ويعطون كل ذي حق حقه، ولا يتكاسلون في فعل هذا ألبتة، وفوق ذلك لا وزن عندهم للبيوت والعقارات، والفيلات والشاليهات، والجياد والعربات، والغنى والثروات، والصيت والشهرة، هم الذين أعرضوا عن كل متاع الدنيا، ونزعوا ما في قلوبهم من حبّها ودفعوها بظهر أيديهم، وفي كل طرفة عين يغمغمون قائلين: “عجبًا هل ستُرفرف رايةُ الاسم الجليل المحمدي صلى الله عليه وسلم في كل أنحاء العالم وفي كل نواحي الحياة؟!”، هؤلاء هم مجانين هذه الغاية المثالية، وهم الذين سيُغَيِّرون مصير العالم.

وإلا فلا علاقة لهؤلاء بمجانين مستشفى الأمراض العقلية، والسبب في إطلاقنا هذا الاسم عليهم هو أننا نزِنهم بقسطاس الناس العاديين؛ لأن هؤلاء قد استبدلوا الرغبة في الحياة بالرغبة في الإحياء في وقتٍ يهرول فيه الجميع وراء الدنيا ومتاعها، وهم يفكرون في غيرهم أكثر من أنفسهم، ويهتمون بهموم الإنسانية أكثر من اهتمامهم بأنفسهم وأفراد أسرتهم، ولقد رُوي أن سيدنا عمر رضي الله عنه كان لا يستطيع أن يتعرف على حفيده وهو يطوف بالأسواق؛ لأنه حصر كل همّته وتركيزه وجهده من أجل توفير الاستقرار والسعادة للآخرين، ولذلك فإني أطلق كلمة “المجانين” على أمثاله ممن هم على أتم استعداد للتضحية بأنفسهم وبكل ملذّاتهم في سبيل غايتهم السامية.

هؤلاء هم المجانين الذين قصدتُهم في دعائي؛ المعرضون عن كلّ جماليات الدنيا، وجميع النياشين والميداليات التي تعلقها فوق صدورهم؛ القائلون: “لا قيمة لهذه الأشياء عندنا ما لم نستطع أن نخدم ديننا وعقيدتنا”.. إن عشرة من هؤلاء المجانين يقومون بأعمال تفوق ما يقوم به ملايين من الناس الآخرين، ولذلك يخصهم الله تعالى في الآخرة بالنعم التي يهبها لعشرة ملايين من الناس.

ولا يجانبنا الصواب إذ أطلقنا على الفترة التي تبلغ قرنًا ونصفًا منذ تأسيس الدولة العثمانية حتى فتح إسطنبول فترة المجانين؛ فكما هو معلوم فإن عثمان غازي رحمه الله المؤسس الأول للدولة قد أسلم روحه إلى بارئها وهو في طريقه إلى فتح بورصة، وكذلك ابنه أورخان غازي قضى عمره على صهوة جواده، واستشهد مراد الأول خداوندكار وهو في ساحة المعركة، وتوفي يلديرم خان في الأسْر، وقضى السلطان محمد شلبي عمره وكلُّ همه أن يحوِّل السقوط الذي اعترى الدولة إلى رقي وازدهار، والانحطاط الذي بُليت به إلى رفعة وتقدّم؛ عسى أن يصل بالأمانة التي ورثها عن آبائه إلى المستوى اللائق، وعاش مراد الثاني حياةً في غاية البساطة، وفي اعتقادي أنه ليس من الخطإ القول عن هذا السلطان أنه “ولي من أولياء الله”، وفي هذه القائمة أيضًا السلطان الفاتح، والسلطان بايزيد، والسلطان ياووز سليم، والسلطان القانوني، فهؤلاء لم يهنؤوا بالحياة في البيوت الفارهة والقصور والفيلات، وإنما عاشوا حياة بسيطة للغاية، ونذروا كل حياتهم للدين، وقضوا كل أعمارهم في سبيل إعلاء كلمة الله.

إن هذه الفترة التي تبلغ قرنًا ونصفًا من الزمن تمثل فترة الازدهار بالنسبة لنا؛ لأن الفتوحات التي اتسعت في الخارج في تلك الفترة قد صاحبتها فتوحاتٌ في العوالم الداخلية للعباد، حيث توجهت القلوب إلى القرآن، وأنشأت صلةً وثيقة مع ربها، ومثُلتْ أمامه في انقياد تام وعبودية خالصة، ولذلك كانت هذه السنوات هي أخصب الحقب وأكثرها بركة في عمر الدولة العثمانية، أما بعض النجاحات التي تحققت فيما بعد فترجع إلى القوة التي استمدتها من هذا المركز، ولكن كلما خمدت هذه الروح وهذا المعنى، وتدنى شعور العدالة من الحقيقة إلى النسبية، وابتُعد عن الشعب، وبرز الميل والحب للدنيا؛ بدأ الانحطاطُ يحلّ محلّ الترقّي والازدهار.

وعندما نذكر المجانين لا نستطيع أن ننسى المجانين الذين كانوا يحاربون في مقدمة الجيش العثماني، فقد كان لهؤلاء جيادٌ عارية عن السرج واللجام، يقفزون عليها ويمسكون بها من أعرافها، كانوا أبطالًا شجعانًا لدرجة أنهم يعتبرون استخدام السلاح نوعًا من التفاهة، كانوا يتصدرون مقدمة الجيش، وكانوا هم أول من يواجه العدو، يهجمون على الأسلحة بأيديهم المسنونة من كثرة الضرب على الصخر، كانوا يستحقرون الحياة، ويُقبلون على الموت فرحين مستبشرين، فكانت هذه الشجاعة والبطولة التي يظهرونها سببًا في تقوية عزائم القادة من خلفهم والجيش المسلح من ورائهم، وهؤلاء المجانين وإن كنتُ لا أعرف عددهم فقد كان لهم دورٌ بارز في إحراز النصر والفتوحات.

وعبارة “يُقبلون على الموت فرحين مستبشرين” تذكرني بحادثة ذكرتُها مرارًا في مناسبات عدة: في معركة اليرموك لحقت الرومَ هزيمةٌ نكراء أمام المسلمين، فلما مثل قادة الجند من الروم أمام ملكهم عاتبهم وعنفهم قائلًا: “كيف لحفنةٍ من العرب جاؤوا من الصحراء أن يلحقوا الهزيمة بجيش الإمبراطورية العظمى!”، وقد كانت روما بالفعل في ذلك الوقت أقوى دول العالم؛ حتى إنها حققت نصرًا مؤزرًا على الساسانيين، ولذلك لم يستطع ملكهم أن يستسيغ هزيمة دولته أمام العرب، ووبّخ قادته وعنفهم، فكان ردّ قادته عليه: “إن هؤلاء قوم يحبون الموت بقدرِ حبِّنا للحياة”. أجل، هذا هو سرّ النصر لدى المسلمين، وسرّ الهزيمة عند الرومان المنكرين، وإن من أكثر الأمور تأثيرًا في نفس سيدنا خالد بن الوليد رضي الله عنه أحد القادة النادرين في تاريخ البشرية؛ وفاته على فراشِه وليس في ميدان الحرب.

وهذه الفكرة وذاك الشعور مهمان للغاية، لقد كان الصحابة الكرام رضي الله عنهم مجانين بما قدموه من استخفافٍ بالحياة ونذرِ أنفسهم لإعلاءِ كلمة الله، وهؤلاء المجانين هم الذين أهدوا إلينا دنيا تستحق الحياة، لكن البؤساء الذين جاؤوا من بعدهم -مع الأسف- فرّطوا في هذه الدنيا، وتخلوا عن فكرة الإحياء، واستحبوا الحياة الدنيا، فضيّعوا كلّ المكتسبات، وقضَوا حياتهم في الفيلات والقصور، واستغرقوا في المتع والملذات، لأنهم لم يرتبطوا بغايةٍ ساميةٍ ينذرون أنفسهم لها ويستحقرون الدنيا من أجلها، فوقعوا في براثن الأنانية، ولم تعد أفكارُهم ومشاعرهم تختلف عن أفكار قليلي الهمة؛ حيث اكتفوا بالحفاظ على الموجود فقط، وفي النهاية ضيّعوا في قِمار الحياة أفكارَنا ومشاعرَنا الذاتية.

وفي وقتنا الحالي هناك مهاجرون من أجل غايتهم السامية؛ انتشروا في ربوع العالم بروح التفاني وحبّ التضحية، ولكن هؤلاء ما زالوا على الطريق، يحثون الخطى نحو تحقيق غايتهم المثالية، ولكن لا نعلم هل يوصّلون هذا الأمر إلى نهايته أم لا، نسأل الله تعالى أن يوفقهم إلى ذلك، وأن يحفظهم فلا يتعثّرون في الطريق ولا يتفرقون، ولا ينحرفون إلى منعطفات أخرى، فالمجانين الحقيقيون ليسوا الذين ما زالوا على الطريق، بل هم الذين وجدوا ربهم ووصلوا إليه، ومثّلوا هذا الأمر على أكمل وجه، ولكن لا بد من العبور في هذه الطرق للوصول إلى تلك الذروة.

ولهذا يمكن القول: إن مُتيَّمي عصرنا الذين يسعون ويناضلون رغبةً في الإحياء وليس لهم رأسمال إلا التفاني والتضحية إذا رنوا بأبصارهم إلى الذرى وساروا في الطرق التي تؤدي إليها فسيصلون إن شاء الله إلى أهدافهم، وإنْ لم يلبسوا عملَهم بمصالحهم الشخصية وأنهوا هذا الأمر على الهيئة التي بدؤوا منها؛ فسيحرزون الذرى كمجانين الماضي، ولكن إذا بدؤوا يفكرون في أنفسهم، ويتحركون خوفًا من المستقبل، ويتشوفون إلى الأجر مقابل خدماتهم، فسيتعثرون في الطريق وتنقطع بهم السبل، ويضيعون الأمانة المقدسة التي على كاهلهم، وبذلك يكونون قد خانوا الأمانة، وخانوا سلَفَهم الذين ورّثوهم هذه الأمانة، وغدروا بالأجيال القادمة.

وحتى لا يتعطل هؤلاء ويتعثروا في طريقهم لا بد لهم من تأهيل دائم، وتحفيز للمعنويات، وحِفاظٍ على حيويتهم بالجلسات الإيمانية، كي تزداد حيويتهم ويتضاعف حماسُهم كل يومٍ عن اليوم السابق حتى لا يفقدوا استقامتهم، فضلًا عن ذلك ينبغي لهم الحفاظ على ثباتهم وعزمهم وإخلاصهم وصدقهم ونيتهم الخالصة حتى وافتهم المنية، فالنوايا هي التي تزيِّن الأعمال والأعمال بالنيات، ولهذا ينالون جزاء الواصلين حتى وإن ماتوا ورحلوا وهم في منتصف الطريق؛ ففي الحديث “إنّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ، وَلَا إِلَى صُوَرِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ[1].

***

 [1]صحيح مسلم، البر، 33.

قسوة القلب

Herkul | | العربية

   سؤال: ما هي مظاهر قساوة القلب وما أسبابها وما وسائل النجاة منها؟

   الجواب: قسوة القلب تعني غِلظته، والإنسان غليظ القلب بحسب إفادة الشيخ بديع الزمان لا يمكنه أن يتخلص من الحيوانية، ولا أن يتجرد من الجسمانية، ولا قدرة له على الارتقاء في مدارج حياة القلب والروح ويعيش حياته جاهلًا بأفق الروح، وأحيانًا وبحسب درجة قسوة قلبه وغفلته يتحرك ويعيش كأنه لا وجود للآخرة؛ فلا يمر على فكره وعقله القبر ولا الميزان ولا الحساب ولا الصراط، ولا يخاف من الانكباب والوقوع في جهنم، ويعيش متجاهلًا الجنةَ ونعيمَها والرضا والرضوان.. إن صاحب القلب القاسي لا يمكن أن يرى تجلّيات أسماء وصفات جناب الحق تعالى المتجلّية في كتاب الكون، ولا يمكن أن تنفتح له آفاق الأسماء الإلهية ولا الصفات السبحانية.

   آليات تحافظ على حياة القلب

لا شك ولا شبهة في أن استمرارية الحياة القلبية مرتبط بالإيمان بالله سبحانه وتعالى، فعلى الإنسان أولًا وقبل كل شيء أن يؤمن بالله حق الإيمان، وأن يراجع إيمانه في كل وقت وحين، وأن يتحرر من الإيمان التقليدي ويرتقي إلى الإيمان التحقيقي، وعليه أن يجعل الإيمان جزءًا من طبيعته وفطرته، أما إيمانه النظري فعليه أن يغذيه ويُتَوِّجه بالعبادات والطاعات التي يؤديها في خشوع وخضوع، ومن يلتزم ذلك يظلّ قلبه حيويًّا ونضرًا.

إن معرفة الله ومحبة الله والذوق الروحاني أسسٌ مهمّة جدًّا لحيوية القلب، ونطلق على المعرفة أيضًا “ثقافة القلب”، أي أن يُصبحَ العلمُ والمعرفة الإلهية جزءًا من طبيعة القلب واللطيفة الربانية عن طريق الرياضة المستمرّة، وهذه المعرفة الحاصلة تختلف تمامًا عن المعلومات المكتَسَبة عن طريق الحواس أو الإدراك العقلي.

ومعرفةُ الله تُثمرُ محبة الله تعالى، فالإنسان العارف يحب الله عز وجل.. لو عرفتَه لأحببته، وإن لم تعرفه لما توصلْتَ إلى حبِّه، وإذا كان مفخرةُ الإنسانية صلى الله عليه وسلم محبوبًا فذلك نتيجة لمعرفته، وبمعنى آخر يمكننا القول: إنه بمقدار العلم والمعرفة يكون الحبّ، أما من تعمّقوا في معرفة الله تعالى يشعرون بعشق ومحبة جنونية تجاهه، ويرتقون إلى مرتبة الهيام بما وراء العشق من الاشتياق إليه سبحانه وتعالى، فهذا من شأنه أن يُعمق معرفة الله تعالى، وكلما تعمَّقَت مناسبة الإنسان بالله تعالى صار لسان حاله الدائم يطلب الرؤية والرضوان، إن كل هذه الأمور المذكورة تبث الحياة في القلب، وتُعَدّ وسيلة أساسية لانكشاف اللطيفة الربانية، فإما أن يمتلئ القلب بالإيمان ومعرفة الله ومحبته أو يمتلئ قساوة وغلظة.

وكما أن عدم القيام بأعمال إيجابية من شأنه أن يقسي القلب، فكذلك القيام بأعمال سلبية يؤدي إلى ذات النتيجة، بمعنى أن ارتكاب الذنوب والمعاصي باليد والرجل والعين والأذن واللسان والشفاه، والانحرافَ عن طريق الحق والعدالة يؤدي إلى غلظة وقساوة القلب، وذلك لأن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم قال في بيانه الشريف: “إِنَّ العَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ[1]، وكل نكتة سوداء تدعو أختها ومع مرور الأيام تكثر تلك النكات إلى أن تطمس القلب في النهاية.

ولقد وضَّح الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم المسألة بأن قَرَنَها بقوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (سورة الْمُطَفِّفِينَ: 83/14)، وفي آية أخرى يصف الحق تعالى حال القلب الذي هو أشد قسوة من الحجارة بقوله: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ (سورة البَقَرَةِ: 2/74)، وفي آية أخرى يقول: ﴿خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ (سورة البَقَرَةِ: 2/7)، بمعنى أن هذه القلوب منغلقةٌ تمام الانغلاق، فلا تدخل فيها المعرفة على الإطلاق، ومن جهة أخرى فإن الله سبحانه وتعالى ختم على هذا القلب الذي تحول إلى بؤرة فتنة وفسادٍ لئلا يتضرر الآخرون منه ومن أمثاله.

وبهذا الاعتبار فالوظيفة الأولى الواقعة على عاتق المؤمن هي القيام بالأفعال الإيجابية للمحافظة على حيوية القلب، وعليه أن يردد دائمًا “هل من مزيد؟” فيما يخص الإيمان والمعرفة والمحبة والعشق والشوق، وأن يقضي عمره في تهجية حروف وكلمات هذه المعاني العالية، ومن جهة أخرى عليه أن يبتعد عن كل ما هو سلبي، وألا يدع فرصةً لما من شأنه أن يُلّوِّثَ القلب أو يُقَسِّيه.

وإذا راجعنا كلام الشيخ سعيد النورسي مرة أخرى سنجده يقول: “إن كل معصية نرتكبها وكل شبهة تدخل إلى عقولنا، تفتح جراحات في القلب والروح، وهذه الجراح تهدد حياتنا الأبدية”[2]، ولهذا السبب فإن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم استعاذ من قسوة القلب كما استعاذ من الشيطان الرجيم[3]، وحقيقة الأمر أنه بهذه الاستعاذة كان يؤدّي حق وظيفة الإرشاد، فينبغي لنا أن نستعيذ بالله دائمًا من تلوث القلب وانجراحه وقسوته وغلظته وختمه.

ومن جهة أخرى فكما أن الإنسان المصاب بانسداد في شريان القلب أو في عضلة القلب يقوم بإجراء عملية صمام القلب أو عملية منظم ضربات القلب، حتى تزول عنه أعراض مشكلات القلب؛ فكذلك الذي يعاني من مشكلات في لطيفته الربانية عليه أن يخضع نفسه للعلاج فورًا، ولا ينبغي له أن يعيش بقلب ملوّث أو قاس أو مليء بالجراح، بل عليه أن يحاول جاهدًا معالجتها حتى تقوم اللطيفة الربانية بوظيفتها على أكمل وجه، لأن القلب الملوث لا يتوجه إليه جناب الحق تعالى، والمكان الذي لا يتوجه إليه الحق سبحانه لا فرق بينه وبين الزِنزانة.

   رفقة الصالحين

وبجانب ما ذكرنا فمن الأهمية بمكان أن ينظر الإنسان مع من يجلس ويتحرّك ويصادق ومع من يقيم وشائج العلاقات، فمنذ القدم والصالحون من عباد الله يحذرون مريديهم من كثرة الاختلاط برجال الدولة والأغنياء، ويجب ألا يفهم الأمر على أن الغنى والثروة أو الاشتغال بالإدارة أمرٌ ملعونٌ ومنبوذ أو شيء من هذا القبيل، بل على العكس فالثروة والمنصب يشكّلان لصاحبهما نوعًا من الامتحان، إذا استخدمهما في الطريق الصحيح فقد فاز وأفلح، وإن أساء استخدامهما خاب وخسر.. والمسألة الأصليّةُ التي يجب أن نتوقّف عندها مليًّا هنا هي أن الكثيرين ممن يتعاملون مع هؤلاء يسعَون في أغلب الوقت إلى إرضائهم والتقرب إليهم ويصبحون في موقف المنة تجاههم، وهذا الأمر يُفقِدُ الإنسان حيثيَّتَه، ويُقلّل من شرفه وقيمته، ويؤثر بالسلب على صلة الإنسان بالله سبحانه وتعالى.

وإذا كان صاحب الثروة أو المنصب هذا يعيش حياته غافلًا، فإن مصاحبته ستؤدي إلى قسوة القلب، والابتعاد عن الله سبحانه وتعالى، وهو وأمثاله لن تجد في أفكارهم ولا في أقوالهم ولا في أعمالهم مكانًا لذكر الحبيب عز وجل، ولكن على العكس تمامًا فهَمّهم الوحيد هو الاستزادة من متَع الدنيا، والتلذّذ بالحياة إلى آخر لحظة، وأينما وُجدوا بحثوا عن التصفيق والتقدير والمدح والثناء من الآخرين، وإن قدموا المساعدةَ وصرفوا مما في أيديهم من إمكانات، فهذا يعني قد يفعلونه لكي يكونوا أصحاب منة، ولذا فالمخالطون لهم يبدؤون بالتشبه والتمثل بهم شيئًا فشيئًا.

وبهذا الاعتبار فعلى المهتمين بحياة قلوبهم، أن يختاروا جلساءَهم وأصدقاءَهم بدقة وحصافة، فبعضٌ من كبار الصالحين أفادوا بأن جلوسهم مع مَن لا يصلي، حرمَهم من اللذة الروحية للصلاة أربعين يومًا، وهذا أمرٌ يُظهر لنا أهمية المسألة بصورة جامعة مانعة، ولذا فيجب على الإنسان أن يصادق ويرافق من يستطيع أن يكون حديثه معه في كل آن حديثًا عن الحبيب سبحانه وتعالى، وعلى الإنسان أن يرافق مَن يرفعُه حالُه ويدلُّه على الله مقالُه، أما صِلتهم بأهل الدنيا وأهل الغفلة فيجب أن تكون مربوطة بما يصبون إليه من غايات سامية وأفكار عالية.

إن المسألة التي نتناولها هنا ليست دعوة إلى أن يتخذ الإنسان موقفًا عدائيًّا تجاه من يخالفونه الرأي، ولا أن يكرههم، ولا أن يُغلظَ عليهم القول، ولا أن يتنازع ويتعارك معهم، بل العكس تمامًا فينبغي للمؤمن أن يُقابل جميعَ الناس بمشاعر الاحترام، ولكن إذا توجّب عليه اتخاذ موقف عدائيٍّ فليفعل ذلك تجاه صفاتهم السيئة، أي: لِيُعادِ ظُلْمَ الظالم لا شخصَه، وعداوةَ المعتدي لا ذاتَه.. فالموضوع الحقيقي الذي نحاول الوقوف عليه هنا هو المحافظة على صفاء القلب، وطريقُ ذلك أن يبتعد الإنسان عن هؤلاء الذين لا مكان لديهم للحياة الروحية والقلبية، ومن جهة أخرى أن يلازم أهل القلب بقدر استطاعته.

ولكن هذا يمثل أحد جانبَيْ المسألة فقط، ومن جانب آخر فعلى المؤمن من مقتضى عبوديته لله تعالى أن يتواصل ويتعامل مع كل الناس من أجل تغذية هذه الصدور المتعطشة بإلهامات روحه؛ لأن الذين ينعزلون ويبتعدون عمن يخالفونهم الرأي، لن يستطيعوا أن يظهروا ولا أن يشرحوا جماليات دينهم، كما أن عدم المحافظة على ديمومة العلاقة مع الآخرين سيؤدي إلى تفرق المجتمع وانقسامِه إلى جبهات متناحرة، ولذا عليكم أن تقتربوا من الآخرين بحيث إذا خطوتم نحوهم خطوة واحدة قابلوها بخطوتين نحوكم، وإذا خطوتم خطوتين قابلوها بأربع، وهكذا ستزول أسباب الخلاف والفرقة بين طوائف المجتمع المختلفة، ولذلك فإن اللقاءات لمثل هذه النية الخيرة والمقصد العالي، تختلف تمامًا عن اللقاءات التي تُعقد لرغبات النفس وهواها.

وكما يُرى، فإن اختيار الموضع والكيفية المناسبة لاتخاذ موقف تجاه أمر ما، مسألةٌ تحتاج إلى جهد ذهني، وعلى الإنسان ألا يقصّر أبدًا في أداء ما يجب عليه من خدمات، فَبِقدر قوّته وإمكاناته وموقعه عليه أن يبذل غاية وسعه، ولكن بعد أن ينتهي من الأمر عليه أن يقول: “ربما كان هناك أمور أخرى يجب عملها وأفعال أفضل كان يجب الوصول إليها؛ ولكن ربما لم يتم الأمر على الوجه المطلوب لعدم كفاءتي، بل بسبب ذنوبي وتقصيري، اللهم تقبل مني هذه الأعمال القليلة البسيطة، واغفر لي تقصيري وعدم تحقيقي لما هو واجب ولما هو أفضل”، فمثلُ هذا التفكير أكثرُ أمانًا للقلب المؤمن، أما الادعاء بأن كل ما فعله وقام به هو غاية الصواب فهذا تفكيرٌ فرعوني، ومَن يُفَكِّرُ على هذه الشاكلة حتى وإن لم يكن فرعونًا فإنه يحمل في نفسه سمات الفراعنة.

***

 [1]صحيح مسلم، الإيمان، 231.

[2] بديع الزمان سعيد النورسي: اللمعات، اللـمعة الثانية، ص 11.

[3] صحيح مسلم، الذكر، 73.

القضايا الأساسية في الدين

Herkul | | العربية

   سؤال: كيف لنا أن نفهم قول الأستاذ سعيد النورسي: “الحاجة تدعو إلى التذكير بالمسلّمات أكثر من تعليم النظريات”[1]؟

   الجواب: مع مراعاتنا للزمن الذي عاش فيه الأستاذ النورسي فقد قصد بتعبيره هذا أن يقول: إن التركيز على محكمات الدين والقضايا الأساسية فيه خير من وضع النظريات حول هذه القضايا والاشتغال بها، فمثلًا القضايا العقائدية مثل وجود الله تعالى ووحدانيته، وحقيقة النبوة، والإيمان بالحشر وبالكتب السماوية، أو الأحكام العملية مثل الصلاة والصوم والزكاة والحج؛ كلها مسلمات دينية ينبغي للمسلمين أن يركزوا عليها في الأصل، كما يجب عليهم أن يستنفدوا كل الوسائل التي تعينهم في ذلك، وأن يستخدموا مختلف الأدلة والبراهين في دحض الشبهات التي تراود الأذهان، وأن يُبْرِزوا هذه المسلمات على أنها حقائق ثابتة لا تتزعزع.

وليس من الصواب أيضًا حصرُ المسألة في العبادات وأركان الإيمان فحسب، فثمة أحكام عديدة نصّ عليها القرآن الكريم والسنة النبوية تتعلّق بالحياة الفردية والأسرية والاجتماعية، وما يجب علينا هو تذكير بعضنا البعض بحِكَم هذه الأحكام ومقاصدها؛ لأن المسلمين إن التزموا وتقيدوا بهذه الأحكام الأساسية في الدين أو ما نسميها المسلمات فستنتظم حياتهم الدنيوية وتسلم حياتهم الأخروية، أما دراسة بعض النظريات التي لا نفع فيها دينيًّا أو أخرويًّا والعمل على تطوير النظريات الجديدة والتسلي بها لمجرد الاشتغال بالعلم ليس إلا؛ فليس بالطريق الصائب السليم. أجل، إن إعمالَ الذهن في مسائل بعينها، وإنتاجَ أفكارٍ لا تتجاوز التنظير بحجة تحصيل العلم؛ لا فائدة منها بعدما ثبت أنها لا تقدِّم العلاج المباشر لمشاكل الناس الحالية.

من جانب آخر دلّنا الأستاذ سعيد النورسي بقوله هذا على أساس مسلكه؛ لأنه كان يحرص على إعادةِ إحياء العديد من قضايا الدين التي أصابها الإهمال بأصولها وفروعها، والعملِ -كما يقول- على ترميم قلعة الإيمان الخرِبة منذ قرون؛ فالأولى بالنسبة له إعادة تعمير القيم الخربة؛ ومن أجل ذلك لم يكن يحبّذ الاشتغال بمسائل نظرية لا فائدة لها على أرض الواقع في حين وجود وظيفة مهمة كهذه، وأكد على أنه لا يصح صرف الهمم عبثًا هنا أو هناك، بل لا بد من توجيهها إلى إعادة ترميم هذه القلاع الخربة من جديد.

وكما أنه ليس من الصواب الإقدام على عمل الزينات والزخارف بالقلعة دون ترميم ما أصابها من تصدعات فكذلك لا يصح الاشتغال بالقضايا التافهة دون حل هذه المشاكل؛ في وقتٍ اهتزت فيه القيم الأساسية وتحطمت، فضلًا عن ذلك فإن الانكسارات الحاصلة في المسائل المتعلقة بالمحكمات والمسلّمات ستؤثر بدورها على القضايا الأخرى، وستتهدم في النهاية جميعُ القيم المتصلة بالدين محدِثةً دويًّا شديدًا، ولهذا يجب صرف الهمم نحو توطيد وإحكام المسلَّمات الدينية.

وعند القيام بذلك يجبُ أخذُ ظروفِ الزمان بعين الاعتبار، وإعداد الإحصائيات اللازمة قبل البدء في تشييد البناء، وتمهيد الأرضية جيدًا لمنع وقوع أي انهيار محتمل، أما إذا لم نواكب الزمن الذي نعيش فيه ولم نتعامل مع القضايا الدينية وفقًا لذلك فلن تكون هناك أي فائدة للتذكير بالمسلمات.

   روح التجديد

التجديد هو إعادة تفسير الدين والتعامل معه وفقًا لظروف الزمان، ولا يعني التلاعبَ بأصل المسألة، ولا تغييرَ الأصول، ولا إعادةَ إنتاجِ ما هو مشوهٌ بطريقة جديدة، بل هو إرجاعُ الحقيقة التي فقدت لونَها وبريقَها مع مرور الزمن إلى هويتها الأصلية من جديد، وإقامتها بماهيتها الأصلية مرة أخرى.

ويمكن أن نشبه هذا الأمر بترميم الآثار القديمة، والذين يشتغلون بهذا الأمر يعملون على ترميم هذه الآثار ومعالجتها بأدق تفاصيلها، وعلى إعادتها إلى ماهيتها الأصلية من جديد، وعند قيامهم بهذا لا يفسدون نقوشَ هذه الآثار ولا يضرّون بمقرنصاتها، ولا يحطمون الزجاج الملون والأرابيسك فيها، بل يعيدون كل شيء بجميع أجزائه إلى أصله وأصالته من جديد، وعلى الشاكلة نفسها ثمة حاجة ماسة إلى تقديم هذه المسلّمات الدينية التي فقدت أهميتها ومعناها في أعين الناس بشكلٍ يتناسب مع غاية وضعها. وهذا ما نسميه التجديد من ناحية ما.

ويجب عدم الخلط بين التجديد والإصلاح، ففكرةُ الإصلاح في الدين عبارة عن مجرد فانتازيا ورفاهية؛ فمثلًا ظهرت المساعي إلى إبطال العديد من المحكمات الدينية تحت مسمى التاريخانية نتيجة مثل هذه الفانتازيا.. وعلى نفس الشاكلة ظهرت محاولات لتغيير وتحريف بعض القضايا الإسلامية حتى يتقبلها الآخرون أو تبدو لطيفة بالنسبة لهم؛ وهذا أيضًا نوعٌ آخر من الفانتازيا، ومع الأسف غدا كثيرٌ من الناس يهرعون الآن خلف هذه الفانتازيا، والواقع أنه لم يحدث حتى الآن أيُّ تشوُّهٍ في الأسس والضوابط الإسلامية حتى نتحدث عن إصلاحها.

إن الدين يشعّ نضارة وحيوية في كل وقت وحين، أما ما قد يبلى فهو عقولُ الناس وأفكارُهم، وطالما لم تبلَ أفكارُ الناس ومشاعرُهم ولم تفقد بريقها فيمكن للناس الإحساس بأوامر الدين وكأنها نزَلَت الآن من السماء غضة طرية، وهكذا نطلق التجديد على عملية تقديم القيم التي يجب الإيمان بها ومعايشتها -مرة أخرى- إلى الذين فقدوها، وإعادة ربطهم بها من جديد، بالتزامن مع مواكبة العصرِ.. أما من يقوم بوظيفة التجديد فنطلق عليه المجدِّد.

بعبارة أخرى، إن التجديد تغيير شكلي أو صوري في الحقائق الدينية دون المساس بأصلها، مع تبليغها للناس مرة أخرى وتقديمها إليهم بنضارتها وطراوتها، والبعض يعتبر أولَ المجددين في تاريخ الإسلام سيدَنا أبا بكر الصديق فسيدَنا عمر، ومن بعدهما عمر بن عبد العزيز رضوان الله على الجميع.. كما ظهر في العصور التالية ممثلون لحركة التجديد من أمثال الإمام الغزالي، والإمام الرباني، ومولانا خالد البغدادي، والأستاذ النورسي؛ رحمهم الله جميعًا.

فمع تغير الزمان وغلبة العادات والتقاليد وتفشّي الغفلة قد يبتعد الناس عن جو الدين النقي الطاهر، وينتابهم نوعٌ من الإلف والتعود إزاء حتى محكمات الدين، وتختفي بعض الحساسيات الدينية، بل وقد ظهرَت بعضُ الانحرافات في النظرة إلى الدين واستيعاب القضايا الدينية، ولهذا بات من أهم الأوليات التي يجب القيام بها كما فعل الأستاذ النورسي: تقديم المسائل الدينية بشكلٍ يتناسب مع ماهيتها الحقيقية، وعرضها على أعين الناس مرة أخرى بأسلوب ولغة ولهجة جديدة، وإثارة روح الحماس في نفوس الناس إزاء هذه الحقائق.

إن الزمان قد انكمش والمسافات قد تقاربت كعلامة من علامات آخر الزمان كما أخبر بذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم[2]، والعصر الذي نعيش فيه هو عصر السرعة، والمبادرة في القيام بالوظائف الدينية التي يلزم القيام بها في هذا العصر تَحمِل أهمية بالغة بالنسبة لوارثي دعوة النبوة، ولهذا يُشترط استخدام العقل المشترك، والرجوع إلى الوعي الجمعي، وإدارك روح الزمان ومواكبته، ويجب على الجميع أن يقوم بقدر استطاعته بأداء الوظائف والتكاليف المنوط بها على النحو اللائق، ويجب -إن اقتضت الضرورة- إقامة المؤسسات الفكرية (Think Tanks)، ووضع الخطط والمشاريع المستقبلية، والبحث عن سبل لاختزال الأعمال التي تتم خلال مائة سنة في عشر سنوات مثلًا.. كما يجب تدبّر الأوامر التكوينية أيضًا إلى جانب الأحكام التشريعية، واستخدامها في محلها، وتحقيق السرعة المراد تحقيقها، فهذه كلها جهودٌ ومساعٍ مهمة من أجل جمع وتأليف العالم الإسلامي الكبير الواقع تحت الأسر من جديد، وإيقاظ العقول التي انتابها الضمور والضعف منذ قرون.

***

[1] بديع الزمان سعيد النورسي: الكلمات، اللوامع، ص 859، دار النيل، (2013م).

[2] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ، وَتَكْثُرَ الزَّلَازِلُ، وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ، وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ، وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ (وَهُوَ الْقَتْلُ) وحَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمْ الْمَالُ فَيَفِيضَ“. (صحيح البخاري، الجمعة، 103)

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَقَارَبَ الزَّمَانُ، فَتَكُونَ السَّنَةُ كَالشَّهْرِ، وَيَكُونَ الشَّهْرُ كَالْجُمُعَةِ، وَتَكُونَ الْجُمُعَةُ كَالْيَوْمِ، وَيَكُونَ الْيَوْمُ كَالسَّاعَةِ، وَتَكُونَ السَّاعَةُ كَاحْتِرَاقِ السَّعَفَةِ“، والسعفة هي الْخُوصَةُ. (مسند الإمام أحمد، 16/550)

الموقف الإيماني في الشدة والرخاء

Herkul | | العربية

   سؤال: نعلم جميعًا أن الله تعالى يبتلي عباده بالسرّاء والضراء وبالشدة والرخاء؛ فما الموقف الحريّ بالمؤمن حتى لا يخسر في مثل هذه الابتلاءات؟

   الجواب: لا بد أن نذكر بداية أن تعلُّقَ المؤمنِ بغاية سامية، وسعيَه دومًا إلى نسج حياته حولها بمثابة حصن حصين له أمام هذه الامتحانات التي تعترضه، فلو أن الإنسان شغل ذهنه دومًا بفكرة: “ما أجدر الحياة إن ازدانت بالخدمة! وإلا فلا وزن لها”، ولو أنه ربط بقاءَه في الدنيا بإمكانية قيامه بأشياء في سبيل قضيته التي نذر نفسه لها؛ فلن تغرّه النِّعَمُ حتى وإن أُمطِرَ بها، ولن تُسخطه الحوادث القاسية التي يصادفها.

ولكن من الصعوبة بمكانٍ أن يتقبّل الإنسانُ ذلك ويجعله جزءًا من طبيعته، حيث إن استشعار الإنسان بهيجانٍ نابعٍ من داخله، وإحساسَه بذلك في كل خلايا دماغه يستلزم نوعًا معيّنًا من التضحية والتفاني، والمؤمن الحقيقي هو الذي يحرص على تجاوز هذه الصعوبات، ويربط حياته بغاية إعلاء كلمة الله، ويعتبر أن الحياة إذا خلت من هذه الغاية فهي خواء لا معنى لها، ويُخشى أن يتحول إلى جثة هامدة إذا تخلى عن هذه الفكرة.

أجل، إن كل ما يأتي بعد رضا الله والسعيِ إلى تبليغ اسمه سبحانه إلى الصدور المحرومة؛ أمور ثانوية؛ الأمرُ سيان في وجودها أو عدمها، فلا فرق في أن توجد الراحة والسكن والأسرة والمقام والمنصب والمال والثروة أم لا يوجد كل ذلك، لكن لا يمكن قولُ هذا بالنسبة لإعلاء كلمة الله، لأننا وُجدِنا من أجل تبليغ هذه الغاية وإعلانها، فغايةُ الخلق الحقيقية هي إنعاش هذه الفكرة في الصدور وإحياؤها، ومن ثَمّ فعلى المؤمن أن يحرص على ذلك، ويستهدفه بالدرجة الأولى.

والواقع أن هناك الكثير من المؤهلين لاستشعار مثل هذه المسائل بعمق، فقد خلق الله تعالى كثيرًا من الناس مزودين بهذه الجاهزية، لكن مجرَّدَ وجودها فقط ليس كافيًا، فالمهمّ هو تطويرها وتحريكُها وإثارتُها باستيفاء الإرادة حقها، فبعد أن ينير الإنسان داخله يجب عليه أن يطوي الأرض لاهثًا، وعازمًا على إشعال كل شمعة قابلة للاشتعال، وهكذا يمكن النظر إلى كل عمل يؤدَّى في سبيل الله ويستهدِف خدمة الإنسانية على نحو إشعال الشمعة، وكما يقول مولانا جلال الدين الرومي: الشمعة لا تفقد شيئًا من نورها بإشعال غيرها.

   موقف المؤمن إزاء النجاحات

وكل نتيجة جميلة تترتب على سعي الإنسان وجهده لها قيمةٌ عظيمةٌ للغاية على اعتبار أنها ناشئة عن إحسان الله وكرمه وتوجهه، ولكن يجب ألا يكتفي الإنسان بهذا، بل عليه أن يطلب المزيد قائلًا: “كان من الممكن القيام بأعمال أكبر وأكثر بالإمكانيات التي زودني الله بها”.. ولو أن شخصًا استطاع تبليغ نصف الكرة الأرضية فعليه ألا تغيب عنه فكرة: “لم أستطع أن أستوفي إرادتي حقّها، فلقد كان من الممكن بفضل الإمكانيات التي منَّ الله علي بها أن أبلِّغ مشاعري وأفكاري إلى العالم كله”، كما يجب عليه في الوقت ذاته أن ينسب النجاحات التي حقّقها إلى الحق تبارك وتعالى، وأن يعتبر نفسه كالنملة التي سلكت طريق مكة لأداء فريضة الحج، وأن يكون على وعي بأنه لولا لطف الله تعالى وعنايته لما استطاع إتمام الرحلة أبدًا.

يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف: “مَنْ لَمْ يَشْكُرِ الْقَلِيلَ، لَمْ يَشْكُرِ الْكَثِير[1]، من هنا وجب شكر ربنا سبحانه وتعالى حتى على أقل القليل طالما أنه قادمٌ منه، وإلا يكون الإنسان قد أساء الأدب مع ربه؛ لأن كل شيء يتحقق بيد الله سبحانه وتعالى وإرادته، فهو سبحانه الذي خلق كل ما في حوزتنا قليلَه وكثيرَه، والأشياء التي تبدو صغيرة هي في الحقيقة كبيرة على اعتبار مجيئها من قِبَل الحق سبحانه، لكن علينا أن نستصغر قدر المستطاع النجاحات الواقعة على أساس الجانب المتعلِّق بنا، فلو أنشأنا ألف جامعة فينبغي أن نعتبر هذا قليلًا، ونقول “لماذا لم نصل إلى عشرة آلاف”.

وقد يتراءى للبعض وجود نوعٍ من التناقض حينما نقول: يجب على المؤمن أن ينظر إلى الأعمال التي يقوم بها باستهانة واحتقار ويعتقد أنها تجلب له الخزي والخجل انطلاقًا من الجانب الذي يعود عليه منها؛ وأن يبجّل ويعظم نجاحاته القليلة جدًّا على اعتبار أنها ثمرة لتوجه الذات الإلهية سبحانه وتعالى له؛ غير أنه تناقضٌ لطيف يحفظ على المؤمن استقامة فكره، ويجعله يقيِّم الأحداثَ بشكل صحيح، أما أن ينسب الإنسانُ النجاحات التي أحرزها إلى نفسه، ويستعظم الأعمال الجميلة التي وُفِّق إليها على اعتبار رجوعها إلى شخصه؛ فهذا أمر يغذي وينمّي شعور الكبر والغرور لديه.

فلو أن الشخص الذي يسبح في بحر النعم ويحقق النجاحات الدائمة عَزَا كلَّ ذلك إلى نفسه فقد أشرك بالله دون وعي منه، ويمكن القول إنه لا يختلف من هذه الناحية عن فرعون الذي قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ (سورة النَّازِعَاتِ: 79/24)، وعلى ذلك فالأعمال الجميلة قد تدخِلُ الإنسانَ الجنان أحيانًا، وقد تهوي به إلى النيران أحيانًا أخرى؛ فمثلًا إذا قال الإنسان بعد أن بذل وسعَهُ لتكون دولتُه دوحةً من الجنة: “لقد تحقق هذا بفضل دهائي”؛ فهذا يعني أنه قد انغرز في مستنقع الشرك دون وعي منه، والحال أنه لو نسب هذه الجماليات إلى صاحبها الحقيقي جل وعلا من البداية بدلًا من أن ينسبها إلى نفسه، ثم اعتبر مساعيه لتحقيق هذه النتيجة مجرَّدَ طلبٍ مقدّم إلى الحق تعالى؛ فقد نصب فسطاطَه في جنات الفردوس.

وكما أن الإنسان ينسب أحيانًا الألطاف الإلهية إلى نفسه صراحةً بلسانه كما قال قارون: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ (سورة القَصَصِ: 28/78) فقد يعبِّر عن هذه الحال أيضًا بأحواله وأطواره وإشاراته وإيماءاته؛ وكلها تعبيرات وأطوار تفوح منها رائحة الشرك في النهاية، أما السبيل للانتقال من الشرك إلى الشكر فهو أن ننسب إلى الله تعالى كل شيء صغيرًا كان أم كبيرًا، وأن نقدِّر ذلك كله على اعتبار رجوع كل شيء إليه سبحانه، ففتحُ إسطنبول مثلًا هو عملٌ صغير من حيث الجهة التي تتعلق بالنفس، في حين أن حمل نملة تعثرت على الأرض إلى عشِّها عملٌ عظيم باعتبار الجهة التي تتعلق بالله تعالى، ولذا لا بد من توخي الدقة والحساسية الكاملة إزاء حقوق الله تعالى.

فرغم أن أمنا السيدة عائشة الصديقة رضي الله عنها قد نشأت في بيت يتنزل عليه الوحي زخًّا زخًّا ورافقت النبي صلى الله عليه وسلم ما يقرب من عشر سنوات فإنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم يومًا قائلة: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ تَذْكُرُونَ أَهْلِيكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ كانت أمنا السيدة عائشة مظهرًا لكثير من الألطاف الإلهية، ومع ذلك لم تكن تثق بعملها ولا بقربها من النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت ترجو النجاة بشفاعته صلى الله عليه وسلم لها، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم رادًّا على سؤالها: “أَمَّا فِي مَوَاطِنَ ثَلَاثَةٍ فَلَا: الْكِتَابُ، وَالْمِيزَانُ، وَالصِّرَاطُ[2].

ولم تختلف أفكار ومشاعر سيدنا أبي بكر وسيدنا عمر والعديد من سادتنا الصحابة رضوان الله عليهم جميعًا عن ذلك، فسيدنا عمر الذي قضى حياته في سبيل إعلاء كلمة الله كان يضع جبهته على الأرض ويقول: “اللهم لا تهلك أمة محمد بذنوبي”؛ لأن مسألة استصغار الأعمال من حيث الجهة التي تتعلق بالنفس واستعظامها من حيث الجهة التي تتعلق بالله كانت تتمثل لدى هؤلاء العظام بكل معناها.. فيا تُرَى كم شخصًا حمّل نفسه مسؤولية ما حلّ بالأمة من قحطٍ ومجاعات وزلازل وخلافات وفرقة وتناحر وتسلُّطٍ وظلم ونفاق، ثم ذهب ووضع جبهته على الأرض، خاضعًا متضرّعًا إلى ربه قائلًا: “اللهم لا تهلك أمة محمد بذنوبي”.

   الرضا بالقدر

كما أن الراحة والنعم قد يُفسدان الإنسانَ أحيانًا فإن البلايا والمصائب قد يسوقانه إلى التمرد والعصيان أحيانًا أخرى، والحال أنه يقع على عاتق المؤمن ألا ينسى أن كل هذا بمثابة امتحان من الله له، وعليه أن يقضي حياته في دائرة الصبر والشكر والرضا، يقول الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف: “مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ رِضَاهُ بِمَا قَضَى اللَّهُ لَهُ، وَمِنْ شَقَاوَةِ ابْنِ آدَمَ سَخَطُهُ بِمَا قَضَى اللَّهُ لَه[3].

ولهذا فمن الأهمية بمكان بالنسبة لمن آمن بالله صدقًا وحقًّا ألا يغيب عن باله فكرة “رَضِينَا بِاللهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا”، وأن يلهج بها دومًا، فَمِنْ خلالها يعبّر المؤمن عن رضاه بربوبية ربه سبحانه الذي أوجده وأنشأه ورباه وقدَّره، وعن رضاه بالإسلام دينًا ومعتقدًا ومنهجًا، وعن رضاه بالتكاليف الشرعية التي ألزمه الله بها، وعن استعداده القيام بها عن طيب نفس، وعن رضاه بسيدنا محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم نبيًّا ورسولًا.

لكن أن يقول الإنسان: “ماذا فعلتُ لتنزل بي هذه المصائب؟ لماذا تفجعني هذه البلايا؟”؛ فهذا ليس بكلام مؤمن، ولا يجدر أن ينطق به.

وإن فكرة اعتبار الإنسان الحوادثَ السلبية تقديرٌ إلهي، وأن هذا التقدير ربما يرجع إلى أخطائه وذنوبه؛ فهذه الفكرة تخلصه من الأفكار والمشاعر السلبية المنافية للرضا بالقدر، ومن الدخول في جدالٍ داخلي عقيمٍ مع الله سبحانه وتعالى والعياذ بالله، وهذا هو ما يستلزمه المنطق القرآني؛ لأن القرآن الكريم في كثير من آياته يشير إلى أن ما يقع من مصيبة في الأرض والسماء فبما كسبت أيدي الناس، ولذلك يجب أن ينطلق فم المؤمن بهذه الكلمات: إن الله سلط علينا -بسبب ذنوبنا- بعض السيئين، ولأنهم يجهلون تقصيرنا وأخطاءنا الحقيقة فقد ذمّوا الجيِّدَ من أعمالنا وتوجهوا إليه بالنقد، بل إنهم -على حد وصف بديع الزمان النورسي- اتّهمونا بأمورٍ لم نفعلها، ولن نفعلها، ولا يمكن أن نفكر فيها أصلًا..

فلو أن الإنسان نظر إلى المصائب والمشاكل على هذا النحو فلربما ذاب ذلك الخفقان المتزايد في الداخل بانسكاب إكسير الرضا عليه. فبفضل هذا الإكسير يمكن التغلب على جميع الأفكار السلبية التي أربكت أذهاننا ونفذت إلى خلايا أدمغتنا ولوثت ما فيها من ملفات.

وقد يخطر ببالِ أصحابِ القلوب المضحِّية الصادقة التي لا تبتغي شيئًا سوى رضا الله تعالى بعضُ الأفكار السلبية من حين إلى آخر عند تعرضها للغدر والظلم والممارسات العدائية وسيِّئ الأخلاق، بل قد يقضّ هذا الأمرُ مضجعَها، ويمثّل عبئًا ثقيلًا عليها لدرجة تصل إلى حد الجنون، فإن قيل: من أين تعلم هذا؟ أقول: لأنني عشته كثيرًا من قبل، وفي مثل هذه المواقف ينبغي للإنسان أن يستأصل شأفة هذه السلبيات من ذهنه من خلال الاستعانة بالأفكار الإيجابية.

علاوة على ذلك فبسبب ضيق أفقنا وقصور أفكارنا فإننا غالبًا ما نجهل الجماليات التي تولِّدها الأزمات، ولقد قلتُ من قبل: “لو جرت حياتي وفق فكري وتخطيطي لظللتُ ابن السيد “رامز أفندي” في قرية “كوروجك”، ولكن عندما أرجع إلى الوراء وأنظر إلى ما مرّ بي في حياتي أستطيع أن أدرك -بجلاء أكبر- ألطافَ الله تعالى وأفضالَه عليّ”.

قد لا يستطيع الإنسانُ إذا انحشر بين تروس الحوادث الخانقة المملّة خاصة أن يقرأ الأحداث بشكل صحيح، فيقع في أخطاء عند تفسيره للأوامر التكوينية، ولكن عندما يتبدّى لنا كل شيء فيما بعد على نحو أكثر شفافيةً ولمعانًا ندرك أننا نحيا حياتنا بتوجيه الله لنا، وأنه سبحانه وتعالى قد اختصّنا ببعض الألطاف الإلهية وإن لم نكن على وعي بذلك، ولذلك إذا أراد الإنسان أن يحمي نفسه من الخجل والخزي أمام ربه فعليه ألا يتعجل في الحكم على الأحداث، وألا يبتعد عن الرضا أبدًا.

فقد تكون المنحةُ بعد المحنة، وقد يدفعنا الله تعالى إلى طريق مليئةٍ بالمطبات علوًّا وانخفاضًا، وأحيانًا يضطرنا إلى صعود المنحدرات، والعبور من بحور القيح والصديد، وقد لا نفهم حين نتجشم هذه المصاعب الأسرارَ الكامنة وراء كل هذا، ونجهل ما تؤول إليه الحوادث الجارية، ولكن بعد الصعود إلى القمة والنظر إلى الخلف ندرك خطأ ملاحظاتنا وأفكارنا السابقة، فنقول حينها: “ما أسلمَ الطريق الذي سرنا فيه! وما أصوبَ السَّوق الإلهي الذي دفعنا له!” ولهذا يجب أن نعمل على تجاوز ما قد يعلق بنا أثناء سيرنا، وأن نشكر ربنا على أفضاله علينا؛ عسى أن تؤول النتيجة إلى خير بإذن الله تعالى.

   التحلّي بمكارم الأخلاق

ثمة أمراض تنبئ عن عدم الرضا بالقدر مثل الغيرة والحسد وعدم تقبّل الآخرين، ولقد سقط الكثير من الناس حتى الآن في الكفر والضلال بسبب هذه الأمراض.. فمثلًا عمرو بن هشام (أبو جهل) لم يرض أن يخص اللهُ تعالى مفخرةَ الإنسانية صلى الله عليه وسلم بالنبوة دون غيره، ورغم أنه اعترف بنبوة الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم من وراء الأبواب المغلقة فإنه لم يصرّح بذلك خوفًا من أن يخسر بعض امتيازاته، ولا ريب أنه بهذا التصرف قد شاقّ الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وكان على شاكلة أبي جهل كثيرٌ من المشركين الذين لم يرضَوا بالقدر، ولم يروا النبي صلى الله عليه وسلم حقيقًا بالنبوة -حاشاه-.

وفي الفترات التالية ظهر أناسٌ لا يتقبلون سادتنا أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا رضي الله عنهم جميعًا، وخصوصًا سيدنا عليًّا الحيدر الكرار والفارس المغوار الذي خرج عليه جماعة من الأجلاف لا يستسيغون وجوده، فقطّعوا أوصال العالم الإسلامي وشتتوا شمله. وهكذا فتحَ الشعورُ بعدم تقبّل الآخرين البابَ لظهور الكثير من الفتن في العالم الإسلامي، وعلى الشاكلة نفسها لم يستسغ الشيطانُ وجودَ سيدنا آدم عليه السلام بسبب غيرته وحسده، فَطُرِد من الحضرة الإلهية، وغدا العدوَّ الأبدي للإنسانية، وفي النهاية خسر الشيطانُ وفاز آدمُ عليه السلام. أجل، إن الغيرة والحسد وعدم التقبل هم سبب الخسارة في الدنيا والآخرة.

وفي أيامنا هذه انهزمت فرقةٌ من الناس إلى حسدها وغيرتها، فلم تتقبَّل رؤيةَ القلوب المضحّية العاملة في سبيل الله، فبذلت كلَّ ما بوسعها حتى تردّهم عن الطريق الذي يسيرون فيه، وهيَّأَت بعض المواقع والحصون وقامت بحملات سلبية تهدف إلى إفساد خططهم ومشاريعهم، بل لم تتورع عن اللجوء إلى المكائد والمؤامرات من أجل خداعهم والتغرير بهم، وعندما لم تنجح في ذلك عملت على كَبْتهم بممارسة الظلم والضغط عليهم.

فليفعل هؤلاء الحساد ما بدا لهم طالما لم يتقبّلوا الأرواح المتفانية ولم يستسيغوا خدماتهم الخيّرة التي يقومون بها، لكن ينبغي للقلوب المتفانية ألا ترجع عن الطريق الذي تسير فيه ألبتة، ولا تتنازل عن أيِّ مبدإٍ من المبادئ التي تؤمن بها، ولا يسوقهم السوءُ الموجه إليهم إلى ارتكاب الأخطاء. أجل، يجب ألا يرد بخاطرهم حتى مقابلة السيئة بمثلها، لأن هذه فكرة غير إنسانية بالنسبة لممثلي الحق والحقيقة خاصة، فدستورهم في هذه المسألة هو ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (سُورَةُ فُصِّلَتْ: 41/34).

وفي هذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف: “اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ[4]، فعلى المسلم أن يكون بأفعاله وتصرفاته ممثّلًا لمكارم الأخلاق على الدوام؛ حتى يثير فيمن ينظرون إليه الاشمئزازَ من قباحة ما يفعلون.

أما إذا فكرتم في مقابلة السيئة بمثلها فهذا يعني أنكم سلكتم الطريق نفسه وارتكبتم الخطأ عينه، وكما سيحاسب الله تعالى هؤلاء على الظلم والجور الذي أوقعوه عليكم فسيحاسبكم أيضًا على الخطإ الذي ارتكبتموه في حقهم؛ لأن أخطاء الآخرين وذنوبهم لا تبرِّر ما تقومون به من أخطاء، وظُلمَهم لكم لا يسوّغ ولا يبرِّر ظلمَكم لهم أبدًا. أما فكرة “لقد قابلناهم بتصرفاتهم، وعاملناهم بعملهم”؛ فلا تكفي لإنقاذكم، ومن ثَمّ لو تجاوز البعضُ حدَّه فظلم واضطهد وأفسد النظام القائم فعلى المؤمن الواعي بإيمانه ألا يقابل ذلك بأي فعل غير مشروع، أما ما يقع على عاتقه فهو التعامل بما هو جدير بإسلامه وإنسانيته.

أجل، علينا أن نتوخى الحيطة والحذر الكامل حتى لا تسوقنا الطرق والمناهج التي يتبناها الآخرون إلى ارتكاب بعض الأخطاء، فليس علينا أن نقابل الذين يضمرون لنا الحسد والغيرة بنفس مشاعرهم السلبية أو نحاول رفع الظلم عنا بظلم مشابه، بل على العكس لا بد أن نقوِّي من جهازنا الهضمي إزاء كل هذه السلبيات، وأن نضاعف صبرنا، ونقابل ما يجري بصدر رحب وتوكل تام قائلين:

ما أعذب البلاء إن كان من جلالِهْ!

وما أحلى الوفاء إن كان من جمالِهْ!

فكلاهما صفاء للروح،

فما أحلى لطفه! وما أعذب قهره!

وثمة فائدة من التأكيد على أن كل هذا لا يمنع من إنزال العقاب اللازم بالمجرمين في حدود القانون، واسترداد الحقوق المغتصبة.

فضلًا عن ذلك لو أنكم أشغلتم أنفسَكم بمن يُسيئون إليكم فستهدرون وقتكم، ولن تتقدموا في الطريق الذي رسمتموه لأنفسكم؛ وسيحاسبكم الله على هذا، ولذلك عليكم أن تحرصوا على الاستمرار في طريقكم، بوضع خطط ومناهج بديلة على الدوام، دون أن تبادروا إلى إيقافِ حملةٍ أو عرقلةِ سعيٍ وحركةٍ، وحتى وإن أحالوا الطريقَ الذي تسيرون فيه إلى طريقٍ وعرٍ يصعب السير فيه فعليكم البحث عن طرق جديدة لمواصلة سيركم.

إن هذه الدنيا ليست محلًّا للاستياء والامتعاض، ولذا فليس لكم أن تستاؤوا أو تمتعضوا من الظلم والجور الواقع عليكم؛ لأنه إن لم يتكفّل البعضُ بتعليم الآداب والأخلاق للإنسانية في عهدٍ بات الناس فيه يلتهم بعضُهم بعضًا كالذئاب الضارية فستكون العاقبة وخيمة، وكأن مستقبل العالم قد استُؤمن عليه وحوشٌ لا يعالجون الأمور إلا بعنفٍ وهمجية، فثمة حاجة إذًا إلى كيانٍ أصيل ذي تفكير مختلف ومساراتٍ أخرى. أجل، يجب السعي إلى إنشاء هذا الكيان وإرغام الإنسانية على الاعتراف به، وليس هذا بالطبع بممارسة القمع والاستبداد والشدة والعنف والتفجيرات، بل بالمحبة والسماحة، والالتزام بالقيم الإنسانية والأخلاقية.

من أجل هذا يجب بداية أن تكونوا بلا يد لمن ضربكم، وبلا لسان لمن سبكم، وبلا قلب لمن كسر خاطركم، فإن ناصبتم الآخرين العداء بسبب ما يظهرونه لكم من وحشية وغيظ وكره وحقد فستكونون قد شكلتم دائرة فاسدة من الحقد والكراهية، ودفعتم الذين يناصبونكم العداء إلى مزيد من الوحشية والهمجية، أما لو أردتم أن تنتشر روائح زهرة التوليب في الأجواء فعليكم أن تغرسوا هذه الزهرة في قلوبكم أولًا؛ ثم إن أطواركم وأفعالكم ستتشكّل وفقًا لها، وبذلك سيفوح كل مكان تسيرون فيه برائحة الزهور وكأنه خانُ العطور.

   الاحتراز من خطإ الأسلوب

فإن كان ولا بد من قول شيء للمعتدين بهدف النصيحة أو تصحيح الكلام فليكن ذلك بعد إعادة التفكير والاستشارة مرات ومرات، إذ لا بد من الرجوع إلى العقلاء من الناس، واستشارتهم فيما يقال من قبيل: “هلا تنظرون إلى ما سطرناه! هل فيه ما يسبب الأذى؟ أثمةَ داعٍ إلى تخفيف الأسلوب أكثر؟”؛ لأن شأن الحق عالٍ لا يُضحّى به بأيِّ مقابل، وعند الدفاع عن الحق لا بد ألا نقحِم مشاعرنا في الأمر.

وإذا أردتم النفوذ إلى القلوب فعليكم أن تتعرفوا جيدًا على مشاعر مخاطبيكم العامة، وبيئاتهم الثقافية التي نشؤوا فيها، والقيم التي يؤمنون بها، ثم تقدمون الوصفة العلاجية وفقًا لهذا؛ لأن نفس العلاج لا يُقدَّم إلى كل مريض، فالعلاج الذي يُقدّم يتحدد وفقًا لحالة المريض، فلو لم تتعرفوا من البداية على ماهية مخاطبكم وعالمه الفكري، ولم تقدّروا الكيفية التي ستردون عليه بها، وعلى ماذا سيكون ردّ فعلكم؛ فقد تحصدون نتيجةً على عكس مقصدِكم ومبتغاكم.

إن تقدير الأشياء التي يحترمها الطرف الآخر هو أمارة مهمة للغاية على الاحترام الذي نبديه لقيمنا الذاتية؛ لأن عدم توخي الحذر في هذا الأمر يجعل الآخرين لا يبالون بكلامكم، حتى إنهم يعملون على الاعتراض على قيمكم محاولين التهوين من شأنها، ومثل هذا الخطإ يحبط كل خطوة تخطونها فيما بعد. أجل، إذا أهمَلْنا القيمَ التي عايشها الناسُ منذ القدم، وجعلوها جزءًا من طبيعتهم، وبعدًا من فطرتهم؛ فإننا لن نحظى بالقبول حتى وإن قدّمنا رسائلَنا على أنها من الجنة، ولذلك فإن هذا الأمر هو مسؤولية مهمة للغاية تقع على عاتق المرشدين.

فينبغي لوارثي دعوة النبوة أن يكونوا -من جانبٍ- على صلة وثيقة بربهم، وأن يتعرفوا -من جانب آخر- على مشاعر مخاطبيهم وأفكارهم من خلال معاشرة بالناس ومؤاكلتهم ومشاربتهم. أجل، يجب عليهم أن يخالطوا الناس ويطلعوا على مشاعرهم وأفكارهم ومعتقداتهم، ويتحروا طرق النفوذ إلى قلوبهم، حتى يُكتبَ للرسائل التي يقدمونها حسنُ القبول.

   الإخلاص والصدق

ورغم أن كل ما ذكرناه على جانب كبير من الأهمية فلا بد من الصدق حتى يكون للانتفاض والاهتياج في سبيل الخدمة قيمةٌ عند الله، فبقدر إخلاصكم وصدقكم في هذا الموضوع تكونون مظهرًا لتوجه الله لكم، وبقدر توجهكم لله تكونون محطّ نظره وعنايته تعالى، وعندها تُفتح الأبواب المغلقة في وجوهكم على مصاريعها عندما يحين الأوان؛ لأن الحنان المنان ذا الرحمة والغفران حاشاه أن يرد الصادقين الملتجئين إلى بابه خائبين صفر اليدين.

لهذا السبب علينا أن نرصِّعَ أعمالنا كلها بالإخلاص، وإلا نكون قد تدنّينا بقيمة الخدمات التي نقوم بها إلى مستوى الصفر.. وقد يسأل سائلٌ: لماذا ينحدر المستوى على جناح السرعة إلى الصفر وصاحب الأزل والأبد موجود؟!
والجوابُ أنه لا يوجد وسط في هذه المسألة، ولا منزلةَ بين هاتين المنزلتين؛ فإما أن نربط كل شيء به سبحانه فننعم بالنسائم الوافدة منه، وإما أن نتدنى بقيمة ما نفعله إلى مستوى الصفر دون وعي منا.

والله تعالى لا يدع الأبواب مغلقةً إلى الأبد. وما أجمل ما قاله أحد أولياء الحق:

لو أغلق الله بابًا فتح ألف باب

فالله -سيدي- هو مفتِّح الأبواب

وهذا منوطٌ بأن تكون في قلوبنا قناةٌ دائمة الاتصال به سبحانه وتعالى، وأن يشغل هذا الأمر عقولنا وأفكارنا على الدوام، يجب أن يُرجَع كل شيء إليه، فلا قيمة لتقدير الناس وتصفيقهم، فما القيمة التي سيعطيها لكم الناس مقابل توجهه سبحانه لكم؟! إن التشوّف إلى ما عند الناس بدلًا من التوجه إليه سبحانه وتعالى إنما هو تنازلٌ وهبوطٌ بالمستوى، بمعنى استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير.

***

[1] مسند الإمام أحمد، 30/390.

 [2] مسند الإمام أحمد، 41/225.

[3] سنن الترمذي، القدر، 15.

[4] سنن الترمذي، البر، 55.

وَالصُّلْحُ خَيْرٌ

Herkul | | العربية

   سؤال: يقول ربنا سبحانه وتعالى ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (سورة النِّسَاءِ: 4/128)؛ فما الرسائل التي تقدِّمها هذه الآية للمسلمين في ظلّ العولمة؟

   الجواب: إن العامل الرئيس وراء النزاعات والمشاحنات التي يشهدها عصرنا الحالي هو الاعتداد بالنفس إلى حد الغرور وعدم تقبل آراء الآخرين، فالجميع يسعى وراء إنشاء بنية بشرية وعائلية ومدنية ودولية وعالمية خاصة به، وبهذا الوضع يتعذر الاجتماع على نقطة معينة؛ طالما يسعى كل شخص وراء بنيته الذاتية ونموذجه الخاص.. لذا يحتار الإنسان بالانتساب والتبعية في هذا العالم الذي يقوم فيه كل مفكر وكل حركة وكل دولة ببناء الأفكار والأنظمة وفقًا له، ويعتبرها هي الحقيقة الوحيدة، ويتوقع أن يلتزم الآخرون بها، هذه للأسف هي الحقيقة الكامنة وراء التوترات والفوضى والخلافات التي نعيشها اليوم.

   الحلم والتسامح

وأعتقد أن العلاج القادر بحقٍّ على حل مثل هذه المشكلة هو إكسير الحلم والتسامح؛ بعبارة أخرى: إنَّ حلَّ مثل هذه المشاكل والخلافات منوطٌ بانفتاح الجميع على التوافق والتصالح بينهم وبين بعضهم البعض، وإلى استعدادهم إلى إنشاء حوار مع الآخرين، ولهذا فثمة حاجة ماسّة إلى التخلص من الأهواء والرغبات الذاتية، واستئصال مرض اعتبار المشاعر والأفكار الذاتية على أنها هي الحقيقة الوحيدة، ولا ريب أن هذا يرتبط بانسلاخ كل شخص من أنانيته الفردية، وتدمير “الأنا”، وأخذ قسط من الراحة في حضرة “نحن”، ثم الارتحال فيما بعد إلى “هو” (الله جل جلاله).

ومن الصعوبة بمكان بالنسبة لمن رزحوا تحت أنانيتهم الفردية والجماعية أو رنا حبُّ الحزبِ والجماعة على أبصارهم وقلوبهم أن يكونوا مستعدين للصلح أو مقابلة الأفكار الأخرى باحترام وتقدير، وما دام هؤلاء يقدمون مصالح جماعاتهم على كل شيء، ولم يقدروا على التخلص من التحيز والمحاباة؛ فلن يستطيعوا وضع إستراتيجيات الصلح التي تحقق الطمأنينة للإنسانية، والواقع أنهم لم يستهدفوا الصلحَ ولم يخطر ببالهم ذلك أصلًا، لأنهم لم يعتادوا الانفتاح على الاختلاف.

وفي الحقيقة لا توجد بدائل أخرى سوى الحوار والتسامح من أجل أن تعيش البشرية في سكينة وطمأنينة في ظل العولمة التي نشهدها، وحتى تهيمن ثقافة التسامح لا بد أن يتخلى الأفراد بل والمجتمعات عن رؤية أنفسهم الممثلين الوحيدين للحقيقة، وأن يضعوا في اعتبارهم دومًا احتمالية صحة الأفكار والمقاربات التي يطرحها الآخرون، ويجب ألا ننسى أن الأفكار المختلفة تنطوي على نصيب من الصحة على الأقل وإن لم تكن صحيحة بتمامها، وكما قال الأستاذ النورسي[1] رحمه الله إن هناك جزءًا من الحقيقة حتى في مذهب الجبرية والمعتزلة، ولكن هذه المذاهب أخطأت لأنها حصرت الحقيقةَ عليها فقط، وعلى ذلك فعند النظر إلى الأفكار المختلفة بهذه النظرة، واعتبار وجود جزء من الحقيقة فيها؛ فحينئذ يمكن التوصل إلى اتفاق حول الحقيقة.

لكل فردٍ في أيامنا حقيقةٌ خاصة به، والصحيح لدى البعض قد يبدو معوجًّا عند البعض الآخر، بل أحيانًا يكفي أن يأتي الإنسانَ شيءٌ من خارج الجماعة التي ينتسب إليها حتى يعتبره مائلًا معوجًّا، ولا يمكننا إيجاد بيئة مناسبة للخلاف القائم حول الأصح والأحق ما دمنا نشهر سلاح الدفاع ضد الأفكار المختلفة، ونتعامل معها بتحيّز وأحكام مسبقة، بل إننا أحيانًا نحاول الدفاع حتى عن الأفكار التي لا نؤمن بها باستخدام سلاح الديماغوجية، وندحض أحيانًا أخرى بعض الأفكار المبنية على أسس سليمة بديماغوجيات أخرى، وأحيانًا لا نصدق حتى ما نقوله.

ولكن إذا ظلت مثل هذه المفاهيم السقيمة تحافظ على وجودها في عصر العولمة الذي يتداخل الناس فيه رغم اختلافهم دينًا أو عرقًا أو ثقافةً، فلن يبقى هناك أثرٌ للأمان والطمأنينة في الأسرة والمجتمع، وفي هذه الحال يكون من المتعذر التوصل إلى نقطة مشتركة في العلاقات على مستوى الإنسانية وعلى الصعيد العالمي.

   الصلح يبدأ من الأسرة

ولقد دعا القرآن الكريم المسلمين إلى التوافق والتصالح واعتبار وجود جزء من الحقيقة في أقوال الآخرين وأفعالهم، فقال: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (سورة النِّسَاءِ: 4/128)، وكما هو معلوم نزلت هذه الآية الكريمة في شأنٍ خاص بالعائلة التي هي أصغر جزءٍ في المجتمع، وقد أشار الحق سبحانه وتعالى فيها إلى السبيل الواجب اتباعه لرأب الصدع والشقاق بين الأزواج؛ مؤكّدًا على ضرورة عدم اللجوء إلى الطلاق مباشرة، والرجوع بدلًا من ذلك إلى الاتفاق المتبادل، وبذلك يُكتَب البقاء للأسرة والديمومة لها.

فإذا كان الصلح كما أشارت الآية الكريمة هو السبيل لرأب الصدع والشقاق والزلزلة التي تحطم كيان الأسرة فالأولى أن يكون هو السبيل لمعالجة المشاكل التي تقع على مستوى البلدة والمدينة والدولة بل والعالم، وإذا كان الصلح خيرًا في بنية صغيرة تتكون من ثلاثة أو خمسة أفراد فسيكون خيرًا من باب أولى في دائرة يُرجى أن يتحقق فيها الأمن والأمان للملايين من الأفراد.

ولهذا فإن الوظيفة التي تقع على عاتق المؤمن هي العمل على تحقيق الصلح أيًّا كانت الدائرة التي ينتمي إليها، والسعي وراء الفوائد والخيرات التي يمكن أن تتحقق من خلال هذا الصلح، وفي هذا الصدد ينبغي عدم النظر إلى اختلاف الأديان والثقافات والهويات العرقية على أنها عائق يحول دون الصلح والتوافق، بل يجب الإشارة إلى أنه من الممكن التعايش حتى بين الذين ينتسبون إلى أديان مختلفة أو الذين لا يدينون بأي دين، وهذا هو أسلم طريق للحيلولة دون أي تصدع أو توتر محتمل بين الناس الذين ينتمون إلى مذاهب وأديان وأعراق وأحزاب مختلفة، وهو كذلك أفضل طريق لإرساء الأمن والطمأنينة داخل المجتمع.

وعلى ذلك يجب تطوير الخطط ووضع الإستراتيجيات المعقولة لتحقيق مثل هذا الصلح العام؛ لأن تحقيق ذلك ليس بالسهل اليسير كما يُظنّ، بل مرهونٌ ببذل المساعي الجبارة، وقد تُعانون كثيرًا في سبيل الوصول إلى مثل هذه النتيجة المرجوة، ولكن الحال يقتضي مع ذلك إظهار الرضا وعدم التشكي رغم ما تَجَشَّمْتم من صعوبات ومعاناة، وعلى الشاكلة نفسها لا بد من الاستعداد للتسامح والتراضي عند الضرورة، ونسيان ما وقع في الماضي من نزاعات.. وباختصار: يجب تحمل كل شيء من شأنه تعايش الناس معًا في صلح وسلام؛ بشرط ألا تُهان كرامة الأمة وشرفها.

   التغلب على المشاكل بالناضجين من الناس

ولا يُوفَّق إلى تحقيق روح الوحدة وثقافة الوفاق في المجتمع إلا الذين نضجت أرواحهم وقلوبهم وأحاسيسهم ومشاعرهم وأفكارهم، أما من لم تنضج حياتهم الروحية والقلبية فمن الصعب عليهم أن يُحدِثوا أيَّ نوعٍ من الانبعاث مادّيًّا ومجتمعيًّا، فقد تبدو حتى المشاكل الكبيرة صغيرةً بالنسبة لمن وصلوا إلى التشبع الروحي الكامل والتكامل المعنوي والثقة والاطمئنان، فهؤلاء يسهل عليهم كثيرًا القفز من فوق الخنادق العظيمة وتجاوزها وكأنهم يقفزون فوق حفر صغيرة، أما الذين لم يتخلصوا من أنانيتهم، ولم يتخلوا عن جسمانيتهم، ولم يتغلبوا على أهوائهم ورغباتهم؛ وباختصار لم يرتقوا في مدارج حياة القلب والروح؛ فلا شيء يُرجى منهم بشأن تحقيق السعادة والطمأنينة للبشرية.

وهذا هو السبب المهم وراء النزاعات والتصدعات والامتعاضات الواقعة في أيامنا، فالذين لم يتكاملوا وينضجوا بقدر الكفاية يُبدون امتعاضهم وانزعاجهم أمام أتفه الأشياء؛ تَراهم يستاؤون على الفور -لقلة خبرتهم وعدم نضجهم- إذا لم يُقابَلوا بالمعاملة التي كانوا يرجونها، أو إذا لم يجدوا النظرة التي كانوا يأملونها، وإذا وخزهم أحد بطرف إبرة محاولًا إنعاشهم وتنبيههم وتحذيرهم يبدون رد فعل قوي وكأن حربةً انغرزت في صدورهم.

ولو قوبلوا بآلاف من الجماليات تراهم يبحثون فيها عما يعكر صفوهم ويثير الضجر في قلوبهم، ويحكمون على كل الجماليات الباقية بالعدم، وإذا وردت كلمة أو كلمتان نابيتان بالنسبة لهم في حديث استغرق ساعة كاملة تراهم يحكمون على كل ما سمعوه اعتمادًا على هاتين الكلمتين، ويتخذون موقفًا معاديًا من الحديث وكأنه كله عبارة عن هاتين الكلمتين، وهذا يوضح أن كل ما سمعوه قد تمّ تمريره على مختبرات النفس والأنانية، فتم التوصل إلى نتائج خاطئة، وكانت العاقبة هو الاستغراق في ملاحظات خاطئة.

علمًا بأن الوظيفة التي تقع على عاتق أهل الإيمان الذين وهبوا الإيمانَ والقرآنَ قلوبَهم ولجؤوا إلى ربهم خاضعين منكسرين خمس مرات في اليوم؛ هي عدم الامتعاض والاستياء من هذه المواقف والتصرفات التي تبعث عليهما، وبدلًا من اتّهام الأشخاص الذين يقومون بهذه التصرفات السيئة وإساءة الظن فيهم؛ فعليهم التوجه إلى الله تعالى قائلين: “اللهم إننا ربما تعرضنا لكل هذا بسبب عدم استطاعتنا أن نكون أهلًا للصلاح، فاللهم أصلح أحوالنا وأحوالهم”؛ لأنه من المتعذر على الشخص أن يحل مثل هذه المشاكل المعاشة في العالم اليوم وهو لا يتحلى باللطف والرقة والشهامة والصدر الرحب.

على الإنسان أن يعقد العزم على عدم الامتعاض والاستياء من أحد، فلو شُغلنا بالامتعاض والاستياء لتعطلت الأمور ولم يكتب لها الديمومة والبقاء، دع عنك الاستياء من بعض المعاملات غير اللائقة التي نتعرض لها، فما دمنا نذرنا أنفسنا لخدمة الإنسانية فلا بد أن يكون لدينا استعداد لأن نضع جباهنا تحت أقدام الآخرين، وإذا وجب ذلك فلا بد أن نتهيأ للموت في هذا السبيل، وما أجمل ما قاله الشاعر سيد نيكاري تعبيرًا عن هذا:

أَبِالنَّفْس يُفتَنُ مَن هو بالحِبِّ مُغرَمُ

أبِالحِبّ يُفتَن من هو بالنفس مُتيَّمُ

وأعتقد أن هذه هي الفكرة المناسبة لأن تستقيم الإنسانية على عودها بعد انقصام ظهرها، والأجيال التي تحمل هذه الفكرة هي التي من شأنها أن تعمّر التصدعات والانكسارات على مستوى المجتمع، وأن تكون وسيلة لأن تعيش الإنسانية في أمان واطمئنان، أما من يستاء من هذا ويمتعض من ذاك فيدمر المجتمع ويخربه بهذا الامتعاض والاستياء فلا شيء لديه يعِدُ الإنسانية بأي خير.

كما هو معلوم قام مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم قبل غزوة أحد بوضع مجموعة من الرماة فوق الجبل، وطلب منهم ألا يغادروا أماكنهم مهما كان الوضع، وشدد التنبيه عليهم في ذلك، ولكن مجموعة كبيرة منهم لم تكن قد أدركتْ بعدُ دقة الامتثال للأمر فتركت أماكنها ظنًّا منها أن المهمة قد انتهت مع فرار المشركين، بعدها مباشرة قام المشركون بمناورة جديدة والتفوا حول الجبل، وأحدثوا في جيش المسلمين جرحًا بالغًا، حتى إن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد شُجّ رأسه الشريف وكُسرت رباعيته، ولكن مع ذلك كله جمع صلى الله عليه وسلم أصحابه مرة أخرى وكأن شيئًا لم يكن، واستشارهم، ولم يواجههم بأخطائهم أو يعاتبهم أدنى عتاب.. فما أجمله من تصرف! وما أحلاها من نسمة تشي بالاحترام والتقدير!

من يدري كم تحطم هؤلاء وانسحقوا بسبب خطئهم في الاجتهاد! فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخفف عن قلوبهم المحترقة؛ لما رأى منهم وعيًا بخطئهم وانسحاقًا تحت وطأة ذنبهم، فجمعهم ليستشيرهم في الخطوات الجديدة التي لا بد من اتخاذها لمواجهة الموقف؛ وهذه هي الوسيلة لإثارة البطولة في الأرواح، ورأْبِ الصدع والانكسار الواقع في الميدان.

   صلح الحديبية

وفي هذا السياق يخطر ببال الكثيرين منا صلح الحديبية؛ لأن مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم قدَّمَ لإبرام هذا الصلح مع القرشيين تنازلات متتابعة، ورغم أن هذا الصلح كان مُجحفًا في بعض مواده فقد تحمل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في سبيل إبرام الاتفاق وتهيئة الأجواء للصلح والسلام.

كان النبي صلى الله عليه وسلم قد وعد أصحابه عند خروجهم من المدينة بزيارة الكعبة وأداء العمرة، وقطعوا جميعًا مسافة تزيد على أربعمائة كيلومتر بواسطة الخيل والبعير من أجل تنفيذ هذا الوعد، وفي النهاية وصلوا بالقرب من مكة، وأحرموا للعمرة، وساقوا معهم الهدي، فتصدى مشركو مكة للمسلمين في الحديبية، ولم يأذنوا لهم بدخول مكة أو الطواف حول الكعبة، لكن النبي صلى الله عليه وسلم استطاع بمساعيه الحثيثة وفطنته العالية إقناعَ المشركين بعقد صلح الحديبية، لكنهم اشترطوا من أجل إبرام هذا الصلح رجوع المسلمين هذه السنة دون أداء العمرة، فكانت هذه المادة شديدة الوطأة على الصحابة رضوان الله تعالى عليهم الذين كانوا يتحرّقون شوقًا لدخول مكة والطواف حول الكعبة بعد فراق دام ثمانية أعوام، ورغم أن بعضهم ذكَّر النبي صلى الله عليه وسلم بالوعد الذي قطعه لهم، ونبههم النبي صلى الله عليه وسلم بأنه لم يقل لهم “هذه السنة”، فقد أخذوا منه عهدًا على أن يكون ذلك في العام المقبل إن شاء الله، ولكن ليس من الصعب التنبؤ بمدى صعوبة كل هذا وتأثيره على مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم!

أخذ خالد بن الوليد الذي لم تكن عيناه قد انفتحتا بعدُ على الحقيقة آنذاك يجول بفرسه ذات اليمين وذات الشمال، وكأنه يتحدى المسلمين بصنيعه هذا، ويدعوهم إلى مجابهته.. من جانب آخر اعترض سهيلُ بن عمرو -ممثّلُ جانب قريش في صلح الحديبية- على كتابة عبارة “رسول الله”، واشترط كتابة “محمد بن عبد الله” بدلًا منها، وكان أبو جندل بن سهيلٍ هذا قد جاء إلى الحديبية زاحفًا غارقًا في دمه بعد أن استطاع فكَّ أغلاله والهروب من محبسه، وارتمى في أحضان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أن أباه سهيلًا طلب ردَّ ولدِه إليه بموجب هذا الصلح، فاضطر النبي صلى الله عليه وسلم إلى قبول طلبه مرغمًا حتى لا يُفسِد صلحه مع المشركين.

لم يكن من اليسير استساغة كل هذه الأمور، وخصوصًا بالنسبة لمفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم صاحب الشرف الرفيع والعزة والكرامة العالية؛ لأن القامات العظيمة تتمتع بحساسية مفرطة لا سبيل إلى تخمينها، يقول ربنا سبحانه وتعالى تعبيرًا عن هذه الحساسية العالية لدى نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (سورة الشُّعَرَاءِ: 26/3)، ومع ذلك كلّه فقد استطاع النبي صلى الله عليه وسلم تقبّل كل هذا متوخّيًا الحيطة والحذر الشديدين.

إن النبي صلى الله عليه وسلم هو نبيٌّ عظيم الشأن؛ اصطفت وراءه الملائكة، وتراجع جبريل عنه قدر خطوتين ووقف وراءه مطأطئًا، وتوسّل به آدم عليه السلام إلى ربه أن يغفر له، وتطلب الأمة المحمدية الشفاعة منه كل يوم، ولذلك عندما نتحدّث عنه لا بد من النظر إليه صلى الله عليه وسلم بهذه الجاهزية، وهذه الشخصية الفريدة، وهذه الحال النورانية المشرقة، ثم بعد ذلك انظروا إلى الوقاحة والغطرسة التي أبداها إزاءه صلى الله عليه وسلم حفنةٌ من عباد الأصنام الذين ما زالوا على الشرك آنذاك، وحاولوا أن تفهموا كيف تحمَّلَ النبي صلى الله عليه وسلم كل هذا دون أن تأخذه العزة بنفسه، فلا ريب أنكم حينها ستدركون أنه صلى الله عليه وسلم كان يحاول حل المشاكل غير آبهٍ بهذه التصرفات المستفزّة التي تبعث على الاستياء والامتعاض، وكان يسعى إلى فتح القلوب، وتهيئة جوٍّ جديد للصلح.

فالنظر بشمولية إلى الحوادث يعني إلى حد ما القراءة الحسنة والرؤية السليمة للجماليات التي يَعِدُ بها الصلح والتسامح في المستقبل، إن مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم بفعله هذا كان يرشد المسلمين إلى التخلي عن العناد في مسائل معينة، وإلى عدم مخالطة الأنانية أعمالهم، وإلى تجنب التأويلات السطحية المؤقتة، والتحلي ببعد النظر، وتحاشي إغضاب الناس وكسر خاطرهم، والنأي عن إثارة المشاكل المستقبلية باستخدام العنف والشدة، فهذا هو السبيل للحيلولة دون الوقوع في فخاخ المشاكل والغوائل المتداخلة.

   نحن نعدّ الفتح صلح الحديبية

أجل، لقد جرى صلح الحديبية في ظل ظروف قاسية، جُرحت فيها عزةُ المسلمين، لكن القرآن الكريم بشّر بأن هذا الصلح فتحٌ مبين، وهذا ما أثبتته نتائج الصلح فعليًّا، فضلًا عن ذلك كان الصحابة رضوان الله عليهم يقولون فيما بعد: “إنكم تعدون الفتح فتح مكة، ونحن نعد الفتح صلح الحديبية”؛ لأن المسلمين بعد هذا الصلح استطاعوا التجوال بأريحية في شبه الجزيرة العربية، والتعبير عن أنفسهم، وخلال هذه الفترة التي توقفت فيها الضغائن والأحقاد والعداوات تعرّف الكثيرون على الإسلام عن قرب، ودخل دهاة السياسة والعسكرية أمثال خالد بن الوليد وعمرو بن العاص رضي الله عنهما في الإسلام، وكما عبر القرآن الكريم دخل الناس في دين الله أفواجًا.

انطلاقًا من هذا الإجراء يمكن القول: إذا كان مسلمو اليوم يرغبون في تهيئة مثل هذا الجو من الصلح والوفاق داخل الدولة وخارجها فعليهم أن يتكبدوا التضحيات الجسام، أما إذا لم يتحملوا بعض المواقف النابية التي قد لا تناسبهم، وقدموا كرامتهم وغرورهم على الدوام؛ فسيظلون محرومين من الخيرات التي قد يأتي بها الصلح يومًا ما.

فعند النظر إلى الظروف الراهنة تتبدى الإنسانية في أمس الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى مثل هذا الوفاق والاتفاق؛ لأن حلَّ كثيرٍ من المشاكل المتفشّية الآن، وتخلّصَ الدول من التمزق والشتات، وضمان سلامة الطريق مرهونٌ بذلك، ولهذا فثمة حاجة ملحّة إلى الفهم والتطبيق الحسن للمنطق والمحاكمة العقلية اللذين قام عليهما صلح الحديبية.

 فإذا كانت الدولة العليّة العثمانية استطاعت إدارة الكثير من الأمم المختلفة على مدى عصور طويلة، فما نجحت في ذلك إلا بالوفاق والاتفاق، فبدونهما كان من المستحيل إدارة بنية كهذه سنوات طويلة دون مشاكل وعراقيل، والسبب الرئيس في المشاكل التي وقعت في القرون الأخيرة من عهدها يكمن في عدم استطاعتها تفعيل فلسفة الصلح وفكرته بشكل كامل، فلقد ثارت المشاكل عندما حُرِمَ الناس من الحريّة في قضاء حياتهم وفقًا لأنماط فكرهم الخاص، وعندما شرعت الدولة تفرض عليهم بعض القضايا أخذوا يبحثون في الخارج عن الدعم الذي فقدوه، وفي النهاية اندثرت هذه الدولة العلية العملاقة وأصبحت في طيات التاريخ.

 ***

[1] “في الجبرية والمعتزلة حبة من حقيقة، يا طالب الحقيقة! إن الشريعة تنظر إلى الماضي وإلى المصيبة غير نظرتها إلى المستقبل وإلى المعصية، إذ تنظر إلى الماضي وإلى المصائب بنظر القدر الإلهي، فالقول هنا للجبرية.. أما المستقبل والمعاصي فتنظر إليهما بنظر التكليف الإلهي، فالقول هنا للمعتزلة، وهكذا تتصالح الجبرية والمعتزلة، ففي هذه المذاهب الباطلة تندرج حبة من حقيقة، لها محلها الخاص بها، وينشأ الباطل من تعميمها”. (بديع الزمان سعيد النورسي: الكلمات، اللوامع، ص 833)

سوء الظن: مرض معنوي يهدم عرش الكمالات المادية والمعنوية

Herkul | | العربية

   سؤال: عدَّ الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي سوء الظن من الأمراض المعنوية التي تهدم عرش الكمالات، إلى جانب اليأس والعُجْب والغرور؛ فما الأمور التي يجب مراعاتها حتى يستطيع الإنسان إحسان الظن بالآخرين، ويتجنب إساءة الظن بمن يشاركونه دربه أو الذين ينتسبون إلى مشارب مختلفة؟ 

   الجواب: ركز الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي رحمه الله في مواضع مختلفة من مؤلفاته على بعض الأمراض المعنوية التي تعاني منها الإنسانية والعالم الإسلامي على وجه الخصوص، ووضع الوصفات العلاجية الخاصة بها؛ فمثلًا يذكر أن أكثر الأمراض الفتاكة في العالم الإسلامي هي “الجهل والفقر والفرقة”، وإلى أن يتمكن المسلمون من حل هذه المشاكل فلن يكون بإمكانهم التخلص من الذلة والخنوع، وكما حدث في عهد “التنظيمات”[1] عندما كانوا يترقبون ما تُمليه عليهم أوروبا سيظلون فيما بعد أيضًا يترقبون ما تمليه عليهم الدول العظمى، وبذلك لن يتخلصوا من براثن الوصاية ألبتة، ولن ينالوا حريتهم واستقلالهم، وسيُحكم عليهم بمواصلة حياتهم بأيدٍ مغلولةٍ وأفواهٍ مكمّمة.

وتبرز هذه الأمراض الثلاثة بشكل أكبر على المستوى الاجتماعي والسياسي، ولكن نظرًا لأن كل شيء يبدأ من الفرد، فلا يمكن غضّ الطرف عن انعكاسات هذه الأمراض على المستوى الفردي؛ فلا سبيل للمجتمع أن ينعم بالصحة والسلامة وهو يقوم على الذنوب والموبقات، أما بالنسبة للأمراض التي جاء ذكرها بالسؤال فهي تتعلق بحياة الإنسان الشخصية والمعنوية مباشرة.

وقد ركز الأستاذ النورسي على اليأس أولًا، مشيرًا إلى أن الثلاثة الأخرى تتولد عن اليأس من جهة ما؛ لأنه يرى اليأس حائلًا دون أي كمال؛ بمعنى أنه عائقٌ كبيرٌ يحول دون أيّ خير وجمال؛ ومن الصعوبة بمكانٍ أن تجد إنسانًا يائسًا قد نال الفلاح، ولهذا فإن الاستغراق في الأفكار السلبية من قبيل: “لقد ولى الزمان، فلا تشغلوا أنفسكم عبثًا، فالأمة المحمدية لا يمكن أن تستوي على عودها من جديد”؛ تُقنع الإنسان بأنه لا فائدة ولا خير يُرجى منه.. إن مثل هذه الأفكار التشاؤمية هي بمثابة ضربات قوية تكسر يدي الإنسان وجناحيه، وتثبط عزائمه، فمن يفكر بهذا الشكل، أو يثرثر بهذه الأفكار فلا مناص أنه يهدم عالمه ويدمر دائرته وبيئته.

وفي هذا الصدد يقول الشاعر الإسلامي محمد عاكف في منظومته الشهيرة:

اليأسُ مستنقع عميق الغَور، إذا وقعتَ فيه فأنت غريقُ

فتمسك بالأمل بقوة، وانظر ما ستؤول إليه حالك يا صديقُ

إن من يحيا يحيا بعزيمته وبأمله المنشودِ

واليائس يغلّل روحه وضميره بقيد حديديٍّ منضودِ

أما المرض الثاني الذي تم التركيز عليه فهو العجب؛ والعجب وإن اختلف قليلًا عن الفخر والغرور والكبر ببعض الفروق الطفيفة فكل هذه الأمراض ناشئة عن ذات المصدر الفتّاك، فلو توفر مثل هذا المنبع المشؤوم داخل الإنسان تصاعد العجب أحيانًا، والغرور أحيانًا، والكبر أحيانًا أخرى.. والعجب يعني الإعجاب بالنفس؛ أي إعجاب الإنسان بنفسه في الداخل، وإعجابه بالأعمال التي قام بها، ومثل هذا العجب يتجلى في الخارج في صورة افتخار أحيانًا، وغرور أحيانًا، وكبر أحيانًا أخرى؛ ولا ريب أن كل هذه الأمراض تمثل صفة شيطانية.

   “اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ”

يُضاف إلى هذه الأمراض مرضُ “سوء الظن”، وهو: امتلاء القلب بالظنون السيئة بالناس؛ حتى يطفح على اللسان والجوارح، ولقد نهى القرآن الكريم المؤمنين عن سوء الظن فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ (سورة الْحُجُرَاتِ: 49/12)؛ ولهذا فإن الوظيفة التي تقع على عاتق المؤمن هي حسن الظن قدر الإمكان، وتجنب سوء الظن، بل على الإنسان إذا شاهد أحدًا في وضع مخلٍّ أن يلتزم بالمبدإ الذي وضعه الأستاذ النورسي وهو “حسن الظن المصحوب بالحذر”؛ أي يحسن الظن بالجميع، ولكن مع أخذ الحيطة والحذر، وعدم التخلّي عنهما.

ويقول سبحانه وتعالى في آية أخرى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (سورة الإِسْرَاءِ: 17/36)، فهذه الآية الكريمة لها أهمية بالغة من حيث إنها تشير إلى عاقبة سوء الظن؛ لأن سوء الظن عبارة عن قناعة وتخمين سلبي لا يعتمد على معلومات قاطعة بحق شخص ما، والحال أن الآية الكريمة تنهى عن الاشتغال بما لم يقم على معلومات قاطعة، ولذا فإن من يعتقد في ظنه وتخمينه قطعية الثبوت والدلالة ويقيّم الناس على هذا الأساس فقد حمّل نفسه وزرًا عظيمًا، فمثلًا يقول القرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (سورة الْحُجُرَاتِ: 49/6)، فعلى الإنسان ألا يصدِّق كل ما يسمعه، وأن يذعن لأوامر ربه التي جاءت بالآية الكريمة، وأن يفتش ويدقق في مصدر الخبر المتناهي إليه، وفي خلفياته ومدى صحته؛ حتى تتبين له المسألة بوضوح، وفي هذا السياق يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف: “كَفَى بالمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ[2].

وأحيانًا قد تقع العينُ على بعض الأمور، ولكن لا تعني رؤية الإنسان للشيء إدراك حقيقة ما يراه دائمًا، فكما أن الإنسان يخطئ أحيانًا في رؤيته فكذلك ربما لا يستطيع أن يفهم بعض الأمور بشكل صحيح، فما يقع على الإنسان هنا هو ألا يتسرّع في إصدار الأحكام على كل حادثة يشاهدها، وأن يسعى أولًا إلى التأكد من صحة ما شاهده.

جديرٌ بالذكر أن الفؤاد قد ذُكر في الآية الكريمة بعد السمع والبصر، وأنه مسؤول أيضًا عن أفكار صاحبه وتأويلاته. أجل، إن كلًّا من السمع والبصر والفؤاد مسؤولٌ يوم القيامة عن أيِّ حكمٍ لم يقم على دليل قطعيّ أو معلومة ثابتة، وسيشهدون -حفظنا الله- على صاحبهم في ذلك اليوم، وهذا يوضِّح أن حكم الإنسان على غيره اعتمادًا على ظنه وتخمينه أمرٌ يستلزم مسؤولية كبيرة.

   سوء الظن بين الجماعات

سوء الظن مرضٌ يلحِق الضرر بالكمالات المادية والمعنوية، ورغم أنه مرض فرديّ في الأساس فقد يتحول أحيانًا إلى مرض اجتماعي، فلو داوم الفردُ على إساءة الظن بالآخرين وتأويل تصرفاتهم بشكل سلبي والاستهانة بهم وتحقيرهم فهذا هو سوء الظن على المستوى الفردي، وكذلك إن أساءت جماعة معيّنةٌ الظنّ في جماعة أخرى، واستخفت بأعمالها ومساعيها ففي هذه الحال تتسع دائرة سوء الظن أكثر فأكثر، ويمكن أن تشكل الأنانية الفردية تهديدًا أكبر لأنها تقوَى باعتمادها على الأنانية الجماعية، وإذا قويت بالأنانية الجماعية صارت غير قابلة للتزعزع أو الانهيار.

وللأسف فإن سوء الظن بين الهيئات الأخرى والجماعات المختلفة فضلًا عن سوء الظن الفردي قد يؤدي إلى نتائج مدمرة أكثر من الناحية الاجتماعية؛ فمثلًا قد تسيء المجموعة (أ) الظنَّ بالمجموعة (ب)، وتنتقد كل ما تفعله، فتأتي المجموعة (ب) وتسيء الظن في الأولى، وتعتقد كل مجموعة أن الخدمات التي تقدمها هي أكثر توافقًا مع الإسلام، وأنفع للإنسانية، ولا يستهويهم إلا ما يفعلونه بأنفسهم فقط، أما الخدمات والأعمال الخيرة العديدة التي قام بها غيرهم فيبحثون لها عن مسوّغ وينتقدونها بقسوة. 

وقد يصيب أربابَ الخدمة مثلُ هذا المرض إن لم ينتبهوا؛ فمثلًا قد يسيئون الظن ببعض الجماعات والكيانات المختلفة، ويخطئون في تقدير أجلّ الأعمال الخيّرة التي يقوم بها هؤلاء، علمًا بأن المعيار الذي وضعه الأستاذ سعيد النورسي في هذا المضمار بيِّنٌ واضح، حيث يقول: “إن تفضيل الإنسان لمشربه بناء على محبته له لا يستلزم عداوته للآخرين”، فقد يحب الإنسان طريقه ومسلكه ومشربه بجنون، بل يلزم أن يفعل ذلك، ولكن هذا لا يقتضي الاستخفاف والاستهانة بمشارب الآخرين ونقدها وإضمار العداوة لها، فإنني ما قابلتُ ولا علمتُ مذهبًا أو دينًا يقول بأن توبيخ الآخرين والطعن فيهم والتشنيع بهم نوعٌ من أنواع العبادة.. ولا يُقبَلُ أبدًا أن يسبّ الإنسان أخاه الإنسان بحجة أنه لم يتبع منهجه الفكريّ.

ومع الأسف فإن سوء الظن هو واحدٌ من أكبر أمراض العصر وأكثرِها انتشارًا، وتختلفُ أنماط الناس في كيفية التعامل معه؛ فمنهم من يكشف عن هذا المرض الذي يعتلج في داخله صراحةً وعلانيةً، ومنهم من يُطلق أفكاره ومشاعره السلبية من وراء الأبواب المغلقة.

وقد يتعرض لمثل هذا الهجوم والاعتداء مَن نذروا أنفسهم للخدمة ابتغاء مرضاة الله تعالى، فقد لا يكترث الآخرون ممن يسيئون الظن بالخدمات الجلية التي يقومون بها، أو يفتشون عن أهداف ونوايا مختلفة من وراء كل هذا، فلو أن أرباب الخدمة تعاملوا مع هؤلاء بنفس المعاملة فقد ارتكبوا أيضًا نفس الخطإ.

وليس من الصحيح تقدير الخدمات بالكمّ والمظهر الخارجي، فمثلًا قد تكونون أقمتم ألفَ مدرسةٍ في أماكن مختلفة من العالم، على حين لم يوفَّق غيرُكم إلا إلى بناء خمس مدارس فقط، فإن قلتم حينها: “ما قيمة هذه الخمس بجوار الألف؟!”؛ فقد وقعتم في ذنب عظيم، فأنتم لا تعلمون! فلربما كانوا مخلصين أكثر منكم عندما قاموا بهذه الأعمال! فذرّةٌ من عمل مخلص تفوق أطنانًا من الأعمال التي لا إخلاص فيها.

وعلى ذلك يجب عدم الاستخفاف بأي خدمة، أو الاستهانة بها، ولا بد من إحسان الظن بكل من يسعى في سبيل الله لخدمة الإنسانية. أجل، يجب على الإنسان أن يكافح دومًا حتى لا يعتري قلبَه سوءُ الظن، وأن يضع سدودًا منيعة أمام الأحاسيس السلبية في الداخل، وأن يُلزِم نفسه دائمًا بحسن الظن في الآخرين؛ لأن نبينا صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الشريف: “حُسْنُ الظَّنِّ مِنْ حُسْنِ الْعِبَادَةِ[3].

   الجهاد الأكبر

لا ريب أن حسن الظن بحق الآخرين يأتي بالثواب والخير العميم؛ وذلك لأنه لا يسمح للوساوس الشيطانية والنفسانية والجسمانية والحيوانية بأن تجعلنا نصدر أحكامًا خاطئة إزاء أحوال الآخرين وتصرفاتهم، بل يساعدنا على مكافحتها والنيل منها، فاكبَحُوا جماحَ المشاعر السلبية في داخلكم، وغضوا الطرف عن عيوب الآخرين بأن تعطوا إرادتكم حقّها؛ بمعنى أن تصارعوا أنفسكم وتجاهدوها، فبينما سمَّى النبيُّ صلى الله عليه وسلم جهادَ الأعداء الجهادَ الأصغر أطلق اسم الجهاد الأكبر على الجهاد الداخلي الذي يحمل النفس على الاستقامة؛ لأن جهاد العدو عابرٌ مؤقت، أما جهاد الإنسان نفسه وأهواءه ورغباته وأحاسيسه السلبية فهو دائم مستمر، فربما يضطر الإنسان إلى مجاهدة هذه المشاعر السلبية في اليوم مائة مرة؛ وهذا يعني أنه في حالةِ حربٍ دائمةٍ مع نفسه. 

وسوء الظنّ هو أحد أعدائنا في هذه الحرب التي لا بد من شنِّها، وثمة عوامل ودوافع أخرى تثير هذا الشعور؛ منها بعض المعاملات السيئة التي يُخاطب بها الإنسان، أو بعض الأخطاء التي يشاهدها، أو ما يتعرض له من الأذى والمشاكل؛ فكل ذلك سببٌ في إثارة شعور سوء الظن، وما يقع على الإنسان عندما يتحرك لديه هذا الشعور هو أن يعمل على قمعه، سواء بإلقاء صخرة ثقيلة فوقه، أو بالقفز عليه، أو بهضمه ببعض الإنزيمات المعنوية… المهم هو القيام بما يجب، والبحث عن وسيلة للحيلولة دون ظهور هذا الشعور.

وخلاص الإنسان من سوء الظن منوطٌ بإنكار الإنسان ذاته من جهة ما، يقول مفخرة الإنسانية سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اللّهُمَّ اجْعَلْنِي فِي عَيْنَيَّ صَغِيرًا وَفِي أَعْيُنِ النَّاسِ كَبِيرًا[4]، فلا بد هنا أن نسترشد بكلماته صلى الله عليه وسلم؛ لأنه صلى الله عليه وسلم مهما رأى نفسه صغيرًا فهو كبير عظيم، وهو لم يطلب أن يكون في أعين الناس كبيرًا لذاته، وإنما من مقتضى دعوته وما يحمله من رسالة إلهية قدسية، أما أنتم فعليكم أن تقولوا: “اللهم اجعلني في عيني صغيرًا، وبإخلاصي، وابتغائي رضاك، وخدمتي ساعيًا مجتهدًا”.

فإن استطعنا أن ننكر ذاتنا خمسين مرة في اليوم فلنفعلْ، وعند ذلك لن نشتغل بعيوب غيرنا، ولن نسيء الظن بهم، فلو كان لدينا بعض الفضل فليذكره الآخرون، أما التشوف لشيء يتعلق بذلك فهو مرضٌ خبيث، ولو فكّرنا في سلبياتنا قبل سلبيات غيرنا فلن نرمي الآخرين بالباطل ولن نتورط في سوء الظن، أما إذا لم ينظر الإنسان إلى عيوبه، ولم ينشغل بحصرها فسيظل طوال عمره يبحث عن العيوب فيمن حوله؛ ولن يصل أبدًا إلى المذنب الحقيقي.

***

[1]  يطلق مصطلح “التنظيمات” على مجموعة الإصلاحات التي أدخلها السلطان عبد المجيد في عام (1839م)، وقد انتهى عهد التنظيمات بإغلاق مجلس النواب عام (1878م).

[2]  سنن أبي داود، الأدب، 80.

[3]  سنن أبي داود، الأدب، 88.

[4]  البزار: المسند، 10/315.

حِيَلُ الشيطان

Herkul | | العربية

   سؤال: ما هي أدوات الشيطان الرئيسة التي يستخدمها من أجل إغواء البشر؟

   الجواب: مِن حِيَلِ الشيطان الخطيرة إظهارُه الذنوب الكبيرة التي تؤدي بالإنسان إلى جهنم وكأنها هفوات صغيرة، ويتحدث الأستاذ بديع الزمان بأسلوبه الخاص عن مدى خطورة هذه الذنوب التي تبدو وكأنها صغيرة بالنسبة للإنسان فيقول: “فاحذر! وخفِّف الوطء، وخَفْ من الغَرق، ولا تُهلِك نفسك بأكلةٍ أو كلمةٍ أو لمعةٍ أو إشارةٍ أو بَقْلَةٍ أو قُبلةٍ، فتَذهب عنك لطائفُك العظيمة التي شأنُها أن تستوعب العالمين”[1]، ويمكنكم ذكر المزيد من هذا، فمثلًا تصرفاتٌ مثل الاستخفاف بالآخر، ولمزه باللسان، وعبوس الوجه أمامه للإيحاء بسوء حاله؛ ربما تبدو صغيرة بالنسبة للبعض، إلا أن مثل هذه التصرفات والسلوكيات ليست صغيرة على الإطلاق عند الله تعالى.

في الواقع تلك الأعمال التي تبدو وكأنها صغيرةٌ هي الأشد خطرًا وفتكًا؛ فعقربٌ قد يكون أعظم خطرًا من ثعبان الكوبرا أحيانًا.. لأن عدوًّا واضحًا يُشعِر بنفسه من خلال أسلوبه في المجيء وصفيره وحفيفه يسهلُ الاحترازُ منه ودفعُ خطره حتى وإن كان كبيرًا.. لكن العقربَ يأتي خلسةً متخفّيًا؛ بين اللحاف أحيانًا، وتحت السرير أحيانًا، فيلدغ في وقت لا نتوقعه أبدًا.. لذلك فإن دفْعَكم خطرَه صعبٌ للغاية، وعليه ينبغي النظرُ إلى الذنوب والآثام بهذه النظرة، والخوفُ مما قد يأتي خلسةً أو على حجمٍ صغير كما العقرب.

أهم شيء بالنسبة للمسلم هو الابتعادُ عن كل أنواع الأخطاء والآثام دون تفريقٍ بين صغير وكبير، والتضرع إلى الله تعالى دائمًا أن يَقيَنا من ذلك، وإن أردنا التعبير عن ذلك بأسلوب بديع الزمان سعيد النورسي قلنا إن هناك أشياء صغيرة تبتلع أشياء كبيرة جدًّا، فالقلب واحدٌ من تلك الأشياء الكبيرة؛ لكنه وبالرغم من رحابته التي قد تستوعب الكون كلَّه فقد يُظلمُ أحيانًا بسبب أشياء تبدو صغيرة، وقد قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بشأن هذا: “إِنَّ العَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإِذَا هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ وَتَابَ سُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ، وَهُوَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (سورة الْمُطَفِّفِينَ: 83/14)”[2].

وبحسب شخصية كل فردٍ ووضعه فإن الشيطان يستخدم شتى أنواع الحيل والحجج ليدفع الناس إلى ارتكاب الذنوب؛ إلا أن هناك مجموعة من الأشياء لها الأولوية في استخدامه إياها ولجوئه إليها دائمًا، وهذه الأشياء في الأعم الأغلب هي ما يضعُف الناس أمامه ويستسلمون له، ويشقّ عليهم مقاومته والصبر والثبات أمامه، وفي درس “الهجمات الست”[3] يوجد حديث عن الوسائل الرئيسة التي يستخدمها الشيطان في عدوانه، يُمكن أن يُرجع أو يُضاف إليها وسائل أخرى مختلفة، لكننا سنقف على بعضها هنا.

إن حب الجاه والشهرة واحدٌ من أكثر الوسائل التي يستخدمها الشيطان كي يدفع الإنسان لمقارفة الذنوب، فرغبةُ الإنسان في الحديث والكتابة عنه دائمًا، ورغبتُه بأن يقف الناسُ لمجيئه احترامًا، وانزعاجُه عندما لا يحدث ذلك، ولهثُه وراء التصفيق والتقدير؛ مظهرٌ من مظاهر حب الشهرة.. في حين أن مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم لم يرغب بذلك لنفسه وعارض هذا النوع من الحفاوة به قائلًا: “لَا تَقُومُوا كَمَا تَقُومُ الْأَعَاجِمُ، يُعَظِّمُ بَعْضُهَا بَعْضًا[4].

يحدثُ هذا، بينما حقُّ الوفاء لرسول الله يفرض على الجميع أن يقفوا احترامًا له إذا ما حضر، ولا أقصد بالجميع الأحياءَ فقط، بل الأحياء والأموات.. هذا هو معنى احترام النبي صلى الله عليه وسلم بالنسبة لنا، وهذه قضية مختلفة.. أما بالنسبة للجانب الآخر من الأمر فإن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يكشف بأسلوبه هذا عن تواضعه الجمّ العميم، ويقرر مبدأً دينيًّا مهمًّا في الوقت نفسه، فمن يُسَرُّ بوقوف الناس وتصفيقهم له وحديثهم عنه يفقد ما يجب السرور منه أساسًا، ويستخدم حقه الأخروي مهدرًا إياه في هذه الدنيا الفانية.

وبالمثل، فإن حب الجسد، والذي يمكن أن نسميه شغفًا بالراحة، هو إحدى الوسائل التي يستخدمها الشيطان بشكل متكرر، وهو عامل آخر يدفع الناس إلى الهلاك.. فالأكلُ والشربُ والخلودُ للنوم والاضطجاع، واللهو صيفًا وشتاءً، والسعيُ دائمًا للراحة والرغبات الجسدية؛ كلٌّ منها فرصة مهمة جدًّا يستغلّها الشيطان، في حين أن الإنسان لم يُخلق لهذا.. إنه بطبيعة الحال سيستفيد من بعض المتع في دائرة الشرع مثل الأكل والشرب، لكن الغاية المثالية التي سيظل المؤمن يركض وراءها دائمًا هي عبادة الله، ودعوة الناس للتوحيد والحق والحقيقة.

إن الشيطان بارع للغاية في اكتشاف نقاط الضعف لدى الناس، إنه يقترب من كل شخص وفقًا لحالته الخاصة. فمثلًا، إذا كان لدى شخص ميلٌ للحياة البوهيمية فإن الشيطان يفعل كل شيء حتى يجره إلى الخطيئة؛ إنه يمسكه فيخدعه بحججٍ كالتنزّه وتغير الجوّ إلى أن يسوقه للتجوّل في أماكن سيئة؛ ويهمس في أذنه بأن السباحة سُنَّةٌ نبوية إلى أن يطوفَ به الشواطئ واحدًا تلو الآخر، وفجأة يُعمي عينيه أو قلبه حتى ينخرط في البوهيمية دون أن يعي ذلك.

وبالطريقة نفسها عندما يجد الشيطان لدى الإنسان ضعفًا تجاه المال فإنه يشرع في استغلال نقطة الضعف هذه ليدفعه إلى الحرام ويسوقه إلى الأعمال غير المشروعة، ويجره إلى حيث يريد بواسطة الرَّسَن الذي أحكم لفّه حول عنقه، إن هذا وأمثالَه قد لا يدركون أن الشيطانَ هو الذي يقودُهم، ويعتقدون أنهم يقررون ما يُقرّرون بإرادتهم الشخصية، بل ويظنّون في بعض الأحيان أنهم يتجولون ويتحركون في المنطقة المشروعة؛ إلا أنهم في الحقيقة مساكين صاروا أُلعوبة في يد الشيطان منذ وقت طويل.

ومن أدوات الشيطان الأخرى إثارةُ شعورِ الحسد والغيرة.. والحسدُ هو “أن يتمنى المرء زوال النعمة عن غيره، وانتقالها إليه”، وقد قال سيدنا رسول الله صلى عليه وسلم: “إِيَّاكُمْ وَالْحَسَدَ؛ فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ[5]، لينبّه بذلك كيف أن الحسدَ شعورٌ يجعل المؤمن خاسرًا، وقد رُوي عن الحسن البصري قوله: “ما رأيت ظالـمًا أشبه بمظلوم من حاسد، نفس دائم، وحزن لازم، وغم لا ينفد”[6]، فإذا كان الشخص يشعر بالانزعاج من إنجازات الآخرين، فهذا يعني أن فيه قابلية للتفاعل مع حِيَلِ الشيطان.. فالشيطانُ المحترفُ في عمله الخاص لا يضيع استغلال نقطة ضعف كهذه؛ فيستثمر ما لدى الإنسان من ميل إلى الحسد بما يؤدّي في النهاية إلى تدميره.

حتى إن الغبطة والمنافسة اللتين لا حرج فيهما إذا ما استُخْدِمتا في الطريق المشروع يمكن أن تكونا أداة مهمة بالنسبة للشيطان، ذلك لأنهما جارتان ملاصقتان للحسد، بل إنهما يبدوان وكأنهما توأمه، إلا أنهما يأتيان بعده، والتنافس المشروع يعني: “إخوتي هؤلاء يركضون نحو الفردوس ركض الخيل الفتية بالأعمال الطيبة التي يقومون بها، فلنركض مثلهم دون أن نضر بهم، علينا ألا نتخلف عنهم في فعل الخير،كنا هنا معهم؛ وعلينا ألا ننفصل عنهم في الآخرة أيضًا؛ فالقرآن الكريم يقول: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (سورة البَقَرَةِ: 2/148)، ويقول أيضًا: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (سورة الْمُطَفِّفِينَ: 83/26)، لذا يجب على المؤمنين أن يتنافسوا في أعمال الخير.

لكن الشيطان غالبًا ما يريد أن يسيء استغلال هذا الشعور، فينشّطُ شعورَ الغيرة لدى الإنسان ويحوّل الغبطة إلى حسدٍ وعندئذ يبدأ الشخص يقول: “لماذا هو يركض؟ يجب أن أكون أنا من يركض بدلًا منه أساسًا”، بل إنه يحاول إعاقتهم، والإضرار بهم، وإرضاء إحساسه بالمنافسة من خلال لطمات يُنزلها على الآخرين، وفي كثير من الأحيان، لا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يصبح عبدًا للانتماء، ولأنانية الجماعة، وهو أمر أكثر خطورة بالنظر إلى ما يُحدِثه من تدمير؛ لأن شخصًا كهذا يبدأ في اتخاذ موقفٍ تجاه الناس الذين ليسوا من طائفته أو من مذهبه.

إن شعورَ الحسد، وعدمَ تقبل الآخر، والتحزب هو الذي سبّب الفتن المختلفة التي بدأت في عصر سيدنا علي واستمرت لعدة عصور في تاريخ الإسلام، فقد تشكلت عشرات الجماعات مثل الخوارج والشيعة والزبيريين والأمويين والعباسيين، واتخذوا من الأشخاص الذين تجمعوا حول بعض الأفراد والأفكار جبهة ضدّ الآخرين؛ فتسببوا في حروب دموية.. ومَن تحرَّكَ منهم إيمانًا بفكرة: “سأكون أنا بدلًا منه في الإدارة”؛ جعلت كثيرًا من الناس يتقيؤون دمًا.. ولما أصبح المسلمون يأكل بعضهم بعضًا فيما بينهم، فقد سلط الله تعالى عليهم الكفار والظالمين؛ لأن الظالم سيفُ الله ينتقم به ثم ينتقم منه.

إن السبيل للتخلص من كل هذه المشاعر السلبية وعدم الانهزام لحيل الشيطان هو الإيمان القوي، والاستسلام لله، وسلامة القوام.. إذا كنتم قد استوعبتم الإيمان تمامًا فإنكم تستطيعون استيعاب أصعب الأشياء بإذن الله وعنايته.. وتقولون مثلما يقول الأستاذ بديع الزمان: “نحن فدائيو المحبة، ليس لدينا وقت للخصومة”[7]، وتعانقون البشرية جمعاء، بل إنكم حتى في مواجهة الأشخاص المجبولين على الشر ترجون لهم الإصلاح، وتسعون كي يتحقق السلام والهدوء في كل مكان، ولا تفكرون سلبًا بشأن الآخرين أبدًا.

***

[1] بديع الزمان سعيد النورسي: اللمعات، اللمعة السابعة عشرة، ص 187.

[2] سنن الترمذي، تفسير القرآن، 83.

[3] ويقصد بهذا المصطلح ستة أنواع مختلفة من أعتى حِيَلِ الشيطان الخبيثة: حبّ الجاه والشهرة، والخوف، والطمع، والعنصرية، والأنانية والغرور، وحب الراحة والدعة، ولقد أورَدَها بالشرح والتفصيل بديعُ الزمان سعيد النورسي في المكتوبات، المكتوب التاسع والعشرين، القسم السادس، ص 505-529.

[4] سنن أبي داود، الأدب، 165.

[5] سنن أبي داود، الأدب، 44؛ سنن ابن ماجه، الزهد، 22.

[6] ابن عبد ربه: العقد الفريد، 2/158؛ القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، 5/251.

[7] بديع الزمان سعيد النورسي: صيقل الإسلام، ص 494.

التحرُّك الإيجابي البنّاء وأثرُه على المجتمع

Herkul | | العربية

   سؤال: في واقِعِ اليوم؛ كيف ينبغي لنا أن نفهم معنى التحرُّك الإيجابي البنّاءِ في ظلّ انتشار الظلم والألاعيب الشيطانية التي من شأنها أن تسوق أهلَ الإيمان إلى التحرك السلبي؟

   الجواب: تُرتكب اليوم في دولَتِنا وفي كل أنحاء العالم -كما ذُكر في السؤال- صنوفٌ شتى من الظلم، وتُمارَس العديد من الدناءات والفظائع، ويُتوسَّل إلى الكثير من الألاعيب الشيطانية المختلفة.. وفي ظلّ هذا الدوران التاريخي الدؤوب تعرّضَت الإنسانية حتى الآن للكثير من الظُّلْمِ والجَور، حتى إنه قد مرت عليها فترات انفرطت فيها -كما يقول المؤرخون- حباتُ عقد المجتمعات كلية، وربما تسبب في هذا الجنون بعض المستبدين من أمثال نابليون وهتلر وستالين عن طريق إثارة شعور الجنون لدى الناس؛ فبسبب غرام هؤلاء بالسلطة تسببوا في مقتل الملايين من الناس، وبعد أن أُصيبت البنية بالضعف تسلطوا على الإنسانية، وابتدعوا لها أنظمة سَامَتْها سوءَ العذاب.

ووفقًا لقناعتي القاصرة فإن عالم اليوم يشهد فترة أخرى من الفترات التي أصيبت فيها البشرية بالجنون تمامًا، فهذا يعتدي على هذا، وذاك ينكل بذلك، والحق في يد القوي، والقوي يعمد إلى قمع الناس وقهرهم وفرض الوصاية عليهم بكل ما أوتي من قوة، إلى أن تفشَّى هذا المرض في المجتمع بأكمله، لدرجة أن من تنقصهم الكياسة والفراسة العالية التي يستطيعون بها إدارة الدولة قد أصيبوا هم الآخرون بحب الإدارة، وبدؤوا يقولون في أنفسهم: “يا ترى ألا نستطيع نحن الآخرين أن نستولي على القوة، فنقوِّم المجتمع كما نشاء؟ لماذا لا نكون من الذين يُشار إليهم بالبنان ويصفق لهم الناس؟!”، والحال أن هؤلاء لا يرغبون في الإدارة والسلطة خدمةً لدينهم وغاياتهم الوطنية ومصلحة بلادهم، بل من أجل مصالحهم الشخصية ومستقبلهم، وللوصول إلى هذه الأهداف يستبيحون كل الوسائل من الكذب والخداع والنفاق؛ إلا أنهم ولو أحرزوا انتصارات مؤقتة فإن الحق تعالى سيمنِّيهم بهزائم أضعاف ما كسبوا.  

فكما يجب أن يكون الهدفُ مشروعًا فلا بدّ أن تكون السبل التي تؤدي إليه مشروعة أيضًا، ومتوافقة مع القوانين الإنسانية والأخلاقية والإلهية، واستحلالُ كلِّ وسيلة تؤدي إلى الهدف ليس بنمطٍ فكري يليق بالمؤمن، فكما أن هذا السلوك يبتعد فراسخ عن منهج الأنبياء العظام فيجب أن يبتعد فراسخ أيضًا عن وارثيهم.

أجل، لقد حاز التحرك الإيجابي أهمية خاصة في عالم اليوم، هذا العالم الذي أصبحت فيه المكيافيلية تهيمن على المجتمع بأسره، ويُتوسَّل فيه إلى الحيل والألاعيب الشيطانية، وتنحل فيه حبات عقد الإنسانية، والتحرك الإيجابي يعني عدم مقابلة التصرفات والأعمال السلبية بمثلها، والبعد عن الانشغال بالأقوال والأعمال المنفورة، وتجنب نشر الإشاعات، وعدم إهدار الوقت في الثرثرة الفكرية، والانصراف إلى الخدمة دائمًا من أجل تحقيق الغايات المثالية، والاشتغال بالإصلاح والتعمير، والسعي دومًا إلى تحقيق الوفاق والاتفاق.

   عدم الوقوع تحت وطأة الحوادث

ولقد ركز الأستاذ النورسي كثيرًا على الحركة الإيجابية البناءة في مؤلفاته، وكان يوصي طلابه بها على الدوام، فالوظيفة الملقاة على عاتق رجال الخدمة اليوم الذين يستهدفون غايات مثالية معينة وينطلقون لتحقيقها؛ هي السعي وراء الإيجابيات دون التعلق بالسلبيات، فالمنشغلون بالأحداث لا يستطيعون إدارتها، ولا يقدرون على حل المشاكل التي يلزم حلُّها.

فإذا انشغلتم بالردّ على ما يُقال ضدكم من أقوال وما يُوجَّه إليكم من إهانات وما يدّعى عليكم من افتراءات، وحددت هذه الأمورُ أسلوبَ تعاملكم مع الآخرين؛ فلن تكون لديكم القدرة على عمل ما يلزم من أجل أمتكم أو من أجل الإنسانية، ولن تستطيعوا أن تُنشئُوا المشاريع التي تهدف إلى حل مشاكل الإنسانية، ولا أن توفّروا الدعم اللازم للمشاريع والخطط الحاضرة.

ولا يخلو هذا العصر أيضًا من مخالفين وأعداء لا يتورعون عن الكذب والافتراء والإهانة وتشويه صورة المؤمنين الصادقين الذين يعملون في الخدمة في سبيل الله، فلو أنكم اكترثتم بالأقوال والأفعال السلبية التي تصدر عن هؤلاء لما استطعتم أن تقوموا بما يجب عليكم القيام به، قد تهُمّون اليوم بالرد على إهانة أحدهم، ولكن سيأتي في اليوم التالي شخص آخر يتوجه إليكم بأفظع وأشدّ ممّا قيل لكم من قبل، وعندها تستغرقون في التفكير في حلّكم وترحالكم محاولين إيجاد الرد المناسب لما قاله ذاك وفعله، ونتيجة لذلك لا تستطيعون التخلص من طوق الحوادث الذي تعيشون داخله، ولا يخفى أنه من المتعذر على الإنسان الذي يعيش تحت ضغط الحوادث وتأثيرها أن يُقبل على الحياة، ولا أن يمتلك القدرة على التأثير.

من جانب آخر لو انشغلنا بالسلبيات التي تنعكس على شاشات التلفاز أو صفحات الجرائد سنكون سببًا في تكدير أذهاننا ومشاعرنا وأفكارنا، وسنعيش دائمًا مع الانفعالات وردود الأفعال والإحباطات التي تولِّدها هذه الحوادث، وسنفقد التفكير السليم، ولا نقدر على التفوّه بالكلام الحسن، وإنشاء الأفكار الجميلة، ولن نجد حلًّا للمشكلات المتراكمة التي تنتظر الحل، أما بالنسبة لتوضيح وتصحيح وتكذيب الادعاءات والافتراءات والاتهامات التي ألصقها البعضُ بنا، فعلينا أن نعهد بهذا الأمر إلى أهل العقد والدراية بدلًا من أن ينشغل بها الجميع.

فالذي ينشغل بهجوم الآخرين واعتدائهم دائمًا يدمِّر نفسه، ومن دمّر نفسه لا يُنتظَر منه إعمارٌ ولا تنعقد عليه آمالٌ، فهل من أسلم نفسه لتيار الشلال تسعه قوته أن ينقذ شخصًا على وشك الغرق؟! إن محاولته لإنقاذ هذا الشخص من المحتمل أن تؤدي إلى إغراقه بشكلٍ أسرع، ومن ثَمّ فعلى الذين نذروا أنفسهم من أجل ترميم الحضارة التي ما زالت تتعرض للخراب والتشويه منذ ثلاثة قرون ألا يستسلموا لأي نوعٍ من السلبيات؛ لأن عملية الترميم هذه لا يقوى عليها أناسٌ أجهدهم التعب بسبب صراعهم مع الحوادث اليومية، فلا يقدِر على القيام بهذا العبء إلا الأبطال الذين تخلّصوا من ثرثرة الأفكار وحازوا سلامة الروح.

   النظرة الشمولية والدبلوماسية

على الذين اعتمدوا التحرك الإيجابي مبدأً لهم ألا يقابلوا السلبيات بمثلها، ولا يسمحوا باستشراء الحقد والغل بين جنبات المجتمع، بل عليهم بدلًا من هذا أن يلجؤوا إلى الدبلوماسية لحل المشكلات، وبدلًا من استخدام الشدة والعنف عليهم السعي لحل المشكلات بالمنطق والمحاكمة العقلية السليمة، وأن ينظروا إلى الحوادث نظرة إجمالية شاملة، ويضعوا في حسبانهم الأسباب وما يتولد عنها من نتائج.

فالمشكلات التي يُعتقَد أنها قد تم حلها باستخدام القوة الغاشمة والسحق والقهر هي في الحقيقة ليست حلولًا دائمة كما هو الحال في أي وقت كان؛ مثال ذلك المشكلة القائمة إلى الآن في جنوب شرق تركيا، كم من الدماء أُريقت، وكم من حروب ومعارك اندلعت، ومع ذلك لم يتمّ التغلب على المشكلة ولم تُحَلّ، حتى بعدما ظُن أنهم قد فرّوا إذ بهم يستعيدون عافيتهم ويرجعون من جديد، ويواصلون معاركهم بإستراتيجيات جديدة، لقد جُرِّبَتْ محاولاتٌ عديدة لقهرهم وسحقهم، لكنهم نهضوا من جديد، وعندما استمر التعامل مع المسألة بالقوة والعنف -وانطلاقًا من إحساسهم بالظلم والاضطهاد- حاولوا أن يجدوا لهم ظهيرًا في الخارج، ونجحوا في ذلك. 

بيد أنه لو تم النظر إلى المشكلة نظرة إجمالية شاملة، ولو تم تشخيص الأسباب جيدًا، وتم اختيار العلاج المناسب لاختفت هذه المشكلة منذ وقت بعيد، ولو أنهم استخدموا الطرق الدبلوماسية بدلًا من القوة والعنف لما أُريقت الدماء، ولا تشكلت العداوات، ولا توارثت الأجيال الغل والأحقاد، فإن تجنُّبَ العنفِ، والتخلي عن التصرفات الفظة، وعدم سحق الناس وممارسة الضغط عليهم، واللجوء إلى اللين والرفق والعقل والدبلوماسية في حلِّ المشكلات؛ هو أحد متطلبات التحرك الإيجابي. 

   روح الوحدة والاتحاد

من الأسس المهمة الأخرى التي لا بد من التركيز عليها في هذا الصدد هو بذل الجهد في سبيل ترسيخ روح الوحدة والاتحاد بين أفراد المجتمع، فإن أمكن إرساء هذه الروح بين الناس من خلال التراجع، فالتراجع حينذاك أولى من التقدم.. يجب ألا نستصغر هذا القدر البسيط من الجهد لأجل تحقيق الوحدة والاتحاد بين الناس، فلهذا الجهد قيمة عظيمة عند الله، فنحن لا يمكننا الجزم بنوع العمل الذي يفضي إلى خلاص الإنسانية، فربما ينقذ هذا التراجعُ الكثيرَ من الناس.

إن القيامَ بتصرفاتٍ من شأنها أن تعمل على تمكين روح الاتحاد ولم الشمل مثل التقرب من الناس بالحال اللين والقول اللين والفعل اللين، والتجاوز عن أخطائهم وتقصيراتهم؛ هو أمر له أهمية خاصة عند الله تبارك وتعالى، فالحق تعالى يأخذ مثل هذه النوعية من التصرفات في الآخرة فينمّيها، فينال بها صاحبها النعم الأخروية المهمة التي يتعذر الوصول إليها.

ولهذا لا بد من حسن الظن في الآخرين، وبَذْلِ الجهد قدر ما نستطيع لجمع الناس ولم شملهم، أما انتظار أن يتشبه الناس بنا، وأن يفكروا مثلنا، وأن يسيروا على طريقنا؛ فهو نوع من الأنانية، فالمهم هو أن نجتمع حول بعض القواسم المشتركة، فلكلِّ شخصٍ صوتٌ وفكرٌ ونظرةٌ مختلفة، وقد تتشكل جوقة موسيقية متناغمة من أنغام وأصوات مختلفة.

وباجتماع أصوات شتى وآلات موسيقية مختلفة تتشكل أوركسترا كبيرة، فرغم اختلاف الأصوات والنغمات فإنها تعبر عن معنى معين لدى السامع، وهكذا فالمهم هو القدرة على جمع هذه الاختلافات والتنوعات حول روح الوحدة، أما ترقُّبُ أن يكون الآخرون مثلنا فهو أمر يتنافى مع الفطرة ويعبّر عن الأنانية، ويسوق الناس إلى التمزق والتشتت، وليس إلى الوفاق والاتفاق.

وكما هو معلوم فإن المدينة المنورة لما شرَّفها مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم كان عدد اليهود بها حوالي أربعة آلاف، ومثل هذا العدد كان من المشركين، أما عدد المسلمين بقضهم وقضيضهم فكان يصل إلى حوالي ألف وخمسمائة، لكن النبي صلى الله عليه وسلم وجد سبيلًا إلى عمل وحدة مجتمعية بين هذه الطوائف، واستطاع أن يجمع اليهود والمشركين الذين يزيدون عن المسلمين خمسة أو ستة أضعاف حول وثيقة المدينة، فاستمر هذا الوفاق حتى العام الخامس من الهجرة إلى أن نقضه اليهود في النهاية.

فما يقع على عاتقنا هو أن نقبل كلَّ إنسانٍ في مكانه ومقامه، وأن نحترم فكره ومشاعره، فلو أنكم استهدفتم أفكار الناس ومعتقداتهم وحاولتم قصفها والهجوم عليها فستفرقونهم من حولكم، وتبعدونهم عن أنفسكم، وعندئذ لا تربحون شيئًا بل تكونون قد خاطرتم بسلامة الطريق الذي تسيرون فيه؛ لأن هؤلاء الذين فرقتموهم من حولكم وربما جعلتم منهم أعداء لكم لن يسمحوا لكم بالسير آمنين في الطريق الذي تسيرون فيه، بل سيظهرون لكم في كل ركن كالغيلان، يريدون تشتيت أذهانكم وهممكم وطاقاتكم، ومن ثمّ يجب أن تركزوا على الأعمال المطلوبة منكم، وإلا ستضطرون إلى الانشغال بالمشاكل التي سيسبّبها هؤلاء لكم بدلًا من الاشتغال بأعمالكم.

وهكذا فإن كنتم لا تريدون أن تتسببوا في كل هذا فلا بد أن تتحروا سبل التعايش في أمنٍ وطمأنينةٍ مع أصحاب الرؤى العالمية المختلفة، ولأجل هذا يجب أن تحترموا إنسانية الجميع، وألا تنالوا من قناعاتهم، وألا تؤذوا الناس بأيديكم وألسنتكم.

   محبة المنهج لا تعني التعدي على مناهج الآخرين

ولقد جعل بديع الزمان سعيد النورسي للحركة الإيجابية معيارًا، أشار فيه إلى ضرورة أن يحب الإنسان منهجه، ولا يتدخل في مناهج الآخرين، ولا يضمر لهم العداوة والبغضاء أبدًا؛ بمعنى أن محبة الإنسان لطريقه ومنهجه لا يستلزم وصف طريق الآخرين ومنهجهم بالقبح والباطل.

أجل، ما يقع على عاتق المؤمن الصادق هو أن يحب منهجه الفكري والاعتقادي، وأن يتمسك به بجنون، وأن يرعاه ويحميه بكل كيانه، بل يجب أن يكون فكرُه وشعوره على النحو التالي: “اللهم إنني أرضى أن أموت في اليوم عشرات المرات على أن تكون راية الإسلام المبين عالية خفاقة في كل أنحاء العالم”.. هذه هي محبّة الطريق والمنهج، وقد كانت هذه هي خاصية الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، كانوا أوفياء بحق لمنهجهم، وعلى أهبة الاستعداد للموت في هذا الطريق عن طيب نفس.

ومن لم يحمِل هذه الأفكار وهذه المشاعر، ولا يقدم على أي تضحية في سبيل تبليغ القيم التي يؤمن بها إلى العالم، بل ويهدر وقته يمنة ويسرة؛ ويصب لعناته على الآخرين، ويوجه الإهانات إلى هذا وذاك، فلن يفيد عمله هذا بشيء سوى إثارة العداوات، وإرضاء الشيطان وإسعاده.

فلو كنا نريد جمع الناس والتأليف فيما بينهم فلا بد أن نراعي مشاعر الآخرين وتطلعاتهم ومواقعهم وتمسكهم ومحبتهم لِقيَمهم، ثم نتحرك بناء على ذلك، والله تعالى هو الذي يؤلف بين قلوب العباد كما تقول الآية الكريمة: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ (سورة الأَنْفَالِ: 8/63)، فما يقع على عاتقنا هو مراعاة الأسباب دون قصور، والعمل على لمّ الشمل وتآلف القلوب، فلا نحوّل محبَّتَنَا لمنهجنا إلى عداوة الآخرين لنا، ولا نجعل اختلافنا سببًا للنزاع والخصام، بل نعمل دائمًا على نثر بذور المحبة في كل مكان، واحتضان كل البشرية، ورسمِ البسمة على وجوه الجميع.

الخدمة عليك والنتيجة على الله

Herkul | | العربية

   السؤال: يقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ (سورة الرعد: 13/40). فما الرسائل التي تبثها هذه الآية الكريمة للمؤمنين؟

   الجواب: لنقف بدايةً على المفهوم السامي لهذه الآية بإيجاز: يذكر ربنا سبحانه وتعالى في قوله ﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ أنه سيُري نبيَّه صلى الله عليه وسلم بعضًا من البلايا العظيمة والعواقبَ الوخيمة التي سيُمنى بها المنكرون والمشركون، فما الوعيد الذي تسوقه هذه الآية للمنكرين، وفي المقابل ضمنيًّا ما هي البشارة التي تعدُ بها المؤمنين؟

إن دخول الناس في دين الله أفواجًا، وانكسار شوكة الكفر والشرك، وانهزام الكافرين والمشركين أمام الإسلام والمسلمين، وخفقان راية الإسلام عالية في كل جنبات الأرض، وارتفاعَ الأذان المحمدي من مآذن الأرض إلى أعالي السماء، وإرساء الحق والعدالة والسلام والطمأنينة في الأرض مرة أخرى، واندحار الظلم والقمع والاضطهاد؛ كل هذا سيتحقق في ضوء التشريع الذي وضعه الله تعالى، وبفضل تبليغ رسوله صلى الله عليه وسلم هذا التشريع وتجسيده دون نقص أو تقصير.. ولذلك تذكر الآية أن الله سبحانه وتعالى قد يُطلِعُ نبيَّه صلى الله عليه وسلم على بعض هذه الجماليات التي ستتحقق في المستقبل.

ولكن مع تتمة الآية يقول سبحانه: ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ إشارة إلى أن ربنا جل وعلا قد يستدعي سيدَنا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم إلى حضرتِه قبل أن يريه كلَّ هذه الجماليات التي وعد بها؛ ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ظل طوال حياته السنية يبلّغ رسالة ربه التي عهد بها إليه حتى أكملَها وأتمها، ولا ريب أن ربنا سبحانه وتعالى لن يضيّع مساعيه عبثًا، وسيوافيه أجره عليها كاملًا غير منقوص، وحتى وإن لم يشهد نبيُّنا صلى الله عليه وسلم كلّ الجماليات التي وعِد بها في الدنيا فإن الله سبحانه وتعالى سيثيبه عليها جميعها حتى وإن ظهرت وظفر بها الآخرون من بعده، فلربما يحصد الآخرون ثمار البذور التي نثرها، ويقوم آخرون بحفظها في مستودعها، ولكنه سينال ثواب كل هذا تامًّا غير منقوص.

ويمكن أن نقول هنا إن هذه العبارة تتضمّن أيضًا معنى: “أننا سنتمّ عليك أفضالَنا دون أن ننقص منها شيئًا”، وإن كان المعنى الأول هو الأرجح إلا أن هذا المعنى يشير أيضًا إلى حقيقة مهمّة.

وسواء أكان المعنى هذا أو ذاك فالنتيجة لا تعنيك، ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾، أي تبليغ الحق والحقيقة إلى الناس، وتمثيل جماليات الإسلام على الوجه الأكمل، ﴿وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾.

ولمزيدٍ من الإيضاح نقول: “لا تُغرِق نفسَك في مثل هذه الحسابات، ولا تقل: “لو فعلتُ كذا لكان كذا”، لا تشغل نفسك بذلك، اشغل نفسك بمهمّتك فقط، وأعط وظيفتك حقّها، وركِّزْ على ما يسعك تحقيقه تبعًا للظروف التي تتواجد فيها، فأنت لا تدري بعد أن تنتقل إلى أفق روحك كم من الألطاف والمفاجآت تنتظرك، وكم من دول ستُقام، وكم من أنظمةٍ باطلة ستُقوَّض وتندثر! ولكن لا تضع حسابًا لكل هذا، فكلها أمور مدونة بصحيفة أعمالك عند ربك، فما عليك إلا أن تحسب حساب صحيفتك.

وقد قررت الأحداث التاريخية وأكدت هذا المعنى الذي أفادته الآية الكريمة، فقد وضع سيدُنا رسول الله صلى الله عليه وسلم البذرةَ في حياته السنية، وعندما رحل إلى أفق روحه لم تكن رسالته قد امتدّت إلى خارج مهدها، فالإمبراطوريتان الساسانية والرومانية في الشرق والغرب كانت القوة لا تزال بأيديهما، والعالم يخضع لسلطانهما، فدخلت العديد من الدول تحت حمايتهما، وخضعت لنفوذهما، ولكن بفضل البذور التي نثرها مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم بفضل الله وعنايته ظهر المسلمون كقوة، ولاحت شمس الإسلام حتى في مواطن نفوذِ هاتين الإمبراطوريتين.

وبالمناسبة يجب هنا أن نؤكد على مسألة مهمة، وهي أن البعض -في المناطق التي شرُفت بالإسلام بفضل الجيوش المبتعثة من قِبَلِ سيدنا عمر رضي الله عنه؛ فنالت عزها وانفتحت آفاقها- يضمرون عداوة كبيرة لسيدنا عمر رضي الله عنه، وبدلًا من أن يتوجهوا له بكل تقدير واحترام، ويدينوا له بالوفاء والولاء، ويحملوا له كلّ مشاعر الشكر والامتنان إذ بهم يرونه -حاشاه- جديرًا بكل إهانة واحتقار، على حين أنه لولا سيدنا عمر رضي الله عنه فمن يدري فربما كانوا ما يزالون يعبدون النار، ويؤمنون بالخرافات، ويتبنّون الاعتقادات الباطلة، فيا ليتهم يعرفون أنهم ما وصلوا إلى الإسلام الذي يعايشونه بهذه الطريقة أو تلك إلا على يد سيدنا عمر رضي الله عنه، ويا ليتهم يقرون له بالجميل!

إن نبينا صلى الله عليه وسلم بمقتضى هذه الآية قد ألقى البذور، ورحل إلى ربه دون أن يلتفت وراءه، فتحوّلت هذه البذور بإذن الله وعنايته إلى شتلات، حتى صارت أشجارَ دلبٍ تمتد أغصانها ذات اليمين وذات الشمال، يُذكر عن “كارل ماركس” المعروف بعداوته الشديدة للإسلام والمسلمين أنه تكلم عن عشرين دولة تشكلوا من خلال هذه البذور التي نثرها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبفضل هذه البذور أيضًا تشكلت بعد النبي صلى الله عليه وسلم العديدُ من المجتمعات والشعوب والدول التي تتبنّى الكثير من الفلسفات الجديدة والأنماط الفكرية والرؤى العالمية المختلفة، وأخرجت القيمُ السماويةُ التي قدمها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم للبشرية الكثير من العلماء والأدباء والفنانين والقادة ورجال الدولة، وغيرت هذه القيم مصير البشرية.

والخطاب في هذه الآية كما في الكثير من آيات القرآن الكريم موجَّهٌ إلى جميع المؤمنين في شخصِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل يجدر أن نقول إن المقصد الأساس في الآية هو تعليم المؤمنين أكثر من النبي صلى الله عليه وسلم المنهجَ الفكري السليم، أو كما يقول المثل العربي الشهير -لو جاز التعبير-: “إياكَ أعني واسمعي يا جارة”، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان على وعي بهذه المسألة في الأصل، فقد كان يؤدي وظيفته، ولا يتدخل في شؤون الربوبية، لأنه أصدق ممثل لها، لكن هناك أمور يُخاطَب بها المسلمون في شخص النبي صلى الله عليه وسلم على اعتبار أنه الممثل للدين والمبلّغ له، فلو لم نعدّ أوامرَ القرآن الموجهة لنبي القرآن صلى الله عليه وسلم خطابًا مباشرًا لنا لتعذر علينا أن نفهم رسالة ربنا بكل أعماقها وأبعادها.

وفي هذا الصدد يقول بديع الزمان سعيد النورسي: “إن الذين يعملون في طريق الـحق ويـجاهدون في سبيلـه، في الوقت الذي ينبغي لـهم أن يفكروا في واجبهم وعملـهم فإنهم يفكرون فيـما يـخصّ شؤون الله سبـحانه وتدبيره، ويبنون أعمالـهم عليه فيـخطئون، فعلى الـمرء أن يؤدّي واجبه ولا يتدخل بتدبير الله سبـحانه وقَدَره”[1].

وهذه الفكرة بالغة الأهمية بالنسبة لمن نذروا أنفسهم اليوم للخدمة الإيمانية والقرآنية، فما يقع على عاتقهم هو بث إلهامات أرواحهم في الصدور المحرومة، وتبليغ قيمهم إلى كل أنحاء العالم، وتوصيل أصواتهم إلى الجميع، أما بالنسبة لعاقبة هذا ونتيجته؛ متى وكيف يكون، فهذا أمرٌ يرجع إلى الله عز وجل لا غير، وما يقع على عاتقنا هو عدم التفكير في كل هذا، يجب أن يكون أساس مهمتنا هو الدستور القائل: “ألق البذرة، وليرعها من يرعاها، وليحصدها من يحصدها، وليحفظها في مستودعها من يحفظها”، بل ينبغي للإنسان أن يرحل عن الدنيا ناسيًا أو متناسيًا ما فعل من خيرات، إلى أن يصعب حتى على الذين يقتفون الآثار معرفة واقتفاء أثر نسبة ذلك إليه، يجب أن تظل الأسئلة من قبيل “مَن ألقى هذه البذرة؟ مَن غرس هذه الشتلة؟” بلا جواب.. فكل هذا ليس مهمًّا، فحتى وإن كان فاعلُها مطمورًا فستذكره الأمة كذكرى جميلة، وتقول: “جزى الله خيرًا من ألقى هذه البذور أيًّا كان هو”.

فلو ملكت هذه الأفكارُ والمشاعرُ على الإنسان جوانحه، فسيعيش بوعي الوظيفة وأداء الواجب فقط، وسيفكر في كيفية استغلاله لموقعه بشكل مثمر، وسينشغل فقط بأداء الأعمال والخدمات التي يتيحها له موقعه ووظيفته، وسيحاول استغلال الإمكانات التي بحوزته بقدر ما يستطيع، وسيعمل على اقتناص الفرص التي تواتيه، ولن يتشوف إلى أي أجر أو مقابل لكل ما يقوم به من خدمات، فإذا حان أجله انسلخ من الدنيا ورحل عنها دون أن يلتفت وراءه، مطمئنًّا لكونه قام بالمسؤوليات التي تقع على عاتقه، ولا ينتظر حتى أن يقول الناس عنه وهم يصلون عليه الجنازة: “اللهم إننا راضون عنه”، لأن مثل هذا التشوف في الدنيا يُعدّ بمثابة عقبة كؤود أمام ما ينتظره في الآخرة؛ فما يكتسبه الإنسان من نِعم دنيوية يقلِّل بقدره من نعم الآخرة.

ولذلك نرى مهموم هذا العصر الذي ظل حريصًا على الإخلاص طوال حياته، وعاش بإخلاص تام يوصي طلابه “بعدم إعلام موضع قبره حفاظًا على سر الإخلاص ولئلا يجرح الإخلاص الذي في رسائل النور، فأينما كان الشخص سواء في الشرق أو الغرب وأيًّا كان فإن ما يقرؤه من الفاتحة يصل إلى تلك الروح”[2]، فما أهمية أن يعرفه الناس أو يجهلوه إذا عرفه الله! هذه هي الفكرة التي لا بد أن يتبنّاها المحتسبون الذين نذروا أنفسهم للخدمة الإيمانية؛ عليهم أن يقوموا بخدمات تقرّ بها العيون وتغبطها القلوب، لكن عليهم أن يواصلوا حياتهم كالمجهول، ثم ينضموا بعد ذلك إلى جيش المجاهيل، ويدَعوا أنفسهم بين شلالات مجهولٍ تجري إلى بحرٍ مجهول يذوبون فيه ويتلاشون.

***

[1] بديع الزمان سعيد النورسي: اللمعات، اللمعة السابعة عشرة، المذكرة الثالثة عشرة، ص 180.

[2] بديع الزمان سعيد النورسي: السيرة الذاتية، ص 523.

الثبات أمام النعم الدنيوية

Herkul | | العربية

إن التغيُّر والتحوُّلَ السلبيَّ أشبه ما يكون بالفيروس والميكروب الذي إن التصق بالإنسان لا يتركه بسهولة ويسر، وإنما يلازمه ويتسلّط عليه، بالضبط كالميكروب الذي يستقر في جذور الأسنان وبعد فترة وجيزة يتكاثر بالآلاف ليصيبها بالعفن، فالتحوُّل السلبيُّ متى ما طرأ على الإنسان وأبدى له الإنسان استجابةً ولو بطرف لسانه، لا يمكن ردعه بعد ذلك، وكلُّ تنازلٍ يستدعي ويُولِّد تنازلًا آخر وراءه، وعندما يبتعد الإنسان عن قِيَمه الذاتية ويبدأ بالتغير والتحول يتقاذفه الشيطان والنفس، ويجعلانه يعيش في انحرافات ما كان له أن يتخيلها في بداية الأمر، وما إن يدخل الدائرة الفاسدة تلك حتى يخرج منها شخصًا آخر مختلفًا بالكلية مثل “بلعم بن باعوراء”.

   التعساء الذين وقّعوا على هلاكهم

وفقًا للروايات الواردة فإن بلعم بن باعوراء كان من العارفين لاسم الله الأعظم، وكان عندما يرفع رأسه للسماء يستطيع رؤية العرش الأعظم، وكان من الصالحين الذين لا ترد لهم دعوة، وبحسب رأي جمهرة المفسرين فإن قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ (سورة الأَعْرَافِ: 7/175) تشير إلى بلعم بن باعوراء دون ذكر اسمه، وفي تتمة الآية يقول الحق تعالى مبيّنًا كيف صارت عاقبته: ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ (سورة الأَعْرَافِ: 7/175-176) فرغم أن الجانب السماوي كان هو الغالب عند بلعم بن باعوراء لكنَّ الشيطان والنفس تمكّنا من خداعه، ليتعثر بالدنيا ويخلد إلى الأرض.

وهناك منقبة أخرى مماثلة وهي: أن سيدنا موسى عليه السلام وهو في طريقه إلى جبل الطور قابل شخصًا فقيرًا معدَمًا ينام على الرمال ويرتدي ثيابًا رثّة، فطلب من موسى عليه السلام أن يعرض حاله على الله قائلًا: “اعرض حالي على الحق تعالى واسألْه أن يوسّع علي رزقي”، فيتوجه موسى عليه السلام إلى الله تعالى يسأله أن يغني الرجل، ولكن الله تعالى يُعلِم موسى عليه السلام أن الفقر أصلح لحال ذلك الرجل، فيعود موسى عليه السلام للرجل ويخبره بذلك، إلا أن الرجل يصرّ على سيدنا موسى بأن يدعو الله له بالغنى، وفي النهاية يدعو سيدنا موسى عليه السلام ويستجيب الله دعاءَه، ويبارك له في أغنامه القليلة لتصبح مع الزمن قطعانًا ضخمة، وبعد مرور حقبة من الزمن يمر سيدنا موسى عليه السلام بتلك المنطقة مرة ثانية فإذا به يجد الناس مجتمعين لإعدام رجل، ويسأل فيعلم أن هذا الرجل هو الذي قابله فقيرًا منذ سنوات، وعندما يستقصي سيدنا موسى عليه السلام عن أصل المسألة يخبره الناس بأن هذا الرجل عندما منّ الله عليه بالمال والإمكانيات المادية تغيّر حالُه وتبدّل، واغترّ بماله وثروتِه، وذاتَ يومٍ سَكِرَ سكرًا شديدًا فقتل رجلًا دون أن يشعر، ولذلك استحق الجزاء بالإعدام.

ليس المهم بالنسبة لنا هنا هو صحة الرواية من عدمها ولكن المهم هو المعنى الذي يُستفاد منها.. ويذكر لنا القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة الكثير من الأمثلة للعبرة والاتّعاظ، وعلى سبيل المثال فقد وردَت في السنّة قصّةُ الرجل الذي أضلّه غناه وأغواه، كان ثعلبة من أمة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، إلا أن ثروته أسكرته فَطَارَ عقلُه وتكدّر بصرُه، وبدخوله في الدائرة المفرغة للتغير السلبي أمضى توقيعه على هلاكه، فأصبح من التعساء الخاسرين.. إذًا فالتبدل والتغير السلبي يفتح على صاحبه بابًا من الغوائل والمصائب، وإن لم يحدث هذا في الدنيا ففي الآخرة يقينًا.

   دائرةُ التبدُّلِ الفاسدة

إن الذين تيسّرت لهم بعضُ الإمكانيات فقاموا بإنفاقها على كيفهم وراحتهم ورفاههم؛ هؤلاء يدخلون في مرحلة التبدل، أمسُهم مختلفٌ عن يومهم وغدُهم مختلفٌ تمامًا، فهؤلاء وإن حافظوا على تديُّنهم وأخلاقهم حال فقرهم وعجزهم؛ فإنهم عندما تسنح لهم الفرص يَفسدون فورًا ويُصبحون عرضةً للتحلل والانحلال، وبعض هؤلاء المساكين الذين دخلوا في الدائرة الفاسدة للتبدّل يتحولون إلى قارون الذي قال ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ (سورة القَصَصِ: 28/78)، والبعض الآخر يصير كفرعون الذي قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ (سورة النَّازِعَاتِ: 79/24).

والتبدل بكل صوره وأشكاله، ينفتح بزاوية صغيرة في المركز ولكن مع مرور الأيام تتّسع الدائرة وتكبر، وبعد فترة وإن كان يظن نفسه يسير في هذا الطريق إذا به انحرف عن الطريق منذ أمد بعيد، ومثل هذا الشخص قد يؤمن بالله قولًا، ولكنه يحيا كما توجّهُهُ نفسُه عملًا وحالًا، قد يسلك الطريق على غرار أمثال سيدنا موسى عليه السلام ولكن عندما يقترب من نهاية الطريق يتحول دون أن يشعر إلى أمثال قارون، وقد يبدأ السير بأداء يشبه المسيح عليه السلام ولكن في مرحلة ما يتحول إلى “دقيانوس”، لأنه متى ما بدأ الإنسان في التغير والتبدل السلبي لا تدري أين سينتهي به الأمر في نهاية المطاف، فهو يصل إلى درجة من التحول والتغير بحيث لو التقطْتَ له صورةً وهو في حاله القديم وقدَّمْتَها إليه لما استطاع أن يتعرَّف على نفسه.

إن العوامل التي تدفع الناس نحو التغير السلبي مختلفة؛ فالبعض يتغير وهو يلهث وراء تقلُّد المناصب والمواقع، والبعض وهو يحاول تحقيق الشهرة والصيت، والبعض يغيره الشعور بالاسترخاء والراحة، والبعض الآخر تغيره الملذات الدنيوية كالطعام والشراب، وهناك كثيرون ساروا على نهج الأنبياء، لكنهم بعد مرحلة معينة من ذلك الطريق الذي ساروا فيه صاروا مثل قارون وفرعون، وما ذلك إلا لأنهم صاروا فيما بعد عبيدًا للثروة أو لأنهم ألَّهوا بعض الأشياء المادية الموجودة في هذه الدنيا.

وآخرون دخلوا في الحياة السياسية وهم يحملون نيات طيبة في بداية الأمر، وطلبوا المناصب، إلا أنهم تعرضوا في هذا السبيل بعد مدة لتسمّم السلطة؛ كان هؤلاء الناس يبدون متواضعين في البداية ويسجدون معكم جنبًا إلى جنب، لكنهم بعد ذلك تألّهوا فجأة، وصاغوا القوانين وشكلوا الأنظمة جميعها وفقًا لمزاجهم، واستعبَدوا الجميع لأنفسهم.

ينبغي ألا يُعتقد أن شخصيات قارون وفرعون والسامري وبلعم بن باعوراء عاشوا في مرحلة من مراحل التاريخ وولوا بلا رجعة؛ ففي عصرنا هذا يوجد الكثير من أمثالهم؛ تعرضوا لتغييرات مستمرة بسبب طول أملهم وتوهّمهم الخلود، ففي الطريق الذي ساروا فيه رافعين لواء “الدين” و”الديانة” صاروا لاهثين وراء الدنيا، بل إنهم رضوا عن بعض الأشياء الإلحادية، وهذا يعني أنه مهما بدا هذا النوع من الناس بشرًا ظاهرًا إلا أنهم مُسخوا سيرةً، تمامًا مثلما مُسخ بعض الأقوام الذين ورد الحديث عنها في القرآن الكريم، لكنهم لم يستطيعوا إدراك هذا، مخدوعين بسيماهم المنعكسة على المرايا.. لهذا السبب أيضًا واصلوا السير في الطريق الذي يسلكونه، وارتكاب السيئات التي يفعلونها، لا يسمحون أبدًا بكشف أخطائهم وزلاتهم، وإذا تجرأ أحدٌ على القيام بذلك اتخذوا موقفًا جادًّا تجاهه وبدؤوا في معاداته، بيد أن أصحاب البصيرة يرون ويفطنون كيف غيَّرَ أمثال هؤلاء الناس من ماهيتهم وهويتهم.

   الوقوف بحزم إزاء التغير السلبي

 في هذا العصر الذي اتبع الناس فيه أهواءهم بشكل كبير يجب على من نذروا أنفسهم لخدمة الإيمان والقرآن خاصة أن يكونوا أكثر حساسية وحذرًا في مسألة التغير السلبي، وأن يكونوا أكثر ثباتًا على موقفهم، ويجب عليهم أن يُحافظوا حتى النهاية على الفلسفة ونمط التفكير والرؤية العالمية التي بدؤوا بها طريقهم، وعليهم كذلك وهم يودّعون الدنيا أن يودّعوها في درجة أعلى بكثير من تلك التي كانوا عليها حين جاؤوها، يجب أن يحافظوا حتى النهاية على الرغبة والشوق الذي أحسُّوه عندما بدؤوا طريقهم، وألا ينهزموا للدعة والكسل، وألا يسمحوا للقيم التي يمتلكونها بأن تذبل وتشحب فتتلاشى.

إن أفكارًا من قبيل؛ “الآخرون يستفيدون من الدنيا هكذا فلنفعل مثلهم؛ وهؤلاء يَطعَمون هذا العسل، فلنغترف مثلهم”؛ هي نوع من التغير السلبي بالنسبة لمن نذروا أنفسهم لخدمة الإيمان والقرآن، ولقد شرَّف مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم الدنيا في منزل فقير بساطُه الحصيرُ، وسار إلى أفق روحه وجوار ربِّهِ على نفس الشاكلة دون أن يغير موقفه وسلوكَه أبدًا.

ولقد انزعج صلى الله عليه وسلم من الرغبات الدنيوية لأزواجه، فانزوى بركنِهِ واعتزلهنّ مدةً من الوقت، ولما جاءه سيدنا عمر رضي الله عنه ووجد نبيَّنا عليه الصلاة والسلام يرقد على حصير على هذا الحال حتى إن أثر الحصير بدا واضحًا في جنبه المباركِ؛ أخذ يبكي، فلما سأله الرسول صلى الله عليه وسلم عن سبب بكائه: “مَا يُبْكِيكَ؟” أجابه رضي الله عنه بقوله: “يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ كِسْرَى وَقَيْصَرَ فِيمَا هُمَا فِيهِ، وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ!”، فقال له عليه الصلاة والسلام: “أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الآخِرَةُ[1].

بعد أن شرَّف رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الدنيا عاش تغيرات حقيقيّة؛ فقد عرج إلى السماء، حتى إنه فاق جبريلَ والملائكةَ فيما وصل إليه من مكانة، وكانت هذه التغيرات تعني التطوّر والارتقاء معنويًّا وأخرويًّا وملكوتيًّا، ولا ينبغي الخلط بين هذه التغيرات وتلك التي تقع نتيجة الانخداع بالدنيا ومفاتنها؛ أي إن هناك تغيرات تقرّب المرء من الله ورضوانه ورضاه، ومن الجنة ونعيمها.. وهناك تغيرات تؤدي بالمرء إلى المصيبة والتهلكة، وما يجب الابتعاد عنه وتجنبه من تغيرات هو ذلك النوع الثاني.. فعلينا أن نسعى للارتحال من الدنيا كما جئناها.

ومن المقومات المهمة التي تحافظ على الإنسان من التغيّر والتبدّل السلبي الاستغناءُ وعدم التشوّف لشيء، وعدم ربط الخدمات المنجزة بأي مقابل؛ دنيويًّا كان أو أُخرويًّا، فمن الصعوبة بمكان بالنسبة لمن يطمعون في الدنيا وما فيها أن يحافظوا على مواقعهم ومواقفهم في مواجهة العروض المبهرة التي تعِنُّ لهم؛ فمثلُ هؤلاء الأشخاص “يمكن شراؤهم” من قِبَلِ الآخرين.. في حين أن من ابتغوا رضا الله ينبغي لهم ألا يُباعوا أو يَطمعوا في أي شيء دنيوي على الإطلاق، وألا يحنوا ظهورهم ويُطأطِئوا رقابهم لأحد أبدًا، يجب عليهم أن يكونوا في القمة من الصمود والشموخ والتصميم، وألا يقعوا تحت منّة أحد، وإن مَن يضعَفُ أو يتنازل ولو مرة واحدة في هذا المضمار فقد سلك طريقًا مجهولًا ودربًا لا تُعرَفُ عاقبته.

لذا فعلى الذين نذروا أنفسهم لخدمة الإيمان أن يعزموا تمام العزيمة على ألا ينحرفوا عن الطريق الذي سلكوه قيدَ شعرة، وكما أنهم لم يبرحوا السير على الصراط المستقيم فيجب عليهم أن يُمسكوا بأيدي رفاق الدرب، وأن يبذلوا قصارى جهدهم لمنعهم عن الانحراف هم أيضًا، وإذا ما رأوا فيمن حولهم علامات على التغير والتبدّل السلبيّ وجبَ عليهم أن يُنبهوهم بأسلوب ملائم وبطريقة لا تتسبب في نفورهم، وأن يساعدوهم على إدراك الاستقامة من جديد، يجب أن تظلَّ أعينُهم مفتوحةً دائمًا في مواجهة الانحرافات؛ تمامًا مثل الجندي المناوب على الجبهة، وعليهم كذلك أن يسعوا إلى تجاوزِ وإصلاحِ أخطائهم وعيوبهم بكل السبل.

وقصارى القول؛ إن كنا لا نريد أن نكون ممن يخسرون ونحن في طريقنا إلى الجنة، ولا نريد أن نتعثر على الطرق المستقيمة، فيجب أن نصمد في مواجهة التغيُّر والمتع الدنيوية، وأن ندعو الله باستمرار أن يثبّت أقدامنا، وأن نتحلى بالصبر في مواجهة مفاتن الدنيا المغرية، وأن نكون على يقظة وحذر دائمين من الدنيا حتى لا تُسلب عقولنا ولا تزيغ أبصارنا.. إن كنا لا نريد أن يَطالَنا تغير وتحوُّلٌ سلبي، ولا أن نتعرض لعناء الطريق ومشقّته، ولا أن تنقطع بنا السبلُ فعلينا أن نتتبّعَ العرفانَ والمعرفةَ واليقين حذوَ النعل بالنعل وحذوَ القُذّة بالقذّة، وإن كنا لا نريد الابتعاد عن الله تعالى عند مواجهة الإمكانيات الدنيوية فعلينا أن نجدد عهدنا وولاءنا لله رب العالمين في كل موضع ومرحلة من الطريق.

***

[1]  متّفق عليه.

الدعاء الذي تعلمه سيدنا أبو بكر الصديق من رسول الله صلى الله عليه وسلم

Herkul | | العربية

   سؤال: سأل أبو بكر الصديق رضي الله عنه النبيَّ صلى الله عليه وسلم أن يعلّمه دعاءً يدعو به في الصلاة، فقال صلى الله عليه وسلم: “قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ[1]، فما الرسائل التي يوجّهها لنا هذا الدعاء؟

   الجواب: لقد كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه رجلًا ورعًا شديد التواضع، التزمَ الحساسية والدقّة المتناهية في حياته، وكمثالٍ على ذلك فلقد حدث أن قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذات يوم: “مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاَءَ، لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ“، وعندما طرقت أذنَ أبي بكر الصديق تلك الكلمات قال مرتعدًا من تلك العاقبة السيئة: إِنَّ أَحَدَ شِقَّيْ ثَوْبِي يَسْتَرْخِي، إِلَّا أَنْ أَتَعَاهَدَ ذَلِكَ مِنْهُ؟! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مهدئًا من روعه: “إِنَّكَ لَسْتَ تَصْنَعُ ذَلِكَ خُيَلَاءَ[2].

لقد كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه من أوائل المؤمنين، وهو يصغر الرسول صلى الله عليه وسلم بعامين فقط، ومن ثم عايش المصطفى صلى الله عليه وسلم في مرحلة الطفولة والشباب، ومع أن ذلك قد يكون عقبةَ في طريق الإيمان إلا أنها لم تمثل أية عقبة له، بل إنه أول ما دعي إلى الإيمان أجاب مباشرة وبدون أدنى شبهة أو تردّد وعاش عمره كلّه بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصاحَبَ مفخرةَ الإنسانية صلى الله عليه وسلم في رحلة الهجرة واختبأ معه في غار ثور، وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن سيدنا أبا بكر وسيدنا عمر وزيراه من أهل الأرض[3]، ومن ثم فإنه أحد السعداء الذين عاشوا الإسلام وفهموه فهمًا سليمًا، وممّا يُؤسَفُ له أن بعضَ التعساء يشنعون على وزيرَي رسول الله من أهل الأرض ويسيئون إليهما رضوان الله عليهما.

   أفق العبودية الحقّة

لقد توجّه صرحُ المعرفة هذا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يطلب منه أن يعلّمه دعاءً يتضرع به إلى الله في صلاته، فيقوم الرسول بتعليم صديقِهِ الصدّيق الذي يطلب المعية معه هذا الدعاءَ الذي يعبّر عن التواضع والمحوية والخجل، ولو أن لدينا صديقًا كهذا يتحلى بالتواضع والإخلاص وسألَنا أن نعلّمه دعاء فإننا سنمطره بالمدح والثناء، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم بدلًا من أن يقول له ما قد يسعد قلبه من ثناء؛ فقد اهتمّ بالأمور التي ستسعده في حياته الأخروية، ولم يمنحه المقامات والحظوظ الدنيوية، بل على العكس تمامًا فقد راح يوجّهه إلى أفق العبودية الحقة لله تعالى.

ويبدأ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الدعاء بتلك الكلمات: “اللَّهمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا“، فلا يكتفي بأن يذكر كلمة الظلم بصيغة المفعول المطلق وما تحمله من دلالات تأكيدية بل يضيف إليها قيدًا لفظيًّا آخر، وهو: “كثيرًا”، وهكذا يكون فخر الإنسانية صلى الله عليه وسلم يقول لأقرب أصدقائه ناصحًا إياه أن يقول وهو بين يدي ربه: “كم ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا! وارتكبت من المعاصي ما لا يوصف ولا يسمى!”..

ويكمل الدعاء بقوله: “وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ“، وبهذه الإفادة يؤكد على أن الله وحده هو من يغفر ويعفو عن الذنوب، ويكمل بعدها بقوله: “فَاغْفِرْ لِي مغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي“، ويشتمل الدعاء على المعنى التالي: “يا رب! إنني لا أدري كيف ستغفر لي المعاصي التي ارتكبتها وهي كأمثال الجبال! ولا كيف يمكن أن تغفر لي وأنا حمّالُ المعاصي والآثام! فكيفما ستعفو يا الله بالتفاتك الخاص لحالي اعفُ عني وارحمني!”، ومن بعدها يقول: “إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمِ“، وبهذه العبارة فهو يتوجه مرة ثانية لرحمة الله ومغفرته.

من المعلوم أن الصلاة لا يصح فيها شيء من كلام البشر، ولذلك ينبغي أن تكون هناك حساسية عالية لما يردده المرء من أدعية أثناء الصلاة، فهذا الأمرُ مهمٌّ وحسّاس، لا سيما عند الأحناف، فهم لا يجيزون للمصلي أن يدعو أثناء صلاته إلا بأدعية قرآنية أو مستمدة من الأحاديث النبوية المشهورة والمتواترة، فأثناء توجهنا لجانب الحق جل شأنه وعندما نفرد أجنحتنا محلقين في طريقه فلا بد أن تكون ريشات أجنحتنا مستمدة منه سبحانه، لكنّ باقي المذاهب تتوسّع في هذا الأمر قليلًا، ولأن هذا الحديث الشريف من الأحاديث المأثورة ونُقل إلينا عبر قنوات صحاح؛ فالدعاء به أثناء الصلاة لا يكون محذورًا، ولا سيما أن سيدنا أبا بكر رضي الله عنه قد طلب دعاءً يتضرّع به في الصلاة على وجه الخصوص.

ويجوز الدعاء أثناء القيام والركوع والسجود في الصلاة، ولكن للدعاء أثناء السجود الأفضلية، فقد ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله: “أَقْرَبُ مَا يَكُونُ العَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ”،[4] ولأن السجود ذروة العبودية، فيوصينا الرسول صلى الله عليه وسلم ونحن في أقرب مكان من الله أن تكون أصواتنا وأنفاسُنا تلهج بدعاء الحق جل جلاله.

   مكانة سيدنا أبي بكر

عندما ننظر إلى حياة سيدنا أبي بكر رضي الله عنه نجد أنه قامةٌ شامخة؛ لم يرتكب -بحسب قوله نفسه- أي نوع من الحرام لا بعد الإسلام ولا قبله، وكانت نظرة سيدنا عمر إليه رضي الله عنهما هكذا: “لَوْ وُزِنَ إِيمَانُ أَبِي بَكْرٍ بِإِيمَانِ أَهْلِ الْأَرْضِ لَرَجَحَ بِهِمْ[5]، ويُحتمل أنه بعد إسلامه لم يمر حتى بخياله ولا بحلمه الإثم والظلم، ولو أن شهادتي تُقبل بحقه لشهدت بذلك أنا أيضًا، لكن ما قيمة شهادتي والملائكة في السماء شهودٌ له!

إن توصية سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدَنا أبي بكر بدعاء كهذا تظهر مدى تواضع سيدنا أبي بكر، وقدرته على الاستيعاب والتفهم.. إنه يعرف مكانه ويدرك موقفه أمام الله تعالى، ورسولُ الله أيضًا قال له ما قال لأنه علم أنه رضي الله عنه على وعي وإدراك لتلك الخصائص، ولما كان يعلم يقينًا أنّ صاحبه في الغار يمحو نفسه ويطهّرها باستمرار، وقد جعل التواضع والتفاني عمقًا في طبيعته فقد كان عليه الصلاة والسلام واثقًا من أن صاحبه سيتقبل هذا الدعاء بكل أريحية، وإلا فإن انزعاجَ إنسان -حفظنا الله- من النصيحة بمثل هذا ومقابلتَه بردّة فعل سلبية؛ يكون سببًا في سقوطه وهلاكه، ومع أن سيدنا أبا بكر لم يذكر شيئًا يتعلق بعدد مرات قراءته لهذا الدعاء لاحقًا؛ إلا أنه ربما يكون قد اتّخذه لصلواته وِردًا وللسانه ذكرًا.

وعلاوة على ما سبق فإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن خلال هذا الدعاء قد أعطى رسائل مهمة للأجيال اللاحقة من بعده، وبعبارة أخرى: كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي أمته رسالةً في شخص هذا الإنسان؛ إذ يعرف أن ذلك الشخص قدوة طيبة للغاية، فإذا كان سيدنا رسول الله يُوصي أقرب صحابته إليه -رفيقه في الغار والذي قال عنه “وزيري”- بأن يدعو هكذا، وأن ينظر هكذا إلى نفسه؛ فعلى أية حال يجب علينا نحن أن نكون أكثر حساسية ودقة في هذا الشأن.

والواقع أن هذا الدعاء يتطابق معنًى مع أدعية سيدنا آدم وسيدنا يونس عليهما السلام التي وردت في القرآن الكريم؛ إذ يقول سيدنا آدم عليه السلام متضرعًا إلى الله تعالى: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (سورة الأَعْرَافِ: 7/23)، ويقول سيدنا يونس عليه السلام: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (سورة الأَنْبِيَاءِ: 21/87).

   مفتاح الخير كله: التواضع والتفاني

أجل، إن الحق تعالى يستطيع أن يسمو بنا ويرفعنا بالتفاتاته السبحانية، وإحساناته الربانية، وإكراماته الإلهية، ويمُنَّ علينا بواردات وَهِبات مختلفة، فإذا ما بذلتم مجهودًا جادًّا للتوقف عن تخيُّل أنفسكم دائمًا في قاع البئر، ومشاهدةِ السماء من هناك وبذلتم جهدًا حقيقيًّا للحصول على أوجه الحسن والجمال التي ترونها فإن الله تعالى قادر على أن يبارك في قليلكم ويكثره ويزيده، إن تحبوا الله يُحببكم، وإن تطلبوا رضاه يرضَ عنكم، إن تبكوا مثل أيوب عليه السلام، وتفيض دموعكم مثل الجداول فإنه لا يردّكم خائبين، ويجعل دموعكم وسيلة إلى الهدف، فقد قال في حديث قدسي: “إِذَا تَقَرَّبَ العَبْدُ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِذَا تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا، وَإِذَا أَتَانِي مَشْيًا أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً[6]، أي إنه يقابل أبسط قُربات العبد بأضعاف أضعافها.

وعليه فإن الله تعالى لا يترككم وحيدين، وإنما يوصلكم إلى القمم من خلال ترقيتكم بكل عمل صالح تعملونه، وبفضل العبادة والطاعة يأتي يوم تحدون فيه أنفسكم في السماوات، وتنظرون إلى كل شيء نظرة مخروطية، وحين يصل الإنسان إلى نقطة كهذه يجب عليه ألا يُهمل قول: “يبدو أنني تائه! فهذه منزلةٌ لم أكن أنا الحقير أهلا لها!”، وحتى وإن قَدِر على إنجاز أعمال عظيمة جدًّا، وأدى مهام كبيرة للغاية، وحقق نجاحات مُبهرة فيجب عليه ألا ينسى أن “النفس أدنى من الكل، والوظيفة أسمى وأعلى من الكل”، وعليه أن يمتثل قول الشيخ محمد لطفي أفندي:

الجميع جيدون وأنا الحقير

كلُّ عبدٍ هو قَمْحٌ وَحَسَن

الجميع قمح، وأنا التبن

وَوَحْدِي أَنَا التِّبْنُ وَوَحْدِيَ الْقَبِيحُ

وإلا فإن من يرى نفسه في القمم، وأسمى من القمم لا مفر من أن ينقلب على رأسه يومًا ما؛ فيتدحرج في وادي غيٍّ دون وعي.

الواقع أن هذا إحدى ثنائيات المؤمن، فمن ناحية تسعون إلى معرفة الحق تعالى بأسمائه وصفاته، ومن ناحية أخرى تكونون حذرين، واعين بموقفكم وحقيقتكم مهما ارتقيتم وعلوتم.

وزيادةً في التوضيح تستطيعون أن تكونوا وسيلةً لتشكّلات وانفتاحات وفتوحات جديدة كي يتردد اسم الحق وتحلق الروح المحمدية في جميع أرجاء الأرض، وإلى جانب رقيّكم الشخصي تكونون وسيلةً لرقيّ وازدهار روح الإسلام والإحسان، ولكن العظمة الحقيقية هي عدم الانهزام للعُجب والغرور إزاء هذا كله؛ والتخلص من فكرة “أنجزنا أعمالًا عظيمة”؛ فكما أن الكبر والغرور مفتاح جميع الشرور؛ فإن التواضع والتفاني والحياء مفتاح جميع الخيرات.

لهذا السبب يجب على المؤمن دائمًا أن ينحني تواضعًا مثل العصا إزاء كثرة النعم التي يحظى بها، وروعة الإنجازات التي يُوفَّق إليها، فما يليق بالمؤمن ليس التكبر والتفاخر إزاء النجاحات والإنجازات، بل تفكّره بأخطائِه وذنوبِه مثلما فعل سيدنا أبو بكر، ولجوؤُه إلى رحمة الله تعالى ومغفرته، ذلك أن مضاعفة الله تعالى مظاهر إحسانه وإكرامه وإنعامه على عبده مرهون بتواضعه وتأدبه دائمًا أمام ربه تعالى، على العبد أن يشعر كلّما رفعه الله تعالى، بأنه في بئر أعمق، فإن تصوّرَ أن مظاهر الإحسان والحظوة التي نالها هي من عمل نفسه ومن عنده سلبه الله تعالى إياها يومًا ما.

ويمكننا هنا أن نتذكر قول سيدنا عليٍّ رضي الله عنه: “كُنْ عِنْدَ النَّاسِ فَرْدًا مِنَ النَّاسِ”، ومن يعيش وفقًا لهذه الفكرة فقد ابتعد عن فكرة التفوق والتعالي على الغير، وتخلّص من مرض رؤية النفس أسمى من الآخرين، بل يجب على المؤمن الحقيقي ألا يرى نفسه أفضل ممن يبدون مجرمين ومذنبين؛ لأن الله فحسب هو من يعلم الوضع الحقيقي لكل إنسان، وهو المطلع على قلبه.

وحاصل الكلام أن ما يضمن طلب المؤمن الذُّرى دون أن تزلّ قدمه ولا يزيغ بصره، وبقاءه في أمن وطمأنينة مرهونٌ برؤيته نفسَه إنسانًا عاديًّا يسير على الأرض، مهما ارتقى، ومهما حلّق في الآفاق وطاف.

***

[1]  صحيح البخاري، الدَّعَوات، 16.

[2]  صحيح البخاري، المناقب، 33؛ صحيح مسلم، اللباس والزينة، 42.

[3]  سنن الترمذي، المناقب، 46؛ مسند الإمام أحمد، 1/134.

[4]  صحيح مسلم، الصلاة، 215.

[5] البيهقي: شعب الإيمان، 1/143

[6] صحيح البخاري، التوحيد، 50؛ صحيح مسلم، الذكر والدعاء، 2.

الأجيال التي نشأت في فراغ إيماني ورموز الإصلاح

Herkul | | العربية

من المؤسف أننا نعايش ومنذ عدة قرون موجةً لإبعاد الناس عن الإيمان بالله تعالى، واستئصالِ حبِّ النبي عليه الصلاة والسلام من الأذهان، وإمحاءِ حسّ العبودية، فلم يبق هناك شعورٌ بالخضوع والخشوع، وترَكَ الإسلام الحقيقي مكانه للإسلام الشكلي الظاهري، إلى أن ذاب الحماسُ وانمحق من القلوب، وضاعت الحساسية في المشاعر تجاه الحق تعالى، انسلخت الأرواح وولّت، وخَبَتْ حياةُ القلب، وتلوَّثَ المنطقُ والمحاكمة العقلية بلوث العصر، وانهزم البشر لأهوائهم ونزواتهم، ويشيرُ إلى ذلك الأستاذ “بديع الزمان سعيد النورسي” بقوله: “قلعةٌ خربةٌ منذ قرون”، أما الشاعر “محمد عاكف أرصوي” فإنه يصور الحقبة التي عاشها بهذه المصاريع:

أينَ الإسلام؟ بل أين الإنسانية؟

لقد افتقدناهما كلّيًّا وبالتمام

 

فإذا كانت الغاية خداع العالم؛

فلن يُخدَعَ أحدٌ في هذه الأيام

 

وكم من مسلم حقيقي عرفتُ!

إلا أنهم في القبر يرقدون تحتَ الركام

 

لستُ أدري أين أجِدُ الإسلام!

كأنّه في السماوات العُلى فوقَ الغمام!

إذا ما طرحتم الجانب الذي يدفع إلى اليأس؛ فهذه هي حقيقة الأمر، إنها قطعةٌ شعريةٌ رائعةٌ في رسم حالنا وتصويره.

شاشات التلفاز والحاسوب والهاتف تصبُّ باستمرار شتى أنواع اللوث في أذهاننا، والعين تثير المشاعر السلبية، والقدم تنزلق نحو الذنوب مباشرة، والأذن تسمع ما لا ينبغي لها أن تسمعه، واليد تمتد إلى الحرام… وكم من جرائم وجرائم تُتركب بهذه الصورة! يُجرح القلب بضع مرات يوميًّا، وفي الآخرة لا يُقبل إنسان يحمل قلبًا كهذا! ولا سيما إذا كان لا يستشعر غصَّة السلبيات التي يتعرض لها، ولا يتوجه بهذا الخوف إلى رحمة ربه الواسعة! وهذا يعني أنه عندئذ يرحل إلى الآخرة بلا زادٍ زاهدًا ومستغنيًا عمّا عند الله تعالى.

كيف تستشعر هذه الأدمغة -التي تلوَّثت إلى هذا الحد- الحق تعالى بشكل صحيح! وإلى أيِّ مدى تستطيع أن تعرف سيد الأنام! لا أعرف كم مرة يجب أن ننظف أذهاننا يوميًّا حتى يتسنى لنا الاقتراب إلى الأشياء الطاهرة بطهر ونقاء، إن اللامبالاة في مواجهة الذنب والإثم ذنبٌ أكبر من الذنب، وهو مما لا يُغتفر، والتحلُّلُ من المسؤولية بقول: “ما ذنبنا!”، واعتبار المرء نفسه بريئًا إثمٌ عظيم، ذلك أن إنسانَ اليوم ما زال يتصرف وكأن شيئًا لم يكن على الإطلاق.. وكما أن من وُلدوا في الظلام لا يعرفون النور، ومن نشؤوا في الشتاء لا يعرفون الربيع؛ فإن إنسان عصرنا الذي نشأ في حقبة حالكة الظلام منذ ثلاثة قرون مضت دون أن يرى ربيعًا أو صيفًا؛ يجد التلوث والروائح الكريهة المحيطة به أمرًا طبيعيًّا.

ولأننا نشأنا في فراغ إيماني فإننا لا نستطيع معرفة القيم الخاصة بنا ولا نقدرها حق قدرها، وما استطعنا هضمها ولا جعلها جانبًا من جوانب طبيعتنا، ولو أننا استطعنا فعل هذا لَالْتزمنا الاستقامة دائمًا في جلوسنا ونهوضنا ونومنا وحديثنا وتفكيرنا؛ نفكر باستقامة، ونتنفس باستقامة، ونتصرف باستقامة، ونعامل الآخرين أيضًا في إطار الاستقامة، نسأل الله أن يهنأ من عملوا في المساجد ومراكز تعليم القرآن ومدارس الأئمة والخطباء والمدارس الشرعية، وأخذوا بأيدينا.. فلولاهم أيضًا لما تحصَّلْنا ولو حتى على المعلومات البسيطة التي لدينا الآن.

إلا أن ما سمعناه وتعلمناه ظلَّ ضمن أطر التنظير، ولم نستطع أن نجعله جزءًا من وجداننا وضميرنا، وعجَزْنا عن تكوين كرةٍ من المعاني بداخلنا بحيث تُحركنا مثل الدينامو، وتدفعنا باستمرار إلى الخير والاستقامة.. إننا لم نستطع أن ندرك أفق العلاقة التي تقشعر فيها أبداننا عند ذكره تعالى، تأخَّرْنا في معرفة الله ومحبته؛ لأن من علمونا الإسلام دائمًا ما تجولوا حول النظرية، فكانوا لا يدرون شيئًا عن هؤلاء.

   الإسلام الشكلي

وعليه فإن الإسلام الذي يعيشه الناس في يومنا الحاضر إنما هو إسلامٌ تقليدي.. إنهم يعيشون دينهم كما رأوا من أجدادهم، فما تتجاوز العبادات عندهم الشكلَ، لقد وقَعْنا في هذا المَزْلَقِ ولم نُعطَ الفرصة للاطلاع والشعور ومشاهدة حقيقة وعمق الدين الذي نعيشه، لهذا السبب أيضًا لم نستطع أن نرى الإسلام ونتعرف عليه من مستوى وفلك مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم، ظَللْنا بعيدين عن الإسلام الذي عاشه الخلفاء الراشدون والصحابة كل البعد، ما تسنى لنا أن ندرك أفق أمثال الأئمة أبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد بن حنبل رضي الله عنهم.. وما استطعنا اتباع منهج الشيخ الجيلاني والإمام النقشبندي ومولانا خالد والإمام الرباني قدس الله أسرارهم؛ ما قدرنا أن نرتقي بعبوديتنا إلى مستواهم، لقد ظَللْنا غرباء وفي منأى عن مشاعر وأحاسيس هؤلاء الأشخاص العظام الذين يقفون حتى الصباح بين يدي الله خشوعًا وخضوعًا والتجاءً وتذلُّلًا وتعبُّدًا.

تُرى لماذا كان مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم يتعبد حتى تتورم قدماه؟ ما الذي كان يُخيف الصحابة الكرام رضوان الله عليهم من أن يموتوا منافقين؟ ما المخاوف التي كانت تُغرق أولياء الله الصالحين في دموعهم؟ إذا ما فُحصت حياة معظمهم بدقة وعناية لما وجدتم ذنبًا ولو بقدر جناح بعوضة.. لقد كانوا يتلوّون ألمًا حتى بسبب بعض المواقف التي قد تعلق بخيالاتهم وتصوراتهم، والتي يعتبرونها من وجهة نظرهم غير لائقة بهم، بل إن معظمهم كان يخاف من ألّا يُختَمَ له على الإيمان.. أحد هؤلاء هو “الأسود بن يزيد النخعي” (ت: 75هـ) من التابعين العظام، حيث راح يبكي بحرقة حين أوشك أن يُسلم روحه إلى بارئها، فقال له قريبُه “عَلْقَمَة بن قيس” (ت: 681م): “ما هذا! هل تخاف من ذنوبك؟” فابتسم سيدنا “الأسود” متألمًا وردَّ عليه قائلًا: “أيُّ ذنب! إنني أخاف من أن أموت على الكفر!”، وبعد موته رآه علقمة في منامه فسأله كيف عامله الله تعالى، فأجابه قائلًا: “والله ما بقيت بيني وبين الأنبياء إلى مسافة أربعة أصابع”.

إن مَن لا يخشى على نفسه من سوء العاقبة هو مَن يجب أن يُخشى عليه مِن سوءِ عاقبته، فَمَن لا يحمل في قبله ووجدانه همَّ وخوفَ الرحيل إلى الآخرة حريٌّ أن يُخاف على عاقبته، إن هؤلاء الأشخاص العظام لما خافوا في الدنيا أمنوا في الآخرة؛ ذلك أنه ورد في الحديث القدسي أن الله تعالى لا يجمع بين أمنين ولا بين خوفين[1]، وبالتالي فإن من يترك لنفسه الحبل على غاربه، ويعيش حياة خالية من قيود الحذر والحَيطة يكون قد عاش الأمن والطمأنينة هنا، ولم يترك شيئًا للآخرة، والحال أنه يجب على الإنسان أن يحمل في داخله دائمًا همَّ الآخرة، وأن يقول: “أنا مرشح للأبدية، لرؤية جمال الله، لمقام يقول فيه تعالى “أنا راضٍ عنك”.. فيستحيل استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير”، ويجب عليه أن يعيش حياة حسّاسةً إلى حد كبير طلبًا لنيل هذه الأشياء الثمينة، وأن ينشغل ويهتم خوفًا من أن يفقدها بعد أن ينالها.

لقد نسينا هذه الملاحظات كلها في ظلِّ عواصف العصر، وظلّ الإسلام مربوطًا بالشكل، وبمعنى أصح لم يبق شيء كثير يمكن أن يفعله المسلمون من أجل إصلاح مستقبلنا.. ومثل هذا الفهم للإسلام لا يمنحنا أيَّ أمل ولا طاقة على الإطلاق، إننا وإن نكرر حياتنا خمسين مرة بنفس المنهجية الدينية التي تعلمناها من أجدادنا فإننا لا نستطيع أن نفعل شيئًا، ولا أن نبلّغ العالم شيئًا على مستوى الخلفاء الراشدين، ذلك أن أولئك الناس غيروا وجهَ العالم في حقبةٍ زمنية قدرُها ربع قرن من الزمان، وتلك النجاحات ليست مما يتحقق بالقوّة أو القدرة فحسب، وليست بإسلام لا يتجاوز كونه شكليًّا؛ إنها قضايا تُحَلُّ بلغة القلب والروح.

وكان “السلطان أحمد” يقول في عصر ازدهارنا:

بفراقك سيدي لم تبق فيَّ طاقة،

تمزق هذا القلب، ولم تبق في العشق محبة

لقد أبكاني أنا المسكين ذلك الحكم والقضا

فلم يتبق من البكاء لسيدنا يعقوب أية نوبة

كم هو مؤلم أن يتحول بنا الحال من مثل هؤلاء السلاطين لأناس مجانين مهووسين بالسلطنة والسلطة! والمجتمع أيضًا متذبذب مثل الأفراد تمامًا، فأحيانًا يسابق الملائكة، وأحيانًا أخرى يعيش انقباضًا مُريعًا، يُضيّق الفضاءات التي في ماهيته ويقلّصها ويخنقها، وبدلًا من أن يعمل على انفتاح فضاءات روحه يحبسها في ضيق الجسم وقوقعته.

إن الناس في عصرنا يعيشون خريفًا حقيقيًّا مقارنة بالعصور الوردية التي كانت في الماضي، والأكثر من هذا هو عجز البعض حتى عن إجراء هذه المقارنة! كم تردينا حتى إننا لا نستطيع الشعور بهذه الأعماق، ولا إجراء هذه المقارنات، إن العالم الإسلامي يحترق مستعرًا، ويُداس شرفنا وعزتنا تحت الأقدام، ومع ذلك لا نحزن ولا نتأثر! إننا نبخل حتى عن أن نذرف بضع قطرات من الدمع في هذا الشأن، وإن كانت الأمارات الخاصة بالبعث والإحياء محفوظة مستورة فإنني أظن أنه لم يحدث جدب ولا جفاف في أية فترة من التاريخ بقدر ما حدث في عصرنا، إنني أتردد دائمًا فيما إذا كان قول هذا صحيحًا أم خطأً.

وبالرغم من كل هذا أتمنى أن يكون لدينا توقع صادق ومخلص، ليتنا نستطيع القول: “تُرى هل هناك زمان أو يوم آخر من أيام الله؟” إنها الأيام التي حلَّق فيها الاسم الإلهي الجليل عاليًا، وعاش الناس حياتهم في طمأنينة خلف سيد الأنام، إن مثل هذا الفضول والتطلع يدفع الناس -على الأقل- إلى البحث عن الأيام الطيبة والمشرقة، يستحيل عليكم أن تجدوا شيئًا ما لم تبحثوا عنه.. وكما هو مذكور في أحد الأحاديث النبوية الشريفة فإن من يعيش بداخله قلقًا وهمًّا يخرج في رحلة السَّحَر، ويتوج سجادته بالتهجد والدموع، ومن يفعل هذا يصل إلى منزله ومستقره، لكن الإنسان حين يعتبر كل شيء يعيشه طبيعيًّا، ولا يكون لديه أيُّ فضول ولا رغبة، أي حين لا يقول “تُرى أليس هناك ما هو فوق ذلك؟”؛ سوف يُحكم عليه بالركود والثبات مكانه.

   إعمار قلعتنا الخربة منذ عصور

ينبغي علينا إعادة إعمار قلعتنا الخربة منذ عصور، فالإنسان الذي تعرَّضَ عالمه الروحي والمعنوي للشلل يجب إعادته إلى ماهيته الإنسانية كرة أخرى، فليس من السهل توجيهه نحو إحياء حياة القلب والروح من جديد، فكما أن إصلاح جهاز صغير يحتاج إلى علم وممارسة جادة، فما بالنا بإصلاح القيم المعنوية التي انقلبت رأسًا على عقب! لا شك أن الأمر يحتاج إلى همة عالية وجهد مكثف. نعم، يجب إصلاح القلوب الخربة، وإثارة حماستها من جديد، فإحياء الشعور الإسلامي المفقود يحتاج إلى بذل جهد كبير.

والذين يقفون في الصلاة أمام الله تعالى بغير إدراك ووعي من أمثالنا من المسلمين الشكليين لن يستطيعوا إصلاح هذه التخريبات العظيمة، وبغضِّ النظر عن إعمار القلعة العظيمة، أو إرشاد العامة للتمسك بالدين، فإن إيماننا هذا عاجزٌ عن إصلاح عالمنا الداخلي أصلًا، لأن الإسلام الشكلي لا يحل أية مشكلة، بل إن كل الشجارات المصنوعة باسم الإسلام تعود أصولها وأسبابها إلى الإسلام الشكلي، ومع الأسف فمن ناحية هناك جهّالٌ يقومون بتفجير أنفسهم وقتل الصغار والشيوخ والنفوس المعصومة باسم الإسلام ويظنون أنهم يخدمون الإسلام، ومن ناحية أخرى هناك فاقدو الحس والشعور الذين لا يبالون بأي شيء، وكما أن العنف والإرهاب والوحشية لن تحقق شيئًا فكذلك فقدُ الحس والشعور.. ودع عنك الحديث عن تعميرهم للقلعة الخربة منذ عصور، وتعمير القيم المنهدمة وإقامتها لتقف على قدم ثابتة من جديد، فإنني أعتقد أن هؤلاء لن يتمكنوا من مداواة جراحهم الداخلية أصلًا.

ولذلك ينبغي على الذين نذروا أنفسهم للإصلاح إعادة النظر في عبوديتهم، وفي صلتهم مع الله سبحانه وتعالى، عليهم أن يربطوا عبوديتهم بملاحظة أن الحقَّ مطلع عليهم وناظر إليهم في كل وقت وحين، ولذلك فالواجب عليهم أن يزيلوا كل الوسائط وأن يتوجّهوا مباشرة إلى طريق سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والدخول في عالمه، وإدراك معنى الإسلام هناك.. وبدلًا من التوجه لمن يتقدمون الناس ويتزعّمونهم بعمائمهم وجببهم فالأولى التوجه إلى سيدنا أبي بكر الصديق وإلى سيدنا عمر الفاروق وإلى سيدنا عثمان وإلى سيدنا علي رضي الله عنهم أجمعين، فهؤلاء هم من يجب أن يكونوا قدوةً نهتدي بهديهم… والحذرَ الحذرَ من التعثر بالذين يقومون بمهامهم الدينية كأنهم ممثلون في المسرح أو كشخصية في أحد الأفلام أو المسلسلات من أصحاب الإسلام الشكلي..  إنما الواجب هو التوجه مباشرة إلى عصر السعادة ومعاينة حياة أربابه والمواظبة على الطريق الذي ساروا عليه.

وعلى الذين نذروا أنفسهم للإصلاح والتعمير أن يمتلكوا طاقة لا تنضب، وحماسة تمكنهم من الاستمرار في الطريق دون تعثر، وأن يبقوا عالمهم الوجداني طاهرًا على الدوام متجهزين لتوجه الله تعالى.. وما يشرحونه لا يكون بالألفاظ فقط بل هو أمانة استودعوها أحوالهم وأطوارهم، لأن كل أمر لا يصبح جزءًا من القلب ولا يُـمثَّل بالحال والطور لا يمكن أن يجد في قلوب الآخرين صدًى له.. إن الواردات لا تتنزل على الأرواح الميتة ولا القلوب الملوثة، أما الوجدان المنطفئ والعقول المتوقفة عن العمل فليس لديها ما تقدمه للآخرين.

وإذا أردنا أن ننجو من الظلمة التي نعيشها منذ ثلاثة قرون فعلينا بالتوجه إلى الله سبحانه وتعالى، فهو صاحب القدرة القاهرة والإرادة السبحانية، ولو تفضّل علينا بتوجهه ستتنور دنيانا وعقبانا معًا، وبقدر ما تفتحون وجدانكم للحقّ جل وعلا فستنفتح لكم صدور الناس، وبقدر ما تتوجهون إلى جناب الحق سيتوجه الخلق إليكم، وإن لم يحدث هذا اليوم فسيحدث غدًا..

   الشكل قنطرة للوصول إلى الحقيقة

إذًا، هل ما يقوم به المسلمون من عبادات شكلية يذهب سدًى؟ هذا ما لا يجوز لنا قوله، بل على العكس إن الشكل يُعد قنطرة موصلة للحقيقة، ولكن المهم هو عدم الاكتفاء بالشكل وبما تعلمناه في الكتاتيب ونحن صغار، ومواصلة الطريق للوصول إلى حقيقة الأمر، وهؤلاء الواقفون على قنطرة التقليد عليهم العمل للوصول إلى التحقيق..

إن علماء أهل السنة أقروا إيمان المقلد واعتبروه، فما هو الإيمان التقليدي؟ هو ما وجد أجداده عليه من إيمان وتلقّاه منهم أقوالًا وأفعالًا، ولكن دون أن يكتشفه بذاته أو يشعر به، ودون أن يكتسبه كعمقٍ في طبيعته، ويرى علماء أصول الدين أن هذا الإيمان مقبولٌ، لماذا؟ لأن هذا الطريق يُعد أول مرحلة، وقنطرةً للمرحلة التي تليها، وعلى الإنسان ألّا يبقى في هذه القنطرة، بل يمر من خلالها كي يصل إلى الحقيقة، ولكن إن لم تصلوا إلى التحقيق وبقيتم في أماكنكم، فوفقًا لرؤية أهل السنة الواسعة والرحيمة ستنجون، وعليكم ألا تنسوا أنكم عرضة للوقوع والزلل في كل وقت، فَقَدَرُ الواقفين على قنطرة التقليد السقوطُ معها إذا انهارت، نسأل الله السلامة للجميع.

نعم، يجب ألا نكتفي بالإسلام الشكلي ونسعى دائمًا للوصول إلى العبودية الحقيقية، فالأستاذ النورسي يقول بأن وقوف المرء في مكانه واكتفاءَه بذلك يُعدّ من قلة همته، والأليق بالإنسان أن يكون دائم السير في أفق “هل من مزيد؟” فعليه أن يستنطق كل شيء، ويبحث دائمًا عن أجهزة عرض متنوعة للحقيقة، وعليه ألا يتعثر أثناء بحثه بفلان وعلان، ولا ينخدع بالمظهر والزي، بل عليه أن يتوجّه إلى مداره الأصلي، وأن يوجّه النظر إلى القلب، والحماسة البادية على سيماء الوجه، والدموعِ الساكنة في العين، والإخلاص الداخلي، فالمتصفون بهذه الصفات هم القدوة وسبيلُهم موصلٌ إلى الله سبحانه، وإذا تُرك هذا الطريق فالمصيرُ هو التعثُّر في الشكل والصورة، والانخداع بالإسلام الشكلي السائد.

إن المستقبل أمانة من الله لأوليائه، وهؤلاء هم الذين يضبطون أفعالهم وحركاتهم بقدر عمق شعورهم بصلتهم مع الله تعالى، ويغذون إيمانهم بالعمل والفاعلية، ويتوجون الإيمان بالإحسان، ويسارعون دائمًا نحو “معية الله” وينقّبون عن الطرق الموصلة إلى القرب من الله تعالى ومن رسوله صلى الله عليه وسلم، وينصتون إلى الله تعالى في كل خفقة قلب، أما الهدف الذي يجعلونه عرشًا على عالم مشاعرهم وأفكارهم فهو الحياة وفقًا للإسلام -أمانةِ سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم- بصورته التامة والكاملة وإحياؤه في نفوس الآخرين، ولذلك فهم دائمًا في جلوسهم وقيامهم يشيرون إلى الله تعالى ويرددون “صحبة المحبوب”، والجدية المرتسمة على أطوارهم وأسلوبهم والبادية على سيماهم تذكّر كلَّ من ينظر إليهم بالله تعالى، فالأولياء هم الذين يداومون على ما قام به الأوائل ويتوّجون كلّ ذلك برضا الله تعالى، والمستقبل سيكون عامرًا على أيديهم، وأسأل الله أن يجعلكم منهم.

   طوبى للغرباء

لقد تفضل الرسول صلى الله عليه وسلم في أحد الأحاديث الشريفة فقال: “بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ الَّذِينَ يُصْلِحُونَ مَا أَفْسَدَهُ النَّاسُ[2].

لقد بدأ الإسلام غريبًا، لأن إدراك دين التوحيد، وفهمَ رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، والتوجّه إلى جناب الحق، والشعور بلذة ونشوة هذا التوجه لم يكن ممكنًا لإنسان الجاهلية الذي كان يعبد الوثن والصنم، فالرسول صلى الله عليه وسلم أفاد أن الإسلام الذي نشأ غريبًا وسط الصحراء سيعيش غربة جديدة ومن بعدها يبشر هؤلاء الذين يتساءلون بِـهَـمٍّ في زمن الغربة بعد ما تبعثرت القيم وتهدمت عن إمكانية إصلاحها قائلين: “يا ترى هل من الممكن أن نقيم صرح الروح مرة أخرى؟”، وهذا يعني أن نيل هذه البشارة العظيمة لا يتحقق بالنوم كالمساكين، وإنما من خلال بذل الجهد والإصرار على تحقيق الأمر والعمل على استجلاب الربيع.

والذين أطلقوا لأنفسهم العنان في الراحة ستُمحى آثارُهم ويذهبون، إلا أنهم سيتركون للأجيال القادمة من ورائهم الكثير من الهموم والمشاكل، أما الذين يصرون على أسنانهم صبرًا في هذه الحياة ويظهرون قوامًا يقفون به خلف الصحابة رضوان الله عليهم؛ فسيتركون للأجيال من خلفهم دنيا عامرة، وفي هذه الأيام يبدو في الأفق الشفق الكاذب مبشرًا بالشفق الصادق، ولذلك فإنني لا أنظر إلى الأمور بنظرة سوداوية، فلقد بدأ المسلمون في تهجي القيم المترشحة من جذورهم الروحية والمعنوية، وسيأتي اليوم الذي يضعون فيه أجمل قافية لهذه القصيدة الشعرية، وأرجو أن تكون قافية هذا الشعر الصلاة على رسولنا صلى الله عليه وسلم.

***

[1]  انظر: ابن حبان: الصحيح، 2/406؛ البيهقي: شعب الإيمان، 1/483.

[2]  مسند الإمام أحمد، 2/177، 222؛ ابن أبي شيبة: المصنف، 7/83.

صرح العفَّة: يوسف عليه السلام

Herkul | | العربية

   سؤال: إلامَ يرشدنا موقف سيدنا يوسف عليه السلام تجاه الخطيئة في قوله: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ (سورة يُوسُفَ: 12/33)؟

   الجواب: عند النظر في قصة سيدنا يوسف عليه السلام نرى أن حياته كانت محاطة بالصعوبات والامتحانات منذ البداية؛ فقد أُلقِي في بئر وهو لا يزال صبيًّا حديث السن، وبيع في الأسواق مثل العبيد، وعاش بعيدًا عن بيته ووطنه، وافتُري عليه، وقضى زمنًا طويلًا في السجن.. ذلك لأن “أَشَدَّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ”[1]، لذا لم يتسنَّ لأي نبي أن يُبعث دون أن يذوق في حياته ألوانًا من الابتلاءات، ولو أمكن هذا لتحقق لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مفخرة الإنسانية؛ إلا أنه في مكة قد أُوذي وضُرب وأهين بأبشع الصور، وقُوطع وعُزل عن المجتمع، فلما استحال عليه العيش في مكة ترك وطنه في وحشة وكرب، إلا أنه لم يسلم من أذاهم حيث ذهب أيضًا، فهناك عانى كل أنواع الإيذاء والقسوة والجفاء.

إذا ما نظرتم إلى صفحات التاريخ، فسترون أنه إلى جانب الأنبياء، هناك الكثير من أولياء الله قضوا حياتهم في خضم آلاف الصعوبات وتعرضوا لشتى أنواع العذاب، وعلى حد قول ضياء باشا (ت: 1880م):

الجاهل يعيش في ترفٍ ونزهةٍ ورخاءٍ

والعارف يسبح في دوّامة المحن والبلاء

 فبينما ينعم أهل الدنيا والهوى بترف العيش؛ يواصل العارفون حياتهم في عوز شديد، هذه سنة الكون، ولا نعرف حكمة الله في ذلك؛ فربما يريد أن يفيض بالنعم والمنن في الآخرة على عباده الأصفياء الذين يحبهم زخًّا زخًّا.

   الإكرامات الإهية المترتبة على الامتحانات

طلب سيدنا يوسف عليه السلام إلى نيل ذُرًى أسمى من كل الذُرى رغبة منه في معرفة الله ومحبة الله، وقد أخضعه الله تعالى لامتحانات مختلفة ليُعلِمَه أن “الطريق إليه سبحانه يمر من هنا”.. إلا أنه عليه السلام لم يُبدِ أي استياء إزاء أيٍّ منها، وإذا ما واصَلْنا تناول المسألة وفقًا للبيان القرآني ترون أنه عليه السلام لم ينبس ببنت شفة لإخوته الذين ألقوه في البئر، ولا اشتكى حاله إذ مكث في السجن ظلمًا، على العكس من ذلك، إنه عندما وجد في السجن بعض القلوب متوجهة إليه دعاها فورًا إلى الحق تعالى، ومن ثم جعل من السجن مدرسة، ومن يدري أي نوع من الأسس وضعه هناك؟!، ثم أي نوع من الأنشطة قد بدأه هناك بحيث سيؤدي لاحقًا إلى إيمان الكثير من الناس؟!

وكما هو معلوم فإن أحد الامتحانات الصعبة التي تعرض لها سيدنا يوسف عليه السلام كانت تتعلق بعفته، وعلى النحو الذي ذكر في سورة يوسف فقد خرج سيدنا يوسف عليه السلام من البئر الذي أُلقي فيه على يد أفراد القافلة، وباعوه في سوق النخاسة في مصر، واشتراه عزيزُ مصر، واتخذه ولدًا له وآواه، ونشأ وتربى في القصر، ولما صار شابًّا وسيمًا يجذب الانتباه، عرضت عليه امرأةُ العزيز الفاحشةَ، فرفض هذا العرض القبيح بقوله ﴿مَعَاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ (سورة يُوسُفَ: 12/23)، ونجح بعفته في اجتياز هذا الامتحان.

وهناك قولان مختلفان بشأن لفظ “ربي” الوارد في الآية الكريمة؛ وفقًا للقول الأول المقصود بهذا اللفظ هو العزيز، وفي هذه الحالة يكون المعنى هكذا: “لقد احتضنني سيدي وآواني، فكيف لي أن أخونه متجاهلًا كل هذه النعم والفضائل؟!”، أما بالنسبة للقول الثاني فإن المقصود من لفظ “ربي” هو الحق تعالى، إذ يحتمل أنه كان يقصد النعم التي منَّ بها عليه مالكُ الملك والملكوت الحقيقي، أيًّا كان ما يفهمه مخاطبوه.

لقد أنقذه الله جل جلاله من مثل هذه الخطيئة منحة إلهية وكرامة ربانية عليه، فقد يمنح الله بعض الناس قدرًا كبيرًا من الإمكانات المادية، وقد يأخذ بيد البعض الآخر من الشارع ويضعهم في مناصب مهمة، ويهب بعضهم أولادًا صالحين، كل واحد من ذلك كرم إلهي عظيم، ولكن لا شيء أعظم من صيانةِ المرء عفّتَه وسمعتَه ومجدَه وشرفه، والتزامِ العفة مدى الحياة، وحفظِ العينين والأذنين عن التدنيس، والسيرِ إلى حضرة الله بحسن الخاتمة.. كلُّ ذلك يُعد واحدًا من أعظم أنواع الإحسان والنعم التي يهبها الله تعالى للإنسان.

وهكذا منَّ الله تعالى على سيدنا يوسف مثل هذه المنَّة، ولم يسمح لشيء أن يُخلَّ بعفته، واستطاع عليه السلام بكل نزاهته وعفته أن يتخلص من نداء الخطيئة هذا، ولما صار لاحقًا مطمح نظر النساء شعر بالقلق من أن الأمر سيصير أكثر تعقيدًا ففضّل دخول السجن حتى يتسنى له الابتعاد عن الفتنة والخطيئة بقوله: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (سورة يُوسُفَ: 12/33)؛ وبالتالي فقد أوفى بحق إرادته مرة أخرى، وقاوم الخطيئة، واستطاع الصمود والبقاء رمزًا للعفة.

لقد أصبح السجن منحةً إلهية ليوسف عليه السلام؛ لأنه صِين هناك وأدى رسالةً ووظيفة مهمةً على حد سواء، وانفتح له الطريق المؤدي إلى المكانة الرفيعة، ولأنه استغل هذه المنحة الإلهية استغلالًا جيدًا صارت المنح الواردة فيما بعد مظهرًا لدائرته الصالحة، فالمنح تولِّد المنح، لقد اتسعت دائرة المنح إلى أن جاء يومٌ صار فيه يوسف عليه السلام شعلة ضياء ومصدر نور لأهل مصر فأضاء عالمهم.. بل إن أطياف ذلك الضياء استمرت حتى عهد سيدنا موسى عليه السلام.

   العلاقة بين العفة والإيمان

ليتنا نحن كذلك نستطيع امتلاك الشعور والفكر نفسه إزاء الخطايا، ليتنا نستطيع مجابهة الصعاب بدلًا من الغوص في الذنوب وعصيان الله تعالى، إن هذا مرهون بالإيمان القوي بالله تعالى، فهو ليس أفقًا يمكن إحرازه بإيمان تقليدي أو نظري، والإنسان يمكنه أن يقبل أسس الإيمان كلها بقوله (آمنت بالله…) متأثرًا بالبيئة الثقافية التي ينشأ فيها، لكن الإيمان الذي لا يُدعم بالأعمال الصالحة ولا يتعمق بالتفكر والتدبر يصعب عليه للغاية حماية الإنسان من الخطايا، ومن لا يستطيعون أن يجعلوا الإيمان ملء ضمائرهم ووجدانهم، وجزءًا لا يتجزأ منها، وعمقًا من أعماق طبيعتهم يستحيل عليهم أن يُصبحوا رموزًا للعفة.

إذا كان الإنسان يريد أن يعيش بأمان في ظل اسم الله “المؤمن”، فعليه أن يحاول إدراك أفق الإحسان؛ وهذا يعني أنه يجب عليه ممارسة عباداته وعبوديته بإحسان وكأنه يرى الله، وأن يؤديها مدركًا أنه جل وعلا يراه ويراقبه، ومن يتحرك بشعور المراقبة في جميع الأوقات، أي إن من يحوِّل إيمانه إلى مكتسبات في وجدانه بشعور الإحسان سوف تتاح له فرصة العيش الطاهر النظيف تمامًا دون أن تخالطه أو تلتصق به أدناس الخطيئة، ولا شك أن من أحرز قمم الإيمان والعبادة والإحسان إذا ما عُرض عليه عمل قبيح سيئ سيقول: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (سورة يُوسُفَ: 12/33).

   مخالفة النفس

وكما يلاحظ في الآية السالفة الذكر أن سيدنا يوسف عليه السلام لا يترك الحيطة والحذر بالرغم من أنه رمز للعفة والنقاء، إذ يقول ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾، كما يقول في بقية السورة ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (سورة يُوسُفَ: 12/53)، فيؤكد أنه لا يمكن الوثوق بالنفس الأمارة، وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضًا يقول داعيًا الحق تعالى “يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ أَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ وَلَا تَكِلْنِي إِلى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ[2]؛ ذلك لأن المرء حين يختلي بنفسه ربما يأتي أفعالًا صبيانية، وربما يزل ويهوى، وقد ينخدع بحيل الشيطان وإغوائه، نسأل الله عز وجل أن يقينا مثل هذه المواقف والمحن.

وعليه فإن طريق التعبد السليم لله تعالى يمر من خلال معارضة أهواء النفس ونزواتها، وحتى تتسنى السلامة من ألاعيب النفس وحيلها وفخاخها يجب ابتغاء السبل الموافقة للإرادة الإلهية والاهتمام بالصدق والإخلاص، فإذا كنتم تضطلعون بأعمالكم كلها مراعاة لأوامر الله تعالى ونواهيه، فإنكم لا تسقطون في شراك النفس وشباكها، ويقول الإمام البوصيري في قصيدته “البُردة”:

وَخَالِفِ النَّفْسَ وَالشَّيْطَانَ وَاعْصِهِمَا   وَاِنْ هُمَا مَحَّضَاكَ النُّصْحَ فَاتَّهِمِ

أما في بيت آخر فيقول:

وَالنَّفْسُ كَالطِّفْلِ إِنْ تُهْمِلْهُ شَبَّ عَلَى   حُبِّ الرَّضَـــــاعِ وَإِنْ تَفْـطِمْهُ يَنْفَطِــمِ

أجل، إذا ما فُطم الطفل من الرضاع، وتحقق العزم والإصرار على تنفيذ ذلك فإنه لا يطلبه مرة ثانية، لكن الطفل إن لم يُفطَم في الوقت المناسب تعذّر فطامه بعد ذلك، وعليه فالمؤمن يجب عليه أن يكون حازمًا منذ البداية تجاه رغبات النفس وأهوائها، وألا يتهاون إطلاقًا في هذا الأمر، لدرجة أنه يجب أن ينظم حياته كلها ويقيمها على أساس مخالفة الشيطان والنفس، ولا سيما أنه أصبح من الصعب في عالمنا اليوم البُعد عن الخطايا بعد أن صارت أكثر شيوعًا وانتشارًا، وعليه فثمة حاجة ماسة للحيطة والحذر الدائم، واجتناب مواضع الشبهات.

   بناء الأسوار في مواجهة النفس

على الإنسان ألا يقع رهينة للنفس وألا يدخل في مجال تأثيرها بأن يقيم جدرانًا وأسوارًا دائمة بينه وبين الخطايا، وهو ما يُطلق عليه في المصطلح الديني اسم “سد الذرائع”، فقد وضع علماء الأصول مبدأً كهذا انطلاقًا من آيات كريمة مثل آية ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (سورة الأَنْعَامِ: 6/152)، وآية ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ (سورة الإِسْرَاءِ: 17/32)، فعلى الإنسان أن يُغلق من البداية السبيل المؤدي إلى الخطايا والآثام المحتمل أن ترتكبها أعضاء مثل اليد والرجل والعين والأذن واللسان، وأن يكون يقظًا دائمًا أمام أسباب الخطايا وسبلها، وألا يتجول في الأماكن التي يحتمل أن يقع فيها في الخطيئة والزلل محترزًا “على أية حال”، حتى لا ينفرج الباب لأن تُذله نفسه لاحقًا، وكما أنه من المقدر أو المتوقع أن تزل قدم من يسير في الثلج، أو تغوص رجل من يسير في الوحل، أو يغرق من يغوص في الأعماق دون معرفة السباحة فيحتمل كذلك أن من يدنو من الخطايا والذنوب ويحوم حولها يقع فيها، ذلك أنه بعد الدخول في طريق الذنوب يكون الرجوع منه والتصدي لرغبات النفس وأهوائها أصعب.

وقد شبه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحد أحاديثه الشريفة من يخرج بمفرده أو يخرجان بمفردهما في سفرٍ بالشيطان؛ وقال “الرَّاكِبُ شَيْطَانٌ، وَالرَّاكِبَانِ شَيْطَانَانِ، وَالثَّلَاثَةُ رَكْبٌ[3]، وبهذا يعلمنا ضرورة بناء أسوار وحواجز أمام الخطايا والشرور، والحذر منها منذ البداية، فاحتمالُ ارتكاب الفرد الواحد للخطإ مرتفعٌ، وحتى وإن كان احتمال ارتكاب شخصين للخطإ أقل بكثير من ارتكاب شخص واحد له، إلا أنهما قد يتفقان على شر معين، أما ارتكاب ثلاثة أشخاص لهذا الفعل فهو أقل وفقًا لحسابات الاحتمالات؛ لأن كل واحد منهم يراقب الآخر، ويصبح حارسًا على عينه ولسانه ويده وقدمه؛ فإذا كان أحدهم سيزل أو يتردى أمسك به الآخرون فورًا.

لهذ السبب، يجب على من يحرص على حماية نفسه من الأهواء والنزوات ألا يترك نفسه للوحدة؛ فمن ترك نفسه للوحدة فقد أهملها ولم يهتم بها، وإذا اعتبرنا أنفسنا غالية فيجب أن نتّخذ لها بعض الحراس بينما نخرج في طريقنا؛ فلا نُمكِّن الشيطان من أن يسرق قيمنا الخاصة بنا، ولا ندعها ضحية للنفس، ولا نضيعها بسبب الأهواء والرغبات.

نعم، إن العيش في جماعة -أي أن تكون في مجتمع متحد فكريًّا وشعوريًّا- سيقدم الجو المناسب كما تقدم الصوبة الزراعية ذلك لزروعها ونباتاتها، واللهُ يحمي الأفراد الموجودين في جماعة ويصونهم أكثر؛ فعناية الله بالجماعة مختلفة جدًّا، ومن يأخذ مكانه في جماعة لا يزل أو أنه نادرًا ما يزل، ذلك لأن أعضاء الجماعة يشبهون الحجارة المتراصة في القبة؛ فكما يمكن لهذه الحجارة التعاضد والوقوف معًا دون الوقوع والسقوط؛ فإن الأمر هكذا تمامًا بالنسبة للناس إذا شكلوا وحدة واحدة بتعاضدهم وتكاتفهم؛ إذ يحتمون بذلك من الانزلاق والسقوط، وخاصةً إذا عمقوا مجلسَهم بجلسات إيمانية، وأسد بعضهم الخير لبعض، وعززوا علاقاتهم وقووها، فإن الله يصونهم ويشملهم بحمايته، ويحفظهم من الانزلاق، لذلك من الضروري الانتساب إلى هيئة وطائفة صالحة.

   الدائرة المشروعة تكفي لتحقيق المتعة

ثمة أمر آخر يجب مراعاته من أجل عيش حياة تتميّز بالعفة، ألا وهو عدم السير في الاتجاه المعاكس للفطرة؛ وعدم إغلاق الأبواب أمام المتع والأذواق التي تكون في إطار الدائرة المشروعة، إن إغلاق الأبواب منعًا لاستفادة الشيطان من نقاط ضعفنا، وتدعيمها بالمتاريس من الخلف أمر مهم للغاية، ومن لا يستفيد من الملذات والمتع التي في الدائرة المشروعة، أي الذي لا يأكل ولا يشرب بقدر ما يحتاج إليه، ولا يتزوج في الوقت المحدد أو لا يستفيد من النعم الأخرى، يمكن أن يصعب عليه مقاومة حيل الشيطان والنفس، فعلى حين هناك إمكانية لحماية أنفسنا من بعض السلبيات عبر طريق الاكتفاء بالمتع والملذات التي في الدائرة المشروعة؛ فليس من الصواب أن ندين أنفسنا ببعض الحرمان دون وجود سبب قاهر يدفعنا إلى ذلك.

وهنا يجدر بنا أن نُذكِّر بأن هناك حالات خاصة ببعض الأشخاص لا يمكن أن تكون مثالًا وقدوة بالنسبة لنا، فهناك شخص واحد فقط يمكننا أن نتخذه قدوة لنا؛ إنه مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم، علينا أن نسعى إلى اكتساب نظرة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطعام والشراب والزواج والمنزل والمال والملك، واجبنا أن نتبع سبيل سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام أولًا، ثم الصحابة من بعده، ثم سبيل السلف الصالح من بعدهم، ثم سبيل العلماء والفقهاء، فالطريق طريقهم، والمنهج منهجهم، يجب علينا أن نُلجم رغبات النفس وأهواءها عبر اتباعنا هذا الطريق والمنهج، وأن نُلزم أنفسنا بما في الدائرة المشروعة من ملذات ومتع، ونغلق أمامها كل الطرق المؤدية إلى الحرام.

 ***

[1] مسند الإمام أحمد: 10/45.

[2] النسائي: السنن الكبرى، 6/147؛ البذار: المسند، 13/49.

[3] سنن أبي داود، الجهاد، 79؛ سنن الترمذي، الجهاد، 4.

المرشد القدوة: شعيب عليه السلام

Herkul | | العربية

   سؤال: ما الرسائل الموجهة إلى رجال الإرشاد في خطاب سيدنا شعيب عليه السلام قومه في قوله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (سورة هُودٍ: 11/88)؟

   الجواب: بادئ ذي بدءٍ من المفيد التأكيد على ضرورة معرفة خصائص الأقوام التي أُرسل إليها الرسل؛ من أجل فهم خطابات الرسل ونصائحهم فهمًا جيدًا؛ إذ ينبغي الانتباه إلى أن تصريحاتهم خاصة بظروف ومرحلة معينة، وأنها تشكلت وفقًا لمتطلبات بيئتهم الاجتماعية، وعند النظر إلى قصص الأنبياء المذكورة في القرآن يتبين لنا أن لكل قوم خصائصهم وعِللهم المختلفة.

وقد كانت مشكلة قوم سيدنا شعيب عليه السلام مختلفة عن غيرهم من الأقوام؛ فقد أُرسل عليه السلام نبيًّا إلى قوم مدين وإلى أصحاب الأيكة، وبحسب أحد التوجيهات الواردة في كتب التفاسير يُحتمل أنه عليه السلام نشأ في مدين، ولكنه كُلّف بإرشاد أهل الأيكة وتوجيههم أيضًا، ذلك أن القرآن الكريم حين تحدث عن إرساله عليه السلام رسولًا إلى مدين كان يستخدم عبارات ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ (سورة الأَعْرَافِ: 7/85)، (سورة هُودٍ: 11/84)، (سورة العَنْكَبوتِ: 29/36)، بينما لم يكن يستخدمها عند حديثه عن علاقته بأهل الأيكة قال تعالى ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ (سورة الشُّعَرَاءِ: 26/176-178).

وعند النظر إلى البيان القرآني يتضح أن كلًّا من تلك الأماكن كان مركزًا تجاريًّا مهمًّا في ذلك العصر، وقد حقق أهلُ هذه البلاد ثروات هائلة، فدفعهم ذلك إلى التعجرف، فكانوا يلجؤون إلى المضاربات في تجارتهم وبيعهم وشرائهم، فيختلسون أموال الناس، ويحتالون عليهم في البيع والشراء ويخدعونهم، وبالنظر إلى الآيات أيضًا يُحتمل أنهم كانوا يترصّدون طرق المنتجين ويشترون بضائعهم بثمن بخس، ويبيعونها للناس بثمن باهظ، ويفرضون الخراج على البضائع التجارية، ويأخذون ضرائب فادحة منها، ولهذا السبب فإن سيدنا شعيب عليه السلام أوصاهم دائمًا بالصدق والعدل في بيعهم وشرائهم، وألا يأكلوا أموال الناس بالباطل.

   الدعوة المشتركة بين جميع الأنبياء

على الرغم من تعدد أشكال دعوة الأنبياء أقوامهم بحسب أمراض ومشاكل مجتمعاتهم، إلا أن هناك حقائق ثابتة مهمة للغاية اتفق وركز عليها جميع الأنبياء الكرام، فمثلًا عند النظر إلى منهج الأنبياء في الدعوة، يتبين أنهم جميعًا يدعون الناس إلى التوحيد وإلى عبادة الله، فقد حاول جميع الأنبياء حماية أقوامهم من الكفر والشرك والضلال والإفساد، ولذلك فإنه على الرغم من أن الأنبياء العظام تناولوا عددًا من القضايا المتعلقة بالنواحي والظروف الداخلية لمجتمعاتهم التي نشؤوا فيها، إلا أن الغرض الرئيس من مهمتهم كان دعوة الناس إلى التوحيد والعبودية لله عز وجل.

وبالشكل نفسه أكد جميع الأنبياء أنهم لا ينتظرون مقابلًا ماديًّا ولا معنويًّا من أقوامهم لقاء وظيفة النبوة التي يؤدونها، وأن أجرهم على الله تعالى فحسب، فعند النظر إلى قصص الأنبياء الواردة في سورة الشعراء على سبيل المثال يتبين أن جميع الأنبياء قالوا بالإجماع ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (سورة الشُّعَرَاءِ: 26/109، 127، 145، 164، 180) وما قاله الحبيب النجار لمن عزموا على قتل الأنبياء المرسلين إليهم يشير إلى الحقيقة نفسها بقوله: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (سورة يس: 36/21).

وهذا يفيد أن أهم متطلبات النجاح في مهمة الإرشاد هو عدم التشوف لأي شيء، فمن لا ينتظرون أجرًا على ما قدموا من خدمات قد حافظوا على إخلاصهم، ونالوا ثقة الآخرين، بينما من يُديرون حياتهم وفقًا لتطلعات وأهداف معينة لم يثبت أنهم أوصلوا أتباعهم إلى شاطئ السلامة، وعلى حد قول نيازي المصري:

لا تركننّ إلى أيِّ مرشدٍ      فينقلِب الفسيحُ أمامك إلى مضيق

أما مَن استرشدَ بـ”المعصومِ”   سَهُلَ عليه اجتيازُ وسلوك الطريق

وإن نموّ الخدمات التي يجري تنفيذها وتعاظمها ككرة الثلج التي تكبر كلما تدحرجت مرهون بأن تُتوَّج بالإخلاص.

   نيلُ الثقة

دعونا ننظر الآن عن قرب إلى الآية الكريمة المذكورة في السؤال؛ فسيدنا شعيب يبدأ حديثه بقوله “يَا قَوْمِ“، ويُلاحظ هنا أن ياء المتكلم (ي) قد سقطت من كلمة “قوم”، وربما يشير هذا إلى حماس سيدنا شعيب عليه السلام واستعجاله هداية قومه، ويمكن أن نجد مثل هذا الأسلوب في مواضع كثيرة من القرآن الكريم.. ويواصل سيدنا شعيب عليه السلام حديثه إلى قومه بقوله ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ (سورة هُودٍ: 11/88)؟

يدعو سيدنا شعيب عليه السلام قومه بهذه العبارات إلى التفكر مذكرًا إياهم بنعم الحق تعالى عليه؛ وبذكره أن الأموال والنعم التي يمتلكها إنما هي رزق حلال من الله تعالى عليه؛ يكون قد ألمح إلى أن أرزاقهم ليست حلالًا.

 وفي موضع آخر يوضح لهم طرق الكسب الحلال؛ حيث يقول في آيات كريمة أخرى: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ * وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ * وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (سورة الشُّعَرَاءِ: 26/181-183).

وكما ذكرنا سابقًا فإن قوم سيدنا شعيب اكتسبوا ثرواتهم بالظلم والباطل، ولذلك يُحتمل أنهم يرون رسولهم -حاشاه- مثلهم في هذا الشأن، ويسيئون الظن به؛ ذلك أنه عليه السلام من نسبهم ونشأ بينهم، وللحيلولة دون وقوع مثل هذا الظن السيئ كان عليه السلام يبين أنه اكتسب أمواله بطرق مشروعة، فعن طريق بيانه أن الأموال التي يمتلكها إنما هي إحسان إلهي عليه، ورزق حلال طاهر طيب كان يدفع الشكوك التي يحتمل أن تدُبَّ في أذهان مخاطبيه، ويمكن اعتبار موقفه هذا بمثابة تقديم كشف حساب لقومه عما يملكه.

أجل، يجب على كل مرشد أن يكون جاهزًا لتقديم كشف حساب عن حياته للمجتمع الذي يعيش فيه؛ لأن نيله الثقة في نظر المجتمع مرتبط بهذا، وإذا نظرنا إلى حياة الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي نرى أنه بين في الكتب التي ألفها حساب كل شيء يمتلكه بدءًا من الثياب التي يرتديها وصولًا إلى الطعام الذي يأكله؛ لأنه إذا ما تكونت أية شبهة لدى الناس بحقكم كأنكم “تبددون ممتلكات الأمة أو تستأثرون بشيء من ممتلكاتها لأنفسكم”؛ فقدتم ثقة الناس بكم.

إن من خرجوا من مناطق عشوائية بالأمس، وبرزوا على الساحة ينادون بـ”الوطن” و”الأمة”، أصبحوا اليوم يعيشون في يخوت وقصور، وصاروا شركاء في مؤسسات، حتى إنهم أكسبوا أولادهم وبناتهم وأصهارهم الثروات الطائلة إلى جانبهم، يستحيل أن يكون أمثال هؤلاء مُقْنِعين ألبتة، وإنهم وإن أخفوا وجوههم الحقيقية اليوم بألاعيب وحيل مختلفة ولم يُشعروا أحدًا بثرائهم الحقيقي الذي يمتلكونه فسيأتي يوم ينكشف فيه كل شيء للعيان؛ فيفقدون كل الثقة والمكانة التي نالوها، ولا تبقى لهم أية قيمة تُذكر، بل إنهم يُلعنون متى ذُكروا، لذا يجب على المرشد الحقيقي أن يعيش حياته كلها بالعفة والعصمة، ويتجنب مواضع التُّهم، ويُشعر الناس بهذا أيضًا.

أجل، إن النبي العظيم عليه السلام كان بقوله ﴿وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ (سورة هُودٍ: 11/88) يوضح أنه اكتسب ما لديه من أموال بطرق مشروعة، ويبيِّن أنه لا يفعل مثلهم، فلم يدخل في مضاربات محرّمة، ولم ينهب أموال الأمة، ولم يرتشِ، ولم يغش ويحْتَل في بيعه وشرائه؛ فكسب ما كسب بطريقٍ حلال، وبإشارته عليه السلام إلى كل هذا كان يؤكد على أمانته وجدارته بالثقة، وفي الوقت نفسه كان يمهد الطريق للنصائح التي سيسديها إلى قومه لاحقًا.

   مطابقة القول العمل

وبقوله عليه السلام: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ (سورة هُودٍ: 11/88)؛ يلفت الانتباه إلى مبدإٍ آخر مهم في عملية الإرشاد والتبليغ، ألا وهو مطابقة القول العمل، فنجد النص القرآني في موضع آخر: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (سورة البَقَرَةِ: 2/44) يوبخ بني إسرائيل لقولهم ما لا يفعلون.

أما الآية الكريمة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (سورة الصَّفِّ: 61/2) فليست تعني “إذا كنتم لا تفعلون فلا تقولوا”، بالعكس تعني: “ما دمتم تقولون فامتثلوا فعل ما تقولونه”، لأن هذا هو السبيل إلى التأثير الحقيقي، ومرهون به حسن قبول المخاطَبين للكلام الـمُقال.

   السعي إلى الإصلاح

في الأمور التي نبه إليها سيدنا شعيب قومه بيَّن أنه لا يرغب في أن تخالف أفعالُه أقوالَه، ثم كشف عن رغبته الحقيقية بقوله ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ (سورة هُودٍ: 11/88)، وهنا يمكن رؤية مدى الحذر والحيطة الكامن في كلام هذا النبي؛ فكان يسعى إلى أن يسود الصلاح والسلام والطمأنينة بين الناس، ولأجل هذا أيضًا كان حريصًا منذ البداية على أن يصل بهم إلى سلامة القلب والروح والفكر والحس، لأن العاجزين عن إصلاح عوالمهم الداخلية يظلون عاجزين بالتأكيد أمام تحقيق السلام المجتمعي وتأسيس النظام الاجتماعي، ومع ذلك كان عليه السلام يبيِّن أن الإصلاح المراد مرهونٌ بقدر الاستطاعة.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحد أحاديثه الشريفة: “إِنَّ الدِّينَ بَدَأَ غَرِيبًا وَيَرْجِعُ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ الَّذِينَ يُصْلِحُونَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ مِنْ بَعْدِي مِنْ سُنَّتِي[1]، فبشر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله ذلك بمن يركضون من أجل تحقيق الإصلاح في زمن فسدت فيه الأسواق والذمم، وغرقت البيوت في الجهل، وعجزت المدرسة عن تحقيق المرجو منها، وخبا العشق والحماس في المساجد، وعاش المسلمون فيه غرباء؛ ذلك أنهم سيركضون من أجل إصلاح المجتمع في مواجهة المفسدين وأرواحهم فداءٌ لذلك.

لهذا السبب يجب أن يكون الإصلاح هو الشغل الشاغل للمرشد وهمّه الأوحد، عليه أن يكون همه إصلاح الناس، وليس إصلاح دنياه الخاصة به فحسب، فحين يتم إصلاح الناس لن تبقى هناك مشكلة على وجه الأرض، فقد عرفت الأرض المشكلات مع الإنسان، فلا يمكنكم التغلب على المشكلات ما لم تصلحوا الإنسان.

هذا النبي المبارك المدرك للعجز والضعف البشري كان يتجرد من قوته المحدودة بقوله ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (سورة هُودٍ: 11/88)، ويلتجئ إلى قوة الله تعالى المطلقة، لأنه كان يعلم جيدًا أن عناية الله تعالى هي مصدر جميع الإنجازات التي تتحقق؛ فبالاعتماد عليه واللجوء إليه يمكن تحقيق نجاحات حقيقية ودائمة، وعليه فإن ما يقع على عاتقنا هو أن نثق به عز وجل ثقة تامة ونعتمد عليه عند التخطيط والكتابة والحديث، بل وفي كل خطوة نخطوها، ونركن ونتوجه ونلجأ إليه جل وعلا فحسب.

***

[1] سنن الترمذي، الإيمان، 13.