ثنتان من المؤيّدات للحفاظ على نشاط الحياة الدينيّة

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ذكرتم من قبل أن الوسائل التي تحافظ على نشاط الحياة الدينية وهي التي نسميها بـ”المؤيّدات”[1] لها ركنان مهمّان؛ أحدهما هو: “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، وثانيهما: هو ما يُعرف باسم “الرقائق”؛ فهل تشرحون لنا هذين الركنين ولا سيما ما فيهما من جوانب تمسُّ عصرنا؟

الجواب: إن “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” هو دعوة الناس إلى فعل ما أمر به الدين، وتحذيرُهم مما نهى عنه، ويمكننا أن نعبر عن هذا انطلاقًا من العقيدة الماتريدية وقول فقهاء الحنفية فنقول: إنه أمرُ الناس بما حَسَّنَه العقلُ ونهيهم عمَّا قَبَّحَه العقلُ، وبتعبيرٍ آخر فإنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يعني نشْرَ كلِّ أمرٍ جميلٍ وحَسَنٍ وخيّرٍ بين الناس، وإثناءَ الناس عن كلِّ أمر قبيحٍ وبذيء وضارّ، وحمايتهم منه.

وظيفةٌ فرضٌ أسمى مِنَ الفرائض

ولقد استُخدمت وسائل شتّى منذ العهد النبوي الشريف من أجل تفعيل هذه الوظيفة بشكل منظّم يحتضن المجتمع بالكامل، فألقيت الخُطب والمواعظ والدروس وأقيمت حلقُ العلم ومجالسه حثًّا على ذلك، واستمرت تلك الفعاليات حتى يومنا هذا متّخذة أشكالًا وأنماطًا متباينة، وكانت الزوايا والتكايا تحتضن أكثر تلك الفعاليات نشاطًا وجذبًا وتأثيرًا؛ لأن من يعملون هناك كانوا ينادون على الأمة بأصوات قلوبهم، ويحاولون بضمائرهم التي تسبق منطقهم أن يؤثِّروا في قلوب الناس، مما أدى إلى تحقيق نفاذهم داخل أرواح مخاطبيهم بلسان “اللطيفة الربانية” و”السر” وربما بلهجة “الخفي” و”الأخفى”، وأغدقوا عليهم من الفيوضات عن أسماء الله الحسنى وصفاته و”ذاته البحت”؛ ما ضمِنَ المحافظةَ عليهم نابضين بالحياة.

ولمّا كان “الأمر بالمعروف والنهيُ عن المنكر” من المؤيّدات المهمة التي تساعد على حماية الحياة الدينية والإبقاء عليها نابضة حيّة؛ فقد عانت الحياة الدينية من الأفول والتراجع عندما أُهملت، واستغرب الناسُ القيمَ الدينية وابتعدوا عنها، ومُنعت الجوامع أن يُذكر فيها اسم الله تعالى في فترات معينة، وفقدت وظائفها ومهمّاتها في فترات أخرى، وانساق بعض الخطباء والوعاظ إلى المواضيع العادية والتافهة في خطبهم ووعظهم، فتقلصت أهمية المنبر وقلَّ تأثيره، ولذلك فقد حُجِّم دور “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، وحُجر عليه نوعًا ما ونُحِّيَ جانبًا وكأنه قيل له: “انتظر هنا قليلًا”، وإذا نظرنا إلى فترات القحط والجدب في الفكر والمشاعر الدينية يتأكد لنا أننا ما زلنا نتخبّط ونتعثر مقارنة بما كان في عصر السعادة، حيث إن هذه المشاعر الدينيّة أُهملت في وقتنا تمامًا، ولذلك فإنَّ هذه المهمة تقع على عاتق كلِّ واحد منَّا في يومنا هذا باعتبارها فرضًا أسمى من الفرائض، وهي ديناميكيّة يستحيل أن يملأ فراغها أو ينوب عنها شيء آخر في عمليّة الانبعاث من جديد.

الرقائق: رقة القلب الذي يرتجف خشيةً

أما بالنسبة للرقائق فإنَّها تُليّن القلوب وترققها لممارسة حياة دينية سليمة خالية من النقائص والعيوب، وتُحرك روح الإنسان، وتوجه الأنظار إلى الآخرة، وتُثير القلق في القلوب استعدادًا للحساب والميزان، وهي في الوقت نفسه تشتمل على الأمور التي تُجيّشُ مشاعرَ الأمل والرجاء في القلوب، وعليه فالرقائق وسيلة إرشادية متميزة خاصة بالمؤمنين، ومن خلالها تُطرَق المسائل الخاصة بالإيمان والإسلام، ولا سيما المتعلقة بعاقبة الإنسان مثل لقائه بِمَلَكِ الموت ودفنه، وعذاب القبر، وحياة البرزخ والمحشر والحساب والميزان والصراط.

ويُعدُّ كتاب “تنبيه الغافلين بأحاديث سيد الأنبياء والمرسلين” لأبي الليث السمرقندي (ت: 373ه/985م) أحد فقهاء الحنفيّة البارزين واحدًا من المؤلفات المهمة في موضوع الرقائق؛ حيث يتناول فيه مواضيع كالإخلاص والجنة وجهنم والميزان، وقد تحدث في القسم الأخير منه عن لقاء الشيطان برسول الله صلى الله عليه وسلم، وربما لم يُفعِّل الشيخُ أثناء تناوله لهذه الموضوعات كلّ أُسُسِ الجرح والتعديل وعلم الرجال، ولم يُعِر دراسةَ السلسلة والسند أهمّية كبرى، ولم يكن دقيقًا فيها بقدر دقة وحساسية الإمام البخاري ومسلم والنسائي، والأمر كذلك أيضًا في كتاب “إحياء علوم الدين” للإمام الغزالي؛ وذلك لأنهما لم يَرَيَا بأسًا في أن يُضمّنا كتبهما روايات ضعيفة بهدف الترغيب والترهيب.

أما الإمام القرطبي (ت: 671ه/1273م) الذي كتب في هذا الموضوع أيضًا كتابه الشهير بعنوان “التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة” فقد كان أكثر حساسية ودقة وحيطة، فمهارةُ القرطبي الذي يُعد من أعلام المذهب المالكي وحَذَقُه الظاهر في تفسيره أَمرٌ مُسلَّمٌ به، وثمة جانب آخر من جوانب شخصيته التي تُثير مشاعرَ الحيرة لدى الإنسان؛ ألا وهو وقوفه على جميع المؤلفات والعلوم التي دُوِّنت في الشرق برغم نشأته في الأندلس، ويمكن رؤية الدقة والحساسية نفسها عند أبي حيّان الأندلسي (ت: 745ه/1344م) الذي يشبهه أيضًا، فبالرغم من أنّ هذين العالمين نشآ في غرب العالم الإسلامي إلا أنهما وصلا إلى الكتب والمؤلفات التي دوّنت في بلاد إسلامية مختلفة مثل آسيا الوسطى والشام ومصر والمدينة المنورة وبغداد، ومن ثمَّ فإنَّ جهودهما الدينية والإيمانية جديرة بالتقدير والإعجاب.

وهناك الكثير من العلماء وقفوا وركزوا على المواضيع المتعلقة بالرقائق، والتي تُعتَبَرُ بدورِها واحدةً من المؤيدات المهمة لثبات الحياة الدينية وصمودها، وخلّفوا آثارًا في هذا، وكي تنعكس تلك الأمور على القلوب وتؤثّر في الأرواح يلزم بالدرجة الأولى أن يتوافر لدى المخاطبين إيمان سليم قوي، لأنه بقدر ما يرتقي الناس في مدارج الإيمان ومراتبِ اليقين يتقبلون ما قيل ودُوِّن، فيُقبلون على الحق تعالى، ويعبدونه ويطيعونه في عشقٍ وشوق إليه، ولا شك في أنّ تصرفات من اكتسبوا حساسية ودقة بهذا القدر تجاه المسائل الدينية ستولِّدُ تصرفات متميزة وفريدة للغاية تجاه المؤيدات المذكورة، وإلّا فإنّ ما يُقال من نصائح سيصطدم بحائط فولاذي، ولن يؤثر في السامعين والمخاطبين أبدًا.

مؤمنٌ حقيقيٌّ يخاف سوء العاقبة

وهنا أريدُ أن أتحدّث عن واقعتين عشتهما بنفسي علّهما تقدمان لنا فكرة في هذا الشأن؛ فقد كنت في الرابعة أو الخامسة عشر من عمري حينما وعظتُ للمرة الأولى في مسجد قريتنا، وإنني أحتارُ وأندهِشُ حين أنظر من نافذة اليوم إلى تلك الأيام؛ فكم كان أولئك القرويُّون مهذبين مؤدبين متواضعين! إذ كانوا وهم في سنِّ أبي وجدّي يستمعون لواحدٍ مثلي يصغُرهم بفارقٍ عمريٍّ كبير، وكنت أقرأُ عليهم دروسًا من كتاب “تنبيه الغافلين” في درس الظهر، ودروسًا من كتاب “درة الواعظين” في درس العصر، وكنت أحاول تفسير آيات القرآن الكريم مستفيدًا من بعض المؤلفات كالبيضاوي مثلًا، وأعرضُ لمناقب وقصص الصالحين أحيانًا؛ كلًّا حسب موضعه، أما في درس المساء فكنت أشرح لهم المسائل الفقهية من كتاب “غنية المتملّي في شرح منية المصلي” للشيخ إبراهيم الحلبي (ت: 956ه/1549م).

وقد بدأتُ الحديث عن موضوع الإخلاص من كتاب “تنبيه الغافلين”، حتى قال بعض الحاضرين “ومن يستطيع أن يتحلى بالإخلاص على هذا المستوى!” وكأنهم تأثروا وتأزمت أنفسهم تأثرًا عميقًا بشعور محاسبة النفس، لقد كان هؤلاء بقايا الجيل العثماني الذين عاشوا حتى الخمسينات من القرن المنصرم، وكان فهمهم للمسألة بهذا الشكل بتأثير ما خلفه الفهم الديني في ذلك العصر أمرًا مثيرًا للحيرة والدهشة بالرغم من أنهم كانوا يعيشون صدمات نفسية وفترة عصيبة تُحَارَبُ فيها الممارسات الدينيّة حتى كانوا وكأنهم يُضربون بمقامع من حديد، وبعد الحديث عن الإخلاص انتقلت إلى الحديث عن جهنم، وما إن مضى يومٌ أو يومان حتى بدأ البعض منهم يبكي منتحبًا.. وذات يوم عندما كنت أخرج من الجامع استوقفني شخصان ما زلت أتذكّر اسميهما، فقالا: “يا شيخ! نستحلفك بالله أليس لله جنة؟! لقد هلكنا!”، ولست أنسى ذلك الموقف بالرغم من مرور خمسين سنة عليه، ولا يزال خيال هذين الرجلين يتراءى أمام ناظريّ إلى الآن، ولما صرتُ أعظ في الجوامع الكبرى في السنوات التالية ما صادفت حتى وسط تلك الحشود إلا قلة قليلة من الناس تقابل المسائل بضمير رحبٍ واسع إلى هذا الحد.

وهذا يعني أنّ الفهم والوعي أمرٌ مهمّ جدًّا، فإن لم تكونوا تفهمون المسألة هكذا فاعلموا أنكم ما زلتم على السطح ولم تتعمّقوا في المسألة، وعليه فينبغي للإنسان أن يحمل على نفسه ما يُقال، ويُصغي إليه وكأنه موجّهٌ إليه شخصيًّا حتى تؤثر فيه تلك الرقائق، فمهمٌّ للغاية أن يُفكر الإنسانُ عند الحديث عن الجنة مثلًا أنَّها قد تكون من نصيبه، وعن النار أنه عرضة لها، فيرتعد من ذلك ويقشعرّ بدنُه، أما حين يتطرّق الحديث إلى الإخلاص فإنه يُراجع أعماله ويرتجف وينتفض خوفًا من أن يكون وقع في الرياء الذي هو الشرك الخفيّ، وإلّا فإنّ الحديث عن الرقائق والانشغال بأمثالها من المواضيع لن يُجدي نفعًا ما دام الأمر منحصرًا في مجرد القول والسماع ولم يتعدّ ذلك.

وسيدنا أبو بكر رضي الله عنه نموذجٌ للإنسان المؤمن حقًّا، فدائمًا ما كان يخاف من عاقبته؛ لأنَّه يُخشى على عاقبة من لا يَخشى على عاقبة نفسه، وقد كان سيدنا عمر رضي الله عنه أيضًا يخاف دائمًا من سوء المآل والعاقبة، ومثلهما أيضًا أسود بن يزيد النخعي أحد الأئمة البارزين في مدرسة النخعي بالكوفة، فقد سيطر عليه الخوف تمامًا وهو على فراش الموت، فكان يتفصّد عرقًا، ويتغير من حال إلى حال؛ فسأله علقمة بن قيس وكان عند رأسه آنذاك: “ما هذا الجزع؟ أتخاف من ذنوبك؟” فتبسم حزينًا متألمًا وأجابه قائلًا: “مَا لِي لَا أَجْزَعُ! وَمَنْ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنِّي؟! وَاللهِ لَوْ أُتِيتُ بِالْمَغْفِرَةِ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ لَهَمَّنِي الْحَيَاءُ مِنْهُ مِمَّا قَدْ صَنَعْتُهُ”[2]، ومن هنا فإن المؤمن الحقيقيّ هو الذي يبقى قلِقًا خائفًا على عاقبته.

الموت هادم اللذات

ورابطة الموت أيضًا من المواضيع التي يجب الوقوف عليها فيما يتعلّق بالرقائق، وتعني التفكير في الموت وما بعده، وتخيُّلَ وحشة القبر وظلمتِه، وتذكُّرَ المخاطر التي تنتظر الإنسان في طريق الآخرة، وانتظارَ الموت والاستعداد له في أيّة لحظة، وبتعبير آخر: رابطة الموت هي ألا يفكر المرء ويعيش على نحو: “ما زلت شابًّا، وبما أنني في العشرين من عمري الآن فأمامي ربما ستون سنة أخرى أحياها؛ فهناك من يعيشون حتى الثمانين” وإنما عليه أن يعيش معتقدًا أنّ الموت ضيفٌ لا يُدرى متى ينزل عليه؛ فيستعدّ له دائمًا، وقد قال الشاعر العربي في هذا:

الْمَوْتُ يَأْتِي بَغْتَةً * * * وَالْقَبْرُ صُنْدُوقُ الْعَمَلِ

إذًا فكل ما يكسبه الإنسان حتى مجيء الموت هو جهازه الذي يضعه في ذلك الصندوق.

ومثل هذا الشعور مهمٌّ للغاية من أجل الاستعداد للآخرة، لأن الإنسان إن لم يكن قد سلك طريقًا آمنًا في الدنيا فليس من المتوقع أن يكون طريقه آمنًا في الآخرة، وبالتالي فإنه يضطر لأن يسلك في الآخرة أيضًا طريقًا محفوفًا بمخاطر كثيرة، ومن هنا فإنَّ رابطة الموت مسألةٌ مهمة تلزم الاستفادة منها وتقييمها، إذ تجعل الإنسان على صلة دائمة بالموت وتُذكره بما بعد القبر.

وإذا نظرنا إلى الملاحظات الواردة في اللمعة السابعة عشرة من كتاب اللمعات (المذكِّرة الثانية عشرة) يتبين لنا طبيعة الحساسية والدقة التي عاشها بديع الزمان سعيد النورسي في هذا الشأن قبل أن يؤلف رسائل النور؛ إذ أحكمَ قبضته على نفسه وقسى عليها، والواقع أننا حين ننظر إلى الأسس التي وضعها كلٌّ من الحسن البصري (ت: 110ه/728م) وعبد القادر الجيلاني (ت: 561ه/1165م) وأبي الحسن الشاذلي (ت: 656ه/1258م) في محاسبة النفس ومساءلتها يتضح أنهم أيضًا عاشوا هذه المشاعر والأحاسيس ذاتها.

وكما هو معلوم فإنَّ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد نهى المؤمنين عن زيارة القبور في فترةٍ ما؛ ربما بسبب صدور تصرفاتٍ لا تليق بالقبور عن بعض الناس، غير أنه لما زال ذلك الفهم الخاطئ وانمحت علة النهي أمر صلى الله عليه وسلم بزيارة القبور فقال: “إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُم الْآخِرَةَ”[3].

والحاصل أنَّ “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” والتذكيرَ الدائمَ بالموضوعات المتعلقة بـ”الرقائق” يشبهان الشرايين والأوردة بالنسبة للإنسان؛ إذ إنّ حياة الجسد كله حتى ما فيه من شعيرات مرتبطةٌ بهما، كما أنّ مواصلةَ ما في الدين من حياة وحيوية مرهونة بالوفاء بهاتين الركيزتين من المؤيدات، لأن الإنسان سيمتلك في ظلّ هذا قلبًا واعيًا حكيمًا سينشغل بعاقبته، وسيخطو كل خطوة بحذر وتيقّظ، وسيقضي كل لحظة من حياته يحاسب نفسه ويقوِّمها.

 

 

[1] المؤيدات الشرعية: هي الأحكام أو التدابير التي شُرعت لا لتنظيم علاقات الناس، وإنما لحمل الناس على طاعة أحكام الشريعة الأصلية.

[2] أبو نعيم: حلية الأولياء، 103/2-104؛ الذهبي: سير الأعلام النبلاء، 52/4.

[3] سنن الترمذي، الجنائز، 60؛ سنن أبي داود، الجنائز، 75.

روحُ العمل الإخلاصُ

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أَخْلِصُوا أَعْمَالَكُمْ لِلَّهِ فَإِنَّ اللهَ لَا يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا خَلَصَ لَهُ”[1]؛ فكيف لنا أن ندرك حساسية وشعور “الإخلاص في كلّ الأعمال” الذي جعله رسولُ الله صلى الله عليه وسلم هدفًا يجدُرُ بالمؤمن أن يسعى للوصول إليه؟

الجواب: يجب على المؤمن الحقيقي المُحِبِّ لله تعالى أن ينشد رضاه عزّ وجلَّ في أفعاله وتصرّفاته كلها، وأن يحتقر نفسه أمامه سبحانه وتعالى دائمًا، وألّا يتفاخر ويتباهى قائلًا: “أنا قُلت كذا، أنا فعلت كذا، أنا أنجزت كذا… إلخ”، بل وينبغي له أن يمحوَ تمامًا من ذاكرته ما فعله، وعليه أثناء دعوته للحقّ والحقيقة بصفة خاصةٍ ألَّا يكون قوّالًا بل فعالًا؛ إذ إن المتحدّث باسم الحق والحقيقة يلزمه أن يُعبّر بكلامه عما في قلبه ووجدانه تعبيرًا حقيقيًّا، وعليه إذا ما بلغ مراده ألا يعزوَ إلى نفسه ولو مثقالَ ذرةٍ في نجاحِ ما قام به من أفعال.

كلمات سطحيّة لم تنبع من القلب

لا ريبَ أنّ وصولَ الإنسان إلى مثل ذلك الأفق والشعور لا يُمكن أن يتحقّق في لحظة واحدة، بل يلزمه أنْ يُدرِّب نفسه دومًا على احتقارها وتجاهلها لدرجة أنَّه يُوشكُ أنْ يتساءل في نفسه: “هل أنا موجود أو أنني غير موجود؟!”؛ فيصل مع مرور الوقت إلى مرحلة لا يرى فيها نفسه، وإلَّا فإنّ تأثير الأعمال الخيِّرة التي تحققت سينحصر في دائرة ضيقة للغاية ولن يتّسع أو يتكاثر، كما أنّه لن يُكتَب البقاء والدوام لتلك الخدمات حتى وإن بدت مُبهرة في أول الأمر.

إننا اليوم نرى الكثير الكثير من التلاوات القرآنية وشعائر الأذان والإقامة والصلوات التي تتم بصوت عذب، إلى جانب الأدعية والابتهالات التي تهيّئُ الناس لصلاة الفريضة.. وربما لم يكن يُمارَسُ في العصر النبوي الشريف إلا عُشرُ ذلك، لكننا اليوم نرى كلَّ مكانٍ يهتزّ ويرتجّ متأثِّرًا بدويّ وارتفاع أصوات الأذان التي تتردد صدّاحة من المآذن عبر مكبّرات الصوت، وثمة خُطَبٌ ومواعظ وأحاديث إرشادية تُلقى دائمًا على المنابر وتُبَثُّ على شاشات التلفاز.. إلا أن كلّ ذلك لا ينفذ إلى القلوب، بل ولا يؤثر فيها، وليست هناك قدرة على توجيه الناس إلى الله تعالى كما كان الحال في عصر السعادة، وما ذلك إلا لأن الكلمات الصادرة من الفم ليست نابعة من القلب ولم تحصل على تأشيرة منه، فإنْ كان الإنسانُ يتباهى بعظمة نفسه حتى وهو يقول اَللهُ أَكْبَرُ ويعبر عن ذلك بأصوات ونغمات معينة ويُبرز أثناء كلامه عن الله تعالى وعن رسوله عليه الصلاة والسلام كم أنَّه استطاع الحديث عنهما بشكل جيدٍ؛ فهذا يعني أنَّه يقع في كذب ضمنّيٍ في كلِّ كلامه هذا.

التعمّق في الإيمان

ومثل ذلك الموقف يُمثّلُ خطرًا حقيقيًّا بالنسبة لمن عشقوا خدمة الإيمان والقرآن، فإن كان ما حدث حتى اليوم هو مجرّد تطويف حول ظاهر المسألة وتعذَّرَ التركيز على جوهرها وَجَبَ علينا حينئذ أن نتوجّه إلى أنفسنا أولًا، ونُؤهِّلها من جديد في مسألة التعمق في الإيمان، وهذا ما تقتضيه أخلاق الصحابة ومنهجهم؛ فقد كانوا إذا ما التقوا ببعضهم البعض يقولون فيما بينهم: “تَعَالَوْا نُؤْمِنْ سَاعَةً”، “اجْلِسْ بِنَا نُؤْمِنْ سَاعَةً”[2]، وهذا يعني “أنَّ إيماننا حتى تلك اللحظة كان ذا قيمة ومعنى، غير أننا لا نعلم إن كان سينفع مستقبلًا أو لا؟ ولذلك يجب علينا أن نراجعه مرة أخرى”، وإذا ما انتبهنا إلى قول الصحابة السالف الذكر نجد أنّهم ما قالوا: “تعال نؤمن من جديد”، بل استخدموا عبارة: تعالَ نؤمن ساعة“، “اجلس بنا نؤمن ساعة”، وهذا يطابق تمامًا وصيةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم لسيدنا أبي ذر الغفاري رضي الله عنه: جَدِّدِ السَّفِينَةَ فَإِنَّ البَحْرَ عَمِيقٌ[3]، وهذا يعني أنَّ ثمة إبحارًا إلى رحلةٍ جديدة سيتحقّق كلما طلعت شمسُ يوم جديد.

وكما أن الإنسان حينما ينوي الخروج في رحلة ما فإنه يتفحص سيارته بدءًا من محركها وحتى إطاراتها تحسُّبًا ودرءًا لما لا تُحمَد عقباه؛ فعليه كذلك أن يُصلح ما يحتاجُ إلى إعادة إعمار وتأهيل في مسؤولياته وواجباته تجاه الله تعالى ويجدّد إيمانه مرة أخرى بتركيز جديد؛ لأن مَنْ يُبحر في بحر هذه الحياة العميق للغاية معرّضٌ للغرق في أية لحظة، ناهيك عن أنّ ثمة رحلةً طويلةً تنتظره فتبدأ بحياة البرزخ وتنتهي بالجنة أو بالنار والعياذ بالله، ولذلك فإنَّه يجب على الإنسان أن يُحسن الاستعداد والأهبة حين ينوي الخروج في طريق كهذا لا يعرفه.

وقد قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي ذر الذي ذكرنا بعضه آنفًا: واحْمِل الزَّادَ فَإِنّ العَقَبَة طَوِيلَة” يشير إلى رحلة طويلة جدًّا؛ لذا يلزم أن يكون الزاد الذي أعده الإنسان كافيًا لتلك الرحلة وجديرًا بأن يمكنه من اجتياز الصراط، ومن ثمَّ يدخل الجنة، فجسر الصراط المنصوب في الآخرة لا يشبه ما نراه من جسور الدنيا؛ فربما لا يتيسر اجتيازه من أقصاه إلى أقصاه في نَفسٍ واحدٍ وانطلاقةٍ واحدة، وإذا ما نظرنا إلى الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذا الصدد يتبيّن لنا أن تلك الرحلة ستكون مرتبطةً بما قدّمناه في حياتنا الدنيا من خيرٍ أو شرّ، ودخولُ الإنسان الجنة مرهونٌ باجتيازِه هذا الجسر.

وإلى جانب أهمية تَزَوُّدِ الإنسان بما سيحتاج إليه في تلك الرحلة الطويلة؛ فينبغي له أن يبتعد عن جميع الذنوب والأخطاء التي تثقل كاهله، وهو المعنى الذي عبَّر عنه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: وَخَفِّفِ الحِمْلَ فَإِنَّ السَّفَرَ بَعِيدٌ، أي إنَّ الإنسان ينبغي له أن يحرص على ألا يصطحب معه في رحلة القبر والبرزخ والمحشر والصراط ما يُثقِلُ كاهله من مسؤوليات وحسابات عديدة تجعله يتعثّر ويقع قبل نهاية الطريق.

ويختم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصيته لسيدنا أبي ذر رضي الله عنه قائلًا: وَأَخْلِصِ الْعَمَلَ فَإِنَّ النَّاقِدَ بَصِيرٌ، أي: اعملوا لله، والتقوا لوجه الله، واسعوا لأجل الله، ولتكن حركاتكم كلـها ضمن مرضاة الله، لله، لوجه الله، لأجل الله، لأنكم لا تَخفَونَ أبدًا على من يُقيّم تصرفاتكم ويحللها ويسجلها ويثيبكم عليها، فهو يراكم دائمًا، ولا يخفى عليه شيء من أمركم؛ فهو رقيبٌ عليكم بصيرٌ بكم.

محاسبة النفس دائمًا

إذًا يجب تناول الحياة الدنيا في هذا الإطار، فهذه المسألة لا تتحمل الذهول والغفلة والعصيان وتبلّد الحس، وكما قال “أَسْوَد بنُ يزيد النَّخَعيّ” من كبار التابعين وأحد أولياء الله الصالحين: “إِنَّ الْأَمْرَ جِدٌّ إِنَّ الْأَمْرَ جِدٌّ”[4]، أي إن الأمر لا يُستَخَفُّ به ولا يُترَكُ للصدفة، وليس بسيطًا عاديًّا، لأن المسألة هنا تعني النجاة من عذابٍ أبدي أو الوقوع فيه، ومن ثمَّ يجب على الإنسان أن يُقَيِّم بهذا الوعي صلاته وصيامه وغير ذلك مما يؤدّيه من عبادات وطاعات، وأن يُحاسب نفسه باستمرار.

ومن هذا المنطلق فإنّ قولَ الإنسان حين يتحدث عن أية مسألة: “اللهم أنطِقني بالحقّ، واجعلني ممن يتفوهون به، اللهم اجعل كلامي نافذًا مؤثرًا، فتتلقّاه القلوب بحسن القبول”؛ يُمثِّلُ جانبًا من جوانب المسألة، كما أنَّ ثمة بُعدًا آخر؛ ألا وهو أنّه يجب العمل بكلّ إخلاصٍ على إنقاذ المسألة من براثن الأنانية، وألا ينفكَّ المرءُ عن الدعاء قائلًا: “اللهم وفّقني إلى قولِ ما تُحبُّ وترضى”، وبتعبير آخر: يجب عليه أن يتمثل الدعاءَ القرآني الذي تضرّع به موسى عليه السلام: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ (سورة طَهَ: 25/20-28)، فيجعله لسان حاله ووردَه الدائم، ويجب عليه إلى جانب هذا أيضًا ألَّا يُهمل أبدًا أن يردفه بقوله: “مع رضاك يا رب”.

ممثلو الإخلاص الخالدون

وزيادةً في التوضيح نقول: يلزم الإنسان أن يكون جَسورًا متحمّسًا لأن يدعو الله تعالى قائلًا: “اللهم رسِّخ ما قُلتُه وفعلتُه وبقبولك إياه ورضاك عنه! اللهم أكسِبه أعماقًا ومعاني خالدة بنظرك وعنايتك له! وإلَّا فإنني عبدٌ فانٍ، ينقطع عملي عندما أنتقل إلى الدار الآخرة، ربّاه! هل يجدي نفعًا ما سأفعله يوميًّا من أفعال وأمور وإنْ بلغت المئات ما لم تكن أنت فيها، وهل تفيد شيئًا ما لم تحظَ منك بالقبول؟!”.

وبعض مَنْ يتظاهرون ويفتخرون بأنفسهم عبر التغنّي بالابتهالات هم “القوّالون” لا “الفعَّالون”، فلا بد من الانفتاح على الإخلاص والسعي إلى تحقيقه؛ إذْ لا يمكن قبولُ أيّ شيء غيرِ صادقٍ وخالٍ من الإخلاص، ويجب أن نطرح أرضًا كلَّ ما لم ينبع من القلب، فندوسه ونحتقره، إذ إننا اليوم في حاجةٍ إلى كثير من أمثال أولئك المخلصين الخالدين، لأنهم هم من سيُغيّر وجه الدنيا، ومع أنّ مَنْ يضطلعون بواجباتهم ووظائفهم مقابلَ شيء من الأجر والتقدير والتبجيل يُعتبرون وسيلةً لنهضة مؤقتة إلا أنه لم يُسجَّل أنهم أنجزوا شيئًا باقيًا راسخًا، وهذا يعني أن من يُديرون الأمور ارتباطًا بالمادية والتقدير والتبجيل والمصالح لن يستطيعوا لاحقًا أن يُخلِّفوا أعمالًا خالدة باقية كما لم يفعلوا ذلك بالأمس؛ حتى وإن كانوا أثروا تأثيرًا مؤقتًا.

إن اللاحقين الذين جاؤوا من بعد عهد النبيّ والخلفاء الراشدين كالأمويين والعباسيين والخوارزميين والأيوبيين والسلاجقة والعثمانيين قد قدّموا للإسلام خدمات كبيرة، أثابهم الله على كل ما قدموا، فاضطلع كلٌّ منهم بواجبه كممثّلٍ للعصر الوردي في مرحلةٍ زمنيّة معينة، ثم انتقل كلٌّ منهم إلى أفق روحه تاركًا خلفه ذكرى جميلة، غير أنهم مجتمعين لم يُحرزوا في أيِّ وقت قطّ ما أحرزه الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم أجمعين من نجاحٍ ولم يُوفَّقوا مثلهم، والسبب في ذلك هو إخلاص الخلفاء الراشدين وصدقهم الرائع المُحير النابع من أعماق الأعماق، والإنسانية اليوم ليست في حاجة إلى الشكل والصورة والشهرة والتقدير والتصفيق والدعاوى الطنانة الكبيرة، وإنما هي في حاجة ماسةٍ إلى الإخلاص في ممارسة الإسلام الحقيقي على وجه الأرض، وتمثيله بصدق وإظهاره حالًا لا مقالًا.

 

[1]الطبراني، المعجم الأوسط، 25/2؛ الديلمي: الفردوس بمأثور الخطاب، 271/5.

[2] صحيح البخاري، الإيمان، 1؛ ابن أبي شيبة: المصنف، 164/6، 170.

[3] الديلمي: الفردوس بمأثور الخطاب، 339/5.

[4] أبو نعيم الأصبهاني: حلية الأولياء، 103/2.

إصلاحُ قلعةٍ تعرّضت للتخريبِ على مرِّ العصور

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ما هي الوسائل والمناهج التي يجب اتباعها من أجل إصلاح قلعةٍ (وهي بنيتُنا الفردية والاجتماعية) تعرضت للتخريب على مرّ العصور؟

الجواب: بدايةً: من المسلّم به عند الجميع أن التعميرَ أصعبُ من التخريبِ والهدمِ ألف مرة؛ إذ يجب لِبناءِ أيِّ شيء أو تعميره أن تتوافر كلُّ أجزائه، وعناصره الداخلية والخارجية، أما التخريب فيكفي لكي يتحقق انعدامُ أحد تلك العناصر الضرورية، ومن ذلك على سبيل المثال الصلاة؛ إذ يجب أن تستوفي جميعَ الشروط والأركان اللازمة لأدائها أداءً صحيحًا؛ بحيث تبطل الصلاة إذا ما أُهمل واحدٌ منها، فلا تصح الصلاة مثلًا إن لم يكن المصلي متوضئًا أو لم يأت بتكبيرة الإحرام أو لم يستقبل القبلة حتى وإن وفَّى بمعظم أركانها وشروطها، فقبولُ الصلاةِ عند الله تعالى ومؤانستُها للإنسان في قبره ونفعُها إيَّاه يومَ القيامة مرهونٌ أيضًا بمراعاة أركانها الداخلية، أي الخضوع والخشوع، فحدوث أي خلل فيهما يحولُ دون قبولها عند الله حتى وإن استوفت شروطها وأركانها الخارجية والظاهرية، والأمر كذلك بالنسبة لغيرها من العبادات والطاعات.

البناء والترميم

ويمكنكم أن تُقَيِّمُوا عملية إنشاء مبنًى أو ترميمه على النحو نفسه، تخيلوا أنَّ المعماريّ العبقري العظيم “سِنان”[1] -أسكنه الله تعالى فسيح جناته- بنى جامع “السَّليمية” في مدة قصيرة بلغت حوالي ست سنوات، بينما أعمالُ الترميم التي بدأت من أجل إعادة الجامع إلى هويته الأصلية من جديد بعد أن حدثت شقوق وتصدعات وثغرات في أماكن مختلفة منه، وتضرر بسبب قذائف المدفعية التي أطلقها البلغار عليه أثناء احتلال “أدرنه” سنة (1913م) استمرت حوالي سبع أو ثماني سنوات، ومع أن إنشاء جامع السليمية وترميمه كان أمرًا صعبًا استغرق مدة طويلة إلى هذا الحد إلَّا أنَّ إلقاءَ قنبلةٍ أو حدوث زلزلة يتسبب فيها خَطُّ الصَدْع قد يؤدي في مدة قصيرة جدًّا إلى حدوث خسائر خطرة وحقيقية في هذا المعلَم الخالد الرائع.

لكم أن تتخيّلوا أيضًا أثرَ التعمير والتخريب في بنية الإنسان؛ فمثلًا قد تتناولون السمّ مع الطعام فيؤثر ذلك في خلايا المخ لديكم لدرجة أنكم تشعرون بانعدام التوازن في حالتي النوم واليقظة وهذا بدوره قد يستدعي أن تخضعوا لفترة علاجية طويلة كي تتخلّصوا من تأثير ذلك السُّم فتتعافوا وتستردّوا توازنكم وصحتكم.

موجة جذرية

وهكذا تعرّض مجتمعُنا قبل قرنين أو ثلاثة قرون لتخريبات خطيرة، حتى صارت كلُّ ناحية فيه تبدو وكأنها خرابة، وتوصيفًا لهذا الوضع يقول عبد الحق حامد[2] في أحد أشعاره ما ترجمته:

أوَّاه! لم تبق أرض ولا حبيب * وملأ قلبيَ الحزنُ واللهيبُ

كما يُعبر ضياء باشا[3] أيضًا عن ذلك الوضع بما ترجمته:

أوَّاه! لقد خسرنا تلك اللعبة * فماذا ربحنا لست أدري والخسارةُ بينة؟!

أما محمد عاكف أرصوي[4] فقد رسم تلك الحالة وشخصها بما ترجمته:

أوَّاه! بإيمان بضعة كُفّار خُدِعنا * فاستغرقنا في نومٍ عميقٍ إذا بنا في الجحيم استيقظنا

ولذلك فإن إعادة إحياء وإصلاح مجتمع ضاع فيه الدينُ وخرب الإيمان وانهارت القيم واحدة تلو الأخرى، يتطلّب جهدًا حقيقيًّا وسعيًا حثيثًا.

وإن القدرة على إقامة هذا الصَّرحِ الذي تصدّع وانكسر وتحطم وتشتتت أجزاؤه المباركة يمنة ويسرة بشكلٍ يتوافق مع هويته الأصلية الحقيقية مرهونٌ بجهودِ وسعيِ رجال الغاية السامية الذين يُضحّون بمتعهم المادية والمعنوية وسعادتهم الشخصية؛ ذلك أنه “بِقَدْرِ الكدِّ تُكْتَسَبُ المَعَالِي”، ولمزيد من التوضيح نقول: إنَّ الحصولَ على التوفيق ماديًّا ومعنويًّا ونيلَ المعالي وتتويجَ النصر بالنصر مرهونٌ بالجهد والسعي الذي سيُبذل في هذا الموضوع، وباستخدام ذلك في المكان والاتجاه المناسبين الصحيحين، وعلينا ألا ننسى أنّه ليس ثمة حركة لا تبدأ من الجذر ولا ترتبط به يمكنها أن تكون واعدة ومبشّرة وثابتة فيما يتعلق بإصلاح المجتمع وانبعاثه من جديد، فكم من حركاتٍ بدأت عملها بتبختر وخيلاء تعثّرت وانقطعت بها السُّبُلُ بعد بضع خطوات خَطَتها للأمام، وانحنت ظهورها ثم ظل كلٌّ منها مجرّد حلمٍ واهٍ ورؤيا محطمة! وقد يكون للسياسيين والإداريين إسهام معين في عملية تهيئة مناخ ملائم لإصلاح المجتمع وإزالة العوارض والعوائق التي تعترض طريقه؛ فيتسبّبون بفضل جهودهم ودعمهم في دفعِ عجلة الإصلاح، فيستحقون التقدير والثناء على ذلك، غير أن مما يجب فعله في الأساس من أجل التعمير والإصلاح هو التعاملُ مع المسألة وتناولها من أساسها ومن ثم التوسّع على مستوى القاعدة، وعليه يجب البدء بالعمل من الأساس والشروع فيه “بسم الله”، وعلينا أن نعرف أن إصلاح المجتمع يتأتّى من إصلاح الأفراد، وأنه يستحيل إصلاح المجتمع أصلًا ما لم يتم إصلاح كلّ لبناته ووحداته.

مُصلِحون تخلّوا عن المتع المادية والمعنوية

وهكذا يجب على المصلحين الذين تفرّغوا للإصلاح والتعمير أن يتحركوا في هذا الإطار بروح التضحية والفدائية مدى الحياة، كي يتمكنوا من الوصول إلى الهدف المنشود في هذا الطريق، لأن المشاريع الكبرى عندما ارتبطت بالمصالح الشخصية أو العائلية لم يحالفها النجاح قطعًا، وبغض النظر عن التوفيق والنجاح في الأمر فقد شُوِّه اسم تلك الغاية السامية؛ فكانت النتيجةُ هي الخسارة في وقت هو أدعى للكسب؛ إذ إنَّ أية سياسة أو حكم أو إدارة أو كيان أو مؤسسة أو شركةٍ تدور على المنفعة والمصلحة الشخصية تتحوّل إلى وحشٍ رهيبٍ؛ حيث يسعى كلٌّ منها في مثل هذا الموقف إلى تشويه الآخر، فما إنْ تدخل المصلحة والمنفعة الشخصية في الأمر حتى تبدأ مراكز القوى تتصارع مع بعضها البعض، ومن ثمَّ لا يتحقق أيُّ نوعٍ من التقدّم لصالح المجتمع وتطوّره، ويتقدّم الآخرون وتعجزون أنتم عن التخلّص من وصايتهم وسيطرتهم، والسبيلُ للتخلص من تلك الوصاية هو العمل الدؤوب من أجل أمتكم والإنسانية جمعاء دون توقّفٍ ودون تشوفٍ لأيّ شيء آخر سوى رضا الله تعالى فحسب.

وينبغي لمن يحملون رسالةَ الإحياء على عاتقهم أنْ يسعوا في سبيل تنفيذِ المشاريع والخطط الكبرى، بل يجب أن تستهدف خططُهم الأجيال التي ستأتي بعد خمسين أو ستين سنة، فعلى الإنسان أن يحسن استخدام القابليات والملكات العديدة التي لا تسعها الآفاق والتي منَّ الله تعالى عليه بها، وعليه ألا يضيع تلك القابليات والاستعدادات التي لديه بأن يحبسها في مجال ضيّق، كما يجب عليه ألا يكتفي أبدًا بأيّ عمل أو نشاطٍ يبذله في سبيل الحقّ، وعليه في كل مرحلة من المراحل أن يبحث بمختلف السبل المشروعة عن طرقٍ للانفتاح على كل أنحاء العالم.

وينبغي ألا يُساء الفهمُ فيُظن أنَّ الهدف من وراء هذا الانفتاح هو تقويض إمبراطوريات وإقامة أخرى مكانها باحتلال العالم والسيطرة عليه؛ فليست لهذه الفكرة أية علاقة بمثل ذلك الظن، بل على العكس فإنّ المقصد الأساسَ هنا هو إقامة علاقات جوارٍ سليمة وقوية وحميمة مع مختلف شعوب العالم، والاستفادةُ مما لديها من أمورٍ قد تتوافق معنا، ومحاولة إبلاغ القلوب هناك مجموعة من القيم والأفكار الإنسانية التي نسعى إلى تمثيلها وهي أسمى من “الفلسفة الإنسانية”؛ فنحن نعلم أنّه سيستحيل العيش في هذه الدنيا وتصبح جحيمًا لا يُطاق إنْ لم نؤسّس علاقات جوار وثيقة على ذلك النحو في عالم اليوم الذي ظلّ يتقلص ويتضاءل تحت تأثير العولمة إلى أن أصبح قرية صغيرة، وإن لم نتلاحم مع تلك الشعوب فسوف يستمرّ حكم واستبداد الظالمين الذين دأبوا على ممارسة العنف والوحشية وإثارة الفتنة بين الناس، وأقاموا خططهم على قتل الناس والانقضاضِ على مواقعهم ومناصبهم غير أنه يجب ألا ننسى أنّ هذه الدنيا العجوز صارت لا تتحمل مثل هذا العداء الذي يقوم على الحقد والكره والبغضاء، ولا الأسلحةَ الفتاكةَ المدمرةَ التي هي نتيجة طبيعية لذلك العداء، فإن لم يُقْطَع السبيلُ أمام موجات الغضب والكره هذه بإقامة جسور المحبة والتسامح والحوار فلا مفر من وقوع حوادث مرعبة تعمّ البشرية جمعاء، فتقوم على إثرها قيامتها.

وعليه فإنَّه ينبغي لنا أن نختار طريق التعمير والإصلاح والأخوّة وإحياء الآخرين، وأن نتوكّل على الله حتى وإن تعرضنا في سبيل هذا للتهديد بالقتل، وأن نواجه الحوادث العابسة في الظاهر بوجه طَلْقٍ ونفسٍ راضية، وأن نتخلَّى عن متع الحياة ولذائذها إذا لزم الأمر من أجل خلاص الإنسانية ونجاتها، علاوة على ذلك فإنّ الإمكانيات التي وهبها الله تعالى لنا للخدمة في سبيله علينا أن نربأَ بأنفسِنا عن استخدامها من أجل الحصول على أية منفعة دنيوية خاصّةٍ، إذ إنه من القبيح والمقيت بالنسبة لمن تعهّدوا بإحياء عالمٍ عظيمٍ مجدّدًا أن يتصرَّفوا وفقًا لمصالحهم الشخصيّة، فهذا لا يمكن أن يتّفق مع القيم الإنسانية، بل يمكن القول إنّه ينبغي لنا أن نعتبر الانشغالَ حتى بالجنة إساءةً لغايتنا السامية؛ إذ ينبغي لنا أن نطلبها من فضل الله تعالى، وعلينا أن نفعل كلَّ ما في وسعنا من أجل إثارة هذا الشعور في أجيال اليوم، لأن من سيغير وجه الدنيا إلى الأفضل هم الأفذاذ الأخيار الذين يمثلون هذا الشعور.

المفتاح السحريّ للقلوب هو المحبة

يُعتبَرُ الهمُّ من المقومات اللازمة لإنتاج مشاريع التعمير والإصلاح وتنفيذها، ومن يمكَّن منه هذا الشعور فلن يُحرم ولن يعاني -بإذن الله تعالى وعنايته- في الحصول على ما يأمله من أجل التعمير، وبناء عليه هلمُّوا بنا جميعًا نطلب من الله تعالى أن يرزقنا همَّ التفكير في الأمة… وهمَّ التفكير في العالم الإسلامي الذي خارت قُواه.. ولنتضرع إلى الله تعالى قائلين: “اللهم اقدح الهمَّ في قلوبنا مثل الشَّرَر!”، ولنفكر في مشاكل الإنسانية جمعاء أينما وكيفما نكون، ولنبحث عن حلول لها.

ومع أنَّ الدين يقوم على قاعدة اليسر إلا أنَّ مهمة مهندسي العقل والفكر في هذا الموضوع صعبة جدًّا، فعليهم أن يعملوا ويجتهدوا بكل طاقاتهم، لأنّ هناك أناسًا كثيرين يقتدون بهم، يحدقون فيهم ويصغون إليهم وقد يتحركون تحت تأثير الحالة النفسية الجماعية، فيجب عليهم التفكير في “الإحياء” أكثر من “الحياة” وعليهم أن ينسجوا حياتهم حول محور هذه الغاية، ولا بد من إعلاء الهمّة وشحذِها جيدًا في هذا الشأن، والنظر إلى القضية على أنها قضية الإنسانية جمعاء، فإن لم تستطيعوا أن تضعوا لَبِنَةً في كل مكان من أجل غايتكم السامية عجزتم أن تكونوا حيث تريدون وأن تحقّقوا الإصلاح الذي فيه ترغبون، وحُرِمتُم من المكان الذي يجب أن تكونوا فيه، وعليه فإننا مطالَبون ومضطرّون إلى أن نتحرك كأناس عالميّين.

وعلينا ونحن نضطلع بهذا ألا نتخلّى عن اللين والرفق أبدًا، وأن ندخلَ في القلوب باستخدام لغة الحبّ والمودة، لأنها مفتاحٌ سحري لا يستعصي عليه أيّ قفلٍ مهما كان صدِئًا، فربما تنفتح لكم كل الأبواب الموصدة إذا استطعتم استخدام تلك اللغة بشكل صحيح، وتدخلون في جميع الصدور المتمردة، وقد قيل في أحد الأمثال إنّ “الكلمة الحلوة تُخرج حتى الثعبان من جحره”، وكما أنّ حركات عازف الناي أو الصوت الذي يصدره تجعل الثعابين تتراقص فإنني أحسب أن بعض التصرفات والسلوكيات الروحانية ستذيب بعض مشاعر العداء، وكما قال القرآن الكريم ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (سورة فُصِّلَتْ: 34/41) وعندها ستنشرح لكم صدورُ من يعادونكم، ويقولون لكم: “كنا في انتظاركم منذ أمد بعيد”.

ما منحه الله سابقًا أكبرُ برهان على أنه تعالى سيظلّ يَمنحُ ويَهبُ

إنَّ أجيال عصرنا لا يقدِّرون المسألة حقَّ قدرها، ومع هذا فإنّ التعمير والإصلاح الذي ستضطلع به القلوب المؤمنة يعني إصلاحَ الأرض قاطبة، ذلك أن من كانوا قبل اليوم بحوالي ثلاثين سنة ما كانوا يستوعبون ما سيقوم به فدائيُّو المحبة المنفتحون على مختلف أنحاء العالم يومًا ما، غير أن المنصفين يقدرون اليوم تلك الخدمات التي يضطلع بها مَنْ سافروا إلى ما يقرب من مائة وسبعين دولة في العالم، ولذلك فربما تتعذّر الآن رؤية المستقبل المتوقّع بعد حوالي خمس وعشرين أو ثلاثين سنة، فإن تم الحفاظ على الصفاء والصدق المتوفر في أول العمل وعلى القِوَام والمنهَج والإبقاء على روح التضحية والفداء وعدم التشوّف لأي شيء فيُتوقع أن تعيش الأرض قاطبةً انبعاثًا جديدًا فريدًا.

كذلك ينبغي لنا ألا ننسى أن بعض الخدمات التي استعمل الله تعالى لها أناسًا أدَّوها في الماضي حقّ الأداء فَمنَّ عليهم بالنجاحات المتعددة لَتُعتَبَرُ هي أكثر الأدلة والبراهين إقناعًا وتأييدًا للخدمات التي سيستعمل فيها آخرين والنجاحات التي سيوفقهم إليها مستقبلًا، فليس ثمة عائق يحول دون أن تتحقق اليوم وغدًا أيضًا تلك الأمور التي تحققت بالأمس، غير أنّ المهم هو أنْ نتمكن من أدائها على النحو الذي قدمه سادتنا الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، وأن نتمثل القوام والمنهج الذي تمثلوه، وأن نكون فاعلين ونشطين دون أن نَبْلَى أو نَضعُفَ، وأن نتمكنَ من إنتاج المشاريع دائمًا، ونستخدم جميع الإمكانيات التي لدينا من أجل تنفيذ هذه المشاريع والخطط.

 

[1] المِعماري سِنان (895-996هـ/1489-1588م): هو أشهر معماري عثماني، عاش في القرن العاشر الهجري في أوج العصر الذهبي للعمارة العثمانية.

[2] عبد الحق حامد طرخان Tarhan (1356-1267هـ/1851-1937م): أديب وشاعر تركي.

[3] ضياء باشا Ziya Paşa (1880-1825م): شاعر تركي، كان من دعاة التجديد، له ديوانان “ظفرنامه” و”خرابات” في ثلاثة مجلدات.

[4] محمد عاكف أَرْصُويْ Ersoy (1936-1873م): من أكبر شعراء الأدب التركي المعاصر، وهو ناظم النشيد الوطني التركي.

أربع خصال تسلتزم إرادةً قويةً

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: وردت في كتاب “المُنَبِّهات”[1] عبارةٌ تُنسَبُ إلى سيدنا عليّ رضيَ الله عنه يُقالُ فيها: “إِنَّ أَصْعَبَ الأَعْمَالِ أَرْبَعُ خِصَالٍ: العَفْوُ عِنْدَ الْغَضَبِ، وَالجُودُ فِي العُسْرَةِ، وَالعِفَّةُ فِي الخَلْوَةِ، وَقَوْلُ الحَقِّ لِمَنْ يَخَافُهُ أَوْ يَرْجُوهُ”[2]؛ فما ماهية هذه الخِصال الأربعة وما يُرجى لِلمتخلِّق بها من ثواب؟

الجواب: عندما نُمعِنُ النظرَ فيما يُنسَبُ إلى سيّدنا علي كرّم الله وجهه من عباراتٍ رصينة وأسلوبٍ جزلٍ ولغة فريدة تتجسّد في “نهجِ البلاغة” مثلًا؛ يجولُ في خاطرنا أنه من الصعب إطلاقُ مثل تلك العبارات المليئة الفضفاضة التي تتطلب مرجعيةً ثقافيةً ذات مصادر جمة، سيّما في عصرٍ حديثِ عهدٍ بالجاهلية، وذلك لما تحمله في طيّاتها من مصطلحات ومفاهيم ومضامين خاصّة بشتّى مجالات العلوم والفنون على الرغم من أنّ الدراسات المتعلّقة بالبلاغة واللغة لما تتطوَّرْ بعدُ بمعناها التام.

وهذا يدفعنا إلى القول بأنَّ هناك ثلاثة احتمالات في نسبة هذه الأقوال إلى سيدنا عليّ كرم الله وجهه:

الأوّل: أن يكون سيدنا علي رضي الله عنه هو القائل الحقيقيّ لتلك النوعية من العبارات، كأثرٍ من آثار إلهاماته الخاصّة، ولا سيما حينما يُؤخَذُ بعين الاعتبار أنَّه رضي الله عنه منفتحٌ على المعنويات، وفيرُ الإلهامات، له سماته الخاصة التي تكمن في كونه رأس “سلسلة الولاية”. 

الثاني: ثمة احتمالٌ ثانٍ، وهو أنَّ بعض الناس ممن كانوا في القرنين الثالث والرابع الهجريّين اللذين ظهرت فيهما العلوم، وتكوَّنت المصادرُ الخاصةُ بمختلف مجالات العلم؛ هم مَن قالوا تلك الأقوال ثم نسبوها إليه رضي الله عنه.

الثالث: وكما يُحتمل أنْ يكون بعضُ الأشخاص ممن عاشوا في تلك الفترة التي تحددت فيها أسماء المسميات واستقرّت المصطلحات هم الذين نسبوا إليه رضي الله عنه العبارات الجميلة التي قالوها هم؛ فهناك احتمالٌ آخر، وهو أنَّهم أَثْرَوا بعض العبارات الجميلة المأثورة عنه كرَّم اللهُ وجهَه بمفاهيم ومضامين عصرهم فأضفوا عليها صفة المصطلحات المنضبطة وتحدثوا بها على لسانِه رضي الله عنه.

 ولَمَّا كان القطعُ بصحة نسبة تلك العبارة إليه رضي الله عنه من عدمه أمرًا غيرَ يسير؛ فحريٌّ بنا أنْ نقول حيال هذا الأمر “الله أعلم”، وننتقل إلى موضوع ماهيّة تلك الخصال الأربع المذكورة في السؤال.  

تقول العبارة: “إِنَّ أَصْعَبَ الْأَعْمَالِ أَرْبَعُ خِصَالٍ”، والحقيقة أن لكل عمل صعوبةً ومشقّةً معينةً بحسب طبيعته؛ فعندما ننظر إلى مجموعة من العبادات والتكليفات الإلهية التي كُلّف بها الإنسان مثل وضوئه للصلوات الخمس يوميًّا، وإقامته الصلاة، وصومه مِن الصباح حتى المساء، ولا سيما في أيام الصيف الطويلة، وإنفاقه المال الذي يكتسبه بعرق الجبين، وأدائه فريضة الحج، ومراعاته حقوق والديه لدرجة ألا يَعبِسَ في وجهيهما ولا يقول لهما ولو حتى “أُفٍّ”؛ يتبين أنَّ لكلِّ واحدٍ من هذه الأعمال مجموعةً من الشدائد والمشقّات الخاصة به، وأظن أنّه لا يستطيع أحدٌ أبدًا أن يُثبِتَ سهولة القيام بتلك الأعمال والعبادات المذكورة آنفًا، ولذلك فإن العبارة السابقة أعلاه تلفت الانتباه إلى تلك المسائل الأربع التي يعتبرها الأصعبَ من بين مختلف الأعمال والخصال.

  1. اَلْعَفْوُ عِنْدَ الْغَضَبِ

أوّلُ تلك الخصال هو “اَلْعَفْوُ عِنْدَ الْغَضَبِ”، والحقيقة أن قدرةَ الإنسان على كظم غيظه لحظة ثورانِ غيظه وتفجُّرِ غضبِه، ومن ثمَّ قدرتَه على العَفو لَتُمَثِّلُ واحدًا من تلك الأعمال التي ركّز عليها القرآن الكريم أيضًا وحثَّ على فعلها؛ ومن ذلك مثلًا قوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 134/3)، فيبيّن لنا أنَّ القدرةَ على العفو بالتغلّب على الغضب مِنْ صفات المتقين، ويدعو للتأمّل في أنَّ كظمَ الغيظ وكبحَ جماحه أمرٌ صعبٌ ربما يُشبه في صعوبته بلعَ زهرة الصبّار ذات الأشواك، ولا ريب أن ثواب إنسانٍ ينجح في القيام بعملٍ كهذا سيكون أضعافًا مضاعفة بحسب تلك الصعوبة التي يعانيها.

يسهل على الإنسان أن يعفو ويصفح حينما كان محبوبًا ومعتبرًا بين الناس لا يزعجه ولا يُعكّر مزاجه وصفوَه أيُّ شخصٍ، ولكن المهارة الحقيقيّة تكمن في كيفية مواجهته الإزعاجَ أو المضايقة أو المجافاة الموجهة إليه من الآخرين، وأن يتحكّم بإرادتِه، فلا يردّ بالمثل بل يُقابل ذلك بالعفو؛ إذ إن الإنسان ليس كالبهائم والأنعام إذا ما نطحه آخر سارع بِنَطحِه اقتصاصًا لنفسه؛ واللهُ جل جلاله لم يترك نقصًا ولا عيبًا ولا فراغًا على الإطلاق عندما زوَّدَ الإنسان وجهَّزه للسيرِ في الطريق المؤدية إلى الكمال.. لقد خلقه في أحسن تقويم، ومنحه إرادة يستطيع في ظلها أن ينهض بأثقل الأعباء والأعمال شريطةَ حُسنِ استعمالها، بل ويستطيع أن يهزم غضبه وغيظه وينتصر عليه، ويسحقه تحت قدميه.

ومن المعلوم أنَّ معنى العفو لغةً “المحو”، أي إنَّكم تتجاهلون مجموعةً من تصرفات الآخرين وسلوكياتهم التي تُزعجكم وتُغضبكم، وكأنكم تشطبونها وتمسحونها تمامًا.. فالعفوُ هو ألا تسمحوا لتلك النوعية من السلبيات أن تُحفَر في أذهانكم وتؤثّر في أعصابكم، بل تمحونها وتمسحونها من ذاكرتكم على ألّا تتذكروها مرة أخرى حتى وإنْ تكاثرت عليكم لدرجة أنَّها صارت تُزعجكم وتُؤَرِّقكم، وتصرُّفُكُم على هذا النحو عملٌ يصعب إنجازه حقًّا، غير أنَّه حين تكون طبيعةُ الإنسان مهيّأةً لنسيان الشرور والاعتداءات التي تعرَّض لها فإن ذلك يؤدّي إلى نتيجة وفائدة عظيمة؛ فمن المحتمل أن عفوه وصفحه عن الآخرين يرفعان عنه حزمة من الابتلاءات وصنوف الغضب الإلهي، فيحظى بالعفو الإلهي كثمرة لذلك.

  1. الْجُودُ فِي الْعُسْرَةِ

“وَالجُودُ فِي العُسْرَةِ”: هذه العبارة تؤكّد على أهمية البذل والعطاء وصعوبته على الإنسان حين يتلوى في لجة الأزمات والفاقة؛ إذ إن الغنيّ الذي لا ينقص الجودُ من ماله شيئًا يُذكر يسهلُ عليه الكرمُ والسخاء، فماذا عساه أن يُضِيرَ إنسانًا إنفاقُه ليرةً واحدةً فحسب من ألفِ ليرة يملِكُها؟! إن المهم أساسًا هو بذلُ الإنسان وجُودُه في وقت الشدة والحاجة، فكما أنَّ قدرة الإنسان على العفو أثناء غضبه هي بمثابة استجداء لاسم اللهِ “العَفُوّ” سبحانه وتعالى؛ فإنَّ كرمَه وسخاءَه في ساعة الضيق والشدة استجداءٌ لاسم الله تعالى “الجواد” أيضًا.

نرى في هذه العبارة أيضًا شَدّ الانتباه إلى شعور الإيثار؛ لأن الإيثار -في أحد صوره- هو أن يعطي الإنسان طعامه وشرابه إلى غيره بينما هو جائع عَطِشٌ تمامًا، وفي هذا يقول الله جل جلاله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (سُورَةُ الْحَشْرِ: 9/59).

ويوم اليرموك! وما أدراكم ما يوم اليرموك! يوم أن ارْتُثَّ[3] من ساداتنا الصحابة الكرام في هذه الحرب كلٌّ من الحارث بن هشام وعكرمة بن أبي جهل وعياش بن أبي ربيعة رضي الله عنهم أجمعين فَدَعَا الْحَارِثُ بِمَاءٍ يَشْرَبُهُ، فَنَظَرَ إليهِ عكرِمَةُ، فَقَالَ الحارثُ: ادفَعُوه إِلى عكرِمَةَ، فَنَظَرَ عَيَّاشُ بنُ رَبِيعَةَ، فَقَالَ عِكرِمَةُ: ادْفَعُوهُ إِلى عَيَّاشٍ، فما وصلَ إلى عياشٍ ولا إلى أحَدٍ مِنهُم حتَّى ذاقوا طعمَ الشهادةِ وما ذاقوا الماءَ رضي الله عنهم أجمعين[4].

وهكذا طافت قربة الماء بالصحابة الثلاثة واستشهدوا جميعًا دون أن يكون لأي منهم نصيب في رشفة ماء منها، وهذه الحادثة تضربُ أروع الأمثلة على خُلُقِ الإيثار وتفضيل الآخرين على النفس، والعيشِ تحلّيًا بخلق الإحياء والتمسك بالقيم الإنسانية الحقيقية.

  1. الْعِفَّةُ فِي الْخَلْوَةِ

نعم، إن “الْعِفَّة فِي الخَلْوَةِ” أي أن يتحلى الإنسان بالطُّهْر والعفاف في حالة الخلوة والعزلة والبعد عن عيون الناس مع إمكانية ارتكاب الذنوب والآثام ثالثُ الأعمال التي يصعُبُ تحقيقها.

وقد تحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سبعةٍ يُظلهم الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظلّه؛ وعَدَّ من بينهم: “رَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ[5].

ومن السهل -نوعًا ما- أن يبدو المرء عفيفًا وهو بين الناس، لأنه من الصعب للغاية عليه أن يرتكب ذنبًا وهو بين ظهرانيهم يراقبونه ويراقبهم، وينظرون إليه وهو ينظر إليهم، غير أنّ صمودَ مَنْ يجد نفسه واقعًا في دوامة الذنوب، ومِنْ حوله مجموعة من الفتّانين والمُغريين تحاول تضليله وإغواءه، وقدرتَه على المقاومة والصراخ في وجه ذلك قائلًا: “مَعَاذَ اللهِ” وتحلّيَه بالعفّة مستخدمًا إرادته ومسيطرًا على نفسه حتى يصبح رمزًا للعفّة كسيدنا يوسف عليه السلام، وتصدّيَه بوضوحٍ وحسمٍ لذلك الذنب الذي يُلوّث الأنظار ويشوّش العقول أمرٌ صعب للغاية؛ فصمودُ الإنسان على موقفه رغم ما يعرض له من مواقف سلبيّة ومشينة، وثباتُه عليه كالجبلِ الشامخ الشاهق الذي لا يتزعزع يستلزم إرادةً فُولاذيّة حقًّا، ولا ريب أنَّ ثواب مَنْ سيتغلب على مثل هذه الصعوبة سيكون عظيمًا بقدر عِظَم تلك الصعوبة، إذ “إِنَّ عِظَمَ الجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ البَلَاءِ[6].  

وَقَدْ رُوِيَ في الأثر أَنَّ شَابًّا كَانَ يَتَعَبَّدُ فِي الْمَسْجِدِ، فَهَوِيَتْهُ امْرَأَةٌ فدعته إلى نفسها، فما زَالَتْ بِهِ حَتَّى كَادَ يَدْخُلُ مَعَهَا الْمَنْزِلَ، فَذَكَرَ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ (سُورَةُ الأَعْرَافِ: 201/7)، فَخَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ فَأَعَادَهَا، فَمَاتَ، فَجَاءَ عُمَرُ فَعَزَّى فِيهِ أَبَاهُ، وَكَانَ قَدْ دُفِنَ لَيْلًا فَذَهَبَ فَصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ بِمَنْ مَعَهُ، ثُمَّ نَادَاهُ عُمَرُ فَقَالَ: يَا فَتَى ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ (سُورَةُ الرَّحْمَنِ: 46/55)، فأجابه الْفَتَى مِنْ دَاخِلِ الْقَبْرِ: يَا عُمَرُ قَدْ أَعْطَانِيهِمَا رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ فِي الْجَنَّةِ مَرَّتَيْنِ[7].

وتلك الحادثة أيضًا تُبيّن أن قدرةَ إنسانٍ اختلى مع الحرام على أنْ يصون عفّته أمرٌ صعبٌ غالٍ مهمّ للغاية، غير أنَّه للأسف ثمة بضعة عصور مضَتْ وانقضَتْ وطَوَت معها كمًّا من قِيمنا النبيلة، كما أنها دمرت فكرةَ العفّة لدينا تدميرًا، فتردّينا وانحططنا؛ إذ هيَّأ البعض بيئتنا لفساد الأخلاق وسيِّئِها عبر توفيره كل إمكانيات الفساد وسوء الأخلاق مستترًا بستار الحرّية، ونحن نؤمن بأن الله تعالى يُنعم ويمُنُّ بألطافه وفضله على مَنْ يُحافظون على عفّتهم وحيائهم في يومنا هذا برغم كل الصعوبات، وأنه سيُشرّفهم بالجنتين، ويتَوِّجُهم برضاه ورضوانه ورؤيته سبحانه وتعالى.

  1. قَوْلُ الْحَقِّ في وقت الشدّة

آخرُ تلك الأعمال الصعبة هو “قَوْلُ الْحَقِّ لِمَنْ يَخَافُهُ أَوْ يَرْجُوهُ”، وهذا يعني أن يقول الإنسانُ الحقَّ دون خوفٍ ولا وَجَلٍ في وجه من يُخشى منه أو يُبتغى منه منفعة، فإن لم يستطع الإنسان النطقَ بالحقّ أو الصمود حين يُمَنَّى بمجموعة من النعم والمنافع والوعود الزائفة يُكبِّلْه أصحابُ السلطة والقوّة ويقيّدوه بالسلاسل يومًا ما، ويجعلوه عبدًا لا سبيل لانعتاقه، ثم يجبرونه على فعل كل ما يريدون، وكما هو ثابتٌ ومشاهَدٌ في محافلَ شتى في يومنا هذا فإنّ الخوف عاملٌ يكبح الإنسان ويلجمه بينما يسعى ويجري في سبيل الحق، ويَشُلُّ إرادته ويقيد يديه وذراعيه بل يجعله مهيض الجناح.

ومثل ذلك ما يرجوه المرءُ من منافع لدى الإداريين والحكام الظلمة، فإن ذلك يُرديه في دركة الشيطان الأخرس، ويتسبّب في تضليله وارتكابه أعمالًا خاطئة وتزييفه الحقائق عمدًا، وما أكثر الأمثلة التي نشاهدها اليوم! وما أشدّها إيلامًا! فهناك الكثير ممن يُغيّرون اليوم ما قالوه بالأمس؛ فيُصرّحون بضدّه تمامًا، بسبب مجموعة من الامتيازات التي تُمنح لهم، أو بسبب تشوفهم إلى بعض الأماني والمنافع، أو ربما بسبب الخوف والقلق الذي سيطر عليهم؛ فهم يتغيرون بتغيّر الظروف والأحوال كما تفعل الحرباء تمامًا؛ فيرتكبون جرائم تقضي على حياتهم الدنيوية والأخروية على حدّ سواء؛ ويعيشون غالبًا حياة الأسرى والعبيد مقابلَ مجموعة من الوعود، ولا يستطيعون التحرك بحُرية أبدًا، بل ولا أنْ يكونوا أحرارًا أصلًا، وهكذا ففي عصرٍ سادت فيه المنفعةُ والخوفُ فإن البطولة الحقيقية تكمنُ في قولِ الحقِّ والثباتِ عليه، ومما لا شكّ فيه أنّ ثواب تلك البطولة في الآخرة سيكون بحسب حجمها وعظمها.

والحاصل أنَّ ثواب الأعمال وجزاءها يختلف بحسب الزمان والمكان الذي تتحقق فيه؛ فتَسَبُّبُ عملٍ صعبٍ وشاقّ في مضاعفةِ الثواب مرهونٌ بإخلاص النية، وعدم الشكوى لا صراحةً ولا ضمنًا، وبتعبير آخر: يجب على الإنسان وهو يُنجز عملًا شاقًّا ألا يشكو من الصعاب التي يتعرّض لها، بل عليه أن يصبر بالرغم من كل شيء، وألا يَسُبَّ القَدَرَ، وأنْ يُنجز ذلك العملَ رغبةً فيه ورضًا به كي يحصل على ثوابٍ بقدر المشقّة التي يتعرض لها من القيام بذلك العمل.

 

 

[1] وهو الكتاب المسمى بـ”المنبهات على الاستعداد ليوم المعاد” أو “الاستعداد ليوم المعاد“، قد ينسب إلى الحافظ ابن حجر العسقلاني غير أن في نسبته إليه أقوالًا وخلافًا.

[2] ص 40.

[3] ارْتُثَّ فلان: ضُرِبَ في الحرب فأُثْخِنَ وحُمِلَ وبه رَمَقٌ ثم مات.

[4] الحاكم: المستدرك على الصحيحين، 270/3؛ البيهقي: شعب الإيمان، 143/5؛ ابن عبد البر: الاستيعاب، 1084/3.

[5] صحيح البخاري، الأذان، 36؛ صحيح مسلم، الزكاة، 91.

[6] سنن الترمذي، الزهد، 57؛ سنن ابن ماجه، الفتن، 23.

[7] ابن عساكر: تاريخ دمشق، 450/45؛ ابن كثير: تفسير القرآن، 483/2.

أسلوب الإرشاد وتأثيرُ الكلمة

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ما الذي يجب مراعاته أثناء قيامنا بوظيفة “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” حتى لا نتسبب في دمار وهدم أثناء البناء؟

الجواب: إنّ مهمة “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” التي ذكرت في مواضع مختلفة من القرآن الكريم هي السمة والعلامة الفارقة المميزة لخيرِ أمة عن غيرها من الأمم؛ وقَولُ الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 110/3) بشارة لنا في هذا الصدد، كما أنَّه يُذكِّرنا في الوقت نفسه بمهمّتنا ووظيفتنا السامية المقدسة تلك؛ إذ يُخاطب القرآنُ معجزُ البيان القلوبَ المؤمنة مُبيِّنًا لها أنّها لم تُخرَج من أجل المسلمين فحسب، بل من أجل الناس قاطبة، فهم مكلفون بتعليم القيم الإنسانية للبشرية جمعاء، والواقع أنهم لم يُجبلوا على هذا الشعور بإرادتهم المحضة؛ بل إنَّ الله جل جلاله هو الذي شرح صدورهم للإنسانية، ووضعهم على الساحة وهيّأهم لأداء السيناريو الذي قدره.

وعليه فينبغي للأمة المحمدية أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر كي تستطيع الوفاء بالأمانة التي حملَتْها وتؤديَ الواجب الذي كُلّفت به تامًّا غير منقوص؛ والحقيقة أنَّ اختلافها عن غيرها من الأمم السابقة مرهونٌ بأدائها تلك الوظيفة.

المعروف والمنكر

المعروف: اسمٌ لكلِّ شيء وفِعْلٍ أمر به الدينُ وقَبِلَه العقلُ والحسّ السليم وارتضاه الضمير ففتح له أبوابه، وتقديمُ ذكر الأمر بالمعروف على النهي عن المنكر في الآية الكريمة أمرٌ مهمٌّ؛ وبناءً على ذلك لا بد أن ينتبه المؤمن إلى ألا يقول إلا معروفًا، وأن يعطيَ الأولوية إلى الحديث عن الجماليات والمحاسن أكثر من المنكرات والمساوئ؛ وعليه أثناءَ ذلك كله أن يضبط أسلوبه ضبطًا جيّدًا، وأن يُحدِّد مسبقًا بتأنٍّ ودقّة شديدة إلى مَنْ وبأي شكل وبأي أسلوب سيُقدم المعروف.

أما المنكر: فهو كل ما حرمه الدين ورفضه العقل السليم واعتبره ضارًّا، واستنكره الحس السليم، وأغلق الضمير أبوابه دونه، وعلى المؤمن إلى جانب الأمر بالمعروف أن يسعى للنهي عن المنكر ويجتهد للحيلولة دون رضوخ الناس للخطإ، واندفاعِهم إلى عالم المجهول بتأثير إحدى التيارات الجارفة، ومن ثم يغرقون في بحر لُجّيٍّ عميق، وعليه أن يكشف عن الوجه القبيح للظلم فيرُدَّ الظالم عن ظلمه، وأن يفضح الوجه المقزز للفسق والفجور فينهى الفاسق عن فسقه، ويُعرّي الوجه المرعب القبيح للكفر فيُثْنِيَ الكافر عن كفره، وبالطبع لا يفعل هذا بالكلام فحسب، بل عليه أن يعبر عنه بلسان حاله وتصرفاته بالدرجة الأولى، وأن يثير الاشمئزاز والتقزّز في قلوب مخاطبيه تجاه البوهيمية والشر والفحشاء، ويسعى لإبعادهم عن مثل تلك الأخطاء والذنوب.

ضرورة البعد عن تصوير الباطل

غير أنه يجب على المؤمن حين يعمل على كشف الوجه القبيح للمنكر ألّا يُظهر أنَّ المنكرَ قوي ومتألق، وإلا فقد يتكوّن لدى مخاطبيه نوعٌ من الميل والتقرّب إلى المنكر دون أن يشعر هو بذلك قط، وحريٌّ بنا أن نذكر هنا تحذير الأستاذ بديع الزمان في هذا الشأن؛ إذ يقول: “إن تصوير الأمور الباطلة تصويرًا جيّدًا جرحٌ للأذهان الصافية وإضلال لها”[1]. أجل، إنَّ الإنسان قد ينوي النهي عن المنكر فيرسمه بشكل يوقظ في مخاطبيه تطلُّعًا إليها أو غبطة لها، وهذا الخطأُ لا يُرتكب بالقول والكلام فحسب؛ فكما يحتمل أن يشوش الأذهانَ ويعكرَ صفوها إنسانٌ يعظ أو ينصح الناس أو يُحاضر فيهم في مكان ما بما يقوله من كلام فإنَّ مَنْ يصور فيلمًا أو مسلسلًا قد يقع في الخطإ نفسه بما يعرضه من مشاهد على الشاشة، وإن كان هؤلاء قد استهدفوا من وراء فعلهم ذلك تصويرَ الجانب القبيح من الباطل في ضمير المجتمع فقد يوقظون بفعلهم هذا -دون وعي- شعورًا بالغبطة والتطلّع إلى ممارسة تلك الذنوب لدى ضعاف الإرادة، وهكذا فإنَّ من يتحركون بهدف التعبير عن الحق وحمايته ربما يدفعون غيرهم للسير في طريق خاطئ.

ينبغي ألا نحطّم الآمال

وكذلك أيضًا حينما تحاولون تصوير الأشياء السلبية وضروبِ القبح والشر المختلفة على نحوٍ يعكّر المزاج ويحطّم القوة المعنوية فإنّكم تكونون بذلك قد خالفتم أمرَ النهي عن المنكر.

وربما تقولون وأنتم تعانون حالة من الاضطراب النفسي: “تعيش الإنسانية في يومنا هذا محرومة من البكاء، ولم يقع قحطٌ ولا جدبٌ في أي زمنٍ بقدر ما حدث في يومنا هذا؛ فالعالم الإسلامي يحترق في نار مُستعِرة، وتُداس عزته وشرفه وكبرياؤه تحت الأقدام، ويُلعبُ بشبابه وشيوخه، غير أن الناس لا يشعرون في مواجهة هذه اللوحة المؤلمة ولو حتى بمجرد الحزن، بل يتصرفون ببخلٍ وشحٍّ فلا يخصصون ولو بضع دقائق من وقتهم يتباكون ويتحسرون فيها على ذلك…”، غير أنكم حين تعبرون عن ذلك النوع من الأمور يساوركم بل يجب أن يساوركم قلقٌ من قبيلِ: “تُرى هل نخطئ بقول هذا؟”، لأن الإنسان وهو يرسم وضعًا سلبيًّا قد يصوّر -دون أن يشعر- مناخًا قاسيًا لا يتحمّله مخاطبوه، بل ويهزّ قوتهم المعنوية ويزعزعها.

إن الإنسان حين يقارن المناخ السلبي الذي يعيشه الآن بالماضي ربما يعيش نوعًا من التردد والتذبذب بسبب قلقٍ مشابهٍ؛ ولعلكم تتذكرون الأبيات الشعرية للسلطان أحمد الثاني؛ حيث يقول (ترجمة):

يا رسول الله خارت قواي بفراقك

وتقطع هذا القلب إربًا إربًا لبِعادك

ولم تبق محبةٌ في العشق

وأفاضَ مدمعي -وأنا المسكينُ- حكمُ القضاء

فلم يتبقّ لسيدنا يعقوب أيُّ نصيبٍ من البكاء

وعندما تُطالِعون هذا تدركون كم هو من المؤلم أن تؤول السلطنة من بعد هذا السلطان المبجل عاشق النبي صلى الله عليه وسلم والمُولَه به إلى أناس شغوفين بالسلطة مولعين بها! وتعبرون عن ملاحظاتكم تلك، وكم هو مؤلمٌ وباعثٌ على الحزن والأسى بالنسبة لمن عرفوا العصر الزاهر في الماضي أن يعيشوا الآن موسم الخريف؟! وربما أنَّه ليس هناك حالٌ ولا وضع أكثر إيلامًا وإيجاعًا وإيذاءً للنفس من عدم الإحساس بمثل هذا الحزن، ومن عدم مقارنتنا بين الماضي والحاضر! غير أنَّ الهوة التي تردينا فيها خطيرة للغاية؛ فلقد غيَّبَتْنا وجعلَتْنا لا نستطيع أن نشعر بالحفرة العميقة التي سقطنا فيها، ولا حتى بالأزمة التي نعيشها.

كل ما تقدم تعبيرٌ عن الحقيقة، غير أنه لا يحسُن التصريح بالحق في أي وقت، فأحيانًا ما تُصرّحون بحقيقة تؤمنون بصحتها غير أن مستوى فهمِ المخاطبين وأفقَ قلوبهم إن لم يكن في درجة من النضج تمكنهم من فهم تلك الحقيقة فقد تدفعونهم بكلامكم وحديثكم هذا إلى اليأس والقنوط وإلى تكوُّن قناعة خاطئة لديهم بأن أوجه الجمال والخير تلك تبدو وكأنه يستحيل أن تتكرر وتُعاشَ من جديد، وهكذا فإن من يحاولون تحذير الناس ونهيهم عن الأشياء السلبية الضارة بواسطة ما ينتجونه من أفلام ومسلسلات ومسرحيات ويحررونه من مقالات ويقدمونه من نصائح ومواعظ يتسبّبون أحيانًا في حدوث انكسارات يظل الناس بتأثيرها يُعانون انكسارًا دائمًا؛ فتتحطم بسببها قواهم وسواعدهم، فييأسون ويقنطون.

ومن هذه الناحية فإنَّه ينبغي لمن سيلقي كلمة في مكان ما أنْ يقرأ مشاعر مخاطبيه قراءةً صحيحة، ويقدم المسألة أو القضية التي يتناولها بأسلوب مناسب، وأن يضعَ في حسبانه أيضًا ما قد يتكون من ردود فعل محتملة لدى المخاطبين؛ لأن ما يُلقى من كلام وحديث دون أن يوضع في الاعتبار ما يقرّه المخاطبون وما يرفضونه ربما يؤدي إلى نتيجة عكسية مخالفة لتلك التي يُرجى الحصول عليها.

والحاصل أنه لا بد من تَوخّي الحيطة والحذر عند الأمر بالمعروف والحثِّ عليه، والنهي عن المنكر والترهيب منه، فلا يُبالَغنَّ في تصوير الباطل، ولا يُبخلَنَّ في بيان الحق وإظهاره كما ينبغي.

مراعاة الحق أثناء الحديث

قد تخرجون عن دائرة الأمر بالمعروف أحيانًا حيث ترغبون في الحديث عن الأشياء الإيجابية والجميلة؛ ومن ذلك على سبيل المثال أنكم ربما تبالغون وأنتم تتحدثون عما تقومون به من فعاليات وأنشطة، ومن المعلوم أن المبالغةَ كذبٌ خفيّ مستور، ويستحيل تمامًا خدمة الدين ولو حتى بِذَرَّةِ كذب واحدة أضف إلى ذلك فإنَّ المبالغةَ سببٌ رئيسٌ في انقطاع البركة الإلهية والفيض الرحمانيّ المتجلي في الفعاليات والأنشطة الجميلة الخيرة.

وحين تتحدثون عن الأشياء الإيجابية قد تنسبون شيئًا منها إلى أنفسكم وكأنكم أنتم مصدرُها، في حين أن (99.9%) من المسألة التي تتحدثون عنها هو من عند الله، أما نصيب الإرادة البشرية هنا فهو واحد في الألف، ونحن لا ننفي هذا، وإلا تردَّينا في نفس الخطإ الذي تردت فيه “الجبريّةُ”، وانزلقْنا دون شعورٍ منّا في نوعٍ من الفلسفة الحتمية والجبرية، ولكن إنْ تصرف مَنْ يرسُم أشياءَ جميلةً ويقدمها للآخرين وكأنه بطل هذا العمل ونسبَ إلى نفسه شيئًا منها ولو حتى في خياله فقد دنّس خياله بهَبَّات الشرك، وسيأتي يوم يصطدم فيه هذا الخيال القذِر بفهمه وأفكاره فيُحدِثُ فيها انكسارًا مروّعًا، ثم يصيب عقلَه فيؤدي إلى حدوث مجموعة من الصدوع فيه، ثم يبدأ مثل ذلك الإنسان يردد أولًا: “نحن.. نحن” التي تعتبر أبسطَ درجات الشرك باعتبارها “أنانية جماعية”، حتى يتطوّر به الأمر فيقول “أنا.. أنا” التي هي أغلظ درجات الشرك.

ابدأ بنفسك

وثمة أمر آخر ألا وهو أن يكون الناصح والواعظ لغيره إنسانًا يعيش شخصيًّا ما يقوله لمخاطبيه حتى يؤثر فيهم تأثيرًا إيجابيًّا؛ فقد ورد أنَّ الحق تعالى خاطب عيسى عليه السلام قائلًا: “يَا عِيسَى عِظْ نَفْسَكَ فَإنِ اتَّعَظَتْ بِهِ فَعِظِ النَّاسَ وَإِلَّا فَاسْتَحْيِ مِنِّي[2]، وهنا يبين الحقّ جل وعلا أنَّ الإنسان عندما ينصح الآخرين بشيءٍ دون أن يلتزم هو به يكون قد أساء الأدب مع الحضرة الإلهية، وإذا ما فكّرْنا في تنبيه الله تعالى لنبيٍّ من أولي العزم كسيدنا عيسى عليه السلام الذي كان يطبق على نفسه أضعاف أضعاف ما يبديه من نصحٍ للآخرين؛ يتّضح أكثر إلى أيِّ مدى يجب على الآخرين أن يتنبهوا ويكونوا يقظين في هذا الشأن.

وإنّ عجْزَنا عن التخلّص من الشكليات والصوريّات وعدمَ تجاوزنا الصورة إلى المعنى لهو عامل آخر من عوامل انعدام تأثير كلامنا في مخاطبينا، ولو أن مليونًا ونصفَ المليون من بين المسلمين البالغ عددهم حوالي مليار ونصف المليار في العالم طبقوا الإسلام كما طبقه المسلمون في عصر السعادة لكان وجهُ الإنسانية مختلفًا تمامًا عمَّا هو عليه الآن، وكي لا نُحرَم من النعم التي وعدَنا بها الحق تبارك وتعالى في قوله: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ: 7/14) فإنه ينبغي لنا أن نحمده على ما نحن عليه، فله الحمد على كل حال.

اللهم لا تحرمنا نعمك التي أنعمت علينا، ولا تجعلنا نكفر بها، اللهم اشرح صدورنا وبلِّغْنا حقيقةَ الإنسانيّة، اللهم مُنَّ علينا بقلوب تفيض لك شكرًا، وتقشعر منك خشية، وتتضرع إليك عجزًا وفقرًا.. آمين!

 

[1] بديع الزمان سعيد النورسي: الكلمات، اللوامع، ص 829.

[2] الإمام أحمد بن حنبل: الزهد، 54/1؛ أبو نعيم: حلية الأولياء، 382/2.

آهات الندم

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ما صفةُ الحياة التي يجب أن نحياها كي لا نقول “يا ليتنا!” لا في الدنيا ولا في الآخرة؟

الجواب: إذا كان المؤمن لا يرغب في أن يُدنِّس دنياه وعُقباه بآهات الندم فعليه أوَّلًا أن يعرفَ الله جل جلاله حقًّا، ويسير في سبيله ويسعى للوصولِ إليه ويجتهدَ مستخدِمًا في سبيلِ ذلك كلَّ الإمكانيات التي أنعمها عليه عز وجل استخدامًا إيجابيًا ومثمرًا، وفي سبيلِ ذلك عليه أن يعيش حياته على بصيرة من أمره دائمًا، وألا يتخلى عن الحيطة والحذر أبدًا، وأن يعملَ على قراءة الحوادث قراءة صحيحة، وأن يكون في كلِّ وقت وحينٍ واعيًا بمتطلّبات ومقتضيات مسؤوليّته وموقعه الذي يشغلُه.

“يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَنًا خَلِيلاً!”

ولقد تعرَّض القرآن الكريم في عدة آيات منه لندم التُّعساء الذين خسروا أُخراهم تمامًا؛ فمثلًا يشير الله تعالى في إحدى آياته إلى أنَّهم سيتحسرون على ما قدمت أيديهم ويتندم كلُّ واحدٍ منهم قائلًا: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ (سُورَةُ النَّبَأِ: 40/78)، وهكذا سيندمُ الكافرون الذين سيلقون عقاب ما ارتكبوه من مظالم وذنوب في الدنيا؛ حتى يتمنى كلُّ فردٍ فيهم أنْ لو كان ترابًا.

وثمة آية أخرى تُصوِّرُ حالَ مَنْ ضلَّ الطريق المستقيم واتبع غيره فغوى تقول: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَنًا خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولاً﴾ (سُورَةُ الفُرْقَانِ: 27/25-29) فإن كان الإنسان لا يرغب في التلوّي والتألُّـم على هذا النحو في الآخرة وجب عليه أن يعيش في الدنيا بحساسية وحيطة؛ فيُحدد قدوتَه الذي سيحذو حذوَه، ثم لا يبرحُ قيدَ أنملةٍ طريقَ الأنبياء والرسل الذين أرسلهم الله تعالى إلى الناس حتى لا يضلّوا ولا يزيغوا.

والحقيقة أنَّ الله تعالى ما ترك الناسَ في أيِّ وقت قط دونَ رُوّادٍ وهُداةٍ؛ إذ أنارَ طريقنا بالأنبياء العظام والأصفياء الكرام والأولياء الفخام الذين هم ضياءُ ومرآةُ وجودِه سبحانه وتعالى، غير أن الإنسان إن تجاهلَ في هذه الدنيا أولئك الأئمة والقدوة والروّاد، ولم يقتفِ أثرهم وسار ضحية للتَّشَرُّد والتيه فقد ضلّ طريقه وهوى في حفرةٍ من الضلال والشهوات تُؤدّي به في الآخرة إلى السقوط في “غَيّ” جهنم[1]، فيظل يتندّم ويتأوّه فيه متأسِّفًا على حاله يقول: “يا ليتني! يا ليتني!”.

صراخ الظالمين ندمًا: يا ليتنا!…

ولقد ذُكر في آية أخرى أنَّ هناك من سيأكله الندم عندما تتناثرُ الصُّحُفُ وتُوزَّع صحائف الأعمال على أصحابها؛ فبينما يُسَرُّ مَنْ يأخذ كتابه بيمينه فرحًا قائلًا: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ﴾ (سُورَةُ الْحَآقَّةِ: 19/69-20)، يَتَحَسَّرُ مَنْ يأخذ كتابه بشماله قائلًا: ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ (سُورَةُ الْحَآقَّةِ: 25/69-29)، ويتألّـم ندمًا على أَنْ فرّط في الدنيا ولم يعمل صالحًا، فخسرَ في وقت هو أدعى للكسب.

نعم، الذين عملوا الصالحات في هذه الدنيا وجعلوا الحركة الإيجابيّة والخير دَيدانَهم ومبدأَهم فيها واستقاموا على الطريق سَيُؤْتون كتبَهم في الآخرة بأيمانهم فيستبشرون ويفرحون، أما من يُؤتون كتبهم بشمائلهم فَسَيَجدون ذنوبهم المخزية وجرائمهم المثيرة للاشمئزاز مكتوبةً مسجَّلة عليهم، فسيرون أنَّ لكلٍّ منهم صحيفةً سُجِّلت فيها جميع الذنوب التي ارتكبها؛ إذ إنّهم قد نظروا إلى الحرام وساروا إليه ومدوا أيديهم له، وانتهكوا الحقوق والحرمات؛ فسيندمون عندئذ أشدَّ الندم وسيتحسّر كلٌّ منهم قائلًا: “يا ليتني…! يا ويلتى…!”، ولسوف يتَلوّون خجلًا مما اقترفوه من الذنوب حتى قبل أن يدخلوا جهنم.

ولذا فإنَّ هذا المخلوقَ الرائع الذي خلقه الحقُّ سبحانه وتعالى في أحسن تقويم، وجعله قبلةً للملائكة، وأرسله إلى الدنيا مزوّدًا بملكات وقدرات خاصة يجب عليه ألا يتردى في مثل تلك الرذائل والسفاهات من أجل دنيا ومقامات ومناصب وسلطنة زائلة فانية، وينبغي له ألا يدنس إنسانيته، لأنه إنْ لم يحافظ على تكريم الله تعالى إياه انطبق عليه قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ (سُورَةُ الأَعْرَافِ: 179/7)، ونال صفعة يتدحرج بسببها ربما إلى دركات أشدّ وضاعة ودناءة حتى من أكثر المخلوقات حقارةً وخسّة.

عذابُ الضمير يساوي عذاب جهنم

عندما يتردى الإنسان في هوةٍ فإنَّ عمقها يكون على مقدار علوّ المكانة والمرتبة التي كان عليها، وقد تحدَّث الأستاذ بديع الزمان في هذا الشأن فقال: “وما دام مسلكُنا هو “الـخليلية” فمشربنا إذًا “الـخُلّة”، والـخلة تقتضي صَديقًا صدوقًا ورفيقًا مضحّيًا، وأخًا شهمًا غيورًا.. وأسُّ الأساس لـهذه الـخلة هو “الإخلاص التام”، فـمن يقصّر منكم فيه فقد هوى من على برج الـخلة العالي، ولربـما يتردّى في وادٍ سحيق؛ إذ لا موضع في الـمنتصف”[2]، وبالشكل نفسه فإنَّ “المغنَمَ على قدرِ المغرَمِ”؛ أي إنَّ الخطر الذي قد يتعرّض له الإنسان يكون بقدرِ ما يحظى به من نِعم الله وألطافه، فالقاعدةُ أنَّ “الغنيمة تزدادُ أو تنقصُ بقدر الخطر المتوقّع”؛ فإن كان الإنسان مُحاطًا بكثيرٍ من ألطاف الله تعالى فهذا يعني أن مخاطره ستكون بقدر ما يتنعّم به، فربما يتردّى في حفرة عميقة حين يجحد نعمَ الله عليه ولا يُقدّرها حقَّ قدرها.

ومن يحتقر ماهيته الإنسانية وتكريمَ الله تعالى إيَّاه بما ارتكبه من ذنوب وأخطاء، ويُجالسُ الشيطان ويأنسُ به بالرغم من أنه خُلِقَ ليأنس بالله ويكون في معيته، ولا يعي أهمية وظيفته ورفعةَ رسالتِه، ويرتكب أفعالًا لا تليق به بحيث يُدنِّسُ ملكاته التي فُطِرت فيه؛ سيندم ويقول: “ليته حُكِم عليّ بالعدم.. ليتني لم أكن شيئًا مذكورًا، ولم أرَ كلَّ هذا، ولم أشعرْ به!”، وسيشعر بعذاب عميقٍ في وجدانه حين يرى ما دُوِّن في صحيفة أعماله ولما يَنَلْ بَعدُ العقابَ الذي يستحقه.

فإن كان الإنسان يريد ألا يتعرض لمثل تلك الحالة من الندم في الآخرة فعليه أن يتمسّك تمامًا باتباع الحق في هذه الدنيا، وأن يقتديَ برسول الله صلى الله عليه وسلم وبخلفائه الراشدين، ويسعى لأن يعيش مثلهم ويحذوَ حذوهم؛ إذ لم يخلدوا إلى الفرش الوثيرة الدافئة، ولم يركضوا طلبًا للقصور والنزل الساحلية، ولم يأبهوا بمتاع الدنيا حتى وهم يتربعون على قمة الدولة، ولقد انتقل النبيّ إلى أفق روحه تاركًا الدنيا ودرعُه مرهونةٌ عند يهوديٍّ مقابلَ قدرٍ من الشعير يسدُّ به النبيُّ صلوات الله عليه حاجةَ أهله[3]، وكذلك كان خلفاؤه الراشدون الذين ساروا على نهجه؛ فلم يتركوا شيئًا من متاع الدنيا حينما انتقلوا إلى الآخرة دار البقاء، فأرَونا بذلك وعلَّمونا كيف يجب أن نغادر هذه الدنيا ونرحل عنها، ومن بِهُداهم اقتدى فلن يندم أو يتحسّر لأنه لن يُقارِفَ ما يستدعي ذلك.

العُمرُ ليس زهرًا يُلقَى على طاولة القمار

وكي لا يندم الإنسان يجب عليه أن يعيش تلك الحياة التي عبّر عنها الشاعر قائلًا:

ولدَتْكَ أمّك يا ابن آدم ضاحكًا * * والناسُ حولك يضحكون سرورًا

فــاعـمـلْ لـيـومٍ أن تـكـون إذا بـكــوا * * في يــوم مـــوتـك ضـاحـكًا مسرورًا

أجل، يجب على مثل ذلك الإنسان ألا يحزن على موت نفسه، بل ينبغي للآخرين أن يشعروا بالحزن لرحيله عنهم وفراقهم إيَّاه؛ فالطفل يبكي حين يُولد بينما أقرباؤه مِنْ حوله يفرحون، ومن ثم يلزم الإنسان أن يعيش حياة صالحة فيفرح بالموت؛ إذ إنَّه سينتقل مسرورًا فرحًا إلى الآخرة، إنه ينتقل إلى أفق روحه، فإن كان لا بد من الحزن فليحزن غيرُه على فراقه، وإن كان لا بد من البكاء فليبكِه من سواه، وعلى من فرحوا لمولده أن يبكوا لوفاته؛ فمثل هؤلاء الناس لم يتحسّروا ولم يندموا قط، أما من يرون العمر -الذي هو رأسُ مالهم- زهرًا يُلقى على طاولة القمار ويُهدرونه فلسوف يتلوّون في الدنيا والآخرة حسرةً وندامةً.

ولا سيما من نذروا أنفسهم لخدمة الإيمان والقرآن فعليهم أن يحيوا حياة لا يعقبها ندمٌ ولا حسرةٌ؛ فلا تدخل آهة الندم “يا ليتني” عوالِمَهم اليوم ولا غدًا، وعليهم أن يغتنموا العمرَ اغتنامًا يجعلهم يفرحون بالنعم الأخروية التي سيحظون بها عندما يرحلون عن الدنيا، بينما يبكي العالم على رحيلهم وفقدانهم، وينبغي للأجيال التي ستخلفهم ولو حتى بعد رحيلهم بقرون أنْ تتذكّرهم بالقول الحسن والذكريات الطيبة؛ وهذا أفقٌ سامٍ أظهره لنا القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ (سُورَةُ الْحَشْرِ: 10/59).

وإننا حينما نستعرض ذاكرة التاريخ ونسترجع الماضي نقول: “اللهم ارضَ عن ساداتنا أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ ألف مرة ومرة! فما أعظم ما تركوه لنا من آثار وميراث! لقد ثمنوا نعمك التي مننت عليهم بها بعظيم رحمتك وشفقتك حتى جعلوها كالسنابل تنبت سبعًا، وتزدادُ إلى سبعينَ”، فنحن نتذكر أولئك الرجال بالخير والمعروف.

أمَّا من ينتهكون حقوق الناس ويغتصبون أموالهم ويأكلون ما تصل إليه أيديهم دون تفريقٍ بين حلال وحرام فلسوف يلعنُهم الناس ويلعنهم اللاعنون، وسيتذكرهم اللاحقون قائلين: “لا استراحوا في حياتهم ولا الناسَ أراحوا؛ ففارَقوا الدنيا؛ فليُعِنِ الله أهلَ القبور على أن يتحملوهم!”، ومن ثم فعلى الإنسان أن يحذرَ من ارتكاب ما يُخزيه في الآخرة ويجعله يتمنّى لو انشقّت الأرض فبَلَعَتْهُ، بل عليه أن يعيش طاهرًا دائمًا، فينتقل إلى مثواه الأخير محفوفًا بالطهر والنقاء، ولا سيما أنَّ من يحملون على عواتقهم أمانةً عظيمةً يسعون إلى تسليمها إلى الأجيال القادمة يجب عليهم أن يطلبوا الله في كل شيء ولا يطلبوا الدنيا في شيء، وألَّا يُلوّثوا أطرافَ ثيابهم بدنسِ الدنيا، وعليهم أن يدعوه عز وجلَّ: “اللهم لا تحرمنا منك!” فيعيشوا حياتهم بهذه القناعة، ويموتوا عليها، وكما وردَ في الأثر فإنَّ المرءَ يموتُ على ما عاش عليه، ويُحشَر على ما مات عليه، ويدخل الجنة أو النار على ما حُشر عليه.

“لا تنسَ أن الموت يأتي بغتة”

ويقول الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي: “يا أسفى، لقد خُدعنا، فظنَنَّا هذه الحياة الدنيا مستقرّة دائمة، وأضَعْنا بهذا الظنّ كلَّ شيءٍ… نعم، إن هذه الحياة غفوةٌ قد مضت كرؤيا عابرة! وهذا العمر الذي لا قرار له يذهب ذهابَ الريح”[4] فيلفت الانتباه إلى أن الدنيا فانيةٌ زائلةٌ، كما يقول في موضع آخر:

“أنا فانٍ، مَن كان فانيًا لا أريد

أنا عاجزٌ، من كان عاجزًا لا أريد

سلّمتُ روحي للرحمن، فسواه لا أريد

بل أريد..

حبيبًا باقيًا أريد

أنا ذرة.. شمسًا سرمدًا أريد

أنا لا شيء، ومن غير شيء، الموجوداتِ كلَّها أريد”[5].

فيؤكد على ضرورة أن يطلب الإنسانُ الأشياءَ العظيمة، وأنه لا قيمة لما يقدره أهل الدنيا ويعظمونه من أشياء؛ فنسأل الله تعالى ألّا يُضلّنا عن طريق السعداء؛ فطريقهم هو طريق مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم.

ونختم الموضوع بما يُنسب إلى سيدنا عليّ رضي الله عنه من القطعة الشعرية التي يقول فيها:

يَا مَنْ بِدُنْيَاهُ اشْتَغَلْ     قَدْ غَرَّهُ طُولُ الْأَمَلْ

أَوَلَمْ يَزَلْ فِي غَفْلَةٍ       حَتَّى دَنَا مِنْهُ الْأَجَلْ

المَوْتُ يَأْتِي بَغْتَةً      وَالْقَبْرُ صُنْدُوقُ الْعَمَلْ

اصْبِرْ عَلَى أَهْوَالِهَا     لَا مَوْتَ إِلَّا بِالْأَجَلْ.

 

 

[1] انظر: سورة مريم: 59/19.

[2] بديع الزمان سعيد النورسي، اللمعات، اللمعة الحادية والعشرون، الدستور الرابع، ص 224.

[3] صحيح البخاري، الجهاد والسير، 85.

[4] بديع الزمان سعيد النورسي: الكلمات، الكلمة السابعة عشر، المقام الثاني، ص 227.

[5] المصدر السابق: الكلمة السابعة عشر، المقام الثاني، اللوحة الثانية، ص 235.

محور أصول الدين

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: تتحدثون في دروسكم كثيرًا عن أهمية الالتزام والتمسك بـ”أصول الدين”؛ فهل تشرحون ما تقصدونه بذلك؟

الجواب: أصولُ الدين هي المبادئ والمعايير والقواعد الأساسية في الدين، ومن أركانها: الأسسُ التي تحدد إطار وماهية الاعتقاد، والمناهجُ المطروحة من أجل معرفة الحق تعالى، والقضايا المتعلقة بالحشر والنشر، والحقائقُ الخاصة بالعلاقة بين الله والكون والإنسان.

أسوار الإيمان والإسلام

وكانت تلك الأسس التي وضعها الشارع الحكيم موجودةً وقائمةً في العصور الأولى من الإسلام، غير أنه لم يُعبَّر عنها باسم محدد أو اصطلاحٍ مخصّص، لكنَّ العلماء اللاحقين كالإمام الماتريدي وأبي الحسن الأشعري اتَّبعوا منهجًا تدريجيًّا وتقسيمًا علميًّا؛ فجعلوا ما وصلهم من حقائق في صورة بناءٍ منظم وممنهج أو كشجرةٍ ذات أغصان وأوراق، كما وضعوا شروحًا مفصّلة كي يَحُولوا دون وقوع خطإ في فهم تلك الحقائق أو تحريفها وتبديلها.

وهناك مواضيع خاصة بأصول الفقه مثل كيفية تطبيق الإسلام في إطار القرآن الكريم والسّنة النبوية، والمناهج التي يجب اتباعها عند استنباط الأحكام من تلكما المصدرين الأساسين، وكيفية حل المشكلات التي تقع في الحياة اليومية، هذه المواضيع ظلت هي أيضًا مدة معينة من الزمان قائمةً وموجودة دون أن يُطلَقَ عليها اسمٌ او اصطلاح خاص، ثم نظمها الفقهاء في العصور اللاحقة، ووضعوا نظامًا خاصًا بكلّ واحدةٍ منها، وحددوا أطرها مادة مادةً؛ بحيث إذا ما دارت حياة الإنسان في فلك تلك النظم الأساسية كلها؛ فإنه بإذن الله تعالى وعنايته لن يخطئ أو يتخبط أو يتناقض أبدًا.

إن الإسلام دينٌ عالمي يُخاطِب البشرية جمعاء إلى يوم القيامة؛ ومن ثمّ يمكن الإتيان بتفسيرات واجتهادات شتّى تلائم الزمان شريطة الالتزام بأصول الدين ومبادئه الأساسية، غير أنه من الخطإ والتحريف أن يفعل الإنسان مثلما فعل أنصار المذهب التاريخيّ حين عمدوا بأهوائهم إلى إيجاد واختراع مجموعة من المناطات والعلل للأحكام الواردة في القرآن والسّنة فقيَّدوها بها، ثم زعموا من عند أنفسهم أن تلك المناطات قد تغيّرت فحاولوا إبطال تلك الأحكام واستبدالها بأخرى بناءً على تغيُّرِ تلك المناطات…

وهذا لا يستقيم لأن الإنسان إن فعل ذلك فقد ابتعد عن الأركان التي أقرّتها أصول الدين، وإذا ابتعد عن تلك المبادئ الأساسية تَعذّرَ القطع بمآل الأمر وعاقبته، فضلًا عن ذلك فإنَّ مثل هذا التصرف دليلٌ واضح على أنّ الإنسان يعيش مرحلة من الاغتراب والانسلاخ عن عالمه وهويته الفكرية الخاصة، ومن يقع في هذا ولو مرة واحدة فقد استسلم لشلّال الاغتراب والانسلاخ.

وحتى لا يتعرض الإنسان لمثل هذا الاغتراب الذي من شأنه أن يذروه بعيدًا عن قيمه الخاصة به لا بدَّ من الالتزام والتمسك التام بالمصادر الأساسية لموروثنا الثقافي وعلى رأسها القرآن الكريم والسُّنة النبوية؛ فالقرآن الكريمُ كلام الله تعالى، وكما قال الأستاذ بديع الزمان: “إنَّ القرآن الكريم يتلو آيات الكائنات في مسجد الكون الكبير هذا؛ فلنُنْصِت إليه، ولنتنّوَّرْ بنوره، ولنعمل بهديه الحكيم، حتى يكون لسانُنا رطبًا بذكره وتلاوته. نعم! إن الكلام كلامُه، فهو الحقُّ، يأتي من الحقّ، يقول الحقَّ وينشر الحكمةَ النورانيةَ”[1] فنبّهنا إلى أنَّ القرآن الكريم هو شمس الهداية التي تسوقنا وترشدنا إلى الطريق المستقيم أيًّا كانت الظروف التي نقع تحت وطأتها ونمر بها.

إن أيَّ استحداثٍ وابتداعٍ يخالفُ المبادئ الأساسية المنبثقة من تلك المصادر الإلهية المقدسة لهو بدعةٌ، “وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ[2]، فحذارِ ثمَّ حذارِ من الابتداعِ المذموم، سواء كان الابتداع في الفكر أو الحركات أو العبادات أو الطاعات أو تأويل القرآن والسنّة. أجل، إن اعتبار الرسل مجرَّدَ سعاةِ بريدٍ -حاشا وكلا- بدعةٌ وضلالة، ومن البدعة أيضًا النظر إلى الصحابة الكرام والسلف الصالح ودراستهم على خلاف المفاهيم التي حددها لنا القرآن الكريم والسُّنة النبوية، وكذلك التصديق ببعض الأمور المنكرة التي أسندها بعضُ الفِرَق الضالة مثل المعتزلة والجبرية للذات الإلهية، مثل مسألة الصلاح والأصلح، وهي ادّعاء المعتزلة أنّ الله جل جلاله يجب عليه فعلُ الأَصْلَح (أي ما هو أفضلُ مصلحةً) أو أنّه مضطر لمراعاة المصلحة والمنفعة في كل شؤونه.. وهذه المسألةُ مردودةٌ بقول الله تعالى ﴿إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ (سُورَةُ الْحَجِّ: 18/22) و﴿يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ (سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 1/5) و﴿لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ: 23/21).

وكما أن الفهم الصحيح للأسس والمبادئ التي وضعها علم أصول الفقه أمرٌ مهمٌ للغاية كي نفهم الفقه فهمًا صحيحًا فإن التعرف على أصول الدين مهمٌّ للغاية للحيلولة دون وقوع أيّ انحراف في الاعتقاد، وقد خَلَّفَ أئمة المذاهب ومن تبعوهم موروثًا غنيًّا في مجال أصول الفقه مع وجودِ بعض الاختلافات والفروق بينهم حول الفروع، وعلى نفس الشاكلة فإنَّ كبار العلماء الذين جاؤوا لاحقًا وعلى رأسهم الإمام الماتريدي والإمام أبو الحسن الأشعري قد خطوا مؤلفات في أصول الدين حاولوا بها حمايتنا من الخطإ والزلل، وإذا ما تمسَّكْنا بالمبادئ المقررة سواء في أصول الفقه أو في أصول الدين فسننجح في تقبُّل متغيرات الزمان ومَلء الساحات الفارغة التي تركها الإسلامُ للاجتهاد، أمَّا إذا انتُهكت تلك المبادئ الأساسية فإنَّ الاجتهادات لن تتجاوزَ كونها بدعة حتى وإنْ أُحْسِنَتْ قراءة الزمان وجيء بتفسيرات وتأويلات جميلة للغاية.

الحفاظ على الأصول والأسلوب على حدٍّ سواء

كما يجب ألا نخالف المبادئ الأساسية حين ننقلُ إلى مختلف أنحاء العالم تلك القيمَ الخالصة النقيَّة النابعة من جذرونا الروحية والمعنوية؛ كذلك بالضبط يجب علينا حينما ننهل نحنُ من تلك البلاد ما هو مفيد لنا، فإن لم نراعِ الدقة البالغة تجاه هذا الأمر فلربما نقع في بعض الأخطاء، فمثلًا ربما ننزلق دون داعٍ إلى نوع من المداراة والمماشاة بغيةَ توضيح حقائق معينة إلى مخاطبينا من غير المسلمين، سعيًا وراء إرضائِهم فقط، وقد نُخطئ في مسألة تفضيل الناس في عالمنا القلبيّ، وهذا كلُّه يعني الانحراف عن مبادئ أصول الدين وأسسِه؛ لأن القرآن الكريم يأمرُ المؤمنين بألا يتّخذوا أولياء لهم من دون المؤمنين[3].

غير أنَّ هذا الأمر لا يعني أنْ يقطع المؤمنُ علاقاته بغير المؤمنين وأنْ يُعرض عنهم تمامًا؛ ففعلُ هذا مخالفٌ للمبادئ الأساسية في نفس الوقت؛ إذ يُبيّن القرآن الكريم أنَّهم ليسوا سواء: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 113/3)، ومنهم من يدعو إلى الحقِّ والحقيقة فيقول: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ (سُورَةُ الأَعْرَافِ: 159/7)، ومنهم من إذا سمعوا القرآن يُتلى فاضت أعينهم من الدمع لأنهم يعرفون الحقّ فيقول تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ (سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 83/5)، ولذلك ينبغي ألا ننظر إلى أهلِ الكتاب كلّهم نظرة واحدة فنُعرضَ عنهم أجمعين؛ حيث يبين الله تعالى بقوله ﴿لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (سُورَةُ الْمُمْتَحَنَةِ: 8/60) أنَّه لا بأس ولا حرجَ في التقرّب منهم بالإحسان إليهم؛ وعليه يتحتّم إيجاد سبيلٍ يناسب كلّ إنسان حسب موضعه ومكانه، وإقامةُ علاقةٍ وتواصلٍ مع الجميع، والسعي إلى تمكينهم من الوصول إلينا؛ فهذا أمر جديرٌ بالتقدير.

مراعاة الدقة البالغة في عرض القِيَمِ والجماليات

إن أبطالَ المحبّة والتسامح الذين ينطلقون إلى كلِّ ربوع العالم يلتقون بأناسٍ من مختلف الثقافات، ويتواصلون معهم؛ لذا وجب عليهم أن يَخبُروا مخاطبيهم الذين يتواصلون معهم ويتعرفوا إليهم جيّدًا، وذلك بأن يحصلوا مسبقًا على معلومات بشأن فلسفتهم في الحياة وعقيدتهم وشخصيتهم، ويحسبوا جيّدًا ردَّ فعلهم إزاء ما قد يُقال لهم، ثم يبدؤوا في الاتصال بهم ومخاطبتهم.

غير أنَّه في سبيل النفوذ إلى روح المخاطب واللطف معه أيضًا يجب ألَّا نتحرك على نحوٍ يخالفُ أصول الدين، فمثلًا يلزمنا عندما نخاطب إنسانًا ينتسب إلى دينٍ آخر أو نظامٍ عقديٍّ آخر أن نتحرى الأسلوب الأصح معه، فمثلًا يمكننا أن نفسح المجال للتعبير عن إلهامات روحنا عن طريق نقل نظرة القرآن الكريم بشأن بعضِ الرسل كسيدنا موسى وسيدنا داوود وسيدنا سليمان وسيدنا إبراهيم وسيدنا يحيى وسيدنا عيسى عليهم السلام أجمعين أو ذكر بعض أقوال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يتعلّق بالرسل عليهم السلام، من ذلك ما رُوي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلاَنِ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ وَرَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ، قَالَ المُسْلِمُ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُحَمَّدًا عَلَى العَالَمِينَ، فَقَالَ اليَهُودِيُّ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى العَالَمِينَ، فَرَفَعَ المُسْلِمُ يَدَهُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَلَطَمَ وَجْهَ اليَهُودِيِّ، فَذَهَبَ اليَهُودِيُّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ، وَأَمْرِ المُسْلِمِ، فَدَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المُسْلِمَ، فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لاَ تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى، فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَأَصْعَقُ مَعَهُمْ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ جَانِبَ العَرْشِ، فَلاَ أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ، فَأَفَاقَ قَبْلِي أَوْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ”[4]، وبهذا يمكننا التعبير عن مدى تواضع وكمال المرشد الأكمل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وثمة أمر آخر وهو ضرورة ألا نُؤذِي الآخرين ونثير حفيظتهم فنضع أنفسنا في مرمى سبابهم وشتائمهم، وينبغي لنا أن ننأى عن كلّ تصرف وسلوك قد يُسيء إلى الإسلام ويُقلّلُ من شأنه؛ وهذا أمرٌ يدعونا إلى التمسك بأصول الدين، من أجل ذلك لا بد من التعرف جيدًا على فقه السيرة النبوية، والمنهج والسبيل الذي اقتفاه الصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين.

أجل، ينبغي لرجال الخدمة في يومنا هذا أن يعلموا ويفقهوا جيدًا القرآن الكريم والسُّنة النبوية التي هي شرح القرآن وبيانه، ولا بد من تنظيم المحاضرات والندوات للتعريف بهذين المصدرين المقدسين ومبادئهما الأساسية، وتنشئةِ الأجيال تنشئة سليمة في هذا الموضوع، وإلا فقد نقع في مجموعة من ضروب الجهالة والفظاظة أحيانًا، وفي مجموعة من الأخطاء المخالفة لأصول الدين أحيانًا أخرى زاعمين أننا نبلغ الدين للناس.

ولقد كان السابقون الساعون إلى تمثيل الحق والحقيقة يسأل بعضهم بعضًا حين يلتقون ويجتمعون سويًّا رغبةً منهم في الحفاظ على مبدإ محاسبة النفس ومشاعر اليقظة الكامنة بداخلهم: “كم إنسانًا قتلتَ؟”؛ أي كم إنسانًا دخلَ في محيطك فابتعد عن الدين بسبب عدم تمثيلك له كما ينبغي؟ ولذا فإنّه يلزمنا نحن أيضًا -كي لا نقتلَ أحدًا- أن ننبذَ رأيَنا الشخصي، ونحدّد المنهج والسبيل المناسب وألا نخطِئَ في الأصول ولا في الأسلوب أبدًا، وأن نسعى من أجل تقديم الحقائق إلى مخاطبينا على نحوٍ محمودٍ ومقبول.

أنصافُ الأطباء يزهقون الروح، وأنصاف العلماء يضيعون الدين

ومن لا يراعي الأصول ولا الأسلوب ولا يدري شيئًا عن النظم القرآنية الأساسية ولا عن رسالة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعجز عن فهم السلف الصالح فهمًا صحيحًا من الممكن أن يقع دائمًا في شباك الشيطان بما ينصبه له من ألاعيب وإغواءات؛ أيًّا كان شيخ طريقة، أو مرشدًا يتربع على قمة مقام الإرشاد، أو شيخًا يتحلق الناس من حوله؛ فقد يلتبس الحقُّ بالباطل على هذا الشخص بفعل الشيطان، كأن يُوسوس له ببعض الأصوات حتى يخدعه ويجعله يقبل عشرة أخطاء يدسها إليه مع شيء واحد صحيح، فيسوقه بذلك إلى انحرافات شتى.

في حين أن الإنسان العارف بأصول الدين يُدرك تمامًا أنه ليس مؤيَّدًا بالوحي، ويوقن بضرورة أن يعرض على القرآن الكريم والسنة النبوية أولًا كلَّ ما يُهمس بأذنه ويُعرض لبصره، أو يتراءى لقلبه أو يستثير حواسه، فإن كان موافقًا لكلام الله تعالى وسنة النبي صلى الله عليه وسلم الصحيحة أو الأسس التي أقرها السلف الصالح انطلاقًا من ذلكما المصدرين اتبعه وسار عليه وقبله ممتنًّا شاكرًا، وإن لم يكُ كذلك أعرضَ عنه ولم يأبه به، ولهذا فإن تربُّع مَنْ لا يخبرون أصول الدين على كرسي الإرشاد خطرٌ عظيم، ولا سيما أنَّه يجب ألّا تُمنحَ وظيفة الإرشاد لمن لم يحصل على إجازة العلوم الإسلامية كما يرى محمد بهاء الدين النقشبندي، أي إنَّه ينبغي لهذا الشخص أن يكون واقفًا على العلوم الآليّة مثل الصرف والنحو والبلاغة، وكذلك على العلوم العالية الإسلامية مثل الفقه وأصوله والتفسير وأصوله والحديث وأصوله والكلام وأصول الدين.

وقديمًا كانوا يشترطون تلك الأمور فيمن سيُكلَّفُ بخلافة الطريقة كي يُمثل الحق والحقيقة تمثيلًا صحيحًا، وما كانت وظيفة الإرشاد تُمنح إلَّا لمن كان عالمًا حقًّا، أما في يومنا هذا فإنّ الرغبة في استمرار وجود مؤسسات التكايا والزوايا المتوارثة منذ القدم وعدمَ فضِّ الناس من حولها تسببت في تولية مقام الخلافة لأشخاص غير أكفاء ولا يمتلكون قدرة ولا كفاية ولا تبحُّرًا في العلوم الدينية، وهذا الفعل لا يختلف في الحقيقة أبدًا عن إعطاء المشرط لبيطري وتكليفِه بإجراء عملية قلبٍ مفتوح لإنسان مريض بالقلب، وهذا خطيرٌ جدًا؛ فكما شاع بين الناس فإنَّ “أنصاف الأطباء يُزهقون الروح وأنصاف العلماء يُضيعون الدين”.

وعلى هذا فَمِنَ الضروريّ تزوُّدُ الراغبين في القيام بوظيفة الإرشاد في يومنا هذا بالعلوم الإسلاميّة لا سيما أصول الدين وأصول الفقه إلى جانب العلوم والمعارف الأخرى، إنَّ هذا أمرٌ في غاية الأهمّية، وإلا فإنهم إذا ما تحركوا زاعمين أنهم سيُرشدون الناس ويهدونهم إلى الطريق الصحيح فقد يقعون في كمٍّ كبيرٍ من الأخطاء والزلّات دون أن يُدركوا ذلك أو يقصدوا إليه سبيلًا.

ونختم الموضوع بأن نتذكر قول نيازي المصري (ترجمة):

لا تركننّ إلى كلِّ مرشدٍ فقد ينقلِب الفسيحُ أمامك إلى مضيق

أما مَن استرشدَ بالمرشد الكامل سَهُلَ عليه اجتيازُ وسلوك الطريق.

 

[1] بديع الزمان، الكلمات، الكلمة السابعة، ص 30.

[2] صحيح مسلم، الجمعة، 43.

[3] انظر: سورة آل عمران: 3/28؛ سورة النساء: 144/4؛ سورة المائدة: 151/5.

[4] انظر: صحيح البخاري، الخصومات، 1، الأنبياء، 31، الرقاق، 43، التوحيد، 31؛ صحيح مسلم، الفضائل، 157.

أصحاب النفوذ وتقبُّلُهُم للحقّ

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: بالنظر إلى حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم السَنِيّة وقصصِ الأنبياء المذكورة في القرآن الكريم يتبين أن مَنْ يبدون في الوجاهة والصدارة من الناحية الاجتماعية ويعيشون حياة فارهة وعالية المستوى هم أكثر عنادًا وفظاظةً في قبول الحق والاعتراف به؛ فما هي الأمور التي يجب أن تنتبه إليها القلوب المؤمنة الراغبة في أن تكون ترجمانًا للحق والحقيقة تصديًا لهذا الأمر الواقعي؟

الجواب: كما كان الحال في كل الأزمان والفترات فإنَّنا في يومنا هذا أيضًا نجد أقلية أوليغارشية[1] تسعى لسحق من لا ينتمون إليها ولا يفكرون مثلها وتستخدمهم كالعبيد، وتمتص دماءهم، وترغب في أن تُصمِّمَ العالم كما يحلو لها؛ فتستخدم كل شيء فيه وفقًا لهواها ونزواتها ومصالحها الشخصية، ولذلك فإنها لا تأبه بأحد سواها بل وتنظر إلى الآخرين نظرة العبيد والمستخدمين، وكما توجد تلك القِلة البَطِرَةُ المغرورة التي يمكن أن نسميها “شرذمة قليلة” في بلدنا فإنها توجد في غيرها من البلاد الإسلامية، وستكون موجودةً في المستقبل أيضًا.

صاحب الحق هو الوحيد القائل “لا أُفرّط في حقّي!”

ومن غير الصحيحِ اعتبارُ هؤلاء الناس الذين يرون أنفسهم في القمّة -كما هو الحال في درجات النظام الطبقي- قادرين دائمًا على إخضاع المجتمع لوصايتهم وسيطرتهم؛ فقد تضاءلوا لا سيما في تلك الفترات التي ساد فيها الفكر الديني والأخلاقي بالمعنى الحقيقي في المجتمع وانكمشوا واضطّروا إلى أن يظلّوا في دائرة ضيقة، غير أنَّهم حافظوا على أفكارهم الموجهة لأَسْرِ المجتمع والسيطرة عليه؛ فواصلوا إنتاج مجموعة جديدة من الخطط والمشاريع ذات الحقائقِ التخريبية والتقويضية حتى في فترات تضاؤُلِهم وانحسارِهم في مكانٍ ضيق وجمعِهم أذنابهم وانسحابِهم إلى أوكارِهم، غير أنهم احتلّوا كلَّ مجالات الحياة وسيطروا عليها ولجؤوا إلى القوّة الغاشمة فسحقوا كلَّ من لا ينتمي لفكرهم حينما تمكنوا من الأمر وسنحت لهم الفرصة تمامًا، وتلك حقيقة لا مراء فيها.

ومع ذلك فإنَّه لا ينبغي الحكم بأنَّ وصولهم إلى ذلك الوضع كان نتيجةً لظلمهم وتمردهم فحسب؛ إذ نجد في الجانب الآخر أن غفلة المجتمعات وذهولها وعجز أصحاب الفضيلة الذين يكافحون هذه الشرذمة عن تحقيق الوحدة والاتحاد فيما بينهم، وتحركهم دون تخطيط ولا ترتيب؛ كل هذا لعبَ دورًا مهمًّا في الوصول إلى تلك النتيجة، ويمكننا القول ما من مجتمع ينسحق تحت جبروت وتحكُّم أولئك الظالمين إلا وهو يستحق ذلك الظلم والقهر، والحقيقة أنَّه ينبغي لنا أنْ نردّ إلى أنفسنا وأخطائنا وتقصيراتنا كلَّ أنواع البلاء والأزمات التي نتعرض لها، وهو ما يوصي به القرآن الكريم؛ يقول الله تعالى ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (سُورَةُ الشُّورَى: 30/42).

إن الواقع يشهدُ بأن الإنسان لا يضرّ نفسَهُ إلا إذا فقدَ عقله، غير أن بعضًا من الإهمال والتقصير مثلَ غفلة الإنسان وعدم رؤيته المستقبل، وحبّه نفسه وركضه وراء المناصب والرّتب الدنيويّة قد تتسبّب في تضرُّره لدرجة أنْ يُحكم عليه بأنَّه “أضرّ بنفسه عن عمدٍ وقصدٍ”، وإذا كان الإنسان يحظى ببعض أوجُهِ الجمال والخير برغم كثرة أخطائه وذنوبه فلا بدّ وأن يعلم ويوقن أنه ما أوتي ذلك الخير والنعيم إلا من عند الله تعالى.

ويقول الشاعر التركي المرحوم محمد عاكف إن صاحب الحق هو فحسب من يقول “لا أُفرّط في حقي!”، وعليه فإنَّ مجرَّد الصياح والصراخ والتذمّر والتشكّي في وجه تعديات ومظالم الأقلية الأوليغارشية لا يؤدي إلى نتيجة إيجابيّة، بالعكس لا بد من النضال والكفاح الحكيم والمنطقي من أجل عدم إضاعة الحق، فإن غُفل عن الحق فضاع وَجَبَ بذلُ كُلّ أنواع الجهد من أجل استرداده، وتحتّم إذا لزم الأمر بَذلُ كُلِّ أنواعِ التضحية من أجل استردادِ حقوق العيش بصورة إنسانية عبر السعي والعمل الدؤوب ضمن أطُرِ القانون داخل دائرة العدالة في ضوء توصيات القرآن الكريم والسنة النبوية.

متكبرو العصر، وصوت الحق الجهوري

وبينما نرى محتكري المال والقوّة والسلطة والمناصب والمقامات في الدنيا يَزْدَرُون ويحتقرون الشعب اليوم كما كانوا بالأمس فإنهم يعتبرون أنفسهم كالنجوم في السماء، بل إن عددهم كثير للغاية في يومنا هذا لدرجة أنَّ إطلاق مصطلح الأقلية الأوليغارشية عليهم ليس كافيًا، ولا ريب أنَّ قوّتَهم لا تساوي شيئًا قط أمام حول الله تعالى وقوته، ولا تمثل شيئًا بالنسبة لمن يلجؤون إليه تعالى، غير أن الفراغ الناتج عن غفلتنا وضعفنا يجعل القوةَ من الأهمية بمكانٍ؛ إذ تستخدمها الأقلية الأوليغارشية ضدنا، وليس صحيحًا الاعتقاد بأنَّ تلك النوعية من الطوائف المتطفلة على الأمة سوف تبقى على حالها هذا دائمًا؛ فسيخرج من بينهم يومًا ما مَنْ يندمون على المظالم التي ارتكبوها، ومن يتوبون عما فعلوا، ومن يبدلون أفكارهم ومشاعرهم ويفضلون العيش والحياة بإنسانية، ولا سيما أنه من الممكن مشاهدةُ أمثلةٍ كثيرةٍ من هذا في عصر النبوة المبارك، فلقد كانت أغلبية المؤمنين الأوائل من طبقة الفقراء الذين يعملون عند أصحاب الثروة والسلطة، ومن ذلك على سبيل المثالِ بلالٌ الحبشيّ وعمار بن ياسر وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم أجمعين؛ إلا أن الأعوام اللاحقة شهدت التحاقَ سادة مكّة وروّادها بتلك الحلقة النورانيّة.

وبالنظر إلى المؤمنين الأوائل الذين يُشكلون المركز والنواة الأولى في الإسلام يتسنى لكم إجراء مجموعة من التحليلات النفسية الاجتماعية؛ فيمكنكم على سبيل المثال القول إنَّ أولئك الأشخاص الذين كانوا يعانون الاضطهاد بحثوا دائمًا عن سبل للخلاص والنجاة من ظروف الحياة السيئة التي كانوا يعيشون فيها، وأنهم لما رأوا سيد الأنبياء صلى الله عليه وسلم وصدقه وعفته وفطنته العالية وحزمه سارعوا إليه باعتباره مرجعًا وملاذًا يمكن الرجوع إليه، أو أنهم لما وضعوا في حسبانهم عدم وجود أية علاقة تربطهم بالدنيا أو كونهم لا يملكون شيئًا من حطامها يخافون أن يفقدوه سَهُلَت عليهم التضحية بأرواحهم في سبيل الله، أو أنَّ رحمة رسول الله صلى الله عليه وسلم الواسعة ومعاملته الحسنة لأولئك الناس الذين تألموا ظلمًا واحتضانه إياهم ودعمه ومساندته لهم كان سببًا في قبولهم الإسلام بشكل أسرع وأيسر، ويمكنكم إلى جانب كل هذا أيضًا أن تعتبروا أنَّ هذا التوجُّهَ الذي صدرَ من أُولي الفقر والحاجة إلى مثل هذا النور الأزلي إنما تحقَّق بدافعٍ إلهيٍّ ليسَ إلا، ومهما كان العامل الذي أدى إلى تلك النتيجة؛ فإنَّ مما لا شكَّ فيه ولا ريب أنَّ الغالبية العظمى من أولئك الأبطال الذين شكلوا الصف الأول من المسلمين كانت من الفقراء والبسطاء الذين احتقرهم عِلْيةُ المجتمع وسادتُه.

ثمّ جاء يومٌ انضم فيه إلى صفوف المسلمين سادةُ المجتمع الذين كانوا في السابق يعترضون طريق المسلمين ويسعون لاضطهادهم وعرقلتِهم إذا ما سنحت لهم الفرصة، فعلى سبيل المثال نرى سيدنا حمزة رضي الله عنه وقد جاشت غيرته الإنسانية وثارت ثائرتُهُ الفطريّة عندما تفوّهوا بما لا يليقُ وحقَّ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم[2]، يعني أنَّ هذه الجوهرة والقابلية كانت كامنة في روحه، فهذا الإنسان العملاق رمز البطولة والفتوّة أسلم نفسه تمامًا للإسلام بعد أن اعتنقه وإن كان قد تردد بعض الشيء في البداية، وخلّد اسمه في السماوات العلى بعد أن نال مرتبة الشهادة فصار يُعرف بـ”أسد الله وأسدِ رسوله”[3]، وأبو سفيان الذي كان رقمًا صعبًا في معادلة التمرّد والعصيان قد تبوأ رضي الله عنه مكانه إلى جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم بدخوله في الإسلام بعد فتح مكة[4]، وهناك الكثير يشبهونه من قادة المشركين أسلموا أنفسهم للحق وانتقلوا من حظيرة الشرك إلى روضة الإسلام والإيمان.

لا ينبغي أن يُحرَم أحدٌ من الجمال والخير

 “فكم من شخصيّات عظيمة، وسلاطين ذوي وجوه نورانية، وملوك وأباطرة ككسرى أنو شروان” قد يخرجون اليوم من بين صفوف الأقلية الأوليغارشية التي كانت ترى نفسها في قمة النظام الطبقي وتتصرف وكأن من حقها أن تضطهد الآخرين وتسحقهم؛ قد يخرجون ويساندونكم في إقامة القيم العالمية وإرسائها.

بل يمكن القول إنَّ علائم هذا لاحت في عصرنا وظهرت كالندى الذي ينزل على أوراق الشجر والنبات وإن لم تكن كالمطر، لأن من يمتلكون إمكانيّات دنيويّة جيّدة للغاية ويبدون بالنسبة لبعضهم البعض في درجات متفاوتة بحسب النظام الطبقيّ ويَرون أنفسهم بعيدين عنَّا باعتبار فلسفاتهم، بل ولا تتوقّعون أن تُشاركوهم نفسَ الفكرة المثالية إذا ما تعرّفوا بالجمال والحسنِ تراهم يتقدّمون الصفوف ويتبنَّون أنشطةً في سبيل السلام والإنسانية، وإذا ببعضهم يرغب في افتتاح المدارس في بعض الأماكن، والبعض الآخر منهم يريد تأسيس جامعة في مكان ما، وآخر يريد أن يتبرع بقطعة أرض تقام عليها مؤسسة تربوية، ولأنهم يمثلون في الوقت ذاته قدوة للآخرين بسبب خدماتهم هذه فإن من يراهم في مثلِ هذه المواقف يتحمّس فيقول: “لأفتتح أنا أيضًا مدرسة، ولأنشئ أنا أيضًا جامعة”، ولذلك فإنَّ واجبنا هو الاهتمام بكل أفراد المجتمع دون التفريق بينهم أبدًا، وليس من الصواب أن نقول: “إن الإصلاح يتحقق بواسطة الفقراء أو الناس من الطبقة المتوسطة”، ربما يكون هؤلاء الأشخاص قد تقبّلوا ما تقومون به من خدمات منذ البداية بقبول حسن، وانشرحت صدورهم لكم، وأنتم أيضًا بدوركم قد خالطتموهم وعاشرتموهم كثيرًا؛ لكن مع ذلك لا بد من إعلاء الهمة والسعي من أجل الوصول إلى كل الأشخاص أيًّا كان مستواهم نظرًا لكثرة الخدمات اللازمة للإنسانية، ولا بد كذلك من السعي والاجتهاد لإدخال أصحاب الإمكانيات الدنيوية ومن يتعالون على الآخرين في الأمر، غير أنه ينبغي لنا ونحن نبذل وسعنا من أجل تحقيق هذا ألا ننسى أنَّ بعضهم يكفيه يوم كي يقبل ويؤمن بالقيم التي نؤمن بها، وبعضهم يكفيه أسبوع، وبعضهم لا يكفيه أقلّ من شهر، والبعض الآخر لا تكفيه سنة.

ومن يدري كم مرة طرق سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بابَ أبي جهل، وعرض عليه دعوته! واستفاد من كل فرصة دون غضبٍ ولا جزعٍ، وسعى كي يبلغه بحقائق الإيمان؛ فقد كان أبو جهل من سادات بني مخزوم[5]، ولو أنه دخل في الإسلام لكان من المحتمل أن تتبعه قبيلته كلها فتعتنق الإسلام مثله، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يطرق باب أبي جهل فحسب، بل أبواب جميع سادات وزعماء مكة، وتردَّد عليهم بالنصح وقدم إليهم رسالته دون ملل ولا سأم ولا ضجَر، ومع أن الإيمان لم يكن من نصيبِ أبي جهل إلا أنه كان من نصيبِ ابنِه عكرمة رضي الله عنه، فلقد رقَّقَ النبيُّ قلبه بالرأفةِ والشفقة، فجاءه عكرمة بعد أن انضمّت قريش عن بكرة أبيها إلى قافلةِ الإسلامِ، ولم يتخلّف عن ركب رسولِ الله أحدٌ من زعمائها وصناديدِها، فآمن وأسلم، وحسُن إسلامه، وربما دخل الناس في دينِ اللهِ أفواجًا أفواجًا في شبه الجزيرة العربية كلّها بتأثير الحالة النفسية العامة[6].

ومن هذه الناحية فلا بد من الاستفادة من كل الوسائل والسبل المشروعة من أجل الوصول إلى كل شرائح المجتمع، وطرْقِ أبواب الجميع دون يأس ولا قنوط ولا ملل، فربما يسيء إليكم البعض، ويصِفكم بـ”الرجعية” و”التخلف”، أو يلمزكم بألقاب وأسماء مختلفة، لكنّكم إذا أدّيتم هذا الأمر حقَّ الأداء فإنّكم تحوزون ربحًا ومكسبًا يقينيًّا وإن لم تُؤدّوه كانت خسارة حتميّة بالنسبة لهم، فإن كانت رسالتكم مفتاحًا سحريًّا وسريًّا للفوز التام -وقد منح الله تعالى كل من يسعى بصدق وإخلاص في سبيله تعالى مفتاحًا سريًّا وسحريًّا كهذا- فحريٌّ بكم أنْ تحاولوا مرات كثيرة وعديدة أن توصلوا هذا المفتاحَ إلى أيديهم حتى وإن وصل الأمر إلى أن تقبّلوا أقدامهم مرات ومرات؛ فيجب على خدام القرآن الكريم ألا يأبهوا بأية كلمة وألا يعلَقُوا بأي عائقٍ أصلًا ولا بأية قسوة ولا جفوة كي يستطيعوا إدخالَ الناس وسَوقَهم إلى طريق السعادة الأبدية والخلود.

 

[1] الأوليغارشيّة: نظام سياسي تتولى السلطة فيه فئةٌ قليلة من ذوي النفوذ والمال.

[2] ابن إسحاق: السيرة، 151/2-152؛ ابن هشام: السيرة النبوية، 129/2.

[3] الطبراني: المعجم الكبير، 149/3؛ الحاكم: المستدرك على الصحيحين، 149/13.

[4] البيهقي: دلائل النبوة، 102/5؛ ابن عساكر: تاريخ دمشق، 458/23.

[5] ابن اسحاق: السيرة، 191/4؛ ابن أبي شيبة: المصنف، 255/7-256.

[6] ابن هشام: السيرة النبوية، 248/5-249؛ ابن الأثير: الكامل في التاريخ، 157/2-161.

الطريقُ إلى التوحيد الحقيقي يمرّ بالمصائب

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: هل للابتلاءات والمصائب دورٌ في إيصالِ أربابِها إلى التوحيد الحقيقي؟

الجواب: التوحيد الحقيقي هو تخلُّصُ الإنسانِ بإرادتِهِ من عالمِ الأسباب وما ينتج عنه ظاهرًا من البذخِ المذموم، ومراقبتُه اللهَ في كلّ أحواله، ومشاهدتُه قدرةَ الله وإرادته المُطلَقةَ مع كلّ حادثة، ومثل هذه النظرة العالية إلى التوحيد لا يصلُ إليها إلا العظماءُ من أبطالِ أفقِ القلب والروح، الذين نفوا أنفسهم واحتقروها، فاتّجهوا إلى الله سبحانه وتعالى لا إلى أحدٍ سواه، وانكبُّوا على مشاهدة ما تجب مشاهدته، فلم يروا الأسباب في وجه الحوادث، وإنما رأوا مسبِّبَ الأسباب الذي خلقها.

التوجُّهُ إلى التوحيد بلطفِ الله الجبري

ولمزيدٍ من التوضيح نقول: إذا كان الإنسان ضمنَ دائرة الأسباب يعيش وضعًا قد تَحَارُ فيه نظرتُه إلى الأشياء ويتشوّش عقله بتأثير الأسباب فإنَّ التوحيد الحقيقيّ عند ذلك يعني أنْ يُشيرَ الإنسان إلى الله مسبِّب الأسباب دائمًا دون أن يتذبذب أو يهتزَّ، وكأنه مؤشِّرٌ لا يُخطئ هدفَهُ في تحديد الاتجاه الصحيح، إلا أنَّ هذا التركيزَ وعدمَ الانحرافِ عن الهدف ولو مقدار ملليمتر واحد ليسَ سهلًا أبدًا في ظِلِّ سير الحياة وتدفُّقِها الطبيعي، لكنها عندما تُشابُ بالمصائب والابتلاءات ويعيش الناسُ فيها هزّاتٍ ورجفاتٍ، ويفقدون كلَّ السبلِ، وتبلغ قلوبُهم حناجرَهم، وتتقطّعُ بهم الأسباب؛ فإنّهم سيلجؤون باضطرارٍ إلى ربّهم جل جلاله، وكما ورد في الآية الكريمة: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ (سُورَةُ النَّمْلِ: 62/27)، وهكذا فإنَّ الناس المضطرين الذين ضعفت قوتهم وقلت حيلتهم ولم يبق بوسعهم شيء يفعلونه يدركون أنَّ ثمة واحدًا فحسب يستطيع مساعدتهم؛ إذ إنَّ قوته كَفَت كلّ شيء، وهو صاحب القدرة المطلقة فيتوجّهون إليه سبحانه وتعالى، فالناس حين يسمعون صوت ضمائرهم حيث تفشل الأسباب تمامًا يُحِسُّون أن تجليات رحمته الخارقة قد غمرتهم وطوقتهم وحمَتهم في مواجهة الأزمات والمصائب، والإنسان في مثل تلك اللحظة يفهم أن الأسباب هي مجرد ستار، وأنَّ وراءه تكمُن القدرة والإرادة الإلهية المطلقة، وهو ما يعني نافذة تنفتح على التوحيد الحقيقي.

سِرُّ الأحدية في نور التوحيد

وخيرُ مثالٍ على ذلك قصةُ سيدنا يونس بن متّى عليه وعلى نبينا أزكى الصلاة وأتم السلام؛ فكما هو معروف أنَّ الحوت اِلتقَمَه في بطنه، وحينما فشلت الأسباب في تحقيق النجاةِ نادى يونسُ ربَّه من قاعِ الظلماتِ: ﴿أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ: 87/21)، وتوجه إلى الله تعالى بالرجاءِ والتسبيحِ والتمجيدِ والتعظيم؛ فكان ذلك سببًا في نجاته، ويحلل الأستاذ بديع الزمان هذه المسألة تحليلًا رائعًا في كتابه “اللمعات”[1]، والواقعُ أنَّ البعض ربما يرون شرح بديع الزمان المتعلق بهذا الموضوع بسيطًا لأنهم ألفوه واعتادوا سماعه، إلا أنّ هذا الشرح في حقيقة الأمر عميقٌ وبليغٌ بالنسبة لحقيقة التوحيد وما يتعلق منه بأسس الإيمان.

لقد عرض يونس عليه السلام حاله والوضع الذي وقع فيه على الحق تعالى -وهو أعلم به-، ووضعَ في حسبانه مغادرَته “نينوى” وتركَه قومه وركوبَه السفينة وإبحارَه بعيدًا دون مجيء الأمر بذلك… إلخ، وأنَّ ما ألمَّ به من المصائب إنما كان بسبب تقصيره، فراح يُحاسب نفسه حسابًا دقيقًا، ثم لاذَ ببابِ الله تعالى؛ فهو سبحانه دون سواه مَنْ استطاع أَنْ يُنقِذه من ظلمة الليل البهيم وهولِ البحر العميم وبطن الحوت الظليم حيث سقطت الأسباب تمامًا وفشلت في تخليصه مما حلَّ به، وبفضل تضرُّعه إلى الله ورجائه إيّاه سبحانه وتعالى ظهر سر الأحدية الذي يعني توجُّهًا إلهيًّا خاصًّا في نور التوحيد، فانقشعت كلّ الظلمات في لحظة، وانمحى تأثير الأسباب، وخرج سيدنا يونس عليه السلام إلى شاطئ السلامة.

وباعتبارِ النبوّة التي نالَها يونسُ عليه السلام فربما يكون قد تلقّى رسالةً إلهيّة خاصّة تُبين له ما يجب عليه أن يفعله مع هذه المصيبة؛ فما حدث له إنما هو معجزة في الأساس، إذْ لا يمكن لإنسانٍ في الظروف العادية الطبيعية أن يواصل حياته في بطن الحوت؛ فطبيعةُ الإنسان لم تُخلق بحيث تلائم العيش في مكانٍ ما بدون الأوكسجين، غير أن يونس عليه السلام لم يقنط قطُّ بفضل ما فهِمَهُ من رسائلِ الوحي؛ فأخلص التوجُّه إليه سبحانه، واتجه إليه بشعور التوحيد الخالص فنجا وسَلِمَ.

نغمات التوحيد تصدحُ من معازف البلاء

إننا أيضًا نتعرض لما تعرض له يونس عليه السلام من مصائب وابتلاءات ونعيش ما عاشه منها على المستوى الفردي أحيانًا، والعائليّ أحيانًا، وعلى مستوى العشيرة أحيانًا أخرى؛ بل إنه قد تعيش الأمة قاطبة حالة من الاضطرار في بعض المواقف، فتظل تتلوى منها عجزًا وضعفًا، لكنّ المهمَّ أثناء الأزماتِ والمصائِبِ هو تحليلُها بتفحُّصٍ وتدقيقٍ حقيقيَّين، واستقراؤُها استقراءً جيّدًا، ودراستُها دراسة صحيحةً، وإنارةُ الطريق الموصلة إلى التوحيد الحقيقي؛ فربما أنّ الله جل جلاله المنزَّهَ والمبرَّأَ من العبث قد خلق مثلَ هذا العجز من أجل حصول الناس على بعض المكتسبات المهمة، فإنْ أدركنا هذا وقابلنا الأزمات بِالرِّضا والتسليم، وتوجهنا إلى الحق تعالى تمام التوجه بدفع العجز الذي نتعرض له تَسَنَّى لنا إعمارُ الدنيا والفوزُ بالآخرة؛ فالأزمات التي نتعرض لها ههُنا في الدنيا ستكون لها نتائج مختلفة تمامًا في الآخرة؛ فهناك ستصبح القطرة بحرًا، والذرةُ شمسًا.

أجل، إنَّ تعرُّضَ من ينتسبون إلى فكرة أو حركة معينة لمجموعة من المصائب قد يبدو بظاهِرِه شرًّا بالنسبة لهم، بيد أنَّه ربما تكون المشيئةُ الإلهيّةُ كتَبَتْ ذلك عليهم كي يتوجَّهوا إلى ربّهم ويلتجِئوا إليه دون سواه؛ فحالات الاضطرار قد تفتح لهم باب الفرصة للوصول إلى التوحيد الحقيقي، ولذلك فعليهم أن يعتبروا الابتلاءات والمصائب التي تحلُّ بهم لطفًا إلهيًّا، ويقولوا:

ما أعذب البلاء إن كان من جلالِهْ!

وما أحلى الوفاء إن كان من جمالِهْ!

فكلاهما للروح صفاء

فما أحلى اللطف منه! ومنه ما أعذب القهر والابتلاء!

فبعد أن ندرك أن الابتلاءات والمصائب التي نتعرض لها إنما جاءت من عنده سبحانه وتعالى ونُسلِّم بذلك ونقابلُه بالرضا فستكونُ كلُّ النوازلِ والمستجدّاتِ حُبلى بالخيرِ العميم.

ولكي تكون الأزمات الشخصية والأسرية والاجتماعية وسيلة إلى اليقظة والتوجه إلى الله تعالى فإنه ينبغي لنا أن ننظر إليها بتلك النظرة؛ أو على الأقل أن تكون تلك الأزمات علامةً على حياة وحيوية كامنةٍ فينا تمكننا من النظر إليها بهذا المنظار، وعلى سبيل المثالِ فإنْ أودِع المريضُ في العناية المركزة فربما يُعادُ إلى الحياة مجدَّدًا بصدمةٍ كهربية يُعَرّض لها ما دام قلبه ودماغه لم يموتا بعدُ، والمنطقةُ الجغرافية التي يعيش فيها المسلمون في يومنا هذا تشبه مريضًا راقدًا في غرفة العناية المركزة ما زالت فيه علامة من علامات الحياة أو مصابًا لا يزال قلبه ودماغه حيَّين لم يموتا رغم أنه تعرض لحادث سير خطيرٍ ومؤلِمِ جدًّا، ومهما كان سقيمًا وعليلًا بسبب حالته هذه إلا أنه يبدو من الممكن أن ينهض على قدميه يومًا ما؛ إذ إنَّ قلبه ودماغه لم يموتا بعدُ، ولهذا فثمة حاجة ماسة إلى إحداث صدمة كهربيّة حقيقية.

ومن سنن الكون الأزليّة أنَّ مَنْ تتكاثرُ عليهم المصائبُ والابتلاءاتُ وتضيقُ عليهم الأرضُ بما رحبت إذا ما التجؤوا إلى الحقِّ تعالى واتّجهوا إليه فإنّه يمنُّ عليهم ويُدرِكُهم بفيضِ لُطْفِهِ وسحائِبِ عنايتِه، واليوم أيضًا فإنّه جلَّ جلاله قادرٌ على أن يمُنَّ على جيلنا بصحوةٍ ويقظةٍ على ذلك المنوال، ولكن شريطةَ أن نُطالع نحن المصائبَ والابتلاءات مطالعة صحيحة، ونتوجه إليه توجُّهًا تامًا وصادقًا، وندرك بروحِ الاضطرار مدى عجزِنا وفقرِنا إليه سبحانه وتعالى.

 

[1] بديع الزمان سعيد النورسي، اللمعات، اللمعة الأولى، 6.

رَتَابة النظام وأَعمَار المجتمعات

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: هل ما تُنتِجُهُ رتابةُ النظام من العمى هو الذي يُحوِّلُ ما تُنجزه الخدمة في سبيل الله من أعمالٍ قيّمة إلى أعمالٍ عاديةٍ ورتيبةٍ في نظرِ البعض مع مرور الزمن؟ وما الواجب عمله حتى نتجَنّب الوقوع في مثل ذلك؟

الجواب: إنَّ مَنْ التَفُّوا حول غاية مثالية هي إبهاج الإنسانية وبثّ نسمات السعادة في كل أرجاء العالم قد بذلوا وما يزالون يبذلون جهودًا ومساعي حثيثة حتى اليوم كي يُحقِّقوا رؤاهم وأحلامهم تلك، ومن الواضح أن الحق تعالى بارك في جهودهم تلك فأثمرتْ؛ فضاعفها لهم بغيثٍ من نعمائه ولطفه، ووفقهم في الطريق الحق الذي سلكوه، غير أن استمرار تلك النجاحات التي هي إحدى نتائج العناية الإلهية مرهون بالحفاظ على الإخلاص والصدق، وعدم التخلي أبدًا عن الفكرة المثالية التي هي محور العمل، فإن تجاهَلْنا -والعياذُ بالله- النِّعَمَ الإلهية التي تغمرنا من مفرق رأسنا إلى أخمص قدمينا، ونسبنا إلى أنفسنا ما نلناه من نجاحات وأقمنا الوسائل مقام الغاية تعرضنا نحن أيضًا إلى الانهيار الذي تعرضت له كل المجتمعات، وإذا درَسنا جيِّدًا أسباب الخسائر التي مُنِيَت بها المجتمعات الإسلامية في عصور مختلفة نجدُها مرتبطةً بمثلِ هذه العثرات الفكرية ارتباطًا وثيقًا. 

لا بد من الاعتراف بالعناية الإلهية في النجاحات

وزيادةً في التوضيح نقول: إنَّ رجال الخدمة الفدائيين الذين هاجروا إلى كلّ بقاع الأرض يحظَون بتوفيقٍ وإحسانٍ إلهيٍّ يفوق ما يبذلونه من جهدٍ، إذ إنَّ أحدًا منهم لم يُعرِّض نفسَه للخطر بِقَدرِ ما فَعَل القادة في غزوة مؤتة، ولا اشتبك أحدٌ منهم مع العدو بقَدْرِ أبطال اليرموك؛ ومع ذلك فقد حظوا بالاهتمام إلى حيث ذهبوا، ونالوا التقدير على الخدمات التي قدموها رغم أن اهتمامهم بهمومِ الإنسانيّة لم يرتقِ بهم إلى أفقٍ ينسون فيه طرقَ منازلهم وأفرادَ أُسرِهم وأسماءَ أبنائهم.. والحقيقةُ التي لا تُنكَر هي أنَّ الجهود والمساعي المبذولة في الأماكن التي هاجر إليها رجال الخدمة الفدائيون تتسبب بلطف الله وفضله في إنجاز خدمات عظيمة على مستوى العالم، ولكنَّ تجاهلَ العناية والرعاية والكلاءة الإلهية التي تقف وراء تلك الخدمات ونسبةَ كلّ هذه الأفعال الجميلة إلى أنفسنا والاعتقادَ بأنَّ النظام أو المؤسسة التي تكوَّنت بلطف الله وعنايته سوف تستمر وتبقى هكذا دائمًا، حتى وإن لم تحافظ على النسق المطلوب، كلُّ هذا يعني رتابةً وعمى خطيرًا وحقيقيًّا.

ضرورة التحدّث بنعمة الله عند النجاح والتوجه إليه سبحانه وتعالى

نعم، إنَّ الرتابة والعمى يتولّدُ في جذرِ الإنسانِ مع أي نجاحٍ يُحقِّقُه في مختلف المجالات، كالارتقاء إلى مستوى ومكانةٍ مرموقة، واكتمالِ الشكل المؤسَّسيّ، وتأسيسِ نظام سليمٍ وقويّ، علاوة على أن الذين يعانون من مثل هذه الرتابة والعمى ربما يتعرضون لمكرٍ أو استدراج إلهيٍّ بحيث ينسبون إلى أنفسهم النِّعَمَ التي يفيض الله تعالى عليهم بها؛ ولذلك فقد يقعون في هاويةِ الكِبْر والغرور بدلًا من التحديث بِنعم الله عليهم وحمده والثناء عليه لتلك النجاحات التي حظوا بها، وكلُّ هذه الأمور عوامل تُطِيحُ بالإنسان وتقلبه رأسًا على عقبٍ.

وكما ذكر العلماء والمؤرّخون الاجتماعيون فإنَّ أغلب المجتمعات والأمم التي تُحقِّقُ نجاحات معينة تعيشُ فترةً من الرتابة والعمى تختلف درجتها بحسب نشوة النصر، وقد تسبب مثل هذا الوضع في تفكُّك المجتمعات وتشرُّدها فَهَوَتْ وتردَّت في حفرٍ سحيقة، وعند دراسة وتَفَحُّص أسباب انهيار كلٍّ من “روما” و”بيزنطة” و”السلاجقة” و”العثمانيين” يتبيّن أنهم جميعًا عاشوا نفس القَدَرِ والنهاية، ويمكننا القول إنَّ بعضَ الدول البارزة في توازن القوى الدولي بدأت في عصرنا الراهن تدخل مرحلةً شبيهة بتلك، والحقيقة أنَّه عند إخضاع المسألة لتحليلٍ صحيحٍ نخلصُ إلى نتيجةٍ مسلّمة، ألا وهي أن الدول التي سيطرت على أماكن معيّنة من العالم وحققت بعضَ النجاحات دخلَت في مرحلةِ عمى النظام وانتهى بها المطافُ إلى التفكُّك.

ضرورةُ توجيهِ الناس وتوظيفِهم بما يُحقِّقُ الغايات السامية

إن حماية المجتمع من الإصابة برتابةٍ وعمًى كهذا وإطالةَ عمره تقتضي توجيه الناس إلى أهداف سامية وتكليفَهم بواجبات ينشغلون بها دومًا، فيعملوا دائمًا ويتحرّكوا بأدمغتهم المفكّرة وأرواحِهم المنفتحةِ على الجميعِ وضمائرِهم التي تسعُ الكون بأكمله، وينبغي لهم ألا يفقدوا أبدًا قدرَتهم على الشدِّ المعنوي؛ فإنْ لم تشغلوا الناس بغايات سامية وبمجموعةٍ من الأعمال النافعة في سبيل تحقيق تلك الغايات شغَلَهم الشيطانُ بالباطل.

تطوير أسلوب الخدمة وفقًا للبيئة الثقافية أو الظروف المحيطة بها

ويجب عليكم من جانبٍ آخر أنْ تضعوا في حسبانكم البيئات الثقافية المختلفة المنتشرة في الدنيا وتستفيدوا جيّدًا من القواسم المشتركة، وتُحدِّدوا نقاط الاتّفاق تحديدًا صحيحًا، ثم تنشغلوا بشكل وصيغةِ الخدماتِ المستهدف تنفيذُها، وتبحثوا عن مجموعة من الطرق والأساليب الحديثة وفقًا للظروف كي لا تتعرضوا لرتابة وعمى النظام، وإلا فمن المتوقع والمُقدَّر أن تتعرضوا للضعف والزوال والاندثار.

سدُّ الأبواب أمام حبّ النفس والدنيا

إلى جانب ما تقدم فإنَّه ينبغي لمن يتصدرون هذا الأمر أن يسدّوا الأبوابَ أمام النفس والدنيا، وأنْ يُحكِموا إغلاقها بعشرات المتاريس، وإذا ما دعاهم داعٍ إلى الدنيا ومفاتنها أجابوه قائلين: “لا تُتعب نفسك سُدًى؛ فجميع الأبواب موصدة!”، بل وعليهم ألا يتشوفوا إلى أي شيء حتى ولو كان أخرويًّا، وليس دنيويًّا فحسب، وأنْ يطلبوا رضا الله تعالى لا غير، ويعيشوا حياتهم وفقًا لفلسفة الأستاذ بديع الزمان:

“إنْ رأيتُ إيمانَ أمتنا في خير وسلام فإنني أرضى أنْ أُحرق في لهيب جهنّم؛ إذ بينما يحترق جسدي يرفل قلبي في سعادة وسرور”[1].

التحرُّك في فلك القلب والروح

 إن من ينسبون الأمور إلى أنفسهم سيفقدون حماسهم إن عاجلًا أو آجلًا وسيموتون معنويًّا، أما مَنْ محوا أنفسَهم فقد أرجعوا الأمر إلى الله عز وجل ولجؤوا إلى قوته وقدرته، ومن لجأ إلى قوته وقدرته سبحانه وتعالى يتجاوز الصعاب حتى ولو بلغت عنانَ السماء ومتنَ الجوزاء؛ لأنه اعتمد على القوة والقدرة الأبدية الخالدة، ومع ذلك كله فهو لا يتعب ولا يفقد شيئًا من قوته وطاقته في أثناء عمله في سبيل الله.

ومن ثم فإنَّه يجب على من يتقدمون صفوفَ المجتمع أن يُحافظوا على نشاطهم وحيويتهم كي يتسنى لهم منح النشاط والطاقة إلى مَنْ حولهم؛ فمن لا يتحركون في فلك القلب والروح يستحيل أن يكونوا وسيلة لإحياء الآخرين، ومن فقدوا حيويتهم ونشاطهم وتعرضوا للانهيار المعنوي والروحي لا خير فيهم لأنفسهم فكيف يكون فيهم خيرٌ للآخرين والقاعدة أنَّ: “فاقدَ الشيء لا يُعطيه”، ومن ثم فلن يستطيعوا إكساب الآخرين الحياةَ والعشقَ والهيجانَ، ولا سيما من يُسلِمون أنفسهم للخوف والترف وحبِّ النفس والمال والبنين، ومَنْ يَستخدمون مناصِبَهم مِنْ أجلِ اختطافِ بعضٍ من إمكانياتِ الأمة لمصالحهم الشخصية يستحيل عليهم تمامًا أن ينفثوا الحياة في غيرهم.

النشاط الدائم وضرورةُ السعي من نضالٍ إلى آخر!..

منذ فجرِ الإسلامِ مرورًا بعهدِ الخلفاء الراشدين كان الناس يتقلّبون في الجهادِ دائمًا،  فتارةً من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر والعكس تارة أخرى؛ ولذلك فقد حافظوا على الحيويّة النابضة وحققوا من الفتوحات ما لا نظيرَ له، ولم يكن لديهم من حطام الدنيا شيءٌ سوى بيوتهم الطينيّة، ورغم ذلك فإنَّ تلك القامات العظيمة المنفتحة على رحابة الأفق تسببت بإذن الله تعالى وعنايته في إعمارِ بقاعٍ شتّى من العالم، ولذلك فإن السبيل الوحيد للنجاحِ والتغلُّبِ على رتابة وعمى النظام إنما هو إدراكُ هذا القوام الذي مثَّله الصحابةُ الكرام ومن ثمّ تنشئةُ أجيالٍ تحمل الغاية المثاليّة وفقًا لذلك القوام.

القدرة على إطالة عمر المجتمعات

وإن إعمالَ هذه النصائح وتفعيلَ هذه التدابير ليسَ كفيلًا بالحيلولةِ التامّة دون موت المجتمعات؛ لأن الموتَ أمرٌ حتميّ بالنسبة للمجتمعات كما هو بالنسبة للبشر، وقديمًا وجَّهَ أحدُ العظماء للأطباء عبارةً مشوبةً بالتوبيخ والتأنيب فقال: “ألا تستطيعون أن تعثروا على حلٍّ للموت!؟”، والحقُّ أنه لا حيلة في الموت لأن الله جل جلاله قد خلق الموت والحياة، ولا يمكن القضاء على الموت في هذه الدنيا.

وقد قال نبيُّنا صلى الله عليه وسلم عن نهاية الموت: “يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ، فَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا المَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، ثُمَّ يُنَادِي: يَا أَهْلَ النَّارِ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: وهَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا المَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، فَيُذْبَحُ ثُمَّ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ فَلاَ مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلاَ مَوْتَ[2]، وذكرُ اسمي الله “الـمُحْيي والـمُمِيت” متعاقبين متجاورَين في القرآن الكريم وفي السنة المطهرة يشيرُ إلى تلك الحقيقة، أي إنَّ الله تعالى هو خالق الموت كما أنه هو خالق الحياة، وبحسب التعبير القرآني فإنَّ الله تعالى هو: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (سُورَةُ الْمُلْكِ: 2/67).

وعليه فإن الموت حقيقة حتميّةٌ عامّة في هذه الدنيا، غير أنه يمكن تأخيرُ حدوث مظاهر الانهيار والانكسار التي تبدو أمرًا مقدرًا بالنسبة للمجتمعات؛ وذلك عن طريق مراعاة العوامل التي ذكرناها آنفًا، ومن ثَـمَّ تطول أعمار تلك المجتمعات، تمامًا مثلما حدث للعثمانيين؛ فإنهم حتى وإن كانوا قضوا جزءًا من عمرهم في القمة، وجزءًا منه في حالةٍ من الشلل التام، وجزءًا في العناية المركزة؛ إلا أنهم صمدوا مدة طويلة قلّما تيسَّرت لغيرهم؛ فكانوا حتى في مراحل الشلل والعجز يضطلعون بدورهم الفاعلِ كعنصرٍ مهمٍّ من عناصر التوازن الدولي.

 

[1] بديع الزمان سعيد النُّورسي: سيرة ذاتية، ص 492.

[2] انظر: صحيح البخاري، التفسير، 1/19؛ صحيح مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، 40.

طغيانُ القوة والتفرعُنُ

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: إن بعضَ المسؤولين عن مؤسّسة معيّنة أو مَنْ يتولّون إدارة أحدِ الأماكن ربما يعتبرون أنفسَهم بعد فترة أصحابَ ذلك المكان؛ فكيف ينبغي أن يكون سلوكُ المؤمن ومنهجه في هذا الشأن؟

الجواب: هناك فرقٌ كبيرٌ بَينَ أن يتحمّل المرءُ مسؤوليّة عملٍ كَلّفه الناس به واختاروه من أجله بكاملِ إرادتهم وبين أنْ يعتبر الإنسانُ المكانَ المسؤولَ عنه وكأنه ملْكُه الخاص، ولكنَّه من المؤسف أنَّ كثيرًا من الناس عن هذا غافلون، والواقع أنَّه إنْ لم يَتبع كُلُّ مسؤول وإداريٍّ منهجَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين رضوان الله عليهم فإنَّه يبدأ بالانزلاق على دهاليزِ التجبُّر والاستبدادِ والطغيان حيث لا يعتبر نفسَه مجرَّدَ مؤتمنٍ على المنصِب الذي يشغله، بل إنه يشرع في اعتبار نفسه وكأنه صاحبه ومالكه.

أناسٌ يَلُومون أنفسهم أولًا لما يقع من سلبيات

وإنَّ المسؤولين إذا ما حاسبوا أنفسَهم ولاموها بالدرجة الأولى عند حدوث أية سلبيّة ضمن دائرة مسؤوليَّاتهم يكونون بذلك قد حقّقوا أهمَّ أسس الوقاية من مصائب كتلك؛ فمثلُ هذا الفهم والفلسفة الإداريّة يعتمد على مشاعرنا وفكرنا الديني، ومنهجُ سيدنا عمر رضي الله عنه في هذا الشأن يُشكّل نموذجًا يُحتذى؛ فبالرغم من أنه كان رجل دولة عظيمًا حقَّق في أثناء خلافته البالغة عشر سنين فتوحاتٍ عظيمةً تعدل تلك التي تحققت في العصرين السلجوقي والعثماني فقد سجد بسَحَرٍ في مكان منعزلٍ عامَ الرمادة، وراح ينتحب ويدعو الله قائلًا: “اللهم لا تجعل هلاك أمة محمد على يدي!”[1]، ولذلك فإنَّه يجب على كلِّ مسؤول ورائد أنْ يعتبر نفسه المسؤول الأوَّلَ عما يحدث من سلبياتٍ وانكسارات وتصدُّعات، وأنْ يتضرّع إلى الله بالدعاء ويبذل وُسْعَه في سبيل حلِّ المشكلات.

والأرواحُ المتفانية التي وقفَت نفسَها على خدمة الإنسانيّة وتحمَّلَت بعضَ المسؤوليات بغية إفراغ ما في قلوبها من إلهام إلى الصدور المتعطّشة إليه؛ من الممكن أن تواجِهَ في بعض الأحيان مشكلاتٍ وعقباتٍ لم تكن تتوقّعها قطّ؛ فقد يَمُنُّ اللهُ تعالى عليها ببعض النجاحات التي تجلب تقديرَ الناس ومباركتَهم، وهو ما قد يستثيرُ حفيظة ضِعاف الشخصيّة فيرغبون في أنْ يظهروا في نفس المكانة جنبًا إلى جنب مع الأرواح المتفانية، وهذه الرغبةُ إنما هي لمجرد تحقيق المنفعة والمصلحة الشخصية ليس إلا، وحينما يعجزون عن نيل ما يتشوّفون إليه فإنهم يلجؤون إلى كل أنواع الشرِّ بما في ذلك الكذب والافتراء، ولا ريب أنَّ الله جل جلاله سيحاسِب مرتكبي تلك الشرور حتمًا، غير أنه يجب على المسؤول عن مكانِ حدوثِ تلك المشكلات والأزمات أن يحاسِب نفسَه قبل الجميع، ويسألها قائلًا: “تُرى أيّ خطإ وقعتُ فيه فحلَّت بنا مثل تلك المصيبة؟!”.

رجالٌ لا ينسبون لأنفسهم أيَّ نجاح

إن الإداريين إذا افتقدوا شعورَ المحاسبة والمراقبة النفسية فلن يرغبوا أبدًا في الاعتراف بقراراتهم الشخصيّة الخاطئة وما نتجَ عنها من مشكلات؛ بل يبحثون عن المخطئِ في الخارج دائمًا، وينسبون الأخطاء إلى من حولهم، وعندما تُذكر الأخطاء والعيوب يعتبرون ذلك تهديدًا لهم، ويرغبون في إسكات الأصوات وتكميم الأفواه المخالفة لهم، وعليه ينزلقون إلى الطغيان والتفرعُن على قدرِ مستواهم.

إنَّ هؤلاءِ المغفَّلين الذين ينسبون إلى أنفسهم كلَّ نجاح يَمُنُّ الله تعالى عليهم به بسبب جهود عامة المجتمع يظنُّون أنَّ كل شيء يبدأ وينتهي عندهم؛ ومن ثم يتوهمون أنهم مبدأ كلِّ شيء ومنتهاه؛ ومثل هذا الوضع يعني في الأساس نوعًا من أنواع ادّعاء الألوهية، ومن يهُمُّ بادِّعاءٍ كهذا ستكون عاقبتُه وخيمةً، عبَّر عنها الله تعالى في الحديث القدسي الذي رواه عنه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: “اَلْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ[2]؛ ففي هذا الحديث يُحذِّر الحقُّ تعالى كلَّ مَنْ يتكبر ويستعظم نفسَه ويَهُمَّ ليشارك الله عز وجل في هذه الصفات الإلهية بأنه سيأخذه أخذَ عزيزٍ مقتدرٍ فيطرحه في نار جهنم.

العقل المشترك وأهل المشورة

وكما أنَّه ليس ثمة شيءٌ على الإطلاق قد بدأ بنا؛ فلن ينتهي أو يتوقف أيُّ شيء بذهابنا أيضًا، وعلى النقيض؛ فإن الأشياءَ التي نراها مرتبطة بنا تكون عاقبتُها عقيمةً ووخيمةً، ولكننا إذا ما نأينا بأنفسنا عن الأنانية والمزاعم النفسية سَلِمَت الأعمالُ المنجزة ولم تتعرض للانقطاع والانكسار، وعلى الإنسان أن ينظر إلى نفسه وإلى الخدمات الذي استُعمل فيها هكذا دائمًا، وأنْ يُدير الأمور ويعزوها إلى العقل المشترك بدلًا من أن يرهنها بشخصه، وألَّا يستغني أبدًا عن مبدإ الاستشارة، وإذا ما رأى نفسَهُ عاجزًا عن النهوض بالعمل المكلف به ومقصِّرًا في الوفاء بمسؤولياته فعليه أن يتحلَّى بشجاعة التنحِّي عن تلك المسؤولية، وأن يقول بكل راحة: “إنني بالنظر إلى المكان الذي أشغله أعملُ على تطوير مشاعر الوفاق والاتفاق بين الناس والتأليف بين قلوبهم سائلًا الله التوفيق الإلهي، وإن كنتُ لا أستطيع الوفاء بحقِّ موقعي، ولا تمثيلَه بالشكل اللائق اللازم، ولا أن أكون موثوقًا بي بالنظر إلى حالي ومظهري فيمكنكم عزلي من هذا الموقع وتكليفي بوظيفة أقلَّ منه”، وينبغي أن تكون أفكارُ ومشاعرُ من يدَّعون أنهم نذروا أنفسهم للحقِّ والحقيقة والأمة والإنسانية سائرةً في هذا الاتجاه.

رجالٌ لا يتشوَّفون إلى أيّ شيءٍ

ويجب عليهم بالنظر إلى الواجب الذي يقومون به ألَّا يتشوَّفوا إلى أيِّ شيء دنيويًّا كان أو أخرويًّا؛ فينبغي ألَّا تتولد في قلوبهم أيَّةُ أفكار تشوُّفيّة مثل الوصولِ إلى المناصب العليا، وإحرازِ مراتب مختلفة، وذيوعِ صيتهم بحيث يُشار إليهم بالبنان، لأنَّ تَطَلُّعَ العين دائمًا إلى الأعالي مما يتعلق بالنفس والدنيا ما هو إلا تعبيرٌ عن العُجب بالنفس والغرور والتكبُّر، وقدرةُ المتكبرين على التحرُّك بتوازنٍ ووفاؤهم بحقِّ مواقعهم ووعيُهم بمسؤوليّاتهم أمرٌ صعبٌ للغاية؛ فهم يرون أنفسهم كلَّ شيء، ويظنُّون أنّهم إنْ تخلوا عن الموقع الذي يشغلونه فإنَّ الزلازل ستقومُ قائمتُها، وستهتزّ الدنيا، وسيتحرك خطُّ الصدع من مكانه.. وظنُّهم هذا هو عينُ الغفلة والضلال.

رجالٌ آثروا التابعية على المتبوعيةِ

ومعظمُ المقاييس التي قدّمها الأستاذ بديع الزمان في رسالتي “الإخلاص” و”الأُخوة” معاييرُ ذهبية تراصَّت في هذا الاتجاه، ومراعاتُها مهمّة للغاية من أجل الحيلولة دون الوقوع في مثل تلك المنزلقات؛ إذ يقول: “إن كان الإنسانُ يرجِّح أن يكون “تابعًا” على أن يكون “متبوعًا” –وهذا الأخير هو سبب المسؤولية والخطر في الحقيقة-؛ فسيفوز بمرتبة الإخلاص وتزول الخلافاتُ”[3]، أي إنَّه حريٌّ بالمرء أنْ يفضّل اتباع إنسانٍ لائق وجدير بالاتباع على اتباع الآخرين له، ولنفترض أنَّ الصلاة ستؤدَّى جماعة في مكان ما؛ حينها يلزم على الإنسانِ ألَّا يُسارِع ويطلب الإمامة، بل عليه أن يتراجع وألَّا يتقدم، وأن يُجيدَ وظيفةَ الاقتداءِ بالآخرين، بل وينبغي ألَّا يتقدم حتى للأذان والإقامة إلَّا إذا رآه الناس جديرًا به وعرضوه عليه، فإن رُوعِي التصرف بحساسية ودقة هكذا في الأمور الاجتماعية الظاهرة كالإمامة والخطابة استقرَّت هذه الأخلاق في قلوب الناس، وصارت طبيعة فيهم مع مرور الزمان، وإن تولى الوظيفةَ الإدارية من يتمتَّعَ في أبعادِ سجيّتِه وعمقِ طبيعتِه بالقدرة على كبحِ جماحِ نفسِهِ والسيطرة عليها فإنه لا يتردّى في دركاتِ الطغيان ولا في دركات التجبُّرِ والاستبداد.

يجب ألا يُهملَ الغذاء الروحي

على الناذرين أنفسهم في سبيلِ خدمة الدين والإنسانيّة أن يخضعوا لتدريبٍ وتمرينٍ من هذا النوع منذ البداية، وعلى الإنسان ألا يصبح طاغية صغيرًا حين يكون مسؤولًا عن دائرة ضيقة؛ حتى لا يُخيَّل إليه إذا ما اتَّسع مجالُ مسؤوليته أنه حاكم العالم، فيغدو طاغيةً كبيرًا جامحَ الخيال يسعى لتنفيذ مشاريع يستحيل تحقيقُها، فيسحق الناس ولا يستمع لأحد حين يعجز عن تحقيق ما يريد.. بل على الإنسان أن يفعل العكس؛ فيؤمن بأن ما جرى على يديه من نتائج إيجابية إنما تحقّقَ بحول الله وقوته وبإذنه تعالى وعنايته، وعليه ألا ينسى أنَّ نفسَه ما هي إلا مجرّد سببٍ بسيط فحسب، وأن يعرف حدوده وقدره أيًّا كان موقعه، فرحم الله امرءًا عرف حدّه فوقفَ عنده.

ولهذا فإنَّه ينبغي أيضًا ألا تُهمَل تربيةُ أيِّ إنسان تربيةً معنويةً روحيّة بدءًا من أقل درجة وظيفية إلى أعلى درجة، ولا بد من تأهيل الناس دائمًا وأبدًا في إطار النظم الإسلامية والإنسانية والأخلاق الكونية، ومساعدتهم على أن ينشأ كلٌّ منهم “إنسانًا”، فإن لم يتغذَّ الناس معنويًّا وروحيًّا، وتُركوا دون ضابط ولا رابط تردَّوا في الهاوية هالكين، ثم يهيمون على وجوههم تائهين متشرذمين كلٌّ منهم يقول: “نفسي نفسي”، فيعيشون في انفصالٍ مدمّر، ووحدةٍ موحشة، ويُفنون أعمارَهم في سجنِ أنانيّتهم الضيّق، نسأل الله السلامة.

 

[1] ابن سعد: الطبقات الكبرى، 237/3.

[2] سنن أبي داود، اللباس، 27؛ سنن ابن ماجه، الزهد، 16.

[3] بديع الزمان سعيد النورسي: اللمعات، اللمعة العشرون، النقطة الأولى، ص 211.

مواصلةُ الخدمة رغم كلِّ العراقيل

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: نعيش اليومَ حالةَ بَلبَلَةٍ خطيرة حقًّا؛ إذ شُوّهت الصورة الحقيقيّة لأناسٍ بشنِّ حملات تشويه وإساءة كاذبة وبمجموعة من الظنون والأوهام؛ فكيف يجب أن تكون فلسفتنا إزاء ذلك؟ وما مفهوم العمل والنشاط في ظلِّ هذه الظروف؟

الجواب: بدايةً يجب على من يخدمون في سبيل الحقِّ أن يقبلوا بحقيقة تتجلى ظاهرة في حاضرِنا اليوم كما تجلَّت في الماضي القريب والبعيد، وهي أنَّ من يحملون صفات ذميمة كالحقد والكره والحسد سوف يعتبرون فئات المجتمع المخالفة لهم فكريًّا أعداءً، فيهاجمونها في كل مكانٍ، ويرتكبون تجاهها ما لا يُتوقع من شناعات ودناءات من أجل حماية مصالحهم الشخصية؛ وذلك بسبب جنون العظمة الذي أصابهم، غير أنَّه ينبغي للأرواح التي نذرت نفسها لله أن تلجأ إليه سبحانه وتعالى دائمًا في تَسلِيمٍ وتوكُّلٍ، وأن تواصل كلَّ أنشطتها معتمدة عليه تعالى، وأن تُبْقِي عينَها على “النور الخالد” صلوات الله عليه، وتُواصلَ المسير والتقدّم في الطريق الذي تراه حقًّا بضمير ووجدان فسيح يحتضن الإنسانية جمعاء برغم كلِّ المعوقات والشرور.

والحقيقة أنكم ربما تجدون وأنتم تسيرون في هذا الطريق جفاءً ممن تأملون منهم الوفاءَ، وقد يتخلَّى عنكم من سِرتُم سويًّا وتقاسمتم معهم أشياء كثيرة حتى اليوم، بل وربما يطعنُكم في ظهوركم أشخاصٌ لا تتوقَّعون منهم فعلَ ذلك أبدًا، غير أنَّه ينبغي لكم أن تفتحوا أبوابًا وآفاقًا جديدة في وجدانكم، وتُواصلوا السير في الطريق الحقِّ الذي أنتم عليه دون سأمٍ ولا مللٍ ولا اهتمامٍ بمثل تلك السلبيات، وعليكم أن تعملوا على أن تزيدوا من سعة روحكم وتوسِّعوا أفق وجدانكم باستخدام مقوِّمات جديدة.

مرشدون لا يَخدعون

ثمة حاجةٌ إلى مرشدين وهداة يَبُثُّون الثقة دائمًا فيمن حولهم ولا يخدعونهم ولا يُضِلُّونهم لا سيما في عصرٍ سادت فيه الفوضى، وراجت فيه فتنٌ مرعبة وعظيمة أشارت إليها كتبُ الحديث في أبواب “الفتن والملاحم”، وتوالت فيه أحداثُ الهرج والمرج، وعُدَّ الخداع مهارةً وفنًّا، فعليكم أن تُعلِّموا الإنسانية معنى الثقة والأمن، وذلك بأن لا تخدعوا أحدًا لا بالقول ولا بالفعل ولا بالمنظر، ويجب ألّا يجد الآخرون في نبض قلوبكم ودقّاتها ما يُوحِي بالخداع والتضليل وإن ظلوا يراقبونكم ولو حتى خمسين سنة.

والحقيقةُ أنكم قد تعانون بعضَ الشيء في تقديم أنفسِكم للآخرين وتعريفِهم بكم بشكلٍ صحيح؛ إذ إنَّ الكثيرين في يومنا هذا يطلبون الدنيا ونعيمها، وقد تعلَّقوا بها كلٌّ بحسب منصبه ومكانته رغبة منهم في اختطاف أو اقتناصِ شيء من متاعها، وربما إنهم يرونكم مثلهم بحسب مقولةِ: “كلٌّ يرى الآخرين على ما هو عليه”، بل وقد يُفتِّشون عن مقاصد أخرى غير التي تنشدونها في انفتاحِكم على العالم، واحتضانِكم الإنسانيّة جمعاء بمودّة ومحبة، وسعيِكم للتأليف بين أُناس نشؤُوا في بيئات ثقافيّة مختلفة، ولأنَّ أولئك الأشخاص يفعلون كلَّ شيء تشوُّفًا لمنفعةٍ معيّنة فقد يعتبرونكم أنتم أيضًا تركضون بهذه النشاطاتِ وراء هذا النوع من المنافع الدنيوية مثلهم، بل إنَّه قد يظهر بين مَنْ يقفون إلى جواركم وتُكِنُّونَ لهم المحبة والتقدير أناسٌ ينخدعون بمثل تلك الأوهام والظنون؛ فهم يُفسِّرون تصرفاتكم وأفعالكم بحسب مشاعرهم وأفكارهم الخاصة؛ فيستخرجون منها معانيَ على خلاف الحقيقة، ويعتبرونكم مصدرَ خطرٍ بالنسبة لهم، غير أنه يجب عليكم دائمًا وفي كلِّ فرصة أن تُبيِّنوا أنكم لا تبتغون شيئًا سوى رضا الله تعالى، وأن تُثبتوا هذا بأفعالكم وتصرُّفاتكم أيضًا دون أن تُلقوا بالًا لأيٍّ من تلك الافتراءات.

إخلاصُ النية

يستحيل أنْ يتشوَّف إلى أيَّة منفعةٍ دنيويّةٍ مَنْ يطلبون رضا الله فحسب فيما يفعلونه، ويسعون إلى إقامة عالم من المودّة والمحبة والتوفيق بين الناس بانفتاحهم على مختلف أنحاء العالم، ويطمحون بهذا كلّه إلى الفوز برضا الله تعالى؛ فهؤلاء المُغرمون الذين يَمَّمُوا وجههم شطر نَيل رضا الله وعزموا وأقدموا على تغيير وجه العالم سيكونون أبطالًا حسب نيّاتهم، وسيحصلون على أجرها حتى وإنْ لم تكفِ قواهم لأن يحقِّقوا بشكلٍ كاملٍ خططَ السلام والمحبة التي رسموها؛ فـ”الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى”[1] كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن ثمَّ فإنَّ إخلاص النية لله تعالى هو العامل والعنصر الأساس الذي سيفيد الإنسان؛ فبقدر نية الإنسان ورحابة وجدانه تكون رحمة الله تعالى ورأفته به.

فمثلًا قد تشدّون الرحال بِنِيّةِ نشر السلام في أرجاء العالم بإذن الله وعنايته، ولا تتوانون ولا تتكاسلون في الطريق الذي تسلكونه طالما سمحت الإمكانيات ولاءَمت الظروفُ وتكوَّنت البيئة المناسبة في البلادِ الـمُضيفةِ، بل إنَّكم تزيدون من سرعتكم ووتيرتكم في العمل أكثر، غير أنه قد يأتي زمان تُطلُّ فيه برأسها عقباتٌ وعراقيل تعترض طريقكم؛ فلا تتمكنون إلا من قطع عُشر الطريق الذي نويتم قطعه، فههنا سيُجازيكم الله بفضلِه على قدرِ الطريقِ كلِّه، لا على قدرِ العشرِ فقط؛ لأن نيتكم خالصةٌ وسليمةٌ تمامًا.

ولكن كي تكونوا جديرين بنَيلِ عاقبةٍ جميلة كهذه فلا بُدَّ من إخلاص النية وسلامتها من أجل تحقيق ما تستهدفونه في طريق الحق، وألا تتسلّل إليكم أيَّة أفكار تشوُّفيّة من قبيل: “تُرى أيأتي يومٌ نُكَافَأُ فيه بمنصب إداري أو بشيء آخر ولو كان بسيطًا مقابل ما أنجزناه من أعمال؟!”، بل عليكم إن خطرت ببالكم مثل تلك الخواطر أن تعتبروها همزات شيطانية؛ فتستعيذوا منها وتبتعِدوا عنها فورًا.

وهذا لا يعني ألا ينال بعضُ الأشخاص ما يستحقونه من مناصب وأعمال، فلا ريب أنَّه سيخرج من بين مَنْ يستحقون تولي مناصب معينة المديرُ والقائد والمستشار والنائب في البرلمان والوزير الخ، غير أنَّ مَنْ نذروا أنفسهم للخدمة في سبيل الله ولا يفكرون في شيء سوى رضا الله تعالى كي تتنفَّسَ الإنسانية السعادةَ والرخاء؛ ينبغي لهم ألّا يتشوفوا إلى أيّ منصبٍ دنيوي حبًّا في الدنيا، بل إنه يجب عليهم ألا يستعجلوا في قبول بعض المناصب وإن جاءتهم تُهرول إليهم، وعليهم أن يُفكروا إن كان هذا سيخدم غايتهم المثالية أو لا؟ فيُقرروا بناءً على إجابة هذا السؤال القبولَ أو الرفضَ، وإلا فإنهم يُدنِّسون فكرة الرضا الإلهي الذي خرجوا في سبيل الفوز به، ويبدّدون بأيديهم ما يُرجى أنْ يقع في قلوب مخاطبيهم من تأثيرات إيجابية، ويضيّعون أرصدتهم لدى الآخرين، ويفقدون ثقة الناس بهم.

فضلًا عن طلبِ هذا النوعِ من المقامات والمناصب، فإنّ وَلَعَ من عشقوا الغايةَ المثالية السامية بفتح العالم بأسره ليعني تراجعهم القهقَرَى بضع خطوات عن الدرجة التي هم فيها؛ ففتحُ العالم أجمع بالنسبةِ إلى تلك الغاية المثالية التي تتمثّل في إنقاذ الحياة الأبدية للناس إنّما هو كنقطة ماء بالنسبة للمحيط.

بناء عليه فإنَّه ينبغي للمهاجرين من أجل الوصول إلى هذه الغاية المثالية في عصرنا أن يعتبروا بزوغَ حُبِّ الحقِّ والحقيقة في القلوب وترعرعَهُ، وإنباتَ الأخلاق والفضيلة في الأرواح، وتآلفَ الناس وتعانقَهم؛ أسمى غايةٍ في حياتهم، وعليهم أن يُنظِّموا حياتهم وفقًا لتلك الغاية السامية دون أن يُضيِّعوا منها ولو ثانية واحدة.

 

[1] صحيح البخاري، بدء الوحي، 1؛ صحيح مسلم، الإمارة، 155.

علمُ السياسة على خُطَى القرآن والسُّنَّة

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: يسعى بعض الأشخاص إلى شرعنة بعضِ إجراءاتهم غير المشروعة وبياناتهم المخالفة للواقع تحت اسم “علم السياسة”؛ فما هو هذا العِلْم؟ وكيف تنبغي ممارسةُ السياسة بالنسبة للمسلم؟

الجواب: السياسة تعني الإدارة، وتُستخدم كلمة “الإدارة” بمعنيين اثنين:

أولهما: إدارة نظامٍ أو جماعة أو مؤسسةٍ ما في إطار قواعدها الخاصة بها إدارةً منطقية.

أما المعنى الثاني: فهو المداراة، وتعني حسن التعامل عبر استخدام الدبلوماسية واستغلال شتى الوسائل المشروعة والـمُتاحة، والصبر حتى على الأعداء، ومحاولة تفادي شرورهم وأضرارهم، وفيما يتعلق بهذا الموضوع يقول “حافظ الشيرازي”:

“نيل الراحة والسلامة في كلا العالمين يوضّحه أمران: الأول: معاشرة الأصدقاء بالمروءة والإنصاف، والثاني: معاملة الأعداء بالصفح والصفاء”.

 

فالمقصد إِذًا من التصرُّف بمروءة نحو الأصدقاء هو تقديرهم والإحسان إليهم ومحبتهم واحتضانهم بمشاعر إنسانيّة حقيقية، ولأن الإنسان صرحٌ جذّاب يُبهر العيون خُلِقَ في أحسن تقويم؛ فلا بدَّ من احترامه وتقديره والتصرّف معه بإنسانية، فليس ثمة حركة إنسانية قدّرت الإنسان واحترمته وطبقت ذلك في الحياة اليومية مثلما قدَّره الإسلام وكرَّمه.

الفرق بين المداراة والتَّقِيَّة

وأما مداراة الأعداء فهي تعني مراوغتهم وسياستهم، ومعنى هذا عدم إثارة حفيظتهم ولا استفزازهم بجدليّات وفرضيات دون داعٍ، وحسنَ استخدام الدبلوماسية، وتفادي ما قد يصدر من الطرف الآخر من اعتداءات وأضرار عبر استخدام إستراتيجيات ذكية، أي إنَّه ينبغي لكم أن تطبقوا في علاقاتكم بالأعداء سياسةً لا تشتبكون معهم بسببها من ناحية، ولا تُعرِّضكم لأذاهم من ناحية أخرى، وكما هو واضح فإنَّ هذا الفهم يختلفُ كثيرًا عن “التَّقِيّة” التي يلجأ إليها مذهبٌ حَادَ عن الطريق المستقيم، ورتعَ في ضلال عظيمٍ؛ إذ يُبيحُ الكذبَ على الآخرين وخداعَهم وتضليلَهم في سبيل هذا، أما المداراة فهي العمل على دفع ضرر العدوِّ باستخدام الصبر والثبات والعقل والدبلوماسية.

أجل، إذا سُعي إلى استخدام القوة الغاشمة في حل مشكلاتٍ يُمكن حلُّها بالطُّرُقِ الدبلوماسية ولم تُتَّبع سياسة ذكية في مواجهة الأعداء، ولُجِئ إلى الكفاح المادي مثلما فعل الاتحاديّون الأغرار في الدولة العثمانية فقد تنجرُّ البلاد إلى مأزق وطريقٍ مسدودٍ لا مخرج منه فتتمزق؛ إذ قد مزّق الاتحاديون نتيجة الحرب التي خاضوها مع روسيا الدولةَ العلية العثمانية، وعليه فإننا حين نتحدَّث عن المداراة نفهم أنها النظام الإداري والسياسي الواجب اتباعه لتجنُّبِ جرِّ البلاد وانحدارِها إلى هذا الخطر وأمثاله.

العقلية التي تعتبر السياسة فن الخداع

عندما تُذكَرُ السياسةُ في يومنا هذا فإنَّ المعنى الوحيد الذي يتبادر إلى الذهن هو: العمل الذي يقوم به من شكّلوا أحزابًا سياسية ويُديرون المجتمع.. غير أنَّ علم السياسة لا يتعلَّق بإدارة الدولة فحسب؛ فلكل إنسان أسلوبٌ إداريٌّ وسياسي يلزم أن يتبعه في حياته الشخصية والأُسرية والاجتماعيّة؛ فإنْ أخلَّ به اضطربت حياته وانقلبت رأسًا على عقب، غير أنه لا بد أن تكون الطرق السياسية التي سيلجأ إليها الإنسان المؤمن طرقًا موافقة لمبادئ الدين ونُظُمه، ولذلك فلا بد من بيان أنَّ الإجراءات غير المشروعة والتصرفات والسلوكيات التي لا تليق بهويّة المسلم في أي مجال كانت بدءًا من أصغر دائرة وصولًا إلى إدارة الدولة يستحيل أن تكون هي علم السياسة.

وكمثال على ذلك نقول: إنَّ للدول مجموعةً من الأهداف ترمي إليها، كأن تتبوّأ مكانة قويّة في التوازنات الدولية وتحافظ عليها، ولا تسمح للدولِ الأخرى بأيِّ عملٍ دون موافقتها، فإنْ كانت تلك الدول تنتهك القانون وتتجبَّرُ وتستبدّ وتظلم غيرها من أجل تحقيق تلك الأهداف عبر طرق مختلفة كاستغلالِ الثروات الطبيعية في مختلف مناطق الدنيا تذرُّعًا بحجج واهية، وغزوِها غيرها مُدَّعية أنها هاجمَتْها فعليًّا وتمارس ضدّها اعتداءات حقيقية، وإقصاءِ الشعوب هناك عن جذورها الروحية والمعنوية وطمسِ هويّاتها فإنَّ هذا الفعل لا يُسمّى سياسة، وإنْ كان لا بد من توصيفه وتسميته باسمٍ فليس أنسب من أن يُطلق عليه “إرهاب دولة فقدَتْ صوابَها وضميرَها”.

وكما أننا نرى من حولِنا بعضَ الدول الراغبة في حماية وضعها تنتهجُ هذا النوع من السياسات غير المشروعة؛ فإن بعض من استولوا على السطلة داخل البلاد أيضًا ربما يرتكبون هذه النوعية من الانتهاكات القانونية حفاظًا على راحتهم ومستقبلهم؛ فهم يَكْنِزُون ليس لتأمين حياتهم فحسب، بل ولتأمين مستقبَلِ أولادهم وأحفادهم، ويسعَون دائمًا لتعيين رجالهم على رأس مؤسسات الدولة، ولا يعترفون بحق أحد غيرهم في الحياة، ويُزيّفون الحقائق ويسترونها كي يجعلوا طوائف الشعب تقبل بكل هذه المساوئ؛ فيكذبون أحيانًا، ويتحدثون عن حسن النوايا أحيانًا، ويسعون أحيانًا لتقديم كل هذه المظالم التي يرتكبونها على أنَّها ضرورة سياسية، وأحيانًا أخرى يشوّهون صورةَ ضحيَّتهم كي يُثبِتوا أنهم هم على حقّ، غير أن مرتكبي تلك المظالم بعيدون تمامًا عن السياسة التي انتهجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون مهما تحدثوا عن الدين والإيمان، أو بدوا متدينين يسيرون في مقدمة رَكْبِ الإسلام.

محاولة شَرْعَنة الظلم

إلى جانب كل تلك الأمور ثمة أعمال غير مشروعة تُمارَسُ وكأنها مشروعة وبريئة، ومن ذلك على سبيل المثال أنْ يعمل شخصٌ واعظًا بأحد الجوامع، لكنه يريد توظيفَ أحد أقاربه مكانه بعد أن تنتهي وظيفته ويتقاعد، ويعتقد أنَّ قريبه جديرٌ وأهلٌ لمهمة الوعظ، فيسلك مسلكًا على هواه متجاهلًا أحكام القوانين واللوائح في هذا الشأن كي يتمكن من توظيفه بعده، وهو ما يعني أنه انحرف إلى طريق غير مشروع دون أن يشعر، وبعبارة أخرى: فإنَّ هذا الفعل يعني استخدام طرق غير مشروعة للوصول إلى هدفٍ مشروع.

ومثل هذا تمامًا بعضُ منْ يستولون على إدارة الدولة؛ فبينما يسلبون مال الشعب وينحلونه يملؤون خزائنهم، ويُكدّسون في بنوك الدول الأخرى الأموال التي يتحصلون عليها بطرق غير مشروعة، وربما يقولون وهم يفعلون هذا: “يلزم أن نكون أقوياء؛ وأن ندَّخِرَ من إمكانيَّاتِ اليوم ما يكفل لنا الاستمرار غدًا إذا ما انقطعت هذه الإمكانيّات، وأن نوفِّرَ ما يضمنُ لنا إعادة النهوضِ بحزبِنا مجدَّدًا إن تعرَّضَ لعثرةٍ ما”.

إنَّ كلَّ هذه أفكارٌ وتوجُّهات بريئة في ظاهرها وتتوارى خلفها سلوكيات من يضرون بهذه البلد لدرجة الخيانة، وقد يلجأ إلى هذه النوعية من الطرق حتى بعض الأشخاص المتدينين لأنها تبدو بريئة، غير أنَّ هذا ضلالٌ بيّنٌ، وخيانة عظيمةٌ للأمانة، ومن يسلكون هذه الطرق فقد استدعوا بأنفسهم ودون أن يفطنوا لذلك الفضائحَ والرذائل التي سيعيشونها مستقبلًا.

فإن كانَ هؤلاء أو تلك الطوائفُ الداعمةُ لهم تَعتَبر هذه التصرفات كلَّها ضرورة سياسيةً وتطلق عليها اسمَ علم السياسة فقد انخدعوا وضلُّوا أيَّما ضلال، لأنَّ السياسة يجبُ أن لا تخرج عن الأُطُر الأخلاقيّة، وأن تخضع للمبادئ الدينية بالدرجة الأولى، والسياسيُّ المسلم مطالبٌ بأن يسير على النهج الذي سار عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وورثته؛ فمفخرةُ الإنسانية وورثته الحقيقيّون عاشوا حياتهم في تحرٍّ حقيقي للحلال والحرام، ولم يخطوا ولو خطوة واحدة غير مشروعة أصلًا، ومن هنا فإنَّه ينبغي التحرُّكُ والسعي بحساسيّةٍ بالغةٍ لأن تكون الوسائل مشروعة إلى جانب أن تكون الغاية مشروعة، ولا سيما إن عاش من يمثلون القمة بحساسيّة في هذا الشأن فإنهم سيبثون الثقة فيمن حولهم، ويصبحون قدوةً لغيرهم.

ثقة الشعب أكبرُ رصيد

الواقع أنَّ هذا هو السر الذي يكمن وراء ما تحظى به القلوب المتطوعة الخادمة في سبيل الله من حسنِ قبولٍ في شتى أرجاء الكون؛ فلقد وُفِّقوا في مهمتهم لأنهم لم يحيدوا عن الطريق المستقيم، ولم يتشوّفوا إلى أيِّ أجرٍ دنيوي ولا أخروي في مقابلِ الخَدَمات التي يؤدّونها وأنهم يتحركون مراعين المبادئ الشرعية، وإذا ما واصلوا مسيرَتهم بعزيمةٍ وإصرارٍ وحساسية وصبر أيضًا فسيفتح الله تعالى عليهم الطرقَ المؤدّية إلى قلوب الناس.

لستُ أملك شيئًا على وجه الأرض، بل ولم أرغب فيه قط، حتى إنني دعوت الله تعالى ألا يَقسِمَ مثلَ هذا ليس لي فقط، بل ولا لأشقائي، وإنني لم أفكر على الإطلاق في أن أتوسط لتعيين أقاربي في أيّة مناصب، وقد أَوصيت من يقفون إلى جواري بألا يمتلكوا بيوتًا وأن يعيشوا حياتهم بمعايير توفّر لهم احتياجاتهم الضرورية فحسب.

فهذا هو السبيل إلى بثِّ الثقة في الآخرين، لأنّ ثقة الناس بكم تتآكل إن فكَّرْتم في أنفسكم ولو قليلًا، بيد أنَّ حركة المتطوعين هذه التي أظلَّت بظلالها وثمارِها مائةً وسبعين دولة في العالم إنما هي حركةٌ تعتمد في الأساس على التطوُّع والتضحية تمامًا، فإذا ما تخلت عنها الأمة انقطعت عناية الله أيضًا وزالت الأعمال المنجزة، فالوسيلة لنيل التوفيق الإلهي هي المحافظة على همة الأمة إلى جانبكم واحتضانها لكم، فإن قضيتم على تلك الوسيلة انقطع التوفيق الإلهي أيضًا -لا قدَّرَ الله-.

إنَّ من لا يُطيقونكم ولا يتحملونكم ولا يقبلونكم يسعون أحيانًا إلى تشويه خدماتكم الثابتة عبر استخدامهم افتراءات شتى، غير أنه لن يصيبكم -بإذن الله تعالى- أيُّ ضرر ولا مكيدة من أي مفترٍ كذّابٍ طالما أنكم تحافظون على استقامتكم، وكلُّ إنسان منصفٌ يقظُ الضمير يعلم أنَّ المؤسسات التعليمية التي تبُثُّ المحبة والتسامح في شتى أنحاء العالم قد ظهرت بهمم أهل الأناضول الأوفياء، فأهل الأناضول الذين ناضلوا من أجل الاستقلال حتى في أضعف الفترات عاشوا مرحلةَ بعثٍ ثانية جديدة، فانفتحوا على كل أنحاء العالم بالرغم من إمكانياتهم الاقتصادية المتوسطة، علاوة على أنَّ آلافَ المعلمين والمرشدين والطلاب انفتحوا على العالم كي يحملوا إلى كل أرجاء الدنيا تلك القيمَ الخالصةَ النقيةَ التي ورثوها عن جذورهم الروحية والمعنوية وينهلوا منها ما هو مفيد؛ فذهبوا إلى أماكن بِكرٍ لم تُطرق من قبل، وحاولوا الصمود والعيش برواتب بسيطة جدًّا أشبه ما تكون بمنح الطلاب، أي إنَّ الأرض يمكنها أن تُظهر هذه النوعية من أوجه الحسن والجمال لأنها خصبة منبتة، وإنني لأدعو الله تعالى لأجل هؤلاء الإخوة ربما عشر مرات يوميًّا، وأعتبرُ الدعاء لهم دينًا علي يجب الوفاء به، فأبتهل: “اللهم احشر هؤلاء المرشدين والطلاب والمعلمين والأمناء المنفتحين على العالم مع النبيين، وأيِّدهم، وقوِّ إيمانهم، اللهم آمين!”.

والحاصلُ أن ثقة شعبنا هي ما يقف وراء تكوُّن مثل هذه اللوحة الجميلة من أجل خدمة ديننا والإنسانية، ولهذا فإنه ينبغي لاحقًا أيضًا البعدُ تمامًا عن كل أنواع التصرفات والسلوكيات التي قد تزعزعها، والفرارُ منها كالفرار من الأفاعي والعقارب.

 

 

الإسلام الحقيقيُّ والإسلام الشكليّ

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: هل توضّحون حقيقة: “إنَّ الإسلام ليس مجرد شكلٍ وصورةٍ”؟

الجواب: إن الإسلام -كما ذُكر في السؤال- ليسَ مجرَّدَ شكلٍ وصورةٍ ومنظرٍ وصخبٍ وكلامٍ جزافٍ، ولا قيامٍ بمجموعةٍ من الأمور الشكلية، بل على العكس من ذلك: إنه أمرٌ قلبيٌّ، أي إنّ الأهمَّ والأساسَ إلى جانب الشكل هو الجوهرُ والمعنى؛ وقد لَفَتَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الانتباهَ إلى تلك الحقيقة بقوله: “إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلٰكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ[1]، وقد قال صوتُ الأناضول العذبُ الشاعرُ التركي “يونس أمره” في أحد أشعاره:

ليس التصوف بارتداء الخِرَقِ والتيجان

فمن يجعل قلبَهُ درويشًا لا يَحْتَاجُ خِرَقًا على الأبدان

ليؤكِّد بهذين المصراعين أنَّ ما يجب الوقوف والتركيز عليه أكثر من الشكل والمنظر إنما هو القلب.

ماذا إن بدا ما بداخلنا!؟

ومن هذه الناحية فثمّة أشخاص كثيرون يتقدّمون الصفوف، ويسعون إلى تمثيلِ الإسلامِ بصخبٍ وخيلاء؛ إلا أنَّهم لا يعدلون جناح بعوضةٍ في ميزان الله جل جلاله. أجل، إنّ هؤلاء وإن بدوا في مقدّمة ركْبِ الإسلامِ في الدنيا إلا أنهم سيكونون في وضع بائس ومؤسفٍ في الآخرة، وفي مقابل هؤلاء ثمة رجال آخرون لا يُقدَّرون حق قدرهم في هذه الدنيا، ويبدون في الصفوف الخلفية من المسيرة سوف يتبين في الآخرة أنهم سبقوا السابقين، وتباروا في حياتهم المعنوية مع الأولياء والأصفياء والأبرار والمقربين، وبناءً على ذلك: فإنَّ إصدار أحكامٍ بحقّ الآخرين بالنظر إلى مظهرهم الخارجي وأقوالهم وأشكالهم وصورهم ربما لا يؤدّي بنا إلى نتائج صائبة دائمًا، وهذه حقيقة أشار إليها رسولنا صلى الله عليه وسلم بقوله: “رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ[2].

ومن المهمّ ههنا عدم حملِ الكلامِ على غير محملِهِ؛ فإيّاكم أن تفهموا أنه لا بدَّ للإنسان أن يكون فقيرًا وحقيرًا حتى يتسنّى له إدراك وإحراز هذا النوع من المقامات والمراتب السامية؛ إذ إنَّ من يتولّون مناصب ومقامات دنيوية معينة قد يصلون بإذن الله عز وجلَّ إلى أعلى المراتب عنده سبحانه وتعالى طالما سلمت قلوبُهم ووفّوا بحقّ مسؤوليّاتهم، وكلُّ واحدٍ من ساداتنا الخلفاء الراشدين يُمثِّل نموذجًا أجملَ من الآخر في هذا الشأن.

حياة القادة الحقيقيين المؤثّرة في الأنفس

ها هو ذا سيدنا أبو بكر رضي الله عنه، عندما تولى الخلافةَ فَرضوا له من بيت المال ما يصلحه ويصلح عيالَه يومًا بيوم ويحجّ ويعتمر، فحينما حضرته المَنيَّةُ أوصى بأن يُسلَّم ما زاد عن حاجته من راتبه إلى من سَيَخلُفُه من بعده؛ وقال رضي الله عنه وهو على فراش الموت: “انظروا إلى ما زاد من مالي مذ دخلتُ في هذه الإمارة فردُّوه إلى الخليفة من بعدي”، فلما جيءَ بذلك إلى عمر بكى ثم قال: “رحم الله أبا بكر لقد أتعبَ من بعده إتعابًا شديدًا”[3]، ولقد كان سيدنا أبو بكر رضي الله عنه قبل الإسلامِ غنيًّا لكنه بعد الإسلامِ أنفقَ ثروته كلّها في سبيل الله، ولم يفكِّرْ في أن يستغلَّ لصالح نفسه ولو ذرة واحدةً مما يمتلِكُهُ، وبالرغم من كثرة النعم والإمكانيات التي وهبها الله تعالى له؛ إلا أنّه انتقل إلى الدار الآخرة خاوي الوفاض من النعم الدنيوية.

ولم تكن حياة سيدنا عمر بن الخطاب مختلفةً عن حياة أبي بكر الصديق رضي الله عنهما؛ فحين كان على رأس الدولة طلبَ تحديدَ راتبه الشخصيّ بقدر ما يتعيّش به أيّ إنسان متوسط الحال من الأمة، وفي عام الرمادة حرَّمَ على نفسه الطعام إلا بقدرِ ما يأكل أفقرُ الناس، وهو الخبز والزيت، فكانت بطنه تُقَرْقِرُ من شدّة الجوع، فَنَقَرَ بطنَه بإصبعه، وقال: “قرقري أو لا تُقَرْقِري، إنه ليس عندنا غيره حتى يحيا الناس”[4]، وقد رحل عن الدنيا ذلك الخليفة العظيم الذي هزم القوّتين العُظْمَيَيْن في ذلك العصر ولم يترك من المتاع شيئًا، وعليه فإن القاعدة الأساس لحصول التوفيق الدنيوي والأخروي تتأتَّى من مسلك ومنهج كهذا.

ولسيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه أيضًا فضائله الخاصة به؛ فكان من أغنى أغنياء المسلمين أنفق دون أدنى تردُّدٍ ستمائة بعيرٍ بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله تعالى استجابة لطلب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم القدوةِ الحسنة والمرشدِ الأكمل، فوصل هو الآخر بكرمه وجوده الفائق أفقًا يُدرِك من خلاله فضلَ الخليفتين السابقين عليه.

وكذلك سيدنا عليّ رضي الله عنه أنفقَ في سبيل الله تعالى ما تحصَّل عليه من مالٍ طيلة عمره؛ وكان يقول: “يَا دُنْيَا غُرِّي غَيْرِي”[5]، فانتقل إلى الدار الآخرة فقيرًا رغم كثرة الإمكانيات.

تلك القامات العظيمة لم تستخدم في سبيل مصالحها الشخصية قطُّ حقوقَ التصرّف الواسعة الإطار التي وهبها الله تعالى إياها، ولا الإمكانيّات التي توفّرت لها بسبب مناصبها، وكما أنها لم تلهث وراء منفعةٍ شخصية تحقِّقها لأنفسها، فإنها لم تستغل إمكانياتها وصلاحياتها التي تمتلكها كي تمنح شيئًا لأبنائها وبناتها وأقربائها وحاشيتها ومؤيِّديها.

أشباه القادة، والمجتمعاتُ المنجرفةُ إلى الهلاك

فهل يقع في الكفر من يستغلّون الإمكانيات التي اسْتَأْمَنَتهم عليها الأمة لصالح أنفسهم وأزواجهم وأولادهم ؟ لا بالطبع، إن هذا السلوك -رغم أنه سلوك شنيع- لا يُخرجهم من دائرة الإيمان ويدخلهم في دائرة الكفر، غير أنه لا ريب في أنهم يكونون قد اتصفوا بصفةٍ من صفات الكافرين، وإنهم حتى وإنْ صلّوا خمسَهم وصاموا شهرَهم وحجوا فرضَهم؛ فسيظلّون يُؤْوُون في أنفسهم وأجسادهم صفات الكافرين تلك كالجراثيم طالما أنهم لم يُصلحوا نقاط ضعفهم في هذا الشأن، وربما يتسببون في ظهور مجموعة من الانحرافات في تصرفاتهم وسلوكياتهم. أجل، إنهم سيُفكِّرون تفكيرًا خاطئًا، ويتَّخذون قرارات خاطئة، ويتصرَّفون تصرُّفات خاطئة نظرًا لإيوائهم فيروسًا خطيرًا في أبدانهم، ونتيجة لذلك فإنهم سيدفعون رعيَّتَهم إلى الهلاك بسياساتهم الخاطئة.

وينبغي ألّا ننسى أنّ الله جلَّ جلاله يحكم على الناس بحسب ما يتحلَّون به من أخلاق؛ فالأخلاق المتعلِّقة بالأوامر التكوينية أو التشريعية كالتحلِّي بالصدق، والحرص على حفظ أعراض الآخرين وشرفهم، والعيشِ في كنَفِ العفّة والعصمة، وعدمِ الطمع في مال أحدٍ ولا ملكه، والحرصِ على التعاون في الخير، والثورةِ على الكسل، وتنظيمِ الوقت، والاستفادةِ من الإمكانيات بصورة إيجابيّة تمامًا، والتفكُّرِ في الكون عشقًا للبحث والحقيقة؛ كلُّ ذلك متّحدًا هو صفة المؤمن الحقّ، يُوفّق الله من يتحلّى بها، ويُعاقب في الدنيا والآخرة مَنْ يُهمِلُها.

أجل، إن الإنسان، وإنْ قال: “إنني متديّنٌ”، ولم يرَ أحدًا غيره يُطبِّقُ الإسلام ويدافع عنه مثله، إن كان يجلس في المقاهي كسِلًا خاملًا، ولا يكتفي بذلك بل يغتاب الآخرين ويَنُمُّ ويفتري ويكذب، ويتحرك بالظنون فحسب لا بالحقائق، ويسيء التفكير بحق غيره من المؤمنين؛ فهذا يعني أنه يعيش حياة تتصف بأوصاف الكافرين، ومن يتصف بتلك الصفات ليست له أيَّة قيمة على الإطلاق عند الله تعالى حتى وإن أنزل النجوم من السماوات بحركة منه -وهذا افتراضُ محال- وأَبهَرَ مَن في الدنيا كما الألعاب النارية، ومدَّ موائد الأنوار فيها، وربما يُضلِّلُ ذلك الشخصُ الناسَ لفترةٍ مؤقتة بخداعه إيَّاهم، غير أنَّ مثلَه يومض كالضوء الكاذب وما يلبث أن يخبو سريعًا لأنه لم يُقِمْ علاقة سليمة قويّة بالله تعالى، ولم يسر على منهج الإيمان، ولم يقتفِ أثر الأنبياء ولم يَدُرْ في فلكهم، ولسوف يتسبب في هلاك من يتبعونه، فهناك كثيرون ضلَّلوا كمًّا هائلًا من الناس وجرّوهم خلفهم مدّةً من الزمان، غير أنهم زالوا وانمحوا دون أن يمضيَ كثير من الوقت، ولم يُخلّفوا وراءهم أثرًا يُذكَر على الإطلاق.

جَشَعٌ لا ينتهي

وعليه فينبغي للمؤمن ألا ينخدِعَ بالشكل، وألا ينسى أن الأصلَ هو المعنى والجوهر والروح، وعليه أن يلازم الإخلاص والصدق، وأن يربطَ كلَّ حركاته وسكناته برضا الله تعالى، ويسعى إلى تتبُّعِ الإرادة الإلهية في كلِّ خطواته؛ لأن من لا ينظِّمُ حياته وفقًا للأسس التي وضعها الله تعالى يصبح فريسةً سهلةً للنفس والشيطان وتوجيهاتهما، ومثل ذلك الشخص سوف يملأ خزائنه وحساباته المصرفية إذا ما وجد الفرصة لذلك، حتى إنه سيبدأ في إرسال الأموال إلى الخارج حين لا تكفيه بنوكُ وطنِه؛ فيسلبُ الأمة ويسرقها بِحِيَلٍ لا تخطر لأحدٍ على بالٍ، ويسعى لإقامة سلطنته الخاصة بأموال يغتصبها من الأمة، ومن يتحرك بهذه النوعية من الأفكار الشيطانية يسير في طريق الكفر وإن بدا مؤمنًا.

إن النجاحات والمكاسب وسائلُها ومناهجُها متعينةٌ لا بد من الالتزام بها، ويستحيلُ الوصولُ إلى هدفٍ مشروعٍ عبر سلوك طرق غير مشروعة، وكما يجب أن يكون الهدفُ معقولًا ومشروعًا وإلهيًّا؛ فلا بدَّ أيضًا أن يكون السبيل والمنهج المؤدِّي إليه مشروعًا بنفس الشكل، والفكرُ الوصولي الأناني (الميكافيلي) الذي يرى جواز استخدام الطرق غير المشروعة من أجل الوصول إلى هدفٍ مشروعٍ، وأنَّ الغايةَ تُبرِّرُ الوسيلة؛ إنّما هو همزٌ شيطاني بلا ريبٍ، وإنسانٌ هكذا وإن كان من الذين يرتادون المسجد فإنه لا يختلف حالُه عمن يرتَادُون الخمّارة، ويقيمون في معبد الأوثان.

محاولة سترِ ظلمٍ بظلمٍ أكبر

إن من يرتكبون جرائم عظمى كسرقة أموال الأمة ونهبها والتلاعب بالمناقصات والارتشاء وممارسة حياة بوهيمية أو محاباة ذويهم وتفضيلهم على الآخرين دون أن يستحقّوا ذلك؛ تراهم في أية مرتبة من مراتب الإدارة كانوا؛ لا يرغبون في اطِّلاع الآخرين على أفعالهم المشينة اللعينة تلك، ولذلك فإنهم ينزعجون من أن يتولى أناسٌ أطهار صادقون ليسوا على شاكلتهم ولا منهم ولا يُقرّون بأفعالهم غير المشروعة تلك أيَّ منصب أو مرتبة في الدولة تُمكِّنُ من الاطلاع على تلك الأفعال المشينة، ويخافون من أن يُعترض طريقهم، وأنْ يُفتَضحَ أمرُهم، وأنْ يَفقدوا رصيدهم لدى الناس، وكي يستطيعوا الحيلولة دون هذا كلِّه فإنهم يضغطون على أولئك الصادقين الأطهار ويقمعونهم بطرق ووسائل مختلفة لا يتخيلها عقل؛ ذلك لأن كلَّ مجرم يسعى لستر جريمته والانسلال مما اقترفت يداه، بل إنهم لا يتورعون عن عزو التُّهَمِ إلى غيرهم رغبة منهم في تبرئة أنفسهم.

وكما أنهم لا يرغبون في أن يطّلع الآخرون على جرائمهم؛ فإنهم يسعون إلى تشبيه من حولهم بأنفسهم كي يتحركوا براحةٍ في المستنقع الذي يغوصون فيه؛ فمرتكبو نفس المساوئ والجرائم يتفاهمون بكل سهولة مع بعضهم البعض؛ فيتفادون بذلك النقدَ واللومَ، ويحاولون إسكات تأنيب الضمير على ما ارتكبوه.

إنهم إلى جانب كل هذا يسعون إلى تشويه من يرونهم مخالفين لهم والانتقاصِ من قيمتهم بمجموعةٍ من الأسماء والألقاب يختلقونها في محاولةٍ منهم لِتأمين مستقبلهم والحفاظ على مناصبهم ومراتبهم، والأدهى من ذلك والأَمَرُّ أنهم يبذلون كلَّ هذا الجهد من أجلِ إغلاقِ جميع الأبواب في وجوه هؤلاء الأنقياء وعزلِـهم من مناصبهم، غير أنه ينبغي ألا يُنسى أنَّ كلَّ هذه الصفات والأفعال هي صفاتُ وأفعالُ أهل الكفر حتى وإن وُجدت لدى إنسان مسلم.

الثباتُ على الحقِّ، وعلوُّ الجنابِ في حلِّ المشكلات

وبالرغم من كلِّ شيءٍ فإنَّه يتوجَّب على المؤمنين الحقيقيّين ألَّا يخضعوا لجبروت وضغوط الطواغيت، وأن يواصلوا السير في الطريق الحقِّ الذي يعرفونه من ناحية، وأن يحاولوا العثور على سبيل خير وبرٍّ لإنقاذ حتى من يسيؤون إليهم؛ فيمنعونهم من ارتكاب الشرور والمساوئ بموجب قول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (سُورَةُ فُصِّلَتْ: 34/41)، فقد ورد أنَّ رجلًا تزيَّا بزيّ عالمٍ وكان منزعجًا من قول يُعزى إلى مولانا جلال الدين الرومي: “إحدى قدميّ في وسط الدين والأخرى في وسط اثنين وسبعين أمة” أو قوله “أَقْبِلْ، أَقْبِلْ، أيًّا كنتَ، فلتُقبِلْ؛ كافرًا كنتَ، أو مجوسيًّا، أو وثنيًّا! أقبل فتكيَّتُنا ليست تكيّة اليأس والقنوط، أَقْبِلْ وإنْ نقَضْتَ توبتَك مائةَ مرة! أقبلْ!”، فراح يكيل لمولانا كلَّ أنواع الشتائم والسباب مما يرد على لسانه قائلًا: “أنت زنديق، أنت فاسق، أنت تُضلل الناس، وتحتضن الجميع وتتملق إلى اليهود والنصارى والمجوس…”، وبينما كان ذلك الرجل يفرغ كل ما بداخله من سموم، كان مولانا جلال الدين الرومي يستمع بإخلاصٍ وتواضع كاملين لكل ما قاله، فلما انتهى الرجل من كلامه سأله مولانا: “هل قلت كلَّ ما عندك وانتهيتَ؟”، فأجابه الرجل: “نعم”، فقال له مولانا: “إنَّ صدري مفتوح لك أنت أيضًا، فأَقْبِلْ!”.

أجل، ربما يُغلِّق البعضُ جميع الأبواب في وجهكم مختلقًا حججًا واهية مختلفة، وربما يستكثرون عليكم أقل الحقوق والحريّات الأساسية، حتى إنهم قد يطلبون عرقلة مجموعة من خدماتكم الخيرية حتى ولو كانت في أقصى مكان من العالم، عليكم في مقابل هذا أن تقوموا بواجبكم، فتقولوا “حَسْبُنَا اللهُ“، وتواصلوا فعل الخير والعمل الصالح في الطريق الصحيح الذي تعرفونه، ولا ينبغي لكم الردُّ على تلك الإساءات بمثلها، إذ إنَّ مقابلة الظلم بالظلم ظلمٌ، إنَّ الإسلام اعتبر الردَّ على المظالم المرتكبة بمثلها ظلمًا؛ حيث قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ[6]، كما أن القاعدة الكلية تقول: “الضررُ لا يُزال بمثله”[7].

إن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحلى طيلة حياته السنيّة بالمعاملة الحسنة والصفح والعفو عمن أساؤوا إليه؛ حتّى إنه حينما دخل مكّة فاتحًا كان قد انحنى على راحلتِهِ، حتى إنَّ عُثْنُونه ليكاد يمسّ واسطة الرَّحل[8] تواضعًا منه لله أنْ فتح عليه مكة، وبينما كان مَن أذاقوه كل أنواع الشرِّ والأذى حتى ذلك اليوم ينتظرون بخوف وقلق شديدين الحكم الذي سيصدره عليه الصلاة والسلام بحقهم؛ إذ به يُطلِقُ حكمَه السمحَ الشهير: “اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ”[9]، مثلما فعلَ يوسف عليه السلام مع إخوته قبل آلاف السنين حينما قال لهم: ﴿لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ (سُورَةُ يُوسُفَ: 92/12)، وتلك هي المروءة، وعلوُّ الجناب! والطريقُ الذي يجبُ على ورثة الأنبياء أن يسلكوه في عصرنا وفي كل عصر ومصر إنما هو هذا الطريق!…

 

[1] صحيح مسلم، البر، 34؛ سنن ابن ماجه، الزهد، 9؛ مسند الإمام أحمد، 227/13.

[2] صحيح مسلم، البر، 138، الجنة، 48.

[3] ابن سعد: الطبقات الكبرى، 143/3؛ ابن عساكر: تاريخ دمشق، 229/30.

[4] ابن عساكر: تاريخ دمشق، 347/44.

[5] الإمام أحمد بن حنبل: فضائل الصحابة، 531/1.

[6] سنن ابن ماجه، الأحكام، 17 ؛ موطأ الإمام مالك، الأقضية، 26؛ مسند الإمام أحمد، 55/5.

[7] ابن نجيم: الأشباه والنظائر، ص 74.

[8] ابن هشام: السيرة النبويّة، 405/2. (والعُثْنُونُ من اللحية: ما نَبَتَ على الذقن وتحتهِ سِفْلًا).

[9] البيهقي: السنن الكبرى، 199/9.

مهمَّةُ الإرشاد، واللينُ في المعاملة

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ما العلاقةُ بين مهمّة الإرشاد واللين في المعاملة في ضوء قول الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 159/39)؟

الجواب: نزلت هذه الآية الكريمة بمناسبة معركة أحد، وكما هو معلوم؛ فقد تعرض المسلمون لهزيمة مؤقتة في هذه المعركة، إلا أنَّ تلك الهزيمة النسبية الجزئية التي حدثت تتوّجت في نهاية المطاف بالنصر[1].

ولْنُورِد بدايةً شرحًا موجزًا لمعنى تلك الآية الكريمة؛ حيث استُهلّت بقوله تعالى “فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ“، وإذا كان حرف الجر “الباء” الوارد في لفظ “فَبِمَا” يفيد المصاحبة يكون المعنى: “لقد لنتَ لهم وعاملتَهم برفقٍ بفضل رحمة الله وعنايته ورعايته وكلاءته”؛ فبيّن الله تعالى هنا أوّلًا أنَّ النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم محفوفٌ بعنايةٍ ورعايةٍ إلهيّةٍ خاصّةٍ، فدفعَ من الأذهان منذ البداية احتماليّةَ أن يكون صلى الله عليه وسلم قد وقعَ في أيِّ تقصيرٍ.

ومن المفيدِ هنا استحضارُ مخاطبةِ الحقّ تعالى لكلٍّ من: سيدنا موسى وسيدنا هارون عليهما السلام بشأن الإرشاد، كي يتسنى فهم وإدراك الوضع والميزة السامية لرسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم في هذا الموضوع؛ فبينما أمَرَ الله سبحانه وتعالى باللينِ سيدَنا موسى وهارون عليهما السلام إذ أرسلهما إلى فرعون قائلًا: ﴿فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (سُورَةُ طَهَ: 44/20)؛ ذكَّرَ بقوله “لِنْتَ لَهُمْ” أنَّ مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم على خُلقٍ سامٍ كهذا أصلًا.

وبعد أنْ أفصح الله جل جلاله عما يتحلَّى به سلطانُ الأنبياء صلى الله عليه وسلم من خُلق قرآنيٍّ قال: “وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ“؛ فلفت بذلك الانتباه إلى صنوف الجمال والحسن التي أدت إليها أخلاقه الرفيعة السامية صلى الله عليه وسلم، ثم أمره أمرًا إثر آخر بألّا يترك العفوَ عنهم والاستغفارَ لهم ومشاورتَهم في الأمر فقال تعالى: “فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ“.

إكسيرٌ حَوَّلَ الهزيمة إلى نصرٍ

عقد النبيُّ صلى الله عليه وسلّم مع أصحابه مجلِسًا للشورى قبل الخروجِ إلى معركة أُحد، وقد أخذَ برأيهم إيمانًا منه بضرورة ترسيخ مبدإ الشورى عند الجميع، غير أنهم تعرضوا لهزيمة مؤقتة كبَّدتهم خسائر فادحة، ودفعًا لما قد يقعُ في نفسِ الرسول صلى الله عليه وسلم من انكسارٍ وحزن تجاه أصحابه وجَّهَ الله تعالى نبيَّهُ إلى التحلِّي بأخلاقِ الصفح والعفو والمسامحة، وأن يتوجَّه إلى الله بالاستغفار لهم، وألا يستنكفَ عن مشاورتهم مجدَّدًا.

وبينما كان المشركون قافلين في طريق عودتهم إلى مكة متبخترين مَزْهُوّين بالنصر جَمعَ رسول الله عليه الصلاة والسلام أصحابه، وعرض عليهم تعقُّبَ المشركين، فنزلوا هم أيضًا على هذا الرأي الذي رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يتخلَّفْ عنه أحدٌ ممن شارك في موقعة أُحُدٍ… وبإمعانِ النظرِ في هذا المشهد وتأمُّلِ ما فيه يتسنّى لنا أن نُدرِكَ مدى تأثيرِ المشورةِ في الوصول إلى نتيجةٍ طيبةٍ؛ لأنَّ سادتنا الصحابةَ الكرام رأوا كيف أنَّ إصرارهم -وإن كان بسيطًا- على رأيهم في المشورة التي أجراها رسول الله معهم قبل أُحدٍ تسبَّبَ في وقوع مصيبة بهم؛ وعليه فإنَّ جميعَ من حضرَ أُحُدًا من الصحابة بمن فيهم الجرحى الذين لا يقوَوْنَ على المشي جاؤوا وقد حُمِلَ بعضهم على الأكتافِ، وطاردوا المشركين حتى موقع حمراء الأسد، فما لبثوا أن تحوَّلوا من وضعيّة المنهزم إلى وضعيّة المنتصر.

وهذا يعني أنه ينبغي لنا ألا نتخلَّى عن أسلوب اللِّين حالًا وقالًا إنْ كنَّا نريد أن نصبح مركزَ جذبٍ في نظرِ المخاطبين؛ لأن الفظاظة والغِلظة في التعامل والتصرُّف مع الناس تجعلهم ينفضُّون من حولنا وينفرون منّا كما بيَّنَت تلك الآية الكريمة.

أما القسوة والغلظة فتتعدَّدُ أنواعُها وتتباين؛ فكما أنَّ تفوُّهَ خَطيبٍ بكلماتٍ بذيئةٍ ووقحةٍ، ومخاطبتَه الناس بقسوة وشدة، وإفراطَه في رفع صوته تعبيرٌ عن الغلظة؛ فإنَّ انتقادَ الناس انتقادًا موجعًا أو التولي والإعراض عن أحدهم نموذجٌ آخر من نماذج القسوة والغلظة، وكلّها سلوكيات وتصرفات تُنفِّرُ الناسَ وتُبعدهم عمَّن يُخَاطِبُهم.

إن الأخلاق الإلهية لهي الأساس في هذا الصدد، والأنبياء العظام هم مَنْ يمثلونها، فما دام الحق سبحانه وتعالى يأمرُ سيدنا موسى وسيدنا هارون عليهما السلام باتباع اللين والرفق حتى عندما يخاطبان فرعون الذي يدعي الربوبية، ويُثني على سيدِنا رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ويَمدَحه بسبب تصرفه اللَّيِّنِ وبيانِهِ الرقيقِ؛ فذلك يعني أنَّ هذا هو المبدأ الإلهي الأساسُ الواجب اتباعه في كل زمان ومكان، وعليه فإن المؤمنين مطالَبون بأن يعاملوا الناس من حولهم بلينٍ ورفقٍ مهما يلاقون منهم.

حدُّ اللين عدمُ التفريط في حقوق الله

ومع هذا فإنَّ اتخاذ موقفٍ ضدَّ المتمرِّدين العصاة الذين لا ينتصحون، بل يُصِرّون على تكرار الخطإ والتقصير دائمًا دون خجل ولا استحياء منهم هو تعبيرٌ عن إعلاء حقِّ الله وتعظيمه، وزيادةً في الإيضاح نقول: ينبغي علينا تجاه أولئك الذين يتكسَّبون دون مراعاة للحلالِ ولا للحرامِ ويعيشون حياة إباحيّة مضرّةً لهم ولغيرهم؛ أنْ نُحذِّرَهم بأسلوبٍ لَيِّنٍ وهَادِئٍ، فإن لم يتعَقّلوا وينتهوا عما يفعلون وجب اتِّخاذُ موقفٍ واضح تجاههم، وكما هو معروف فإنَّ قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لاَ مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (سُورَةُ التَّوْبِةِ: 118/9) نزل في الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك؛ فثمة امتحانٌ في هذا، والحقيقة أنَّ رحى الحرب لم تَدُرْ في غزوة تبوك رحمةً من الله تعالى، ولو أنها دارت لكان هؤلاء الثلاثة قد وقعوا في ذنبٍ أعظم بقعودهم عن المشاركة في الحرب، ولهذا السبب فقد أخبر الله تعالى بعد تلك الواقعة بخمسين يومًا أنه عفا عنهم رحمة منه بهم، لكنَّ هذه الأيامَ الخمسين ما عاشوها إلا في عزلةٍ فريدة، امتنعَ النبيُّ فيها عن الكلامِ معهم، ومنعَ جميع الصحابة من تكليمهم؛ لأنهم لم يشاركوا في حملة جُهّزت في سبيل الله، وفي تلك الفترة أيضًا لم يكن المنافقون يشاركون في الحرب، ولذلك فإن من تخلَّفَ من المؤمنين فقد أدخل نفسَه ضمن هذه الفئة مؤقّتًا؛ فاتُّخذ ذلك الموقف تجاههم لأنهم دَنَّسوا فلكهم، فكانت المقاطعة الجماعيّة من قِبلِ المجتمع تعبيرًا عن تعظيم حقوق الله ومراعاتها.

وإلا فإنَّ اللين والرفق هما أساس أخلاق المؤمن، ومَنْ يتمثَّلون اللين والرفقَ في أقوالهم وتصرّفاتهم وسلوكياتهم يجذبون الناس إليهم، وإن كان ثمة إنسانٌ جديرٌ بقدرٍ معينٍ من التقدير والالتفات بالنظر إلى منزلته الاجتماعية فيلزم ألا يُبخَس حقَّه في نيل ما يستحق من الاهتمام، ولا ريب أن العلاقة التي تُؤسَّس مع الآخرين ستختلف من شخص إلى آخر، غير أنه لا بدَّ لكلِّ فردٍ أنْ يأخذ نصيبه من تقديركم وعنايتكم بحسب خصوصيَّة الطريق الذي يسير عليه، ولا بدَّ من إقامة العلاقات والتواصل مع الجميع بدءًا بالمؤمن الذي همّه أمته، ومرورًا بالمؤمنِ العادي، وانتهاءً بمن يتحرك في اتجاه مختلفٍ عنكم.

السبيلُ الوحيد لإقامة جسور المودة

لا بد من الوصول إلى كل الناس في المجتمع، وفتحِ الصدور للجميع باستخدام سبلٍ ومناهج مختلفة؛ فهذا هو المقصدُ الأصلي من “الحوار”، والسبيلُ إلى التواصل مع الناس يتأتَّى من اللطافةِ في التعامل واللينِ في السلوكِ حالًا وقالًا، ويستحيل عليكم التعبير عن أفكاركم بشكل كاملٍ وتامٍّ إنْ لم تحققوا ذلك، فإن كنتم ترغبون في أن يستفيد الناس مما تقولون استفادة تامةً أو جزئيّة؛ فيميلوا إليكم وينجذبوا لكم أو لا يكونوا ضدّكم ويتصدوا على الأقل لمن يتحركون ضدَّكم فعليكم أن تتحركوا بلين ورفق تجاههم فتُقيموا جسور الودّ واللينِ معهم، وتضمنوا بذلك أن يعرفوكم بشكل صحيح.

وإن كنتم تريدون إعلاء كلمة الله، وإيصال الرسالة المحمدية الجليلة إلى الجميع، وإبراز صورة الإسلام البهية ووجهه الطاهر النقيّ تصدّيًا لمحاولة البعض تشويهه، وإفراغَ العصارة الذكية المنسابة من جذوركم الروحية والمعنوية في صدور الآخرين؛ فعليكم أن تفتحوا صدوركم للجميع وتحتضنوهم دون تمييز بينهم على الإطلاق، بل وحتى عليكم -إذا لزم الأمر- أن تضعوا رؤوسكم تحت أقدام الآخرين كأحجار الرصيف كي تفرغوا مشاعركم وأحاسيسكم في أرواح الناس وتبثّوها فيها، ولا تظنّوا أنَّ هذا الأمر عظيم، بل إنّه ليسَ شيئًا يُذكر؛ لأن الأمرَ هنا مرتبطٌ برضوان الله وحقِّه، وبرضا مفخرة الإنسانية، وفيه مراعاةٌ لِخاطرِ مَنْ يعيشون الإسلامَ الدين المبين ويطبقونه ويحملون رسالته إلى كل أنحاء الدنيا.

وَعَوْدًا منَّا على ذِي بدءٍ نقول: إنَّ رسولنا صلى الله عليه وسلم أظهر بأقواله وأفعاله وتصرفاته وسلوكياته طيلة حياته أنه رحمة مجسمة تسير على الأرض؛ فكان هكذا حقًّا كما أشارت الآية الكريمة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ: 107/21) ويمكن مطالعة مظاهر هذه الرحمة ورؤيتها في عديد من فصول ولقطات حياته صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك على سبيل المثال أنَّه صلى الله عليه وسلم عندما دخل مكة قال لأولئك الذين ما تركوا شوكةً إلا ووضعوها في طريقه، ولا محاولةً إلا وبذلوها في سبيلِ إيذائِه، بل وأرادوا منعه من دخول مكة -قال لهم- مثلما قال يوسف عليه السلام لإخوته: ﴿لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (سُورَةُ يُوسُفَ: 92/12)، “اِذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ“، فأرانا بهذا القمَّةَ في اللين والصفح والرحمة والتسامح[2].

رحمةٌ مجسَّمة تسير على الأرض

لقد أصبح مردودُ هذا اللين والرفق الذي أبداه سيد الأنبياء رسولنا صلى الله عليه وسلم عظيمًا؛ إذ دخل الناس في الإسلام أفواجًا وجماعاتٍ كما ذُكر في سورة النصر، وإذا نظرنا إلى المسألة من زاوية تكرر الأحداث التاريخية في دوران دائمٍ يمكننا القول إنَّه: أيًّا كانت العوامل التي أثرت في دخول الناس الإسلام بالأمس فإنها ستظل تؤثر في اعتناقه اليوم وغدًا، وكما قال الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي: “لو أننا أظهرنا بأفعالنا وسلوكنا مكارمَ أخلاق الإسلام وكمالَ حقائق الإيمان، لدخلَ أتباعُ الأديان الأخرى في الإسلام جماعات وأفواجًا، بل لربما رضخت دول العالم وقاراته للإسلام”[3].

أجل، إنَّ تجسيدَ الرحمةِ على وجه “الأصالةِ” حاصلٌ برسولِنا صلى الله عليه وسلم، ولا قِبلَ لأحدٍ على الإطلاق أن يُزاحمه في هذا المقام، غير أنه ينبغي للأعين أنْ تطمحَ إلى هذا الأفق دائمًا؛ ولا بد من السعي إلى تحصيله على مستوى “الظليّة”، وحريٌّ بنا أنْ ندعوَ الله جلَّ وعلا أنْ يجعلنا رحماء مشفقين؛ إذ يُمثّلُ هذا في الوقت نفسه سببًا ووسيلةً مهمة لأن تنزل بنا رحمته سبحانه وتعالى، ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مَنْ لَا يَرْحَمِ النَّاسَ، لَا يَرْحَمْهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ[4]، وقال في حديث آخر أيضًا: “الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ[5].

ومن هذه الناحية فإنَّه ينبغي لفدائيِّي المحبّة في عصرِنا أنْ يَتُوقُوا للوصول إلى أفق الرحمة المجسّدة، وأنْ يسيروا في سبيل إدراك هذا دائمًا، وأيًّا كانت النقطة التي ستحملهم إليها ملكاتُهم؛ فلسوف يُرافِقُون في الآخرةِ الإنسانَ الأُفُقَ في هذا الطريق الذي يسلكونه، وهو رسولُنا صلى الله عليه وسلم، وسيكونون في معيته ما داموا يسيرون في إثر هدفٍ كهذا.

 

 

[1] لمّا انصرف المشركون عن أحد وبلغوا “الرَّوحاء” ندموا على انصرافهم قبل أن يستأصلوا المسلمين وقالوا فيما بينهم: “لا محمدًا قتلتموه، ولا الكواعبَ أردفتم، وبئس ما صنعتم، ارجعوا!” فبلغ ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فندب الناسَ وأمر بلالًا أن ينادي: “إن رسول الله يأمركم بطلب عدوكم، ولا يخرجنّ معنا إلا مَن شهد القتالَ بالأمس!” فخرجوا والجراحُ فيهم فاشيةٌ، فبعضهم خرج وهو يزحف، وبعضهم يحمل بعضًا، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مجروح، في وجهه أثر الحلقتين، ومشجوجٌ في جبهته في أصول الشعر، ورباعيته قد شظيت، وشفتُه قد كُلمت من باطنها، وهو متوهن منكبه الأيمن بضربة ابن قميئة، وركبتاه مجحوشتان، حتى بلغوا “حمراء الأسد” وبئرَ أبي عنبة، وقد انصرف أبو سفيان وأصحابُه خائفين وجلين، فبذلك حوَّل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الهزيمة المؤقتة التي تعرضوا لها إلى نصر عزيز. (انظر: الواقدي: المغازي، 334/1-336).

[2] انظر: البيهقي: السنن الكبرى، 199/9.

[3] انظر: بديع الزمان سعيد النورسي: صيقل الإسلام، الخطبة الشامية، ص 462.

[4] صحيح مسلم، الفضائل، 66؛ سنن الترمذي، البر، 16.

[5] سنن الترمذي، البر والصلة، 16؛ سنن أبي داود، الأدب، 66.

الشيطان وأتباعه في كل عصر

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ما هي الرسائلُ الكامنة في الآيات التي تتحدُّث عن طغيانِ الشيطانِ وإضلالِه كقولِه تعالى: ﴿وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا * وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ﴾ (سُورَةُ النِّسَاءِ: 118/4-119)؟

الجواب: لقد بَيّنَ الله عصيانَ الشيطان في مواضع متعددة من القرآن الكريم؛ ففي سورة الحجر مثلًا نجد الشيطان بسبب حسدِهِ الإنسان وبغضه إيّاه تحدث بوقاحة وصفاقة فـ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (سُورَةُ الْحِجْرِ: 39/15)، وفي سورة “ص” ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (سُورَةُ ص: 82/38)، وكذلك أيضًا فقد فصَّلَ القرآن الكريم موضوعَ هَذَيَانِ الشيطانِ الممتلِئِ حقدًا وكرهًا في قولِهِ تعالى: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ (سُورَةُ الأَعْرَافِ: 16/7-17).

ولا تختلف تلك العبارات عن بعضها من حيث إنَّها تعبير عن ضلالٍ وانحرافٍ واحدٍ، فالشيطان أسيرُ الغيرة والحسدِ، وقد أسلمَ نفسه في الوقت نفسه للحِقْدِ والكرهِ، وأعمَتْهُ تمامًا تلك المشاعرُ القاتلة؛ فتدفَّقَتْ من فمِهِ هذه الصنوفُ من الأباطيل وهو في حالةٍ من الهذيان، ومن ثمَّ فإنَّه تكلم وتحدث وتصرف نتيجة هذه المشاعر السلبية المُسيطرة عليه رغم أنه يعرف الحقيقةَ جيدًا.

طاغوتٌ يسوقُ مجموعات من الطواغيت

والواقع أنَّ تلك العبارات التي تلفَّظ بها الشيطان بوقاحة وصفاقة تجاه الله تعالى تُبيِّن أنَّه كان في السابقِ ينطوي على مرضٍ نفسيٍّ خطير، من الممكنِ أن يكون من قَبيلِ التشوُّفِ إلى منصبٍ أو مقامٍ أو إلى تقديرٍ وتبجيلٍ، لأنهُ رُوِيَ عن بعض المحققين قولهم: إنَّه لم يبق مكان على وجه البسيطة إلا وسجد فيه الشيطان لله تعالى، وهو يعرف الله كما يُفهم من قَسَمه وحَلِفِه به سبحانه وتعالى، غير أنَّ معرفته الله لم تفده شيئًا؛ لأنها معرفة بلا عملٍ، ونتيجة لذلك فقد تردَّى في مستنقع الغيرة، ولم يتقبل آدمَ عليه السلام، وانهزم أمام مشاعر الحسد.

والشيطان يهذي ويهرِف كلما رأى نجاحَ الإنسان وأداءه ونشاطه العاليَ في سبيل الله تعالى، ويشتد عداؤه للإنسان حقدًا عليه فيصير واحدًا من ألدِّ أعداء الإنسانية، وهو بهذا يقف وراء عصيان وضلال كل المجموعات العصيّة الضالّة، لأن الإنسان المخلوق في “أحسن تقويم” غيرُ منفتحٍ باعتبار فطرته الأصلية على الدهماوية والجدلية وتشويه الآخرين والحسد وما إلى ذلك، وإنَّ مَنْ يقعون في مثل ذلك إنما يقعون فيه بِلَمْزِ الشيطان وغمزه حتى وإن كانوا يظنّون أنهم يستخدمون خلاياهم العصبية وعقولهم، أو يعتقدون أنَّ تلك الأمور السلبية التي يتفوّهون بها من نتاجِ أدمغتهم أنفسهم، أو يتوهَّـمون أنهم هم منْ جعل بعضَ السلبيات أمرًا واقعًا.

وتذكر الآيات الكريمة أنَّ الشيطان سيلجأ إلى عِدَّةِ طرق ومسالك في محاولةٍ منه لإضلالِ الإنسان عن الصراطِ المستقيم حَسَدًا منه وحقدًا؛ فتأمر الآيةُ التالية المؤمنين بالتَّمَسُّك بالطريق المستقيم الذي بَيَّنَه الله تعالى وبعدمِ الابتعاد عنه قائلة: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (سُورَةُ الأَنْعَامِ: 153/6)، لأنَّ من ينحرف عن هذا الطريق المستقيم يضلّ في طرق شتّى، ويقع أسيرًا لهواه وشهوته؛ فيتخبط بين اتباع هذه الأيديولوجية وتلك، ويظنُّ أن تلك الأضواء الكاذبة تمنح الإنسانية السعادة والرفاه، ونتيجة لذلك فإنه يُفني عمره لهثًا وراء أيديولوجيات باطلة، في حين أن السبيل الأنسب لطبيعة الإنسان واحتياجاته والذي سيضمن السلم والطمأنينة للمجتمع إنما هو السبيل الذي حدده اللهُ خالقُ الإنسان وصاحبُ الرحمة والعلمِ المطلق، أما الشيطانُ المفسدُ البارع في الإفساد الذي يعلم هذا الأمر جيدًا فقد حاول وما زال يحاول إضلال الناس وإبعادهم عن هذا الطريق المستقيم مستخدمًا آلاتٍ ومزامير مختلفة بحسب ظروف الزمان واختلافِ الشخصيات.

حقدٌ دفينٌ

إنَّ الشيطان حينما أرادَ أن يُعبِّرَ عمَّا ينوي فعلَه أنشأ عبارةً محلَّاةً بلامِ القَسَمِ ونونِ التوكيدِ فقال: ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾، ولامُ القَسَم الواردة في أوَّل الفعل ونونُ التوكيد اللاحقة بآخره أيضًا تُبَيِّنان مدى إصرار الشيطان على إغواء الإنسان، أي وكأنَّه قال سأستعبد جزءًا منهم، وأُخضعهم لوصايتي، وأُؤثر عليهم دائمًا.. ويمكننا اليوم مشاهدة أمثلة وأنواع عديدة وكثيرة للغاية من هذا القَبيلِ.

وإثر ذلك أردف الشيطان مؤكِّدًا ما ينوي فعله ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾؛ أي إنّني لن أبرحَ حتى أُفسِد عليهم أفكارهم ومشاعرهم، وسأفعل كلَّ ما بوسعي كي أُضِلّهم عن السبيل؛ فأدفع بعضهم إلى البوهيمية[1]، وأجعل بعضهم عبيدًا للسمعة والشهرة، وأُجنِّنُ البعضَ بجعلِهم يستميتون طمعًا في الحظوةِ والمستقبَلِ، وأُحرقُ البعضَ الآخرَ بمشاعر الجشع، وأَزُجُّ بفِئَةٍ في مستنقع الحسد، بينما أزجُّ بالأخرى في مستنقعِ الاستبدادِ والغطرسة وعدمِ الاعترافِ بحقِّ الغير في الحياة، فأجعلهم يُهرولون من ارتكاب ظلمٍ إلى آخر، وكل واحدة من هذه الأمور انحرافٌ قائم بذاته يسوق الإنسان إلى الضلال، ولذا فإننا ندعو الله جلَّ وعلا أربعين مرة على الأقل يوميًّا في صلواتنا الخمس كي لا نضل ولا نزيغ عن الطريق المستقيم فنقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ (سورةُ الفَاتِحَةِ: 6/1-7).

الشيطانُ والدين المفرَّغُ من محتواه

ومن التهديدات التي يسوقها الشيطان حين يستشيط حقدًا وكرهًا قَسَمُهُ القائل: ﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾، ويطلق لفظ الأمنية على الأوهام والهواجس التي لا تستند إلى حقيقةٍ والتي يتعذر تحقيقها، وقد كان تفاؤُلُ أهل الجاهلية أو تشاؤُمهم من تلقاءِ أنفسهم استشفافًا من مجموعة من الأحداث، وتيمُّنُهم ببعض الأشياء وتبرُّكهم بها، وتطيُّرُهم بالبعض الآخر نوعًا من تلك الهواجس والأوهام، وكذلك فإنَّ الأوثان التي عبدوها كانت من نتاجِ تلك الأمانيّ؛ فقد كانوا يضعونَها حتى داخل الكعبة، واشتهرَت في أماكن شتى من الجزيرة العربية أصنامٌ شبيهة باللات ومناة والعزى وإساف ونائلة.. فكانوا يذبحون لها القرابين ويعبدونها، وفي وقتِنا الراهن هناك مَن يُسوِّقون النهبَ والسرقة والكذب والافتراء على أنها أمورٌ مشروعةٌ، ويظنون أنهم سيُحقِّقون مكسبًا ويَصِلُون إلى مكانةٍ ما بالمفاهيم الدينية التي أفرغوها من محتواها، وما فِعلُهم هذا إلا نتاجُ نوع آخر من الهواجس والأوهام أيضًا.

وفي بقية الآية الكريمة يقول الشيطان: ﴿وَلَاٰمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ اٰذَانَ الْأَنْعَامِ﴾؛ فكان من عادات أهل الجاهلية أنهم يشقُّون آذان بعض الحيوانات فتكون علامة عليها، ويُحرّمون على أنفسهم أكل لحومها، ويفعلون ذلك نسكًا في عبادة الأوثان، فيحرِّمون ما أحلّه الله سبحانه وتعالى.

أكبرُ تغييرٍ: الانحراف عن غاية الخلق

ويواصل الشيطان وقاحته وصفاقته قائلًا: ﴿وَلَاٰمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ﴾، فاللهُ تعالى خلق كلَّ الكائنات على فطرةٍ، يُعَدُّ إحداث أيّ تغيير فيها وقوعًا في حيلةٍ من حِيَلِ الشيطان، فالإنسانُ المخلوق في أحسن تقويم إذا تحرك في إطار النُّظُمِ والأسس والمنهجِ الذي وضعهُ الله تعالى يكون قد تحرَّكَ وفقًا للفطرة التي فُطِرَ عليها، وإلا فإنه يُسلِمُ نفسه للتَّشَتُّتِ والفُرقة، وينحرفُ عن جادَّةِ الفِطرة السليمة.

وإلى جانب تلك الأمور فإنه عندما يُنظر إلى الآية الكريمة من زاوية التفسيرات الحديثة يمكن استلهامُ إشارةٍ إلى عمليات التجميل التي شاعت اليوم؛ إذ إنَّ عدم إعجاب الناس بشكل بعضِ الأعضاء من الجسدِ، وقيامَهم بتغييرها وفق أهوائهم شكلٌ آخر من أشكال التدخُّل في الفطرة، وهي أيضًا وقائع تجري بهمز الشيطان وإغوائِهِ، أمَّا علاج التشوُّهات التي تحدث في الجسد بسبب تلقِّي العلاجات الخاطئة أثناء عملية الولادة أو نتيجة حادثة ما وتحسينُها فإنه لا يندرجُ ضمن التدخُّلِ في الفطرة ومحاولة تغييرِها، بل على النقيضِ، إذ إنه يُقبَلُ ويُنظَرُ إليه على أنه إعادة الأمر إلى أصلِ فطرة الله تعالى.

والواقع أن مسألةَ “تغيير خلق الله” تعبيرٌ عام، ومجالَ انعكاساتها واسعٌ، وقد بيّن الله تعالى بقوله ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (سُورَةُ الذَّارِيَاتِ: 56/51). لماذا خُلِق نوعُ بني الإنسان؟ فالآيةُ تجيب على هذا السؤال بأن الهدف الأساسي لوجود الإنسان هو عبادة الله تعالى؛ فقد خلق الله الإنسان ليعبده سبحانه وتعالى، لا لشيء آخر، وهذا يعني أنَّ من لا يعبدون الله يسعون لتغيير فطرته وخلقه، ومثل هذا تمامًا كلٌّ من العقل والمنطق والمحاكمة العقلية فإن لها مجموعة من الغايات والمقاصد التي خلقت من أجلها مثل التفكّر والتدبّر والتأمّل في الأنفس والآفاق، وتحليل الأوامر التكوينية، ومن يدقق هذه الأوامر التكوينية ويستخرج منها مجموعة من المعاني، ويؤلف بين تلك المعاني التي استخرجها والأوامر التشريعية، ويتوجه بعد أن يُحسِنَ قراءة الأسرار الخاصة بالربوبية نحو توحيد الألوهية والعبودية؛ يكون حينئذٍ قد استخدم عقله ومنطقَهُ في اتجاه الفطرة، وكما أن المخترعين الإسلاميين كانت لهم اختراعات مهمة للغاية نفعت الإنسانية جمعاء في تلك الفترة التي استمرت فيها النهضة الإسلامية حتى القرن الخامس الهجري؛ فهناك كثير من الباحثين الغربيين أيضًا يقومون في عصرنا بالشيء نفسه عبر حُسنِ استخدامهم المنطق والمحاكمة العقلية التي وهبهم الله إياها.

 والمقاربةُ عينُها واردةٌ بالنسبة لأعضاء الإنسان أيضًا؛ فالعين مثلًا لها غاية من خلقها، وهي النظر إلى الأشياء التي يجب النظر إليها، ومحاولة رؤيتها بشكل صحيح وتدقيقها، ومحاولة استخراج بعض المعاني منها، وكما قال الأديب التركيّ “رجائي زاده محمود أكرم” فإنَّ الكون يبدو من أوّله إلى آخره وكأنه كتابٌ رائعٌ إذا ما طالَعنا أيًّا من حروفه وجدنا الله تعالى، وإنَّ البيت الشعري الحكيم التالي الذي نُظم قبل عصورٍ:

تَأَمَّلْ سُطُورَ الْكَائِنَاتِ فَإِنَّهَا         مِنَ الْمَلَإ الْأَعْلٰى إِلَيكَ رَسَائِلُ

ليستحق التأمل في معناه، وعليه فإنَّ المهم هو التمكُّن من رؤية قدرة الله تعالى ومشيئته وعلمه وإرادته حتى في أوراقِ الأشجار، وفي الشتلاتِ والفسائلِ المتمايلة، ولا سيما في الإنسان فإنه بِيَدَيه ورجليه، ولسانه وشفتيه، وعينيه وأذنيه مَعْلَمٌ يُـمَثِّلُ كتابًا بحجم مجلدات لا بدَّ من مطالعتها، ومحاولةُ الإنسان قراءةَ هذا الكتاب قراءةً صحيحة تعني استخدامه عينيه ومنطقه ومحاكمته العقلية في اتجاه الفطرة السليمة.

وبنفس الشكل فإنَّ استماع الإنسان الغِيبة والافتراءات والأكاذيب والأشياء الماجنة بأذنيه لَيُبَيّن ويكشف أنَّه لم يستعملْهما لما خُلِقتا له، وهذا يُعتبر نوعًا من الإسراف، ولذلك فإن الله الذي وهب الإنسان تلك النعم سيحاسبه عليها يوم القيامة، وقد منح الله تعالى الإنسانَ نعمة اللسان التي بها يرتفعُ ويُفضَّلُ على غيرهِ من سائرِ الأحياء، فبفضلها يستطيع الإنسان التعبير عن أدقِّ التفاصيل، وكذلك فإنَّ هذه النعمة الكبرى ذات غاية محدّدة؛ تتمثَّل في عدم الانزلاق في اللغوِ والكذبِ، وأن ينطقَ بالحقِّ والحقيقة، ويُرشِدَ إلى محاسن الأمور.

ويَتَبين من العبارات الوَقِحَةِ التي تفوه بها الشيطان أنَّه يسعى ليمنع الإنسان من أن يستخدم في سبيل الخير والجمال تلك القابليات الممنوحة له، فنجده مثلًا يُلَقِّنُ الإنسان كيف يستخدم عقله في خداع الآخرين، ويُشرعِنُ له كلَّ الطرق كي يتمكن من الوصول إلى هدفه بفهم أنانيٍّ وصوليٍّ (مقياولي)، والأكثر من ذلك أن الشيطان سيسعى كي يُجمّل حتى لمن يرتادون المساجد كلَّ فهمٍ إباحي، وسيدفعُهم للاستفادة من نعم الدنيا دون تحرٍّ للحلالِ والحرام، ويجتهد كي يُبعد عن طريق الله تعالى حتى أولئك المداومين على الصلاة، ومن ثم فإن الإنسان إذا لم يستخدم الملكات والقابليّات الموهوبة له في الطريق الصحيح فقد اتبع همزات الشيطان، وتدخل في الفطرة، فيصبح دون أن يدري أبدًا خاضعًا لأمر الشيطان؛ ولهذا فقد حذر القرآن الكريم من الشيطان ومن مكائده بأسلوب يُرجِفُ القلوبَ ويُنبِّهها فقال: ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾ (سُورَةُ النِّسَاءِ: 119/4).

وعليه فلا بد أن يضع الإنسان في اعتباره أنَّ الشيطان ربما يقف وراء كل حركة تخالف ما أمر الله تعالى به في القرآن، وينبغي له أن يُديم الاستعاذة بالله من الشيطان، وأن يُخْلِصَ التوجُّهَ إلى الحقِّ تعالى ويطلب المدد منه، وأن يتمسك بالتصرُّفات والسلوكيات التي تطردُ الشيطانَ وتُبعده عنه، فعليه مثلًا أن يَلْزَمَ الصلاةَ وتلاوةَ القرآن؛ فقد ورد في الحديث النبوي الشريف أنَّه “إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي يَقُولُ: يَا وَيْلِي أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَأَبَيْتُ فَلِيَ النَّارُ”[2]، ولأجلِ ذلك فإنَّه ينبغي لمن ينشد الحق ويرغبُ في أن يَسْلَمَ من كلِّ حيل الشيطان ومكره أنْ يعيش حياته عبدًا لله فحسب، وأَنْ يَجِدَّ في سبيل إعلاء كلمة الله، ويعتبرَ نفسه صِفْرًا ويتوجَّه إلى الله لا إلى أحدٍ سواه، فكل هذه الأمور بمثابة أسوار تُقام منعًا من وصول الشيطان إلى الإنسان، أمَّا من يسيرون في سبيل الله ويُقحمون في أثناء ذلك أنفسَهم وملاحظاتهم النفسيةَ ومصالحهم الشخصيةَ فهم أموات بالنظر إلى حيواتهم القلبية، كما أنهم بصنيعهم ذلك يهدمون حصونهم القلبية ويُسلمون قلوبهم للشيطان، نسأل الله السلامة.

 

[1] البوهيمية: طريقة في الحياة تقوم على التسكُّع واللامبالاة بالوضع الاجتماعيّ أو المعيشيّ وعدم الاهتمام بالمصير والمستقبل.

[2] صحيح مسلم، الإيمان، 133؛ سنن ابن ماجه، إقامة الصلاة، 70.

أربعٌ من أمر الجاهلية

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: يقول رسولنا صلى الله عليه وسلم في حديثٍ شريفٍ: “إِنَّ فِي أُمَّتِي أَرْبَعًا مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ لَيْسُوا بِتَارِكِيهِنَّ: الْفَخْرُ فِي الْأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ، وَالِاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ”[1]، فما هي الدروس المستفادة من ذلك الحديث؟

الجواب: بدايةً لا بد من بيان مدى خطإ الاعتقاد بأن تلك الأمور الخاصة بالجاهلية باقيةٌ بعينها بين أفراد الأمة المحمدية، لأن عقائد الناس في العصر الجاهلي لم تكن صحيحة، بينما عقيدة الأمة المحمدية صحيحة وحقة؛ ولذلك فإنَّه حتى وإن ظهرت تلك الأمور المتعلقة بالعصر الجاهلي بين بعض المسلمين لاحقًا فلا بد من الأخذ بعين الاعتبار أنَّها تختلف عن بعضها البعض من حيث الكيفية، وبتعبير آخر: فإن تلك الأمور التي جرت مجرى الدم من العروق عند أصحابها من أهل الجاهلية كانت موجودةً لديهم بمعناها الحقيقي، أما بقاؤها بين بعض المسلمين فأمرٌ مجازيٌّ أو ظليّ، وعليه فإن الصواب والأصح هو أن نفهم عبارة “لَيْسُوا بِتَارِكِيهِنَّ” على أنَّها ستبقى بحيث يجري تَغييرُها وتعديلها بطريقة أو بأخرى، لا أنْ نَفهَم أنها ستبقى بعينها تمامًا وعلى حالها الذي كانت عليه في العصر الجاهلي.

الفخر بالحسَبِ والنسَبِ سلوةٌ لا طائل منها

أول المحذورات الأربعة المذكورة في الحديث هو “الْفَخْرُ فِي الْأَحْسَابِ“، والحقيقة أنَّ افتخارَ الإنسان بأيّ أمرٍ كالمنصب والمقام والعلم والمالِ والجمالِ والذكاءِ؛ لا يُعَدُّ إلا تعبيرًا عن إساءة الأدب مع الله تعالى، وكما وردَ عن الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي فإنَّ تجاهل إحسان الله ولطفه نكرانٌ للجميل، أما عَزْوُ ذلك إلى النفس فهو فخرٌ، وإذا كان الإنسان يرغب في اجتناب هذين الأمرين وجب عليه أولًا أن يؤمن ويعتقد يقينًا بأن كلَّ النعم التي يحظى بها كالعلم والعرفان والعقل والمحاكمة العقلية والصحة والمال… إلخ من الله تعالى فقط، وأن يقرَّ بأنَّ كل تلك النعم مصدرُها الجميلُ المتعال، ثم يذكرها عندما يقتضي الأمر ذكرها من باب ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (سُورَةُ الضُّحَى: 11/93) فحسب، لا من باب الفخر والتّيه.

وزيادة في التوضيح نقول: إن افتخار الإنسان وعجبه بنفسه أمر سيِّئ للغاية، لا يحبه الله تعالى؛ إذ ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (سُورَةُ لُقْمَانَ: 18/31)، ويسوقُ الحديثُ الشريفُ هنا نوعًا خاصًّا من أنواعِ هذه الآفةِ التي تُدَمِّرُ الإنسانَ وهو الافتخار بالحسب والنسب والأصلِ والعِرقِ وشجرةِ العائلة، ومن هذه الناحية فإنه ينبغي للإنسان حتى وإن انحدَرَ من سلالة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الطاهرة النقيّة أن يقول: “اللهم إن انحداري من سلسلة نسبٍ مباركةٍ كتلك أمرٌ ليس بيدي، وإنني أعلمُ يقينًا أنك أنتَ من قَسَمَهُ لي، وهذا إحسانٌ منك وفضلٌ، وهو في الوقت نفسه مسؤولية ثقيلة بالنسبة لي، اللهم لك الحمدُ كلُّه والثناءُ كلُّهُ أن أحسنْتَ إليَّ بهذا، وإنني لأسألُك مددَك وعونك كي أستطيع الوفاءَ بحقِّ هذه المسؤولية”، غير أنه يلزمه ألا يستغلّ أبدًا مجيئه من نسب معين كوسيلة للتعالي والتكبر على الآخرين.

وإن تباهيَ الإنسانِ بآبائِهِ أو بثراءِ أجدادِهِ أو بقصورِهم ومصايفهم لَيَدْخُلُ في إطار آفـةِ الفخرِ بالحسَبِ والنَّسَبِ، وكذلك الأمرُ تمامًا بالنسبة لابن وزيرٍ ما، أو ابنِ رئيسِ وزراء، أو ابنِ رئيس الجمهورية، فهذا أيضًا من هذا القبيل، في حين أنه لا قيمة لأيٍ من تلك الأمور عند الله تعالى، بل إنّ الفخر بها أمر مردود ومرفوض عنده جل وعلا، فإن كان الشخص الواقع في مثل تلك الأمور مؤمنًا فقد يعاقَب عليها في الدنيا، وإلا فعقابُه في محكمة العدلِ الإلهيّة الكبرى، وهذا أصعبُ وأشد تنكيلًا.

وعليه فإنَّه يجب على الإنسان ألا يتدنَّى بأي شكل من الأشكال إلى هذه الدركة؛ دركةِ الفخر بالحسب والنسب، وألا يعتبر هذه الأمور تميُّزًا وتفوُّقًا؛ لأن المزايا والخصال التي كانت لأجداده لا تفيده بأيّ شيء، والأمر المهم هو أن تكون لدى الإنسان تلك القيمة الذاتية التي لفت الحقُّ تعالى الانتباهَ إليها بقوله العظيم: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (سُورَةُ الْحُجُرَاتِ: 13/49).

أجل، إن مكانةَ العبد عند الله تعالى مرتبطةٌ بدرجة طاعتِهِ وعبادتِهِ لله تعالى، وبعلاقتِهِ به جل وعلا، ومواصلتِهِ حياته في إطار “الإحسان”، وإيمانِه بأن الله يرى كل ما يفعله، بل والأكثر من ذلك أنَّها مرتبطةٌ بكونه يعمل العمل في كلِّ شيء وكأنَّه يرى اللهَ سبحانه وتعالى، ومنْ لا يراعي واجباته ومسؤولياته المنوطة به لا ينفعه أصلُهُ وفصلهُ أبدًا؛ إذ إنَّ سيدنا عمر رضي الله عنه أَبانَ بقوله: “إِنَّا قَوْمٌ أَعَزَّنَا اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ فَلَنْ نَلْتَمِسَ الْعِزَّ بِغَيْرِهِ”[2] أنَّ البحثَ عن وسائل الرفعة والعزة والفضل في غير الإسلام عبثٌ وسدًى.

النظام الطَّبَقيّ داءُ الإنسانية العُضالُ

وقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: “وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ” ثاني تلك الأمور الجاهلية، ألا وهو الطعن في الآخرين والتشنيع عليهم بسبب أنسابهم، فكما أنَّ نشأة إنسان في عائلة فقيرة وكونَ أبيه يعمل راعي غنمٍ لن يُفقده شيئًا فإنَّ كونه سليل فلان بن فلانٍ لن يُكسبه شيئًا أيضًا؛ إذ إنَّ المهمَّ هو امتلاكُ الإنسان لِلْقيمة الذاتية كما ذُكر آنفًا، وما أجمل تلخيصَ أبياتِ إبراهيم حقي لهذا الموقف إذ يقول مخاطبًا نفسه (ما ترجمَتُهُ العربية):

إذا أردت أن تكون ماهرًا بهذا الطريقِ

فلا تُفشِيَنْ سرَّكَ يا صديقي

ولا تَحْقِرَنْ أهلَ الخرابات يا “ذاكرُ”

فكم من خرابات بالكنوز تزخرُ

أجل، كم من أناسٍ تحسبونهم خراباتٍ وأطلالًا غير أنَّ صدورهم ملأى كنوزًا وأسرارًا.

ومن هذه الناحية فإن الطعنَ في الناس والتشنيعَ بهم بالنظر إلى المناخ الثقافي والحالة المادية التي نشؤوا فيها، والوسطِ الذي يعيشون فيه والمحيط الأسري الذي هم عليه وما إلى ذلك ليس صحيحًا ألبتة، والحقيقة أنَّ آفةَ الإحساسِ بالتفوُّقِ على الآخرين والاستخفافِ بهم ليسَت وليدة اليومِ، بل ترجع إلى عصورٍ سحيقةٍ جدًّا؛ إذ إنَّ عقيدة “النظام الطَّبَقي” التي يُقال إنّها ظهرت في الهند وإنَّ مصدرها الديانات الهندية؛ شاعَت في مجتمعاتٍ كثيرةٍ لم تحظَ بالتربية الجيّدة على يدِ الرسالات النبويّة العظيمة، ويمكننا القول: إن مثل هذا الفهم موجودٌ بمختلف جوانبه المتباينة حاليًّا أيضًا في كثيرٍ من الأماكن على وجه البسيطة بما فيها بلادنا، فإن كان النظام الطبقيُّ ما زالَ موجودًا بمختلف أشكاله ومظاهره بالرغم مما هو شائع لدى الإنسانية في يومنا هذا من مزاعم التمدّن والديمقراطية والتقدّم في حقوق الإنسان؛ فإنني أعتقدُ أنّه يجب علينا نحن عالَـمَ الإنسانية أن نُعيد النظرَ مجدَّدًا في وضعنا.

وما يتعلق بمجتمعنا من هذا الموضوع أنَّ الأناضول هو “ممرُّ الأقدام”؛ أي إنه المكان الذي اجتازته وحَلَّت به ورحلت عنه أقوام عديدة؛ إذ استقرَّ به أقوامٌ من أعراق وأديان وثقافات متباينة قَدِمَتْ من شتّى بقاع الأرض في مختلف مراحل التاريخ، وقد أسلم معظمُهم، ومن هذه الناحية فإنكم إذا هممتم تُفَتِّشون عن أصلِ ونَسَبِ أيِّ إنسان فقد تجدون بعد عدة أجيال خلت أنَّ جدَّه كان يهوديًّا أو أرمينيًّا أو نصرانيًّا أو روميًّا… إلخ، وانطلاقًا من هذا فإنه لا يحق لنا الطعن في الناس، بل إنَّ آباء معظم الصحابة الكرام رحلوا عن الدنيا ولم يتسن لهم دخول الإسلام، ولذلك فإنه يجب تقييم الناس باعتبار وضعِهم الحالي، لا باعتبار ماضيهم وأنسابهم التي ينحدرون منها.   

التنجيم والخواء القلبي

وثمة أمرٌ آخر سيظلُّ بين ظهراني الأمة رغم أنه من خِصال الجاهلية، ألا وهو طلب نزول المطر من النجوم ونسبة إرساله إليها، وقد عبر عنه الرسول عليه الصلاة والسلام بقوله “وَالِاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ“؛ فقد كانت النجوم -لا سيما في بلاد الرافدين- تحظى بأهمّية وقداسة خاصة؛ إذ كان الناس هناك يعتقدون أن للنجومِ تأثيرًا مباشِرًا على قَدَرِ البشر، ومع أن مثل هذه المعتقدات انهارت في يومنا إلا أن الاعتقاد في التنجيم والأبراج الذي هو جانب من ذلك الاعتقاد لا يزالُ على أشُدِّه، أي إنّ هذه العادة الجاهلية ما زالت تُواصل بقاءها بأشكال مختلفة.

وفي حديث قدسيٍّ يتعلق بالموضوع ذكر رسولنا صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى قال:

أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ: فَأَمَّا مَنْ قَالَ “مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ” فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ “بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا” فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي وَمُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ[3].

يعني أنّه بينما يُمَثِّل حمدُ الله سبحانه وشكرُه على ذلك المطر النازلِ من السماء باعتباره أثرًا من آثار رحمة الله؛ علامةً من علامات الإيمان، فإنَّ نسبةَ المطر إلى الأسباب تمثل علامةً من علامات الشرك، أما النجوم فإن العلوم الطبيعية قد أثبتت أنه لا علاقة بين النجومِ ونزولِ المطر حتى في دائرة الأسباب.

ومما يُؤسَف له أنّ الناس حين لا يؤمنون بما يجب الإيمان به من حقائق؛ أي حين ينتفي الإيمان القوي والسليم بأركان الإيمان فإنَّ حسَّ الإيمان المفطورَ فيهم يدفعهم إلى الإيمان بالباطل؛ فيطلب بعضُهم المددَ من “اليوغا”، وبعضهم من التأمل والاستغراق، والبعض الآخر يسعى إلى إرضاء نفسه بالتنجيم، والسبب في هذا كله ليس إلا انغلاق القدرة الروحية والاستعدادات الإيمانيّة أمام الحقائق الواجب الإيمان بها، والإنسانُ بطبيعته وجِبِلَّتِهِ يركض في إثر الحقيقة، غير أنه أحيانًا ما يقع في الباطل بينما يبحث عنها؛ فيلجأُ إلى الحجرِ والشجر والنجوم التي لا تُدرك ولا تَعقل شيئًا كي يُطَمئن قلبَه المحتاجَ إلى الإيمان.

الإيمانُ بالقَدَرِ وعادةُ الحِدادِ

أما الأمر الأخير المذكور في الحديث على أنَّه “النِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ” فهو المبالغة في رثاء الموتى والبكاء عليهم، وما زلنا نشهد في بعض المناطق من بلادنا مراثي يستحيل التوفيق بينها وبين المبادئ الأساسية للقرآن والسُّنة؛ إذ يجتمع الناس خلف الميت فيُعدّدون محاسنه وفضائله، ويُفرِطون في امتداحِهِ، حتى إنّهم يذكرون مثلًا محاسنَ حاجِبَيهِ، وخِلالَ ناظريه… إلخ، ولا سيما النساء فإنهن يَضْرِبْنَ بأكفِّهِنَّ على أرجلِهِنَّ ويلطمنَ وجوهَهُنَّ، ويظلَلْنَ يبكينَهُ بكاءً غيرَ حقيقيٍّ كما يفعل الممثِّلون.

في حين أنَّه لا فائدة على الإطلاق تعود على الميت من كل هذا التعظيم والتبجيل والتقدير الذي يُعدَّدُ بإضافة عباراتٍ مُبالِغَة ومصطنعة، وبغضِّ النظر عن كونها تُحَقِّقُ له فائدة أو لا؛ فإن هؤلاء بينما يرثون الميت ويبكونه تحاسبُهُ الملائكة وتسأله قائلةً: “أنت كذلك؟ أنت كذلك؟!” كما ذُكِر في الأحاديث النبوية الشريفة[4]، وبهذه الطريقة يصبح الميت عُرضةً لنوعٍ من العذاب بسببهم.

أجل، ما لم يتقرب الإنسان إلى الله تعالى بالعبادة والطاعة في الدنيا ويحسن عبادته فلن تنفعَهُ ولو مثقال ذرّةٍ كثرةُ عدد مُشَيِّعِيه، ولا المدائحُ المنظومة بحقه، ولا قولُ الجماعة المُشيّعة له “لقد كان صالحًا”[5]، علاوةً على ذلك لا بد أنْ نُبيّن أنَّ تَعَمُّدَ قول: “كان صالحًا” بحقِّ إنسانٍ فاسقٍ يعني الشهادة كذبًا، ولذلك يحاسِب الله الإنسانَ على هذا القول الكذبِ الذي نطقَ به، وهذا لا يمنعُ من إحسانِ الظنَّ بمن يرتادُ المساجد ويُصلي ويبدو خَلوقًا وفاضلًا؛ لأننا نحكُم بالظاهر، والله سبحانه فحسب هو المطَّلِع على القلوب والسرائر، إلا أن قولَ “كان صالحًا” بحقِّ من يُجاهرون بعداوة الدين والعبادة أو يختلسون ويسرقون علانيةً -لدرجة أنهم يبدون وكأنهم يُبيحون ذلك الفعل برغم أنهم لا ينفكُّون يتحدّثون عن الدين والتديُّن- ويُزَوِّرون ويفترون على الناس بالباطلِ كذبٌ مُفزِعٌ وسوءُ أدبٍ عظيمٌ تجاه الله تعالى.

أضفْ إلى ذلك أنَّه عند النظر إلى تلك المسألة من زاوية النصوص الدينية يتبيَّنُ لنا أنّ قولَ الجماعة: “نعرفه صالحًا” ردًّا منهم على سؤالِ الإمام لهم بحقِّه: “كيف تعرفون هذا الميِّتَ؟” أمرٌ لا وجودَ له في السُّنَّة السَّنِيَّةِ، وأنَّ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يَفْعَلْ مثل هذا قطّ، وأنَّ هذا أمرٌ ابتدعه المجتمع، بل إن البعضَ يُطنبونَ في هذه البدعة فيُكرِّرون السؤالَ ثلاثَ مرَّات، ثم يُضيفون سؤال: “هل سامحتموه؟”، ولكنه لا وجود لأيٍّ من هذه الأمور لا في الكتاب ولا في السُّنة ولا حتى في المصادر الفقهية؛ ولذلك فإنها بدعةٌ، لا تُفيدُ حيًّا ولا ميتًا.

ويجب أنْ نعلم أنَّه لن تضير الإنسانَ قلّةُ مُشَيِّعيه حتى وإن كان عدد من صلوا عليه صلاة الجنازة لا يتجاوز اثنين فحسب؛ طالما أنّه انتقل إلى الدار الآخرة بإيمانه وعمله الصالح، ولقد صلّى حوالي خمسة أو عشرة أشخاص صلاة الجنازة على الأستاذ “أحمد نَعيم”[6] الذي كنت أحبه وأقدِّره كثيرًا، فلما ذكرت هذه الواقعة إلى الأستاذ “يَشار”[7] ذات يوم قال لي: “أتظن أن الله تعالى يقسم لهؤلاء المذنبين أن يصلوا صلاة الجنازة على الأستاذ أحمد نعيم!” وكذلك فإنَّ الأمة قصرت في أداء واجبها تجاه محمد عاكف؛ إذ لم تذهب للصلاة عليه، ولكن طلَّابَ الجامعة جاؤوا إلى الجامع بعد أن قُضيت صلاة الجنازة حاملين الرايات ليُشَيِّعوه، والتاريخُ حافلٌ بأناسٍ كثيرين لم يُعامَلوا بقدر قيمتهم الحقيقية.

مراسم جنائز الفراعين والطواغيت

ومن ناحية أخرى فإنَّ مَنْ لم يستعد الاستعداد اللازم للآخرة وهو في الدنيا ولم ينتقل إلى الآخرة متزودًا بالأعمال الصالحة والخَيِّرَة لن يفيده أثناء انتقاله إلى لقاء الله تعالى أنْ يكون عدد مشيِّعي جنازته غفيرًا، فكم من فرعونٍ ونمرودٍ وشدَّادٍ شُيِّعَ بالملايين! غير أن هذا التَّشْيِيعَ لم ينقذهم من سوء العقابِ، وبالتالي فإنَّ أمثال هؤلاء الأشخاص لن يفيدهم أيُّ شيء أبدًا حتى وإن شَيَّعَ الملايينُ جنائزَهم واضطرَبَت الدنيا لموتهم واجتمَعَت الإنسانيّةُ جمعاء حول جثامينهم وقالت في صوت واحد: “إنا راضون عنهم”، ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ (سُورَةُ مَرْيَمَ: 59/19).

والحقيقة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ، فَيَقُومُ عَلَى جَنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا لَا يُشْرِكُونَ بِاللهِ شَيْئًا، إِلَّا شَفَّعَهُمُ اللهُ فِيهِ[8]، غير أن هذا الحديث النبوي الشريف قيّد الأمر بإسلام الميت، ولا يفيد أبدًا أن تلك الشهادة الكاذبة التي تؤدى بصورة الكذب عمدًا وقصدًا تنفعه.

وقد كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يُذكِّرُ بالموت وما بعده ذات مرة، فقال مخاطبًا أبا ذرٍّ رضي الله عنه:

“جَدِّدِ السَّفِينَةَ فَإِنَّ الْبَحْرَ عَمِيقٌ

وَخُذِ الزَّادَ كَامِلاً فَإِنَّ السَّفَرَ بَعِيدٌ

وَخَفِّفِ الْحِمْلَ فَإِنَّ الْعَقَبَةَ كَؤُودٌ

وَأَخْلِصِ الْعَمَلَ فَإِنَّ النَّاقِدَ بَصِيرٌ”[9].

تلك هي الأمور التي أكّد وركّز عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولاها أهمية وقيمة، فإن سِرتم إلى الله تعالى ملازمين دائرةً ووسطًا صالحًا كهذا وصلتم إلى أفق روحكم الطاهر النقيِّ، وشَرُفتم بحقيقة ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (سُورَةُ البَقَرَةِ: 2/156)، وإلّا فلن تعودَ عليكم بشيءٍ من النفع أبدًا تلك المراثي الـمُتَغَّنى بها، ولا المدائحُ المنمّقةُ المنظومة بشأنكم، ولا المشيعون من خلفكم وإن كانوا بالملايين.

 

 

[1] صحيح مسلم، الكسوف، 29؛ مسند الإمام أحمد، 538/37؛ الحاكم: المستدرك، 539/1 (واللفظ له).

[2] ابن أبي شيبه: المصنف، 10/7؛ الحاكم: المستدرك، 130/1.

[3] صحيح البخاري، المغازي، 37؛ صحيح مسلم، الإيمان، 125.

[4] قَالَ عليه الصلاة والسلام: “الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ، إِذَا قَالُوا: وَاعَضُدَاهُ، وَاكَاسِيَاهُ، وَانَاصِرَاهُ، وَاجَبَلَاهُ، وَنَحْوَ هَذَا، يُتَعْتَعُ وَيُقَالُ: “أَنْتَ كَذَلِكَ؟ أَنْتَ كَذَلِكَ؟”، سنن ابن ماجه، الجنائز، 54. وانظر: صحيح البخاري، المغازي، 46.

[5] هناك عادة في تركيا وهي أن الإمام بعدما يصلي على الميت يتوجه إلى جماعة المصلين قائلًا: “كيف تعرفون هذا الميت؟”، ويقول الناس: “نعرفه صالحًا”، ثم يقول لهم: “هل سامحتموه؟” فيقولون: “سامحناه”.

[6] الأستاذ أحمد نعيم (1872-1934م): من العلماء الأجلاء في العهد الأخير للدولة العثمانية.

[7] الأستاذ يشار طُوناكُور (1924-2006م): واعظ ومفتٍ سابق.

[8] صحيح مسلم، الكسوف، 59؛ سنن أبي داود، الجنائز، 45.

[9] الديلمي: الفردوس بمأثور الخطاب، 339/5.

الوفاق والاتفاق من جديد

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف: “إِنِّي سَأَلْتُ اللَّهَ ثَلَاثًا فَأَعْطَانِي اثْنَتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً، سَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِسَنَةٍ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُذِيقَ بَعْضَهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ فَمَنَعَنِيهَا”[1]؛ فما القاسمُ المشترك بين المسائل المذكورة في هذا الحديث؟ وما الذي تتضمَّنه من رسائل؟

الجواب: لقد احتفى القرآن الكريم بالكثير من قصص الأنبياء عبرةً وذكرى للمؤمنين، ومما كان مهمًّا في ذلك تبيانُ العاقبةِ الوخيمة للأممِ المكذِّبة، وتوضيحُ العقوبةِ الأليمة لمن يُصِرّ على الكفر والطغيان؛ فقومُ نوح عليه السلام أهلكهم الله بطوفانٍ عظيم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (سُورَةُ العَنْكَبوتِ: 14/29)، ويقول الله في عادٍ قومِ هودٍ عليه السلام: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ * مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ (سُورَةُ الذَّارِيَاتِ: 41/51-42)، وفي قوم صالح عليه السلام: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ (سُورَةُ القَمَرِ: 31/54)، وفي قوم لوطٍ قال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ (سُورَةُ الْحِجْرِ: 74/15).

غير أننا لا ندري هل كانت الآفات الإلهية التي تعرضت لها الأمم السالفة مقتصرة على منطقةٍ معينة أم أنها عمّت سطح الأرض كلها! ولكن إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن الأنبياء السابقين كانوا يُبعَثون إلى أقوامهم خاصة فربما يمكننا أن نقول حينئذ بأن هلاك كل أمة كان محدّدًا بالمنطقة التي تعيش فيها، وعلى ذلك فإن الهلاك كان محصورًا في هؤلاء القوم الذين كفروا بأنبيائهم ولا يتعدى إلى غيرهم، ولكن لما كان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قد أُرسل إلى الناس كافة فإن هلاك أمته كان سيشمل كلَّ من كان على وجه البسيطة من الكافرين والظالمين الذين لم يستجيبوا لدعوته كما اقتضت سنة الله تعالى.

الدعاء المستجاب

ولهذا السبب دعا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه ألا يهلك أمَّته بسَنة أي بطامّةٍ عامة؛ وإن قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (سُورَةُ الأَنْفَالِ: 33/8)؛ لَيوضح لنا أن الله تعالى قد استجابَ دعاء نبيه صلى الله عليه وسلم.

وكما هو معلوم أن لرسولنا صلى الله عليه وسلم خصائص اختصّه الله تعالى بها، من هذه الخصائص المحمدية أن الأمة المحمدية لن تتعرَّضَ للهلاك العامّ الذي أصاب أقوام الرسل السابقين طالما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعيش بين ظهرانيهم، وهذه حقيقةٌ مسلّمٌ بها وفقًا للمعنى الظاهري للآية، غير أنه من الممكن استنباط المعنى التالي من الآية من حيث التفسير الإشاري: إن الله تعالى لن يعمّ الأمة المحمدية بعقابٍ عامٍ من عنده كما فعل مع الأقوام السابقين طالما عاش سيد الأنبياء صلى الله عليه وسلم في قلوب المؤمنين الموحدين، فلو ترسخت الروح المحمدية بين المؤمنين فإن الله تعالى كما حفِظَ الأمة المحمدية في حياة مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم فَسيشملها بعد وفاته بعفوه ومغفرته ويكلؤها بحفظه ورعايته إلى يوم القيامة.

ولقد بينت الآية أيضًا أن الاستغفار هو أحد الوسائل التي تحفظ المؤمنين من الهلاك؛ فلو أن الأمة المحمدية إذا ارتكبت خطأً ما أو انحرفَت عن الطريق خطوةً استقامَتْ على الفور واستغفرَت ربَّـها؛ فإن الله تعالى سيحفظها من النوازل المحتمل وقوعها عن يمينها وشمالها ومن فوقها ومن تحتها، ولن يجعل عاليها سافلها.

خلاصة القول: إن الله تعالى قد استجاب دعاء نبيه صلى الله عليه وسلم بألا يعمّ أمته بهلاكٍ من عنده، ولقد عبر القرآن الكريم عن هذه الحقيقة، وقرَّرَ التاريخُ هذا الأمر وأبانه بوضوح.

تكرُّرُ التاريخِ يشهدُ بأنَّ الأسرَ إن حَدَثَ فهو مؤقّت

ثم سأل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ربَّه ألا يسلّط على أمته عدوًّا من غيرهم فاستجاب له؛ وهذا يعني أنه صلى الله عليه وسلم قد رأى بعين الغيب أن المؤمنين سيرزحون أحيانًا تحت نير الاحتلال، غير أن هذا الوضع لن يستمر إلى الأبد، فبعد أربعة أو خمسة قرون من وفاة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تعرَّض المسلمون للحملات الصليبية المتتالية، ومن بعدهم جاء المغول، واحتلُّوا بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية، ولكن لم يدم بقاءُ هؤلاء جميعًا؛ إذ انهارَ الصليبيون والمغول ومَن جاؤوا بعدهم من الظالمين والمعتدين، وانتهى كلُّ هذا بفضلٍ من الله تعالى وعنايته.

والحقُّ أن الصليبيين قد أثخنوا العالم الإسلامي بالجراح؛ فقيّض الله تعالى “آلْب أَرْسْلان” و”مَلِكْشاه” و”قِلِيج أَرْسْلان” و”صلاح الدين الأيوبيّ” لِدحرهم وكفِّ أيديهم، فرجعوا من حيث جاؤوا وعادوا إلى بلدانهم بخفّي حنين، وبعد ذلك أعزَّ الله تعالى السلاجقة، وأتاح لهم فرصة القيام بمهمة حِفْظِ العالم الإسلامي لمدة قرنين من الزمان.

فلمّا ضعُف السلاجقة وشلّت حركتهم بسبب حركات التمرّد الباطنية بزغَ في وسط الأناضول كيانٌ جديد ملأَ كلَّ الآفاق وكأنه يرقةٌ خضعَتْ لِتحوُّلٍ جذريٍّ فأصبحَت فراشة.

أجل، قامت الدولة العثمانية بحفظ الحدود الشمالية للعالم الإسلامي، وكما يقول مالك بن نبي: “إن لم تكن الدولة العثمانية قائمة على ثغور العالم الإسلامي من ناحية الشمال لما كان هناك ما يسمى الآن بالعالم الإسلامي”؛ فقد حبا الله تعالى العثمانيين بإدارة الدولة والوصول بها إلى أعلى المستويات على مدى أربعة قرون من تاريخ الإنسانية، وهذا فضل من الله يؤتيه من يشاء من عباده.

إن العالم الإسلامي في الوقت الراهن يرزحُ تحت أغلال احتلالات من نوعٍ آخر؛ فقديمًا كانت تُستخدم القوّة الغاشمة في فرضِ الاحتلال، أما الآن فقد أصبح الاحتلال يتحقَّق على يد دُمـًى من أبناء العالم الإسلامي، ومن خلالهم أحكم الآخرون السيطرةَ على هذا العالم؛ وما هذه الدُّمى إلا شخصيات لديها استعدادٌ فطريٌّ لخدمة أغراض الآخرين وأطماعهم، وبسببهم وقعَ العالم الإسلامي تحت الوصاية.

ولكن كما شهدنا تكرّرَ مثلِ هذه الحوادث على مدى التاريخ فإننا على أملٍ إن شاء الله بأن تنعم الأمة الإسلامية بحرِّيَّتِها واستقلاليتها، ومن يدري أيّ نملٍ سينخر في قصور الفراعنة مرة أخرى؟ وأيّ بعوضٍ سيدمّر النماردة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل ربه هذا فاستجاب له، وبشَّرَه بأنه لن يُسلِّطَ على أمته عدوًّا من غيرها.

مصدر الخلاف: الضعف البشري

وأخيرًا نقول: إن مفخرة الإنسانية محمدًا صلى الله عليه وسلم قد رأى بعين الغيب ومن خلالِ أفقِهِ الواسع وفطنتِهِ العظمى أن الحرصَ والطمعَ والحسدَ والغيرةَ وحبَّ المنصب والشهرة والرغبة في الظهور وغير ذلك من المشاعر السلبية ما هي إلا نقاطُ ضعفٍ تُفرّق الناسَ وتشتتهم وتزرع الخلاف بينهم، وتجعل بَأسهم فيما بينهم؛ من أجل ذلك دعا الرسول صلى الله عليه وسلم ربَّهُ أن يحفظَ أمَّتَهُ من مثل هذا الخطر، ولكن لم يُستجب له.

لأنها مسألة ٌعلى الناس أن يتغلبوا عليها بإرادتهم، ورغم أن الحق تعالى لم يردّ دعاء نبيه كُلِّيَّةً ولم يقل له: “كلا، إنني سأذيق بعضَهم بأسَ بعض”؛ فقد أحالَ مسألة وحدتهم إلى إرادتهم؛ لأن الله تعالى -سامحوني- لم يخلق الإنسانَ بهيمةً، أو شجرةً أينما وُضعت لا تتحرك من مكانها، وإنما خلقه إنسانًا ومنحه الإرادة، ولذا على الإنسان أن يكافح ما تنطوي عليه نفسُه من مشاعر سلبية؛ مثل الحسد والغيرة والحقد والغِلّ، وأن يعطي إرادته حقها؛ حتى يتمكَّنَ من الرُّقيِّ في مدارجِ الكمالات الإنسانية إلى أعلى مراتبِها؛ وبعبارة أخرى: لم يعهد الله تعالى للأمة المحمدية بمسألة تحقيق الوفاق والاتفاق كمكافأة، وإنما ربط التوفيق في هذه المسألة في إطارِ الشرط العاديّ باستخدام الإنسان لإرادته.

من أجل ذلك لو أراد المؤمنون أن يتوافقوا ويتصالحوا ويتضامنوا فيما بينهم فعليهم أن يحتضنوا الجميع مثل الشيخِ الجيلاني وأبي الحسن الشاذلي ويونس أمره والأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي غفر الله لهم جميعًا، وأن يكونوا -فيما يخص حقوقهم الفردية- بلا يدٍ لِمَنْ ضربهم وبلا لسانٍ لمن سبّهم وبلا قلبٍ يغضب لمن كَسَرَ خاطرهم، وأن يُحافظوا على أن يكون بابُ الوفاق والاتفاق مفتوحًا على الدوام، فإن أَعطوا إرادتهم حقها ووُفِّقوا في هذا الأمر فلا بد أن تتحقَّقَ الوحدة والتضامن في هذه الدنيا بفضل من الله وعنايته، أما في الآخرة فسيحظون بألطافٍ إلهية من نوعٍ آخر، وسيعود عليهم جهدهم وسعيهم في هذه الدنيا بشكل مختلف تمامًا.

كالصاروخ على منصة الانطلاق…

وكما أن الإنسان يتحوّل إلى صرحٍ من العِفَّةِ عندما تلحّ عليه رغباته الشهوانية غير المشروعة فيقمعها ويوفِّي إرادته حقَّها، وكما يتحول إلى بطلٍ من أبطال الاستغناءِ إن اطَّلَعَ على ما أنعم الله به على الآخرين فلم يحسدهم أو يطمع فيما لديهم؛ فكذلك إذا ما أرغم الإنسانُ نفسَه على الوفاق والاتفاق وأعطى إرادته حقَّها يُصبحُ صرحًا من صروحِ الفضيلة.

أجل، قد يُسيء لكم البعضُ بإساءات لا يَتصورُ عقلٌ حدوثَها، ويضع الأشواك والأحجارَ في طريقكم حتى يمنعكم من السير، ويقوّض الجسور التي تمرون عليها ليعرقل مسيرتكم، ويرغب في أن يعزلكم كلّيةً عن المجتمع، ولكن إن كنتم تريدون أن تكونوا صروحًا للفضيلة وتصِلوا للوفاق والاتفاق فعليكم أن تتغاضوا عن كلِّ هذا وتستمرُّوا في طريقكم قائلين: “لا شيءَ يدوم!”، فإن انهدَمَت الجسورُ التي تسيرون عليها فأَقيموا جسورًا بديلة جديدة في أماكن أخرى، واستمروا في طريقكم بفضلٍ من الله وعنايته حذِرِينَ من الوقوعِ في الخلاف، حتى وإن كان الآخرون قد اتَّـخَذُوا الخلافَ شعارًا لهم.

سيأتي يومٌ يَـفِدُ عليكم فيه بعضُ مَن كانوا يسيؤون إليكم فيُعربون عن ندمهم، وحينئذ يجبُ أن يجدوكم على ما كنتم عليه، فإن طلبوا الاعتذار منكم فتعاملوا معهم بشهامة ومروءة، وقولوا لهم: “معاذ الله، لا علمَ لنا بهذا، إننا دائمًا نشعرُ أنكم إلى جانبنا في نفسِ الخندقِ على الدوام”.

نعم. اِفْعلوا هذا رغمَ أن الواقعَ يشهدُ بأنهم كانوا قد ابتعدوا عنكم فراسخ عددًا نتيجة الحسدِ والغيرةِ؛ وبأنَّهم دائمًا ما كانوا يؤلّبون الغير عليكم قائلين: “اقطعوا عليهم طريقهم، ونالوا منهم، ولا تعترفوا لهم بحق الحياة!”، وبأنهم حينما كانوا يرتكبون هذا الظلم لم تكن بحوزتهم حجج معقولة تقرّهم على ما يفعلون، بل كان دافعهم إلى هذا الحسد والغيرة ليس إلا، ولا شك أن شعور التنافسِ يكمن حتى داخل أكثرهم صفاءً وطُهرًا، فيحاول بعضهم احتكارَ بعض المجالات لنفسِهِ ولا يسمح للآخرين بالمشاركة فيها.

وهكذا فإنها لَميزةٌ عظيمة بالنسبة لأرباب الحقِّ أن يتغاضوا عن كل هذا، ولا يعتدّوا به وكأنه ما كان، وأن يثبتوا على موقفهم.

قراءةُ طبيعة البشر قراءة صحيحة

من جانب آخر ينبغي ألا ننسى أنه من المتعذر الحفاظ دائمًا على الوفاق والاتفاق، فالخلاف في بعض المسائل قائمٌ بين الناس على الدوام؛ لأن الإنسان فُطِرَ على ذلك؛ ومن ثمّ فعلينا أن نعترفَ بحقيقةِ أنه من الممكن أن نرى تصرُّفاتٍ لا نتوقَّعُها في ظلِّ الظروف الراهنة، وإن كنا نسعى لتحقيق الوفاق والاتفاق بين الناس فعلينا أن نعترف بذلك حتى لا يتسرَّب اليأسُ إلى نفوسنا بسبب خيبة الأمل التي قد تصيبنا عند مواجهة الأحداث المريرة التي تُحرق الفؤاد.

وقد جعل اللهُ مثلَ هذا الوفاق والاتفاق بين الصحابة الكرام رضوان الله عليهم الذين كانوا يحيطون بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومِنَ الذين جاؤوا مِن بعدهم مَنْ وُفِّق -على مستوى الظِّلِّيَّة لأن ما يخص أصحاب رسول الله أصلٌ- لتوطيد علاقات الأخوة مع من حوله ولِإقامة بنيانٍ مرصوصٍ معهم من أجل الحفاظ على روح الوحدة والتضامن مقتفيًا آثار الصحابة الكرام وعلى مقدمتهم سادتنا أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم جميعًا، كما شهدنا هذا بين طلائعِ الرعيلِ الأوّل من طلبة الأستاذ النورسي رحمه الله، ولكن لا يمكن القول إن مثل هذا الصفاء والنقاء قد تمَّ الاحتفاظُ به دائمًا بسبب ما خالطه من مفاهيم مختلفة وآراء فلسفية متباينة.

أجل، قد توجد بعض نقاط الضعف لدى كل إنسان، وقد يقوم البعض بتصرفات تخلّ بالتناغم العام للهيئة التي ينتمون إليها، وقد لا يقدر البعض الآخر على أن يستوعبوا شعور الوحدة والاتحاد، ولا يستطيعون إذابة جليد أنانيتهم في حوض الشخصية المعنوية للمسلمين فيخسرون ذلك الحوض الكبير، فعلينا إزاء كل هذا أن نقيّم الأمور بِسَعَةِ ضمير، وألا نغضب لِأخطاء البعض وقصورِهم، فلا نُبعدهم عنّا، بل نحاول كسبَهم، ونسعى في إصلاحهم، حتى نوصّل المهمة التي حمَّلَنا الله إياها إلى برِّ الأمان قدرَ استطاعَتِنا.

لقد أمر القرآن الكريم في كثيرٍ من آياته المؤمنين بأن يدفعوا السيئة بالحسنة، وأن يتمثّلوا العفو والسماح، وعلى ذلك يجب علينا أن نتعامل وفقًا للضوابط التي حددها لنا القرآن الكريم، وأن نتغاضى عن العيوب قدر الإمكان، وإلا أرهبْنا الكثيرين وجعلناهم يلوذون بالفرار من أمامنا، وهذا أيضًا يضر بالجماليات التي نُحاول القيام بها في سبيل مرضاة الله تعالى.

أجل، إن كنا نريد الحفاظ على الوفاق والاتفاق فعلينا ألا ننبذ أحدًا أو نعزله أو نُقْصِيه بسبب أخطائه وعيوبه، بل لا بدَّ أن نبحثَ عن السبل التي توصلنا إلى قلوب الجميع، وعلينا أن نجدَها، ثم نحاول احتضانهم وإصلاحهم.

 

[1] سنن الترمذي، الفتن، 14؛ سنن ابن ماجه، الفتن، 9.

ملاحظات حول العلاقة بين الدولة والمجتمع

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: إن ديننا الإسلام زاخرٌ بالمبادئِ الكفيلةِ بمواصلةِ الحياةِ في “توازنٍ” تامٍ، وانطلاقًا من ذلك فهل تُقيِّمون مكانَ الدولة ووضعها في العلاقة مع المجتمع؟

الجواب: قُدِّست الدول تقديسًا بيِّنًا وواضحًا في بعض مراحل التاريخ الإنساني، ومن ذلك على سبيل المثال أنَّ “الإمبراطورية الرومانية” تحوَّلت إلى “الإمبراطورية الرومانية المقدسة” على يد بعض رجالات الدين الذين كانوا خاضعين لسلطة القصر وضغوطه؛ سجلها التاريخ كنموذج للنظام الثيوقراطي[1].

ونظام الحكم في الإمبراطورية الرومانية المقدسة لم يتأسَّس اعتمادًا على النصوص والمصادر الإلهية، بل ارتَكَزَ على مجموعة من القوانين الوضعيّة التي نتجت عن اجتهادات بعضِ رجال الدين بحسب ظروف تلك الفترة؛ وذلك لأنَّ الهيمنة السياسيّة على الدولة كانت حكرًا في يدِ طائفةِ الرهبان، وتعتمد على رفعة سُلْطَةِ آباء الكنيسة، وهو ما يذكرنا بـ”النظام الثيوقراطي”، والواقع يثبتُ أنَّ الدولة قُدِّست في المراحل التاريخية التالية لذلك أيضًا؛ حتى إنَّ بعض الأوساط قدّست الدولة وعظّمتها كمجرد ردِّ فعلٍ على الهجمات التي تتعرَّضُ لها الدولةُ والحكومةُ في مناطق جغرافية مختلفة، بل وحتى في بعض الدول التي يمثل المسلمون الأغلبية فيها.

غاية الدولة المثاليةِ

يحدث هذا مع أنه لا وجود في الإسلام لصنف مثل ما ذُكر أعلاه، والقوانينُ التي يصدرها رجال الدين وفقًا لأهوائهم ورغباتهم ليست ملزمة على الإطلاق، كما أنّها ليست “نصًّا” إلهيًّا.. وكما أنّه لا وجود لطائفة مقدَّسة في الإسلام؛ فلا مكان فيه أيضًا لفكرة “الدولة المقدسة”.

أضِفْ إلى ذلك أن الدولة ليست غايةً في نظام الفكرِ الإسلامي، وإنما هي وسيلةٌ تساعدُ الناس على الوصولِ إلى سعادةِ الدارين، وواجبها تهيئةُ الأرضيةِ والمناخِ المناسب لإقامة حياة يتسنى للناس فيها إدراك الطمأنينة والسعادة في كلتا الدارين.

علاوة على ذلك فإنّ النظام الذي نطلق عليه اسم “الدولة” هو -بالنظر إلى النتيجة- اسمٌ لنظام كوّنه الناس فيما بينهم، وبالتالي فإنّ تلك الدولة تكُون قريبةً من الحق والحقيقة بقَدرِ قُربِ مَنْ كوَّنوا ذلك النظامَ منهما، وتَكُونُ بعيدة عن الحق والقانون بقَدرِ بُعدِهم عنهما.

وقد لا تستطيع كل دولة الوفاء بواجبها دائمًا على أتمّ وجه، أو ربما تُقصِّر في أداء واجبها، ولقد ارتكبت الدول بعضَ الأخطاء في شتَّى العصور باستثناء عصر الخلفاء الراشدين، وقد قَصَّر الأمويّون أيضًا، والعباسيون كذلك، وكما أخطأ الإلخانيون والقراخانيّون والزنكيون والأيوبيّون والسلاجقة في واجب الدولة فإن العثمانيين الذين كانوا وسيلة لهبوبِ نسماتِ الأمن والطمأنينة في بقعةٍ جغرافية واسعة طيلة أربعة قرون وقعوا هم أيضًا ببعض التقصيرات والأخطاء في أداء واجبهم كدولة.

الفوضى لا تقودُ إلى النظام

وهنا يجب النظر إلى هذه المسألة نظرةً شموليَّة ووفقًا للمبادئ العامة دون إفراطٍ أو تفريطٍ، فكما أنَّ الإسلام حين يتناول الإنسان كفردٍ يُشيدُ بأفعاله الخيّرة ويكافئُه عليها، وينهاه عن المنكرات، ويذكِّره بعقوبَتِها وعاقِبَتِها؛ فإنَّه لا يحكم في الوقت نفسه عليه بالفناء التامِّ لارتكابه مجموعةً من الأخطاء، ومن ذلك على سبيل المثال أنَّ المؤمن قد يخطئ، وقد يقعُ في الذنوب ويرتكب أعمالًا قبيحة؛ إلا أنَّه لا يُكفَّرُ ولا يُطرَدُ من دائرة الإيمان لمجرد أنَّه ارتكب تلك الأعمالَ المُشينة، فهو مؤمن طالما لم يعتقد أنَّ ما ارتكبه حلالٌ وجائزٌ، غير أنّه يكون مؤمنًا فاسقًا، أو مؤمنًا فاجرًا، أو مؤمنًا ظالمًا بحسب ما قارفَ من الذنوب، وهكذا الشعبُ والدولةُ أيضًا؛ فهما يتشكّلان من أولئك الأفراد الذين يُصيبون ويُخطئون، وبالتالي فقد يكون للدولة إجراءات وأعمال جميلة للغاية تُهنَّأُ عليها، وأخطاء وعيوب تحتاج إلى تصويب وإصلاحٍ، مَثَلُها في ذلك مثل الأفراد تمامًا.

ومتى رَعَتْ أيّةُ دولة الحقَّ والقانون والعدالةَ احتُرِمَت، وبُورِكت أعمالها وإجراءاتها، ولقيت الدعم والمساندة، غير أنها إذا ما ظلمت وجَاهرت بالظلم فإنه لا يصح السكوت على ذلك بحُجَّة “أنَّ الدولة مقدسة، ويجب احترامها!”، بل يجب بذل الجهد من أجل منع الظلم والجور في إطار القوانين والأنظمة الدستورية، غير أنه لا بدّ من الانتباه ومراعاةِ أقصى درجات الحَذَرِ في هذه النقطة؛ لأنه يجب في أثناء محاولة إصلاح أيِّ خطإٍ في القضايا المتعلقة بالمجتمع كله ألَّا يُفتح السبيل والمجالُ أمام حدوث أخطاء أخرى، وألَّا ينتج عن ذلك تكوُّنُ دائرةٍ من الأخطاء، وبينما نُحاولُ إصلاحَ الأخطاء الإداريّة علينا أن نتجنَّبَ شتى الأسبابِ المفضيةِ إلى تكدير الأمن والسِّلْم العام؛ فهذا مرفوض تمامًا ولا يمكن اللجوء إلى أيّ طريق غير مشروع؛ إذ إنَّ المؤمن هو إنسان الأمن والأمان؛ وممثل السِّلم والطمأنينة، وهو يتحرك دائمًا في إطار القوانين والقواعد، ويعلم أنَّ الفوضى لا تقود إلى النظام، ولا سبيل إلى النظام إلا بالانتظام، وإن كنتم تنشدون الترتيبَ والنظامَ والسّلامَ؛ فسانِدوا النظامَ وانتظِموا به، ولا تخرجوا عن أُطُرِهِ أبدًا.

وبالنظر إلى الأمر من هذه الزاوية فإنه يجب على القلب المؤمن أن يساعد النظامَ والانتظام دائمًا مهما كانت الظروف، وأن يقدم للدولة التي ينتمي إليها كلَّ ما يستطيعه من أنواع الدعم فيما يتعلق بتحقيق الاستقرار والسِّلم، وعليه أن يقطعَ الطريق على الأرواح الفوضوية الراغبة في الإضرار بالدولة وإضعافِها واستغلالِ ضعفِها كي تسلُبها بعضَ الأشياء، فإن حدثت الفوضى في البلاد، وسادَ الشغب والاضطراب في عمومِ أرجائها خسرَ الجميع، وراحت سيول الفوضى تجرف الجميع أمامها فلا تبقى دولة ولا شعب -حفظنا الله-، ثم إنَّكم لن تستطيعوا مواجهةَ تلك التخريبات مرة أخرى، وفي الوقت نفسه فإنكم وإنْ كانت لديكم أفكار أكثر استنارة ومشاريع أكثر بريقًا تصب في صالح الدولة لكنكم تعجزون عن تحقيقها على تلك الأرضية الهشّة؛ فعليكم أن تبدؤوا مباشرةً من النقطة الأقربِ إلى الأفضل إن كنتم تريدون المُضيَّ قُدُمًا في طريق الكمال، إذ يستحيل أن تبلغوا غايته بعد إشاعة الفوضى؛ لأنَّ الوصولَ إلى الكمال ونيلَ ما هو أفضل أمرٌ يحدث تدريجيًّا؛ حيث يتحقق الاقتراب نحو الأكمل خطوة خطوة؛ فتكتمل الخطوة، وتليها خطوة أخرى أكمل، فواحدة أخرى أكثر كمالًا، وهكذا دواليك… ومن ثمَّ فإنَّه ينبغي أن يكون شعارُ المؤمن هو مساندة الدولة في إصلاح الأخطاء، والوقوف بجانبها، وإن كان لديه مشروع يَعِدُ بمستقبلٍ طيب تقاسَمَه مع رجال الدولة.

هل الدولة ضدنا؟

ربما تقولون: “إنَّ في أجهزة الدولة مَنْ يعارضون حتى أكثرَ الحركات إيجابية وفائدة، ويحقدون حتى على أكثر الخدمات إخلاصًا وسلامة!”؛ ولكنني أنا شخصيًّا لست على قناعة بأن المؤسسات التي تشكل الدولة تقفُ ضدّنا أو ضد هذا وذاك، وإنما يوجد في بعض المؤسسات أفرادٌ يهرفون بما لا يعرفون، ويرفعون أصواتهم دائمًا ويصرخون، تسبقُ ضوضاؤُهم وضجيجُهم أعمالَهم وفعالياتِهم فيبدون وكأنهم هم الدولة، ولكن الدولة ليست هي من يقفُ ضدَّكم، وإنما هي مجموعةٌ من أصحاب المصالح الشخصية تنكَّرَت في زِيِّ الدولة وخدعت الشعب، وبالتالي فإنَّ رؤية مؤسسة مهمّة للغاية وكأنها ضدكم خطأٌ عظيم، وتقبيحُ تلك المؤسسة انطلاقًا من خطإٍ كهذا وانتقادها دائمًا وتشويهها خطأٌ عظيم ثانٍ.

ومن جانب آخر فإنَّ رجال الدولة الذين يحبون بلدهم وشعبهم ويتحركون في إطار القانون العالمي لا يعارضون أيّ نشاط جميل تقومون به، بل إنهم يشجعونه ويدعمونه، لأنهم يعرفون معرفة تامة أننا -والحمد لله- أناس تنبضُ قلوبهم وتخفق أفئدتهم حبًّا لشعبهم، لا يفكِّرون في شيء سوى خدمة أمتهم والإنسانية جمعاء، أما أصحاب الادعاءات والافتراءات ضدنا فإنني أدعوهم أن يُثْبِتُوا ما يزعمونه إن كانوا صادقين.. فليُثْبِتُوا إن كنَّا تشوَّفنا لأية مصلحة، عندها نرتحل نحن إلى ما وراء جبل “قاف”، ونسكن هناك فيتخلصوا منَّا، غير أنه لن يستطيع أحدٌ على الإطلاق إثبات ما هو مزعوم؛ لأننا لا نتشوف للمنفعة والمصلحة الشخصية ولو مثقال ذرة، وليس ثمة شيء نحرصُ على طلبه ونطمعُ في نيله سوى رضا الله تعالى، ولم نفكِّرْ أصلًا في تحصيل ذلك الرضا بطريق آخر غير إعلاء اسم الله تعالى كالراية التي ترفرف خفاقة في كل أرجاء العالم، وليعلم الجميع هذا، ولتسمعه الدنيا قاطبة مرة أخرى، فالحمد لله نحن أنقياء وجباهُنا طاهرة؛ ولا ولن نرغب -بإذن الله- في أي شيء ونحن نسير في طريق خدمة أمتنا والإنسانية سوى أن يتفضَّلَ الله تعالى علينا بقوله: “إنّي راضٍ عنكم”.

ومن هذه الناحية فإنَّ اعتراضَ هذا الطريق ووضعَ العصيِّ في عجلاتِ هذه المسيرة ليسَ شيئًا مقبولًا على الإطلاق، وإن كان في الدولة بعض أصحاب العقول المريضة ممن يرون الفضائل وكأنها ملكهم الخاص بتأثير مجموعة من النزوات وبعض المشاعر الوضيعة، ويفكرون قائلين: “مَنْ يكونُ فلان ذلك حتى ينجح هكذا في إنجاز أعمال على مستوى عالمي؟ يجب أن يُنسب إلينا كلُّ ما تحقق ويتحقق من إنجازات ونجاحات في أي مكان بالعالم، وأن يُقدَّمَ على أنه من آثارنا وأعمالنا نحن فقط”، ويعجزون عن تحمُّلِ مزايا غيرهم وفضائلهم فهم الحاسدون المنزعجون المتضايقون، وهكذا فإنه ليس سليمًا ولا صحيحًا الانزلاق في أفكار سلبية حول مؤسسة الدولة العظيمة تأثرًا ببضع شائعات مغرضة تشهيرية وموقفٍ قبيحٍ تتَّخِذُهُ أقلِّيَّة حاكمة في هذا الشأن.

الاتهامات والغربة

سؤال: سيدي الفاضل! إن كان هذا هو رأيكم -رغمَ أنكم تتعرضون بسببه لانتقادات لاذعة ومؤلمة من بعض الملتزمين دينيًّا- بشأن الدولة ورجالها؛ فكيف تقيّمون ما يوجَّهُ إليكم من اتهام بأنك: “رجل تسعى لتقسيم الدولة”؟

الجواب: إنني لستُ أوَّلَ مظلوم في هذا الأمر، ولن أكون الأخير أيضًا؛ فتاريخ الإنسانية مليءٌ بهذا النوع من المظلومين، ومن ذلك على سبيل المثال سيدنا نوح عليه السلام؛ إذ إنَّه اصطبر على الخروج في رحلة بحرية مخيفة ومهولة بعد ما لقيه من قومه في البَرِّ؛ فواصلَ السير في طريقه بحرًا حيث مُنع من المسير فيه برًّا، وغادر البلاد التي نشأ وترعرع فيها، واستقر على قمّةِ جبلٍ راضيًا بقضاءِ الله وقدره، وكذلك سيدنا إبراهيم عليه السلام فقد عاش مراحلَ هجرةٍ مقدَّسة دون توقفٍ طافَ خلالها بلاد بابل والحجاز وكنعان، كما هاجر سيدنا موسى عليه السلام من منزل أمه إلى قصر فرعون وهو لا يزال رضيعًا في أول المهد، ثم تردد مرتحلًا بين مصر والأيكة (مدين)، وسيدنا المسيح عيسى عليه السلام بدأ رحلته وهو لا يزال في حضن أمه مريم البتول، ومرَّ هو الآخر من كلِّ الجسور التي مر منها الأنبياء السابقون، وهناك بعض الأنبياء كسيدنا زكريا وسيدنا يحيى عليهما السلام عزّت عليهما الهجرة ولم يجدا الإمكانية لذلك؛ فنالَا شرفَ الشهادةِ حيث تمَّ الإمساكُ بهما، وأما سيدنا رسول الله عليه أكمل الصلوات والتحيات فقد غادرَ مكة المكرمة عندما حانَ موعدُ الهجرة المقدسة التي هي قدرٌ يشترك فيه الأنبياء والأولياء، فاستدار وألقى نظرةَ الوداعِ على ربوعِ وطنِهِ مكة، وقال: أَمَا وَاللَّهِ لأَخْرُجُ مِنْكِ وَإِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّكِ أَحَبُّ بِلادِ اللَّهِ إِلَيَّ وَأَكْرَمُهُ عَلَى اللَّهِ؛ وَلَوْلا أَنَّ أَهْلَكِ أَخْرَجُونِي مَا خَرَجْتُ[2]، ثم تابع طريقَه إلى بلاد الهجرة متأثِّـرًا محزونًا…

أجل، إن الراحلين في سبيلِ إعلاءِ كلمةِ اللهِ لم يفارقْهم الألـمُ والبلاءُ لحظةً من اللحظات؛ فقد أُسيئتْ معاملة الإمام أبي حنيفة النعمان، وزُجَّ به في السجون، فعاشَ فيها يَئِنُّ ويتألم… والإمام أحمد بن حنبل ظلَّ يُؤذَى سنواتٍ ذواتِ عدد وكأنه شخص حقير، ولم يبق نوع من أنواع التعذيب الدنيئة إلا وتعرض له… وأُجبر الإمام السرخسي على أن يؤلف في قاع البئر الذي حُبِسَ فيه كتابه الشهير “المبسوط”… وبديع الزمان سعيد النورسي الذي قال تعبيرًا عما لقيه وتعرض له من إيذاءٍ وقسوةٍ وغلظةٍ: “لم أذق طوال عمري البالغ نيّفًا وثمانين سنةً شيئًا من لذائذ الدنيا؛ قضيت حياتي في ساحات الحرب، وزنزاناتِ الأَسر، أو سجون الوطن ومَحاكمِ البلاد؛ لم يبق صنف من الآلام والمصاعب إلا وتجرّعتُه، عوملتُ في المحاكم العسكرية العرفية معاملة المجرمين، ونُفيت وغُرِّبْتُ في أرجاء البلاد كالمشرّدين، وحُرِمْتُ من مخالطة الناس في زنزانات البلاد شهورًا، وعُرِّضْتُ للتسميم مرارًا، وعُرِّضْتُ لإهانات متـنوِّعة”[3].

وهكذا، معاناة ومكابدة وغربة… ذلك هو القَدَرُ المشترَكُ لكلِّ من يسلك طريقَ تبليغ وتمثيل الحق والعدل، والظلمُ الذي أَقَعُ تحت وطأته حاليًّا يُشْبِهُ تقريبًا ما تعرَّضَ له أسلافُنا جميعًا، وثمة أمرٌ يحسُنُ توضيحُهُ لِبَعْضِ ضِعافِ الفهمِ أو لِلمَهَرَةِ في التحريفِ والتزييفِ ألا وهو: أنني لستُ أرى نفسي في مقام الأنبياء أو الأولياء الذين ذكرتُهم آنفًا هنا، وإنما أُذكِّرُ بأسمائهم وما عانوه وعاشوه فحسب؛ لأنهم القدوة والمرشد بالنسبة لكل مؤمن، واتّباعُ منهجهم ومحاولةُ اقتفاء آثارهم في حياتنا وسيلةُ نجاتنا وفَلاحِنا.

إنني إنسان بسيطٌ أُدركُ جيِّدًا مدى عجزي وضعفي، ولذلك فإنَّه طبيعيٌ أنْ أتأثَّرَ ببالغِ الحزنِ من بعضِ الاتهامات وأن تستثقلَها روحي تمامًا، غير أنه وبالرغم من كل شيء ينبغي للمؤمن أن يتخلَّقَ بأخلاقِ الله، فالله تعالى يرأفُ ويلطُفُ حتى بعبادِهِ العاصين المذنبين المخطئين ويرزقُهم ويُطْعِمُهم ويسقيهم، وعلى العبدِ المؤمنِ أيضًا أن ينظرَ ويقتربَ إلى الآخرين من هذه الزاوية، وينبغي له حتى حين يتأزَّمُ ويسأمُ للغاية في مواجهة المظالم والجور والاستبداد أنْ يكِل إلى الله تعالى فحسب أمرَ من يُعادُونَهُ ويُخاصِمونه؛ فيلجأ إليه سبحانه قائلًا: “اللهم إنني أُحِيلُ إليك أمرَ من يُعادون أهلَ الإيمان ويبغضونهم”، وعليه أن يهتمَّ بواجباتِهِ دون أن يأبَهَ بهذا وذاك، ودون أن يشغل عقلَه وبالَهُ بهم، وأنْ يواصل السير في الطريق الصحيح منتصبًا صامدًا كالألِفِ.

 

[1] الثيوقراطيَّة: مذهب يقوم على تعليل السلطة السياسيَّة لدى الجماعة على أساس الاعتقاد الدينيّ ومنها نظريَّة “الحقّ الإلهيّ” في الحكم التي تعتبر أنّ الله عزّ وجل مصدرٌ للسلطة، وأنّ الحاكم بمثابة ظلِّ الله على الأرض، وتقوم الثيوقراطيّة على أساس العنصريّة.

[2] مصنّف عبد الرزاق، 26/5؛ مسند الإمام أحمد، 13/31؛ أبو يعلى الموصلي؛ المسند، 69/5.

[3] سعيد النورسي: السيرة الذاتية، ص 491.

الجنون النفسي وفِريَةُ الأجندة السرِّيَّة

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: مهما تحركنا بشفافية ووضوحٍ إلَّا أنَّ المتعصبين الذين يسوقون أحكامًا مسبَقَةً متطرِّفةً لا يفتؤون عن تكرارِ مزاعمهم واتهاماتهم بحقِّ حركةِ الخِدمة من قَبيلِ: “أنَّ لها أجندة سريَّة”، فهلَّا تفضَّلْتم بِبيان رأيكم والمسؤوليات التي تقعُ على كاهلِ الأرواحِ المتفانية في هذا الصددِ؟

الجواب: الحقيقةُ أنَّ العالم يعيش بشكل عام حالةً من جنونِ العظمة بلغت مستوى خطيرًا للغاية، وثمة حالة من الشكِّ في كلِّ شيءٍ والتخوُّفِ من كلِّ إنسان، غير أن جنونَ العظَمَة في تركيا اليوم وصلَ حدًّا قَلَّما صُودِفَ مثيلُه في التاريخ، وإن أردنا التعبيرَ عن الحال في بلدنا اليوم نقول إنَّ الإمكانات والاحتمالات توضع بكل سهولةٍ موضعَ الواقعات، وبناءً عليها تُصدَرُ أشدُّ الأحكام بشأن الناس، والأستاذ بديع الزمان لفتَ الانتباهَ إلى هذا الأمر في مواجهتِهِ الاتهامات والمزاعمَ الباطلةَ التي أُثِيرَت ضده في المحكمة؛ إذ قال: من الممكن أن يرتكب القاضي ووكيل النيابة جريمةً وأن يقتلا إنسانًا، وإذا كان من المنطقيِّ أن يُقبضَ على الناس بناءً على الإمكانات ويتم استجوابهم؛ فلا بُدَّ كذلك من عرضهما هما الاثنين -أي القاضي ووكيل النيابة- أيضًا على المحكمة.

إنَّ بناءَ الأحكامِ على الاحتمالات والفرضيّات واختلاقَ مجموعةٍ من التخيُّلات والقصص الوهمية حول مستقبل الناس، ووصمَهم بوصمةِ المجرمِ المتخفي باعتبار أحوالهم الراهنة ليس إلا تعبيرًا عن الجنون والحَنَق، ولكن ماذا عساكم أن تفعلوا وثمة حالةٌ من الجنون تسود العالم كلّه حاليًّا ولا سيما بلدنا نحن، ومن ثمَّ يصعبُ عليكم للغاية أن تُعَرِّفوا بأنفسكم وتتحدثوا مع من يعيشون مثل هذه الحالة الجنونية، ولهذا السبب فلا بدَّ أولًا من تقبُّل هذا الواقع، ثم عليكم أن تُعبِّروا بالأقوالِ والأفعالِ والأحوالِ ودون قنوطٍ ولا يأسٍ، بل وتؤكدوا في كل فرصة حُسْنَ نواياكم، وأنكم لستم متشوِّفين إلى شيء وليست لديكم أيَّةُ أجنداتٍ سرِّيَّة ولا أطماعٍ مستقبلية. أجل، ليست في أجنداتنا أيَّة حسابات سرية ولا أطماع مستقبلية، ولا يمكن أن تكون، وإننا لا نطمح ولا نشغف بأشياء من قبيل التدخل في هذا وذاك، فنحن بعيدون عن مثل هذا كلَّ البعد، وإنني لأحْسب أنَّ رغبةً كهذه لا تَـمُرُّ ولو مرورًا عابرًا في أحلامِ ورؤى من يعيشون في وسطِ هذه الخدمة وقد وقفوا حياتهم لها فحسب، بل وحتى من تربطهم بحركة الخدمة علاقةٌ من بعيد، ولهذا فإنَّه حين يُفاجأُ من نذروا أرواحهم للخدمة بتلك الافتراءات التي تُنسَبُ إليهم زورًا وبهتانًا فإنهم يقولون: “عجبًا يا إلهي! عمَّ تتحدثون!؟” وينظرون حائرين مندهشين. أجل، إنَّ مثلَ هذه الخيالات والأوهام لا تجول ولو حتى بأحلامهم ورؤاهم.

التشوُّفُ إلى المنصب خيانةٌ عظمى

إنَّ من جعلوا نيلَ رضا الحق أعظم أهدافهم طلبوا بهذا أثمنَ شيءٍ وأقيمه من البداية، بل إنَّهم ليستقلُّون إفناءهم أعمارهم كلّها في سبيل نَيلِ هذه الغاية المثلى؛ فقد أدركوا أنَّ العملَ والسعيَ في سبيل إعلاء كلمة الله ونشرَ اسمِ الله الجليل في كلِّ أنحاء العالم هو أعظم الوسائل للوصول إلى هذه الغاية المثلى، ولا سيما أنَّ هناك أهميةً جدّ عظيمةٍ للمساهمة في فهمِ الدين فهمًا صحيحًا في يومنا الحاضر، والتصدِّي للتفسيرات والتحليلات الخاطئة المنحرفة وتصحيحِها، وإنَّ بيانَ خطإ تصرُّفات وسلوكيّات من يلجؤون إلى العنف فيسفكون الدماء ظانّين أنّهم بذلك يُحسنون صنعًا للدين، وتوضيحَ الهوية الحقيقيّة للإسلام الذي يُشتق اسمه من السلم والسلامة هو أحدُ أصلح الطرق وأقصرها من أجل نيلِ رضا الله تعالى، ونحن -باعتبارنا قلوبًا مؤمنةً- جاهدون وعازمون في يومنا هذا على أنْ نستخدم -ما استطعنا- مثلَ هذا المنهج والطريق من أجل الفوز برضا الله تعالى؛ فنسعى ونجتهد كي يُفهمَ الإسلام الذي جاء بأمر الحق ويأمر بالحق فهمًا صحيحًا، وأنْ نُوصِّل عالميته وشموليته التي تحتضن الإنسانية قاطبةً إلى جميع القلوب، ونسعى في الوقت نفسه إلى تكوين مناخٍ من التوافق بين من ينتمون إلى أفكار وآراء ورؤى فلسفية مختلفة، وإبراز ما يمكن أن نتبادله ونتشارك فيه من القواسم المشتركة مع أصحاب الثقافات والتيارات المختلفة.

وإنْ كنتم تتحرَّقون شوقًا إلى هذه الحقائق السامية التي حاولنا التعبير عنها، وقد وقفتم حياتكم لها، وتنفذونها تضحيةً وفدائيةً منكم؛ فإنكم تتحيرون وتندهشون أمام التُّهَمِ التي يُحاوِلون إلصاقَها بكم مثل قولِهم عنكم: “إنهم يطلبون هذا وذاك”، وتَعُدُّونَ طلبَ ما تَوَهَّموه نوعًا من الذلِّ والمهانة، وإنني على قناعةٍ بأنَّ الخدمةَ القَيّمةَ التي أسدتها بعناية الله وفضله وبجهودٍ مخلصةٍ تلك الأرواحُ المتفانية تستهدفُ مباشرةً خدمة الإيمان وإعمارَ القلوب بالله تعالى، ولذلك فإنَّها مهمة أسمى من مهمة فتحِ البلادِ بأضعافٍ كثيرة، ولو أنهم قالوا لي: “إن تبتعد وتنسلَّ من مفهومك للخدمة ومشاعرك وأحاسيسك الحالية بين هؤلاء الرفاق نمنحْك مفاتيح الأرض”؛ لقلت لهم: “أستحلفكم بالله أيَّ نوعٍ من خيانة الله رأيتموه فيَّ فتجرَّأتم أنْ تدعونِي إلى مثل هذه المهانةِ والانحطاطِ؟!”. أجل، لقد طلبنا رضا الله تعالى؛ ولذا فإننا كي نستفيدَ من الحياة التي منحها الله تعالى لنا لمرة واحدة ونحسنَ استغلالها نستخدمُ عقلَنا وفكرَنا وآراءنا وأحاسيسنا ومحاكمتنا العقلية ومنطقنا الذي يمثل كلُّ واحدٍ منها رأسمال مهمًّا بالنسبة لنا، ومن ثم نعتبر أنَّ إهدارَ رؤوس أموالنا القيمة هذه التي منحت لنا لمرة واحدة وسنُسأل عنها ونحاسَب عليها، وأنَّ التفوهَ بالتافه والعبثيّ من القولِ عند التعرُّضِ لاتِّـهامات زائفةٍ؛ ليس إلَّا سوء أدبٍ تجاه الله جل وعلا، وعليه فينبغي -في رأييَ المتواضع- أنْ تكونَ مثل هذه الأفكار بمثابة وِردٍ يوميّ لكل إنسانٍ تعلَّق قلبُه بهذا الطريق، وما يقعُ على عاتقنا نحن إزاء هذا هو أنْ نؤكِّدَ في كلِّ مكان أننا لا نُخفي شيئًا، ونُثبِتَ هذا بتصرُّفاتنا وسلوكياتنا، ونوضّح الأمرَ ونشرحَه بقدرِ ما نستطيع لمن يريدون الاستفسار ومعرفةَ الحقيقةِ حقًّا، وكما أنَّ اللهَ جلَّ جلالُه هو المتحكِّم في القلوب وصاحبها فهو سبحانه وتعالى أيضًا مَنْ سيغرس الحقيقة في القلوبِ ويثبتها فيها، وعلينا أن نقوم بواجباتنا ونترك النتائج إلى ربِّ العباد.

التعرض للحسد والغيرة أحد ابتلاءات هذا السبيل

وثمة أمرٌ آخرُ مهمٌ في هذا الصددِ هو ضرورة تقبُّلِ مشاعرِ الحسدِ والغيرة لدى بعضِ الناس مع وضعِ طبيعة الإنسان في الاعتبارِ، ويجب ألا ننسى أنَّ الحقَّ تعالى تفضَّلَ على حركة المتطوِّعين هذه بكثيرٍ من الألطاف والإحسانات التي ندر مثلُها في التاريخ، إن إمكانيات وظروف بلدِنا الاقتصادية واضحة معروفة، غير أن هذه الخدمات -والحمد لله- قد وصلت إلى مناطق جغرافيّة في كل أنحاء العالم، وتحققت بعون الله وإذنه أنشطةٌ وفعاليات تعليمية وتربوية في مختلف مدن مائةٍ وسبعين دولة من العالم، وينبغي النظر إلى كلِّ هذه الأمور على أنها لطفٌ إلهيٌّ خاص، وتوقُّعُ ثوران مشاعر الحسد والغيرة عند بعض الناس أمرٌ طبيعي وعادي.

ولقد هلكَ الشيطان وخَسِرَ لأنَّه حَسدَ سيدنا آدم عليه السلام؛ فصارَ لا يشعر بمظاهر الجمال والحسن التي رآها ولا يقدِّرها حقَّ قدرها بسبب مشاعر العداوة المسيطرة على طبيعته وانغلاقه تمامًا على الحسد والغيرة، وحالةُ الشيطان هذه تشبهُ تمام الشبه الحالةَ النفسية لأناس سيطرَت عليهم مشاعر العداوة والحقد فاشتبكوا فيما بينهم أو سَلُّوا سكاكينهم وانقضّوا يمزِّقُ بعضهم بعضًا، فإن دنوتم من أولئك الأشخاص الذين خَسِروا أنفسَهم فنبَّهتُمُوهم قائلين: “يا هؤلاء! أنتم عباد الله وإخوة؛ فهل يفعل الأخُ بأخيه هذا الذي تفعلون؟”؛ ربما يتحولون إليكم؛ فيُصوِّبونَ سِهامهم نحوكم وتكونون هدفًا لِسكاكينهم وطعناتِهم، ومِن ثمَّ فإنَّه ليس من الممكن أن تتحدثوا إلى هؤلاء الناس في حالتهم هذه.

وهكذا تمامًا نَـجِـدُ الحالةَ النفسية لبعض الأوساط التي تعترض على كلِّ شيءٍ، ولهذا السبب عليكم أن تتقبَّلوا ألا يُطيقَكم مَنْ تَوَتَّروا واضطربوا إلى هذا الحدِّ متأثِّرين بالمشاعرِ السلبيّة حتى فَسَدَتْ طبيعتُهم واختلَّ توازنُهم، فعليكم إلى جانبِ التحرُّكِ بشفافيّةٍ لأقصى درجةٍ أنْ تَنأَوا بأنفسِكم -ما أمكن- عن التصرُّفات والسلوكيّات التي تُثيرُ مشاعرَ الحسَدِ والغيرة، إن ما جرى على أيدينا أمورٌ بسيطة فيما يتعلق بإرادتنا الجزئية، غير أنَّه يلزمنا أن نَنْسب ولو حتى هذه الأشياء الصغيرة إلى الآخرين؛ فمثلًا عليكم إذا ما وفقكم الحق للقيام بخدمة ما أن تنسبوها إلى البيئة والظروف المحيطة قائلين: “إنَّ هذا حصل نتيجة للجوّ الديمقراطي”، وفي مقابل نجاحٍ وتوفيقٍ آخر أيضًا ينبغي لكم أن تقولوا: “إنَّ الحق تعالى يَمُن بثمرة ونتيجة على الأنشطة التي يضطلع بها الجميع، ولو لم يوجد مناخ من التسامح كهذا ولم يتم الحفاظ على الجو العام بهذا الشكل لما استطعنا نحن الاضطلاع بهذه الأنشطة والفعاليات”، علاوة على ذلك لا بد من معرفة أنَّ مثلَ هذا الأسلوب والسلوك هو أنسبُ وأسلمُ طريق يحمي من يسعون في سبيل الله من الوقوع في هاوية الشرك والكبر.

ألَا يعلمُ الخالقُ، وألا تَرَى الأمَّةُ الحقائق!…

إننا بشر، من الطبيعي أن نحزن ونتألم مما يقوم به عديمو الخجلِ والحياءِ صباح مساء من افتراءات وإهانات، ولكن لا تغتموا فالله موجودٌ ومطلعٌ على كلِّ شيءٍ! واعلموا أن لهذه الدنيا آخرةً، وأنَّ حشرًا وحسابًا وكتابًا وميزانًا ينتظرُ الجميع!

والحقيقة أنني أحاول منذ البداية أن أتبع المنهج الذي أشير إليه في حادثة وقعت لسيدنا أبي بكر رضي الله عنه قدرَ ما أستطيعُ نزولًا على ما تقتضيه شخصية المؤمن وتتطلَّبُه منَّا، ولعلكم تتذكرون: إذ سبَّ رجلٌ سيدَنا أبا بكر في مجلسٍ ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم جالسٌ، فسكت عنه سيدنا أبو بكر وصبرَ حتى بلغ الأمرُ مبلغًا جعله يرد عليه ويدافع عن نفسه؛ فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عندئذ من المجلس، وأدركه أبو بكر فقال: يا رسول الله كان يشتمني وأنت جالس، فلما رددتُ عليه بعض قوله غضبتَ وقمتَ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “إِنَّهُ كَانَ مَعَكَ مَلَكٌ يَرُدُّ عَنْكَ، فَلَمَّا رَدَدْتَ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ، وَقَعَ الشَّيْطَانُ، فَلَمْ أَكُنْ لِأَقْعُدَ مَعَ الشَّيْطَانِ” ثم قال صلى الله عليه وسلم: “يَا أَبَا بَكْرٍ ثَلَاثٌ كُلُّهُنَّ حَقٌّ: مَا مِنْ عَبْدٍ ظُلِمَ بِمَظْلَمَةٍ فَيُغْضِي (أي يسكت ويصبر) عَنْهَا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، إِلَّا أَعَزَّ اللهُ بِهَا نَصْرَهُ…”[1]، ولهذا فإنَّ صيحات السكوت تتردَّدُ مدوِّيةً أمام صوتي… وأغوصُ في مراقبة صامتة عميقة وأهربُ بعيدًا عن مشاعري وأحاسيسي… وأدفن صرخاتي في داخلي وأبوحُ بمشاعري بواسطةِ نُواحِ السكوت…

ألا يعلم الله أصلَ كلِّ شيءٍ وحقيقتَه، ويرى الناس أيضًا ما يجري ويحدث!… فإن كان الأمر كذلك فإن المُنصِفِين سيُقَرِّرون الأمر، وهم يقررونه بالفعل… فبالرغم من كل التهديدات والضغوطات يسير إنسانُنا في الطريق الصحيح الذي عرفه، ويواصل السير والنضال في سبيل الله دونما توقُّفٍ، كما أنَّ مثقَّفينا من أربابِ الفُرَصِ وأصحاب الجرأةِأأأوأ يسعونَ قُدُمًا في سبيلِ التعبير عن الحق والحقيقة رغمَ ما يلاقونه من عراقيل.

والواقع أنَّ أولئك المفترين يلجؤون إلى طرقٍ عديدة لِتدميرِ مَن ينبِسُ بالحقيقة والصواب، ويدافعُ عن سبيل هذه الخدمة ومنهجها وموقفها؛ فإذا ما كتبَ كاتبٌ مقالًا مُنصِفًا عنِّي أنا الفقير أو لصالحِ الخدمة هجموا عليه بغيظٍ وحَنَقٍ، واختلقوا كذبةً جديدة فاتَّهموا ذلك الشخص بالانتماء إلى حركةِ الخدمة، بل إنَّهم يعتبرونه مجرمًا، ويستجوبونه ويعتقلونه، والأكثر من ذلك أنَّهم إذا ما أرادوا تدميرَ أيِّ إنسانٍ صادق ومحبٍ لوطنه وأمته فإنَّهم يرمونَهُ بتهمةِ الانتماءِ إلينا؛ فيثيرون ضجَّةً وصخبًا قائلين: “هذا أيضًا تابعٌ لهم”، إنَّهم يعاملوننا وكأنَّ الالتزامَ بالأخلاقِ وعدمَ السرقةِ والاختلاسِ جريمة وإثم، حتى إنَّهم ينسبون إلينا منْ يحافظ على صلواته، ويواظِبُ على صلاة الجمعة، ويُنفِقُ ويتصدق في سبيل الله ويزكي ويُقدِّمُ المنح الدراسية للطلّاب الفقراء، ويبحثون في هذا الأمر عن تشكيل أو بنية تنظيميّة سرّية.

وإنني أقولُ مجدَّدًا إنَّه وبالرغم من كلِّ أنواعِ الاستبدادِ والقَمْعِ والظُّلْمِ يُعضّدُ ويدعمُ إنسانُنا الأعمالَ الخيِّرةَ الجميلة، وإنَّ قافلةَ الأرواحِ التي تتفانى في سبيل الحق والحقيقة وفي سبيل غايتِها المثلى والإنسانيةِ في إطار القوانين والقواعد لَتُواصِلُ مسيرتَها ثابتة على الطريق الحقِّ الذي تعرفُهُ، وإنها لتعلم جيِّدًا أن المصائب التي تحُلُّ بها هي من شأن السير في طريق الحقِّ، وتعتبر كلَّ واحدةٍ منها امتحانًا، فتسعى تلك الأرواح مفعمةً بالإيمان والأمل للوفاء بحقِّ مثل هذا الامتحان الذي يُرجى منه قطافُ ثمارٍ مباركةٍ طيبة.

 

[1] مسند الإمام أحمد، 390/15؛ الطبراني: المعجم الأوسط، 189/7.

 

حركة الخدمة ومزاعم اختراقها مؤسسات الدولة التركية

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ثمة مزاعم بأنَّ “حركة الخدمة اخترقت مؤسسات الدولة التركيّة أو أنها ترغب في السيطرة عليها”، ومهما كان رجالُ الخدمة ومَنْ يعرفونهم عن قربٍ يعلمون أنَّ هذه الادِّعاءات محضُ افتراء لا أساس له من الصحة؛ إلّا أنَّها تتسبَّبُ في تشويش أذهان بعض الناس في الحقيقة؛ فكيف يُرَدُّ على تلك الاتهامات؟

الجواب: أولًا: إن سُئل الناس: “أتريدون مدرسين ومديرين وأطباء ومنهدسين وقضاة ومُدَّعِي عمومٍ ووزراء ورؤساء وزراء أكفَاءَ، لا يسرقون ولا يختلسون، يحترمون المواطنين، ويؤدُّون وظائفهم حق الأداء، فَيَبرزون بفضل محضِ عدالتهم وصدقهم، أم أنّكم تريدون موظفين حكوميين يتهاونون في أعمالهم، ولا يُراعون القانون والحقوق، وليسوا أكفاء، ولا يحترمون المواطنين؟”؛ فأغلبُ الظَّنِّ أنَّ الجميع سيختارون منْ هم في الشِّق الأول، وكما قال آلافٌ من الأكاديميّن والمفكِّرين وعلماء الاجتماع والصحفيين والتربويّين من مختلف القطاعات؛ فإنَّ حركة الخدمة تُرَبّي وتنشّئ حَمَلَةَ الأوصاف المذكورة في المجموعة الأولى، ولهذا فهل يُوصَفُ دخولُ أناسٍ تربّوا على تلك الأوصاف في مؤسسات تعليمية تبنَّاها الشعب وساندوها، واستحقُّوا أن يكونوا في مقدمة مؤسسات الدولة التي التحقوا للعمل بها بفضل ما أظهروهُ من لياقةٍ وكفاءة بأنَّه تسللٌ إلى الدولة أو محاولة للسيطرة عليها واختراقِها؟ أم يُوصف بأنَّه خدمة للشعب والدولة والبلد؟!

ثانيًا: إن خدمة الناس بالعِلْمِ والأخلاقِ والمعنويات والتديُّن الحقيقي، والدعوةَ إلى ذلك ليست حِكْرًا على أحدٍ، كما أنَّ القيامَ بواجبٍ كهذا بالنسبةِ لمن يعتبرون أنفسهم مسلمين هو أحدُ ضروريات القِيَمِ التي يؤمنون بها، فإن كان فدائيّو التربية والتعليم الذين يحبُّون بلدهم وأمتهم لدرجة العشق ويحاولون مخاطبة كلّ قطاعات المجتمع قد استجاب لهم أناس من مختلف تلك القطاعات؛ فهل يصحّ نعتُ ذلك كله بأنّه محاولة اختراق للدولة أو السيطرة عليها؛ أم أنَّه خدمة للأمّة والبلد والإنسانية؟!

ثالثًا: نأسَفُ أن نقول: إنّه نظرًا لِمَا تَكَّوَن في يومنا الحاضر من الإِلفِ والأنس لبعضِ التصرفات المنافية للقانون والأخلاق كالاختلاس والارتشاء ومحاباة بعض الأشخاص على حساب غيرهم في بعض المؤسسات والهيئات الحكومية فقد صار الموظَّفون العموميُّون الذين يسعون لأداء وظائفِهم حقَّ الأداءِ والوفاءِ بحقّ الراتب الذي يحصلون عليه، ويُراعون القوانين، ولا يسرقون ولا يختلسون ولا يرتشون منبوذين غير مَرضيٍّ عنهم أينما كانوا. أجل، إنَّ أداء مجموعة من الموظفين العموميين المتمسِّكين بالأخلاق والفضائل وظائفَهم حقَّ الأداء في إطار القوانين والقواعد ربما يتسبَّبُ في أنْ يُعتبروا خطرًا وضررًا يُهَدِّد بعضَ النَّاس الذين يرون في مناصبهم ومواقعهم الرفيعة التي يشغلونها بابًا للربح والدخل. حسنٌ، فما الذي يجب أنْ يفعله الراغبون في أداء وظائفهم بحق بينما يقعون في مثل هذا الموقف؟ هل عليهم أن يقعدوا عن أداء وظائفهم بعدالةٍ وأمانةٍ لأنَّ مُنْتَهِكِي القانون والحقوق سيؤذونهم؟! وبتعبير آخر؛ هل القيام بالوظيفة المنوطة مع مراعاة القيم الإنسانية السامية وقواعد القانون يُعتَبَرُ اختراقًا للدولةِ ومحاولةً للسيطرةِ عليها؟!

نفسيّة المجرم وتبعاتها

فضلًا عن ذلك فإنَّ كلَّ واحد من أهل هذا البلد -بما في ذلك أنا ومتطوِّعو الخدمة- مواطنون فيه، وإنني إنسان أناضولي صِرْفٌ، ولستُ قوميًّا متعصِّبًا للدم والعرق والفِكر والقول، وإنني أعارض تمامًا مثل هذه العصبية، غير أنني أُحبُّ أمتي لدرجة العشق، ومن هنا أتساءل: بأيِّ حقٍّ يُوصف التحاقُ مواطن للعمل بإحدى مؤسَّسات بلدِهِ وتشجيعُهُ غيرَهُ من بني وطنِهِ أيضًا على الدخول فيها بأنَّه اختراقٌ للدولة؟ إنَّ التسلل والاختراق في الحقيقة هو شأنُ من يخالفون القانون والحقوق، ويستغلُّون خدمات الدولة التي يعملون فيها من أجل مصالحهم الشخصية؛ فهؤلاء يسوقون هذا النوع من الاتهامات بحقِّ الآخرين آملين أن يستُروا أنفسهم ولا يفضحوها.

أجل، من حقِّ كلِّ فردٍ في هذا الشعب أن يعمل بأحد المرافق العامة للدولة، وأن يتقلَّدَ أيَّ وظيفةٍ فيها؛ شريطةَ أن يمتلك القدرة والخبرة اللازمة لذلك وأن يستخدِمَها في مكانِها، ولكن إنْ كان هناك منْ أمسكوا بِزِمامِ الأمور في بعض الأماكن المهمة والمصيرية للغاية بالنسبة لِقَدَرِ هذا البلد، وتربَّعوا على الساحة وقمعُوا مشاعر الناس فمنعُوا الأمَّة من رؤيةِ حقائِقِ الأمور؛ فإنهم تأثروا بمرض جنون العظمة الذي أصابهم وراحوا يُفسِّرون تصرفاتكم وتحركاتكم قائلين: “إنَّ هؤلاء يريدون التسلل واختراق الدولة”، وهكذا انغلقوا على مسألة النفوذ والتسلل بتأثير الحالة النفسية لجنونِ العظمة هذا، لدرجة أنّه إذا ما لُمس الباب ورُنَّ جرسه قالوا: “إنّه تسلُّلٌ، إنَّه اختراقٌ”! وراحوا يتوهمون ذلك وينشغلون به؛ فيعيشون دائمًا حالةً من الهوس والوهم بالتسلل والاختراق.

هذا حقٌّ ومسؤوليَّةٌ في نفس الوقت

إنَّ كل فرد في أية أمة لا يتسلَّلُ إلى المؤسّسات الموجودة على أرضِ وطنِهِ لخدمته وبني جلدتِه، بل إنّ دخولَهُ إيَّاها حقٌّ من حقوقِه العاديّة؛ فيدخل في مؤسَّسات الدولة المدنية والقضائية والخارجية ويعمل فيها، لماذا لا؟! فهل ترغبون بِقَصْرِ ارتِباطِ أبناء الوطن على مراكز تعليم القرآن فقط؟! هل علينا أن نشجِّعَ الناس للالتحاقِ بهذه المراكز فحسب؟ فنرغِّبهم بالالتِحاقِ بمدارس الأئمةِ والخطباء دون غيرها؟ كلا، إنني أُكَرِّرُ ما قلتُهُ سابقًا، وسأقولُه غدًا ومستقبلًا أيضًا ما حَيِيتُ: إنَّ من حقِّ أبناءِ ومواطني هذا البلد استخدامَ هذا الحقِّ ودخولَ كلّ المؤسسات والعمل فيها، ومنعُ استخدام هذا الحقِّ ظلمٌ بيِّنٌ وجَورٌ وإجرامٌ واضحٌ، وهنا أضيف مباشرة أنَّ إغلاقَ أبواب مؤسسات الدولة أمام أبناء الوطن ومنعَهم منها سيتمخَّضُ عنه ردُّ فعلٍ في ضمير الشعب وسرعان ما سيركله فَيَرُدّه خائبًا خاسرًا، وكما قال الشاعر:

إنْ كان الظالمُ بظلمه يَتَجبَّر                 فإنَّ المظلوم بالله ربِّه يستَنْصِرُ

ما أسهل الجور على الخَلقِ اليوم!        وغدًا محكمةُ الحق تُعقَدُ فيُنصر

وبناءً على ذلك؛ فلو أنَّ صوتي يصلُ لكنتُ أصرخُ مجدّدًا لِأُسِمِعَ وأُبَلِّغَ أقاصي بقاعِ بلادنا أنْ: سجِّلوا أبناءكم بمدارس الأئمة والخطباء مثلما تسجلونهم بمراكز تعليم القرآن الكريم، وعلموهم بالمدارس المدنية ودرِّسوهم في كلِّيَّات الحقوق والمدارس العسكرية أيضًا بقدر تدريسكم لهم في مدارس الطِّبِّ والهندسة والشرطة؛ فهذا البلد بلدكم؛ ولذلك فإنه لمن حقكم ومسؤولياتكم أن تتبنّوا وتدعموا المؤسسات التي ستحافظ على دولتكم وبلدكم.

كلُّ مَنْ ليسَ على منوالِهم فهو “آخر”..

إنَّ الواقعَ المُؤسِفَ أنَّ هذه النوعية من المزاعم لا تصبُّ في صالح خدمةِ الأمة والوطن، وإنما هي إحدى الحجج الواهية التي يستخدمها بعضُ المستفيدين من الوضع غيرِ القانوني الذي تعيشه بلادُنا اليوم بكلِّ تعقيدٍ وفوضويَّة؛ ليسدُّوا بذلك الطريق أمام تحوُّلِها إلى دولةِ قانون وديمقراطية؛ ورغبةً منهم في الحفاظ على مناصبهم التي يستغلُّونها من أجل منافعهم الشخصية، إلى جانِبِ رغبتِهم في استمرارِ هذا الحال؛ فيحاولون تضليلَ عيونِ الناسِ عن حقائق البلاد وواقعها، وكما أنَّهم لا يرغبون في التخلي عمَّا استحوذوا عليه من مناصب ومواقع عامة فإنهم يسعون إلى توريثها لأبنائهم ثم أحفادهم، ويخافون حقًّا من أن تصبح البلاد ديمقراطيةً بالفعل؛ فبعض الأشخاص أو قطاعات المجتمع التي ترى رفعةَ الأمة ونهضتها انهيارًا بالنسبة لها، وتعتبر كلَّ محبٍّ لعمَلِهِ أو متقِنٍ لوظيفتِه خطرًا يُهَدِّدُ مستقبلَها؛ فتارةً تتحالَفُ مع فريق، وتارةً مع فريقٍ آخر؛ تَسُوقُ هذه الادِّعاءات وتروِّجُها لأنها تخاف أن تُحرَمَ من منافعها ومصالحها، وأنْ تُقاضى على مستنقعات الفساد والرشوة والسرقة والاختلاس التي غرقت فيها أثناء تولِّيها ما تشغله من مناصب، فهي تشعر بالقَلَقِ ممن لا يشبهونها كي تستطيع مواصلة حياتها البوهيمية المتحرِّرة مستغلَّةً إمكانيات الدولة والأمة، بل إنَّها ترى من ليس على منوالِها مانعًا وعائقًا يقفُ في طريق تصرُّفها وعيشِها كما يحلو لها، ثم إنها تُزَيِّنُ أحاسيسها الشيطانية وتُلبسُها لباسَ الفِكر، وتُثيرُ الاضطراب والفوضى على الساحة بإطلاقِها أراجيف من قبيل: “هناك انقلاب؛ لقد طوقوا كلَّ الأماكن، وتسللوا إلى كل مكان…!”، وراحت تُكرر هذه العبارات حتى أصابها جنون العظمة، ومرضت نفسيًّا فصارت ترى كلَّ شخص سواها عدوًّا و”آخرَ”.

ومن جانب آخر فإنه يجب ألَّا يغيب عن الأنظار أنَّ تلك الادّعاءات جزءٌ من حرب نفسية؛ إذ يصنِّفُ البعضُ الناسَ ويقسمونهم إلى فِرَقٍ ومنظّمات متَّخذين ذلك أداة لتهديدِ بعض رجال الدولة وابتزازهم وإخافتهم؛ فيتَّهمون كلَّ من يستطيع القيام بأشياء مفيدةٍ للبلد والدولة ويقمعونه، ويسدُّون الطُّرُق أمامه، ويختلقون مثل هذه الحججِ الزائفة لِقَطْعِ السبيل تمامًا أمام أبناء الوطن.

كلٌّ يرى الآخرين على ما هو عليه…

وهناك طائفة أخرى من الناس أيضًا داست القوانين والأعراف الديمقراطية وتغلغلت في أوردة البلاد وشرايينها، وسيطرت على الشعب، واستغَلَّت في سبيل ذلك كلَّ الإمكانيّات التي في أيديها مشروعة وغير مشروعة، ونفذَتْ سِرًّا إلى أماكن معيّنة واستولت على مقدّرات البلاد، وإنَّ مثل هذه النوعية من البشر تنظرُ دائمًا إلى الناس حولها من منظور عوالمها الداخلية الخاصّة بها؛ فتقارن الحركات والتكتلات والفعاليات والمبادرات المختلفة بما فعلته هي، وتحلِّلُها على هذا المنوال، ونتيجة لذلك تتخيَّلُ وتظنُّ أنَّ ما عندها من لوثيّات موجودٌ عند غيرها، وتُحَدِّدُ تعامُلَها مع الناس وفقًا لهذا المنطق والفهم، ولأنها “نَفَذَتْ واختَرَقَتْ وتسلَّلَت” بالفعل فإنها تتَّهِمُ بالنفوذِ والاختراق والتسلُّلِ أفرادَ الأمة الذين تبوّؤوا أماكنهم في الأعمال الإدارية بفضلِ لياقتِهم وكفاءتهم، وتُجرّحُهم وتَفتري عليهم.

تمامًا مثل لصٍّ ينظر على باب أحد الحوانيت حين يمرُّ من أمامه فيفكِّرُ في نفسه: “كيف يمكن أن يُفتح هذا الباب بسهولة؟ كيف يتمُّ حلُّ القفل؟ وبأيِّ الطُّرُقِ يمكن التسلُّلُ إلى الداخلِ واختراق المكان، وإخراج ما فيه من مالٍ وبضائع بسرعة؟” أي إنه يتلصَّصُ بعينه وهو يمرُّ من هناك فيُهَيِّئُ الأرضيّة مسبقًا للسرقة التي سيقومُ بها لاحقًا، وينشغِلُ بالتخطيطِ لذلك… في حين أن صاحب الحانوت بعدما يُغْلِق حانوتَهُ ينظرُ خلفَه ويُرَكِّزُ عينيه على الباب ويراجع نفسَه إنْ كان قد أخذ التدابير اللازمة تجاهَ أيّة سرقة محتمَلةٍ، وإنْ كان القفل كافيًا وآمنًا أم لا… أما اللصُّ الذي يرى هذا الموقف ولا يدري أنَّ هذا الشخص هو صاحب الحانوت فإنه يشبّهه بنفسه ويقول: “إن هذا الرجل لصٌّ مثلي!”.

وكما هو الحال في هذا المثال؛ فإنْ كان البعضُ قد سيطَرَ على مستقبل الأمَّةِ واغتصبه كالأربعين حراميًّا، وتغلغلَ في مؤسسات مَعنِيَّة واستولى عليها وتقاسمها مع شركائِهِ؛ فإنَّه يحسبُ أنَّ أولئك الساعين في سبيل إعلاء الفضائل الإنسانية يُشبِهُونَه، فينظر إليهم النظرة نفسها، في حين أنَّ تلك الأرواح الفدائية تتحرك وفقًا لأفكارٍ غايةٍ في البراءة، حتى إنَّهم لا يحْلُمون ولو مجرد حلمٍ بأهواء ورغبات دنيوية كالمقام والمنصب والسلطة، ومع أنَّ الإنسان قد يرى في منامه ما ينأى عنه ولا يرغب فيه من الأحوال؛ إلا أنَّ تلك الأرواح بعيدة عن هذه النوعية من الأهواء والرغبات لدرجة أن مثل تلك الرؤى والأفكار التي يكون أغلَبُها انعكاسًا لِما دون الوعي لا تجد لنفسها مكانًا في أحلامهم، غير أنَّ ثمة مجموعة من الناس يعايشون تلك الرؤى والخيالات دائمًا؛ ولذلك فإنهم يُقيِّمون الأشخاص الأبرياء وفقًا لوجهة نظرهم أنفسهم، ويفسرون تصرفاتهم وتحركاتهم وفقًا لها، ويسعون نتيجة لذلك إلى سد الطريق والسبل أمامهم بإطلاق مختلف المزاعم وحملات التشويه.

التراب والوَرد

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: يقول سعدي الشيرازي[1] في أثره المسمى “كُلِسْتَانْ (: روضة الورد)”: كُن تُرابًا أيُّها الإنسانُ تُنْبِت وردًا؛ فما يَنبُتُ الوردُ إلَّا في التُرابِ”؛ فما المعاني التي تعبِّرُ عنها عبارته تلك بالنسبة لمفهومنا الخاصِّ بالعبودية؟

الجواب: إن هذه العبارةَ الجميلة بمعناها الحقيقيّ تقول: إنَّ الوردَ ينبُتُ في التراب فحسب، وكما أنَّه لا يمكن أن ينبُت وينمُو في الجرانيت والرخام أو الحديد فلا يمكن أيضًا أن ينمو في المعادن النفيسة التي تحظى بغايةِ تقديرِ الناسِ مثل الفضة والذهب والزبرجد والياقوت.

والحقيقة أنَّه يمكنكم ربطُ دفنِ الناس في التراب بعد موتهم أيضًا بهذا المعنى؛ إذ إنَّ الإنسان لا يُرمى جانبًا في أيِّ مكانٍ حين يموت، وإنَّما يُدفن في التراب كي يَنبت وردةً أخروية، سواء أربطتم الأمر بحقيقة “عَجْب الذَّنَبِ” أو بشيء آخر؛ فإنَّ في الإنسان “جوهرًا” يُحْييه الله جلَّ جلاله به من جديد، غير أنَّه لا يمكن أنْ يبدو كالوردة في الدار الآخرة إنسانٌ أطلق لنفسه العنان فَتَحَلَّلَ معنويًّا وهو ما يزال حيًّا ولَمَّا يَمُتْ أو يُدْفَنْ في التراب بعدُ.

سنام العبودية: السجودُ

يُذكر الترابُ في بعض الثقافات الشرقية منذ القِدَم على أنَّه رَمزٌ للتواضعِ والمحويّة دائمًا، لأنَّه جُعِلَ بأمرِ الله مصدرًا لحياةِ الإنسانِ ولغيره من الأحياء، رغم أنَّه يُداس تحت الأقدام، وبالتالي فإنَّ سموَّ الإنسانِ وإثمارَه مرهونٌ بتواضعه واستحقارِهِ نفسَهُ ومحويَّتِهِ وتذلُّلِهِ بين يدي ربِّه وتأدُّبِهِ معه، أمَّا إنْ همَّ يتكبَّر ويتفاخر فإنَّه سينقلب رأسًا على عقبٍ يومًا ما؛ فيهلك.

وعليه فإنَّه ينبغي للإنسان أن ينحني لله بقدر نِعَمِهِ وإحسانِهِ وألطافِهِ عليه، ويمكنكم تمثيل هذه الحقيقة في أذهانكم وإحياؤها عبر التفكير في أركان الصلاة؛ فعلى سبيل المثال: إنَّ الإنسانَ الذي يقومُ للصلاةِ مكبِّرًا تكبيرةَ الإحرامِ “الله أكبر” فيقف فيها خاشعًا خاضعًا؛ يَسْتَقِلُّ موقفه هذا بين يدي الله تعالى؛ فيُسارع إلى الركوع الذي يعني تعظيمًا آخرَ له سبحانه؛ فينحني راكعًا معظِّمًا لله فيبدو كعصًا ملتويةٍ، ثمّ يستشعرُ نِعَمَ الله أكثرَ فأكثر فيخِرُّ ساجدًا بمشاعر: “اللهم لك الشكرُ كلُّه على ما وفَّقتني إليه من عبادتك، فما أعظمك! وما أجلّك! أنا الحقير الوضيع وأنت الكبيرُ المُتَعَال، غير أنني عاجزٌ عن التعبير عن هذا بقيامي هكذا، وهاأَنَذَا أنحني لك خشوعًا وخضوعًا”، ثم يرفع رأسه من السجود وكأنه يبحث عن ضالَّتِهِ ومرادِهِ؛ فيتوجَّه إليه سبحانه وتعالى وكأنه يراه من فُرجة بابٍ فُرِّجَت له، ويسجُدُ مجدَّدًا وهو يقول: “كلا، إنَّ هذا ليس بكافٍ!”.

وقد ذكر مفخرةُ الإنسانيّة صلى الله عليه وسلم أنَّه ليسَ ثمة وضعٌ ولا حالٌ يكون فيه الإنسانُ أقربَ إلى ربِّهِ من حالِهِ في السجود؛ إذ قال: “أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ[2]، وقد عُبِّرَ شعرًا عن هذا المعنى الذي يُفِيدُه السجود على النحو الآتي:

الرأس والقدم على السواء… والسجادةُ تَلْثُمُ الجبهة الغراء

هذا سبيلك أيها الإنسان… لترقى وتقترب من ربِّ السماء

آفة نسبة النجاح إلى النفس

وهذا يعني أنَّ الإنسان يكونُ قريبًا من الله تعالى بِقَدْرِ تواضُعِهِ وخضوعِهِ وتذلُّله له جلَّ وعلا، والحقيقة أنَّ هذا هو السَّمت العام بالنسبة لإنسانٍ تعلّق قلبُه بربِّهِ حقًّا تجاه النعم النازلة عليه زخًّا زخًّا؛ فهو ينحني بتواضُعٍ أمام النِّعَمِ اللامتناهيةِ لِربه الكريم، ويضعُ جبهتَهُ حيث تطأُ قدماه، فَيُعْلِنُ ويُقِرُّ بأنّه الصِّفْر الفاني أمام الكبير المتعالي.

ومن هنا فإنَّه ينبغي لمن نذروا أنفسَهم لخدمة دينهم وبلدهم وأمتهم والبشرية جمعاء ألّا يَعزوا إلى أنفسهم أيَّ نجاح أبدًا، ومهما كانت الدرجة والمكانةُ التي يرتقون إليها، يلزمهم أن يتواضعوا دائمًا، وألَّا يتشوّفوا إلى أيِّ شيءٍ سوى رضاه سبحانه وتعالى؛ وألَّا تتعلَّقَ قلوبُهم بأيِّ شيءٍ؛ دنيويًّا كان أو أخرويًّا، وهذا هو ما يَجْدُرُ بهم فعلُهُ؛ إذ نذروا أنفسهم للخدمة في سبيلِ الحقِّ، عليهم ألَّا يتطلَّعوا إلى أيِّ شيء مُقابِلَ ما أدَّوه من خدماتٍ، فلا يقول أحدُهم مثلًا: “فلتُحَلّ شؤوني الدنيويّة، وليكن لديَّ بيتٌ فأعيش في راحةٍ؛ وليصل ولدي إلى هذا المقام أو ذاك”، وألَّا يربطوا تلك الخدمات حتى بدخول الجنّة أو اتِّقاء النار، وإنَّما يجبُ عليهم أنْ يطلبوا هذا من لُطْفِ الله وفضله وعنايته.

أمَّا منْ يملؤون خزائنهم ويصبُّون الماء في قنواتهم وأحواضهم رغم أنهم حين خرجوا كانوا يزعمون خدمة الدين والأمّة فهم كاذبون، كما أنَّ سعيَ الإنسان إلى الشهرة ونيلَ التصفيق وانتظارَه التقديرَ ورغبتَه في أن يُشارَ إليه بالبَنَانِ وسعيَه خلفَ المناصِبِ والدرجات الدنيويّة فيما يقوم به من خدمات يعني الرياءَ من جانبٍ والتجرُّؤَ على مساومة الله تعالى من جانب آخر، والذين ينسبون إلى أنفسهم ما يتحقَّق على أيديهم من نجاحاتٍ وما يُصيبُهم من نِعَمٍ مَنَّ الله بها عليهم، فيردُّونها إلى ذكائهم وفِطْنَتِهِم ودرايتهم، ويتحدثون بِفَرْعَنَةٍ؛ فإنّهُ وإن أُتيحَتْ لهم الفرصة اليوم إلّا أنّها سَتُسلَبُ منهم غدًا وسيفقدون ما في أيديهم وسينكفِئُون على مناخرهم، وسيُصابون بالخزي بقدر بَطَرِهِم وتغطرُسِهِم، وتلك هي سُنَّة الله تعالى، ولن تجِدَ لسُنَّة الله تبديلًا.

كن سَمَادًا فتورق الورود!

إنَّ المؤمن الحقيقي لا يُتصور منه استغلالُ النجاحات التي حظي بها ونالَها لصالحِ منافعه الشخصية، كما لا يُتصور بطرُه وتغطرسُه لأنَّ البلابل تصدح من فوقه، ولا ينبغي له ذلك، وعليه في مواجهة مظاهرِ الإحسانِ والإكرامِ التي حظي بها أن يتحرَّى سبلَ العودة إلى الأرض من جديد بِوَرْدَتِه وزَهْرَتهي وأوراقه ليشكِّل مناخًا وأرضيّة جديدةً مناسبةً لِتَبَرْعُمِ ونموِّ مجموعةٍ جديدةٍ من الورود.

كان الأستاذ نجيب فاضل[3] -أسكنه الله فسيح جناته- يقول حين يتحدَّثُ عن نفسه: “اعتبروني سمادًا”، إنني لا أنسى قوله هذا أبدًا؛ فتفكيرُهُ على هذا النحوِ رغمَ معرفتِهِ عظمةَ نفسِهِ وقدرَهُ مهمٌّ للغاية من حيث تعبيره عن تواضعه ومحوهِ، وعليه فينبغي للمؤمن أن ينظر إلى نفسه على هذا النحو، فإن تحوَّلَ إلى حديقةِ وردٍ طالت وامتدَّت في كلِّ الأنحاء، وغرّدت فيها البلابل من كل الاتجاهات وحطَّت على أوراقها وأغصانها وراحَت تنشدُ الأغاني والنعوت لأجله فلا بدَّ وأن ينهالَ على الأرض كي تنبت الورودَ الجديدة ثانيةً؛ إذ الواجبُ علينا تجاه نِعَمِ الله التي يُنزِّلُها علينا زخًّا زخًّا أن نُعمِّق تواضُعَنا وخجلَنَا ومحوَنَا أكثرَ فأكثر، حتى إنه يلزم علينا حين يتحدَّثُ البعض عنّا ويذكروننا بتقديرٍ وإشادةٍ أن نتعجَّبَ من هذا قائلين: “عجبًا يا إلهي! ماذا فعلنا من أخطاءٍ حتى يتحدَّثَ بشأنِنا هؤلاء بتلك العبارات المليئة بالثناء في الظاهر، إلا أنها ليست عندنا إلا سبًّا وشتيمة”.

وإنْ كان ينبغي إسنادُ تلك الخدماتِ المُنجَزَةِ إلى سببٍ ما في إطار دائرة الأسباب العادية؛ فلا ريبَ أنَّ هذا السبب هو ما يتوافر بين المؤمنين من وفاقٍ واتّفاقٍ، ولا بدَّ من الاعتقاد بأنَّ الحقَّ تعالى رأى الوفاقَ والاتفاقَ توجُّهًا إليه وإقبالًا عليه فقابله بالمثل؛ لأنَّهما أعظم وسائل التوفيق الإلهي.

إن أساس الأمر هو عناية الله تعالى ورعايته وكلاءته كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (سُورَةُ الأَنْفَالِ: 63/8)، وإننا بقدر ما نُحكِمُ علاقتنا به سبحانه وتعالى يُكثر جلَّ وعلا منَّا ويُقوِّينا؛ فهو يُظهر ملامح عظمته وجلاله بأن يُجرِيَ على يدِ قطرةِ ماءٍ عملَ محيطٍ عظيمٍ، وعلى يد ذرّةٍ وظيفةَ الشمس، و على يد نملةٍ صغيرة وظيفةَ الفيلة، لأنَّ مِنْ مظاهر ومعالم إظهاره عظمتَه وقدرتَه تعالى تحقيقَه أمورًا عظيمة باستخدام عناصر صغيرة للغاية.

ومن ذلك مثلًا أنَّ ساداتنا الصحابة الكرام حين ارتحل فخر الكائنات صلى الله عليه وسلم إلى أفق روحه؛ تغلبوا على الروم والفرس اللذين كانا القوتين العظمَيَيْنِ في ذلك العصر، وتبوّؤوا مكانًا مهمًّا في التوازن الدولي آنذاك؛ فنظموا الدنيا من جديد، علاوة على أنهم تغلَّبُوا على إحدى عشرة واقعة رِدّةٍ؛ حجمُ الواحدةِ منها يفوق حجم ما نعانيه من المنظمات الإرهابية اليوم ببضعةِ أضعافٍ، وقد أخمدَ سيِّدُنا أبو بكر رضي الله عنه كلَّ هذه الفتن خلال فترةِ خلافته التي لم تتجاوز العامين ونصف، وحقق السِّلمَ والأمنَ، وعليه فإنه ينبغي أن يخجل ويستحي من أنفسهم اليوم من لا يستطيعون التغلب ولو حتى على أبسط التشكيلات الإرهابية رغم أنهم يعتبرون أنفسهم قوًى عظمى، ويتحدثون عن امتلاكهم وحدات آليّة مزوَّدة بأجهزةٍ متطوِّرة.

اندمج مع التراب لدرجة ألَّا يُعرف قبرك!

الله حسبُنا وما سواه عبثٌ وهوى؛ فنحن لا نحتاج إلى تصفيقٍ ولا إلى تقديرٍ، ولا إلى عبارات التبجيل والتعظيم، وينبغي لنا أن نخدم في سبيل الحق تعالى في تواضعٍ ومحوٍ حقيقيٍّ، ونبتغيَ رضاه فحسب، ونُدفنَ في الترابِ كي نصبحَ بَذْرَةً لوردةٍ تَنْبُتُ من جديدٍ لاحقًا، ويجب ألَّا نتشوَّفَ إلى أيِّ تقدير، ليس ونحن أحياء فقط، بل وحتى ونحنُ نُوارَى الثرى؛ ولو من قَبيل: “أرجو أن يشارِكَ في جنازتي أناسٌ كثيرون”، وألَّا ننسى أبدًا أنَّ الأصلَ والأساسَ هو أن نُقوِّيَ علاقتنا بالله تعالى.

يجبُ أن نعيشَ أناسًا بسطاء متواضعين، وأن نسيرَ إلى أفق روحنا هكذا، ونرغب -إن أمكن- في أن تظلَّ قبورنا مجهولةً غير معروفة مثلما رغب قامة العصر العظيم الأستاذ بديع الزمان؛ إذ قال: “ألَا فلا يعرفنَّ قبري أحدٌ سوى اثنين أو ثلاثة من طلابي”، أنشدكم الله أيُّ نوعٍ من فهمِ التوحيد هذا!؟ ما أروعَهُ من اتِّصال بالله تعالى! فلا أحدَ يعرفُ مكانَ قبرِهِ منذ أن انتقل إلى أفقِ روحه وحتى اليوم سوى بضعة أشخاص؛ فقد جعلَ مبدأَ التواضعِ والمحو والخجلِ الخارق للعادة الذي عبَّر عنه في كتبه دستورَ حياتِه، وعاش حياته محقِّرًا نفسه.

وإن كنّا لا بد وأن نتشوف شيئًا نتيجة الخدمات التي يُجريها ربُّنا على أيدينا فلا بد وأن يكون تحليقَ الروح المحمدية في كل أرجاء الدنيا، غير أنَّه يجب علينا في هذا الصدد أيضًا ألَّا نُلِحَّ على رؤية النتيجة، بل إحالةُ الأمرِ إلى الإرادة الإلهية؛ لأن مراد الله أمام رغباتنا، نحن راضون بما أراده الله ورضي به، فنحن نريدُ ونرغبُ في الشيء، ولكننا لا نستطيع معرفة مراد الله سبحانه وتعالى، ولن يهتدي مَن طُبع على قلوبهم وإنْ أردنا نحن لهم الهداية؛ ولذلك فإننا نسعى سعيًا حثيثًا لتحبيب القلوب في الله سبحانه وتعالى ورسولِه عليه أكمل التحايا، لكن نحيل النتيجة ونتركها إلى ربِّنا ونرضى بحكمه وتقديره.

 

 

[1] سعدي الشيرازي (1219م- 1294م ): شاعر ومتصوف فارسي، تميزت كتاباته بأسلوبها الجزل الواضح وقيم أخلاقية رفيعة، مما جعله أكثر كُتاب الفرس شعبية، فتخطت سمعته حدود البلدان الناطقة بالفارسية إلى عدد من مناطق وأقاليم العالم الإسلامي، وبلغت الغرب أيضاً، من أشهر آثاره: “الكُلِسْتان (روضة الورد) و”البستان”.

[2] صحيح مسلم، الصلاة، 215؛ سنن أبي داود، الصلاة، 148؛ سنن النسائي، التطبيق، 75.

[3] نجيب فاضل (1904م-1983م): مفكر وكاتب وشاعر تركي، لقب بـ”سلطان الشعراء”، له أكثر من مائة كتاب، تتناول أشعاره وكتاباته العديد من القيم الإسلامية والأخلاقية والموضوعات التاريخية والفلسفية.

موقفُ المتطوِّعين مِن الاتّهامات المُوجَّهةِ إليهم

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: تثير بعضُ القطاعات مجموعةً من الشبهات حول مَن نذروا أنفسهم لخدمة البشر في كلِّ فرصةٍ؛ فتتهمهم وتفتري عليهم؛ فتُعكِّرُ الجوّ العامَّ، فما هو الأسلوب المرجو اتّباعه إزاء هذه النوعية من الحوادث؟

الجواب: بدايةً إنني شخصيًّا أرى أنَّه لا داعيَ للرَّدِّ على معظم الافتراءات المزعومة بحق حركة الخدمة؛ لماذا؟ لأنَّ كلَّ إجابة وردٍّ يعني مُوارَبةَ الباب قليلًا لأنْ يظنَّ صحةَ تلك الاتهامات من يسمعونها للمرة الأولى؛ حتى إنَّ ما تسوقونه من إجابات قد يدفع البعض لأن يتساءل: “تُرى أيُحِسُّ هؤلاء أنَّهم مُجرمون حقًّا؟”، ولهذا لا يكون صوابًا أن تحاولوا بيان عدم صحة وصدق كل تلك الاتهامات والافتراءات الظاهرِ كذبُها والبيِّنِ منتجوها والواضحةِ أهدافُها، فَالعقلُ والوجدانُ سيحكمُ من فورِهِ بأنّه لا علاقة لتلك الافتراءات بكم قطّ.

البيِّنةُ على من ادّعى

علاوة على أنَّ هناك قاعدةً من القواعد الكُلّيّة تقول: “البيِّنةُ على من ادَّعى، واليمينُ على من أَنكر”، فإذا ادعى البعضُ شيئًا ضدّنا؛ فإنَّهم مكلفون ومطالبون بإثبات ما يدَّعونه، نحن نؤكد أنَّ كلَّ هذه الافتراءات كاذبة، وإذا أراد أحدٌ أن نقسمَ على ذلك؛ فإننا نقسم بكل أريحية: “والله، بالله، تالله أنَّه لا علاقة لنا قط بالأمور التي تعزونها إلينا”.

فضلًا عن أنَّني أعتقد أنَّ مَنْ يتحدثون دون تروٍّ ولا استحياءٍ بحقِّ فدائيِّي الخدمة الذين نذروا أنفسهم لإعلاء كلمة الله وليست لهم غاية سوى نَيلِ رضاه سبحانه وتعالى؛ إنما هم أشخاص عجزوا عن الحفاظ على مستوياتهم الإنسانية؛ وإنني وإن كنت أرى نفسي أحقر من الجميع إلَّا أنّني كإنسان شرُف بعبوديته لله تعالى أعتبرُ النزول إلى مستواهم عند الردّ على افتراءاتهم تلك نوعًا من سوء الأدب مع الله تعالى، وعلى النحو نفسه فإنني كفردٍ من أفراد أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أعتبر الرد على تلك الافتراءات غير العقلانية وغير المنطقية التي يثور عليها الضمير اليقظُ يُشَكِّلُ خَطرًا يتمثَّلُ في النزول إلى مستوى هذه النوعية من البشر، وأَعُدُّ هذا نوعًا من سوء الأدب مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومن ناحية أخرى فإنكم حين تبادرون إلى الردّ على كلِّ من يتحدث ضدَّكم فإن هذا يشغلكم كثيرًا؛ ويُهدِر أوقاتَكم القيّمة ولحظاتكم الثمينة، وبالتالي تعجزون عن القيام بأعمال عظيمةٍ للغاية يجب عليكم فعلها، والأكثر من ذلك أنَّ المفترين يُحرِّفون ما تسوقونه من ردود وأجوبة لأنهم ينتهجون المنهج الجدليَّ والدهماويّ، وهو ما قد يتسبب في تكون مجموعة جديدة من الأسئلة وإشارات الاستفهام في الأذهان، ونتيجة لكل هذه الأسباب فإنني أعتبر الرد على المفترين الذين يتفوهون ضدنا بمجموعات من الكلمات الطائشة غير المسؤولة عبثًا، وأُفَضِّلُ شخصيًّا التغاضي عنها كلّها.

جنون القوة الغاشمة

ومع هذا فإنَّه يجبُ -شريطة الحفاظ على أسلوبنا- الردُّ على الافتراءات وتوضيحُ الأمر والتصريحُ بالحقيقة إنْ كانت تلك الافتراءات المزعومة المطَّردة تتسبب في تشويش أذهان جموع واسعة من الناس، وتؤدي مع مرور الوقت إلى ميل أهل الفطرة والعقل السليم إلى مثل هذه النوعية من المزاعم الزائفة نتيجة كثرتها وتكرُّرِها باستمرارٍ، وانطلاقًا من هذا المنظور أَوَدُّ -إذا سمحتم- أن أتطرَّقَ باختصار إلى بضعة أمور مع خطوطِها الرئيسة:

لقد مُورِسَ حتى اليوم عديدٌ من الهجمات والاعتداءات على مجموعات شكّلها أناسٌ يرغبون في تحقيقِ مصالحِ أمَّتهم، ويكِدُّون من أجل ذلك؛ فلا يُقذفُ بالأحجار إلا الشجرة المثمرة، ولا سيما أنَّ من يتصرفون وفقًا للمنفعة السياسية والمصلحة الشخصية بذلوا ما في وسعهم من جهد وسعيٍ كي يُخضعوا لهم مَن عجزوا عن توجيهه كما يريدون، فلما سيطرت على قدر الأمة قوةٌ غاشمةٌ يتعذر تصويبها وتعديلها بالقانون والعدل كان المقياس الوحيد هو تلك الفكرة الكافرة: “ما دُمتُ قويًّا فمن حقي أن أفعل ما أريد، ولا قِبَلَ لأحدٍ أنْ يعترض عليَّ”.

ومن ثم فإنَّه يجب فهم وإدراك الفكرة الأساسية التي تؤدي إلى كلِّ هذه الحوادث بكلِّ خلفياتها فهمًا جيدًا، فقد يفكر القطاع المعتمِد على القوة الغاشمة هكذا: “ما دُمتُ قويًّا، فعليَّ أنْ أفعل ما يحلو لي، وعلى الناس ألا يعتبروا هذا ظلمًا وجورًا، بل إنني أستطيع قطع الرؤوس إذا لزم الأمر، ولتكن تلك الرؤوس فداءً للنظام الذي أرغب في إقامته وفقًا لعالمي الفكري الخاص”، بل إنَّ البعض صرح بهذا النوع من الأفكار الرامية إلى إبادة من ليسوا في صفّه، ويمكنكم أن تصِموا ما ينتهجه أمثال هؤلاء: بـ”الاصطفاء الإداري أو الإرادي”؛ كما تقول به الداروينيةُ: “الاصطفاء الطبيعي”.

والواقع أنّ الصراعَ بين الإيمان والكفر، وبين الإيمان والنفاق الذي ما زال مستمرًّا منذ القديم يكمن في أساس كل هذه الأمور، وثمة تنافس وصراع دائم بين المنهج النبوي ووساوس الشيطان، وبين سبيل الله تعالى وسبيل الشيطان؛ فقد أَظهر أذنابُ الشيطان عداواتهم في قوالب وأشكال مختلفة ضد من يسيرون على منهج نبويٍّ دائمًا، ولكن البعض استهدف الدين والمتدينين مباشرة أثناء تنفيذهم صراع “فاوست-مفستو” Faust-Mefisto 1 هذا، وكان البعض الآخر منهم قد فعل نفسَ الشيء متنكرًا في مظهر المتدينين. أجل، مهما كان منهج وسبيل كل من هذين القطاعين مختلفًا عن الآخر فإن صراعهم والأهداف التي يريدون الوصول إليها بهذا الصراع واحدة.

حتى وإنْ أنشأتم سُلَّمًا إلى الجنة…

في يومنا هذا ثمة خدمات مهمة للغاية تُقدَّمُ على أيدي الأرواح المتفانية التي انطلقت إلى كل ربوع العالم بإذن الله وعنايته، والبذور التي زرعها هؤلاء سوف تنبُتُ وتنمو بعد عشر أو عشرين سنة بإذن الله تعالى كما تنبت البذور المبذورة في الأرض. أجل، تتشكَّلُ اليوم جُزَيْراتٌ من الطمأنينة والسكينة يسودُها الحب والسلام، يعيش فيها أولئك المتفاهمون مع بعضهم البعض بفضل عناية الله ولطفه.

وقد أزعجت كل هذه التطورات وتزعج وستظل تزعج أولئك الذين يعانون مشكلة في قبول الآخرين، ويؤيِّدون العراك والصراعَ وهم مرضى بالحسدِ والحقدِ والبغضِ؛ إذ سخَّروا كلَّ إمكانياتهم ليس في سبيل الخير، وإنما لِكَيدِ مَنْ اتحدوا فيما بينهم لأجل ولادة سِلْم عالميّ، ولكي يُثنوهم عن طريقهم الذي يسيرون فيه، كما أنهم سيسعون إلى كسر قوّتهم المعنوية بتلك الحرب النفسية التي ينفذونها، ويحاولون إفسادَ معنوياتهم، وسوف يتحركون ومنهجهم في ذلك: “ارْمهِ بالوحل، إن لم يلتصِق به فعلى الأقلِّ سيُلطِّخُهُ”، وسيختلقون افتراءات كثيرةً يستحيل أن يقبل بها العقل السليم، فيُعكرون آراء الناس من العامة، ويسعون إلى تشتيت أذهانهم.

ولأن نيات هؤلاء القوم وأفكارهم فاسدة فلن تستطيعوا إرضاءهم مهما فعلتم، ولا منع حملات التشويه التي يشنُّونها؛ وبالتالي فإنهم سيحاولون أيضًا إثارة الشكوك في الأذهان بحقِّ أخلص فعالياتكم وأكثرها عقلانيّة ونفعًا، حتى إنكم إن أقمتم سُلَّمًا يرقى به الناس إلى قلب الجنة، فكنتم بفعلكم هذا وسيلة لأن يدخلها البعض؛ فإنهم في ظل منهجهم الجدلي والدهماوي سيبحثون فيكم عن شيء ينتقدونه، فيقولون مثلًا: “لماذا تَشُقُّونَ على الناس الذين سيدخلون الجنة بأن تقيموا سُلَّمًا، ماذا لو أنكم اتخذتم مِنَصَّة هنا، فأركبتم الناس على صاروخ، واستطعتم إرسالهم إلى الجنة بشكل أكثر راحة!”.

ذليلٌ عند ضعفه، ظالمٌ عند قوَّتِهِ

إن مثل هؤلاء الذين يسعون كي يظهروا بمظهرِ الحيادِ والديمقراطية حين لا تكون الظروفُ والأحوالُ مواتيةً ومناسبةً لهم؛ ما إن امتلَكُوا القوَّةَ حتى فَعَلُوا ما في مقدورهم كي يحطِّمُوا ويُدَمِّرُوا من يرونهم مخالفين لهم، غير أنه يجب ألّا ننسى أنَّ من تعرضوا بالأذى للسائرين في سبيل الله حتى اليوم وقالوا عنهم: “يجب تدمير فلان وفلان” جُعِلَ كيدهم في نحورِهم، فدمَّروا أنفسَهم بأنفُسِهم، وكما حفِظَ الله في كل عهدٍ مَن سار في سبيله فسيحفظُ أيضًا كلَّ مَنْ يسير على الطريق المستقيم، ويسعى لإحياء القيم المعنوية، ويتحرك من أجل إعلام الدنيا كلها بالقيم المُنسابة من جذوره المعنوية والروحية، بينما سيعاقب الله ويُجازي حقًّا كلَّ من يتعرّض له بالأذى.

إذًا أيًّا كان ما يفعله الآخرون؛ فإنَّه ينبغي لمَنْ آمنوا بالله حق الإيمان ألا يتنازلوا عن شخصياتهم وسماتهم، وإنني شخصيًا لأدعو الله تعالى قائلًا: “ربَّاه! امنحني فرصة الإحسان إلى من يؤذونني، ومساعدتهم حين ألتقي بهم، فإن سألوني عن سبب هذا أقول لهم: “كُلٌّ يعمل على شاكلته، وشخصيتي أنا تُحَتِّمُ عليَّ أن أعمل هكذا على شاكلتي”، أقول هذا، وأرجو أن أمتلك القدرة على التضحية والفدائية من أجل رضا الله تعالى كي نؤسِّسَ روح الوحدة والاتحاد رغمَ الكمِّ الهائلِ الذي نراهُ من ظلمٍ وجورٍ وغدر وإهانةٍ.

 

[1]فاوست ومفستو: بطلا المسرحيةِ المشهورة المسماة “فاوست” للشاعر الألماني الكبير “جوته”، يمثِّل فاوست شابًّا وقع في شباك الشيطان الذي يمثله في المسرحية نفسها “مفستو”، وصراع “فاوست-مفستو” يعني الصراع القديم المستمر بين نوع بني آدم والشيطان.

أهل العلم ورجال الحركة والعمل

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ما هي الرسائل التي تبعث بها إلى المؤمنين في عصرنا هذه الآيةُ الكريمةُ ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (سُورَةُ التَّوْبِةِ: 122/9)؟

الجواب: أوّلُ شيءٍ بيَّنه الله تعالى بعبارة ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ الواردة في هذه الآية الكريمة هو أنَّ خروجَ المؤمنين للحرب وهروعَهم إلى جبهة القتال واشتراكَهم على بكرةِ أبيهم في المعركة في آنٍ واحدٍ أمرٌ غير صحيحٍ، ثم ذكر بقوله تعالى ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ ضرورةَ تَخَلُّف مجموعة منهم كي تتفقَّهَ في الدين وتصلَ إلى روحه ومغزاه، ثم ختم الآية الكريمة بقوله سبحانه: ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾، فبَيَّنَ حتميةَ أن يُحذِّرَ أهلُ العلم هؤلاء أقوامَهم العائدين من مختلفِ جبهات الحرب من سوء عاقبة الطريق المعوجّ، وأنْ يُربُّوهم دينيًّا ويُعَلِّموهم ما ينبغي لهم معرفته؛ وذلك لأن المجاهدين الراكضين من جبهة إلى أخرى الذينَ يقِفون للأعداءِ بالمرصاد ربما يعجزون عن سدِّ حاجتهم في ذلك الموضوع بشكل تام، ويفتقرون إلى العلم بأمورِ دينهم لانشغالهم بأداء وظيفة مهمة للغاية كهذه.

المستوى العلمي والنجاح

كان المؤمنون يتعرَّضون في بداية انتشارِ الإسلام لهجماتٍ واعتداءاتٍ من قِبل أعداء الدين؛ وذلك لأنهم كانوا يُبَلِّغون الحقَّ والحقيقة، ويمثِّلون العدلَ ويُعَبِّرون عنه؛ فلم يكن بوسعهم وهم في مثل هذا الوضع أن يدعوا الأعداء: أن “هلمّوا إلى المسجد، فنجلس ونتحدث!”، ولو افترضنا أنهم دعوهم إليه لكان من المحتمل أن يأتيهم هؤلاء الأعداء الحاقدون المخربون فيدمروا المسجد على رؤوسهم، وحتى لا يعطي المؤمنون فرصة لحدوث مثل هذا الدمار، أي كي يحموا أعراضهم وشرفهم وشعائرهم الدينية ووطنهم ورايتهم ويصونوها فقد واجهوا العدو الذي بدأهم بالعدوان وذادوا عن أنفسهم.

وثمة مشكلات مشابهة وقعت في عصر الخلفاء الراشدين أيضًا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، اضطَرَّت المسلمين إلى مواجهة العدو ومقاومتِهِ على جبهاتٍ عِدَّة؛ فمثلًا دارَ كفاحٌ ونضالٌ في ثماني جبهات من أجل القضاء على أحداث الردة التي وقعت في عهد سيدنا أبي بكر رضي الله عنه، وإلى جانب ذلك كانت الإمبراطوريّتان الفارسيّة والرومانيّة -اللتان كانتا تمثِّلان القوى العظمى في ذلك الوقت- تتحيَّنان الفرصة للإغارة على المسلمين؛ وتعترِضان طريقَ المسلمين بالعراقيلِ كلما أُتيحَ لهم ذلك، وتختلِقان المشاكل لهم هنا وهناك؛ ممّا اضطرَّ المسلمين إلى خوض معارك دفاعية في أماكن مختلفة من العالم.

ولو أن الجميع شارك في الحرب في مثل هذا الوضع لحدثَتْ فجوةٌ خطيرة في مجال التعليم، ولذا فقد أمر الحقُّ تعالى في الآية الكريمة الواردة أعلاه بأنْ تبقى مجموعة تنشغل بالعلم ولا تنفر إلى الحرب؛ فتملأُ هذا الفراغ لدى العائدين من الحروب، وأشار تعالى بهذه الطريقة إلى ضرورة أن يحافظ المسلمون على مستواهم العلمي دومًا، وأن يَصِلُوا إلى الأفق اللازم بلوغه وفقًا لظروف العصر الذي يعيشون فيه؛ فالحقيقة أنَّ التصدِّي لاعتداءات تُشَنُّ من مختلف الجبهات والنجاحَ في ردّها يستحيل أن يتحقَّقَ ما لم يتسنَّ إدراك مثل هذا الأفق والمستوى.

سفراء الثقافة والمعرفة

إنَّنا في ظلِّ ظروفِ عصرنا الذي تبوَّأَتْ فيه الصدارةَ قوَّةُ العلمِ والبيانِ لا نستيطع الحفاظَ على هويتنا ووجودنا إلا بقوَّةِ العلم والقلم والبيان؛ إذ الغلبة على المدنيِّين في يومنا هذا إنما هي بالإقناع لا بالإكراه، ولذلك فإنَّه يجبُ على الأرواح التي نذرت نفسها لخدمة البشرية والتي تمثل سفراء الثقافة والمعرفة أن تحمل قيمها الخاصة إلى مختلفِ المناطق الجغرافية في العالم بواسطة العلم والعرفان والمحبة والتسامح والسلام، لا بواسطة السيف والدبابة والمدفع والبندقية والسلاح والقوة الغاشمة؛ لأن منهج المحبة والسلام يفتح السبيل إلى القلوب، أما منهج القوة الغاشمة فيتسبب في إثارة وتحريك مشاعر الحقد والبغض، ولأجل هذا فإنه يجب ألا يُلجأ إلى استخدام القوة المادية من أجل حل المشكلات ما لم تكن ثمة ضرورة لذلك؛ إذ إنَّ اللجوء إلى استخدام القوة المادية مقتصرٌ على الدفاع عن النفس أو دفعِ خطر محقَّقِ الوقوع فحسب.

وعليه فإنَّ أهمَّ ما يجبُ القيامُ به اليوم لِصالحِ ديننا والإنسانية إنما هو أن ننفتح على ربوع العالم، وننقل إليها قيمنا الثقافية والمعرفية، ونأخذ منها ما يتوافق مع قيمنا ومبادئنا الأساسية. أجل، إن ذوي الأرواح المنذورة في سبيل الحقِّ بمثابةِ سفراء فخريِّين يُمثِّلون قِيَمَنا الثقافيّة عبر تواصلهم مع الناس في مختلف الأماكن التي يذهبون إليها، فيأخذون ما يُستحسَنُ أخذُهُ من الجماليات هناك؛ ويُقَدِّمُونها إلى أهليهم وبني جِلْدَتِهم لِيَسْتَفِيدوا منها، غير أنهم ربما لا يستطيعون أثناء قيامهم بهذا الواجب المهمِّ أن يتغذَّوا علميًّا ومعنويًّا بالقدر اللازم؛ نظرًا لظروفِ انشغالهم بما يُركِّزُ على الحركة والعمل بشكل أكبر، وإذا كان الأمر كذلك فلا بدَّ من تنشئة أفرادٍ يَعُونَ ويفهمون جيدًا مصادرنا الأساسية ويفقهون قِيَمَنا المنبثقة من جذورنا المعنويّة، وبذلك يُسهمون في توفير الغذاء العلمي والروحي اللازم لمن لا ينفكون عن السعي والبذل في ساحة الحركة والعمل، وينبغي لمن يتحملون المسؤولية بغية التعمُّقِ في العلمِ والفقهِ أن يفيضوا دائمًا كَمَنْهَلٍ عذبٍ مورودٍ؛ فيُغذُّوا بذلك الأرواح الفدائيّة الكادحة في تلك الساحة؛ فتنهل هي الأخرى من ذلك المصدر بقدر ما يتسنَّى لها، وتُكمِل تَزوُّدَها وتجهُّزها بالعلم، وعليها أن تتمكَّن بهذه الطريقة من تجديد نفسِها باستمرار.

فقهاءُ مطّلعون على العلوم المادية والمعنوية

يشير الله تعالى بقوله ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ إلى ضرورة أنْ يبدأَ هؤلاء الذين سيتخلفون عن الحرب في سبيل الله بتَعَلُّمِ المسائلِ والأمورِ المتعلِّقة بالإيمان والإسلام وبالإحسان الذي يعني غرسَ الإيمان والإسلام في الطبيعة الإنسانية، ومع هذا كله فإنَّ تطبيقَ هذه القيم بطريقة سليمة، وقبولَ أيِّ مجتمع لها دون عناءٍ، واهتمامَ الناس من مختلف الأوساط الثقافية في العالم بها، وميلَهم إليها، وتقديرَهم إياها مرتبطٌ باستقراء الأوامر التكوينية إلى جانب العلوم الشرعية استقراءً صحيحًا؛ ولذا فإنه من الأهمية البالغة بمكان أن يتم إلى جانب تحصيل العلوم الدينية تعلُّمُ العلوم الطبيعية التي تعتبر منبع العلوم الحضارية ومختبرها؛ بل ومحورَ البحثِ في الوقت نفسه تعلُّمًا جيِّدًا، وإجراءُ الأبحاث حول ذلك، ومشاهدةُ الوجود المعروض في معرض الطبيعة.

ينبغي ألا تهمَلَ العلومُ الطبيعيةُ بينما تُدْرَسُ العلوم الدينية، إن همَّة الطالب لا يمكن أن تقوى وتتعضَّد إلّا باجتماعهما؛ ذلك لأنَّ استبعادَ أحَدِهِما بمثابةِ قصِّ أجنحةِ الآخر وتقطيعِ ذراعيه. أجل، يجب ألا يُضحَّى بالعلوم الدينية التي هي نور القلب، وألّا تُهمَلَ العلوم الطبيعية التي هي ضياء العقل والمنطق والمحاكمة العقلية.

علاوة على ذلك تؤكد تلك الآيةُ الكريمة أهمِّيَّةَ عشقِ العلم والبحث للمؤمنين، ومن ثم فعلى الإنسان أن يبذلَ جهدًا حقيقيًّا في سبيل تحصيل العلوم الدينيّة والعلوم الطبيعية على حدٍّ سواء، وأنْ يظل طالبًا وفيًّا لذلك حتى آخر لحظة في حياته، لأن الطالب هو من يسعى في إثر الشيء ويطلبه، وإذا ما استفاد الإنسان من نتائج أبحاثه، واستغل العلم الذي يطلبه -دينيًّا كان أو طبيعيًّا- في سبيل معرفة الله وإقامة توازنٍ كاملٍ فإنه يحظى بِوارداتِ طلبِ العلم؛ وما هي هذه الواردات؟! إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ[1].

وما دام طلبُ العلم وما سيحققه العالِمُ من فوائد للمجتمع مهمٌّ إلى هذا الحد فإنَّ المجتمع مطَالبٌ بأن يبذل ما في وسعه لاحتضان طلبة العلم والعناية بهم؛ لأنه صعب للغاية أن ينشغل من نذر نفسه للعلم بأمرٍ آخر غيره، وبناء عليه فقد قال بعض الفقهاء بجواز إعطاء الزكاة والصدقة للمتفرغ لطلب العلم حتى وإن كان ملبسُه من حرير وعتبةُ بابه من ذهب؛ لأن حياة أية أمة مرهونةٌ بتحصيلٍ علميٍّ كهذا، وإنها لتنهار وتتفرَّقُ ما لم يحدث هذا أو ما لم يتم القيام به، ولا سيما أنَّ ثمة تصدعات وشقوقًا حدثت في القرن الخامس الهجري بسبب التوقف الذي طرأ في هذا المجال، وتزامنًا مع التأخر الذي وقع في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين حدث انكسار وتحلل تامّان، ولم نستطع حتّى اليوم أن نَنْصبَ أظهرَنا وننهضَ من جديد.

الاستغناء ودفع الثمن

يجب على طلاب العلم أمام موقفهم هذا أنْ يفعلوا كلَّ ما بوسعهم في سبيل العلم والمعرفة، وألا يُضيِّعوا ولو ثانيةً واحدة من أوقاتهم، وأن يكثفوا هِمَمَهُم ويشحذوا همَّتَهم لهذا الأمر عبر تنظيمهم أوقاتَ عملهم بشكل جادٍ للغاية، وتوزيعِ العمل والتعاونِ فيما بينهم، وعليهم أن يستخدموا كلَّ طاقاتهم كي يَجْدُرُوا باهتمام الأمة وعنايتها بهم، فلا يأخذَنَّ النومُ من يومهم أكثرَ من أربع ساعات، ثمَّ ليخصصوا العشرين ساعة الباقية من اليوم للعملِ والتحصيلِ، فمن يدري! فربما لو تحرَّكوا على هذا المنوال لَـمَنَّ الله تعالى عليهم في سنتين فحسب بما يستغرِقُ تحصيلُه عشرَ سنواتٍ عادة.

وبالمناسبة ثمة شعور يعتمل بداخلي لا أخفيكموه؛ ألا وهو أنني آخذُ على خاطري ممن يذهبون إلى الخارج لدراسة الدكتوراه ولا يستطيعون إنجازها في عشر سنوات؛ إذ أشعر بانكسار في قلبي تجاههم، ولا شك أنَّ الله تعالى سيسأل ويحاسب الإنسان عن إضاعة هذا القدر من الوقت بينما تحتاج بلادنا وأمتنا كثيرًا من الأشخاص المثقفين المتعلمين، إنَّ الزمن أكبر رأسمال بالنسبة للإنسان، فإن سلك إنسانٌ سبيلًا كهذا وجب عليه أن يحرصَ على الوقت ويعض عليه بالنواجذ، وأن يقدح ذهنَهُ ويشحذَه، ويستفيد من كل ما يمكنه الاستفادة منه، وينهلَ من كل المصادر التي يمكن أن ينهل ويستفيد منها، وعليه بدلًا من إطالة الفترة؛ أن ينهي رسالته للدكتوراه قبل الموعد المقدر لها إن كان قادرًا على ذلك.

وثمة شيء أخير أريد أن أذكره هنا متعلقٌ بأهل العلم، ألا وهو: أن الاستغناء مبدأٌ مهمٌّ وأساسيٌّ للغاية بالنسبة للعلم ولِعِزَّةِ أهله، وهو من الأصول والمبادئ التي يعتمد عليها منهجُ النبوة؛ إذ يذكر القرآن الكريم في كثيرٍ من آياته أن الأنبياء الكرام لا يسألون الناس أجرًا على تبليغهم رسالات ربهم، ومن ذلك مثلًا قوله تعالى: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: 127/26)، ومن هذه الزاوية فإنه ينبغي لأهل العلم ألا يضعوا أنفسهم في موضعٍ يضطرُّون معه إلى دفعِ ثمن ومقابلٍ لأيٍّ كانَ؛ ليجتنبوا ذلك في جميعِ مراحِلِ حياتِهم؛ سواء في مرحلة التعلُّمِ أو التعليمِ أو التعمُّق.

فلو أنَّ إنسانًا تجرَّد من شعور الاستغناء وعلَّقَ مجموعة من الأعمال التي يضطلع بها على مجموعة من التشوفات كأن يصبح مديرًا أو مديرًا عامًا أو نائبًا برلمانيًّا أو وزيرًا أو رئيس وزراء فإن مثله لن يستطيع أن يستفيق أو يُخلِّصَ نفسه من دفعِ تكاليفِ وأثمانِ ما تحصَّلَ عليه -نسأل الله السلامة-، ومما يؤسَفُ له أن المقابلَ والثمنَ الذي سيدفعُهُ سيُكَلِّفُ الكثيرَ ليس له هو فحسب، بل وللأمة التي ينتمي إليها، ومن هنا فإنَّه ينبغي لطلَّاب العلم أن يُنَظِّمُوا حياتهم وفقًا لمبدإ الاستغناء ويؤسِّسوها عليه، وأن يستخدموا -إذا ما لزم الأمر- إمكانيات آبائهم إذا ما توفر لهم ذلك، وعليهم أن يتدبَّروا أمورَهم بالحلال الخالصِ من كدِّ يمينِهم وعَرَقِ جبينهم ولو كان قليلًا، وأن يعيشوا على الكفاف، حتى لا يضطروا أبدًا إلى دفع ثمنٍ ومقابلٍ لأيِّ أحد.

 

[1] صحيح مسلم، الذكر، 38.

الأمور الواجبات في مواجهة المزاعم والافتراءات

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: أخبر القرآن الكريم أنَّ فرعون ومَلَأَه قالوا في حق موسى عليه السلام: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ (سُورَةُ الأَعْرَافِ: 109/7-110؛ وسُورَةُ الشُّعَرَاءِ: 34/26-35)، وأرادوا بذلكَ تضليلَ الناس واتّهامَ رمزِ الأمنِ والأمان سيدنا موسى عليه السلام بأنّه صاحبُ أجَندة سرّيّة ويُمَثِّلُ خطورة على حكمهم؛ وفي يومنا هذا أيضًا تَختَلِق بعضُ بُؤَرِ الشر افتراءات وأكاذيب باستمرار؛ تمامًا كما فعلَ فرعونُ وملَؤُه؛ حتى تُكوِّن شبهاتٍ مماثلة حول ما يضطلعُ به المؤمنون حاليًّا من أعمال خيريةٍ، فماذا يجب على المؤمنين فعله في مواجهة هذا الموقف؟

الجواب: على المؤمنين بحسب قيمهم الأساسية ألا يُغيِّرُوا تصرُّفاتهم وفقًا للظُّروف والأحوال التي تطرأ، وأنْ يعلموا جيِّدًا أنَّ شرفهم يتمثَّل في أسلوبهم أثناء مواجهة أكثر الاعتداءات غدرًا وجورًا، وينبغي لهم أن يثبتوا على الطريق المستقيم دائمًا كما هو شأنهم في غير أوقات المحن والأزمات، لدرجة تكفلُ لِمَنْ يبغي استقراءهم وفهمَهم ألَّا يَجِدَ أبدًا أيَّ تناقضٍ يُشكِّل نوعًا من الريب والشك في الأذهان، وإلا فلا يوثق فيهم، وبالتالي يستحيل عليهم أن يحقِّقُوا تقدُّمًا في إبلاغ الآخرين إلهاماتِ أرواحهم.

العواصفُ الشديدة وأشجارُ الدُّلْبِ الصامدة

أجل، ينبغي للمؤمن في مواجهة ما يتعرَّضُ له من حوادث ألا يكون كأوراق الشجر التي تذروها الرياح، بل يجب عليه أن يتمثل موقفًا ثابتًا دائمًا لا يتزعزع، مثله في ذلك مثل الأشجار الضاربة جذورها في أعماق الأرض، وكما يُحدِّثُنا علماءُ النبات فإنَّ هناك أشجارًا في بعض البلاد سرعان ما تنقلع بسبب ضعفِ جذورِها إذا ما هبَّتْ ريحٌ عاتيةٌ أو نزلَ الثلجُ بكثافةٍ أكثر، حتى إن لِينَ التربة قد يكون سببًا كافيًا لتهاوي هذه الأشجارِ وتحطُّمها دون حاجة لأيِّ سببٍ خارجيٍّ، أما في بعض البلاد فهناك أشجارٌ تضرب بجذورها -ربما كي تعثرَ على الماء- بضعةَ أمتار في أعماق الأرض، وبهذه الطريقة فإنّها تصمدُ وتكون أكثر ثباتًا ومقاومةً رغم العواصف الشديدة، وهكذا ينبغي للإنسان المؤمن أن يكون.

أما مَنْ يُغيِّرون مواقفهم باستمرار بحسب طبيعة الظروف التي يتعرَّضون لها: سواء أكانت لهم أم عليهم، ويُجسِّدون مواقف نفعيّة تدورُ مع المصالحِ حيثما دارت؛ فإنّهم يفقدون أمانتهم عند الناس بعد فترة ما فلا يثقون فيهم، فلا بدَّ من الصمود والثبات على الموقف والمحافظةِ على المنهج الصحيح لِكسب ثقة الناس، ينبغي ذلك؛ لدرجة أن من جَسَّ نبضكم وسمع دقَّاتِ قلوبكم قبلَ عشرين سنة يجد نفسَ النبضات والدقّات حين يُعيد اليومَ جسَّ نبضِكم وسماعَ دقّات قلوبكم لا تتغيَّر رغمَ ما تتعرضون له من شتى صنوف الابتلاءات والأزمات والضغوط والنوازل والمحن.

أوليست لدينا أية مشاعر من الانفعال والتأثُّرِ؟ لا ريب أنَّ مثل هذه المشاعر والأحاسيس قد تَعصِفُ بداخلنا بين الحين والآخر باعتبارنا بشرًا، غير أنه يجب علينا أن نسيطر عليها ونستخدِمَها ضمنَ الدائرة المشروعة دائمًا؛ فقد منح اللهُ تعالى الإنسانَ الإرادةَ والقدرةَ على ذلك.

سرُّ حسن القبول الملحوظ في مختلف المناطق الجغرافية

هنا أحاول أن أوضِّحَ ما قلتُهُ بمثالٍ مشخّصٍ فأقول: تعلمون أنَّه ما إنْ تخَرَّجَ شبابٌ في عنفوان شبابهم من الجامعات في التسعينات حتى انفتَحوا على ربوعٍ مختلِفَةٍ من العالم، وهنا أستطردُ قليلًا فأقول: ليس صحيحًا تزكيةُ الناس مطلقًا؛ لأن الله جل جلاله قد يضرب وجوهنا في الآخرة بما نتفوَّهُ به من كلماتِ ثناءٍ ومدحٍ بحقِّ أيِّ شخصٍ ما لم يكن في وضعٍ وقوامٍ يستحقُّ عليه الثناء حقًّا، ولهذا السبب فإنه لا بدَّ من الحفاظ على التوازن دائمًا حين نُحسن الظنَّ بأحدٍ، وكما أنَّ تجاهلَ هذه النوعية من التضحيات المتحقِّقة نُكرانُ قدرٍ بَيِّنٌ وعجرفةٌ؛ فإنَّ تلمُّسَ بعض النيات السلبية وراء تلك التضحيات اختلالُ توازنٍ آخر وسوءُ ظنٍّ صُراح.

وبالعودة إلى موضوعنا الأصلي نقول إنَّ الأرواح التي نذرت نفسها قد انفتحت منذ أكثر من عشرين سنة ولا تزال تُواصِلُ الانفتاح على مناطق جغرافية مختلفة في العالم من أجل إبلاغ الآخرين بإلهامات قلوبها، وبالرغم من وقوع مجموعة من المشكلات في بعضِ البلاد فإنَّ عدد الدول التي ذهبوا إليها يربو اليوم عن مائة وسبعين دولة، ولهذا يجب ألا نستكثر المشكلات التي تحدث في بضع بلاد، وإنني على قناعة بأنَّ مَنْ انفتحوا على أنحاء مختلفة من العالم بدفعِ الله إياهم يحظَون بحسن القبول والترحاب هنالك بسبب نهجهم مواقف وتصرفاتٍ ثابتة على الطريق المستقيم. أجل، إن من تجسَّسوا نبضهم باستمرار أدركوا أنهم لم يتغيروا، وقالوا: “إننا نرى ونسمع هؤلاء الناس منذ سنوات، ولم نر في أجنداتهم شيئًا سوى خدمة البشر، إنهم يتنفَّسُون القيم الإنسانية فحسب”.

قلنا مائة وسبعون دولة، هذا يعني مائة وسبعين بيئة ثقافيّة مختلفة، ومن ذهبوا إلى تلك الأماكن من الأرواح التي نذرت أنفسَها للحق لم يتمكَّنوا من الحصول على أية محاضرات ولا معلومات كافية عن خصائص وسمات تلك البيئات الثقافية قبل أن يذهبوا إليها، غير أنهم كانوا يمتلكون ضميرًا واسعًا واعيًا بحيث يحتوي الإنسانيّة جمعاء، أي إنهم كانوا يسيرون في إثر حسٍّ واسعٍ امتلكه أمثال كلٍّ من يونس أمره ومولانا جلال الدين الرومي وأحمد اليَسَوي والأستاذ بديع الزمان، فماذا كان ذلك الحسُّ والشعور؟ لقد كان شعور إيصال الإنسانية جمعاء إلى شاطئ السلامة، فبهذا الشعور والارتباطِ الدائم بالقيمِ الإنسانيّة؛ لاقوا حسن القبول والترحاب حيث ذهبوا، وتربعوا في قلوب مخاطبيهم بإذن الله تعالى وفضله.                                                        

الانفتاح المؤثر في الأنفس مرهونٌ بالثبات الدائم

تُعْرَضُ على الشاشات اليوم عبرَ عديدٍ من الأفلام الوثائقية والبرامج التجاربُ والخبراتُ المكتسَبَة في مسيرةِ الانفتاح هذه، وتُسْرَد حكاياتُ أولئك المهاجرين في سبيل خدمة القيم الإنسانية وقصصُهم، غير أنه لا يستطيع أيٌّ من تلك البرامج والأفلام أن يعكسَ بالضبطِ ما وقعَ من أحداث وخِيضَ من تجارب، وما عِيشَ في ذلك الوقت من مشاعر وأفكار بكل رَحَابَتِها وعُمْقِها؛ لأن من نذروا أنفسَهم سلكوا طريقَهم بِصِدْقٍ وإخلاصٍ وعدم تشوف لأيِّ أجرٍ، حتى إنهم ظلّوا حيث ذهبوا شهورًا أحيانًا دون أن يحصلوا على ما يتقوَّتون به من مالٍ؛ ولقد حدثَ ذلك عندما لم تكن تسمحُ ظروفُ من يدعمونهم من المتطوِّعين في تركيا؛ فكانوا يدبرون أمورهم بقدرٍ قليلٍ من المال يُقيمُ أوَدَهم بالكادِ، وعملوا أحيانًا في بلاد الغربة كأُجَراء، وبهذا تدبَّروا أمرَهم، ومن ثم رأى مخاطبوهم تصرُّفاتِهم الصادقةَ تلك فصدقوهم من صميم قلوبهم، وإنني لأسأل الله تعالى أن يثبتهم اليوم أيضًا على الإيمان والإخلاص والصدق والوفاء! لأن استمرارية حركة كهذه بدأت حين بدأت بصدقٍ وإخلاصٍ ووفاءٍ حقيقيٍّ مرتبطٌ بالحفاظ على ذاتِ الموقِفِ صامدًا شامخًا؛ فأحيانًا ما يؤدِّي التناغمُ والاتّساقُ الرتيبُ في نظامٍ إلى نوع من العمى -لا قدر الله-، وإن النجاح والتوفيق المتحقق أحيانًا ما يدفع الإنسان إلى الغرور، أو يتسبب في أن يُسلم نفسه إلى الراحة والكسل، وأحيانًا أخرى يُرجع الإنسانُ محاسن الأمور التي تحققت نتيجة لتصرفاته وسلوكياته الشخصية -بالنظر إلى الأسباب الظاهرية- إلى استعداداته ومَلَكَاته الشخصية وإلى فطنته الرفيعة وأفكارِه الحكيمة، في حين أنَّ كلًّا من هذه الأشياء مثله كمثل فيروسٍ قاتلٍ يتسلّلُ إلى الجِسمِ ، وبوسعها جميعًا أن تهدمَ البنية الأساسية ما لم تُتَّخَذْ التدابير اللازمة.

ولهذا فالجِدَّ الجِدَّ في الحفاظ على الكيفية والمنهج، إلى جانبِ التضرُّعِ إلى الله تعالى بأن نقول: “اللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ”، ونلزم الدعاء طلبًا لذلك فنقول: “اللَّهُمَّ يَا مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ ثبِّتْ قُلُوبَنَا علَى طَاعَتِكَ”، ونلح في طلب ذلك حتى لا نَنْزلق ولا ننخدع ولا ننخرط في السبل الخاطئة الضالة.

ولقد خُتم مقام النبوة بنبوَّة الرسول الأكرم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وليس لأحد نبوة ولا رسالة من بعده أبدًا، غير أن للإنسان –بل عليه- أن يسير على هديه وفي طريقه صلى الله عليه وسلم وعلى منهجه النبوي، وبصدق وعصمة وعفة وحكمة وفطنة عالية، وأن يتعقب أفق النبوة والرسالة شبرًا بشبر، فمن المرجو أن يتسنى بفضل منهجٍ وسبيلٍ يتخذ على هذا النحو سدُّ الطريقِ أمام طرح الآخرين مجموعة من التحليلات والتفسيرات الخاطئة بشأننا.

التشوُّفُ رِقٌّ

يجب علينا أيضًا أن نَقْتَنِصَ كلَّ فرصةٍ للإفصاحِ عن عدمِ تشوُّفِنا لأيِّ شيء سوى رضا الله تعالى، ويجب أن نثبتَ ذلك ونؤكِّده بتصرُّفاتنا وسلوكيّاتنا، فإن عَلَّقَ من نذروا أنفسَهم لخدمة الإيمان والقرآن ما قاموا به من خدمات على تشوُّفات دنيويّة فسيضطرُّون لدفع مقابلٍ لكل شيء يحصلون عليه في سبيل تلك الخدمة، ويكونون بفعلِهم ذلك قد ضيَّقوا مجالات تحرُّكاتهم؛ لأن كلَّ تشوُّفٍ ينتقص من حرّية الإنسان.

وعليه فإنه حريٌّ بهذه الأرواح النيرة أن تنأى تمامًا عن كلِّ تشوُّفٍ من شأنه أن يُقيِّدَ حرِّيَّتَها، وأن تُصِرَّ على عدم الدخول في أيِّ نوع من الارتباطات والالتزامات، ولا ريب أن لكل إنسانٍ صوتًا في سياسة بلده في الاتِّجاه الذي يراه مناسبًا لمصلحة الدولة والأمة، وهذا لا يعني الارتباط والالتزام بحزبٍ ما دون قيدٍ أو شَرْطٍ، فعلى هذه الأرواح المباركة حين تختار اختيارًا سياسيًّا معيّنًا ألا تُسْلِم إرادَتَها أبدًا لأيَّةِ منظَّمةٍ سياسيّةٍ كانت، وألا تسمَحَ بتاتًا بالمساسِ بحرِّيَّتِها وإرادَتِها الحرَّة، فَسِرُّ حمايةِ الحرّية وصيانتِها يكمنُ في العبوديّة لله تعالى فحسب، فمن أسلمَ نفسه للعبودية لله فقد ملك حريته الحقيقية كاملة غير منقوصة، وتخلَّصَ من عبادة العبادِ بعبادَتِهِ ربَّ العِبادِ، وإلا فقد حَطَّم الإنسانُ حُرِّيّتَه وفقَدَها.

ناهيكم عن التشوُّفات الدنيوية، فأبطالُ الغايات المثالية يجب عليهم ألا يتشوَّفوا –بما يقومون به من أعمال الخير- ولو حتى إلى الجنة؛ إذ ينبغي لهم أن يطلبوا الجنةَ من فضل الله تعالى، وذلك –على حد تعبير الأستاذ بديع الزمان- لأن القيام بتكاليف العبودية ليس للحصول على نعمٍ ومكافآت آتية بل شكرًا لما حظينا به من نعم ومكافآت سابقة، فينبغي للإنسان أن ينشد الله فحسب، وأن يعدَّ كلَّ طلبٍ سواه ترجيحًا للفناء على الخلود.

ولكنه وبالرغم من تحرك هؤلاء الأخيار وفقًا لهذه المعايير فإنَّ من استولوا على إمكانيات معينة ويعيشون جنون العظمة لدرجة المرض به قد يسعون لتضييق مجالاتهم، ويُلبسون المسألة لباسًا دينيًّا بِهَمْزِ الشيطان وتسويلِهِ، ويرغبون في استغلال جميع الإمكانيات من أجل مَلْءِ خزائنهم الشخصية وجيوبهم الخاصّة فحسب، حتى إن من يبدون وكأنهم أقوياءُ الإيمان، بل ويقضون معظمَ حياتهم في التكايا والزوايا ربما يلهثُون وراء هذه النوعية من المنافع الصغيرة البسيطة. أجل، إن من يعيشون جنونَ العظمة خوفًا من فقدان ما نالوه وحصلوا عليه قد يرون حتى مجرد اجتماع الحمائم في مكانٍ ما تهديدًا لهم؛ وذلك لأنهم ركزوا تمامًا على مصالحهم ومنافعهم الشخصية؛ فيشعرون بالقلق من تجمعها وتدور بأذهانهم وساوس من قبيل: “تُرى هل يطمع هؤلاء في مناصب وأشياء معينة؟”.

الفاسدون لا يرغبون في وجود أناسٍ صالحين من حولهم!

ونتيجة لهذه الحالة الروحية فإنهم لا يرغبون في رؤية أناس أعفّاء شُرفاء مستغنين عن الدنيا وما فيها من حولهم، حتى إنهم يشعرون بالانزعاج من وجودهم، ويُفَضِّلون مَن هم من نفسِ طينتهم وعقليَّتهم حين يقومون بعمل ما أو يُكوِّنون محيطًا ما، ويرغبون بهذه الطريقة في تأمين أنفسهم، ويرون ضرورة أن يحيط بهم دائمًا من يفكرون مثلهم فحسب؛ حتى لا تنفضحَ عيوبُهم أو يعرفَ الآخرونَ مساوئَهم يومًا ما، ولأنهم يرغبون في إخفاء لصوصيّتهم وسرقاتهم وعدم كشفِها أبدًا فإنهم لا يطيقون أصلًا أن يوجدَ بينهم من يستنكرون العيبَ ويرفضونه، وقد قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: “الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ[1].

أجل، إن الأدناس لا يرغبون في أن يروا حولهم من يعيشون بعصمة وعفة، ويلتزمون الصدق والتضحية، ويحافظون دائمًا على نزاهتهم وطهرهم، لكن مع هذا كله فإنّه ينبغي للأرواح التي نذرت نفسها لخدمة الإيمان والقرآن ألا تحيد عن الطريق المستقيم حتى في مواجهة هذا النوع من الظلم والعدوان، وكما أنها متوازنة معتدلة في مشاعر كالقوة العقلية والقوة الغضبية والقوة الشهوية؛ فعليها أيضًا أن تحافظ على توازنها واعتدالها في نضالها وكفاحها عندما تتعرض لِـحَسَدِ الآخرين وطمعهم وحقدهم وبغضهم.

الحفاظ على التوازن في مواجهة فاقديهِ

إن المهارة الحقيقية هي التمكن من الحفاظ على التوازن في مواجهة من فقدوا توازنهم، فمثلًا قد يتعدَّى عليكم البعضُ حَسَدًا وحقدًا، وقد يثورون ويتهيجون عليكم خوفًا من أن يفقدوا في المستقبل بعضًا مما في أيديهم من إمكانيات وميزات، وهنا يكون من المهم جدًّا ألا يُقابَل فعلُهم بمثلِهِ، وألَّا يُسمح بأن تجول في الأذهان هذه النوعية من السلبيات، وألا تُعطى الفرصة لها أن تسري إلى الخلايا العصبية، ولا بدَّ من ردِّها كما جاءت؛ فليس المهمُّ هو احترام الناس حين يُحبُّونكم ويصفقون لكم، وإنما القدرةُ على قول: “اللهم أسعد من لا يرغبون في سعادتي، وحقِّقْ مراد حتى من لا يرغبون في تحقق ما أريدُ”، حتى بالنسبة لمن لا يتقبلونكم وينزعجون من وجودكم، وإنَّ التوازن والاتزان في عالمنا الذي يسود فيه هذا القدر من اختلال التوازن يبدو أمرًا بالغ الأهمية.

وقد نزلت الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 2/5) في العهد المكي؛ إذ لم يبق نوع من أنواع الظلم والعدوان إلا وارتُكِبَ ضدَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وفي هذه الآية أُمِرَ المؤمنونَ بالصَّبْرِ وأن تتَّسِعَ قلوبهم وضمائرُهم لكلِّ تلك الأحداث، وألا يقابلوها بالمثل، وبالتالي فإنه يجبُ ألا ينصرفَ المؤمنون عن العدل والحقِّ بسبب تصرُّفات وسلوكيات شنيعة؛ فظلمُ الآخرين وجورُهم لا يجيز لكم أبدًا أن تظلموهم، فأنتم أيها المؤمنون مطالَبون بالعَدْلِ دائمًا أبدًا.

وإن شُنّت ضدكم حملة من التشويه والافتراء، وارتكبت المظالم بشأنكم دائمًا، وأُثيرت أسوأ المزاعم والافتراءات ضدكم صباح مساء؛ فَيُمْكِنُ في مثل هذا الموقف توضيحُ الأمر أو تصحيحُه أو تكذيبُه بحسب ما هو مُثار، ويمكن كذلك استخدامُ حقِّ التعويضِ، غير أنه يجب علينا حتى ونحن نستخدِمُ هذه الحقوق أن نتمثَّلَ ما تفرضه علينا شخصيّتنا وسماتنا الخاصة، وعلى النحو الذي يليق ويجدر بنا؛ فحقًّا ﴿كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ (سُورَةُ الإِسْرَاءِ: 84/17)، وما يقع على عاتقنا نحن هو أن نتحرَّكَ دائمًا وأبدًا وفق ما تقتضيه هويّتُنا الخاصة.

[1] صحيح البخاري، الأنبياء، 2؛ صحيح مسلم، البر والصلة والآداب، 159.

الوقتُ وقتُ الهَمّ والحزن

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: إننا في عالمنا المعاصر دائمًا ما نتعرَّضُ ونواجِهُ حوادث تكوي القلوب، ومع ذلك فلا نرى أنفسنا نتأثَّر بها كما ينبغي، فما هي أسبابُ عجزِنا عن التأثُّرِ هذا؟ وكيف ينبغي لنا أن نتصرَّف حتى نكون عبادًا مؤمنين حسَّاسين؟

الجواب: ثمة دوائر مختلفة يرتبط بها الإنسان بدءًا من أقربها منه وصولًا إلى أبعدها عنه؛ بحيث يُشكِّل الفردُ النقطة المركز في تلك الدوائر، وبتعبير آخر: فإنَّ من الطبيعةِ والفطرةِ أنَّ أوَّلَ ما ينشَغِلُ به الإنسانُ نفسُهُ، وما ذُكِرَ في القرآن الكريم من التعبير عن بدءِ الإنسانِ بنفسِهِ في طلبِ المغفرةِ: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ (سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ: 41/14)، و﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (سُورَةُ نُوحٍ: 28/71) يُشِيرُ في أحدِ معانيهِ إلى هذا الموقفِ الإنسانيِّ الطبيعيِّ الفطريِّ.

ومع هذا كلِّه فإنَّه يستحيل للمؤمن الحقيقي أن لا تؤثِّر فيه الحوادث والوقائع التي تقع حولَه، بل الحقيقة أنَّ كلَّ من نالَ نصيبَهُ من الإنسانية -بما في ذلك المؤمن- يشعرُ بالقَلَقِ والانزعاجِ من الأزمات والآلام التي يعيشها الآخرون، فيتألَّـمُ مثلًا مِنْ تعرُّض الأبرياء للظُّلم والعنف، ومن تَقاتُلِ الناس وتناحرِهم فيما بينهم؛ وذلك لأن جميعَ الناس بالنظر إلى الأصل هم أغصانُ شجرةٍ واحدةٍ أو أوراقُها أو أزهارُها أو ثمارُها، يخاطبنا القرآن الكريم قائلًا: ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾، ولذلك فإنَّ كلَّ إنسان لم يفقدْ ضميرَه يهتَمُّ بآلامِ وهمومِ أخيه الإنسان باعتبارهما أبناء أبٍ واحدٍ هو آدم عليه السلام، حتى إنَّ نفسه تتلوَّى ألـمًا وقلبُهُ ينزفُ دمًا بقدرِ عمقِ حسِّ وشعورِ الشفقة عنده، أما المؤمن الحقيقي ذو مشاعر الرحمة والشفقة الواسعة فإنَّه يحسّ من أعماقه بالقلقِ والوجعِ متأثِّرًا بما يعيشه الناسُ أجمعون من مظالم وأزمات ومضايقات؛ وفي مقدِّمتهم بنو دينِهِ ووَطَنِهِ وأمّتِه الذين يتَّجهون معه إلى نفسِ القبلة، ويشاركونه ذاتَ القيم، ويعيشون معه على أرضٍ واحدة؛ فيشعرُ بأن النارَ أينما تسقط وتشتعل بسبب المظالم والأزمات إنما تسقطُ في داخله هو فتحرقه وتأكله.

“القلق كناقوسٍ يدقُّ في منتصفِ الليل”

يستحيل ألَّا ينزعج وألَّا يأرقَ من يعونَ وضعَ العالم الإسلاميِّ ويدركون الحيلَ والمؤامرات التي تحاكُ ضدَّ المسلمين في يومنا هذا بصفةٍ خاصّة وهم يواجهون كلَّ هذه الحوادث الجارية، كما يستحيل ألَّا يتلوَّوا ألمًا وقلقًا، وألَّا ينشغلوا بذلك ليلَ نهار؛ فممَّا يؤسَف له سعيُ الآخرين في الماضي والحاضرِ إلى إذكاءِ نارِ الخلافِ والفرقةِ بين شتّى المجتمعات الواقعة في الجغرافية الإسلامية، والتي تعايشت في وحدة وتعاون مرَّ العصورِ وكرَّ الدهورِ، وأقامت علاقات جيدة مع بعضها البعض دون خِلافاتٍ ولا صِدامات قط على قرون عدة، نأسَفُ عندما نرى الأغيارَ اليوم ينثرون بذور الخلاف والنزاع فيما بينها، ويلعبون بها شرَّ الألاعيب، ويُدبِّرون المؤامرات للإيقاعِ بتلكَ الطوائفِ المجتمعية بعضها في بعض.. وإنَّ مَنْ يستبيحون كل السبل والطرق ويستحلُّونها كي يتمكنوا من الحفاظ على وضعهم القوي في التوازنات الدولية يواصلون تنفيذ حيل التفريق هذه دون تباطؤ حتى يتسنى لهم الحكم والإدارة بسهولة ويسر؛ إعمالًا للمقولةِ الشهيرة “فَـرِّقْ تَسُدْ”.

وبينما يتناحَرُ المسلمون يتدخَّلُ الأغيارُ بينهم لاعبين دورَ الحَكَم والفيصَلِ فَيُسَيطِرون على مصادِرِ ثرواتهم، وكما أن هؤلاء الأغيار أثاروا العداءَ بين مختلف العناصرِ في دولةٍ عالميةٍ ضخمةٍ؛ فمزَّقوها شرَّ ممزَّقٍ وانقضُّوا على ثرواتها الطبيعية؛ فإنّهم اليوم أيضًا يلعبون نفس الألاعيب تحدوهم عينُ الرغبات والآمال. أجل، إنَّ من أشعَلوا نيران الاختلافِ والفُرقةِ بين الطوائفِ المسلمةِ في وقتٍ ما يواصلون اليوم أيضًا تنفيذَ نفس الشرور والخبائث بمكرٍ وخبثٍ أكثر من ذي قبل.

علاوة على أن مناعةَ المسلمين الذين يتناوشون مع بعضهم البعض ضَعُفت ضعفًا شديدًا فيما يتعلَّقُ بحماية القِيَمِ والمعايير الإسلامية؛ وذلك نتيجةً لنخر الدُّودِ في جسدِ الأمة، ومن ثمَّ فإنَّ طرحَ الناس المتنازعين فكرةً متوازنة ومحاكمةً عقليّة سليمةً أمرٌ في غايةِ الصعوبةِ بل يمكن القولُ باستحالتِهِ؛ لأن الكتلَ والأفراد المتصارعة فيما بينها تبتعد عن المنطقية وتنزلق في هوّة العاطفيّة، بل إن بعضًا منها يتحرَّك وفقًا لغرائزِهِ وشهواتِهِ كالبهائم كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ (سُورَةُ الأَعْرَافِ: 179/7)، وهم لا يفكِّرون ولو للحظةٍ واحدة: “لماذا كلُّ هذه النزاعات والصراعات؟ وما الذي تُكسبه للعالم الإسلامي؟ وكيف نسمح لأحدٍ أن يُسوِّد نفسَه علينا متقمِّصًا دورَ الحَكَمِ بحجة أننا نتصارع فيما بيننا؟”، فإنَّ مَنْ لم يشعُرْ بالحزن والأسى إزاءَ كلِّ هذه الحوادث ولم يستطع تحليلَها ورؤيةَ ما وراءها من خلفيّات وما لها من أبعادٍ؛ فإنَّه فَقَدَ بعضَ المشاعرِ الإنسانيّة.

“إن لم تبكِ فاستحيِ من الضَّحِكِ على الأقلّ!”

من يستطيعُ الحفاظَ حقًّا على صحوةِ ضميرِهِ يتأثَّرُ بما يراه في عوالم أخرى حتى غير عالم الإنسان كعالم الحيوان وعالم النبات بل وحتى عالم الجماد، واحتواءُ كلِّ شيء في تلك العوالم بَرْهَنَةً على رب العالمين سبحانه وتعالى؛ واهتمامُ كلِّ ذي وجدانٍ بكلِّ ما في الكون باعتباره خليفة الله في الأرض؛ وتألمُه بألم الجميع؛ كلُّ ذلك يُـمثِّلُ ضرورةً إنسانيّة.

ولقد تأثرتُ تأثُّرًا بالغًا أمام مجموعةٍ من المناظِرِ شاهدتُها قبل سنوات في أفلامٍ وثائقيّة، من بينها على سبيل المثال أنَّ بضعة أسود أحاطت بثور من فصيلة “البَيسون”؛ فقفز أحدها على ظهره، وأمسك الآخرُ بقدمهِ، بينما قَبَضَ الثالثُ على رقبتِهِ وأكلُوه، وهذا المنظرُ لا يُفارِقُ عينيَّ أبدًا، ومع أنه كان لهذا الحيوان المسكين قرنان إلا أنّه لم يكن لديه ما يستطيعُ فعلَه في مواجهة مخالب الأسودِ القويّة وأسنانها القاطعة، وحين أرقدُ في فراشي وألتفُّ بِلِحافي أنصب في خيالي أحيانًا الفخاخ والشِّباكَ لتلكَ الأسودِ التي مزَّقَتْ ذلك الثورَ فيما شاهدته من مناظر قبل ربما عشرين سنة، وأجهز سهمي، وأرميها به قائلًا: “لماذا مزقتم حيوانًا مسكينًا كهذا؟ هذا ما تستحقونه”.

فضلًا عن أنَّ عالم الحيوان فيه سلسلةٌ غذائية؛ فالحيوان الذي خلقه الله تعالى آكلًا للّحوم يواصل حياته بأكلِ غيره من الحيوانات، وكما أنَّ الحيوانات آكلةَ النباتِ تتَّجِهُ إلى تناوُلِ الأعشابِ بمجرَّدِ أن تضعَها أمهاتُها؛ فإنَّ الحيوانات آكلةَ اللحومِ تتَّجِهُ إلى البحث عن لحمٍ لها؛ لأن فطرةَ كلٍّ منهما تقتضي ذلك، كما أننا أيضًا نَسْتَلُّ السكِّين حينًا فنذبحُ باسم الله ما نريدُ أكلَ لحمِهِ من الحيوانات المحلَّلَةِ، ولكنه وبالرغم من تقبُّلِنا هذا الوضع الطبيعيّ عقليًّا إلا أننا نتأثَّرُ حِسِيًّا ونتألم لتمزيقِ بضعة حيوانات مفترِسَةٍ أحدَ الحيوانات البريئة، ونشعرُ بالضيق لذلك، ونتأذى منه، وأظنُّ أن كلَّ من يُصْغِي إلى صوتِ ضميرِهِ سَيَشْعُرُ بنفسِ المشاعِرِ في هذا الموضوعِ.

والآن فإنه يستحيلُ بالنسبةِ للإنسانِ الذي يتأذَّى من هذا النوعِ من المشاهِدِ -حتى وإن كانت متعلِّقة بالحيوان- ألَّا ينزعجَ حين يشاهد أناسًا يُقتَلُون وألَّا يتلوى ألمًا وحزنًا لهذا، ومِنْ ثَمَّ فإن عدمَ التأثُّرِ والانفعالِ تجاهَ الحرائق الموجودة سواء في بلدنا نحن أو في غيرها من البلاد الإسلامية الأخرى؛ إنما يدل على تجرُّدِ الإنسان من الإنسانيّة، أما من لم يفقد إنسانيَّتَهُ فإنه سيتأثَّرُ يقينًا أمام هذه السلبيّات الحاليّة.

ويقول الشاعر “محمد عاكف” وهو يتحدث عما يتعرض له المسلمون:

ما يُنْتَهَكُ اليومَ هو عِرْضُنا، ومَنْ يُذبَّحُ هم أولادُنا؛ فانتَبِه يا ذا الغرورِ

إن لم تبكِ أيُّها الصفيقُ فاستحيِ على الأقلِّ من الضحكِ والسرورِ

كما أنَّ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في أحدِ أحاديثِهِ الشريفة: “مَنْ لَمْ يَهْتَمَّ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ[1]، أي إن كان لِأَيِّ إنسانٍ نصيبٌ من الإيمان فعليه -على الأقلّ- أن يشعر بألم لما يتعرّض له المسلمون من مزعِجات ومنغِّصات، فمن لا يؤلمه هذا لا يفكِّر في تطويرِ مجموعةٍ من الحلول البديلةِ من شأنها أن تقضي على تلك المشكلات المشارِ إليها.

غير أنه ينبغي لكلِّ فردٍ في هذا الصَّدَدِ أن يَنْظُرَ إلى نَفْسِهِ أوَّلًا، وأن يتجنَّبَ إساءةَ الظنِّ بالآخرين، ومَنْ يدري.. فربما يكونُ ظهورُ مَن حولنا وكأنّهم متبلِّدو الحِسِّ غير متأثِّرين بالأمرِ ينبعُ من كونهم أناسًا صبورين وجَلِدين للغاية، كما أنهم ربما يشعرون من أعماقِهم بما نشعرُ نحن به من أَلَـمٍ ومرارةٍ، وربما تنزِفُ قلوبُهم حزنًا منهم على ما يتعرَّضُ له المسلمون من مشكلات وأزماتٍ، غير أنهم لقوَّةِ أنظمتِهم المناعيّة والمقاوِمَةِ لا يتأوَّهون من ألَـمِ البلاء، ولا يَئِنُّون حتى لا يُعلِموا الأغيار شيئًا عن حالهم.

نعرةُ الحربِ من شأنِها أن تقضي على الإنسانيّة

هناك جانبٌ مهمٌّ من المسألةِ فيما يتعلَّقُ بالشعور بالهمّ والحزن أمام تلك الابتلاءات والمصائب التي يعيشُها الناس، ألا وهو: أنه كما لا يصحّ عدمُ الشُّعُورِ بالأمرِ وعدمُ الاهتمامِ به؛ فلا تصحّ أيضًا إجراءاتٌ كالصراخ والصياح والضجيجِ والتدميرِ والحَرْقِ أو اللجوءِ إلى العنف؛ لأن ردَّ فعلٍ كهذا يُطرَحُ كَحَلٍّ للمسألةِ يخالف الإسلام والإنسانيّة، وبالتالي فإنَّه يجبُ ألا يُسمح بتاتًا بمثل هذه النوعية من التصرفات؛ بل ينبغي السعي إلى الحيلولة دون أنواع الوحشية عن طريق إعلاء القيم الإنسانية وإرسائها.

ومن أجل هذا فإنَّه إن كان لا بدَّ من ردِّ فعلٍ على المظالِمِ والتعدِّيات المرتَكَبَةِ فلا بدَّ من التأكيدِ في كلِّ فرصةٍ على أنَّ دينَنَا بريءٌ تمامًا من أحداثِ الإرهابِ والعنفِ التي تؤدِّي إلى قتلِ الأبرياء دون أن تُفَرِّقَ بين صغيرٍ أو كبير ولا رضيعٍ ولا طفلٍ ولا رَجُلٍ ولا امرأةٍ ولا شابٍّ ولا شيخٍ عجوز، ولا بدّ من أن يُلام صراحةً ويُندَّدَ بمن يقومون بمثل هذه الأعمال، وأن يُحالَ دون انتشار فكرة استخدام العنف والقوّة الغاشمة، وينبغي السعيُ بقدر الإمكان إلى تصحيح مسارِ من يعيشون انحرافًا فكريًّا في هذا الشأن، وإنقاذُهم من طريق الضلالة، وبينما نفعل هذا من جانب؛ يجب من جانب آخر على عقلاء السياسيين وعلماء الاجتماع والفلاسفة والتربويين أن يجتمعوا ويسعوا إلى إحلالِ لغةِ السلام والحوار محلَّ لغةِ العُنْفِ والحربِ، كما يجبُ بواسطة العقل المشترك تكوينُ مناخٍ سلميٍّ ولغةٍ سلميّة في مواجهة نعرات ودعوات الحرب التي ستشعلُها بعضُ الدول من أجلِ مصالحها وأطماعها الشخصية، ولا بدَّ من تطوير المشاريع وإعداد الخططِ البديلة لمواجهةِ كلِّ أنواع الإثارات والمحاولات الساعيةِ لإشعالِ فتيل الحرب العالمية الثالثة، التي لو اندلَعَت فمن المحتمَلِ أن تُحرِقَ بِلَهِيبِها العالم بأسره من أقصاهُ إلى أقصاهُ، ويجب أيضًا التنفيذ المباشِرُ لما يمكن تحقيقُهُ من تلك المشاريع والخُطَطِ، وإلا فإن الأسلحةَ الحديثةَ الفتَّاكةَ وحربًا عالميةً سَتُسْتَخْدَمُ فيها تلك الأسلحةُ ستقضي على الإنسانية جمعاء.                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                         

 

[1] الطبراني: المعجم الأوسط، 151/1، 270/7؛ الحاكم: المستدرك، 356/4.

سوءُ الظن: مرضٌ فتّاك

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ورد في الحديث النبوي الشريف أنَّه: “إِذَا قَالَ الرَّجُلُ: “هَلَكَ النَّاسُ” فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ”[1]؛ فهل يدخل في عموم هذا الحديث تصرفاتٌ كإساءة الظنِّ أو انتقاد الآخرين باستمرار؟

الجواب: هذا تصريحٌ نبويٌّ مبارَكٌ من جوامع الكَلِمِ، يكتَنِزُ في ثناياه حقائقَ عدّة؛ وإحدى تلك الحقائق هي إساءة الظنِّ بالآخرين كما تقدم في السؤال؛ إذ إنَّ الحديثَ عن الآخرين والحكمَ بأنهم “هلكوا” وإلقاءَ الكلام بحقِّ الآخرين جزافًا من قبيل “انتهى أمره” مثلًا؛ ليس إلَّا نتيجة لسوء الظنّ، بينما رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم أخبر أنَّ من هلك وانتهى أمره بالفِعل هو من ساءَ ظنّه بالآخرين فأطلَقَ مثل هذه النوعية من البيانات.

مُؤَلِّهو أنفسِهم يبحثون عن المذنب في الخارج

ومن نتائجِ سوءِ الظَّنِّ “الأنانيةُ” و”مركزيةُ الذات”، بل وحتى مرضُ “النرجسية” (Narcissism) الذي هو ربطُ كلِّ شيء بالنفس ونسبتُهُ إليها خلال الحديث عن الآخرين، ومن ينتقِد الجميعَ ويوبِّخهم ويبحث عن جرمٍ لكلِّ فردٍ فهو يؤلِّهُ نفسَهُ دون أن يدري على الإطلاق، ويعبدها ويقف أمام المرآة تسيطرُ عليه أفكارٌ مثل: “ليس هناك مثيل لي، فلتكن الدنيا وما فيها فداءً لي”.

ومَنْ حُرِمَ حسنَ الظنِّ وسيطرَ عليه سوءُ الظنِّ ربما يستخفُّ بما يؤدّيه الآخرون من عبادات كالصلاة، فمثلًا حينما يرى إنسانًا يُصلي قد يجول بذهنِهِ تساؤلٌ فوريٌّ: “تُرى هل استطاع هذا الشخص أن يندمج مع الصلاة تمامًا ويخشع فيها؟”، غير أنه إذا ما فكَّر تفكيرًا كهذا واجهَهُ قولُ سيِّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أفلا شققتَ عن قلبه[2]، إننا لا نستطيع معرفة ما في قلب الإنسان، وربما نظنُّ أنَّ إنسانًا يؤدّي صلاته على نحوٍ شكليّ وصوريٍّ، بينما هو يصليها بخضوعٍ وتعمُّق في حقيقة الأمر! ولذلك يجب علينا أن نتجنَّبَ تمامًا الدخول في ملاحظات وآراء سلبيّة بشأن تصرفات الآخرين وعباداتهم وإن كانت مهمَّتُنا هي بيان الصحيحِ من الأمورِ كالكلام عن صحيح الصلاة وبيانِ صفات المؤمن، وذلك لأن النظرَ إلى عبادةِ الآخرين وطاعتِهم ونحنُ تُسَيطِرُ علينا أحكامٌ مسبقةٌ بشأنها ومحاولةَ استشفاف نيّاتهم إنّما هو سوءُ ظنٍّ مرعبٌ مخيفٌ، وقد يتسبَّبُ مثل هذا النوع من سوءِ الظنِّ في انحطاط الإنسان، ولقد حرّم الله جلّ جلاله سوءَ الظنِّ تحريمًا صريحًا وقاطعًا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُوا﴾ (سُورَةُ الْحُجُرَاتِ: 12/49).

وعليه فإنّه ينبغي إحسانُ الظنِّ بالآخرين عند النظر إليهم طالما توفَّرَ ما مِنْ شأنِهِ أنْ يُشَكِّلَ أساسًا لِحُسْنِ الظنِّ بهم، بل يجب الاعتمادُ على حسنِ الظنِّ والابتعادُ عن إساءةِ الظنِّ حتى وإن كان في الشخصِ الآخر جانبٌ واحدٌ فحسب يدعو إلى حسن الظنّ به، فمثلًا إنْ كان هناك إنسانٌ رأسُماله الوحيدُ هو كلمة التوحيد أو الشهادتين، ولم نَرَ منه عملًا صالحًا فإنه يجبُ أن تكون قناعتُنا بحقِّهِ على نحوِ: “إنَّ أخي هذا نطقَ بالشهادتين من صميم قلبِهِ، وربما أن كلمتَهُ هذه بلغَتْ مرتبةً عُليا عند الحضرة الإلهية، فتكون سببًا لنجاته في الآخرة”، ومن ناحية أخرى يجب علينا أنْ نخاف الهلاكَ على أنفسنا إن خالطَ الرياءُ والسمعةُ ما نقومُ به من عبادات حتى وإن كنّا نؤدّي خمسين صلاةً نافلةً يوميًّا بعد أداء الصلوات الخمس.

والأمثلةُ على هذا الأمرِ كثيرةٌ؛ فمثلًا مَنْ تبدو علاقته بالله تعالى ضعيفةً في الظاهر بسبب تقصيره في أداء ما عليه من عبادات، ولكنه إذا تكلّمَ صدقَ، ولم يخالط الكذبُ حديثَه؛ يجب علينا أن نحمل سلوكه هذا على خوفه من الله، وأن نقول بشأنه: “نظرًا لأن هذا الشخص حسّاسٌ إلى هذا الحدّ في حديثه؛ فهذا يعني أنّه على علاقة قويّة بالله تعالى”، كما أنَّ تصرُّفات شخصٍ شديدِ الحساسية في مواجهة المحرمات، ولا يضع في فيه ولو حتى لقمة حرامًا، ويرفض مقابل وأجر أيِّ عمل لم يقم به ويعتقد أنّه لا يستحقُّه تصرفاتٌ جميلةٌ لدرجة أننا يستحيل علينا بيانها وتوضيحها ما لم نربطْها برضا الله تعالى عنه، ولذلك فإنه يجب علينا أمام هذه المواقف كلها أن نُحْسِنَ الظنَّ دائمًا بشأنِ علاقة ذلك الشخصِ بالله جلَّ جلالُهُ.

التوزان: حسن الظن مع الحيطة والحذر

إلا أن تجنُّب الإفراط والتفريط يفرض علينا أن نجمع بين حسن الظن وأخذِ الحيطة والحذر، لا سيما بحقِّ من نشاهد تَذَبْذُبَهم وتردُّدَهم؛ إذ قد لا يكون من نُحسِنُ الظن به إنسانًا كاملًا ومكمّلًا إن كان يحيد عن طريق الاستقامة بين الحين والآخر، ومن هذه الناحية يجب علينا أن نوسِّع دائرةَ ملاحظاتنا ونتصرَّف بحيطةٍ وحَذَرٍ في المواضيع الحسّاسة كتكليفِهِ بالوظائِفِ المصيريّة أو تحميلِهِ أعمالًا في غايةِ الأهمّيّة وما إلى ذلك مع حسن الظن به، وليس من حقِّنا التفوُّهُ بعباراتٍ تُنْبِئ عن سوءِ الظنِّ من قبيل: “إنني لا أَثِقُ بفلان، فلانٌ لا يوثَقُ به”، يجب ألَّا نتفوَّه بها حتى وإن كنَّا نشعرُ بمثل هذا الشعورِ فعلًا.

إذًا يجب علينا ونحن نفكر في الآخرين أن نعتقِدَ بأنَّ أوهنَ الأعمال وأبسَطَها قد تُنْقِذُهُم عند الله تعالى، وأن ننظرَ إلى أخطائِهم نظرةَ تسامُحٍ، وأن نتحاشى الحديثَ ضدَّهم، فثمَّةَ واقعةٌ حدثَتْ في عصرِ صدرِ الإسلام تُعْطِي المؤمنين دروسًا وعِبرًا مهمة في هذا الصدد؛ إذ إنَّ صحابيًّا كثيرًا ما أُتي به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ثَـمِلًا وعُزِّر لِفِعْلِهِ ذلك، وكانت الخمرُ قد حُرِّمت حديثًا، وذات مرّة من تلك المرات أُحضرَ إلى حضرة النبي صلى الله عليه وسلم بسببِ ارتكابه نفس الفعل، فقال أحد الموجودين هناك يقصده: “اللهم الْعَنهُ، ما أكثر ما يؤتى به!”، فَلمّا سمعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك قال: “لاَ تَلْعَنُوهُ، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ“، وفي رواية أخرى قال صلى الله عليه وسلم: “لَا تَكُونُوا عَوْنَ الشَّيْطَانِ عَلَى أَخِيكُمْ[3]، ومن ثمَّ فإنه يجب علينا حين ننظر إلى الآخرين أن ننظر إليهم دائمًا من أفق رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا.

حُسْنُ الظنِّ: ما أجمله من عبادة

حَذَارِ ثمَّ حَذَارِ من إساءة الظنِّ بالقلوب المؤمنة المتصلة بالله تعالى وبرسوله العظيم والقرآن الكريم، والتي نذرت نفسها لخدمة القرآن والإيمان، وينبغي كذلك النأيُ عن تصيُّدِ عيوبها؛ فقد حذّر رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك بقوله: “مَنْ عَيَّرَ أَخَاهُ بِذَنْبٍ لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَعْمَلَهُ[4]، ومن هذه الزاوية فإنه ينبغي لأيّ إنسان أن يخاف وترتعد فرائصه ويتلوى خوفًا تشغله فكرة: “نسبتُ هذا العيب إلى فلانٍ، ولكن ماذا عساي أنْ أفعل إن اتهمني الناس أو اتهموا زوجي أو أولادي بمثل هذه العيوب!”

أجل، إن المؤمن الحقيقي يجب عليه أن يفكِّرَ بحذرٍ بشأن الآخرين أيًّا كانوا، وأن يتصرف بحيطة وحذر شديدين؛ فكما هو معلوم إن التيقُّظَ والانتباه الدائم أوَّلُ مراتب الكمال، وعلى المؤمن وهو يسير في سبيل الله تعالى أن يسيرَ منتبهًا دائمًا، وأن يصبغَ أفكارَهُ بحسنِ الظنِّ ما أمكنه ذلك، وألا يقعَ في وزرِ سوءِ الظنِّ أبدًا، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “حُسْنُ الظَّنِّ مِنْ حُسْنِ الْعِبَادَةِ[5]؛ ليبين لنا كم أنَّ حسن الظن أفقٌ سامٍ جليلٌ.

ومع هذا فالحذرَ الحذرَ، وإياكم والإهمالَ تجاهَ من يستمتعون ببثِّ السموم في البشرِ كما الثعبان، ويحاولون دائمًا القدحَ في الآخرين وذمّهم، فعلينا أن نضعَ أمامهم السدود والعراقيلَ لنحولَ بينهم وبين ذلك، غير أنَّه يجبُ ألا يمنعكم تصرُّفُكم بحذرٍ وحيطةٍ في هذا الموضوع من الدعاء بالهداية لهؤلاء الذين يحيكون شتّى أنواع المؤامرات ضِدّكم، من أجل هذا فإنني أُسَارِعُ بالدعاء لمن افتروا عليَّ وكتبوا ضدي منذ خمسين سنة حين أفكِّر في أنَّ صنيعهم هذا قد يُدخِلُهم النار فأقول: “اللهم إنّي أسألك الخير لهم! وقفت ببابك اللهم! فلا تعذبهم في جهنم! اللهم ألقِ الإيمان في قلوبهم، وشرّفهم به!”.

وإلى جانب هذا فقد منحكم الله تعالى حقَّ اختيارِ سبيلٍ آخر؛ إذ يمكنكم حينما يؤذيكم من يؤذيكم أن تدعوا عليهم قائلين: “اللهم عليك بهم، اللهم اهزمهم وزلزلهم، وشتِّتْ شملهم، وفرِّقْ جمعهم، ومزقهم كلَّ ممزَّقٍ، واجعل بأسَهم بينهم، وانصرنا عليهم!”، من حقِّكم أن تقولوا كلّ هذا، لأنَّه إن كان هناك أناسٌ يُعَذِّبُونكم، ويُؤْذونكم ويقسون عليكم، ويحيكون مؤامراتٍ شتى ضِدَّكم، وينصبون لكم الفخاخ والحيلَ فمن حقِّكم أن تقوموا بأعمالٍ وتحرُّكات تُفسد عليهم خطَطَهم تلك، وتقلبُها رأسًا على عقبٍ، وتجعل الدائرة تدورُ عليهم، إذ يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (سُورَةُ النَّحْلِ: 126/16)، ومع هذا كله فإن هذه الآية الكريمة تُختَمُ بقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾؛ لِتُبَيِّنَ أنَّ الصبرَ وعدمَ التخلّي عن النُّبل واللُّطْفِ هو الأفضلُ لكم فيما يتعلَّق بحقوقِكم الشخصيّة.

 

[1] صحيح مسلم، البرّ والصلة، 139.

[2] صحيح مسلم، الإيمان، 158.

[3] صحيح البخاري، الحدود، 6.

[4] سنن الترمذي، صفة القيامة، 53؛ البيهقي: شُعب الإيمان، 67/9.

[5] سنن أبي داود، الأدب، 88؛ مسند الإمام أحمد، 338/13.

منظومةٌ تقدر على حمل الإسلام

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ذكرتم فيما سبق أنَّه لا يمكن حملُ الإسلامِ وتبليغُهُ إلا بواسطة منظومةٍ فعّالةٍ تُمثِّلُ الفهرسَ المعنوي للوجود كله، تتشكَّلُ من العقلِ والوجدانِ والروحِ والجَسَدِ[1]، فما المقصود بذلك؟

الجواب: كُلُّ ما ذُكِر في السؤال من عناصر يشكِّلُ في حدِّ ذاتِهِ أعماقًا مختلفةً مفطورةً في الإنسان، وهي بمثابة ركنٍ ركينٍ بالنسبة لِفَهْمِ الإسلام وتبليغِ الناس به.

العقل

إذا نظَرْنا إلى العقلِ نجدُه يؤدّي وظيفتَه في التفريق والتمييز بين الحسَن والقبيح والنافعِ والضارِّ؛ إذا ما استُخدم على نحوٍ صحيحٍ تحت مظلّة إرشادِ القلبِ والروح، لكن أنصار المذهب العقلانيّ اعتبروا العقل كلَّ شيء، كما أنَّ عقلانيِّي عصرِنا الجدد جعلوه ركنًا مقدَّمًا على الكتاب والسنة، أما بعضُ معارضيهم فقد أنكروا العقلَ تمامًا، أي إنَّ الإفراط في إعلاءِ قَدْرِ العقل من قِبَلِ فئةٍ معيّنة ولّد التفريطَ في شأنه من قِبَلِ أُخرى، وإذا ما نَظَرْنَا إلى الوضعِ العام للعالم الإسلاميّ اليوم يتَّضحُ جليًّا إهمالُ العقلِ بكلِّ وظائفِهِ، وحدوثُ الانزلاقِ المروِّع نحو التفريطِ في هذا الموضوع.

والحال أن ثمة حكمة مهمّة لخلقِ العقل؛ إنه -قبل كل شيء- مناطُ التكليفِ والعبوديّة؛ فإنْ حُرِم الإنسان من نعمة العقل حُرِم من شَرَفِ مخاطبةِ الله تعالى إيَّاه، فهو سبحانه يخاطب الإنسان بوصفه صاحبَ عقل، ويعقد الصفقات بين الإنسان وبينه سبحانه، ومن ذلك على سبيل المثال قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ (سُورَةُ البَقَرَةِ: 40/2)، وقوله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ (سُورَةُ البَقَرَةِ: 152/2)، وفهمُ هذا وممارستُه مرتبطٌ بالعقل، أما إدخالُ الله تعالى عبدًا فاقدَ العقل الجنةَ أو عدم إدخاله إياه فهذه مسألةٌ أخرى، غير أن نَيلَ الإنسان شرفَ مخاطبة الله تعالى إيّاه في ظلّ نعمة العقلِ وفهمه الأوامر الشرعية المنوطةَ به وتطبيقه إيّاها أمرٌ شديدُ الأهمّيّة بالنسبة لِفَهْمِ مكانةِ العقلِ وقيمتِه في الدين.

وإلى جانبِ ما سبقَ يُـمثِّلُ العقلُ العنصرَ الأساسَ في فهم الأشياء المرئيّة والمحسوسة، غير أنَّ له دائرة محدّدة تتناسبُ مع طبيعتِهِ هو؛ إذ إنه قد يَزِلُّ ويحيدُ عن الصواب في أيِّ وقتٍ ما لم يزن بميزانِ الشرع ما يحصل عليه من معلومات، ولهذا فلا بدَّ أن يُقدّر العقل بقدر قيمتِه التي يستحقّها، ومن جهةٍ أخرى فإنكم تَشلّون جانبًا من الآليّة أو النظام الذي تمتلكونه إذا ما عزلتم العقل ونحيتموه جانبًا دون أن يقوم بوظائفه كلها؛ ومن ثَـمَّ فَنِظامٌ شُلَّ على هذا المنوال يستحيلُ أن يؤدّي الوظيفةَ المرجوة منه، وكما يتعذَّرُ على سيّارةٍ تنقصُها دوّاسة الوقود أن تتحرّك بأيّة حال بالرغم من سلامتِها ووجودِ كلِّ أجزائها في أماكنها؛ فإن النظام العام للإنسان أيضًا يُصاب بالشلل ما لم يؤدِّ العقلُ -أحدُ أهم أركان هذا النظام- المهمةَ المطلوبةَ منه والمنوطةَ به.

الوجدان

يشكِّلُ الوجدان ركنًا آخر من أركان هذا النظام، وعلى حدِّ تعبير فضيلة الأستاذ بديع الزمان فإنَّ للوجدان أربعةَ أركان هي: الحسُّ والإرادةُ والشعورُ واللطيفةُ الربّانيّة، وللّطيفة الربانية أعماقٌ هي: “السرُّ” الذي هو وديعةٌ ربَّانيةٌ في قلب الإنسان، و”الخفيُّ” المتعلّق بالصفات السبحانيّة والله أعلم، و”الأخفى” الذي يمكننا أن نسميه أفق البحث عن “الذات البحت”، وإنَّ عدم معرفة الأمّيين من أمثالنا بمثل هذه الأمور ليس دليلًا على عدمِ وجودِها؛ لأنَّ مَنْ أدركوا هذه الآفاق أخبرونا عنها بِفَضْلِ تجاربِهم الروحيّة.

وإذا اجتمعت كُلّ هذه العناصر التي تُشَكِّلُ آليَّةَ الوجدان يتحقَّقُ “الحَدْس”، ويمكننا أن نسمي هذا بـالحسّ الداخلي، أو التقييم أو التحليل الداخلي؛ حيث إنَّ الإنسان يُرشِّحُ الأشياءَ والحوادث التي تقعُ في العالم الخارجي ويُصفِّيها بواسطة الحدس هذا، ويفهمُها فهمًا صحيحًا، غير أنه إذا ما أهمل ولو حتى عنصرًا واحدًا من تلك العناصر الخاصة بالوجدان فإنه يتعذَّر عليه تشغيلُ الوجدان تشغيلًا تامًّا، وإننا لنشُلُّ ذلك الموجود المسمى بالإنسان حين نُعَطِّل آليّة الوجدان التي هي ركنٌ أساسٌ في منظومتِهِ، وفي مثل هذه الحالة تنعدمُ قيمةُ وأهمّيّةُ كونِ هيئةِ الإنسان وبنيته البدنيّة وملامح وجهه وأعضاء بدنه من عينٍ وأُذُنٍ وشفةٍ… إلخ فائقة الحُسْنِ والجمالِ.

الروح

الروح هي الأخرى ركنٌ من أهمِّ أركان هذه الآليّة العجيبة الـمُلغزة، فهي نظام يفوق اللطيفة الربانية، وقد قال الأولياء عند تحديد خطِّ السير والسلوك الروحانيّ: ينبغي الانتقال من اللطيفة الربانية إلى الروح، فللروح جانبٌ إلهيّ؛ إذ إنها هدية نضرة نَدِيَّة جاءتنا من عند الله تعالى باعتبارها نفخةً إلهيّة؛ فنُحَسُّ بها ونُرَى ونُعرَف ونُراعى، إنها أمانة إلهيّة؛ ولذلك فإنَّ القفز من اللطيفة الربانية إلى أفق الروح تعبير عن احترام هذه النفخة الإلهية التي أودعها الله تعالى فينا أمانةً منذ بداية الخلق؛ قال تعالى: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ (سُورَةُ الْحِجْرِ: 29/15)، وهذا في الوقت نفسِه أفقٌ عالٍ مَن يرْتَقِ إليه يُحِس ويشعر بأنَّ مصدَرَهُ إلهيٌّ صِرْفٌ، ومهما كان نيلُ اللطيفة الربانية والفوزُ بها مرتبة مهمة فإنَّ من يَحبُون في مرابِعِها ولا يتسنى لهم الصعود إلى أفق الروح يتعذَّرُ عليهم الإحساس بشيءٍ كثير بالنسبة لتلك المنة الإلهية.

الجسد

نضيف إلى ما تقدم من العناصر عنصر الجسد الذي هو الجانب المادي من الإنسان، وكما أنَّ أنظمةً كالعقل والوجدان والقلب والروح التي تشكل الجانب المعنوي من الإنسان مهمَّةٌ للغاية؛ فإنّ الجسد الذي يمثل الجانب المادِّيَّ منه ذو أهمية خاصة به أيضًا؛ فالقدرةُ على عبادة الله تعالى، وأداء عبادات كالصلاة والصيام والحجّ أمرٌ مرتبطٌ بسلامة تشغيلِ هذا النظام، وكما أننا لا نُدركُ ما الذي يحدثُ بأدائنا الصلاة وخشوعنا بين يدي الله تعالى وتلاوة القرآن؛ فإَنَّه يتعذَّرُ علينا كذلك أن نعرف كيف سيكون مردودُ القيام بهذه العبادات، وكما أخبرتنا الأحاديث النبوية الشريفة فإنه: “إِذَا أَحْسَنَ الرَّجُلُ الصَّلَاةَ فَأَتَمَّ رُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا قَالَتِ الصَّلَاةُ: حَفِظَكَ اللَّهُ كَمَا حَفِظْتَنِي فَتُرْفَعُ، وَإِذَا أَسَاءَ الصَّلَاةَ فَلَمْ يُتِمَّ رُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا قَالَتِ الصَّلَاةُ: ضَيَّعَكَ اللَّهُ كَمَا ضَيَّعْتَنِي فَتُلَفُّ كَمَا يُلَفُّ الثَّوْبُ الْخَلِقُ فَيُضْرَبُ بِهَا وَجْهُهُ[2].

ومن جانبٍ آخر فإنَّكم تُهَذِّبون أجسادكم وتُربُّونها بعباداتكم التي تؤدّونها بدنيًّا؛ فهي تحقق مجموعةً من الفوائد للإنسان بالنظر إلى بنيته الطبيعيّة والتشريحيّة، غير أنَّها لم تُبنَ على هذا النوع من الحكم والمنافع، بل شُرِعَت لِتأهيلِ الإنسانِ للجنّة وتخليده فيها، ولكي يحظى برؤية الله سبحانه، ويبلغَ مستوى يُرضي الله عز وجلَّ، أي إنّه حتى وإنْ كانت ثمة مجموعةٌ من الفوائد الدنيوية وبعض المنافع التي تصبّ في صالح تربية النفس تتحقّقُ وتنجمُ عن عبادات كالصلاة والصيام والزكاة إلا أنَّ الثمرة الحقيقية من ورائها تُجنىَ في الدار الآخرة.

والجسدُ من حيث كونه وسيلة لنيل الإنسان هذه النعم كلها وفوزه بها في الآخرة هو من النعم والهباتِ الإلهيّة الغالية، ولقد جرى التأكيدُ على هذه النعمة منذ النشأةِ الأولى حينما خُلِقَ آدم عليه السلام، إذ أمر الله تعالى الملائكة بالسجودِ له؛ فسجدوا أجمعون إلا إبليس تكبَّرَ ورفض الانصياعَ للأمر ولم يكن من الساجدين، وهو ما حكاه القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ (سُورَةُ البَقَرَةِ: 34/2). نعم، لم يسجد إبليس تكبُّرًا منه وأنانيّةً وغرورًا، بينما رأى الملائكةُ ما في الإنسان من وسعة وما يكمن في الانصياع للأمر من دقّة ورقّة فَخَرُّوا ساجدين، فكان هذا بمثابة عملية إلهيّة لإثارة الاحترام لدى الأرواح لجسدِ آدم عليه السلام، وكما صرحتُ في مناسبات شتى سابقًا فإنه لو جاز السجودُ لأحد سوى الله لجاز السجودُ للإنسان؛ لأنه مخلوقٌ مُكَرَّمٌ بالنظر إلى بنيته الداخلية والخارجية.

وباعتبارِ طبيعةِ الملائكة فإنّهم مدركون الدقَّةَ التي في إطاعةِ الأمر، ويعرفون أسرارَ الألوهيّة، ويعيشون منفتحين على عالم الملكوت، ويتسنّى لهم التواجد في أكثرَ من مكان في آنٍ واحد، غير أنهم لا يستطيعون أن يشعروا تمامًا بخصائصِ العالم المادّي، ولهذا السبب تعجّبوا أمام موجودٍ غريبٍ كالإنسان؛ فقالوا تعجُّبًا منهم لا اعتراضًا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ (سُورَةُ البَقَرَةِ: 30/2)؛ وذلك لأن الإنسان مخلوقٌ يفورُ شهوةً، وأنانيّة، وفخرًا وغضبًا وعقلانيّةً، وهو بالنظر إلى جوانبه هذه كائنٌ مُهيَّأٌ لمقارفةِ المساوِئِ والعيوبِ، غيرَ أنه سرعان ما يرتقي إلى أن يكون عبدًا لله مقبولًا محبوبًا محمودًا عند ربّه جلّ وعلا ما إن يُهَذّب كلّ هذه الأمور؛ فيخلق الله تعالى بكلّ هذه الشرور النسبية خيرًا كثيرًا، أي إنَّ الملائكة لا تستطيع معرفة هذا الجانب من الأمر، والإنسانُ باعتبار بنيتيه الروحية والجسدية، والعلاقة القائمة بينهما يتضمن معاني ونكاتًا لا تستوعبها الكتب.

وعليه فإنَّ فهم الإسلام بهويته الأصلية ورحابته وشموليته الصحيحة وتطبيقه وتبليغه إنما يتحقَّقُ باستخدام أجزاءِ هذه الآليّة كلٌّ في مكانه دون إهمالٍ لأيٍّ منها على الإطلاق. أجل، ينبغي استخدام العقل والوجدان والروح والجسد كلٌّ لما خُلِقَ له، وفي الاتجاه الذي أُوجِدت من أجله؛ لأن الإنسان لا يمكنُهُ أن يؤدّي حقَّ الأداء ما كُلِّف به من وظيفة ومهمّة إنْ أهمل أيَّ واحد منها.

 

[1] فتح الله كولن: ونحن نقيم صرح الروح، دار النيل، القاهرة 2008م، ص 23.

[2] أبو داود الطيالسي: المسند، 479/1؛ مصنف عبد الرزاق، 587/1؛ الطبراني: المعجم الأوسط، 263/3.

اتساع الأفق الفكري

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ماذا يعني اتّساع الأفق الفكري؟ وكيف يمكن الحصول على أفقٍ فكريٍّ واسِعٍ؟

الجواب: أولًا: إننا في عصرنا هذا بأمسِّ الحاجة إلى أرباب الأفقِ الفكري الواسع، العاشقين البحثَ والحقيقةَ، القادرين على التحليلِ والتركيب، وإقامةِ ما يتناولونه من مسائل على أرضيات وأسسٍ علميّة، بيد أنَّه ينبغي لنا أن نعلمَ بدايةً بأنه ليس من اليسير أن يُقبِل الناس في عصرنا وينفتحوا على تعمُّقٍ وتوسّعٍ في هذا الاتجاه؛ إذ إننا عَلِقْنَا بين فَكَّيْ هجمات الخارج الغاشمة المباغتة وأوجهِ ضعفنا الداخلية في فترةٍ حقَّقَ الغربُ فيها لنفسه ثورةً علميّةً وفكريّةً وصناعيّة؛ ولهذا صرنا وكأننا أُصِبْنا بالشللِ التّام اعتبارًا من القرن التاسع عشر، وانعقدَ لسانُنا لِما تعرَّضْنا له من ضَرَبات أخرسَتْنا تمامًا، أما الحوادث التي أعقبت ذلك فقد جاءت ومعها ابتلاءات ومصائب أعظم من تلك؛ فإذ بنا جُعِلْنا أمّة محشورةً في ساحةٍ ضيِّقةٍ للغاية، وقد عُزِلَتْ عن الدنيا، لا تهتمّ بآلام الشعوب الأخرى، ولا تنفتح على أيّة منطقة جغرافية، أَضِفْ إلى ذلك نشأة النزعات الشوفينيّة[1] الـمُغالية؛ إلى أن بَدَأْنا نظنُّ التعاملَ مع الجميع بغليظِ الألفاظ والفتونةَ والتأمُّرَ عليهم مهارةً!

الخطوة الأولى: التملُّصُ من عقدة الدُّونية

إن مشاعرَ كعقدة الخوف والذلّة والدُّونيّة قد تغلغلَتْ في جينات أجدادِنا منذُ العهدِ المذكورِ آنفًا، ولما كنّا نحن أيضًا نحمل جيناتهم فإنه يستحيلُ القولُ إننا استطَعْنا التخلُّصَ من تأثيرِ تلك الصدمة التي ما زلْنا نعيشها، وسواء علينا أأدركنا ذلك أم لم ندركه؛ فإنَّنا نبدو وكأننا قد أُصِبنا بالشلل بتأثير هذه النوعية من الأحاسيس والأفكار، وبالتالي فإن الانعتاق من كل هذه الأفكار السلبية، والانفتاحَ إلى آفاق الفكر الواسع، والتمسُّكَ بهويتنا في الفكر، والتوجُّهَ إلى الأفق الذي أَرشد إليه اللهُ تعالى ورسولُه صلى الله عليه وسلم، والذكرَ والتدبُّرَ والتفكُّرَ في ضوءِ التوجيهات القرآنيّة، واستحداثَ تركيبات والإتيانَ بتحليلات جديدة وحديثة دائمًا… إلخ كلّ ذلك ليس أعمالًا سهلةَ المنالِ ولا يسيرة التحقق بالنسبة لأجيال عاجزة مكبّلةٍ بعقدة الدُّونية، ومع ذلك لا يستحيل تحقيقها.

ويجب علينا أولًا أن ننفض عنَّا عقدة الدُّونية اللعينة التي أصابَتْنَا وتتضاعف يومًا بعد يومٍ، فإن أمكننا فعل هذا فقد خطونا أولى خطواتنا من أجل فتح الباب إلى آفاق الفكر الواسع والعميق.

الصفات هي الأهمُّ لا الأسماء

ثانيًا: ينبغي ألا ننسى أبدًا أنَّ الله جلَّ جلاله أولى عنايةً خاصةً بصفات الناس، ولهذا السبب فإنَّه تعالى يكافئ الإنسان، حتى وإن كان غير مسلم، طالما أنه يفوقكم باعتبار ما يحمله من أوصاف إسلاميّة كالاجتهاد، والعملِ الممنهج، وتحليلِ الحوادث والأشياء عشقًا للبحثِ والحقيقة، والقدرةِ على تركيب العناصر مع بعضها؛ لأن كلَّ هذه صفات مقبولةٌ ومَرضِيَّةٌ عند رب العالمين، واتصافُ إنسان غيرِ مقبولٍ بهذه الصفات المقبولة المرضيّة لا يُقلِّلُ من قيمتها، تمامًا كما أنَّ قطعة الماس لا تفقد شيئًا من قيمتها بسقوطها في الوحل.

وعليه فينبغي النظرُ إلى الصفات من هذه الزاوية، فإن كانت صفات المؤمن موجودةً في غير المؤمن فسوف يُوَفَّقُ المُتَحَلُّون بها ويثبُتُ حكمهم في الحياة الدنيا؛ وسوف يُخْضِعونكم لِوَصَايَتِهم بفضل الإمكانيات والقوّة التكنولوجية التي امتلكوها بالعلم، تمامًا مثلما فعلوا بدءًا من حقبةِ ما يُسمَّى “عصر النهضة”، ومتى عشقتم الحقيقة أنتم أيضًا، وعشقتم البحث وفقًا لها، وسخرتم أنفسكم لهذا العمل تسخيرًا يصل إلى حدِّ الجنون به، ودقَّقْتم الأشياء والحوادث تدقيقًا؛ فسوف يمُنُّ الحق تعالى عليكم حينها بمزيدٍ من النعم والألطاف الخاصّة، وهكذا تعمرون دنياكم، وتسلكون سبيل الفوز بدار السعادة الأبدية.

معايير الكتاب والسنة

عند تناوُلِنا لأيِّ مسألةٍ يجبُ علينا أن نتناولَها من وجهةِ نظرٍ عامّة، سواء أكانت تلك المسألة لصالِحِ مخطَّطَاتنا وتصوُّراتنا المستقبليّة، أم لِفَهْمِ الإسلام في إطارِ رحابته وشموليته، أم لأجل حياتنا القلبية والروحية؛ فنُخضع الحوادث إلى تحليل شمولي، ونسعى إلى رؤية الأشياء التي يمكن أن ندركها بأفقنا من المبدإ حتى المنتهى، ونُنْتِج أفكارًا بديلةً أيضًا لما تعذّرت علينا رؤيته من الأشياء، ونختبر تلك الأفكارَ التي ننتجها ونقيسُها دائمًا بمقياس الكتاب والسنة، ولا يمكن الوصول إلى التفسيرات التي أماطَ الزمانُ اللِّثامَ عنها وفقًا لمعايير الكتاب والسنة إلا بكثرة التنقُّلِ المكُّوكي بين ظروف عصرنا ومصادرنا الأساسية؛ فالزمان والملابسات من أكبر المفسِّرين للحوادث والأشياء.

ومن ذلك على سبيل المثال أننا عندما نُفَكِّرُ في عالم اليوم يتحتّم علينا لمستقبلٍ واعدٍ أن نسعى لاحتضانِ الإنسانيّة جمعاء دون أنْ نَأبَهَ بالاختلافات العرقيّة والدينيّة والمذهبيّة، ولِتحقيقِ التفاهم والتعارف بين مختلف الأمم والجماعات وتلاحمها، ويجب أن نعمل على تتويجِ البشريّة جمعاء بالقِيَمِ الإنسانية الأساسية في العالم البشري أجمع، وليس في العالم الإسلامي فحسب، فثمة حاجةٌ مُلِحَّة، بل إننا في أشدِّ الاحتياج إلى وجهة نظر واسعة كهذه، حيث انتشرت الأسلحةُ القاتلة في كلِّ مكان، وإلَّا فإنْ تجرَّأ البعضُ على القيام بأعمال شريرة في مكان ما فقد يدفع هذا غيرهم إلى مقابلته بالمثل، وهو ما سيُنتِجُ بالـمُحَصِّلَةِ يقينًا تحوُّلَ الدنيا إلى خرابة.

وهكذا فإنه ينبغي لِرجال الفكر والرأي الذين يفطنون إلى خطورة الأمر أن يُصرِّحوا بِقَلَقِهم ومخاوفِهم المحقّة في هذا الموضوع، وأن يستدعوا الإنسانية إلى الوحدةِ والاتحاد، والوفاق والاتفاق، ويسْعَوا إلى تحقيق تلاحمِ الإنسانية حول هذا الفكر، ولذلك فلا بدَّ من التركيز على العناصر التي ستَكون قادِرة على تشيكل الكيان المطلوبِ، وحسابِ الموانع والعوائق التي قد تنشأُ، وتكوينِ فكرٍ مشتَرَكٍ بين مختلف القطاعات، وإفراغِ الأفكار التي تخطر بعقولهم في حوض العقل المشترك الذي كوّنوه، والسعي إلى حلِّ المشكلات بواسطة الوعيِ الجمعيِّ، أما بعضُ المشاريع والخُطَطِ التي يستحيلُ تحقيقُها حاليًّا فلا بد من أن تُتْرَك أمانَةً لِتَقْيِيمِ وتنفيذِ الأجيالِ القادمة.

الظروف الجديدة الطارئة وسلامة الطريق

إن اتخاذ التدابير والإجراءات اللازمة من أجل تحقيق سلامة الطريق والسبيل المسلوك يشكل بعدًا آخر من أبعاد الفكر الواسع، فربما تكونون مزوَّدين تمامًا بالإيمان والأخلاق، وقد تُدهِشُون العالم وتحيِّرونه بمشيَتِكم ومسيرِكم النشيطِ، بل وتكونُ ثقتُكم بعنايةِ الله ورعايتِهِ وكِلاءته كاملةً تامّة، غير أن كل هذا يشكل جانبًا واحدًا فحسب من المسألة، أما الجانب الآخر منها فهو القدرة على أن نضع في الحسبان أحاسيس وأفكار وحركات الآخرين أيضًا، وإلا فربما تواجهون بينا تسيرون من أجل تسليم هذه الأمانة إلى أيدٍ أمينة مجموعةً من الغيلان، فإن تجاهلتم -وأنتم تقدمون ما تملكونه من قيمٍ إلى المجتمع- قوَّةَ وقدرة من يعملون ضدّكم، وانطباعاتهم حولكم؛ فربما يرغبون في هدم وتقويض تراثكم الخدمي، ومن هذه الزاوية فإنَّه يجب عليكم التحلِّي بأبلغ درجات الحساسيّة مع أيِّ تصرُّفٍ يتعلّق بسلامة خطِّ السير على طول الطريق كي لا تتعرّضوا لأيّة مشكلة في أثناء طريقكم، كما يجبُ إعادة اتّخاذِ التدابير الضرورية من أجل سلامة خطِّ السير بحسب الظروف الجديدة الطارئة.

إن قراءة العالم الذي نعيش فيه قراءة صحيحةً تمثل بعدًا آخر من أبعاد الفِكْرِ العميقِ، وقد انفتَحَ “فدائيُّو خدمةِ الإنسانية” في يومِنا الحاضرِ على مائة وسبعين دولة، وهذا يعني أنهم يتعايشون مع أناس نشؤوا في مائة وسبعين مناخًا وبيئة ثقافية مختلفة… وقد يتقبَّلكم المخاطبون ويستسيغون منطقكم ضمن أُطُرٍ محدَّدة؛ غير أنه قد تحدث بعد فترةٍ مصادماتٌ تنشأ عن الاختلاف الفكري والثقافي؛ ومن ذلك على سبيل المثال أنَّ أهل البلاد التي تذهبون إليها ربما يتوهمون أنكم تسعون لصهرهم فيكم قوميًّا وثقافيًّا، وعليه فينبغي أوّلًا تقييمُ كلِّ هذه المواضيع تقييمًا صحيحًا، واتخاذُ القرارات الصحيحة المتعلّقة بما سيتمّ من خطوات في هذه الشؤون، واتّقاء التصرفات والسلوكيات التي قد تثير القلق والريبة لدى الآخرين.

الفكرُ يترعرعُ في حضنِ الحركةِ والعمل

إن قراءةَ ما بِحَوزَتِنا من آثار كُتبت من أجل إقامة صرح روحنا قراءةً جيِّدةً، وحسنَ فهمِ الأهداف التي حدَّدَتْها من أجل حياتِنا المستقبليّة والأبديّة، إلى جانبِ فهمِ الرسائلِ المبثوثة فيها والمعاني التي عبرت عنها من أجل حياتنا، وتحليلِ طبيعة الدنيا التي رسَمَتْها من أجلنا تحليلًا جيِّدًا لأمرٌ مهمٌّ جدًّا، لأنَّ الاكتفاء بالموجود تقَاصرٌ في الهمّة، ومن هذه الزاوية فإنَّه بينما نُطالِعُ ما بأيدينا من مصادر لا بدَّ وأن نداوم على قراءتها ونحن تحدونا فكرة: “تُرى أيَّةُ معانٍ أخرى يمكننا أن نستخرجَها منها!”؛ فربطُ المسألةِ بمجرَّدِ التسلِّي بالقراءة فهمٌ ناقصٌ، والمهمُّ هو تناولُ تلك المؤلّفات بحسنِ المذاكرة، والقدرةِ على رؤيةِ ما تُظْهِرُهُ من أهدافٍ تَصُبُّ في صالحِ مستقبلنا.

ولا ننسى أنّه يجبُ أن يتزامنَ كلُّ هذا مع الحركة والعمل، ويسيرَ بمحاذاتِهِما، فإن تسنَّى تحويل الأفكار إلى أعمال وحركات أمكن اتخاذ قرارات أكثر منطقية وعقلانية؛ فمن يقبعُ خاملًا دون حركةٍ ثمَّ يتخيَّلُ عوالم برّاقة مثلما يفعل كُتَّابُ الطوبيا (المدينة الفاضلة)؛ فلن يعودَ ذلك عليه بشيءٍ من النفعِ والفائدة؛ ما لم يكن لذلك وجودٌ ومقابلٌ في الحياة العملية، وما أكثر الأفكار البرّاقة التي طُرِحَتْ حتى اليوم، ولكنها سرعان ما فقدت بريقَها دون أن تتقدَّمَ خطوَتَين؛ وذلك لأنها لم تُتَرْجم على أرضِ الواقع، ولا سيما أن القرآن الكريم تحدَّثَ عن العمل الصالح في معظم الآيات التي تحدث فيها عن الإيمان، فأشار بذلك إلى ضرورة أن يتزامنَ العملُ والحركة مع الفكر، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ (سُورَةُ البَقَرَةِ: 25/2).

العقل المشترك

إن أفكارنا ورؤانا ليست نتاجَ الوحي، ولذلك فإنها دائمًا ما تكون مشوبةً بموروثِنا المعرفيّ القديم، أي إنَّ مجموعة من المعلومات الخاطئةِ التي في أذهانِنا قد تدفَعُنا إلى تحليلات وتراكيبَ خاطئة، وقد نُخْطِئُ في اجتهاداتِنا واستنباطاتنا الشخصيّة، وبعضُ الأفكار التي نطرحُها ربما لا تكون صالحةً للجميعِ دائمًا، ومن هنا فإن اعتبارَ الأفكار التي نتوصل إليها والخطط والمشاريع التي نرسمها بشأن المستقبل محتاجةً للتصحيحِ ومطروحة للتشاور والنقاشِ؛ أمرٌ في غاية الأهمّـيّة من أجل الوصول إلى رحابةِ الفكر واتساعه.

مناخ الفكر الحرّ وهجرة الأدمغة

إن تحويلَ وجهةِ هجرةِ الأدمغةِ التي تحدُثُ على المستوى العالميّ إلى عالمنا نحن عبر إبراز نتاجات خبراتنا العلمية يُشكِّلُ جانبًا آخر من المسألة، والواقع أنَّ انسلالنا من التسوُّلِ على عَتَبَةِ الآخرين، وقدرتَنا الذاتيّة على الحياة، والوصولَ إلى تراكيب وتحليلات حديثة متجدِّدة بواسطة الفِكْرِ الحرِّ أمرٌ لا يتحقَّقُ إلا بحصولِ العقولِ الشابّة والنشيطة على مناخٍ وإمكانيّاتٍ تستطيعُ فيها خدمةَ بلادِها.

التوفيقُ كُّلُه منه سبحانه!

وبعد كل ما سبق فإنه ينبغي للإنسان مهما ارتفعَ وارتقى باعتبار أفقِهِ الفكريّ والإمكانيّات التي حصلَ عليها، بل حتى وإن لامست هامتهُ الذرى؛ ألّا ينسى أبدًا أنّ الله هو المحسِنُ عليه بهذا كله، وعليه أن ينحني أمام الألطافِ والإحسانات الإلهيّة كالعكّاز تقديرًا وإجلالًا له جلّ جلاله؛ لأن الرفعة تقتضي التواضعَ، كما كان من شأن مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم المبعوث رحمة للعالمين، صاحب أعظم الدرجات وأرفعِ المقامات؛ الذي جسَّدَ طيلَةَ حياتِهِ تواضعًا ولينًا لا ندَّ له ولا نظير، وكما تتمايل الأشجارُ نحو الأرض وترتكن إليها كلما تثاقلت الثمار في أغصانها؛ ينبغي للإنسان أيضًا أن يُزيد من تواضعه ولين جانبه كلما زادت ألطافُ الله وإنعاماته عليه.

ومن ينظرون إلى ما وهبه الله لهم ومنَّ به عليهم على اعتبارِهِ مرتبة وترقية هم حقيقون بها؛ إنّما يتردَّون في الهاوية دون أن يشعروا على الإطلاق، وإنهم حتى وإن أنقذوا بلدًا أوشكت على الزوال؛ فسَيَحيقُ بهم تعنيف الله ولومه إيّاهم ويسقطون يومًا ما في هُوَّةٍ سحيقة جدًّا إذا نسبوا إلى أنفسهم ما أنعم الله تعالى به عليهم من تجلّيات وطلبوا التقدير والتصفيق مقابل هذا، وفي هذا قال فضيلة الأستاذ بديع الزمان: “مَن يقصّر منكم في الإخلاص فقد هوى من على برجٍ عالٍ، ولربما يتردى في وادٍ سحيقٍ، إذ لا موضع في المنتصف”[2]، وبتعبيرٍ مختلف؛ فإنَّ مَن يتردّون مما يُعادِلُ قمّةَ جبلِ “إفرست” مثلًا يندفنون في قعرِ بحيرةِ لوط، وكثيرًا ما يتجاورُ الأعلى والأدنى؛ فإن أعطى الإنسان حقَّ الأعلى ظلَّ ثابتًا هناك، وإن لم يعطه حقّه تدحرج من القمة وانحطَّ إلى القاع.

[1] الشوفينيّة: إفراط في الوطنية ينتهي إلى معاداة الدول والثقافات الأخرى.

[2] بديع الزمان سعيد النورسي: اللمعات، اللمعة الحادية والعشرون، ص 224.

تعظيمُ الله وتقديرُه حقَّ قَدْرِهِ

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ما الرسائل التي تحملها وتنقلها إلى الناس الآيةُ الكريمة: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَاْلأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (سُورَةُ الزُّمَرِ: 39/67)؟

الجواب: إن عبارة “وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ” الواردة في صدر الآية تعني: أنهم ما عرفوا الله تعالى حقَّ معرفتِهِ مستجمعينَ صفات جلالِهِ وجمالِهِ، وما عظَّموه حقَّ تعظيمه؛ إذ تجاهلوا قدرتَهُ المطلقة الغالبة على كل شيء، ورحمتَه وشفقتَه الأبدية، ونِعَمَهُ وألطافَهُ التي أَنْزَلَها على عبادِهِ، فلم يُعَظِّموه بما يليقُ به وبشأنِهِ العظيم سبحانه؛ ولذلك فقد انزلَقُوا في مستنقعِ إنكارِ الجميلِ وعدم تقديرِ الجليلِ.

ومن عبارة “حَقَّ قَدْرِهِ” نفهم أنه وإن كان بين هؤلاء الناس من قدَّره وعظَّمه جلَّ جلاله بقدرٍ معين إلا أنهم لم يقدروا ذا الجلال والكمال بالشكل الذي يستحقُّه ويليقُ بذاتِهِ العليّة؛ فثمّة فرقٌ بين “مجرد التقدير” و”التقدير بحقٍّ”؛ فالله تعالى هو من خلَقَنَا، وجعلنا في أحسن تقويم، ودعانا إلى الصراط المستقيم بواسطة الرسل والأنبياء وهدانا إليه، وحَفّزَ هِـمَمَنا بما وعدنا به من خيرٍ جزيلٍ، ووجَّه أبصارنا إلى دار القرار، ولم يكِلْنَا إلى أنفسنا طرفةَ عين، ومعرفةُ كل هذه الأمور واحترامُه تعالى وشكره بناءً على هذا العلم يمثل تقديرًا من العبد لربه سبحانه وتعالى، وأما خلاف ذلك فهو عمى وكفر للنعمة وعدم تقدير.

وتضرب الذاتُ الإلهيّة مَثلًا على عظمتها وجلالها بقوله تعالى: “وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ“؛ أي إنَّ الدنيا تبدو نقطةً صغيرة وشيئًا تافهًا بالنسبة لقدرة الحقِّ تعالى أيًّا كان حجمُ هذه الدنيا وجسامتُها في نظركم، وتعبير الآية عن قدرتِهِ سبحانه على الأرض إنّما يُقدِّم لمن يعيشون فيها رسالةً مفادُها أنْ: “اخضعوا أمام قدرتِهِ القاهرة وإرادتِهِ الباهرةِ، وتحركوا في دائرة الأمر والطاعة”.

وتخبرنا الآيةُ بعبارةِ “وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ” الواردةِ قبل خِتامها أنه سبحانه وتعالى سيطوي السماوات كطَيِّ السِّجلِّ للكتب؛ فيجعلها مطويّة كالورقِ الملفوف.

أما عبارة “سُبْحَانَهُ وَتَعَالٰى عَمَّا يُشْرِكُونَ” التي تُشَكِّلُ فذلكة الآية فتعني أنَّ الله مُنَزَّهٌ ومُبَرَّأٌ عما يشركُونه به هؤلاء.

بُعْدَا الخشية: المعرفي والوجداني

ثمة درجاتٌ مختلفةٌ لتقديرِ الله تعالى وإجلالِهِ تتفاوتُ بحسب مدى التعمُّقِ أو السطحيّة في الشعور بقدرة الله وعظمته في الكون، ودرجةِ الإحساس بما يغمرنا به من نِعَمٍ وألطاف.

وقد يتبادرُ إلى الذِّهْنِ هنا هذا السؤال: “هل هذا التقدير مجرّد معرفة، أم أنه يشمل كل أعضاء الإنسان بما فيه من لطائف؟” كما أن المحبة تتشكَّلُ وتنمو في أحضانِ المعرفة؛ فإن الحب مرتبطٌ بالعِلم؛ والأمر هكذا تمامًا إِنْ تكوَّنَ في القلبِ شعورٌ بالخشية أي شعورٌ بالخوف أساسُهُ ومحورُهُ احترامُ الله وتعظيمُه تعالى؛ فمثلُ هذا الشعور يقف وراءه العِلم بالدرجة الأولى، ومن ثم فربما يتحوَّل العلم إلى معرفةٍ وثقافةٍ وجدانيّة، ثم إلى طبيعة في الإنسان وعمقًا من أعماق طبيعته نتيجةً لذلك، والطاعات التي سيؤدِّيها المؤمنُ بعد هذه المرتبةِ تُصْبِحُ أحداثًا تتشكَّلُ بِفِعْلِ ما فيه من دوافع داخليّة، أي إنَّ قول الإنسان: “سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ اللهِ الْعَظِيمِ، اَللهُ أَكْـبَـرُ كَبِيرًا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا وَسُبْحَانَ اللهِ بُـكْرَةً وَأَصِيلًا” على سبيل المثال لن يكون لمجرد أنه أُمر ووُصِّي بقول هذا فحسب، بالعكس سوف تنبعُ من داخله هذه العبارات التقديريّة والتعظيمية مباشرةً حالَمَا يفيضُ قلبُهُ جَيَاشًا فائقًا بتدبُّرِ الأشياء والحوادث، ومطالعة القدرة القاهرةِ والإرادة الباهرة؛ فيسمو سُمُوًّا يفوقُ شعوره بالامتثالِ للأمرِ.

ومن هذه الناحية يتسنَّى القولُ إنَّه يمكن للمؤمن أن يُعَبِّرَ عن مشاعرِ تقديرِهِ للقدرةِ القاهرةِ والإرادةِ الباهرةِ والمشيئةِ السبحانية نظريًّا، غير أن حقيقةَ المسألةِ تكمُنُ في تحويلِهِ هذا التقدير إلى بُعدٍ داخليّ، وجعلِهِ جزءًا من طبيعتِهِ، وإلا فإنّه سَيُعَبِّرُ عن مشاعر التقديرِ والتعظيمِ لِمُجَرَّدِ أنه أُمِرَ بهذا فحسب، أو حينما وحيثما يُذكَّرُ بذلك، وأما القلوبُ المؤمنة التي شَكَّلَتْ مَعْسَلَةَ المعرفة في وجدانها بالتفكُّرِ والتدبُّر هي تلك التي تمتلِئُ وتفيضُ بأحاسيسِ التعظيمِ والتقديرِ في كلِّ مرحلةٍ من مراحل حياتها، بل وفي كل فينةٍ من حياة بعضها، فمثلًا حين يواجه حادثة ما يرى فيها تجلي القدرة والعظمة الإلهية يقول متأثرًا بها: “سُبْحَانَ اللهِ”، وحين يرى أنه قد غُمِرَ بالنعم من مفرق رأسه إلى أخمص قدميه يُـردِف من فوره قائلًا: “الْحَمْدُ لله حَمْدًا كَثِيرًا”، ويفيض حمدًا لله تعالى وثناءً عليه، وحين تتراءى أمام ناظريه تلك الإجراءات العظيمة الجسيمة التي تدلُّ على عَظَمَةِ الله تعالى وجلالِهِ يلهجُ بذكر الله وتعظيمه قائلًا: “اَللهُ أَكْـبَـرُ”.

وكما قال “رجائِيزاده محمود أكرم”:

الكون كُلُّه كتابُ الله الأعظمُ

فإذا تصفَّحْتَ أيَّ حرفٍ منه وجدتَ الله الأكرم

أي إنَّ أيَّ حرفٍ يعرضُ للمؤمِنِ يُعَبِّرُ له عن الله تعالى بما يَليقُ بِعَظَمَتِهِ وجلالِهِ، وذلك هو التقديرُ الحقيقيُّ، والمهمُّ هنا هو أن يجعلَ الإنسانُ تقديره لله تعالى مسألةً وجدانيّةً فطريّةً فيه.

تأثيرُ الخشيةِ على الفردِ ومحيطِهِ

ثمة حديثٌ نبويٌّ شريفٌ من شأنِهِ أن يُسَلِّطَ الضوءَ على هذا الموضوع، ألا وهو قول مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم حين رأى من يعبثُ بِلِحْيَتِهِ في أثناء صلاته: “لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هذا لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ[1]، فإن كان قلبُ الإنسان عامرًا بشعور الخشية من الله واحترامه حقَّ الاحترام سَرَى هذا في كلّ تصرُّفاته وسلوكيّاته حتى إنه يهيمن على كلَّ إيماءاته وإشاراته.

وهكذا فإننا حين ننظرُ إلى تصرُّفات وحركات وسكنات الأشخاص العظام من أصحاب القلوب العامرة بالخشية والتقدير فإننا نشعرُ ونُحِسُّ بأمارات وانعكاساتِ خشيَتِهم لله تعالى؛ وإذا ما خالَطْنَاهم اصطبَغْنَا بِصِبْغَتِهِم وحظينا بالسكينةِ والطُّمأْنينةِ؛ فقد عِشتُ تلك المشاعر والأحاسيس التي تشرح صدر الإنسان حين كنت أَشرُف بالوجود في حضرة الشيخ “محمد لطفي أفندي”؛ فهولاء الأشخاص العظام حين يذكرون اللهَ جلَّ جلاله والرسولَ صلى الله عليه وسلم أو يتصرَّفون بحساسيّة في شتى المواضيع يـبـثُّـون فيكم من الإيمان والإذعان ما تعجزُ الكتب أن تُعبِّـرَ عنه، وحالُ الشيخ محمد لطفي أفندي كان خيرَ مثالٍ لـهذا؛ فذات يوم حضر إليه أحدهم وقال: “سيدي الشيخ! حَجَجْتُ، فوجدت أن الكلاب التي في المدينة المنورة قد أصابها -من الإهمال أو من غيره- الجَرَبُ!!” فلما سمع الشيخُ هذا القولَ انتفضَ قائلًا: “اُسكُتْ! فالمدينةُ روحي فداها، بل وحتى فِدى كلابِها الجربة!”، ولا بدَّ أنَّ ما دفعَ فضيلةَ الشيخ لقولِ تلك الكلمات هو تَرَبُّعُ حبِّهِ العميقِ واحترامُه الجمّ لمفخرةِ الإنسانية صلى الله عليه وسلم على عرشِ قلبه، فعبَّرَ الشيخ من فَورِهِ عن هذه الحساسيّة، وهكذا فإن المسألةَ الحقيقيّة الجوهريّة هي إسلامُ المرء نفسَهَ لشلَّالٍ من الخشوع والخشية بحساسيّة عميقةٍ تجاهَ القِيَمِ المقدّسة، وتوجُّهَه إلى حيث يذهبُ به ذلك الشلال.

قيمةٌ مهمّة افتقدناها

مما يؤسف له أنَّ غرسَ هذه الأمور في الوجدان هو من أهمّ القِيَمِ التي افتقدناها؛ فقد افتَقَدْنَا نحن -ضحايا الإسلام الشكلي- قلوبَنَا، ونَسِينَا ديناميكيَّاتنا الداخلية، ومع أن بعضًا من القِيَمِ المنسوبة إلى الدين قد عُلّمَتْنا -نسأل الله أن يرضى عمَّن علَّمُوها- إلا أنّنا اكتفينا بالمعلومات النظريّة والتقليديّة والنقلِ فحسب دون أن نتمكّنَ من تعلُّمِ القِيَمِ الخاصّة بحياة القلب والروح، ومن ثمَّ لم يتسنَّ لنا أن نعيشها ونحياها، وكما ورد في قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: 88/26-89)، وقوله: ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ (سُورَةُ البَيِّنَةِ: 8/98)؛ فإن امتلاك الإنسان “قلبًا سليمًا” ينقذُهُ في الدار الآخرة إنما يتحقق باحترامه اللهَ ربَّه وخشيتِهِ منه سبحانه وتعالى.

وإنَّ عدم تأثُّرِ قلوبِنا بتلك الآية التي تُزَلْزِلُ المنابرَ والمحاريبَ إنّما هو تعبيرٌ وأمارةٌ أخرى على حالنا الذي يدعو إلى الحسرةِ والندامة؛ فذات يوم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم على منبره الشريف الآيةَ الواردة في هذا السؤال -الذي يشكل أساسَ موضوعِنا-؛ فتحرَّكَ المنبرُ تحته صلى الله عليه وسلم حتى كاد يُسْقِطُهُ عليه الصلاة والسلام من فوقه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هكذا بيده، ويحركها، يقبل بها ويدبر ثم قال: “يَأْخُذُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ سَمَاوَاتِهِ وَأَرَضِيهِ بِيَدَيْهِ، فَيَقُولُ: أَنَا اللهُ -وَيَقْبِضُ أَصَابِعَهُ وَيَبْسُطُهَا- أَنَا الْمَلِكُ“، يقول سيدنا عبد الله بن عمر راوي الحديث: نظرتُ إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه حتى إني لأقول: أساقطٌ هو برسول الله صلى الله عليه وسلم؟![2].

ولو أننا لم نفقدْ قلوبَنا وأحاسيسَنا لأَرْجَفَتْها هذه الآيةُ الجليلةُ التي هزَّتْ المنْبَرَ النبويَّ، ودفعَتْنَا إلى الخشيةِ.

فندعو الله تعالى أن يوفِّقَنا إلى النجاةِ من الشكليّة والسطحيّة، ويمكِّننا من النفوذ إلى الجوهر، وينقلنا من القالب إلى المعنى، وأن يملأ قلوبنا بشعورِ الخشيةِ حتى تُسيطِرَ وتسودَ في كلِّ تصرُّفاتنا وسلوكيّاتنا مدى الحياة! اللَّهم آمين.

 

[1] عبد الرازق: المصنف، 266/2؛ ابن أبي شيبة: المصنّف 86/2؛ البيهقي: السنن الكبرى، 404/2.

[2] صحيح مسلم، صفات المنافقين، 25؛ مسند الإمام أحمد: 304/9.

العَمَاية عن القريب، والعمل الدؤوب

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ثمة أناسٌ نشؤوا في عصور أشخاصٍ عظامٍ، بل وعاشوا في محيطٍ قريبٍ منهم، وبالرغم من هذا لم يستطيعوا الاستفادة منهم، ويبدو أن هؤلاء كثيرون كثرةً لا يُستهان بها على مرِّ التاريخ؛ فما هي أسبابُ ذلك؟ وما السلوكُ الذي ينبغي لنا التحلّي به لئلّا نقعَ في مثلِ هذا الموقِفِ؟

الجواب: قد لا يستطيع الإنسان رؤيةَ وتقديرَ ما لا يُقدَّرُ بثمنٍ من قيمٍ قريبةٍ جدًّا منه؛ وذلك أحيانًا لعجزِهِ عن ضبطِ وجهةِ نظرِه، وأحيانًا بسبب تعصُّبِهِ لشيءٍ ما وتأثُّره بمجموعةٍ من الأحكام المسبقة، وأحيانًا أخرى بسبب الحالةِ الروحيّة النابعةِ ممّا وقعَ في داخله من حَسَدٍ وحقدٍ، وناهيكم عن التقدير فإنه أحيانًا ما يعادي تلك القيمَ عداءً لا هوادةَ ولا رحمةَ فيه، ويمكنكم أن تُطْلِقوا على مثل هذه الحالة داء “العَمَاية عن القريب”.

أبو لهب: نموذج حقيقي في الحسد والغيرة

إن من يقعون في مثل هذا النوع من العمى والداء تستحيل عليهم -بأية حال- الاستفادةُ من الشخصيات العظيمة، ورؤيةُ ما تنبغي لهم رؤيته بسبب ما يكتنف نظرتهم إلى الأشياء من نقص وقصور؛ يتعذر عليهم ذلك حتى وإن عاشوا معهم ولازموهم كل الملازمة، تمامًا كما هو الحال في مثال أبي لهبٍ، العم الشقيق لرسول صلى الله عليه وسلم، والذي عاش معه صلى الله عليه وسلم في نفس البيئة والمحيط المنزلي، وكثيرًا ما احتضن أبو لهبٍ تلك الشخصيةَ العظيمة عليها أفضل الصلاة والسلام، ولاعبَهُ في صغرهِ، وقد أَذِنَ لجاريتِهِ “ثويبة” بأن ترضعه عليه الصلاة والسلام[1]، وتجاورَ منزلُهُ مع منزلِ النبيّ صلى الله عليه وسلم سنين عددًا، فكثيرًا ما كانا يلتقيان في الطريقِ، كما أسَّسَ أبو لهب رابطةَ قرابةٍ أخرى حينما زوّجَ ولديه “عتبة” و”عتيبة” بالسيدتين: رقية وأم كلثوم كريمتي الرسول فخر الكائنات صلى الله عليه وسلم.

وبإيجازٍ: فلقد شهد أبو لهب ورأى ما تحلَّى به مفخرة الإنسانية في حياته كلها من أخلاق حسنة طيبة، ومع هذا كان تعيسَ الحظِّ؛ إذ لم يؤمن برسالة سيِّدِ الأنبياء؛ فانغرسَ في وحلِ داءِ “عَمَاية القريب”، ولم يقفْ الأمرُ عند كفرِهِ به صلى الله عليه وسلم؛ بل صار من ألدِّ خصومِهِ وأعدى أعدائِهِ. أجل، لم يرضَ، بل قُلْ لم يرغبْ أحدُ أقربِ أقرباءِ مفخرةِ الإنسانيّة -الذي اصطفَّت النجوم تحت قدميه مرصوفةً كأحجارِ الرصيفِ- أن يُقْبِلَ ويؤمنَ بعظمتِهِ ورفعتِهِ عليه الصلاة والسلام.

ومن هذه الناحية فلا بدَّ أن نعلمَ أن مَنْ استعملهم الحقُّ تعالى في كثيرٍ من الخدمات العظيمة ربما يتعرّضون لتحقيرِ وإساءةِ بعضِ من يعيشون في المحيطِ القريبِ منهم بالرغم من أنشطتهم وفعاليّاتهم التي تستحقُّ تقديرًا عظيمًا، بل إنهم قد يتعرّضون لخيانتهم وعداوتهم، وأهمّ أسباب ذلك سَخَطُ الخصوم على حكمِ القَدَرِ، وعدمُ رضاهم بتقديرِ الله، ووقوعُهم في دوّامة الحسد، والفهم السقيم، بينما جميع الإمكانيات والملكات التي يحظى بها الإنسان إنما هي من تقدير الحقِّ تعالى، والحكمُ بيده سبحانه ليس إلا.

استعمال البسطاء في مهام كبرى

كما يكلِّفُ الله جلَّ جلاله الكبار والعظام بأعمال كبرى أحيانًا؛ فقد يستعمل الأشخاص البسطاء أيضًا في مهمات عظيمة جدًّا، ويوفِّقهم إلى إنجازِ أعمالٍ فائقةٍ، وربما أنَّ ما يجبُ على الإنسان فعلُه في هذا الشأن إنما هو توجهه إليه سبحانه وسؤاله بصفاءٍ قلبيٍّ، وعدم استحقاره أحدًا ولا الاستخفاف به إطلاقًا؛ فكم من الناس من يبدو وكأنه متشرد بينما قلبه مليء بالكنوز، وهو ما عبر عنه “إبراهيم حقي” شعرًا فقال:(ترجمه)

يقول حقي:

إذا أردت أن تكون ماهرًا بهذا الطريق

فلا تُفشِيَنْ سرَّكَ أيُّها الصديق

ولا تَحْقِرَنْ أهلَ الخرابات يا “ذاكرُ”

فكم من خرابات بالكنوز تزخرُ

ويُروى أنّه كان لإبراهيم حقِّي ولدان؛ أحدهما يُدعى ذاكرًا والآخر يُدعى شاكرًا، فكان ذاكر ولدًا صالحًا مشغولًا دائمًا بذكر الله، أما شاكر فكان في تلك الحقبة لا يبرحُ الخمّارات ولا يفيقُ من السُّكر، وفي يوم من الأيام اصطحب حقي أفندي ولده ذاكرًا، وسارا سويًّا؛ فمرَّا خلال طريقِهما على خمّارةٍ، فأمر إبراهيم حقي أفندي ولدَه أن ينتظرَه في الخارج ودخل هو تلك الخمارة، فلما دخلها وجدَ ابنه شاكرًا ثملًا مطروحًا على الطاولة؛ فسأل صاحب المكان: كم على ولدِهِ من دين، ثمَّ سدّده عن ابنهِ، ثم خرج وواصل المسير هو وولده ذاكر، فلما أفاق شاكر أراد أن يسدِّدَ ما عليه من مالٍ لصاحبِ الخمارة ويخرجَ، لكن صاحبها قال له: “لا شيء عليك، لقد سدَّدَ والدُك كلَّ دينِك”، وعندها كادَ شاكرٌ أنْ ينهار، واعتصره شعورٌ مذهلٌ بالحياء والخجل، فاقتفى أثر والده من فورِه ينشدُه، فوجدَهُ على حافَّةِ هاويةٍ قد جلس هو وذاكرٌ، فاستمع شاكرٌ حديثَهما خلسةً منهما؛ فإذ بأبيه حقي أفندي يقول لذاكرٍ: “أي بنيّ! توفِّيَ واحدٌ من الأولياء الأربعين، فإن تقفزْ أنت من تلك الحافّة، فإنّك تَنُوبَ منابَهُ”، غير أنَّ ذاكرًا تردّد، ولم يستطع القفز بأية حال، فقال شاكرٌ الذي كان يسترق السمعَ: “أبتاه! ماذا لو قفزت أنا؟ أينفع ذلك؟”، ثم طلب منه أن يسامحه وقفز في الحال، وبهذا صار واحدًا من الأولياء الأربعين، وبناءً عليه قال السيد حقي أفندي ذيكما البيتين المشهورين وسط ذهول ابنه ذاكرٍ ونظراته الحائرة.

ولا بد في المناقبِ من النظر إلى معنى الحوادث والعبرةِ المُستَخلَصَةِ منها لا إلى أصلها؛ فقد تكون تلك الحادثةُ صحيحةً أو خاطئةً، بيد أنَّ الحقيقةَ المراد التعبير عنها إنّما هي في غاية الأهمّيّة، وقد قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تعبيرًا عن هذا المعنى: “كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لاَ يُؤْبَهُ لَهُ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ مِنْهُمُ البَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ[2].

أجل، إن الله جلَّ جلالُهُ قد يستعمل أناسًا -ربما تستصغرونهم ولا تبالون بهم- في أعمالٍ عظيمةٍ، لدرجة أنكم تعضون على أناملكم دهشة وحيرة أمامها، ومثلما أنَّ الله تعالى يَسْتَنْشِئُ النمل الأبيض أو ما يُسمَّى بـ”الأَرَضَةِ” أبنيةً أعلى بكثيرٍ من قامتِه، فإنه يَسْتَنْشِئُ أناسًا تستصغرونهم وتعدّونهم عاديّين كالنمل الأبيضِ أبراجًا شاهقةً، حيث إن قادةً مثل ساداتنا: أبي عبيدة بن الجراح والقعقاع وسعد بن أبي وقاص رغم أنهم كانوا أفرادا عاديين نشؤوا في البادية؛ فقد أخضعوا خلال فترةٍ زمنيّةٍ قياسيّةٍ الإمبراطوريتين الفارسية والبيزنطية التي ظُنَّ أنهما لا تسقطانِ، وأنّه ليسَ من الوارِدِ وقوعهما، وأرشدوهما إلى الطرق المؤدّية إلى الإنسانية الحقيقية.

عبارات يخالطها الشرك بالله: “إنما أوتيته على علم عندي”

يقول الله جلَّ جلالُهُ: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 5/54)، والنفس على حدِّ تعبير الأستاذ سعيد النورسي: “أدنى من الكل، والوظيفة أسمى وأعلى من الكل”[3]، وإن كنا أناسًا بسطاء عاديين فهذا لا يمنعُ من أن يستعملنا الله جلَّ جلالُهُ بعنايتِهِ وقدرتِهِ الأبديّة في خدماتٍ عظيمة جدًّا؛ وهذا لطفٌ وإحسانٌ إلهيٌّ صرفٌ لا يتأتّى إلا منه تعالى، وكلُّ ما يُقال في هذا الشأن من كلمات مثل: “نحن فعلنا، ونحن عملنا، ونحن خطّطنا لهذا بينما الآخرون ما كانوا يرون هذا ويفكرون فيه ولو حتى في أحلامهم” يفوحُ شِركًا، ولذلك فلا بدَّ من البُعْدِ التامّ عن مثل هذه المزاعمِ والأقوالِ، وعلى حدّ قولِ الأستاذ بديع الزمان -وكما هي القاعدة العربية- أيضًا فإنَّ: “نفي النفي إثبات”[4]، وعليه فإنكم لا تستطيعون الوصول إلى أية قيمة طالما أنكم لا تنكرون أنفسكم، وإن كان لا بدَّ من استيضاحِ المسألة بعبارة تتردّد وتتكرّر كثيرًا؛ فإنَّ الخالدَ الباقيَ حقًّا واحدٌ ولا أحدَ خالدٌ باقٍ غيره، وإن كانت ثمة قيمة محدّدةٌ للموجودات الأخرى أمام الخالد المطْلَقِ فإنها الصفرُ ليس إلا، ولذلك فإن العلاقة بين الإنسان والله جلّ جلاله تُشبه العلاقة بين الصفر والخلود؛ فالله هو الخالد الباقي، أما الصفر فهو الإنسان الفاني، غير أنه بالرغم من خلو الصفر من أية قيمة ذاتية إلا أنّه يكتسب قيمة إذا ما استُخدِم عن يمين الأرقام؛ وهكذا الأمر بالنسبة للإنسان فإنه حين يلجأُ بعجزه وفقره إلى الله تعالى يكتَسِبُ قوّة عشرات، بل مئات، بل وآلافٍ كالأصفارِ التي توضَعُ إلى جوارِ أَلِفِ لفظِ الجلالة.

الظلم لا يدوم أبدًا

وإذا انتقلنا إلى الشطر الثاني من السؤال؛ فإن الأرواح المخلِصة التي نذرت نفسها للخدمة ابتغاءَ مرضاة الله قد يُحيطها ويطوقها بعدة أطواق الظالمون الجائرون الذين لا يعترفون بحقِّ أحدٍ غيرهم في الحياة، ويُخطِئُون في فهم معنى التنافس (التسابق في سبيل الله)، ويتحركون محشوِّينَ بِمشاعرِ المزاحمةِ ثم يقولون: “نحن فحسب ولا أحد غيرنا في هذا العالم!”، غير أنه يستحيلُ توقُّعُ استمرارِ هذا الوضع ودوامُهُ إلى الأَبَدِ، لأنَّ الظلمَ لم يدم في أيِّ زمان على الإطلاق، والله تعالى يُمهل الظالم، ولا يهملُهُ، وكما وردَ في الحديثِ النبويِّ الشريف فـ”إن اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (سُورَةُ هُودٍ: 102/11)”[5]. أجل، “قد يدوم الكفر لكن الظلم لا يدوم”؛ فَيُرْجِئُ الله جل جلاله الكفر للنظر فيه في المحكمة الكبرى يوم الحساب، فيعاقب عليه في حضرة كبريائه، غير أن الظلمَ ينالُ عقابه في الدنيا إما عاجلًا وإما آجلًا، ويلقى الظالمون جزاءهم لا محالة لأنه اعتداء على حقوق العامة، وحقوق الأبرياء.

كما أن هذا الطريق هو طريقُ الله، والله جلَّ جلالُه لا يتخلّى أبدًا عمن يسير بإخلاصٍ وصدقٍ في هذا الطريق، وكما تفضّل سبحانه وتعالى في الآية الكريمة ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 140/3)؛ فإنه يُعرِّض للهزيمة أحيانًا، ويمتحنُ بابتلاءاتٍ ومصائبَ أحيانًا أخرى لِحِكَمٍ مختلفةٍ يعلمُها هو جلَّ وعلا، ويُشكِّلُ الأشياء والحوادث بِيَدِ قُدْرَتِهِ وفق ما يريد سبحانه، ولذلك فإن كان اليومُ عيدًا بالنسبة للبعض؛ فالغدُ عيدٌ بالنسبة للبعضِ الآخر، وإن كان اليوم مأتمًا للبعضِ فالغدُ مأتمٌ للفريقِ الآخر، إذن ينبغي للأبطال الراغبين في إبلاغِ الإنسانية بإلهاماتِ أرواحهم ألا ينشغِلوا بما يقوله ويفعلُه الجاهلون، على العكس تمامًا فينبغي لهم أن يقولوا: ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ (سُورَةُ القَصَصِ: 55/28)، وأن يشغلوا قلوبَهم وعقولَهم بالبحث عن “كيفية إيصال دساتير القرآن الماسيّة وجماليات الإسلام إلى الناس على أفضلِ نحوٍ وأحسنِهِ”، ولِقلوبِ المخاطبين حينئذٍ أنْ تقبلَ أو ترفضَ بإرادتها الحرّة؛ فالنتيجة ليست من شأننا، لكنَّ العملَ مطلوبٌ منا؛ فعلينا أن نُغَلِّفَ هذه القِيَمَ الخاصّةَ بنا بأجملِ الأغلفةِ، ونزيِّنَها بأكثر النقوش والزخارف بهاءً، ثم نُسَوّقها ونطرحُها في الأسواق العالمية بأكثرِ الأساليبِ جذبًا.

أجل، يلزم ألا ننظرَ إلى فتراتِ التعرُّضِ للظُّلْمِ والاضطهادِ على أنها ظلامُ ليلٍ حالكٍ دامس، وألا نَقْنَطَ وألا نتشاءَمَ أبدًا، لأنه وكما يُخَلِّفُ كلُّ شتاء ربيعًا؛ فكلُّ ليلٍ يعقبه صباحٌ بلا شكٍ، ولذا يجب ألا ننسى أنَّ نهارًا سيأتي بعد الليل البهيم، وأنَّ شمسًا ستُشرِقُ بعدَ السوادِ الحالك، فينبغي لنا أن نُعِدَّ في ظلام الليل خطَّةً لمستقبلٍ مشرقٍ منيرٍ، وبالشكل نفسه يلزمُنا أن نضعَ في حسباننا ونحن ننعمُ بالنهار أن ليلًا آخر سيخلفُه، وبتعبير آخر فإنَّه حريٌّ بالمؤمن بينما يحثُّ جوادَه في جوِّ النهار المنيرِ فرحًا فخورًا ويتبختر به يمنةً ويسرة؛ ألَّا ينسى أن ليلًا آخر سيحلُّ بعد النهار، وعليه أن يجهِّزَ خطَّةً وإستراتيجيّة مستقلّةً لهذا الليل؛ لأن أحداث التمرُّدِ والتنازُعِ لم تنقطِعْ ولم تتوقّف قطُّ على وجهِ الأرض حتى اليوم ولن تتوقَّفَ؛ فستظهر حركاتٌ من العناد والعصيان تتمحورُ حول الإلحاد والكفر أحيانًا، والحسد والغيرة أحيانًا أخرى، سوف تعترض طريق الناس بآلاف من الحِيَلِ والمؤامراتِ، ولهذا السبب يجب ألا نُبقيَ تفكيرنا معلّقًا بسواد الليل وألا نُصابَ بالذعرِ والهلعِ منه، وألا نفرحَ بِضياءِ النهارِ ونركنَ إليه؛ علينا أن نُعِدَّ ليلًا خُطَطَ النهار (المستقبل) ومشاريعه، ونجهز نهارًا أيضًا استراتيجيات الليلِ (الأزمات) وظلمتِهِ.

الحركة والعمل الدائمين المتواصلين

ينبغي لمثل هذه القلوب المؤمنة أن تستثمرَ كلَّ لحظة في عمرها في فلكِ العمل الصالح؛ فتحملَ إلى الليل ضوءَ النهار، وإلى الشتاءِ دفءَ الربيع، فالإيمان في حدِّ ذاتِهِ يُكلِّفُ الإنسان بالعمل الصالح في كلِّ موقفٍ وظرفٍ بقدرِ ما يطيقُه.

ويمكنكم من أجل فهمِ معنى العمل والحركة الدائمين المتواصلين بهذا المعنى أن تتذكَّروا ذلك المسير في أثناء الطواف، فكما هو معلومٌ فإنَّ المُسلِمَ حينما يرملُ في الطواف فإنّه يُسرعُ في إنجازِ الأشواطِ مع هزِّ الأكتافِ وتقاربِ الخطى ما دام صحنُ الطوافِ يسمحُ بذلك، فإذا لم يسمح المطاف بذلك لشدّة الزحامِ فإنه يُراوِحُ مكانه متلبِّسًا بالحركةِ والقفزِ دون إيذاءِ أحدٍ، أي إنه يتحرك على كلِّ حال، فيحافظ على شدّه المعنوي، ويواصل -بإذن الله وعنايته- مسيرَهُ في المكانِ والزمانِ المناسِبَينِ.

أجل، إن الجمودَ قصورٌ ذاتيٌّ، والأشياءُ بطبيعَتِها جامدةٌ، ومن يُحَرِّكُها هو الله جلَّ جلالُهُ، والإنسانُ مرتبطٌ بنواميس عالَمِهِ الطبيعيّ، فحينما يقفُ في مكانِهِ يبدأُ في مرحلةِ السقوطِ والتشتُّتِ، مثلُهُ في ذلك مثل النيازِكِ تمامًا حين تتعرض لفراغٍ جوِّيٍّ؛ فإنها تقعُ تحت تأثيرِ جاذبيّةٍ أخرى، فتتآكل بالاحتكاكِ، ثم ما تلبثُ أن تذوبَ وتنقرِضَ، لكن الإنسان إن واصلَ الحركةَ حيث يكون مثلما تواصلُ الشمس والنجوم والقمر دورانها؛ فإنه يظل حيًّا، وينشر حوله الأنوارَ والأضواء التي يستمدّها من نورِ الحقيقة.

وإن تقسيم الحقِّ تعالى العباداتِ الواجبة على فتراتٍ زمنيّةٍ محدّدةٍ وموزّعَةٍ على مدارِ اليومِ وتكليفَهُ بها مثالٌ لافتٌ من أجلِ فهمِ روحِ وكُنْهِ الحركةِ الدائمةِ والمتواصلةِ.

فالإنسان يقومُ في جزءٍ محدَّدٍ من الليل امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ (سُورَةُ الإِسْرَاءِ: 79/17)، فيتلو القرآن، ويصلّي صلاة التهجُّد، ويجأرُ في وقت السَّحَرِ أيضًا بالاستغفار ممتثِلًا قولَ الله تعالى ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ (سُورَةُ الذَّارِيَاتِ: 17/51)، فإذا حان وقتُ صلاةِ الصبحِ يُصلي سنَّةَ الفجرِ أوّلًا ثم الفرض، وحين تُشرِقُ الشمسُ ويزولُ وقت الكراهة يُصلِّي صلاةَ الإشراق، كما يصلي صلاة الضحى حتى قبيل صلاة الظهر، فيقيم صلاةَ الظهر في الوقتِ الذي تُثقِلُ كاهلَهُ أعباءُ عملِهِ اليومي، وعندما يُقبِلُ على الحضرةِ الإلهية بأداء صلاة العصر يكونُ وكأنَّهُ حوَّل تعب اليوم الساحِقِ الذي زاد عليه إلى رحلة تأملية في آفاق الروح، فينعمُ بقسطٍ من الراحةِ، ثم يؤدّي صلاتي المغرب والعشاء بنفس الشعور والفكرِ أيضًا، وبهذا يَسْلَمُ من أيّ فراغٍ وخواءٍ روحيّ.

لقد وزّعَ الله تعالى عباداتنا اليوميّة وفقَ تقويم زمني لا يتخلّلُهُ الفراغ، وعليه فينبغي تقسيمُ الخدماتِ التي ستُبْذَلُ في سبيلِ الإنسانية لِتُنْجَزَ على مدارِ أسابيع وشهور ومواسم بل وسنوات عملًا بمفهوم الحركة والعمل الدائِمَين المتواصِلين، وحريٌّ بكلِّ مؤمنٍ فيما يتعلَّقُ بهذا أنْ يعملَ وكأنَّهُ خبيرٌ إستراتيجيّ؛ فيُحدِّدُ الأعمال التي يستطيعها من أجل نفسه وعائلته والمجتمع الذي يعيش فيه، وبهذا يحمي حيويّته الذاتيّة وطاقتَهُ الإنتاجيّة؛ لأن أجدادَنا قالوا: “يلمعُ الحديد عندما يعملُ”، ومن هنا فإنَّ العملَ والنشاط الدائم هو السبيلُ إلى البريقِ والحياةِ دون اندثارٍ أو تعفُّنٍ.

وقد استخدم القرآن الكريم في أغلَبِ الآيات التي تحدَّثَ فيها عن المؤمنين عبارةَ ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (سُورَةُ البَقَرَةِ: 25/2) فَلَفَتَ بذلك النظرَ إلى جانبِهم الحركيّ والعمليّ؛ فالعملُ الصالِحُ يعني العملَ التامَّ دون نقصٍ ولا قصورٍ، وكما سبقَ في مثال الصلاة؛ فثمة ضرورة إلى مراعاة الخشوع أي العمق الداخلي الذي يعكس العلاقة بالله تعالى إلى جانب مراعاة أركان الصلاة وشروطها من أجل أدائها أداءً تامًا كاملًا، وجميعُ الأعمالِ التي يضطلع بها المؤمن تقتضي منه أيضًا أن يؤدّيها مراعيًا شروطَها الداخليَّة والخارجية على حدٍّ سواء، وهكذا وبعد أن يؤمن المؤمنُ بالله وتنطبقَ عليه صفةُ الإنسان الأمينِ فإنه لا يتركُ اعتقادَهُ مجرَّدَ أمرٍ نظريٍّ، وإنما يؤيّده ويقوّيه بالحركة والعمل.

وكما كان الحال في عصر الخلفاء الراشدين خاصةً، وعصر السلاجقة وأوائل العصر العثماني فإنَّ الأفراد والمجتمعات التي كانت تضطلع بأعمالها في إطار روح الحركة الدائمةِ ليلَ نهار ثَبتَت وصمدت بإذن الله وعنايته؛ إذ سارَتْ قُدُمًا دون أن تتردَّى أو تتهاوى، ولكن يمكن القول ارتباطًا بفكرة الأتمِّيَّةِ والأكمليّة -ولا أقولُ هذا طعنًا في أجدادنا العِظام ولا تشنيعًا بهم؛ فأصغرهم تاجُ رأسي وسيّدي- إنه ما إنْ حدث فراغٌ وخواءٌ في خطَّةِ الفِكْرِ والحركةِ والعملِ حتى قعدَ الحكّام عن الخروجِ للجهاد على رأسِ الجيوش، وبدؤوا يعيشون حياة فارهةً في القصور، وبطبيعة الحال وبالتوازي مع هذا؛ أسلمَ الشعبُ نفسَهُ للراحةِ والفتورِ، ونسيَ السعيَ والركضَ من أجلِ تحقيقِ فكرةٍ مثاليّة سامية، وخلدَ إلى الفراش الوثيرِ الدافئِ، وقد تعرَّضَ من أسلموا أنفسَهم لقبضةِ وحشِ الدنيويّة على هذا المنوالِ لِغَدْرِ رغباتِهم، وانصهَرُوا وسقطُوا في شِباكِ رغباتِهم الدنيويّة وشهواتِهم البدنيّة، وفي فترةٍ كهذه تغيَّرَ فيها وفَسَدَ تمامًا مِحوَرُ “مفهومِ المجتمع” فَشِلَتْ وخابَتْ -رغمَ المحاولات المتكرّرة- آمالُ الحكّام من أمثال مراد الرابع، وعثمان الثاني اللذين كانا يعرفانِ جيِّدًا ما يقعُ على عاتقهما من مهمّات، وربما أنَّ هذا حدث بفعلِ أساليب شتى استخدمَتْها بُؤَرُ الشر الداخلية والخارجية.

والحاصل أن من أسلموا أنفسَهم للجسمانية ولِدَعَةِ وفتورِ الحياة الدنيويّة تعرّضوا -ودون أن يدرُوا أو يُدركوا أيَّ شيءٍ- لِغَدْرِ تلك الراحة والدعة، ووقعوا ضحيةً لها؛ فهلكوا.

 

 

[1] انظر: صحيح البخاري، النكاح، 21؛ البيهقي: السنن الكبرى، 262/7.

[2] سنن الترمذي، المناقب، 125؛ أبو يعلى: المسند، 66/7.

[3] بديع الزمان سعيد النورسي: الشعاعات، الشعاع الرابع عشر، ص 477.

[4] بديع الزمان سعيد النورسي: الكلمات، الكلمة السابعة عشرة، المقام الثاني، ص 233.

[5] صحيح البخاري، تفسير سورة هود 5؛ سنن الترمذي، التفسير، 12.

قوة الإيمان المنيعة

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ما هي أكبر العوائق التي قد يواجهها من يرغبون في إيصال إلهامات أرواحهم وتبليغِ جماليّات القِيَمِ التي يؤمنون بها إلى قلوبِ الآخرين؟

الجواب: إنَّ أكبرَ عناصرِ الامتحانِ بالنسبةِ لِلْبَشَرِ هي الرغبات والأهواء الدنيوية، وقد ارتُكِبَ كمٌّ هائلٌ من المظالم ووقعَت حِزْمةٌ من الأزمات في المجتمعات التي تُطَوِّقُ هذه العناصرُ مشاعرَ أفرادِها وأفكارهم، وتُخيِّمُ عليها وتطغى، وتعرَّض العديدُ من رجال الحقِّ والحقيقة وفي مقدِّمتهم الأنبياء عليهم السلام لاعتداءاتٍ وهجماتٍ قاسيةٍ جاحدةٍ، ولشتّى أنواع الإهانات والافتراءات، بل وحتى لِمحاولات القتلِ وللمذابحِ أيضًا، كما أنَّ أوَّلَ حادثةٍ تكوي القلوب والأكباد قد وقعت في بيت سيدنا آدم عليه السلام الذي تنَزَّلَ عليه الوحي زخًّا زخًّا، ومع أن قابيل نشأ في مناخٍ كهذا إلا أنه قتلَ أخاه هابيل كي يَصِلَ إلى شهواتِهِ الدنيويّة الفانية، قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 27/5-30)، وهكذا بدأَتْ أَوَّلُ جريمةٍ بإغواء الشيطان للإنسان، وتتابعَ على إثرها الكثيرُ من حوادثِ الإغواء والانخداع، ولـمَّا تنتهِ بَعْدُ.

وكما ورد في أحَدِ الكتبِ المقدَّسَةِ؛ فإن سيدنا داود عليه السلام الذي أرسَلَهُ الله إلى بني إسرائيل ليُنقِذَهم من الاضطهاد والذُّلِّ وليقودَهم إلى العِزَّةِ والرِّفْعَةِ قد تعرَّضَ على أَلْسِنَةِ قومِهِ لافتراءاتٍ لا يُتَّهَمُ بها ولو حتى الأفراد العاديّون مثل الزنا والقتل، -حاشا وكلّا أن يقعَ منه ذلك عليه السلام- واضطره قومُه إلى الحلفِ بالله على التابوت، محاولين التضييقَ عليه وإلجاءه إلى ما لا يرغبُ في فِعْلِهِ.

أما سيِّدُنا رسولُ الله مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم فقد تعرَّض للعديد من الاتهامات على أيدي أعدائه؛ فَرَمَوهُ بأنه -حاشا وكلَّا ألف مَرّة ومَرّة- ساحرٌ مرّةً، قال تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾ (سُورَةُ يُونُسَ: 2/10)، ومرّة أخرى بأنه شاعر، قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ﴾ (سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ: 5/21)، ومرّة أخرى بأنه كاهن، قال تعالى ردًّا عليهم: ﴿وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (سُورَةُ الْحَآقَّةِ: 42/69)، وبذلوا جهدهم كي يمنعوا الحقائق التي سيُبَلِّغها عن ربه تعالى من أن تدخلَ في القلوبِ فَتُنِيرَها.

أَذْهَبْتُمْ طيباتكم في حياتكم الدنيا!

وقد تقعُ حوادث كهذه في يومنا هذا أيضًا، ومن المُؤكَّدِ أنّها لن تتوقَّفَ لاحِقًا، والمهمّ هو ألا نفعلَ مثلما فعلَ بعضُ الشعراء حينما خلَّدوها كملاحمَ للأحزانِ والهمومِ، ونقلوها إلى الأجيال اللاحقةِ كرسائل شكوى. أجل، إن المهمّ ههنا هو أن يتقبَّلَ الإنسانُ برضًا تامٍّ كلَّ هذه الملِمَّات التي تحلُّ به، وألَّا يتشكّى منها إلى الناس، وأن يتحيَّنَ الفُرَصَ وأوقاتَ العزلةِ فيلجَأَ إلى الله تعالى ويبثّ إليه سبحانه وتعالى ما يعتمِلُ في صدرِهِ، بيدَ أنه ينبغي له وهو يفعلُ ذلك ألا يُسمِعَ أحدًا صَرْخَتَهُ وصيحتَهُ؛ فاللهُ جلَّ جلالُهُ ولا أحدَ سواه هو مالكُ الزمانِ والمكان، والحكمُ حكمُهُ، ومِنْ ثَمَّ فليسَ مِنْ شأنِنا التدخُّلُ في النتائِجِ، وعلينا أن نحترمَ أحكامه تعالى بشأننا ونقدرها حقَّ قدرِها، ونمضي قدمًا في طريقِنا متمثِّلين قولَ الشاعر التركي الصوفي إبراهيم تَنُّوري:

ما أعذب البلاء إن كان من جلالِهْ!

وما أحلى الوفاء إن كان من جمالِهْ!

فـــــكـــــلاهــــــــمــــــــا صــــــــفــــــاءٌ لــلـــــــروح

فما أحلى لطفه! وما أعذب قهره!

فقد يأتي الجفاءُ من الجلالِ حينًا، والصفاءُ من الجمالِ حينًا آخر، ولا بدَّ من التسويةِ بينهما هما الاثنين؛ فلا يُفرَحُ بالصفاءِ، ولا يُستاءُ من الجفاءِ، ولنتَرَفَّعْ عن مثلِ قولِ: أَلِأَنني فعلتُ كذا وكذا أصابني ما أصابني؟ لماذا تحُلّ بي أنا دائمًا هذه الآلام والأزمات والشائعات والأحقاد والمظالم؟ وما أجملها في هذا الموضوع من كلماتٍ أبيات الشيخ “محمد لطفي أفندي” التي تَبُزُّ بِحُسنِها بريقَ اللؤلؤِ والمرجان:

يقول عاشق الحقّ عن مُرهَفِ الحِسِّ:

لا تـمــتــعــض مــمّــن يـؤذي

فمن امتعض من الأذى

قلّتْ درجتُه عن المؤذي

أجل، إن كنتم تتشوَّفون إلى الكمال في الآخرة فَحَذَاريكمْ أن تطلبوه هنا من الأشياء الدنيويّة؛ فما طلبُ ذلك من الدنيا إلا علامةٌ على النقصِ؛ وإنَّ انتظارَ أمورٍ دنيويّة مثل تصفيق الناس وتقديرهم ليس إلا استثمارًا خاسِرًا وزائفًا بالنسبة للآخرة، وقد حذَّرَنا القرآن الكريم من هذا فقال سبحانه وتعالى فيه: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ (سُورَةُ الأَحْقَافِ: 20/46)، ولذا فحريٌّ بنا أنْ نُرجِئ إلى الدار الآخرة طلبَ كلِّ ما سيمُنُّ به الحقُّ تعالى علينا من أنواع اللُّطْفِ والنعيم، وألا نستَنْفِدَ ههنا في دار الفناء هذه كلَّ الخيرات والهِبات التي وُعِدنا بالحصول عليها في الآخرة.

وثمة قصة مُعَبِّرَة تُحكى فيما يتعلقُ بهذا الموضوع؛ إذ حُكيَ أنَّ زوجةَ أحد عباد الله الصالحين اشتكت إلى زوجِها صَلَفَ العيش وضيقه، وطلبت إليه أن يدعو الله كي يخلصهم من هذا الحال؛ فلم يكسر الرجل الصالح بخاطر زوجه وراح يدعو الله؛ فاستجاب الله دعاءه؛ فما برِحا مكانهما إلا وقد ظَهَرَتْ إلى جوارهما لَبِنَةٌ من الذهب؛ فقال الرجل الصالح لزوجِهِ: “ها هو ذا! إنها إحدى لَبِنَاتِ قصرِنا في الآخرة”، فقالت المرأةُ المباركة نادمةً على أن طَلَبَتْ من زَوجِها ما طَلَبَتْ: “رغمَ أنَّنا محتاجون حقًّا؛ لكنه وكَيلَا تضيعَ في هذه الدنيا الفانية جائزةٌ واحدةٌ سنحصلُ عليها بإذن الله في الآخرة عالمِ البقاءِ، وكَيلا تنقصَ لبنةٌ من لَبِنَاتِ قصرِنا في الجنّة؛ أسألُكَ أن تدعوَ الله تعالى ثانيةً -كما دعوتَهُ أوَّلًا- أن يَرُدَّ هذه اللبنة إلى مكانها”؛ فدعا الرجل الصالح ربَّـــهُ ثانيةً نزولًا منه على رغبةِ زوجتِهِ الصادقةِ هذهِ، فاختفَتْ تلك اللَّبِنَةُ فجأةً عن الأنظارِ، وعادت من حيثُ أَتَتْ.

أجل، إن القوَّةَ المنيعةَ لِمَنْ نَذَرُوا أنفسَهم للحقِّ، وتعلَّقَتْ قلوبُهم بغايةٍ ساميةٍ واستهدفوا إعادة نجمِ مستقبلِ أمَّتِهِم إلى بَريقِهِ ولَمَعَانِهِ من جديد؛ لَتَتَمَثَّلُ في أنْ يُباعِدوا بينهم وبين الدنيا، وأن يتحرّكوا بروحِ الاستغناءِ، ويقِفوا أنفسَهم على تحقيقِ سعادة الآخرين التامّة، وهذا لا يمنعُ مَنْ يعيشون على التجارة ويواصلون حياتهم بما يكسبون منها، ويدعمون خدمةَ الإيمان والقرآن مِنْ أن يطلبوا الدنيا كسبًا شريطةَ أن يهجروها قلبًا، غير أنه ينبغي لرجالِ الخدمة الذين يُمَثِّلون هذا العمل وقد نَذَرُوا أنفسَهم له أن يَثْبُتُوا في مواجهة الدنيا، وأن يتصرَّفُوا باستغناءٍ دائمًا؛ لأن استغناءَهم هو أعظمُ أَرْصِدَتِهم، وكلّما استغنوا أكثر كلّما أصغى الناس وَوَثِقوا بهم ووافقوا مطمئنِّين لِكلِّ مسألة يُشارُ إليهم بها، ومن ثمَّ يُؤَدُّون الوظائف والمهام الواجبةَ عليهم دون تردُّدٍ ولا شَكٍّ، ولو مثقال ذرّةٍ.

وبينما يجبُ أن يتحقَّقَ هذا ويحدثَ؛ إلا أنّ المؤسف هو كثرةُ عددِ من مال إلى الدنيا بدعوى “أنه لا بأس في الاستفادة منها قليلًا” في أول الأمر، ثم غاصَ وانخرط فيها حتى الأعماق؛ فانهزم أمامها بالرغم من أنهم حين انطلقوا في هذا السبيل كانوا متّحدين ويحملون روحَ التضحية والفداء؛ فكانوا كما قال الشيخ “محمد لطفي أفندي”:

كم من شخصيّاتٍ عظيمة

وسلاطين ذوي وجوهٍ نورانيّةٍ

وملوكٍ وأباطرةٍ كـ”كسرى أنو شيروان”

ولّوا وانهاروا واحدًا تلوَ الآخر، وغرقوا في بحر الدم والقيح والصديد الذي نُطلِق عليه اسمَ الدنيا، وإن استسلامَ رجالِ الحقِّ لمثل هذهِ الأفكار الشّيطانيّة، وقولُـهُم: “فلنكسب نحن أيضًا، ولتكن لنا منازلُنا وثرواتنا ولنعِشْ مثلهم…”؛ إنما يعني قضاءَهم على أرصِدتهم بأيديهم أنفسهم لا بأيدي غيرهم، ومن ثم يقضي القَدَرُ بأن تُسْلَبَ من أيديهم النِّعَمُ التي يملِكُونها، وأن تَنْزَلِقَ أقدامُهم ويضلُّوا، فإن يحدثْ خلافَ ما هو مرجوٌّ ومحمودٌ فإنّ الله جلَّ جلالُه يذهبُ بِمَنْ تعفَّنوا وصاروا أجسادًا بلا روحٍ، ويأتي بدلًا منهم ﴿بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 54/5).

السبيل إلى إرغام المتكبرين

لا بدَّ من حِماية قيمةِ وشَرَفِ التضحية والفدائيّة وصيانةِ ذلك في كلِّ الأحوالِ، وقد كان مفخرةُ الإنسانيّة المضحِّي الرئيسُ الذي يُمثِّلُ القمَّةَ في هذا الشأن؛ حالُهُ في ذلك كحالِهِ في غير ذلك من الأمور والمواضيع؛ فقد ارتحلَ صلى الله عليه وسلم إلى أُفُقِ روحِهِ ودرعُهُ مرهونة عند يهودي من أجلِ إطعامِ أهلِهِ، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: “تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ، بِثَلاَثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ”[1].

ولم يكن سيدنا أبو بكر رضي الله عنه مختلِفًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو متخلِّفًا عنه في هذا الأمر؛ فلما حضَرَتْهُ الوفاةُ أبلغَ من حوله بأنه كانَ يُحاوِل طِيلةَ حياتِهِ ألا يستهلك ما يزيدُ عن حاجتِهِ، وأنه جمعَ ما زادَ عن حاجتِهِ ممّا خُصِّص له، فإذا هو ماتَ فليَرِجِعْ به المسلمون على بيت المال، فعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: “أَطَفْنَا بِغُرْفَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فِي مَرْضَتِهِ الَّتِي قُبِضَ فِيهَا، قَالَ: فَقُلْنَا: كَيْفَ أَصْبَحَ أَوْ كَيْفَ أَمْسَى خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم؟ قَالَ: فَاطَّلَعَ عَلَيْنَا إِطِّلَاعَةً، فَقَالَ: أَلَسْتُمْ تَرْضَوْنَ بِمَا أَصْنَعُ؟ قُلْنَا: بَلَى قَدْ رَضِينَا، قَالَ: وَكَانَتْ عَائِشَةُ هِيَ تُمَرِّضُهُ قَالَ: فَقَالَ: أَمَا إِنِّي قَدْ كُنْتُ حَرِيصًا عَلَى أَنْ أُوَفِّرَ لِلْمُسْلِمِينَ فَيْئَهُمْ مَعَ أَنِّي قَدْ أَصَبْتُ مِنَ اللَّحْمِ وَاللَّبَنِ، فَانْظُرُوا إِذَا رَجَعْتُمْ مِنِّي فَانْظُرُوا مَا كَانَ عِنْدَنَا فَأَبْلِغُوهُ عُمَرَ، قَالَ: وَمَا كَانَ عِنْدَهُ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، مَا كَانَ إِلَّا خَادِمٌ وَلَقْحَةٌ وَمِحْلَبٌ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عُمَرُ يُحْمَلُ إِلَيْهِ قَالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا بَكْرٍ، لَقَدْ أَتْعَبَ مَنْ بَعْدَهُ[2].

وقد أدَّى سيِّدُنا عمرُ رضي الله عنه عملَه كخليفةٍ للمسلمين بنفسِ الفهمِ والشعورِ؛ فلم يتَّخِذْ له كرسيًّا لِلعرش قطّ، بل جلسَ في المسجد، وأدار شؤونَ الأمّة منه، ولم يتعذّر بمقولةِ “التكبّر على المتكبّر صدقة” من أجل أن يحيا حياةً فارهةً تموج بالأبهة والخيلاء، بالعكس من ذلك لقد استطاع -مع تواضعه- أن يُخضِعَ له دول العالم آنذاك، ولـمّا ذهبَ لاستلام مفاتيحِ المسجدِ الأقصى خرجَ حكّامُ القدس وقتها لِلقائِهِ رضي الله عنه وقد ارتدوا الملابس المزخرفة المزركشةَ، بينما كان هو متواضعًا لأقصى درجة كما تبين من ملابسه المرقعة وتعاقبه على الدابة مع خادمه، ولقد اشتهَرَ أنّه لما لقيَهُ أُمراءُ الأجنادِ قَبْلَ أن يَصِلَ إلى بيتِ المقدسِ قالوا: يا أمير المؤمنين إنك تقدم على أناس، وأنت على هذه الحالة قميصٌ مرقّعٌ، وعلى بعيرٍ مرحّلٍ!! هذا برذونٌ تركبه، -والبرذون ما بين الفرس والبغل، وله تبخترٌ في المشيِ- وهذا قميصٌ جديد تلبسُه، فلما جيءَ بالقميص وكان من الكتّان قال: ردّوا عليَّ قميصي واغسلوه، فغسلوا القميص المرقَّع، وجيءَ به ولَبِسَهُ، فلما قدَّموا إليه البرذون رفضَه وأمَرَ بردِّ بعيرهِ، وكان رحاله من الليف، فدخل إلى بيت المقدس والدورُ لخادِمِه في الركوب، فكان يقودُ البعيرَ وخادمه راكبٌ، فلما قدمَ على دهاقِنَتِهم، وقساوِسَتِهِم وأهلِ دينِهِم الذين عرفوا نعتَهُ عندهم قالوا: هذا الوصف الذي نجده عندنا في كتبنا، وسلموا إليه مفاتيح بيت المقدس[3]، وكما يتَّضِحُ تمامًا من هذه الحادثة فإنَّ التواضع والتفاني هو السبيل إلى إرغام متكبِّري العصر أيضًا، فمثل هذا الحال والتصرُّفِ يسحقُ أمامَهُ كلَّ أنواع الكِبْرِ والخيلاءِ ويدفنُها في أسفل سافلين. أجل، لقد كان هذا هو أسلوب سيدنا عمر رضي الله عنه وديدَنُه طيلةَ حياتِهِ، فلم يُفَكِّرْ في أيِّ وقتٍ قطُّ أن يورِّثَ أبناءه ولا أحفاده شيئًا، بل تركهم أمانة لفهم الصحابة الكرام ورعايتهم، وعلى هذه الحال انتقل إلى أفق روحه.

وقد كان سيدنا عثمان رضي الله عنه تاجرًا يُعَدُّ من أغنى أغنياءِ مكة والمدينة ، غير أنه وعلى حدِّ قولِ الأستاذِ بديعِ الزمانِ “ترك الدنيا قلبًا لا كَسْبًا”[4]، حيث إنّه لما دَعَت الحاجةُ إلى تجهيزِ جيشِ العُسْرَةِ الذي سيتحرّكُ إلى “تبوك” تبرّع رضي الله عنه بثلاثمائة بعيرٍ بأحلاسها وأقتابها دون أدنى تبرُّمٍ أو ضيقٍ أو ندمٍ على ما فعل، تبرع بذلك لا لشيء سوى رضا الله سبحانه وتعالى[5]، ولو أنَّ مفخرةَ الإنسانيّة صلى الله عليه وسلم قال له: أَنفِقْ كلّ مالك؛ لَمَا تَردد أبدًا ولأنفقه عن بكرةِ أبيهِ في سبيل الله على الفور.

وكانت حياة سيدنا علي رضي الله عنه تسير على نفس المنوال أيضًا، فكان حاكمًا لرقعة جغرافية ربما كانت مساحتها تفوق مساحة تركيا اليوم بعشرين ضعفًا، وبالرغم من أن حدود الدولة التي كانت تحت حكمه شهدت بعض المنازعات السياسية إلا أنها كانت شاسعة واسعة مترامية الأطراف لدرجةٍ تستطيع معها أن تستوعبَ أعظم إمبراطوريّتين قبلَ الإسلام؛ فارس والروم، ومع ذلك كان يلبسُ ثيابَ الشِّتاءِ في فصلِ الصيف وثياب الصيفِ في فصلِ الشتاء، فعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: كَانَ أَبُو لَيْلَى يَسْمُرُ مَعَ عَلِيٍّ، فَكَانَ يَلْبَسُ ثِيَابَ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ، وَثِيَابَ الشِّتَاءِ فِي الصَّيْفِ[6].

هذا هو الإسلام الحقيقي، فأين نحن منه؟

واليوم لا بد من سؤال من يقضون حيواتهم بالسياحة والتنقُّلِ من المصايف إلى المشاتي ويتشدَّقون قائلين: “نحن أيضًا نسير على نهج هؤلاء الصحابة الكرام”، ومن يفكّرون كيف سيكون مستقبل أولادهم وأحفادهم وينشغلون بذلك، ومن يتصرّفون وفقَ المثل الكاذب القائل “إنَّ مال الدولة بحرٌ من لا يشرب منه فهو أحمق”؛ لا بدَّ من سُؤالهم: “من هو قدوتكم، من هو مثلكم الأعلى؟” ألا يلزمهم كمؤمنين أن يستحيوا من الله تعالى ويبتعدوا تمامًا عن مثل هذه الأفكار التي لا تجول إلا بعقول أمثال قارون ورمسيس وآموفيس؟ إنني أسأل الله العظيم أن يوفق من نذروا أنفسهم للخدمة الإيمانية المثالية السامية إلى الحفاظ على مشاعر الحياء والخجل هذه؛ فلا يميلوا إلى الدنيا، وألَّا يُطاحَ بهم، وألَّا تذهب ريحهم، وأرجو من الله لهم أن يصبروا ويحتسبوا قائلين: “إننا نعضُّ على ديننا بالنواجذِ، ونصبرُ، وحسبنا ألا ينقصَ من أَجْرِنا في الآخرة شيء”، وعليهم أن يرضوا بالابتلاءِ والظلْمِ متمثِّلين قولَ “ضياء باشا” رحمه الله:

الجاهل يعيش في ترفٍ ونزهةٍ ورخاءٍ

والعارف يسبح في دوّامة المحن والبلاء

ولكن حَذَارِ أن يغبطوا الآخرين على حياتهم الفارهة المطنطنة، ويجدر بهم، بل وينبغي لهم أن يعتبروا الأشياء الدنيوية قذارات علقت بأطراف أقدامهم، وعليهم أن يسيروا بحماسة إلى الدار الآخرة، فإذا ما سُئِلُوا وهم يتقدَّمون إلى الحضرةِ الإلهيّة: “ماذا تركتم في الدنيا؟” أجابوا: “لا نتذكَّرُ شيئًا”، لأن الاستغناءَ والتفانيَ والتواضعَ هو أساسُ عملِنا، وتصرف رجال الغاية المثالية -الذين نذروا أنفسهم لإعادة تشيِيدِ صَرحِ الأخلاقِ المتهدِّمِ- تصرفًا خلاف ذلك سيؤدّي إلى خسارتهم اعتبارهم ومكانتهم لدى الحقِّ تعالى، كما أنه سَيُزَعْزِعُ مشاعرَ وثقةَ الناسِ بهم، وإن من ضلّوا عن الحقِّ إلى الباطلِ، وعن الطريقِ المستقيمِ إلى الطريقِ المعوجِّ، وما أكثر أمثلتهم في التاريخ! ليتدحرجون ويفنَون كقارون -حفظنا الله-، حتى وإن أظهروا أنفسَهم بمظْهَرِ سيدنا هارون عليه السلام.

أجل، ينبغي لأرباب التضحية والتفاني ألّا يتخلّوا عن مبدئهم هذا حتى ولو تمَّ إغراؤهم بأعلى الرتبِ وأرفع النياشين، ولو كانت الرتبة من قبيلِ فاتح إسطنبول مثلًا، أو فيينا بل فاتح روما، ولا بد أن نُغادِرَ الدنيا كما جئناها صفرًا لا نملِكُ من حطامِها شيئًا، وكما رأينا في الأمثلةِ المذكورةِ أعلاه -ولْيرَ هذه الأمثلة ويعتبر بها من يراها، وليغضّ الطرفَ عنها من يغضه؛ فمن رأى وعرفَ وغرفَ وقدَّرَ فإنّ ذلك سيكون شفيعًا له في الآخرة، وأما من استخفَّ ولم يُقدِّر ولم يهتمّ فإنّ المطارقَ ستنهالُ على رأسِهِ يوم الحساب.

“إنهم لا يخافون لومة لائم!”

سقطت الوردة بين الأشواك فدمى قلب العندليب

ونظرَ إلى الشوكة تارةً وإلى الوردة تارة وبكى العندليب (نائلي قديم)

إن الأمر كما قيل في البيت أعلاه؛ فكثيرةٌ هي الورودُ التي سقطت بين الأشواك، وكثيرةٌ هي البلابل التي أنَّت وبكت حزنًا عليها، واليوم أيضًا حان لِأبطال الغاية المثالية الأنينُ والبكاء؛ فما أكثر الافتراءات المزعومة والانتقادات والاستهزاءات والسخريات والمؤامرات والحيل ضدهم… عليهم في مواجهة كل هذه الابتلاءات أن يتحركوا وهم يتمثلون موقفًا وقورًا ثابتًا وفقَ المنطق الذي عبَّرَ عنه الشاعر التركي “نفعي” قائلًا:

ما تنعّمنا بالدنيا وما ابتغينا شيئًا من أهلها

وما لجأنا إلا إلى الحضرة الإلهيّة

وما أعذب قول الشاعر الحكيم “سعدي” حينما قال:

إن أصاب حجرُ المقلاعِ -خطأً- سلطانيّةً ذهبيّةً

فلا ترتفعُ قيمةُ الحجر، ولا تنقص قيمة السلطانيّة

وعليه فليرموكم بالأحجار كما شاؤوا، ما دمتم كأسًا ذهبيًّا؛ فَبِإذن الله تعالى وعنايته لن يستطيع أحدٌ أن ينالَ منكم ولا أن يؤذيَكم.

ولا سيما أن الله تعالى قال في القرآن الكريم ﴿وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ﴾ (سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 54/5)؛ فأرشدنا إلى التصرُّف والسلوك الذي يجب اتباعه في مثل هذه الحالات، هذا من جانب، ومن جانب آخر فإنه ينبغي اعتبارُ كلِّ ما يقعُ للإنسان من حوادثَ تتخطَّى الأسبابَ الظاهريّة امتحانًا وابتلاءً يؤدّي إلى التقرُّب من الحبيب صلى الله عليه وسلم، ولا سيّما أن بطلَ هذا الأفق مهمومُ هذا العصرِ الأستاذُ النُّورسي قال: وليكن كلُّ ما قاسَيتُهُ في غضونِ ثمانٍ وعشرين سنة من الأذى والمصائب حلالًا زلالًا، أما الذين ظلموني وجرجروني من مدينة إلى أخرى، والذين أرادوا أن يَصِمُوني بمختلف التُّهَمِ والإهانات، وأفردوا لي أماكن في الزنزانات فقد غفرتُ لهم ذلك وتنازلْتُ عن حقوقي تجاههم[7]، وعلى من يُدركون أنهم سالكو نفس الطريق أن يقولوا مثلما قال الشاعر الحروفي نسيمي:

أنا عاشقٌ لك ملوَّعٌ أيها الحبيب المحبوب

حتى وإن شققتَ قلبي بالخنجر فلن أتزحزحَ عن حبّك أو أؤوب

ولو وضع النجَّارُ منشارَه على رأسي مهدِّدًا

بل وإن شقّوني نصفين كزكريا مجدّدًا

وإن أحرقوا جسمي وذرُّوا رمادي

يا إلهي يا ستّارُ لن أتنازلَ عنك يا مرادي

وعليهم أن يُكثِّفُوا كل همَّتهم ويُسَخِّروها في عملِ ما يجب عمله دون أن يُلقُوا بالًا إلى الكلمات المبذولةِ، أو أن يشغلوا أذهانهم بها، وعليهم كذلك أن يسيروا ثابتين مرفوعي الرأس في السبيلِ الحقِّ الذي يعرفونه.

ولا يساورنَّكم شكٌّ في أن القلوب التي نذرت نفسها لخدمة الإيمان سوف تواصِلُ خدماتها في ظلِّ عناية الله ورعايتِهِ، ولن يُوقِفَ أو يُعَرقِلَ مسيرتها أحدٌ على الإطلاقِ طالما أنها استمرَّت في عملها وسيرها وقد أسلمت أمرها لله ودستورها في عملها:

لنرَ المولى ماذا سيُقدِّر

ما يُقَدِّرُه هو الأجملُ

 

 

[1] صحيح البخاري، الجهاد، 89، سنن الترمذي، البيوع، 7، سنن ابن ماجه، الرهون، 1.

[2] ابن سعد: الطبقات الكبرى، 3/ 173.

[3] ذكره عطية سالم في شرح بلوغ المرام، 86/3.

[4] سعيد النورسي: المثنوي النوري، الحبة، 231.

[5] سنن الترمذي، مناقب عثمان، 2؛ الطبراني: المعجم الكبير، 625/5.

[6] سنن ابن ماجه، المقدمة، 15؛ مسند الإمام أحمد 168/2.

[7] سعيد النورسي: لاحقة أميرداغ 2، ص 337-338.

اكتشاف النفسِ والتعمُّقُ في العبوديّة

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ذكرتم سابقًا أنَّ تعمق الإنسان في عبوديته لله تعالى وارتباطَه به سبحانه إنما يتحقَّقان بمعرفةِ المرءِ نفسه وسبرِه أغوارها، فهل توضحون ذلك؟

الجواب: يُقالُ في اللغة العربية: “اَلْعَادَاتُ لَا تُتْرَكُ”، ومنها استُنبطت القاعدة: “تَرْكُ اَلْعَادَاتِ مِنَ الْمُهْلِكَاتِ”، ومن هنا فإن كان من أمرٍ لا بدَّ أن يُحوَّلَ إلى عادةٍ فلا شيءَ أحقُّ من العبادةِ، فعلى المؤمنِ أن يتَّخِذَ من عبادتِهِ وطاعتِهِ الواجبةِ عليهِ لله تعالى وصلتِه به سبحانه عاداتٍ يستحيلُ أن ينفكَّ عنها أبدًا، ولو أنَّ الإنسانَ بعبادتِهِ وطاعتِه وصلتِهِ القويّة بالله جلَّ وعلا استطاعَ أن يَتَحَصَّلَ على هذه الخاصية، وأن يجعلَها عمقًا داخليًّا في وجدانِهِ فربما يصلُ إلى ما وصلَ إليه بعضُ أولياءِ الله الذين قالَ أحدهم يومًا: ” إن غاب قلبي عن مراقبةِ ربي طرفةَ عين فإنّني أموتُ مباشرة!” ولهذا فإنه مهمّ جدًّا بالنسبة للإنسان أن يتحرك وكأنه يرى الله تعالى أو أن يُوقنَ بأن الله تعالى يراه، وعليه أن يَجِدَّ دائمًا بحسِّهِ وشعورِهِ وإرادتِهِ في البحثِ عن رضا الله، وأن يبتعدَ تمامًا عمَّا يُغضِبُهُ ويُسخِطُهُ، وأن يخصَّه تعالى بما في داخلِهِ من مشاعرِ الحبِّ والاحترامِ.

والوصولُ إلى مثل هذا الحال من اليَنْعِ والنضوج هدفٌ بالنسبة لكلِّ مؤمنٍ، والأصحُّ أنَّه يجبُ أن يكونَ ذلك هو هدفه، غير أنَّه ينبغي للإنسان كي يصلَ إلى ذلك الهدف أن يراقِبَ نفسَه دائمًا، مُسائلًا في سرِّهِ بِكُلِّ صدقٍ: “تُرى هل أستطيع أن أتمثّل الحالَ اللازمَ من أجل الوصول إلى مثل هذا الأفق؟ هل أستطيعُ أن أُحلِّقَ دومًا نحو المعالي في سماوات الترقّي غيرَ مُكتَفٍ بالوضع الذي أنا فيه، وناشدًا المزيد والمزيد؟”.

“سبيلُ الحقيقة” والتواضع

إنَّ من الأهميّةِ بمكان بالنسبة لسالكِ سبيل الحقيقة أن يستهدف الذُرى والمعالي دائمًا، وألا يكتفي أبدًا بالمرتبة التي وصل إليها وهو يسيحُ في أفقِ الروح والقلب، وإننا لا نقصدُ بكلامنا هذا أن يُعَبِّرَ الإنسانُ عن نفسِهِ بإظهارِهِ مجموعة من الأشياء الخارقة للعادة، وإنما بمعرفتِه الله جلَّ جلالُه وتعمُّقِه في عبوديّتِهِ له سبحانه؛ بحيث يرى نفسه صفرًا في حضرته جلَّ وعلا، ومن ثم فلو افترضنا أنَّ إنسانًا ما استطاعَ بقوَّتِهِ الخاصّة أن يُغَيِّرَ اتجاهَ حركة العوالم كلِّها وليسَ الكرة الأرضيّة فحسب؛ فعليه أن يوقِنَ ويؤمنَ بأنَّه أمامَ عظمةِ الحقِّ تعالى وشؤونِهِ لا يُساوي أو يعدِل شيئًا ألبتّة، وأنَّ كلَّ شيءٍ منه جلَّ وعلا، ومن هذه الناحية فإنَّه يجب على سالكي سبيل الحقيقة ألا يطلبوا أبدًا أشياء خارقةً للعادةِ كالسَّيرِ على الماءِ دون الغرقِ فيه، والتحليق في الهواء بلا أجنحة، والطواف بالكعبة في لحظةٍ بطيِّ المكان وهم جلوس؛ فَطَلَبُ مثل هذه المنحِ التي وهبها الله تعالى بعضًا من أوليائه مخالفٌ لِروحِ سبيلِ الحقيقةِ؛ إذ الأساسُ في هذا السبيلِ هو التواضعُ ولينُ الجانِبِ واحتقارُ النفسِ وتعنيفُها، وبالمناسبة أقول: إنَّ أبطالَ الحقيقةِ الذين لا يطلبون هذا النوع من الرُّتَبِ والمقامات المعنويّة لا يطلبون أبدًا المقامات والرُّتَبِ الدنيويّة مثلَ منصبِ قائم مقام ووالٍ ونائبٍ ووزيرٍ وما شابهه.

وينبغي ألا يُفهم من هذا الكلام أنّنا نستخفُّ أو نُقلِّلُ من شأنِ هذه المناصب الإدارية، لكنَّ الميلَ إلى مثل هذه الأشياء أمامَ عظمةِ القِيَمِ الساميةِ النبيلةِ المنشودَةِ إنما هو سوءُ أَدَبٍ وإساءةٌ لِتِلْكَ الحقائق المرغوب فيها، فإن طُلِب في هذا السبيل “رضا الله” فلا بدَّ أن نعلمَ أنه ليس ثمةَ شيءٌ يفوقُ الرضى حتى يُعدَلَ عنه إليه، وإن استُهدِفَت “رؤيةُ جمالِهِ” فينبغي أن نوقِنَ أنه ليسَ ثَـمَّةَ ما هو أجمل منه كي يُمال إليه، وإن طُلِبَت الفردوس تَحتَّم أن نعلم أنه ليس ثمة مكان أهم منها فَيُسْتَنْكَفَ عنها إليه، وإن استَهدفَ الإنسان هذه الغايات السامية كلها كان نكوصُهُ عنها وتحوُّله إلى أشياء غيرها إساءة لتلك الغايات ليس إلا. أجل، إنْ طَلَبَ أحدٌ من رجال الحقيقة أن يكون خادمًا من خدام الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم ومولى من مواليه فإنّه لا يقبلُ التحريرَ من هذا القيدِ أبدًا، بل يَصْرَخُ بأعلى صوتِه حال كونه مولى للمصطفى صلى الله عليه وسلم تعبيرًا عن رضاه بالإسلام متمثِّلًا في ذلك ترجمةَ قولِ مولانا جلال الدين الرومي:

صرتُ عبدًا، صرت عبدًا*** يا لَلْهنا فلقد صرت عبدكَ

وفي خدمتي إياك هرِمتُ *** واحدودَبَ ظهري وبتُّ مَنهَكا

إنّ الـــعـــــبـــــيــــــدَ حـــــــيـــــــــــــن تُـــــــعـــــــتَـــــــــقُ تُـــــــسَــــــــرُّ وتَــــــــمْـــــــــــــــــرَحُ

أمّـــــــــا أنـــــــا فـــــبــــــعــــــــبـــــــوديّـــــــتــــــــي لــــــــك أبـــــــتَــــــهِـــــــجُ وأفــــــــرحُ

فإنّه لن يستبدل بهذا أيَّ شيءٍ آخر، بل ويجب عليه ألا يفعل ذلك.

الأبواب مُغلَّقةٌ في وجه “الأنانيّ”

إن عَجَزَ الإنسانُ عن الخروجِ من دائرةِ نسبةِ الأمرِ إلى نفسِهِ فإنه يُصاب بِدَاءِ الأنانيّة، وبِقَدْرِ تعلُّقِهِ بأنانيَّتِهِ يقترب من الشيطان ويبتعد عن الله جلَّ جلاله، وكلُّ “أناني” يُفَكِّرُ في نفسِهِ فحسبُ لا تنفتِحُ له أبدًا أبوابُ الطريق الموصِّلة إلى الله تعالى، وكلّما أرادَ أن يفتَحَها وجَدَها موصدةً ومغلقةً على الدوام؛ فينتظر دون جدوى أمامها، لأنّه يستحيلُ وجودُ أو اجتماعُ شيئين مرَّةً واحدة، والواقع أن ثمة أمارة على الكِبْرِ والغرور في قولِ “أنا”، فعن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دَيْنٍ كَانَ عَلَى أَبِي، فَدَقَقْتُ البَابَ، فَقَالَ: “مَنْ ذَا” فَقُلْتُ: أَنَا، فَقَالَ: “أَنَا أَنَا” كَأَنَّهُ كَرِهَهَا[1]، لأننا ربما يكون ثمة نوع من الكبر في قول “أنا” هذا، فيصبح وكأنه قال “ليست لي حاجة إلى التعريف بنفسي”.

أجل، إن ترديدَ كلمة “أنا” دائمًا يُشْبِهُ الطبلةَ التي تُقرَعُ فتُصْدِرُ صوتًا، فكما هو معلومٌ فإن الطبلةَ ما تُصدِرُ صوتًا إلّا لأنها خاويةٌ من الداخل، والشخصُ الذي يقولُ “أنا” دائمًا يحطُّ من نفسِهِ إلى دركةِ مخلوقٍ حقيرٍ أجوف كالطبلةِ؛ إذ ليس من شأن عَامِرِ القلبِ أن يُصْدِرَ مثل هذا الصوت، وقد شَبَّه مولانا جلال الدين الرومي أمثال أولئك الأشخاص الواهين بِعُلَبٍ تحوي بداخلها بضعَ خرزاتٍ وخُشخيشاتٍ من قبيل اللُّعب تُصدر أصواتًا كلما حُرِّكَت، أما الأشخاص عامرو القلوب فقد شبَّههم بصناديق المجوهرات التي لا تُحدِثُ صوتًا ولا تُفْشِي سِرًّا لامتلائِها بالجواهِر.

إن الصمتَ علامةٌ على الحياءِ والتواضُعِ ولِيْنِ الجانِبِ، ومن يُجَسِّدُون هذه المشاعر في كلِّ أطوارِهم هم أناسٌ تأتي الحركةُ والعملُ على رأسِ أولويّاتهم ويسعَون لإنتاج مشاريع وخطط دائمةٍ من أجل بَلَدِهم وأمَّتهم والإنسانية جمعاء، وأفعالُهم تسبقُ أقوالهم، واختراعاتُهم تسبق أصواتَهم وكلامهم، تمامًا كما تَصِلُ الصواعقُ إلى أهدافها قبل أن يُسمَع صوتُ الرعدِ في السماء، أما البَطَرُ والخُيَلاءُ فما يحتويان إلا على الضجيجِ والإزعاجِ، وبالتالي فإن من يبنون حيواتهم عليهما لا يُصْدِرُون إلا ضوضاء فارغة، في حين أن الأساسَ هو أن يسبق العملُ القول، وقد دعا سيدنا إبراهيم عليه السلام ربّه قائلًا: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ﴾ (سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: 26/84) فطَلَبَ بذلك أن يُوفَّقَ للقيام بخدماتٍ أبديّة تمتدُّ إلى الأجيال القادمة، وهذا قولٌ يُؤْثِرُ الحركة والعمل ويجعلهما على سلّم أولويَّاته، ولذلك فينبغي للإنسان أن يَبْذُرَ الحبوبَ بالحقلِ بقدرِ معرفتِهِ واستطاعتِهِ، ويفوِّضَ الباقي إلى الله تعالى، غير أن الخدمةَ انطلاقًا من فكرةٍ عميقةٍ شاملةٍ كهذه لا تتحقَّق إلا بمعرفةِ الإنسان ربَّه سبحانه وتعالى وإدراكِهِ إيَّاه، وهذا مرهونٌ بما يُقابِلُهُ على الصعيدِ الآخَرِ من معرفةِ المرءِ نفسه وسبرِهِ أغوارَها.

من لا يعرف نفسه لا يعرف ربه

رُويَ في الأثر: “مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ[2]، ومن ثمَّ فإن من يدرس نفسَه ويحلّلُها -بما فيها البنيَةُ الفسيولوجيّة والوجدان بأركانه الأربعة: الإرادة واللطيفة الربانية (القلب) والذهن والحسّ- يعرف ربه بصورة أفضل وأحسن، وإن كان لهذه العبارةِ مفهومُ مخالفةٍ فهو على النحو التالي: “من لا يعرف نفسَهُ لا يعرفُ ربّه”، إذن يلزم الإنسانَ أن يعرف ماهيّة نفسه وكنهها كي يعرف ربَّه، وعلى حدِّ قولِ الأستاذ بديعِ الزمان فإنَّ الإنسان “مصنع متكامل”[3] كلُّ جزء فيه متناسِبٌ مع الآخَرِ تناسبًا حقيقيًّا، وهذا المخلوقُ يتناسبُ في الوقتِ نفسِهِ مع الكون أيضًا تناسُبًا حقيقيًّا وثيقًا، فمثلًا هناك علاقةٌ وصِلَةٌ بينَ فم الإنسان وبين ما سيأكله به من المأكولات، وكذلك ثمة علاقةٌ وصِلَةٌ بين عينيهِ وما سيَرَاه بهما من أشياء، إنها مناسَبَةٌ وصلةٌ يستطيع المرء في ظلِّها رؤية وتمييزَ الموجودات التي تتجلّى في أبعاد مختلفة.

وهذا التناسب الموجود بين أعضاء الإنسان قائم أيضًا بينه وبين غيره من الموجودات في الكون الذي يعيش فيه؛ فبحسبِ قول علماءِ الفيزياء والفلكِ ثَـمّةَ علاقةٌ وصِلَةٌ حتى بين أبعدِ الأنظمةِ والأجرام السماوية وبين الإنسان الذي يبدو مخلوقًا صغيرًا جدًّا على سطح الأرض، إلا أنه يجب البدء أوَّلًا من أقرب نقطة حتى يتسنّى إدراكُ هذه العلاقة وفهمُها، فمثلًا حين يُحَلِّلُ الإنسانُ نفسَه من زاوية العلاقة بين فمِهِ والموادِ التي سيأكلها وعينيهِ والأجسام التي تريانها لا بدَّ وأن يَصِلَ إلى الأدلَّةِ التي تؤكِّدُ وجودَ الخالِقِ الأعظَمِ ووحدانيَّته، ولأجْلِ ذَلِكَ فثمَّةَ كلامٌ مبارَكٌ طيِّبٌ وردَ في كُتُبِ التصوُّفِ يُقالُ إنه حديثٌ؛ جاءَ فيه الحقُّ تعالى يقول: “يا ابنَ آدم! يعرفُنِي من يعرفُ نفسَه، ومن يعرفُني يبحثُ عنّي، ومن يبحثُ عني يَجِدني بلا شكٍّ، ومن يجدُني ينالُ كلَّ رغباتِهِ وآماله بل وما هو أكثر، ينالها ولا يُفَضِّلُ عليَّ أحدًا، يا ابن آدم! تواضع فتعرفني.. جُع فتراني.. أِخْلِص في عبادتك فتصل إلىَّ.. يا ابن آدم! أنا الله؛ يعرفني من يعرف نفسه، ويجدني من يهجر نفسه… اهجر نفسك فتعرفني؛ فكلُّ قلبٍ لم يَعْمُر بمعرفتي أعمى صَدِئٌ!”.

من بنية الجسد إلى أعماق الروح

كتب “أليكس كاريل” في عام (1935م) كتابًا بعنوان “الإنسان ذلك المجهول”، وفيه لفتَ الانتباهَ إلى ما في جسم الإنسان من كمالٍ، وأنه حتمًا لا بدَّ وأن يكون له خالقٌ، وبهذا أنتجَ عملًا مهمًّا، وبغضِّ النَّظَرِ عما تعرَّضَ له مؤلِّفُ هذا الكتاب من حملاتٍ تشويهيّةٍ في تركيا من قِبَلِ البعضِ؛ فإنَّ قرَّاءَنا طالعوا كتابه هذا واستفادوا منه، وبينما كان الناس ولا سيما الأطبّاءُ يُطالِعون تلك التحليلات التي أجراها هذا الكتاب؛ كانَ ينتهي بهم الحالُ مع كلِّ فصلٍ إلى قولِ: “لا إله إلا الله”؛ لأنه يستحيل بيانُ ذلك التناسبِ الخارقِ للعادةِ الكامنِ في جسمِ الإنسان مَا لَمْ تتدارَكْنا قدرةُ الله تعالى وعِنايَتُه.

وبعد أن يتعرَّف الإنسانُ بهذا الشكلِ على علاقةِ تلك الأمور وصِلَتِها بالأشياء وفي مقدِّمَتِها علمُ التشريحِ الإنساني وبنيتُهُ الفسيولوجيّة، أي بعد أن يتعرَّف على عالمه الخارجيّ ينبغي له أن يتَّجِهَ إلى معرفةِ نفسِهِ وآليَّاتِهِ الوجدانيّة وما يكتَنِفُ كنهَهُ من أحاسيسَ، وهو ما يمكننا أن نُطْلِقَ عليه كله اسمَ “العالَـمِ الداخليّ”، وإن وقوعَ حوادثَ من قَبيلِ شعورِ الإنسانِ بشيءٍ ما قبلَ وقوعِهِ مما يُـمْكِنُ وصفُهُ بأنه “الحدس أو التنبُّؤ الداخلي”؛ كأن يلتقيَ الإنسانُ عصرًا شخصًا خطرَ ببالِهِ صباحًا، أو أن يَرى في رؤياه مشاهدَ من “عالم المثال” و”عالم البرزخ”، وأن تظهرَ بعضُ الأشياء التي رآها في منامه بعينِها أو بالشكل الذي أوَّلها به الواقفون على “تأويل الأحاديث”… كلُّ هذا ما هو إلَّا أحداثٌ يعيشها الإنسان في عالمه الداخلي، ولا يمكنُ إيضاحُ هذا في إطارِ دائرةِ الأسبابِ الحسِّيّة.

وانطلاقًا من هذا كلِّه فإن الإنسانَ حين يُواصِل رحلتَه في عالمهِ الداخليّ يعرف نفسه إجمالًا ويصل إلى وجود الخالق الأعظم، ومن ثمّ يعرفُ ربَّهُ حقَّ المعرفة.

الحرية الحقيقية

ثمة عبارةٌ يقال إنها حديث ورد فيها عن رب العزة أنًّ: “من يعرفني يبحث عني”، وقد يرتبط هذا الأمر بالمبحث السابق أيضًا، فكلَّما عرفَ الإنسانُ الخالقَ العظيمَ أكثر كلّما أعملَ فِكْرَهُ على منوالِ: “ترى ماذا يريد الله مني؟ كيفَ أَصِلُ إلى جوارِهِ تعالى، وكيفَ أملأُ قلبي بالشوقِ إليه؟ فواجبي أن أملأَ قلبي بالشوق إليه، وهذا حقُّهُ، ويجبُ أن يتجلَّى هو فحسب في صدري، ويجب أن أخرجَ وأطرحَ كلَّ شيءٍ سواه!”، وعَمَّق بحثَهُ وتنقيبَهُ في ذاتِهِ، وقد عبَّرَ “فضولي” عن هذه الحقيقة شعرًا فقال:

ليس بعارفٍ من يعرف أمور الدنيا وما فيها

وإنما العارفُ مَن استبدَل الأمورَ الدنيويّة بِفهم كنهِها وأسرارِ ماهيَّتِها

أجل، كما أُشير إليه في هذين البيتين فإنَّه يجب على الإنسان أن يقتلِع من قلبه الدنيا وما فيها ويطرحها تمامًا، وأن يَعْمُرَ قلبه بالله سبحانه ويُجيِّشَه به دائمًا، وأن يشغل فكره وعقله به أبدًا، فإذا ما فعل الإنسان هذا فقد وجدَ الحقَّ تعالى، ولن يَتِرَ الله تعالى عَبْدَهُ في مقابلِ ذلك، وإنما سيَمُنُّ عليه -كما ورد في بقيّة النص الذي يُرْوَى في الأثرِ على أنّه حديثٌ قدسيّ- بكلِّ رغباتِهِ بل وبما هو أكثر منها، وما أجملَ تعبير الأستاذ “محمد لطفي أفندي” عن هذه الحقيقةِ حين قال:

أَيُعْقَلُ إنْ أحببْتَ مولاكَ

ألا يحبّك ولا يرعاكَ؟!

أيُعقل أن تطلبَ رضا الحقِّ

فلا يمن عليك برضاه الـمُطْلَقِ؟

“لمْ أدخلْ في الإسلام من أجلِ الغنائِمِ يا رسول الله!”

إن المؤمنَ الذي يَصِلُ إلى هذه المرتبةِ ينجو من ربقةِ العديدِ من الرغباتِ والأهواءِ، ويَصِلُ إلى الحرِّيَّةِ الحقيقيّة، لأنّ “الحرية الحقيقيّة تنبعُ من العبوديّة لله تعالى” فَعِبَادُ الله حقًّا يتخلَّصون وينجون من العبوديّة لغيرِهِ، أما مَنْ لم يعبدوهُ حقَّ عبادَتِهِ فإنَّهم سيعبُدون مئات الأنواعِ من الأشياءِ حتى وإن سجَدَتْ جباهُهُم له تعالى؛ فقد يقعُون في عبادةِ المنصِبِ والمقامِ والخوفِ والأهل والعيال والراحة والمتعة واللهو والبوهمية والإطراء والتقدير والمنازل الساحلية لأجلِ الأهلِ والأسرةِ، والعقارات والقصور… إلخ؛ كلُّ هذا بينما لم يكن المشركون في الجاهلية يتّخِذون لأنفُسِهم أوثانًا بهذا القدر الكثير والكبير!

أجل، إن السبيلَ إلى الخلاصِ من عبوديّة الأشياءِ ينبعُ من العبوديّة الحقّة لله تعالى، وما أجملَ حياة ساداتنا الصحابة وما أبرزها من نماذج يجملُ الاقتداء بها في هذا الشأن، ومن ذلك على سبيل المثال سيدنا عمرو بن العاص رضي الله عنه الداهية العسكري والسياسي؛ فعلى الرغمِ من تأخُّرِ إسلامِهِ إلا أنه لما أسلمَ فهِمَ روح الدين فهمًا يستحيل ألَّا يخلبَ الأذهان ويبهرَ الألباب.

فلقد سافر سيدنا عمرو بن العاص إلى المدينة بعد صلح الحديبية قاصِدًا الإسلامَ، فلما وصلها ودخل إلى حضرة النبي صلى الله عليه وسلم كان وكأنّه يرتَعِشُ خجلًا منه، لأنه كان قد أساءَ إلى مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم من قبلُ، غير أنَّ رسول الرحمة صلى الله عليه وسلم لم يحمِلْ في نفسه أيًّا من تلك الإساءات، وإنما نسيَها تمامًا، ولنترك الحديث لِعمرِو بن العاص، إذ يقول محدِّثًا عن نفسِهِ: فَلَمَّا جَعَلَ اللهُ الْإِسْلَامَ فِي قَلْبِي أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلْأُبَايِعْكَ، فَبَسَطَ يَمِينَهُ، قَالَ: فَقَبَضْتُ يَدِي، قَالَ: “مَا لَكَ يَا عَمْرُو؟” قَالَ: قُلْتُ: أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ، قَالَ: “تَشْتَرِطُ بِمَاذَا؟” قُلْتُ: أَنْ يُغْفَرَ لِي، قَالَ: “أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟ وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا؟ وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟”[4]، وبعد أن أسلم عمرو بن العاص بمدة قصيرة دعاه مفخرةُ الكونِ صلواتُ الله عليه، قال عمروٌ: بَعَثَ إِلَيَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: “خُذْ عَلَيْكَ ثِيَابَكَ وَسِلَاحَكَ، ثُمَّ ائْتِنِي” فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَصَعَّدَ فِيَّ النَّظَرَ ثُمَّ طَأْطَأَهُ، فَقَالَ: “إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَبْعَثَكَ عَلَى جَيْشٍ فَيُسَلِّمَكَ اللهُ وَيُغْنِمَكَ، وَأرغبُ لَكَ مِنَ الْمَالِ رَغْبَةً صَالِحَةً“، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا أَسْلَمْتُ مِنْ أَجْلِ الْمَالِ، وَلَكِنِّي أَسْلَمْتُ رغْبَةً فِي الْإِسْلَامِ، وَأَنْ أَكُونَ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقَالَ: “يَا عَمْرُو، نِعْمًا بِالْمَالِ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ[5].

وعلى نفسِ الشاكلةِ فإنَّ سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام حين أراد أن يعطي صحابيًّا -لم تُسَمِّه المصادر- نصيبَه من الغنيمة قال له ذلك الصحابي: “يا رسول الله! لا أستطيعُ قبول هذا، إنني أسلمت على أن يصيبني سهمٌ من هنا -وأشار إلى فِيهِ- فأَسْتَشْهِد”، ورَدَّ نصيبَه من الغنيمةِ، وفي النهايةِ أُصيبَ ذلك الصحابيُّ بِسَهْمٍ في فمِهِ كما تنمَّى واستشهدَ بِضرْبَةِ سهمٍ، فارتقى إلى الآفاق العُلى[6].

وهناك أيضًا أبو سفيان الذي حاربَ رسولنا صلى الله عليه وسلم وعارضه حتى فتح مكة؛ أُصِيبَتْ عينُهُ، فأتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم وعينُهُ في يدِهِ، فقال: يا رسول الله، هذه عيني أُصيبَتْ في سبيل الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “إن شئتَ دعوتُ فَرُدَّتْ عينُك، وإن شئتَ فالجنَّةَ -وفي روايةٍ- فعينٌ في الجنة“، قال: فالجنّةَ، ورمى بها من يده، وقُلِعَتْ عينُهُ الثانية في القتال يوم اليرموك عند منازَلَةِ الروم[7].

إنَّ هذه النماذج تضعُ أمام الأنظار مدى تأثير المعلّم فيمن يعلِّمُهُ والمُرَبِّي فيمن يُربِّيه، وهو ما عَبِّر عنه “نيازي المصري” بقوله:

لا تركننّ إلى أيِّ مرشدٍ فينقلِب الفسيحُ أمامك إلى مضيق

أما مَن استرشدَ بالمعصومِ سَهُلَ عليه اجتيازُ وسلوك الطريق

وإلى جانبِ ذلكَ فإنها تشكل في الوقت نفسهِ ارتقاءً عموديًا دفعةً ومرةً واحدةً.

ومن هنا فعلى مؤمني اليوم أن يقتدوا بالصحابة الكرام، وألا يطلبوا أيَّ شيءٍ دنيويٍّ أبدًا، ولا سيّما إن كان أحدُهم يعمل في أيٍّ من مناصبِ الدولة فعليه ألا يستغلَّ منصبه وصلاحياته كي يحقق نفعًا لنفسه وأولاده وأقربائه؛ وألا يستحوذ على شيء سواء كان سيارة أو طائرة أو يختًا أو سفينةً، فيستبدلَ الذي هو أدنى بالذي هو خير، بل ينبغي للإنسان السعيُ والعملُ في اتجاه نَيلِ رضا الحقِّ تعالى، وألا يستبدلَ الرضا الإلهيَّ وجمالَ الله والشوقَ للقائِهِ، والمعيّة النبويّة السنيّة بأيٍّ شيءٍ على الإطلاق، فيكونُ لسانُ حالِهِ كما وردَ في البيتِ الشهيرِ:

الله ربــــــــــي لا أريــــــــــدُ ســــــــــــــــــواهُ *** مــــــا في الـــــوجــــــودِ حـــــقــــيــــقــــــة إلّاهُ

ويلزمُه حتى وإن عُرضت عليه الجنان في مقابل تخلّيه عن كلِّ هذا أن يُجسِّدَ دورَ البطولةِ في الترفُّعِ عن تلك الجنان فيقول: “عجبًا! أيُّ نوعٍ من الاعوجاجِ رأَوْهُ فيَّ فَجَعَلَهُم يَعْرِضُون عليَّ شيئًا في مقابِلِ التخلِّي عن رضا الله والشوقِ الإلهيِّ ورؤيةِ الله تعالى؟!”، عليه أن يشحذَ قلبَهُ بمثلِ هذه المشاعِرِ، ويملأَهُ بها ويُجيّشُهُ، فلا يستوعب شيئًا غير ذلك؛ لأنَّ أشياءَ كالتحليقِ في السماءِ والسَّيرِ على الماءِ دونَ ابتلالٍ، ومعرفةِ بواطنِ البشر، وإخبارِهم بما يخطرُ على أذهانهم بمجرَّدِ النظَرِ في وجوهِهِم هي أشياء بسيطة لدرجةِ أنها لا قيمةَ لها كالغثاء بالنسبة للسيل.

والحاصلُ أنَّ مَن نَذَرُوا أنْفُسَهم لإعلاءِ حقائِقِ الإيمانِ والقرآنِ وإقامةِ صرحِ الروحِ مطالَبون؛ بل ومضطرُّون إلى التنبُّهِ جيِّدًا لما سبقَ بيانُهُ وإيضاحُهُ من أمور، وعليهم أن يُعْرِضوا عن الدنيا وما فيها، وأن يسعوا إلى الاستقامةِ بِرونَقِها الصحيحِ وأُسُسِها الصافيةِ النقيّة، وعلى النحوِ الذي يطابِقُ تمامًا معنى الاستقامةِ عندَ الذاتِ الإلهيَّة، وعلى النحو الذي يوافِقُ حُكْمَ الآيةِ الكريمة ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ (سُورَةُ هُودٍ: 112/11)، لا وفقَ ما اعتبروه صحيحًا من وجهةِ نَظَرِهم.

 

 

[1] صحيح البخاري، الاستئذان، 17؛ صحيح مسلم، الأدب، 38-39.

[2] الأصبهاني: حلية الأولياء، 208/13، الغزالي: إحياء علوم الدين، 72/4؛ المناوي: فيض القدير، 225/1.

[3] انظر: الكلمات، الكلمة الثالثة عشرة، المقام الثاني، ص 173.

[4] صحيح مسلم، الإيمان، 192؛ مسند الإمام أحمد، 204/4.

[5] مسند الإمام أحمد، 298/29 .

[6] انظر: سنن النسائي: الجنائز 61؛ عبد الرزاق، المصنف، 276/5؛ الحاكم: المستدرك، 688/3.

[7] ابن عساكر، تاريخ دمشق، 435/23؛ ابن حجر، الإصابة، 334/3؛ ابن برهان الدين، السيرة الحلبيّة، 164/3.

كلُّ شيءٍ منه جلَّ وعلا

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: تقولون: إنَّه كان من الحتمي اجتماع آلاف الوسائل كي يتحقَّقَ ما أُنجِزَ من خدمات حتى الآن، وإنَّه لا قِبلَ لأحدٍ على الإطلاق أن يفعلَ هذا سوى الله تعالى خالق الأسباب ومالكها جميعها؛ وإنَّ نسبةَ النجاح إلى النفس والذات سلوكٌ غير عقلاني، فهل توضحون معنى ذلك؟

الجواب: بدايةً لا بدَّ من بيان أن مسألةَ تحقُّق النجاحات الملموسة بلطفِ الله مسببِ الأسباب وإحسانِه سبحانه وتعالى ليست محصورةً بنا ولا حكرًا علينا وحدنا دون غيرِنا؛ وإنّما هي سنّة الله المتعاقبة على مدار التاريخِ، ومن ذلك مثلًا أنَّ سيدنا نوحًا عليه السلام بعد أن نجا من الطوفان بإذن الله تعالى وعنايته -كما هو وارد في كتب التفاسير- وَاصلَ تبليغ الناس بالحقِّ والحقيقة في الفترة التالية لنجاتِهِ أيضًا؛ فأعتَقَ أمته من رِقِّ الحيوانية وخَلَّصَها من محبسِ البدنِ الضيق، ووجَّهَها إلى مرتبة حياة القلب والروح، وقد اتَّجَهَت هي كذلك إلى الله تعالى وحاولَتْ الوفاء بشروط العبوديةِ وواجباتِها، ومن ثمَّ فإنَّ مظاهرَ العناية الإلهيّةِ تبدو بمجرَّد النظر إلى حياة سيدنا نوح عليه السلام المليئة بالكفاح والنضال واضحةً وضوحَ الشمس، لأنه إن أُرجِعَ الأمر إلى الأسباب فحسب يستحيلُ تفسيرُ وفهمُ كيفيّةِ نجاتِه من الطوفان وكيفيّة تأثيره في الناس بعد ذلك، ألا يُبيِّنُ الله تعالى بقوله ﴿بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ (سُورَةُ هُودٍ: 41/11) أنَّ سفينةَ نوح عليه السلام تتحرَّك وتَقِفُ بعناية الله ورعايتِهِ؟! إذًا إنّها العناية الإلهيّة وليست الأسباب.

وعلى نفسِ الشاكلةِ أيضًا؛ فإنّه لمن العسيرِ بمكانٍ على الأسبابِ أن تُقنِعَنا بنجاة سيدنا موسى عليه السلام من ظلمِ فرعون، وأن تشرحَ لنا تِيهَ بني إسرائيل في صحراء “التيه” أربعين سنة بعد خروجهم من مصر، وأن توضِّحَ لنا كيفيّةَ دخولهم تحتَ لواءِ سيدنا يوشع بن نون عليه السلام إلى أرض فلسطين بعد فترةٍ زمنيّةٍ معيّنةٍ؛ لأنه إذا ما نُظر إلى الأمر من زاوية الأسباب فإنَّ مثل هذه الحادثة تتحقق بنسبة واحد في المليونين.

الرعاية الإلهية والمؤامرات الفاشلة

إذا نَظَرْنا إلى الحياة المباركة لمفخرة الإنسانيّة صلى الله عليه وسلّم فإننا نُشاهِدُ العنايةَ والرعايةَ الإلهيّة فيها بوضوحٍ وجلاءٍ تامَّين؛ لأن المشركين كانوا يَسعَون دائمًا إلى تحطيم آمالِهِ هو والمسلمين؛ إذ كانوا يترصَّدونهم عند كلِّ ناصيةٍ كالوحوشِ الكاسرة فَيُهاجمونهم على حينِ غِرَّة، ويُذيقونهم شتى أنواع الأذى، بما في ذلك القتلُ وإراقة الدماء، إلا أنَّ هذه الشخصية الخالدة عليها الصلاة والسلام لم تيأسْ قطُّ ولم تقنطْ؛ فكان صلى الله عليه وسلم ذا حالةٍ روحيّة فريدة؛ كأني بالشاعر التركي “سليمان نظيف” حاول التعبير عنها قائلًا:

ما دامت روحي مفعمة بهذا الإيمان فإنها

تصبر ثلاثمائة، أربعمائة، بل وخمسمائة عام

وكما ورد في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (سُورَةُ الأَنْفَالِ: 30/8)؛ فقد كان مشركو مكّة يُدبِّرون مكائد شتى للتخلص من سيد الأنبياء صلى الله عليه وسلم، ولما حُوصر بيته عليه الصلاة والسلام ولم تبقَ ثمَّةَ إمكانيّة للنجاة حسبَ قانون السبب والنتيجة، ولـمّا سالت الدماء الزكيّةُ من رأسِه المباركة نتيجة لِشَجِّ خدِّه المبارك وانكسار سِنِّه الشريفة في غزوة أُحُد، كان يعيش نفس القَدَرِ المشترك مع غيره من الأنبياء، وباعتبار الأسباب فإنَّ العثور على مخرج في أيٍّ من هذه الحوادث لم يكن ممكنًا، لكنَّ الله جلَّ جلاله كان ينقذُ رسولَه الحبيب في كلِّ مرة بشكل معجزٍ، فلقد حمى الله نبيَّه وعصمَه من الناسِ واستلَّه من بين جحافلِ الكفرِ والفجورِ المحاصِرَةِ للبيتِ النبويِّ كما تُستَلُّ الشعرةُ من العجين، ثمَّ يسَّرَ له اجتيازَ طريقٍ يزيدُ طولُهُ عن أربعمائة كيلومتر، ومكّنَهُ من قطعِهِ دون أن يُمسِكَ به أحد، حتى إن سراقة بن مالك المدلجيّ الكناني الذي اقتصَّ أثَرَهُ من خلفِهِ لِيُمسِك به خَابَ وزَلَّ فعاد أدراجَه، ووَجَّهَ قُفاةَ أثرِ المصطفى صلّى الله عليه وسلّم وقيَّافَةَ سَيرِهِ إلى جهةٍ أخرى تضليلًا لهم عن خطِّ سَيْرِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلّم[1].

والواقعُ أننا حين ننظر إلى الأمر بنظرةٍ متأنِّيةٍ يتبيَّن لنا أنه تتسنى مشاهدةُ مظاهر العناية الإلهيّة في حياة جميع المجاهدين في سبيل الله تعالى، ومن أمثالِ تلكَ القامات والشخصيّات العظيمة “طارق بن زياد” و”عقبة بن نافع” رحمهما الله، فكما هو معلومٌ فَتَحَ عقبة بن نافع إفريقيا من أوَّلِها إلى آخرِها، وقد سارَ حتى بلغ شواطِئَ المحِيطِ، فقال: “يَا رَبِّ لَوْلَا هَذَا الْبَحْرُ لَمَضَيْتُ فِي الْبِلَادِ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِكَ”[2]، وحين ننظرُ إلى الحياة النموذجيّة لهؤلاء الأفاضِلِ يتبيّن لنا أن هذه النِّعَم التي وُهِبت لهم إنّما تحقَّقَتْ باجتماع العديد من الاحتمالات فقط، ويمكن أن يُضمَّ إلى هذه الأمثلة أيضًا ازدهارُ الدولة العثمانيّة، وفتح إسطنبول، وخدمات مَنْ نذروا أنفسهم للدين، والتي بَدَأَتْ بالأستاذِ بديعِ الزمان ولا تزالُ مستمرَّة في يومنا هذا أيضًا، فمثلًا لم يكن ثمَّةَ احتمالٌ في بداية الأمر بأن يُحدِث الأستاذ انفتاحًا بهذا المستوى الذي تحقَّق حاليًّا؛ فقد وُضِعَ تحت المراقبة الدائمة، فكان وكأنه يخضع لمتابعة حثيثةٍ، ونُفِيَ من هنا وهناك، إلا أنَّ أنوار القرآن والإيمان التي عرضها بإذن الله تعالى وعنايته انتشرت في كلِّ الأنحاء والأرجاء بالرغم من كل هذه السلبيات، فالأستاذ بديع الزمان رجلٌ من رجالات الأمل، إذ كان يصدَحُ به حتى في أحلك الظروف ويقول: “كونوا على أمل؛ إن أعظم صوت مدوّ في انقلابات المستقبل هو صوت الإسلام الهادر”[3]، ويبعث الأملَ فيمن حوله بقوله أيضًا: “وأنا على يقينٍ بأنَّ مستقبل آسيا بأرضِها وسمائِها يستسلِمُ لِيَدِ الإسلامِ البيضاء”[4]، وحين نُفكِّرُ في ظروفِ ذلك العصر نرى أن كل هذه أمورٌ لا تتحقَّقُ في ظلِّ الظروف الطبيعيّة، غير أنَّ هذه الخدمات قد تكون مظاهر لِبشاراتٍ سِيقَتْ في تلك الأيام.

واحد في المليون

إن أبطال التربية والتعليم المتطوِّعين في عصرنا هذا أيضًا تلقّوا رسالة مولانا جلال الدين الرومي: “لا تفقد شمعةٌ أشعلت غيرَها شيئًا من نورها”، وهم ينفتحون على كلِّ أرجاء الدنيا بمصدر الضياء الذي في أيديهم، ويحظون بفضل الله تعالى وعنايته بحُسنِ القبول أينما حلّوا، والواقعُ أن الخدمات الحاليّة يمكنُ أن تتحقَّقَ باجتماعِ مجموعةٍ من الشروطِ والظروفِ، مثلُها في ذلك مثلُ تلك الخدمات التي تحقَّقت في الفترات السابقة، فإذا تحدثنا مثلًا عن أوَّلِ انفتاح تحقَّقَ في التسعينات من القرن المنصرِمِ في آسيا الوسطى نجدُ أنه في تلك الفترة التي تفكَّك فيها اتحادُ الدول بعدَ أن كان يُشكِّلُ إحدى القوى العظمى في العالم آنذاك؛ كان لا بدَّ من وجود مدرِّسين ومُرَبِّين شباب يافعين يستطيعون الذهاب إلى تلك الأماكن تطوّعيًّا، وعلى الرغمِ من كلِّ الظروف الصعبة التي كانت تنتظرهم هناك كانت الرغبة والأمل تَحْدُوَانِهم في الذهاب إلى تلك الدول التي لا يعرفون مكانَها حتى على الخارطة، وكان لهؤلاء الشباب من الرجالِ والنساءِ المتخرِّجِ معظمهم حديثًا أن يرغبوا في البقاء ببلدهم والخدمة فيها؛ فدَاءُ الصِّلَة (الحنين إلى الوطن) صعبٌ جدًّا؛ غير أنهم رغمَ حداثَةِ سنّهم تجاوزوا هذه المشاعر وتغلّبوا عليها، وذهبوا إلى بلادٍ لا يعرفون عاداتها وتقاليدها، ولا حتى لغاتها دون أيِّ تردُّدٍ أو قلقٍ، ويجب ألا ننسى أنَّه كان لآباء وأمهات هؤلاء الذين نذروا أنفسهم وهم حديثو العهد بالتخرج من مدارسهم بعضُ الرغبات والأمنيات التي يطمحون في أن تتحقق، ولكن كيف أقنع متطوّعو التربية والتعليم الذين نذروا حيواتهم للإحياء آباءَهم وأمهاتِهم!؟ -ما أجمل ما أقنعوهم به!!- وكيف رضي هؤلاء الآباء والأمهات بذلك، واستطاعوا مفارقة أبنائهم!؟ إن هذه لمسألة أخرى يطولُ الحديثُ حولَها، وفي نفس الوقت فإنَّ ثمة قسم من هؤلاء الفدائيين الذين ذهبوا إلى دول شتى اضطروا إلى مفارقة مخطوباتهم مدة من الزمان والذهاب إلى تلك البلاد، فلا المفارِقُ ولا المـــــُفَارَقَ رأى أن هذا الشوق والهجران يمنع من الخدمات المنشود أداؤها، وإنما أبانوا عن فدائيّة تبهرُ العيون وتبكيها قائلين: “هذا هو ما يلزم عمله والقيام به الآن من أجل أُمَّتنا والإنسانيّة جمعاء”، وعندما نُفكِّرُ في كلِّ هذه الأمور مجتمعةً يبدو اجتماعها وتحققها جميعًا في نفس الوقت وكأنه أمرٌ مستحيل الوقوع في إطار دائرة الأسباب.

فضلًا عن ذلك فإنَّ الأسباب اللازمة لهذه الفعاليات الجميلة التي تتحقَّقُ لِصالِحِ الإنسانيّة لا تقتصرُ على هذا الأمر فحسب؛ فَثَمَّةَ حاجةٌ إلى مُمَوِّلين فدائيِّين يؤمنون بصحّة الخدمات التعليميّة وضرورتها، ومن الصعبِ إلى حدٍّ كبيرٍ العثورُ على هؤلاء المموِّلين وإقناعُهم بالأمرِ وطلب تكفُّلهم بالاحتياجات المادّيّة لهذه الخدمات تطوُّعيًّا، وهنا أريدُ أن أزيدَ الأمرَ توضيحًا عبر الحديث عن حادثةٍ واقعيّةٍ حدَثَت معي شخصيًّا؛ فقد كنتُ أزور سويًّا مع رجلين ثَرِيَّين المصانعَ في مدينة “إزمير” بحثًا عن دعمٍ للمعهد الإسلامي العالي الذي سيُنْشَأُ هناك، ونَطْلُبُ المساعدةَ من أصحاب تلك المصانع، فكانا يصطحبانِني معهما كالواعظ كي يُبَيِّنُوا للناسِ مدى أهمّيّة المسألة ويقنعوهم بها بشكلٍ أيسر، وبعد أن تحدَّثْنا عن أهمية المسألة في أحد مصانع الطوب التي زرناها من أجل هذا المقصد والهدف أخرجَ صاحب المصنع من جيبه خمسين ليرة على ما أذكرُ وأعطانا إيّاها، ولكم أن تُقدِّروا كم كان إنشاء المعهد الإسلامي العالي بهذه المبالغ البسيطة أمرًا صعبًا لدرجة المستحيل، وأمام هذا الموقف قرَّرْنا نحن والإخوة المعنيِّين بالأَمْرِ في ختام جلسةٍ استشاريّة عقدناها فيما بيننا دعوةَ من يمكن دعوتهم مِنْ ذوي الإمكانيات والمقدرة المادّيّة إلى اجتماع وأن نستَنْهِضَ همَّتَهم قدرَ ما نستطيع، وعلى ما أتذكَّر لم يأتِ إلى الاجتماع من الأشخاص الذين دعوناهم إليه سوى عدد قليلٍ جدًّا ربما يشغل طاولةً واحدةً فحسب، ولقد قمتُ فيهم خطيبًا فتعهَّدَ الحاضرون ممن لبّوا الدعوة بأن يساهموا ماديًّا بمبالغ مختلفة مثل: مائة ألف ليرة، ومائة وخمسين ألف ليرة، وأربعين ألف ليرة، وثلاثين ألف ليرة، إلَّا أن أحد المدعوين قال وكأنه يفسد الأمر: “كل إنسان يعطي بقدر إيمانه بالمسألة، وإنني سأعطي ألفين وخمسمائة ليرة فحسب”، غير أنه شاء الله أن يأتي يوم شجَّعَ الناسُ بعضهم بعضًا على القيام بمثل هذه النوعية من الأعمال الخيريّة في شتى أنحاء الوطن، لدرجة أنهم كانوا إذا لم يُخبَروا بأيّ اجتماع تُرجى فيه مساعداتهم وهمَّتُهم يلومون قائلين: “لماذا لم أُدْعَ أنا إلى هذا الاجتماع؟!”، حتى إنني عندما انزويت بإحدى الغُرَفِ عقب كلمةٍ أَلْقَيتُها في أحدِ المجالِسِ التي عُقِدَت من أجل هذا المقصد عينه دخلَ عليَّ الغرفةَ ضابطُ صَفٍّ متقاعدٌ يحملُ مفاتيح في يده، وقال بتأثرٍ وحرقة: “لقد ساهم الجميع قبل قليل، أما أنا فليس لديَّ ما أقدمه، ولذلك فإنني أحضرت إليكم مفاتيح بيتي”، وبالطبع لم يكن ممكنًا أن أقبلَ عرضًا كهذا، فشكرتُه وردَدْتُ عرضه هذا بأسلوبٍ مناسِب.

وعندما وصلنا إلى أيام أول انفتاح لنا على الخارج في التسعينات من القرن المنصرم كانت هذه الروح قد تكونت في بني جلدتنا، ولذلك لم تكن القضية قضية المعلم والمربي فحسب، وما كان لهذه الفعاليات التربوية التعليميّة أن تتحقَّقَ على المستوى العالمي إلا باجتماع وتوفر العديد من العوامِلِ مثل رضا الوالدين، وملائمة الظروف والأوضاع في الأماكن والبلاد المقصودة، والدعم المادّي من أهل الأناضول الأسخياء لمن سيذهبون إلى هناك، واجتماعُ كلّ هذه العناصر في آنٍ واحدٍ لا يُساوي في ميزان الحسابات إلا واحدًا في المليون، إذن يستحيل أن يعزوَ إنسانٌ إلى نفسه وذكائه وفطنتِهِ وكياستِه وعقلِه الألمعيّ ومنطقه ومحاكمتِه العقليّة مسألةً كهذه تتحقَّق باحتمالٍ يُمَثِّلُ واحدًا في المليون، فإنْ همَّ أن يفعلَ ذلك فقد ارتكبَ ظلمًا كبيرًا وأساءَ الأدب كثيرًا.

صاحبُ الفضلِ هو الله ولا أحدَ سواه

الواقع أنَّ العقيدة والأخلاق الإسلاميّتين قد ركّزتا بحساسيّة شديدة على الإيمان بأنَّ كلَّ شيءٍ في كلِّ الأعمال الجميلة والنجاحات إنما هو من عند الله، وكمثالٍ على ذلك فلقد أقال الفاروقُ عمر رضي الله عنه قائدَ الجيوشِ خالدَ بن الوليدِ بسبب فكرة كهذه؛ رغمَ أنّه كان يتولّى قيادةَ الجيش في معركةٍ غايةٍ في الحساسيّة كموقعة اليرموك؛ إذ إنَّ قوات الأعداء كانت تفوقُ قوَّةَ المسلمين عدَدًا وعدَّةً بحوالي سبعة أو ثمانية أضعاف، إلا أن هذه المعركة كُلِّلت بإذن الله وتوفيقِه بالنصرِ الـمُــؤَزَّرِ للمسلمين، فأنْهَتْ سيادةَ البيزنطيِّين على سوريّة وأضفت عليها السيادة الإسلاميّة، ولقد أبرزَ القائدُ العسكريُّ أبو سليمان خالد بن الوليد دهاءَه العسكريّ آنذاك، فوضعَ إستراتيجيّاتٍ حربيّة في غاية الإحكامِ والروعة، وأبدى من الفتوّة والفروسيّة والشجاعةِ ما حازَ تقديرَ وإعجابَ الجميعِ، وبينما كانت مثل هذه الحرب الضروس دائرة أقالَ سيدنا عمرُ سيدَنا خالدًا رضي الله عنهما من قيادة الجيش، وحضر خالد رضي الله عنه أمام الخليفة وكلُّهُ تواضعٌ وامتثالٌ لأمرِ أميرِ المؤمنين، وهو الذي نزل على هامة الساسانيين والبيزنطيين كالمطرقة فقضى عليهما، وهو من قال عنه سيدنا أبو بكر رضي الله عنه: “عجزت النساء أن ينسلن مِثْلَ خَالِدٍ!”[5]، وكما قال أحد الغربيين: “إننا نرى القادة من أمثال “هانيبعل” يتسوَّلون على باب خالدٍ”، وهكذا وبالرغم من كونه قامة سامية تحظى بتقدير الجميع فقد صار جنديًّا عاديًّا بعد أن عُزِلَ من منصبِ قيادة الجيش، ولما وصل خالد إلى جوار عمر رضي الله عنهما -فداهما روحي ونفسي- قال له سيدنا عمر: “يا خالد، والله إنك عليَّ لَكريم، وإنك إليَّ لَحبيب”، ثمَّ تمثَّلَ قول الشاعر:

صَنَعْتَ فَلَمْ يَصْنَعْ كَصُنْعِكَ صَانِعٌ … وَمَا يَصْنَعُ الأَقْوَامُ فَاللَّهُ يَصْنَعُ

ثمَّ كَتَبَ عُمَرُ إِلَى الأَمْصَارِ: “إِنِّي لَمْ أَعْزِلْ خَالِدًا عَنْ سَخْطَةٍ وَلا خِيَانَةٍ، وَلَكِنَّ النَّاسَ فُتِنُوا بِهِ، فَخِفْتُ أَنْ يوكلوا إِلَيْهِ وَيُبْتُلُوا بِهِ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ الصَّانِعُ، وَأَلا يَكُونُوا بِعَرَضِ فِتْنَةٍ”[6]، وأمام هذا الموقف تَمثّل سيدنا خالدُ بن الوليد رضي الله عنه عظمةً أخرى فوق ما يتَّصِفُ به من عظمةٍ تُحَيِّرُ العقول والألباب؛ فانصاع لأمر أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه الذي كان حتى ذاك اليوم جنديًّا خاضعًا لإمرته هو، وناضل حتى آخر يوم في حياته كجندي وسيفٍ مسلولٍ برّاقٍ من سيوف الجيش الإسلامي.

وخلاصةُ القول: إنّه لا احتماليّة ولا إمكانيّة لتحقيقِ أيِّ نجاحٍ على أرضِ الواقع ما لم تحالِفْه قدرة الله تعالى وعنايته. أجل، إنَّ كلَّ جمال يتحقق لا يكون إلا بإذن الله تعالى وعنايته ورعايته، ولأجل ذلك فإنه لا بدَّ من الإيمان بأن الأنشطة التي تحقَّقَتْ حتى اليوم إنما هي مظهرٌ من مظاهرِ رعايةِ الحقِّ تعالى، وتجلِّيات أخرى متعدّدة الأبعاد من تجليات عنايته ولطفه سبحانه، وفي الوقت نفسه أيضًا يجب أن تثير مثل هذه المظاهر مشاعرنا فتدفعنا إلى شكر الله وحمده، فتتزايد بالشكر كلُّ النِّعَمِ التي تحقَّقَتْ حتى اليوم وتستمرّ، وإلا فإن نَسَبْنَا -معاذ الله- تحقيقَ النجاحاتِ إلى أنفُسِنا يَكِلُنا الله إلى قوَّتِنا وإرادَتِنا الضعيفة، لأنَّنا قد خنَّا هذه الأمانة المباركة التي وصلت إلينا بواسطة أيادٍ مخلصةٍ حقًّا، ذلك أنَّ الحقائق القرآنية يمكن أن تُخيِّمَ على الكون حقًّا عبر ارتباطِنا الدائم بحقيقة التوحيد، وإيمانِنا بأنه يستحيل ولو حتى لورقةِ شجر أن تتحرَّكَ دون أن تلفّها عنايتُه جلَّ وعلا، وعبرَ ديمومةِ التمسُّكِ والارتباطِ بهذا الاعتقاد.

 

[1] انظر: البخاري، المناقب، 25، 104؛ فضائل الأعمال، 2، مناقب الآثار، 45؛ مسلم، الزهد، 75.

[2] ابن الأثير: الكامل في التاريخ، 206/3.

[3] بديع الزمان: السيرة الذاتية، ص 160-161.

[4] بديع الزمان: الكلمات، ص 755؛ الشعاعات، ص 739.

[5] الطبري: تاريخ الرسل والملوك، 359/3.

[6] الطبري: تاريخ الرسل والملوك، 68/4.

روح الإيثار

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ما هي مكانةُ خصلةِ الإيثار وما أهمِّيَّتها في حلِّ المشكِلات الإنسانيّة؟ وكيفَ يتسنّى للإنسان أن يتحلّى بها؟

الجواب: إن الإيثارَ الذي يعني تفضيلَ المرءِ غيرَهُ على نفسِهِ هو من أهمِّ القِيَمِ التي فقدْناها؛ وما من شيءٍ يقفُ وراءَ الهرجِ والمرجِ والاختلافِ والفرقةِ وعدم قَبولِ الآخر والتنازع بين الأفراد والمجتمعات اليوم إلا موت روحِ الإيثار، وسببُ موتِ هذه الروح إنما هو إشرافُ القِيَمِ القلبيّة على التحلُّلِ والفساد؛ لأن القلبَ حين يفسدُ تنمحي منه كلُّ القيم الإنسانية والنقوش والثوابت العالية المفطورة في الإنسان باعتباره خُلِقَ في “أحسنِ تقويم”، ومن ثمّ يتسلَّلُ الشيطانُ إلى عالمِ الإنسانِ الفكريِّ ويتلاعب فيه بأريحيّة تامّة، ولهذا فقد ختم رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثه: “إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ” بقوله: “أَلَا وإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِي الْقَلْبُ[1].

وهذا يعني أن حياةَ القلبِ المعنويّة والحفاظ عليها مرهونٌ بمدى حِرْصِ الإنسانِ على طهارةِ قلبِهِ ونقائِهِ من كلِّ أنواع الدَّنَسِ، ومراقبتِهِ إيّاه يوميًّا، وفي هذا الشأن فعلى السالِكِ أن يستدرَّ هذا الطهر والنقاء القلبيّ عبر الإلحاحِ بالدعاء، وعليه أن يتحلّى بأعلى درجات الدِّقّة والحذر، حتّى إنّه ينبغي له أن يبتعد تمامًا عن الخيالاتِ والأفكارِ السيئة التي من شأنِها أن تُخَلِّفَ آثارًا سلبيّة في القلب، لأنه وكما ورد في الحديث النبوي الشريف: “إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ، وَلَا إِلَى صُوَرِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ[2]؛ فإن الله جل جلاله ينظر إلى قلب الإنسان ويجازيه بناءً على ذلك، ولا ينظر سبحانه وتعالى إلى وزن الإنسان ومنظره ولا البيئة الثقافية التي نشأ فيها، وإنما ينظر إلى صفاءِ قلبِهِ ونقائِهِ، ويعامله وفقًا لهذا، كما أنه يُنظر في الآخرة أيضًا عند الميزان إلى قيمة القلب وثِقَلِهِ؛ فيُقدَّرُ الإنسان بقدرِ توجُّهِ قلبِهِ إلى الله تعالى، وخوفِهِ منه وشعورِهِ بهِ ﴿يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: 88/26-89).

العصر الذهبي لروح الإيثار: عصر السعادة

إنّ ذوي القلوب الطاهرة النقيّة مفعمون بمشاعر الرأفة والشفقة تجاه الإنسانية، ويُفكِّرون ويَشْتغلُون في الوقتِ نفسِهِ بإحياءِ الآخرين وحياتهم أكثر من حياتِهم أنفسهم، وهو الأمر الذي ترتبط به روح الإيثار في الأساس، وقد لفت القرآن الكريم الانتباه إلى خصلة الإيثار بقوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (سُورَةُ الْحَشْرِ: 9/59)، ولقد كان العصرُ الأكثرُ ازدهارًا وشيوعًا لهذه الروحِ والفكرة هو عصرَ السعادة الذي تَصَدَّرَ تاريخ الإسلام، ومن ذلك على سبيل المثال أنّ رَجُلًا أتى النبِيَّ صلى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ، فَبَعَثَ إِلَى نِسَائِهِ فَقُلْنَ: مَا مَعَنَا إِلَّا المَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “مَنْ يَضُمُّ أَوْ يُضِيفُ هَذَا“، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: أَنَا، فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى امْرَأَتِهِ، فَقَالَ: أَكْرِمِي ضَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: مَا عِنْدَنَا إِلَّا قُوتُ صِبيَانِي، فَقَالَ: هَيِّئِي طَعَامَكِ، وَأَصْبِحِي سِرَاجَكِ، وَنَوِّمِي صبيَانَكِ إِذَا أَرَادُوا عَشَاءً، فَهَيَّأَتْ طَعَامَهَا، وَأَصْبَحَتْ سِرَاجَهَا، وَنَوَّمَتْ صِبْيَانَهَا، ثُمَّ قَامَتْ كَأَنَّهَا تُصْلِحُ سِرَاجَهَا فَأَطْفَأَتْهُ، فَجَعَلَا يُرِيَانِهِ أَنَّهُمَا يَأْكُلَانِ، فَبَاتَا طَاوِيَيْنِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: “عَجِبَ اللَّهُ اللَّيْلَةَ مِنْ فعَالِكُمَا” فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ (سُورَةُ الْحَشْرِ: 9/59)[3].

وقد تناول محمد عاكف هذه الروح المباركة السامية وعرض لها في قصيدةٍ نَظَمَها حولَ موقعة “اليرموك”؛ حيث ارْتُثَّ[4] من ساداتنا الصحابة الكرام في هذه الحرب كلٌّ من الحارث بن هشام وعكرمة بن أبي جهل وعياش بن أبي ربيعة رضي الله عنهم أجمعين فَدَعَا الْحَارِثُ بِمَاءٍ يَشْرَبُهُ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ عِكْرِمَةُ، فَقَالَ الْحَارِثُ: ادْفَعُوه إِلَى عِكْرِمَةَ، فَنَظَرَ عَيَّاشُ بْنُ رَبِيعَةَ، فَقَالَ عِكْرِمَةُ: ادْفَعُوهُ إِلَى عَيَّاشٍ، فَمَا وَصَلَ إِلَى عَيَّاشٍ وَلَا إِلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ حَتَّى ذاقوا طعمَ الشهادةِ وما ذاقوا الماءَ[5].

وقد وقعت أمام عينيّ حادثةٌ مشابهةٌ لما أسلَفنا، لا أنساها أبدًا، حيث كنّا في مخيم “بوجة”[6]؛ إذ جاءت قطعةُ لحمٍ في طبقِي حين كنا نأكلُ الطعام، فدفعتها فورًا أمام أستاذ حلَّ بنا ضيفًا وكان جالسًا بجواري، فدفعها بِدَورِهِ إلى مَن بِجِوارِهِ، وهكذا دواليك، وبعد أن طافت قطعةُ اللحم ربما أمام اثني عشر رجلًا عادت إلى طبقِ الضيفِ الأوَّلِ مرَّةً ثانيةً، فعلَّقَ الأستاذ المليحُ على هذا بقراءتِهِ قول الله تعالى: ﴿بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾ (سُورَةُ يُوسُفَ: 65/12)، وهكذا فإن انتشارَ هذا الشعورِ والحسّ بين الناس مهمٌّ جدًّا من أجل سلامة المجتمَعِ وطمأنينتِهِ وبناءِ روحِ الأخوّة بين أفرادِهِ.

الإيثار في المنصب والرتبة

كلُّ هذه أمثلة مهمة بالنسبة للإيثار، ومع هذا فينبغي ألا يُنظر إلى الإيثار على أنه مجرَّدُ تفضيلِ الآخرين على النفسِ في أمورٍ كالمأكلِ والمشْرَبِ والملبَسِ فحسب؛ فتفضيل المرء أخاه على نفسِهِ حين يتعلّق الأمر بالمقام والمنصِبِ والرتبةِ مهمٌّ جدًّا بالنسبة لمعنى الإيثار، وما أجمل موقف سيدنا عمر رضي الله عنه وما أجوده من مثالٍ في هذا الشأن؛ فحينما انتقل مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم إلى أفق روحه اجتمع الصحابة الكرام من فورهم فيما بينهم كي يتفقوا على خليفة حتى لا تفسدَ الوحدة الروحية التي بين المسلمين، ولا يتفرقَ شملُ المجتمع المسلم، فعدَّدَ سيدنا أبو بكر فضائل عمر وقال لمن حوله من الصحابةِ في سقيفة بني ساعدة: بَايِعُوا عُمَرَ، أَوْ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الجَرَّاحِ، فَقَالَ عُمَرُ: بَلْ نُبَايِعُكَ أَنْتَ، فَأَنْتَ سَيِّدُنَا، وَخَيْرُنَا، وَأَحَبُّنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، فَأَخَذَ عُمَرُ بِيَدِهِ فَبَايَعَهُ، وَبَايَعَهُ النَّاسُ[7]، ومن ثم فإن تراجعَ الإنسان خطوةً إلى الوراء وتقديمه أخاه على نفسه في الإمارة والصدارة نوعٌ مهمٌّ جدًّا من أنواع الإيثار.

وبالمناسبة عليَّ القول إننا لسنا في وضعٍ يسمحُ لنا بقياسِ أوجُهِ عظمةِ سيِّدنا أبي بكر وسيّدنا عمر ورفعةِ كلٍّ منهما؛ لأننا لا نملكُ ميزانًا يَزِنُ أعمالَهما بما يتَّفِقُ وقيمتَهما الخاصّة، وأظنُّ أنه حتى وإن همَّ الميزان الذي في الآخرة أن يَزِنَ أبا بكرٍ وعمر وعثمان وعليًّا رضي الله عنهم أجمعين وثواب أعمالهم فإنه ينوءُ بذلك، فكلُّ واحدٍ منهم قيمةٌ متفرِّدةٌ بِرَأْسِها، حتى إنهم ساروا متساوين في المرتبة، فلم تبقَ أمامهم مرتبةٌ إلا وأدركوها سوى الرسالة، وإنما لم يُحرِزوا الرسالةَ لأنه لا رسالة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو أنه كان هناكَ نبيٌّ بعد مفخرةِ الإنسانيّة صلى الله عليه وسلم لكانَ أحدَهم.

أجل، حين رأى سيِّدنا أبو بكر سيدنا عمرَ رضي الله عنهما جديرًا بالخلافةِ رآه عمرُ أيضًا حقيقًا بها، ومن المؤكَّدِ أنَّ أيًّا منهما لم يقلْ ولو حتى في حديثِ نفسِهِ الداخلي: “إنني أستطيع أن أُتقنَ هذا العمل أكثر من صاحبي؛ فقد أُشِيرَ إليَّ”، وهكذا فإن قدرةَ المرءِ على تفضيلِ غيرِهِ من إخوتِهِ على نفسِهِ حين تتعلَّقُ المسألةُ بِنَيلِ مناصبَ معيّنة ربما يُمثِّلُ في حدِّ ذاتِهِ مرتبةً من الإيثار تفوقُ كلَّ أنواعِ الإيثارِ في المنافِعِ المادّيّة.

ومن يتحلَّى بهذهِ الخصلةِ لا يُفضِّلُ أن يعيشَ ويحيا هو فحسب، بل يُؤْثِرُ على نفسِهِ أن يحيا الآخرون، ويتصرَّفُ بجرأةٍ وجسارةٍ حتى إنه ليقول: “أموتُ وأفنى إن لزمَ الأمرُ، المهمّ أن يحيا الناس، وإن كان بقاءُ أمَّتي وثباتُها مرهونٌ بالتضحيةِ بي فإنني أسأل الله تعالى أن يَقسِمَ لي هذا في الحال”، وعلى العكسِ من ذلك فإنَّ الشقيَّ المحرومَ من هذه الروح الطيِّبةِ هو مَنْ يحسب نفسه أساس كلِّ شيء وأنّه كالثَّورِ الذي يحملُ الكرة الأرضيّة، ويتوهّم أنها ستنهار إذا ما انسحب من أسفلها فتقوم القيامة.

الإيثار ولو حتى على عتبةِ الجنة

كم أن المشهد الآتي مؤثِّرٌ وجديرٌ بالانتباه إليه بشأن بيان إلى أيِّ مدى قد يصل الإيثار؛ فقد رُوِيَ أن روحَ سيِّدِ الأنام أُطلِعَت على الْتِقاءِ الأثرياء والعلماء عند باب الجنّة فأخبرَنا بما دار بينهما؛ حيث قال العلماء للأثرياء: “تفضلوا، الأولويّة لكم، هذا حقُّكم أنتم، ادخلوا أنتم أوّلًا، لأنكم لو لم تنفقوا ثرواتكم في سبيل الله، ولم تؤسِّسوا مراكز العلم، ولم تُجهِّزوا الإمكانيات التعليميّة لما كنا نحن علماء، ولما وجدنا الطريق والاتجاه السليم، فقد تسبَّبْتم أنتم في سيرنا في طريق العلم وانفتاح أُفُقِنا، إننا مدينون لكم، ولذلك فالأولويّة لكم أنتم، فلتتفضَّلوا!”، وتراجعوا خطوة إلى الوراء احترامًا لهم، غير أن الأثرياء الأسخياء يردُّون عليهم قائلين: “الحقيقةُ أننا نحن المدينون لكم، لأنكم لو لم تُبصِّروننا بِفَضْلِ عِلْمِكم الواسع، ولم ترشدونا أحسنَ الإرشاد، ولم تعلِّمونا أن نقرأَ الأوامر التكوينيّة والتشريعيّة سويًّا، ولم تدلُّونا إلى جمال الكسبِ الحلال والإنفاقِ في سبيل الله تعالى لما استَطَعْنا أن نُنْفِقَ ثرواتنا في سبيل أعمالٍ خيِّرةٍ كهذه، لقد أرشدتمونا وحملتمونا من الإعطاء مرة إلى الكسبِ آلاف المرات، ولهذا فإنكم روّادُنا هنا في الآخرة كما كنتُم في الدنيا، فلتتفضَّلوا بالدخولِ أنتم أوّلًا!”، وبعد هذا الحوار العذب يتقدَّمُ العلماءُ، ويدخلون الجنةَ مع الأغنياء الأسخياء إثر بعضهم البعض.

يجب ألّا نفهم هذا الحوار الذي دار بين العلماء والأثرياء الأسخياء على أنه مجرَّدُ نقلٍ لحادثةٍ ستقعُ لاحقًا، بالعكس؛ يجب هنا أيضًا الحديث عن مدى اتِّساعِ أفق الإيثار وإطاره، تخيلوا أن هناك جسرًا (أي الصراط) صعبَ المجاز وميزانًا وحساباتٍ ثقيلة خَلَّفَها هؤلاء الناسُ حتى وصلوا باب الجنّة، بينما أمامهم من أوجهِ جمال الجنّةِ ما يُذهِل العقول ويُبهر الألباب؛ مما لا عينٌ رأَتْ ولا أذنٌ سمعتْ، ولا خطرَ على قلبِ بشرٍ قطّ، تخيّلوا كم ينبَهِرُ الإنسان ويُصبح وكأنه سيُغمى عليه حين يرى تلك المحاسن والجماليات، تخيَّلُوا كيف تتجلّى روح الإيثار حتى أمام منظرٍ كهذا! وهكذا يُبَيِّنُ لنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بهذا المشهدِ الذي رَسَمَهُ لنا كم أنّ سبيلَ روحِ الإيثارِ يمتدُّ إلى هذا الحدِّ.

وقد قال فذُّ زماننا وأحدُ ورثةِ الأنبياءِ الأستاذ بديع الزمان رحمه الله: “لم أَذُقْ طوالَ عمري البالغِ نيِّفًا وثمانين سنة شيئًا من لذائذ الدنيا، قضيتُ حياتي ما بين ميادين الحرب وزنزانات الأسر وسجون الوطنِ ومحاكمِ البلاد، ولم يبقَ صنفٌ من الآلامِ والمصاعِبِ لم أتجرَّعْهُ… لقد ضحَّيتُ حتى بآخِرَتي في سبيل تحقيقِ سلامةِ إيمانِ المجتمع، فليس في قلبي رغبة في الجنة ولا رهبةٌ من جهنم… وإن رأيت إيمان أمتنا في خير وسلام فإنني أرضى أن أُحرق في لهيبِ جهنّم؛ إذ بينما يحترقُ جسدي يرفلُ قلبي في سعادةٍ وسرورٍ”[8]، ومن يسمع كلماتِهِ هذه يُخيَّلُ إليه أنَّ هذا النَّفَسَ وهذا الصوت آتٍ من قبل أربعة عشر قرنًا من الزمان؛ ومنبعثٌ من عصرِ صدرِ الإسلامِ، وأظنُّ أن مجتمعَنا في حاجةٍ ماسّةٍ إلى روحٍ من الإيثار الواسعِ الشموليّ أكثر من حاجتِهِ إلى الماءِ والهواءِ.

إن عودة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وطن المحنة هذا بعد أن رأى في رحلة المعراج ما لم يُرَ، وبلوغه ما لم يُبلَغْ، واجتيازَه ما لم يُجتَزْ في غايةِ الأهمّيّة من حيث فهم المرتبة الأعلى في أفق الإيثار؛ فقد التقى النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم في رحلته هذه بكلٍّ من سيدنا المسيح، وسيدنا موسى، وسيدنا إبراهيم، وسيدنا آدم عليهم السلام أجمعين، ولقي من هؤلاء الأنبياء الكرام التشريفَ والتكريمَ والتبجيلَ، ثم دخل الجنَّة فرأى جمالها وحسنها الأخّاذ[9]، بعد ذلك شاهد جمال الحقِّ تعالى، ومن يدري كيف تشعرُ روح الإنسان وتُحِسُّ بمشاهدة الله! وقد ورد في كتاب “بدء الأمالي”:

يراه المؤمنون بغير كيف وإدراك وضرب من مثالِ

فينسون النعيم إذا رأوه فيا خسران أهل الاعتزال[10]

أي إن جميعَ قصورِ الجنّة ونُزُلِها، وجميعَ الحورِ اللواتي تغرقُ الدنيا في نور إحداهن إن انعكس عليها، والفواكه والأطعمة وغيرها تتوارى عن العين وتنحجبُ عند رؤيته تعالى، وهكذا فإن سيدنا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم الذي حظيَ بكلِّ هذا وبلغَ مرتبةً بين الوجوبِ والإمكان عادَ إلى البشريّة مجدّدًا دون أن تزيغَ عيناه وما عودَتُه تلك إلا من أجلِ أن يُبلِّغ أمَّتَهُ بما رآهُ وأحسَّهُ وشعرَ به من النِّعَمِ.

وعندما ذكرَ أحدُ الأولياءِ -ويُدعى “عبدَ القدوس”- عودةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم من مثل هذه الرحلة قال: “والله وبالله وتالله لو أنني كنتُ وصلْتُ إلى هذه المقامات والمراتبِ لما عدتُ إلى الدنيا مجدّدًا”، وقد علَّقَ أحدُهم على كلامِهِ هذا قائلًا: “هذا هو أكبر فرقٍ بين مقام النبوّة والولاية”. أجل، إن الأنبياء وُجدوا لأجل حياة الآخرين تمامًا، أما الأولياء فقد يرغبون في الرفعة المعنويّة والوصول إلى المتعِ المعنويّة الروحيّة.

أضف إلى ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بلغ مثل هذا الأفق وهو لا يزال حيًّا في الدنيا حين يسمع في الآخرة أيضًا صرخات من سيدخلون جهنم من أمَّته -ربما أنه- سيدنو من حافتها، ويمدُّ إليهم يده، ويطلب إخراجهم منها مثلما عاد إليهم في الدنيا كي يرشدهم ويهديهم إلى الطريق المستقيم، كل هذه مظاهر مختلفة الأبعاد لتجلِّيات مختلفة من الإيثار ذي الأفق النبوي.

ترياقٌ يقضي على الاشتباكات والمنازعات

نحن اليوم بحاجة مُلحَّة إلى روح الإيثار المرتبطة بالإيمان والحياة القلبية والتقرُّب إلى الله والشفقةِ ومشاعر الإحياء. أجل، إننا في حاجةٍ إلى أولئك الفتيةِ القادرين على الاستغناء عن الدنيا بجوانبِها الشهوانية وملذّاتها وما فيها، الذين يَحيَون كي يحيا الآخرون فحسب، القادرين على قول: “اللهم إنه لا قيمة لحياتي ولا قَدْرَ لها إلا إذا كانت ستُسهِمُ في حياةِ وإحياءِ الآخرين، وإلا فإنني أشعرُ بالاشمئزازِ من هذه الحياةِ التافهةِ التي لا تُفيدُ الآخرين شيئًا، ولا تبعث فيهم الشعور بالانبعاث، وأعوذُ بكَ من مثلِ تلك الحياة، اللهم فخلِّصْنِي من هذا البلاء”.

لأن الأشخاص الأنانيين الذين يتشدَّقون بأنفسهم دائمًا قائلين: “أنا، أنا” تسبَّبوا في تصارعِ الناسِ فيما بينهم، وأثاروا فيهم مشاعرَ الحسدِ والغيرة والاستثقال والعِراك؛ فجعلوا المجتمع في حالة لا تُطاق، هذا في حين أن هناك آلافًا من الناس يستطيعون القيام بما يقوم به هذا وذاك من الأعمال، فليتهم وثقوا بالله ولو قليلًا، وقرروا المسير في طريق الرسول والصحابة طالَما يتحدَّثون عنهم، وليتهم تراجعوا خطوةً إلى الوراء حين لَزِمَ الأمر؛ فليس في هذا ما يُضيرُ، وليتَهم قالوا: “تفضَّلْ، تَوَلَّ أنت هذا العمل”، وهكذا؛ فإن كان ثَـمَّةَ إكسيرٌ يساهم في رَأْبِ صدعِ المجتمع الذي تمزَّقَ وانفصلَ بعضُه عن بعضٍ فإنه لا محالةَ روحُ الإيثار التي ستترعرع في تلك القلوبِ من جديد.

وإلا فإنه لن يمكن حلها بواسطة الدبلوماسيّة ولا الحيل السياسية، ولا ألعاب التسلية، ولا بواسطة إستراتيجيّات مؤسّسات التفكير والتخطيطِ، ولو أنها حُلَّتْ لكان المجتمع الذي عاش عديدًا من الانقلابات والتحولات منذ أمسِهِ وحتى يومِهِ هذا قد خطا واثِقًا نحو أفقٍ متقدِّمٍ، ولكنّ الملاحَظَ أن الوحشية لا تزالُ مستمرَّةً، ولا يزال الناس يأكل بعضهم بعضًا كما يفعل أكلة لحوم البشر، بالله عليكم هل يختلف إمطار الناس بالقنابل، واستخدام الغازات السامّة، وعدم الاعتراف بحقِّ الآخرين في الحياة، والتحرك وفقًا لظاهرة الخوف من الإسلام، وارتكاب أنواع من المظالم خوفًا من الجماعة… هل يختلفُ كلُّ هذا عن أكلِ لحومِ البشر في شيءٍ!؟ إن هذا كلّه ليس شيئًا آخر سوى وحشيةٍ من نوع مختلف، أما السبيل إلى القضاءِ على كلِّ هذا فهو التوجُّهُ إلى روحِ الإنسانيّة من جديد، والسعي إلى الوفاء بضروريات “أحسن تقويم”.

 

[1] صحيح البخاري، الإيمان، 39؛ صحيح مسلم، المساقاة، 107.

[2]صحيح مسلم، البر، 33-34؛ سنن ابن ماجه، الزهد، 9.

[3] انظر: صحيح البخاري، مناقب الأنصار، 70؛ تفسير سورة الحشر، 6/148؛ صحيح مسلم، الأشربة، 172-173.

[4] ارْتُثَّ فلان: ضُرِبَ في الحرب فأُثْخِنَ وحُمِلَ وبه رَمَقٌ ثم مات.

[5] الحاكم: المستدرك، 270/3؛ البيهقي: شعب الإيمان، 143/5؛ ابن عبد البر: الاستيعاب، 3/1084.

[6] عقد مخيم “بوجة” عام (1968م)، من أجل تنشئة الطلاب وتهذيبهم، ولمزيد من المعلومات انظر: فتح الله كولن: قصة حياة ومسيرة فكر، ص 70-79.

[7] انظر: صحيح البخاري، المناقب، 33؛ سنن النسائي، الإمامة، 2؛ مسند الإمام أحمد، 1/ 282.

[8] بديع الزمان: السيرة، ص 492.

[9] انظر: صحيح البخاري، بدء الخلق 6، الأنبياء 43؛ مناقب الأنصار 42؛ صحيح مسلم، الإيمان 259، 264.

[10] الأوشي: بدءُ الأمالي، ص 41.

الاستغناءُ هو الرصيدُ الأعظمُ لِرجال الدعوة والإرشاد

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ما هي المبادئ الأساسية الجوهرية في مهمَّةِ إرشاد القلوب وتعريفها بالحقِّ والحقيقة؟

الجواب: ينبغي للإنسان المؤمن أن ترتقي عبوديتُه لله المعبودِ المطلَقِ إلى درجة “العُبودة المُطْلَقَة”، فلا يُخلِّل في عبوديَّتِهِ لله أيَّ شيءٍ آخَر؛ لأننا مُكبَّلون بقيودِ عبودِيَّتِنا له، وأمْرُنا بِيَدِهِ هو فحسب، وهذا ما تُظهره حقيقةُ العجزِ والضعفِ والفقرِ التي تكتَنِفُنَا، يتفلت من أيدينا كلُّ شيء نريد الإمساك به والوصول إليه، وكلَّما ظنَنَّا أنَّنا قبضْنا عليه بأيدينا تفلَّتَ مجدَّدًا، ويتعذر الوصولُ إلى ما نرغبُ فيه، ومِن ثمَّ فَمِنَ الواضحِ أننا لا نملِكُ أنفسَنا؛ فثمَّةَ هيمنةٌ وسيادةٌ مُطلقةٌ تُسيطر علينا.

والواقع أن الإنسان ربما يتعذَّرُ عليه الشعورُ بهذهِ الحقائقِ في كلِّ حين؛ فقد يضبطُ جهازُ الاستقبالِ أحيانًا على تردُّدٍ معينٍ لإذاعةٍ ما، فإذا ما اختلَّ هذا التردُّدُ تتقاذَفُ إليه بعضُ المؤثِّرات والتردُّدات الأخرى من هنا وهناك فتُفْسِدُهُ، والإنسانُ يُقحِم أفكارَهُ وآراءَهُ الشخصيّةَ في الأَمْرِ، فعليه أن يسعى للعثور على الصوت الصحيحِ بواسطة الجدّيّة في ضبطِ العيارات. أجل، عليه ألّا يبوح بأفكارِه وآرائِهِ إلا بعدَ أن يزِنَها بميزان الضمير العارف، فإن شابَ الأمرَ شيءٌ من أخطائنا الخاصّةِ بنا -رغمَ كلِّ الجهد والسعي المبذول لتجنُّبِها- فإننا نرجو الله جلَّ جلالُهُ أن يعفوَ عن ضعفِنا هذا ويتجاوز عنه، وإلا فإنه لا يمكن أن تتَّسِقَ التصرُّفات الماجنةُ غيرُ الـمُباليةِ مع شعورِ العبودية أبدًا.

مطرقةٌ إثرَ مطرقة

تخيلوا أنكم سجدتم في صلاتكم فأطَلْتُم السجودَ، ورُحْتُم تتضرَّعون إلى الله بضعَ دقائق، غير أن الشيطان همسَ إليكم من فورِهِ في تلك الأثناء بمشاعِرِ الإعجاب بالعملِ واستعظامِه من قبيلِ: “ما أَحسنَ عبوديتكَ لله!”؛ مستخدمًا في همسِهِ هذا آليَّةَ النَّفْسِ، فإن حدَّثَتكم أنفسكم بمثْلِ هذا الحديثِ فلْـتُقاوِموها في الحال قائلين: “ما عبدناك حقَّ عبادَتِكَ يا معبود، وما ذَكَرْناكَ حقَّ ذِكْرِكَ يا مذكورُ، وما شكرناكَ حقَّ شكرِكَ يا مشكور، وما سبَّحْناكَ حقَّ تسبيحِكِ يا من تسبِّح له السماواتُ السبعُ والأرضُ ومَن فيهنّ”، وعلينا أن نطرقَ بمطرقةٍ إثر مطرقة فوق رأسِ كلِّ الملاحظات والأفكار التي لا تُوافِقُ رضاه سبحانه وتعالى طَرْقًا يَفُتُّ في عضدِها فلا تَقومُ لها قائمةٌ بعدُ.

ولكنه ينبغي لكم حتى وإن طرقتم عليها بأثقل المطارق أن تعلموا أن مثل هذا النوع من المشاعر التي تبُثُّها وساوسُ الشيطان وتُسوِّلُها وَتُزيِّنُها النفسُ الأمَّارةُ سرعانَ ما تقفِزُ وتصحو مجدّدًا حيث لا يُتوقّع وكأنها مخلوقٌ بسبع أرواح، لدرجة أن النفس والشيطان لن يكفَّا أبدًا عن بثِّها وإثارتِها في ذهنِ الإنسان حتى وهو يطوفُ حول الكعبة، ويبتهل إلى الله ويدعوهُ في “عرفات”، ويبيتُ في “المزدلفة”، بل حتى وهو يرجمُ الشيطان ويُمْطِرُهُ بالأحجارِ وكأنه يرجم رأسَ نزواتِهِ ورغباتِهِ الشخصية وهو في “مِنًى”، فإنهما يسعيان دائمًا لإغوائه والإيقاع به.

ولهذا السبب أمر الله تعالى في القرآن الكريم قائلًا: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ (سُورَةُ هُودٍ: 112/11)، ونسأل الله تعالى الاستقامةَ والهداية بقولنا ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (سورةُ الفَاتِحَةِ: 6/1)، فإن كنَّا نُصلِّي الفروضَ وسُنَنَها كلَّها فنحن إذن نكرِّرُ هذا الطلبَ أربعين مرَّةً في اليوم والليلة، وإن كنا نصلي النوافل الأخرى كصلاة الأوابين والتهجُّد والضحى فربما أننا نطلبُ من الله تعالى كلَّ يومٍ ستين مرة أن يهدينا الصراطَ المستقيم، لأنه تعالى إن لم يأخذْ بأيدينا إلى الطريق المستقيمِ ويهدِنا إليه فلا شكَّ أننا سنتعثَّرُ في دروبِ النفسِ الأمّارة ودهاليزِها وسنتَسبَّبُ في كمٍّ هائلٍ من الحوادثِ المروريّة التي يتعذَرُ معها إعمارُ وإصلاحُ ما نتجَ عنها من كوارث وانهيارات.

إن الله لا يوفِّق من يسأل على خدماته أجرًا

إننا حينما نردِّدُ اسمَهُ تعالى دومًا ونقومُ له ليلًا ونذكره حيثُ يَجِبُ علينا ذِكْرُهُ ونتنفَّسُهُ “هو” تستمرُّ صِلَتُنا وارتباطنا به سبحانه حتى ونحن في أيِّ حالٍ مما تقتضيهِ الطبيعةُ البشريّةُ، وفي ذلك على سبيل المثال قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مَنْ أَتَى فِرَاشَهُ، وَهُوَ يَنْوِي أَنْ يَقُومَ فَيُصَلِّيَ مِنَ اللَّيْلِ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنُهُ حَتَّى يُصْبِحَ، كُتِبَ لَهُ مَا نَوَى، وَكَانَ نَوْمُهُ صَدَقَةً عَلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ[1]، وهذا هدية ومنة يَمُنُّها علينا تعالى من رحمته الواسعة. أجل، إن رحمته واسعة؛ فلم يُحمّلنا ما لا نطيق من الأعمال والواجبات، بل كَلَّفَنَا بما نطيقُهُ فحسب؛ فليس في الدين تكليفٌ بما لا يُطاق كما تشير إليه الآية الكريمة: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (سُورَةُ البَقَرَةِ: 286/2).

إذًا فينبغي لنا ألا نبتغي شيئًا آخر سوى رضا الله تعالى الذي يُمطرنا ويفيض علينا برحمته الواسعة ولُطفه العميمِ زخًّا زخًّا؛ لأنه ليس هناك ما يسمو فوق هذا ولا ما يفضلُه، فأكبر هدايا الحقِّ تعالى لعباده المؤمنين في الجنّة بعدَ رؤيتِهِ المباركة هي رضوانُه عنهم: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (سُورَةُ التَّوْبِةِ: 72/9)، والجائزةُ العظمى هي أنْ يقول لهم تعالى: “أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي، فَلاَ أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا[2]، ويتعذَّرُ علينا ههنا ونحن في هذه الدنيا أن نُخَمِّنَ ونتصوَّرَ مدى المتعةِ التي ستُحْدِثُها هذه النفحةُ الإلهيّة في روحِ المؤمن، ربما أن أولياء الله تعالى مثل الشيخ الجيلاني، وأبي الحسن الشاذلي، ومحمد بهاء الدين النقشبندي، ومولانا خالد البغدادي، والإمام الرباني، وحضرة بديع الزمان أحسُّوا بِلَذَّتِها على مستوى الظِّـــلِّـــيّــةِ بقدرِ ما سَمَحَتْ به الظروف في هذه الدنيا، ولا أمتلِكُ طاقةً ولا قدرةً على بيان شيءٍ كهذا ولا تصويره؛ لأن الله قال في حديثٍ قدسيٍّ متحدِّثًا عن نِعَمِ الجنة ونعيمِها: “أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ[3]، ومن هذا الإطار المرسوم المحدد هنا نفهمُ أن هذه المسألة تتجاوزُ تمامًا إدراكَ الإنسان وعلمَه.

ومن هذه الناحية فإنه ليس ثَـمَّةَ شيءٌ لا في الدنيا ولا في العُقبى على حدٍّ سواء أعظمُ وأقيمُ من طَلَبِهِ سبحانه وتعالى واستنهاض همّة الآخرين في طَلَبِهِ، ولأجلِ هذا فإن الأنبياءَ العظامَ نذروا حيواتهم السنيّة وربطوها بالمبادئ الأساسيّة للتعريفِ بالله تعالى فحسب، وتحبيبِ الناسِ فيه، وتقويةِ صلةِ الآخرين وارتباطِهم بالله تعالى، ولم يسألوا أحدًا أجرًا على هذا ولم ينتظروه، لأن هذا يضرُّ بالإخلاص ويُضيع العمل، بالإضافة إلى ذلك لم يَثبُتْ أنه قد نجح ووُفِّق من طلبوا ثمنًا أو أجرًا على ما أدّوه من خدمات، وإن نجحوا فنجاحٌ مؤقَّتٌ سرعان ما كانت تعصف ريحٌ معاكسة فتذروه كما تذرو العواصفُ التبنَ.

حقيقةٌ واحدةٌ نطقَ بها الأنبياءُ أجمعون

ذكر الله تعالى الأنبياء العظام مثل نوح وهود وصالح ولوط وشعيب عليهم السلام واحدًا تلو الآخر في سورة الشعراء، ثم بَيَّنَ أنَّ الكلمةَ القاسمَ المشتركَ بينهم جميعًا هي: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (سورة الشعراء: 109/26، 127، 145، 164، 180)، فقد قاموا بما كُلِّفوا به من أجل الله تعالى فحسب، واتجهوا إلى الله تعالى وقصدوه هو دائمًا، ولم يتشوَّفُوا ولو حتى إلى مثقال ذرَّةٍ من الأجرِ عوضًا عمّا قاموا به من خدمات.

وبالرغم من تغيّر العصر وتبدُّلِ الظروفِ والأحوالِ وتسبُّبِ مراحلِ الزمنِ المختلفةِ في تفسيراتٍ وتحليلاتٍ مختلفة فإن جميعَ الرسلِ المذكورين آنفًا ثبتوا على نفسِ الموقِفِ وتمسَّكوا بالعبارة عينِها في هذه المسألةِ، فقال سيدنا هود مثلما قال سيدنا صالح، ونرى سيدَنا لوطًا يقول نفسَ ما قاله مِن قبله سيدُنا نوح… على نبينا وعليهم الصلاة والسلام. أجل، كلمتُهم سواء، في حين أنّ لكلِّ مجتمعٍ من تلك المجتمعاتِ التي أُرسلوا إليها مَشاكله المختلفة الخاصّة به، وهذا يعني أنه مهما اختلَفَتْ المشاكلُ وتبايَنَتْ فإنَّ الإخلاصَ والاستغناءَ هو سبيلُ حلِّها.

فمثلًا قومُ سيِّدنا نوح عليه السلام اتخذوا عظماءَهُم آلهةً، وأسموا هذه الآلهة بأسماء شتى مثل “وَدّ” و”سُوَاع” و”يَغُوث” و”يَعُوق” و”نَسْر”، فكانوا يُألِّـهون مَن في القبور، ويَطلبُونَ منهم المددَ وما لا يستطيعونه لأنفسهم: ﴿وَقَالُوا لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدًّا وَلاَ سُوَاعًا وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلاَ تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلاَلاً﴾ (سُورَةُ نُوحٍ: 23/71-24)، وهذا خطرٌ يمكن أن يحدثَ في كلِّ عصرٍ.

أما قومُ عاد فكانوا يفتخِرُون بِعَظَمَتِهِم وضخامَتِهِم، فانسحَقوا تحتَ آفةِ الكِبرِ والغرور، ﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ (سُورَةُ فُصِّلَتْ: 15/41)، وكانوا يبنون قصورًا مشيَّدة محكمة يرجون الخلود في الدنيا كأنهم لا يموتون، وكأنهم لن يصيبَهم أيُّ ضررٍ لا من الأرضِ ولا من السماءِ، ولو اجتمعت ضدّهم كلُّ أسبابِ الهدمِ وعوامل الصدعِ فلن تستطيع أن تهدمَ بُنيانَهم، ومن ثمَّ كانت مشكلتُهم مختلفةً عن مشكلةِ قومِ سيِّدنا نوح عليه السلام، وقد أكَّدَ سيِّدُنا هود عليه السلام لقومه مدى ما هم فيه من خطإ؛ وعبَّر لهم عن فداحتِهِ مُخاطِرًا بكلِّ ما قَدْ يَحِلُّ بهِ وغيرَ آبهٍ بتهديداتهم، وصرّح باستغنائه تمامًا عن أيِّ أجرٍ في مقابل قيامه برسالِتِه كما حكى ذلك القرآن الكريم، فقال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلاَ تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ  * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ (سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: 127/26-136).

وحين ننتقل إلى حقبة سيدنا صالح عليه السلام نرى أن الناس في عصره كانت لهم مشكلة مختلفة أيضًا؛ فقد انغمسوا في مفاتن الدنيا وانهمكوا في بُــلَـهْـنِـيَــةِ العيشِ بين البساتين والحدائق والجنان، وراحوا يعيشون بشكلٍ فارهٍ فاخرٍ في أبنيةٍ محكمةٍ محصّنةٍ، وما كان مِن نبيّهم صالح إلّا أنْ واجَهَ كلَّ الصعوبات فأدّى رسالةَ التبليغِ دون أن يتشوَّفَ إلى أيِّ شيءٍ على الإطلاق، ودعاهم إلى التوحيد، وحذرهم من الإسراف والفساد، قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ * وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * وَلاَ تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ﴾ (سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: 141/26-151).

أما في عصرِ سيدنا لوط عليه السلام الذي جاء بعده فقد وقعَ الناس في أمور مستهجنةٍ لا تليق بالإنسانيّة؛ فانحرفَ مجتمعُهم وعربدَ وفسقَ، وكغيره من الأنبياء ودون أن يأبَهَ بأيٍّ من تهديداتِ الطردِ والتجريدِ من كلِّ شيءٍ؛ دعا هو أيضًا عليه السلام قومَهُ إلى التوحيد والفضيلةِ والاستقامة، ولم يبتغِ في مقابل هذا أيَّ أجرٍ منهم على الإطلاق، قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِين * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلاَ تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ * قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ * قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ * رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ * فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ * ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخَرِينَ * وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: 160/26-175).

وأما سيدنا شعيب عليه السلام فقد أُرسل في عصرٍ اختلَّتْ فيه الموازينُ والأكيالُ في الأسواقِ والمتاجِرِ، فلم يكن يُفرَّق بين الميزان والموزون، وكانت الحياةُ التجاريّةُ مليئةً بالتضاربات والتماوجات؛ فكانت الأموال تصبُّ في صالِحِ المنافعِ الشخصيّة لِأُولي القوّة والسلطان، فَحَذَّرَهم سيدنا شعيب عليه السلام قائلًا: ﴿أَلاَ تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ * وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ* وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ * وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الأَوَّلِينَ﴾ (سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: 177/26-184).

ويأمر اللهُ مَفخرةَ الإنسانية محمدًا صلى الله عليه وسلم بنفس ما قاله أسلافُه من النبيين والمرسلين، يقول تعالى: ﴿قُلْ: لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ (سُورَةُ الأَنْعَامِ: 90/6، سُورَةُ الشُّورَى: 23/42)، ﴿قُلْ: مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ (سُورَةُ الفُرْقَانِ: 57/25، سُورَةُ ص: 86/38)، وهذا أمرٌ من الله بأن لا يطلب أيَّ شيءٍ أو أجرٍ من قومِهِ الذين أذاقوه كلَّ ألوانِ الأذى والضرّاء في مكّة المكرّمة خلال ثلاثَ عشرة سنة، وَاضْطَرُّوه للهجرةِ خارجَ بلدِه، وجعلُوه يُقاسي آلامَ الشوقِ لها. أجل، لم يطلبْ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أيَّ شيءٍ ولم يتشوَّفْ إلى أيّةِ حاجةٍ من مخاطَبيهِ رغم أنَّه كان وسيلةً لِسَعَادَتِهم في الدنيا والآخرة؛ فكان ينامُ على الحصيرِ، ويُكابدُ الجوعَ أيامًا، غير أنّه لم يُغِّيْر سلوكَه وموقِفَهُ هذا على الإطلاق.

فقدان القيمة وتوعُّر الطرق

الواقعُ أنَّ طريقَ الاستغناء هذا هو الطريق الوحيد لبَثِّ الثِّقَةِ وإقناعِ المخاطَبِ، لأنّ مَن يتشوَّفُ ويطمَعُ في شيءٍ من المنافِعِ والفوائدِ عوضًا عمّا أنجزه من خدمات؛ إنّما هو يُسيءُ إلى ما يحظى به من التفاتٍ وقبولٍ لدى الآخرين، ويفقدُ سُمعته واعتباره في نظر مخاطبيه، فإذا عزمتم على خدمةٍ فعليكم ألا تبرحوا منهجَ رسولِ الله وسبيلَه، فإنّه يُؤمَلُ أن يقول مَن يُراقبُ عملكم: “إن هؤلاء حين بدؤوا العمل كانت لديهم مائة ليرة، فلما غادروا رأينا أنه تبقت لديهم تسعون ليرة، يعني أنهم لم يستطيعوا الحفاظ حتى على مالهم بل أنفقوه في هذا السبيل”، إن مبدأَ الاستغناءِ وعدم التشوُّفِ لأجرٍ ما كما أنه صفةٌ ضروريّةٌ لكلِّ الإداريّين في الدولة بدءًا من عمدة القريةِ وصولًا إلى رئيسِ الدولة؛ فإنه ضروريٌّ ومطلوبٌ أيضًا بالنسبة لمن نذروا أنفسَهم لِإِبْلَاغِ الحقِّ والحقيقةِ والتحديثِ بها؛ لأن أعظمَ ديناميّاتهم هي الاستغناءُ والتضحيةُ.

وأَنْ يتركَ من نذروا أنفسَهم للإنسانيَّةِ آثارًا خالدةً أمرٌ مرهونٌ بِسيرهم في طريقِ الأنبياءِ عليهم السلام، وإلا فإنَّ أولئك الأشخاص الذين يستهلُّون طريقَهم محتذين بسيدنا هارون عليه السلام ثم يتحوَّلُ كلٌّ منهم إلى “قارون” سوف يأتيهم يومٌ تُخسَفُ بهم فيه الأرض؛ هم وخزائنهم، ويُلعنون كلما لُعِنَ، ولو كان يوجَدُ في قلبي موضعٌ صغيرٌ للَّعنِ والدعاءِ على الغير لكنتُ قلتُ لمن يُفكِّرون في منافِعِهِم الشخصيّة، ويربطون الأمورَ بمصالِـحِهم الخاصّة، ويختصّون أنفسَهم وحاشيتَهم بالمناقصات التجارية، ويُقرِّبون منهم من يمنحونهم تلك الأنصبةَ ويُفضّلونهم على غيرهم: “خسف الله بكم وأهليكم وتشوُّفاتكم وقضى عليكم”، ولكن لما لم يكن في قلبي أيُّ موضعٍ أو مكانٍ للدعاء على الآخرين فقد توسَّلْتُ وتضرَّعْتُ رغبةً في هدايَتِهم و-بعبارة الشاعرِ “محمد إقبال”- لم أُعَقِّبْ على الدعاء عليهم ولَعْنِهِم بقولِ “آمين”.

ومن هذه الزاوية فإنه ينبغي لِمن نذروا أنفسَهم لخدمةِ الإيمانِ والقرآن وعاشوا في محيطِها المباركِ ألَّا يستغلُّوا ما فعلوه من خدماتٍ لِصالِحِ أنفسِهم، وعليهم ألا يأخُذُوا مناقصةً لا يستحقّونها، وألّا يلهثوا خلفَ أيِّ منفعةٍ؛ مستغلِّين سمعتَهم واعتبارَهم لدى المجتمع من أجلِ تحقيقِ ذلك؛ عليهم ألّا يُضحّوا بمشاعر “التضحية” و”الاستغناء” -اللَّذَين يُمَثِّلان أكبرَ وأعظمَ ميزةٍ وخاصّيّةٍ بالنسبة لهم- في مقابل أشياءَ دنيويّــةٍ تافهةٍ عاديّــةٍ؛ فهناك مَن تكفّلَ بالسعيِ من أجلِ المال، وهم يفعلون ذلك في إطار دائرةِ الشرع، وقد منَّ ويَمُنُّ الله تعالى عليهم بأرباح ومكاسبَ عظيمةٍ في حياتهم التجارية، وهم يستخدمون مكاسبهم وثرواتهم أيضًا في سبيل الله، أما من نذروا أنفسَهم ويُـمَثِّلُ كلُّ واحدٍ منهم “مرشدًا وهاديًا إلى الطريقِ القويمِ” فإن أعظمَ ثرواتِهم هي الاستغناءُ والحِسْبَةُ لله، فإن تركوا هم هذا ولَـهَثوا وراءَ أشياء غيره فقد استبدلوا القليلَ بالكثيرِ.

إن مفخرةَ الإنسانيّة صلى الله عليه وسلَّمَ -كما روى ذلك ابن عباس رضي الله عنهما- انتَقَلَ إلى الرفيقِ الأعلى وَمَا تَرَكَ دِينَارًا وَلا دِرْهَمًا، وَلا عَبْدًا وَلا وَلِيدَةً، وَتَرَكَ دِرْعَهُ رَهْنًا عِنْدَ يَهُودِيٍّ بِثَلَاثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ[4]، ولم يكن سيدنا أبو بكر رضي الله عنه مختلفًا عنه صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر؛ فقد جمعَ ما زاد عن حاجته مما وُضِع له من مخصَّصات راتب كخليفةٍ للمسلمين وألقى ذلك كلَّه في جَرَّة، ولما حضَرَتْهُ الوفاةُ قال: “انْظُرُوا مَا زَادَ فِي مَالِي مُنْذُ دَخَلْتُ الإِمَارَةَ فَابْعَثُوا بِهِ إِلَى الْخَلِيفَةِ مِنْ بَعْدِي”[5]، وأما الفاروقُ فكانَ زاهدًا في الدنيا وكثيرًا ما كان ينامُ على الرمالِ والحصباءِ في المسجد النبويّ.

نهايةٌ مؤسفةٌ لِمَنْ ينتهِجون الفسادَ والاختلاسَ

أولئك الذين ذكرناهم آنفًا هم العظماء الذين يجب الاقتداء بهم، فالطريق والمنهجُ الصحيحُ هو طريقُهم ومنهجُهم، أما غيره فهو “التيهُ والضلال”، ومن ينحرِف عن منهجِهِم سينزَلِق في شتّى أنواع الفسادِ دون أن يَدري، وهذه الأوجهُ من الفساد سوف تجعله -وإن أسعدَتْه وسرَّته في أوَّلِ الأمر- يتحسَّرُ في النهايةِ قائلًا: يا ليتني كنتُ ترابًا ونسيًا منسيًّا“.

إذًا ينبغي لأفرادِ تلك المجموعة السامية العالية الهمّة ألَّا يهتمُّوا بالدنيا أكثر مما ينبغي وألا يُعطوها أكثرَ مما تستحق، وكما قال صلى الله عليه وسلّم: “لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ[6]، ويُروى عن عَليّ بن أبي طَالب كرّم الله وجهه مرفوعًا إلى النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم قال: أوحى الله عز وَجل إِلَى دَاوُدَ: مَثلُ الدُّنْيَا كَمثل جِيفة اجْتمعت عَلَيْهَا كلابٌ يجرونها أَفَتُحِبُّ أَن تكون كَلْبًا مثلهم فتجرّ مَعَهم!؟”[7].

ليتنا نستطيع نسيان هذه الدنيا الخدّاعة باستثناءِ ما يجبُ علينا الاهتمام به من جوانب فيها، فقد أساءَ من لم يَنْسَوها إلى أنفسِهِم وإلى الأمَّةِ والتاريخِ على حدٍّ سواء، ولأخذِ العِبرَةِ من التاريخِ؛ فَقَصْرُ “طُوبْقابي” حَمَلَ أمّةً إلى سيادةٍ عالمية، فكان هذا المكانُ انعكاسًا لعالَـمِنَا الروحيّ على الخارج؛ فهناك تتجسَّدُ الفكرة المثالية التي حملها كلٌّ من “محمد الفاتح” و”بايزيد الثاني” و”ياووز سليم” و”سليمان القانوني”؛ فقد سلَكُوا سبيلَهم، وسافروا إلى ديار قاصيةٍ بعيدةٍ لإعلاءِ كلمةِ الله، وفعلوا ما يجب فعلُه من أجلِ تحقيق التوازن في العالم؛ فأطاحوا بالظالمين، وجعلوا المظلومين يتنفَّسُون الصعداء، وعندما رجعوا إلى ديارهم واصلوا القيام بأعمالهم وواجباتهم في قصر “طُوبْقابي” ذلك القصر المتواضع البسيط، أما القصور الفاخرة المبهرجة مثل “دُولْمَه باغْجَه” و”يِلْدِز” فإنها أطفأَتْ نجمَنَا برغم كل وميضِها وبريقِها، فهذه وإن أَظْهَرَتْ لنا الدنيا وكأنّها جنّةٌ، إلا أنها أنْسَتنَا اللهَ والجنةَ الحقيقيّة.

 

[1] سنن النسائي، قيام الليل، 63؛ سنن ابن ماجه، إقامة الصلاة، 177.

[2] صحيح البخاري، الرقاق، 51؛ صحيح مسلم، الإيمان، 302.

[3] صحيح البخاري، التوحيد، 35؛ صحيح مسلم، الجنة، 4-5.

[4] مسند الإمام أحمد: 473/4.

[5] ابن سعد: الطبقات الكبرى، 143/3.

[6] سنن الترمذي، الزهد، 13؛ سنن ابن ماجه، الزهد، 3.

[7] الديلمي: الفردوس بمأثورِ الخِطابِ، 142/1.

معاييرُ في درء المفاسد

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: كيف ينبغي للمسلم أن يواجهَ ما قد يتعرض له من معاملاتٍ وتصرُّفات سيئة؟

الجواب: “الحقدُ يُولِّدُ حقدًا والبغض يُثمرُ بغضًا” هذه حقيقة يعلَمُها الجميع؛ فمقابلةُ العنفِ بالعنف، والفظاظةِ بمثلِها والغضبِ بنظيرِه تُفضي إلى تشكُّل دوائر وأوساط فاسدة يصعبُ التغلُّبُ عليها؛ فيتمزَّقُ المجتمعُ ويغرقُ في دوَّامة تلك الحوادث، ولذا فإنه ينبغي للمؤمن أن يكون حليمًا واسعَ الصدر، وأن يتغلَّبَ حتى على أكثر الأشياء سلبيَّةً، بل وأن يتمثَّلَ في مواجهة تلك المنكرات أسلوبًا نضاليًّا يؤدِّي حتى إلى إنقاذ مرتكبيها.

الدرءُ الأحسن!

يقول الله تعالى في القرآن الكريم فيما يتعلَّقُ بهذا الموضوع: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (سُورَةُ القَصَصِ: 54/28).

تُوَجِّه هذه الآيةُ الكريمة المؤمنين إلى الكيفيّة الأفضل في مواجهةِ ما قد يتعرَّضون له من المعاملات السيّئة، ومع أنَّها نزلت في أهل الكتاب كما رُوِيَ؛ إلّا أنّ “العبرةَ بعموم الحكم لا بخصوصِ السبب”، ولذلك فإنَّ هذه الآية الكريمة كما تخاطب الجميع فإنها تخاطب المؤمنين في يومنا هذا أيضًا.

وتبينُ الآية الكريمة أنَّ مَنْ وُعِدُوا الأجرَ والثوابَ ضعفين هم الصابرون على المحن والأذى والجفاء وفقًا للمعنى الصريح لقوله: “بِمَا صَبَرُوا”، وأنَّهم هم الذين يصبرون على المصائب والابتلاءات التي تُقدَّرُ عليهم فيذيبونها في بوتقة صدورهم ويُـحَـوِّلُونها إلى ألعاب نارية، فيُقَدِّمُون مناظرَ تُبهِرُ العقولَ والأذهان تشبه تمامًا تلك الطقوس الحضرية والمباهج التي تُعرَضُ في ليالي الأفراح والأجواء الاحتفالية. أجل، إنهم وكما أُشير إليه بعبارة “وَيَدْرَؤونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ” يُحوِّلون أكثر الحوادث سلبيةً وسوءًا إلى حوادث إيجابية، ويقابلون الشر بالخير ويدفعون السيِّئةَ بالتي هي أحسن.

والمؤمن الذي يطبق هذه الآية الكريمة في حياته ويجعلها دستوره اليومي إذا ما تَوَلَّدَ بداخلِهِ شعورٌ بالبُغْضِ والحقدِ والغلِّ تجاهَ فردٍ أو جماعةٍ من الناس بسببِ ما يتعرَّضُ له من معاملات قبيحة مذمومة يحاول على الفور أن يَتَخَلَّصَ من ذلك الشعور عن طريقِ الحِلْمِ والسِّلْمِ، ومثلما وردَ في قوله تعالى ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ (سُورَةُ هُودٍ: 114/11)؛ فإنَّ المؤمن إذا قارفَ عملًا سلبيٍّا يعيبُ طاعَتَهُ وعبادَتَهُ؛ فإنّه يُسارعُ إلى إزالَتِهِ رغبةً منه في التكفيرِ عمّا ارتكبَهُ من جُرمٍ، كما أنَّه يُتوِّجُ إزالَتَهُ إيّاه بأن يعقُبَه بعملٍ صالحٍ طيّبٍ.

والمؤمنُ الحقيقيُّ إذا ما ارتكب منكرًا انغرسَ هذا الـمُنكرُ في صدرِهِ وكأنه خُطّاف حديديٌّ أو حربةٌ أو حَسَكَة، فإذا بفؤادِهِ يتلوَّى ألمـًا، ومن ثَـمَّ فإنّه يسعى ويجتهدُ لِـمَحْوِه بأن يصنعَ معروفًا أو خيرًا مباشرةً، وأيًّا كان هذا المنكَرُ؛ قولًا كان أو سلوكًا أو نظرةً أو حتى إيماءة بذيئةً وقبيحةً فإنّه ينبغي له أن يُتْبِعَهُ بما هو إيجابي؛ كي يمحوَهُ ويمحوَ ما خلَّفَهُ في الذِّهْنِ والعقلِ من تأثيراتٍ سلبيّةٍ سيّئة.

وهذا إنّما هو في الحقيقةِ من مقتضياتِ العبوديّة لله جلّ جلاله، وقد استَنصَحَ سيِّدُنا معاذٌ رضي الله عنه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فأجابَهُ قائلًا: “يَا مُعَاذُ اتَّقِ اللهَ حَيْثُما كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ”[1]، وكما أن كلَّ فعلٍ من أفعال الخير والبر يُمثِّلُ لَوْلَبًا وسُلّمًا يرفع الكلمات الطيبة إلى الله جلَّ جلاله بعبارة الآية الكريمة: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (سُورَةُ فَاطِرٍ: 10/35)؛ فإنه في الوقت نفسه يؤثِّرُ تأثيرًا من شأنه القضاء على المنكرات والشرور، ويمكننا كذلك أن نفهمَ عبارةَ “ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ” على أنها تذكيرٌ قرآنيٌّ علينا أن نستَحضره دائمًا فيما يتعلَّقُ بمسألةِ محوِ الذنوبِ عن طريق فِعْلِ الخيرات.

والواقع أنَّ التصرُّفَ الإيجابيّ يمحو من أذهان الناس جميعَ المنكرات والسلبيّات التي تقع -شخصيةً كانت أو اجتماعيةً- ويُنسيهم إيَّاها، ويُفضي في الوقت نفسه إلى مغفرة الله تعالى؛ لأن رحمتَهُ جلَّ جلالُهُ تستدعي ألا تتسبَّبَ تلك السلبيّات والـمُنْكَراتُ في أذى الإنسان وعذابِهِ في الدارِ الآخرة ما دامَ قد تاب عنها، وألا تُسَبِّبَ له معاناة داخليّة. أجل، فلا يليقُ بالمؤمنِ وهو في ديارِ النعمةِ الوفيرةِ والإحسانِ الواسعِ واللطفِ اللامتناهي هذه أنْ يتذكَّرَ تلك الأمورَ دائمًا فيقول: “ليتني لم أرتكبْ هذه الوقاحةَ تجاهَ ربي وديني ورسولي”، ممّا سيَتَسَبَّبُ له بالمعاناة الداخليّة هناك، وهو ما يتنافى مع طبيعةِ الجنّة؛ لذا سيُنسيه اللهُ إياها بلطفه وكرمه كَبُعْدٍ آخر من أبعاد رحمتِهِ ونِعمتِه سبحانه وتعالى، ولا يُبْقِيه في تلك الأزمة.

هناك أمر آخر وهو أنه لا يصح للإنسان أن ينسى ويمحوَ من ذهنِهِ -وهو ما يزالُ في الدنيا- ما ارتكَبَهُ من ذنوبٍ وآثام؛ لأنه إن كان يستغفر الله تعالى كلّما تذكر ذنبًا حتى وإن كان قد ارتكبه قبل خمسين سنة من يومه فسوف يحميه هذا الموقفُ من الوقوعِ مجدَّدًا في مثل هذا الذنب والخطإ، ويفضي في الوقت ذاته إلى أن يُثاب دائمًا بسبب هذا الاستغفار. أجل، فكلُّ استغفار على هذا النحو يُجفِّفُ منابعَ “العَدَم”، ويمحو جميع الشرور والمنكرات، وعندما لا يبقى إثم يمحوه يُثْمِرُ أشياء حين تُعرض على العبد يوم القيامة يتحيَّرُ عجبًا منها وفرحًا بها، ومن ثم فإنه يلزم الإنسانَ وهو في هذه الدار الدنيا ألَّا ينسى ذنبًا ارتكبه أبدًا، بل عليه أن يتذكَّرَ دائمًا حتى أصغر أخطائه لئلّا يُعاني من همِّها وغمِّها في الدار الآخرة، وعليه أن يُكثر من الاستغفاره تأثرًا بما يشعر به في روحه من قلقٍ وضيقٍ، وأنْ يُلِحَّ في طلبِ المغفرة من الغفّار تعالى.

ومن جانب آخر فإنه ينبغي للمؤمن أن ينسى أعمالَ البـرِّ التي فعلها، حتى وإن كانت إيذانًا بانتهاء عصرٍ وبدايةِ آخرَ وأدّى إلى إنشاء حضارة جديدة كما أحدثه فتحُ إسطنبول في التاريخ مثلًا، بل يجب عليه حينما ذُكِّر بخدمةٍ عظيمة قد فعلها أن يرى نفسَهُ غيرَ مساهِمٍ فيها، وتأخذَه الحيرةُ والدهشةُ نكرانًا للنفس فيقولُ: “يا إلهي! أفعلتُ أنا شيئًا كهذا؟، إنني لا أتذكَّر”، فإن أصرَّ الناس على قولهم: “لقد فعلتَ أنت هذا”؛ وجبَ عليه أن يعبر عن مشاعره من باب التحديث بالنعمة قائلًا: “هذا يعني أن الله جل جلاله استخدم عبدًا حقيرًا مُذنِبًا مثلي للقيام بمثل هذا، وما هذا إلّا تجلٍّ من تجليات رحمته الواسعة الفريدة”.

دفعُ السيِّئةِ بالحسنةِ مروءةٌ حقيقيّةٌ

يقول الحقُّ تعالى في آيةٍ أخرى مرتبطةٍ بهذا الموضوع: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (سُورَةُ فُصِّلَتْ: 34/41).

وبهذا يشير هنا إلى أمرٍ يُشبِهُ ذلك الذي أشارت إليه الآية المذكورة سابقًا.

ووفقًا لهذا فإنْ كان الشخصُ الذي يُعادي الآخرين غيرةً منه وحسدًا يُرغي ويُزبِدُ غيظًا وبغضًا، ويستفزُّ مخاطَبَهُ ويُثيره، ويرغب في إغضابِهِ؛ فعلى مخاطبِه أن يكظمَ غيظَهُ متمثِّلًا معنى قوله تعالى ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 134/3)، “وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ” أي الذين يكتمون غيظهم ويبتلِعونَ غَضَبَهُم حتى ولو كان ذلك بصعوبة؛ فهم الذين لا يُظهرون ما بهم من همٍّ وغمٍّ، ويَــثْبُتُون ولا يتسرَّعون في هذا الشأن، وقد امتَدَحَت السنَّةُ النبويّة موقفَهم هذا، إذ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى خَيْرِ أَخْلَاقِ أَهْلِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ: أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ، وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ، وَتَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ”[2]، فأرشَدَنا إلى أن نعفوَ ونصفح عمَّن أساء إلينا، وأن نُقابلَه بالخيرِ كي لا يُكرِّر فعله مرَّةً أخرى… أجل، إنَّ كلَّ هذا نماذج لمقابلة السيئة بالحسنةِ.

وبعبارة أخرى فإنه ينبغي للمؤمن أنْ يُقابل كلَّ التصرفات السلبية الموجهة إليه والمعاملة السيئة تجاهه بالخير والبرِّ حتى وإن كان الآخرون يمطرونه بوابلٍ من الشرور ويعاملونه أسوأ معاملة بأيديهم وألسنتهم وأعينهم وآذانهم بل وحركاتهم وإيماءاتهم، فيَحُولَ بهذه الطريقة دون تكوُّنِ الدوائر والأوساط الفاسدة، وقد صُوِّر ذلك الموقف في نظمٍ تركيٍّ (ترجمته):

مقابلةُ البِـرِّ بالبِـرِّ أمرٌ سهلٌ ويسير

ومقابلة السوء بالبِـــرِّ شأنُ المرءِ القديرِ

نعم، إنَّ مقابلة المؤمن المنكرَ بالمعروف هو “شأن المرء القدير”، لا يليق ولا يَجْدُرُ به أن يقول: “إن قالوا كذا وكذا، وفعلوا كذا وكذا، فسأقول وأفعل كذا وكذا ردًّا عليهم بالمثل”، متّبعًا مبدأَ “المقابلة بالمثل” ذلك السلوكَ الظالم، لأنَّ القاعدة الإسلامية تقول: “الضرَرُ لا يُزالُ بمِثْلِهِ”، وتصرفٌ كهذا إنما هو وقوعٌ في القيلِ والقالِ الذي تفعلُه العجائزُ الشُّمط، وخوضٌ في بحر الذنوب، وفي الوقتِ ذاتِهِ فإنَّ مثلَ هذا الفهمِ لا يُفيدُ ألبتَّة في حلِّ مشكِلات يومِنا الحاضِر، ولذلك فإنه ينبغي للجميع أن يكونوا يقظين متنبهين جدًّا في هذا الشأن، ولا سيما من تعلقوا وارتبطوا بأفكارٍ وغاياتٍ سامية.

الدفعُ بالأحسن وسلامةُ الطريق

إن الخيرَ المبذول يؤثِّرُ لا في البشر فحسب وإنما حتى في ثعابين “الكوبرا” فيجعلها تتراقَصُ طربًا، وقد رأيتم في الأفلام الوثائقية كيف تتراقصُ تلك الثعابين على نغمات “الناي”، وبما أنَّ ثعبان الكوبرا حيوانٌ أصمُّ لا يسمع صوت الناي، غير أنه حين يرى أصابِعَ عازفِ النايِ تتراقصُ على متنِ الناي، وأنها لم تُصَبْ بضررٍ فإنّها تبدأ تتراقصُ وتَطْرَبُ، وحين يختلُّ المظهرُ الذي يجعلُها تتراقصُ فربما تلدَغ، لكنَّ ذلك نزرٌ نادرُ الحدوث، لأنه لو كان كثيرًا لما شَهِدَ هذا العملُ رغبةً شديدةً بهذا القدر فيما أظنُّ.

وخلاصةُ القول: إن الله جلَّ جلالُهُ قد أنعم حتى على الحيوان بمثل هذا الحسِّ والشعورِ في مواجهةِ أوجُهِ الخير الموجهة إليه، ومن ثم فعلى الإنسان أن يستفيدَ مما أُودِعَ فيه من قابليّاتٍ ويَسِيرَ وفقَ منهج ومعنى “أَحْسِنْ إِلَى مَنِ اتَّقَيْتَ شَرَّهُ”، فلا ريبَ أنَّه ينبغي التحلّي بهذا الخُلُقِ بشكلٍ إراديٍّ في سبيلِ حمايةِ تناغمِ وسعادةِ المجتمعِ عامّةً، وإخمادِ نارِ الحقدِ والبغضِ والفتنةِ، وإطارُ هذا التصرّف محدَّدٌ بِبَذْلِ التضحيةِ في الحقوقِ الشخصية، وإلا فإن السكوت على الظلم حيث يتعَلَّقُ الأمرُ بحقِّ العامة والاشتراكَ فيه بالسكوت عنه يضعُ الإنسانَ في موضعِ الشيطان الأخرس، وهذا تصرُّفٌ لا يليق بالمؤمن ألبتة، غير أنه إن أمكنكم حين تستدعي الحاجة -أي في مواجهة مَن أشهَرَ رمْـحَهُ، وتقلَّدَ حربتَهُ مغتاظًا سائرًا عليكم كي يقتلكم- أن تقولوا “هلمّ يا صاح، لأحتضنك!”، واستطعتم بذلك أن تجعلوه يُغمِدُ سيفَهُ ويعيدُ رمـحَـه وحربتَه القاتِلَين إلى مكانيهما فَذَاكَ، وعليَّ أن أُكَرِّرَ أنَّ مثل هذا التصرُّف مهمٌّ أهميَّة قُصوى في حلِّ ما نُعانيه من مشكلات معاصرة.

 

[1] سنن الترمذي، البر والصلة، 55؛ مسند الإمام أحمد، 284/35.

[2] جامع معمر بن راشد، 172/11 (واللفظُ له)؛ وانظر: مسند الإمام أحمد، 654/28؛ البيهقي: شُعب الإيمان، 417/10.

التعمق في الشعور والفكر الديني

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ماذا يعني التعمق في الشعور والفكر الديني؟ وكيف يتحقق الوصول إلى مثل هذا الهدف السامي؟

الجواب: يبدأ الشعور والفكر الديني لدى البشر بواسطة التلقين أولًا، ثم يتمسك به ويُتبَنَّى ويدوم ويحيا عبر التقليد، وربما إنْ أمعنّا النظر في بداية حياة كلٍّ مِنَّا، وانتقلنا إلى مرحلة الطفولة فإنه يتبين أننا لُقِّنَّا على نحوٍ بسيطٍ أركانَ الدين الأساسية كالنطق بالشهادتين والصلاة والصوم والزكاة والحج إلى جانب الإيمان بالله والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والقدر، وأننا أخذناها عن طريق التقليد وتمسكنا بها مع مرور الزمن.

وقد ذهب جمهورُ الْعلمَاء إِلَى صِحَة إِيمَان الْمُقَلِّد وترتُّبِ الْأَحْكَام على هذا الإيمان فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة[1]، ولكن يجب تثبيت الحقائق المكتسبة بواسطة الإيمان التقليدي وإقامتُها على أرضية صُلبة سليمة ووعيُها جيدًا حتى يستطيع المؤمن مقاومة عواصف الإنكار والضلال العاتية؛ لأن التقليد قد يؤدي وظيفة مؤقتة في بداية الأمر إلا أنّ بقاء المكتسبات التي تم الحصول عليها بفضله ورسوخَها إنما يمكن بالتحقيق؛ فمثلًا آباؤنا وأمهاتنا لقّنونا المعلومات النظرية الأولية المتعلقة بوجود الله ووحدانيته، غير أنه ينبغي لنا لاحقًا وحين يقال “إن الله واحدٌ” أن نستشعر ونستنبط الحقيقة نفسها من كلّ شيء في الكون بل ومن كلِّ أمر تكوينيٍّ، تمامًا مثل سعي أحد الإخصائيين المعمليين إلى استخراج النتيجة بواسطة ما يجريه في المعمل من تحاليل وبحوث، فيلزم في هذا الموضوع التحلي بالإيمان القوي السليم الثابت الراسخ والذي لا يتزعزع حتى وإن تعرض لهزة أرضية بقوة عشر درجات على مقياس ريختر؛ والذي يجعل صاحبه يقول: “وإن زعموا عكس هذا خمسين مرة فتلك هي الحقيقة وليس ما زعموا، وقد أرتاب من أن تكرار العدد اثنين مرتين يساوي أربعة، غير أن الحقائق الإيمانية تشكّل في داخلي قناعة وإيمانًا لا تمكن معه ذرة شك أو شبهة!”

الخلاص من التقليد منوط بالجهد والسعي

إن كان الأمر كذلك فلا بد أولًا من الحفاظ على هذه القيم التي فطرها الله جل جلاله فينا وتلك التي اكتسبناها عبر المناخ الثقافي الذي نشأنا فيه وكذلك التي توارثناها من آبائنا، ولا بد من أن نراجع أنفسنا باستمرار خشية أن نفقد هذه القيم، وعلينا كي نثبّتها على أرضية أكثر صلابة وثباتًا أن نداوم على مراقبتها بشكل ثابت، ويجب الركض والسعي الدائب من أجل إحكام وتوثيق الأركان الإيمانية.

إننا -بالنظر إلى الغالبية العظمى مِنّا- ولدنا من أبوين مسلمين، ونشأنا في وسطٍ يسود فيه الدين الإسلامي، ويتردد من مآذنه الأذان جهوريًّا، ويتلى في جوامعه القرآن الكريم تلاوة رقراقة، وتلقى في جنباته المواعظ والنصائح الدينية، وبهذا فقد منحنا الله جل جلاله القدرة على تحصيل جميع هذه الحقائق على المستوى النظري، وعليه فإنَّه ينبغي ألَّا تفتر هممنا، وألَّا نترك هذه المكتسبات المهمة على حالتها الأولى دون أن ننميها، بل علينا أن نجتهد ونسعى دومًا كي نسمو ونرتقي بها إلى الأعلى، أما التصرفات والسلوكيات العكسية المخالفة لذلك فإنها تعني نكرانًا للجميل وإساءة لتلك الأمانات.

أجل، بما أن الحق تعالى قد منَّ علينا بمعرفة الجانب النظريّ لكل هذا، وحمَّل إرادتنا أمانة تحصيل الجانب العملي منها فإنه يلزمنا أن نركض في إثر تلك الأمانة بكل جهودنا ومساعينا.

مراتب اليقين والطريقُ المؤدية إلى التحقيق

إنَّ مفاهيم “علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين” ربما تضطلع بمهمة العاكس الضوئي في الطريق المؤدية من التقليد إلى التحقيق.

فعلم اليقين يعني إخضاع الأشياء والحوادث وتحليلها تحت أطياف العلم المنيرة، واستنباط الحِكَم والمعاني الكامنة في الأوامر التكوينية عبر التفكر والتأمل، والوصول بهذه الطريقة إلى معرفة يمكنها أن تثبت حقائق الإيمان بالأدلة والبراهين، وإنَّ مطالعةً وبحثًا وتحليلًا بهذا الشكل سوف يقوم بمهمة تأمين المكتسبات عن طريق التقليد، وحمايتها وحراستها كالصوبة ضد ما يلقيه الملحدون من شبه وشكوك ووساوس وغير ذلك، أما عين اليقين فيعني مشاهدة ما نعتقده من معلومات نظرية بأدلة وبراهين قاطعة مشاهدة مباشرة، أي استشهاد لطائف الإنسان كلها على تلك الحقائق.

نعم، الرؤية تختلف عن النظر، فمن حظي بوجهة نظر سليمة وبالتالي بمشاهدة ما وراء ما ينظر إليه فإنه ينظر إلى الطبيعة من حوله نظرة متميزة حتى إنه ليعدو من شجرة إلى أخرى يرغب في تقبيلها، لأنه يشاهد في وجه كل شيء تجليًا من تجليات أسماء الحق تعالى فيخرّ ساجدًا، والذين أبحروا في آفاق عين اليقين يشاهدون آلافًا من تجليات الحق تعالى في كل موجود، وينجذبون أحيانًا، ويعبرون عن مشاعرهم بما يشبه عبارات نيازي المصري (ترجمة):

ظننتُ أنه لم يبق في العالم من حبيب

حتى إذا تخليتُ عن نفسي رأيتُ أن كل شيء حبيب

أي إن الإنسان حين يتخلى عن نفسه يبدأ في رؤية تجليات الحق تعالى في كل شيء فيغيب عن نفسه في استغراقٍ ويذوب في هذا البحر ويفنى فيه.

لا تتجلى أنت ما دُمتُ أنا في الميدان

فشرطُ إظهار وجودك أن أكون غائبا         (غَوثي)

أي حين يتخلى الإنسانُ عن وجوده ويذيبه أمام الوجود الحقيقي يفتح الأبواب إلى آفاق حق اليقين، والواقع أننا لا ندري هل يُيسَّر لإنسانٍ الفوزُ بمرتبة حق اليقين على أكمل وجه بهذا المعنى؟ وبينما يقول فضيلة الشيخ الإمام الرباني في مكتوبٍ من كتابه “المكتوبات” إن هذا ليس ممكنًا في الدنيا، نجده في مكتوب آخر قائلًا بأنه ممكن بقدر معين، وتوفيقًا بين هذين الرأيين يمكننا القول إنَّ ظل حق اليقين قد يتيسر لبعض الناس في الدنيا، إلا أن حقيقته الأصلية ستظهر في الآخرة، لأنه حيث تسبق القدرةُ الإلهيةُ الحكمةَ الإلهيةَ يظهر حق اليقين على حقيقته ويشعر الإنسان بتلك الحقيقة بكل أبعادها بحسب أفقه.

إذا سألت فاسأل الله لا تنقطع بك السبل

إن أهل التحقيق ضربوا أمثلة لبيان مراتب اليقين التي سعينا للتعبير عنها باختصار، فقال بعضهم على سبيل المثال إنَّ علم الإنسان نظريًّا أن النار حارقة ومنضجة للطعام ومنيرة لما حولها حين تكون لهبًا وتصديقَه بذلك هو علم اليقين، أما عند نظره إلى النار المتأججة في المدفأة ومشاهدته بعينيه أنها مصدر للحرارة، ومنيرة لما حولها مضيئة له فهذا هو عين اليقين، ومن أجل تقريب مرتبة حق اليقين للأذهان ضربوا لها مثلًا باحمرار الملقاط في مدفأة ممتلئة بالنار مباشرة وعدم التمييز بينه وبين النار، وفي هذه النقطة الأخيرة لا وجود حقيقيًّا لي ولك، ليس هناك أحد سوى الله جل جلاله، حيث يخجل الإنسان في تلك النقطة أن يقول “أنا”، وإنما يقول “هو” فحسب، ويتنفسه في كل لحظات حياته.

إذًا ينبغي للإنسان أن يهرع دومًا كي يسمو من منزلة إلى أخرى، وأن يحوِّل كل حديث للحديث عن الله، هكذا يلزمه أن يذكره كل يوم بواسطة مكتسبات جديدة، علينا أن نقول كل يوم: “الحمد لله، تعرفنا اليوم على ربنا من جديد، وذكرنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة أخرى، وشعرنا بالشوق والحنين إليه، وقلنا: “فداء لك أرواحنا!”، وتحرقنا شوقًا إلى الانضمام إلى هذا المجلس العذب مرة أخرى.

وبهذا يتسنى للإنسان أن يحوّل ثواني عمره إلى سنوات. أجل، إن لحظات الإنسان العذبة الهنية هذه وحياته سعيًا إلى الوصول إليها، وتذكرها في عقله دائمًا غضة ندية سوف يجعل الثواني في حياته بل وما هو أقل من الثواني في حكم العبادة، ويرشحها للخلود، وما دام الإنسان يرى نفسه جديرًا بالأبدية وبرؤية الذات الأبدية، فالحصول عليها إنما يمكن بأن يعيش الإنسانُ مرتبطًا بما ذكرنا آنفًا.

اللهم امنن علينا بعنايتك في هذا السبيل واجعلها لنا رفيقًا، فسائلوك لا ينقطع بهم الطريق أبدًا.

وإن سألْنا اللهَ فإنه سيعطينا كل حاجاتنا إن عاجلًا أو آجلًا دون ريب، وقد عبّر فضيلة الشيخ محمد لطفي أفندي عن هذا أفضل تعبير وبأسلوب بسيط وسلس فقال (ترجمة):

ألا يُحبُّك المولى إن أحببتَه؟

ألا يُرضيك إن هرولتَ لتنالَ مرضاتَه؟

لو وقفتَ له على الباب، وفديتَه بالروح والنفس والأحباب

وعملتَ بأمره، ألا يجزل لك الثواب؟

 

[1] التفتازاني: شرح المقاصد، 264/2.

العِلم المُبْعِدُ عن الله

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ما الدروس المستفادة من الحديث النبوي الشريف: “مَنِ ازْدَادَ عِلْمًا وَلَمْ يَزْدَدْ فِي الدُّنْيَا زُهْدًا لَمْ يَزْدَدْ مِنَ اللهِ عزَّ وَجَلَّ إِلَّا بُعْدًا”[1].

الجواب: إنّ الطرق التي توصِّل الإنسانَ إلى الله تعالى كثيرةٌ بعدد أنفاس الخلائق؛ فلكلّ إنسانٍ ملكاتٌ وقابلياتٌ مختلفةٌ عن الآخر، وعليه فإن بعضَ ذوي الطبائعِ الحسّاسة يرون أنَّ العِشْقَ هو أهمُّ السُّبُلِ الموصِلَةِ إلى الحق تعالى؛ ولذلك فإنَّ بعض الضاربين في الأرض طلبًا للعشق قد تناولوا هذا الطريق وتحدثوا عنه، ومنهم “فضولي البغدادي” إذ أنَّ وتألَّـمَ يطلبُهُ قائلًا (ترجمة):

اللهمَّ أذِقني بلاء العشق دومًا

ولا تُبعدني عنه لا لحظةً ولا يومًا                    

بينما الشيخ “محمد لطفي أفندي” أحد رجال القلب والمعنى يقول (ترجمة):

هَبْ قلبكَ لمعشوقٍ فيَسُرّك ويُبهِجك

وتمسَّك بذَيلِ مَن مُرادَكَ يُبلِّغُك

وثمة بطل آخر من أبطال العشق هو “الشيخ غالب”، تراهُ يُصوِّرُ العالَم الداخليَّ للعاشق قائِلًا (ترجمة):

إنّ قلبَ الزاهدِ الجنةُ تَهمُّه

ولا يهمُّ قلب العارف المكلومِ إلا معشوقُه

وإنّ بعضَ سالكي سبيل الحقِّ والحقيقة حاولوا الوصول إلى الله تعالى عبر طريق الزهد، واعتقدوا أنَّ هذا الطريق أهمُّ وأسلَمُ بالنظر إلى غيره من الطرق الأخرى، والزهد -في أحد معانيه- يعني تركَ الدنيا وما فيها، والاستفادةَ منها بقدرِ الحاجة فحسب، فالإنسان لا ريب مُطَالبٌ بتلبية حاجاته البدنيّة من أكلٍ وشربٍ ونومٍ حتى يواصل حياته، بيدَ أنَّ الإنسانَ الراغبَ في أن يحيا حياته في دائرةِ الزهدِ لا يطمع بالاستغراق في الاستفادة من هذا النوع من النعم الدنيوية، ولا إلى التشبُّعِ منها؛ خوفًا من أن تُوقِعَهُ هذه الملَذَّاتُ في الغفلة، ومن ثمَّ يسترشد في حياته دائمًا بعبارة: “ما هذه الملَذَّات إلا نماذج، وقد أُذِنَ لنا منها بالتذوُّقِ فحسبُ، لا بالشراهةِ والغبِّ”.

أما أرباب الكمال وبعض الأرواح الحسّاسة الساعية إلى التعرُّف على الله تعالى عبرَ طريقِ التدبُّرِ والتذكُّرِ والتفكُّرِ فإنها تُحَلِّلُ الأشياء والحوادث بعمقٍ دائمًا، وتطالِعُ كتابَ الكون وتُقيِّمُ المناسبات بينه وبين القرآن الكريم معجزِ البيان، وتسعى لمشاهدة كلِّ واحدٍ من هذين الكتابين تحت عدسة الآخَر ومرصده.

التائهون في أودية التقليد

خلافًا لكلِّ هؤلاء فإنّ ثـمّةَ أناسًا أَسَرَهم التقليد وكَبَّلهم؛ بحيث عجزوا عن التخلُّصِ من العيش الصوريِّ والشكليِّ، وأمثالُ هؤلاء الناس يصعبُ عليهم إلى حدٍّ بعيدٍ أن يتقدَّموا ويسيروا إلى الأمام؛ فموقفُهم من حيث تقليدهم ما رأوه عند آبائهم يُشْبِهُ موقفَ الكافرين الذين: ﴿قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ (سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 104/5)، والإنسانُ الذي يعيش هذه الحالة يجب عليه أن يسأل نفسه: “لو تربَّيتُ في حظيرة إحدى الكنائس هل كنتُ أستطيعُ أن أظفرَ ولو حتى بإسلامي التقليديّ الذي أنا عليه الآن باستخدامي العقلَ والمنطق والمحاكمة العقلية؟!”، والحقُّ أنَّ أهل السنة والجماعة قالوا بقبول الإيمان حتى ولو كان تقليديًّا معتمدين في ذلك على سعةِ رحمةِ الله تعالى؛ أي إنَّه سينجو أولئك الأشخاصُ الذين إنّما يشهدون أنَّه “لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله” ويذهبون إلى المساجد، ويصومون تقليدًا لآبائهم واقتداءً بهم ليسَ إلّا.

كثرة من يزعم أنه المهدي المنتظر

الحقيقة أن هذه الأمور المذكورة بالنسبة للتقليد ترسُمُ جيلَنا وتُصَوِّرُهُ، لأنَّه ليس بيننا على الإطلاق من توصَّلَ إلى الحقائق التي نؤمن بها اليومَ مُعمِلًا عقلَهُ ومُعْيِيًا إيّاه في سبيل ذلك، وليس منّا من ترك راحته وفراشه ليلًا وتجول في الممرات كالمجنون وسعى كما كان يسعى “زيد بن عمرو”[2] -عمُّ عمر ووالد سعيد بن زيد رضي الله تعالى عنهم- الذي سافرَ من الجزيرة العربيّة إلى الشام بحثًا عن الدين الصحيح، وحرصًا منه على الوصولِ إليه[3]، إننا لم نسعَ سعيًا حثيثًا كي نجده، وإنما اكتفينا بالتقليدِ فحسب، ولا سيما إنْ همَّ البعضُ يصفِّقُ لإسلامنا ويمتدِحُه، وظنَنَّا أنفسنا شيئًا فقد انخدَعْنا أيّما انخداع، حتى إن بعضَ البائسين أسلموا أنفسَهم للشُّهْرَةِ والصيتِ أمام هذا التقدير والتصفيق، ونتيجةً لذلك ظهر في كلِّ مكانٍ عددٌ من الأشخاص ادّعى كلٌّ منهم أنه المهدي، فنحنُ نرى في عصرِنا دعاة المهديّة قد كَثُرُوا، لدرجة أننا إنْ قلنا “ثمة حالةٌ من التضخُّمِ في ادِّعاء المهديِّ المنتظرِ” لم نبالغ. أجل، فبينما بعض المؤمنين يحاسب نفسه إن كان في عِدادِ المؤمنين أو لا؛ هناك من يرى نفسَه بطلًا سَيُخَلِّصُ العالمَ في حملةٍ واحدةٍ، ويطرح القياصرة والأكاسرة أرضًا، أما الحقيقةُ والواقعُ فتُظهران أنَّ كلَّ واحدٍ من هؤلاء عبدٌ من عبيدِ التقليد الذين لم يعرفوا الله ولا رسوله صلى الله عليه وسلم حقَّ المعرفة، ولم يُدرِكوا شيئًا من حقيقة الخلفاء الراشدين ولا الصحابة الكرام، وتقدُّمُ هؤلاء مِنَ الصعوبةِ بمكان؛ لأنهم لم يعرفوا أين هم، وكيف أنهم يتعثَّرون حتى على الطرق المستوية الممهَّدة.

والحالُ أنَّه يجب على القلب المؤمن أن يتفكَّرَ ويتدبَّرَ ويتذكَّرَ دائمًا بينما يُبحر في بحار معرفة الذات الإلهية ومحبَّتِها، وأن يواصلَ طريقَهُ دون تلكُّؤٍ أو تباطُؤٍ أو اكتفاء، وعليه أن يقول أمام كؤوس المعرفة المقدَّمة إليه كما قالَ ذلكَ العاشقُ الولهان:

انظر إلى حال هذا العبد الفقيرِ

لقد أَسَرَته ذؤابةُ شَعرِك الضَّفِيرِ

وكلَّما غمستُ أصبعي في عسلِ عِشْقِك

استَزدْتُ منه فزادني عطشًا فأدْرِكْنِي بماءِ وصْلِك

وعليه أن يستزيدَ شربًا تمامًا كالظمآن الذي يسعى لريِّ نفسِهِ بشربه من ماءِ البحر؛ فكلّما شربَ أكثر كلّما ازدادَ عطشًا أكثر، ويلزمه وهو يبحرُ إلى المعرفةِ ليتعمَّقَ فيها من جانبٍ؛ ألا تغادرَ عقلَه -من جانب آخر- ملاحظاتٌ مهمّة مثل: لو أنني استطعتُ أن أسمعَ وأُحسَّ ما يجب أن يُسمع ويُحَسّ بالفعلِ وأدركت حقيقةَ ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (سُورَةُ الرَّعْدِ: 28/13)، ويا ليتني وعيتُ تلك البشارة الواردةَ في هذه الآية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ (سُورَةُ الرَّعْدِ: 29/13)، لو أنني استطعتُ ذلك؛ لكنتُ أتَّصِلُ بالحقِّ تعالى اتصالًا أقوى، وأترنَّم بنغماتِ العشق والاشتياقِ دائمًا، وأخفضُ للمؤمنين جناحَ الذلِّ والتواضع، وأنظرُ إلى المخلوقات كلِّها برأفةٍ وشفقةٍ واسعة كالفضاء، وعدمُ حدوثِ هذا يعني أنني ما زلتُ أخلدُ إلى الأرض وَضَاعَةً ودنوَّ مقام.

الجمعُ بين السعيِ الخارقِ والتواضعِ الفائقِ!

العبوديّة الحقَّةُ هي الجمعُ بين سعيٍ خارقٍ وتواضُعٍ فائقٍ؛ فعلى الإنسان أن يرتقيَ إلى العُلا حتى إنَّ الملائكة حين تنظر إليه تتحيَّرُ وتتعجَّبُ قائلةً: “يا لَلعجب! كيفَ لِمخلوقٍ من صَلْصَالٍ من حمإٍ مسنون أن يُشَارِكَنا نفسَ الأفقِ أو يُحَلِّق أمامنا؟!”، وينبغي له عندئذٍ أن لا يرى نفسَه إلا صفرًا، ويقولُ بكلِّ راحةٍ ودون تردُّدٍ حين يطلبون منه الحديث عن نفسِهِ: “لا شيءَ قطّ”.

ليس ثَـمّة إنسانٌ أعظمٌ من مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم من حيث إدراك الكمال بحقّ، وبرغمِ هذا فقد تضرَّعَ صلى الله عليه وسلم إلى الله تعالى داعيًا إيّاه: “اللهُمَّ اجْعَلْنِي فِي عَيْنَيَّ صَغِيرًا وَفِي أَعْيُنِ النَّاسِ كَبِيرًا[4]، وقد دعا أحدُ أولياء الله بهذا الدعاء وعدَّلَ فيه تعديلًا يُوافِقُ حاله فقال: “اللهُمَّ اجْعَلْنِي فِي عَيْنَيَّ صَغِيرًا وَفِي دِينِي كَبِيرًا!”.

ينبغي للإنسان أن يرى نفسه وضيعًا صغيرًا بقدر جناحِ بعوضة، بيد أنه يجبُ عليه من ناحيةِ العمقِ الدينيِّ أن يقول: “إلهي! بلِّغْني كمالًا في الدين وارزقني فقهًا فيه، حتى إنَّ وارداتي الخاصّة بِدِيني تكفي لدخول الإنسانيّة كلّها في الجنة!”، ومن هذا المعنى مقولةُ سيدِنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حقِّ سيدنا ماعزِ بن مالكٍ رضي الله عنه بعدَ إقرارِه بذنْبِهِ، إذ قالَ: “لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ أُمَّةٍ لَوَسِعَتْهُمْ[5]، وذلك لأنه ارتكبَ ذنبًا خفيًّا في مكانٍ لم يعرفْه ولم يرهُ فيه أحدٌ من البشر، فندمَ على ذلك، وهرعَ إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأخبرَهُ أنهُ يريد أن يَتطهّر من ذنبه؛ فردّه رسول الله صلى الله عليه وسلّم ثلاث مرات، وبالرغم من هذا كان يرجع في كلِّ مرة إليه مجدَّدًا كي يُطهِّرَ نفسَه مما فعل، وبعدَ أن أُقيمَ عليه الحدُّ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم قولته المذكورة آنفًا بيانًا منه لحقيقةٍ مهمّةٍ، ومنعًا لإساءة الظنّ به[6].

أجل، ينبغي للإنسان أن يتعمَّقَ دائمًا في الإيمانِ والمعرفةِ والمحبَّةِ والذوقِ الروحانيّ والثباتِ على العشق والشوق، غير أنه إلى جانب هذا يلزمه أن يرى نفسه “لا شيء”، فهو إن كان قد توصَّلَ إلى عمقٍ قلبيٍّ بالفعل سيرى نفسَهُ أحقرَ الوَرَى، وبمفهوم مخالفٍ فإن الإنسان إن رأى نفسَه أعلى من الآخرين فهو في الحقيقة أحقرُهم وأدناهم منزلةً، ولن تتغيَّر النتيجة مؤمنًا كان هذا الشخصُ أو منافقًا أو كافرًا.

العِلم هو أن تعرف نفسك

إن الإنسان الذي يظنُّ نفسَهُ على درجةٍ عاليةٍ رفيعةٍ، ويدَّعي أنه حالةٌ خاصّة عن باقي البشرِ وأنّه إنّما أُرسِلَ مزوَّدًا بإمكانياتٍ وصفاتٍ خاصَّة من عند الله للقيام بوظيفةٍ مهمّة، وللأخذ بِيَدِ الإنسانيّة من أجل إيصالها إلى أوجِ الكمالات؛ ليس له في الحقيقة قيمةٌ تُذكرُ؛ مثلُه في ذلك مثل جناحِ بعوضةٍ، لأن علامةَ العَظَمَةِ هي التواضعُ والفناء، وعلامة الضَّعَةِ والدناءةِ هي التكبُّرُ والغرورُ.

والمعرفة الحقيقيّة هي أن يستطيع الإنسان تَتْوِيجَ ما لديه من علمٍ بالتَّنَبُّهِ التَّامِّ لمثلِ هذه الملاحظات، وهذا شأنُ من ارتشفوا الكمالَ، وبلغوا النضجَ، واستطاعوا جعلَ علمِهم النظريّ واقعًا وعملًا ملموسًا، وبالرغم من أنَّ الشيخ محمد لطفي أفندي كان يجلس على وسادَتِهِ ستّ ساعات يوميًّا يشتغل بالعلم والذِّكر فقد كان وجهه يصفرُّ ويشحب حين تذكّر الذات الإلهية فيقول (ترجمة):

ليس لي عِلْمٌ ولا عمل نافع…

ولا قدرةٌ على الطاعة والبر، ولا دافع

غريقٌ في العصيان… كثيرُ الآثام والشرور…

فماذا تكون -يا تُرى- حالي يوم الحشر والنشور؟!

ويقول يونس أَمره (ترجمة):

العِلم هو أن تعرف    

أن تـعـرِف نـفــسَـك

فـإن أنـت لا تعـرفها    

فالعفاء علـى ما قرأت

أما الذين يُعَلِّقون المسألةَ على تقدير هذا وامتداحِ ذاك؛ فليس بإمكانهم أن يتجاوزوا الموضعَ الذي يقفون فيه ولو خطوةً واحدة إلى الأمام، فمثلُ هؤلاء لن ينفعَهم مدحُ الآخرين لهم ولا إطراؤُهم أو تقديسهم، وإن قيّمنا الأمر في ضوء الحديث النبوي الشريف الوارد في السؤال؛ فإنه إن لم يرفض المؤمن الدنيا وما فيها ويُعرِض عنها زاهدًا فيها برغم وفرة علمه، وظلَّ يهتمّ بالدنيا وشأنها ويركض وراءها لاهثًا، وما إن وصلَ مرتبة حتى طَمِعَ في المرتبة الأعلى منها، وراح يتقطَّعُ متحرِّقًا جزِعًا حتى لا يضيع ما في يديه من متاع الدنيا؛ فإنّ هذا كلَّه لا يعني سوى البُعدِ عن الله تعالى، أجارنا الله وإياكم.

 

 

[1] الديلمي: مسند الفردوس، 602/3.

[2] وزيد بن عمرٍو هذا مات قبل بعثة النبي لكنّه كان من الموحِّدين العرب، وكان يقول: “اللهم إني لو أعلم أَحَبّ الوجوه إليك عبدتُك به، ولكني لا أعلم”، ثم يسجد على راحلته، وروى البخاري عن ابن عمر أَنَّ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ خَرَجَ إِلَى الشَّأْمِ يَسْأَلُ عَنِ الدِّينِ، وَيَتْبَعُهُ، فَلَقِيَ عَالِمًا مِنَ اليَهُودِ فَسَأَلَهُ عَنْ دِينِهِمْ، فَقَالَ: إِنِّي لَعَلِّي أَنْ أَدِينَ دِينَكُمْ، فَأَخْبِرْنِي، فَقَالَ: لاَ تَكُونُ عَلَى دِينِنَا حَتَّى تَأْخُذَ بِنَصِيبِكَ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ، قَالَ زَيْدٌ: مَا أَفِرُّ إِلَّا مِنْ غَضَبِ اللَّهِ، وَلاَ أَحْمِلُ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ شَيْئًا أَبَدًا، وَأَنَّى أَسْتَطِيعُهُ! فَهَلْ تَدُلُّنِي عَلَى غَيْرِهِ؟ قَالَ: مَا أَعْلَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَنِيفًا، قَالَ زَيْدٌ: وَمَا الحَنِيفُ؟ قَالَ: دِينُ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا، وَلاَ نَصْرَانِيًّا، وَلاَ يَعْبُدُ إِلَّا اللَّهَ، فَخَرَجَ زَيْدٌ فَلَقِيَ عَالِمًا مِنَ النَّصَارَى فَذَكَرَ مِثْلَهُ، فَقَالَ: لَنْ تَكُونَ عَلَى دِينِنَا حَتَّى تَأْخُذَ بِنَصِيبِكَ مِنْ لَعْنَةِ اللَّهِ، قَالَ: مَا أَفِرُّ إِلَّا مِنْ لَعْنَةِ اللَّهِ، وَلاَ أَحْمِلُ مِنْ لَعْنَةِ اللَّهِ، وَلاَ مِنْ غَضَبِهِ شَيْئًا أَبَدًا، وَأَنَّى أَسْتَطِيعُ! فَهَلْ تَدُلُّنِي عَلَى غَيْرِهِ؟ قَالَ: مَا أَعْلَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَنِيفًا، قَالَ: وَمَا الحَنِيفُ؟ قَالَ: دِينُ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا، وَلاَ يَعْبُدُ إِلَّا اللَّهَ، فَلَمَّا رَأَى زَيْدٌ قَوْلَهُمْ فِي إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ خَرَجَ، فَلَمَّا بَرَزَ رَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْهَدُ أَنِّي عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ” (صحيح البخاري، المناقب، 83). وكان يدعو الله إن لم يُقَدَّرْ له أن يُدرِكَ النبيّ المنتظَرَ فليُدرِكه ابنُه سعيد، وفعلًا أدركه ابنُه سعيدٌ وفازَ بذلك فكان من العشرة المبشرين بالجنّة.

[3] صحيح البخاري، المناقب، 83.

[4] مسند البزار، 315/10؛ الديلمي: مسند الفردوس، 473/1.

[5] صحيح مسلم، الحدود، 5.

[6] انظر: صحيح مسلم، الحدود، 5.