Yazarın Arşivi

المِنصّة الجديدة وعتاب الأستاذ

Herkul-ARB | | النَّفَحات

كان الأستاذ يلقي دروسه في مكان منخفض يحول بعضُ الحاضرين فيه بينه وبين الكاميرا، فيشكل مشكلة للتسجيل؛ لذا طلبْنا منصّة لحلّ هذه المشكلة، وعندما جيء بها أقمناها.

اتجه الأستاذ بعد صلاة العصر -كعادته كل يوم- إلى الجهة التي يدرّس فيها، وقبل أن يصعد المنصة عبّر عن انزعاجه منها، وجلس على الكرسي الجديد كرهًا ثم أعرب عن مشاعره.

لا ندري –نحن المعاتَبين- أصحيحٌ نشرُ مثل هذا العتاب أم لا، لكن نرى فيه من الفائدة إذ ربما يعتبر به ذوو الشعور المرهف…

 

الاتزان والاعتدال

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ما هي الأمور التي يجب مراعاتها حتى لا يقع منا إفراط أو تفريط في عصرنا الحاضر، فإن فيه انحرافات فكرية خطيرة في كل ساحة من ساحات الحياة تقريبًا، ويُسمح فيها بأنواع من المغالاة، هلا تبينونها؟

الجواب: إن الاتزان والحفاظ على الاعتدال أمر مهم للغاية حتى نتمكن من أن نجعل الدين حياةً لحياتنا، ونعيشه بالشكل الذي يلائم المراد الإلهي. وذلك لأن الوقوع في الإفراط أو التفريط يتحقق حين يُفتقد الاتزان، وعندئذ تتكون دائرة فاسدة نظرًا لأن الإفراط يولّد التفريط، والتفريط يولّد الإفراط. والواقع أن السبيل إلى السلامة من الإفراط والتفريط هو اتباع سنة مفخرة الإنسانية الهادي إلى الصراط المستقيم، والذي أوصى أمته بالاعتدال دائمًا.

الصراط المستقيم

يُعرَّف الصراطُ المستقيم في منظومة الفكر الإسلامي بأنه اعتدالُ كلٍّ من “القوة الشهوية”، و”القوة الغضبية”، و”القوة العقلية”، ويعبّر عن اعتدال كل هذه القوى بعبارة “الصراط المستقيم”. ويمكن ملاحظة أمور أخرى كثيرة مثل المنافسة، والتنافس، والنية، والنظر وغيرها في هذا الإطار. وبتعبير أصح يمكن الحديث عن وجود صراط مستقيم لجميع الطباع الحسنة والسيئة التي جُبل عليها الإنسان.

فمثلًا إن تناولنا “النظر” الذي يعني قراءة الأشياء والحوادث وتقييمَها، وجدنا أن المتفائل يمثل الإفراط، والمتشائم يمثل التفريط، بينما يمثل الناظر إلى حقيقة الأمور الحالَ الوسطَ بينهما. معلومٌ أن المتفائل هو من يتغاضى عن الشرور والشناعات، ويتناول كل شيء بجوانبه الحسنة والجميلة فحسب؛ أما المتشائم فهو من يرى كل شيء سيِّئًا حالكَ السواد. أما الناظر إلى الحقيقة أو الناظر بالهُدى فإنه يسعى ويجهد كي يرى كل شيء على حقيقته. والواقع أن “مَنْ حسُنت رؤيتُه حَسُنتْ رويّتُه وجمُل فكرُه؛ ومن جمُل فكرُه تمتَّع بالحياة وعاش حياة طيبة” كما ذكر الأستاذ بديع الزمان في “نوى الحقيقة”. بالإضافة إلى أنه يلزم -حتى في الأشياء القبيحة- التوجهُ إلى الأفكار الطيبة، والتقييمات الجميلة طالما أمكن التأويل. لكن هذا لا يعني تجاهل الواقع، والعيش في عالم الخيال والأحلام. إذًا إن ما ينبغي فعله هو رؤية كل شيء كما هو دون هروب من الحقائق ولا تجاهلٍ لها، ودون الوقوع في تشاؤم أو يأس؛ وهذا هو الاتزان في “النظر”.

والواقع أن النفس التي وُضعت في ماهية الإنسان، والتي تبدو كأنها شرٌّ في الظاهر تصبح خيرًا له إن تحرك على الصراط المستقيم؛ حتى إن الشيطان الذي يُضِلّ الناس ويفتنهم بإغوائه وتسويلاته، إن فُهمت الحكمة من خلقه فربما يكون سببًا لأن يتوجه الإنسان إلى الحق تعالى دائمًا ويلجأَ إليه؛ غير أنه إذا ما نُظر إليه -حاشا لله- كأنه قوة مستقلة، فذلك يعني أنه قد نُسبت إليه قوة وسلطة وهمية، كحال من يتوهمون قوةً وسلطةً في النور والظلمة، فهذا ضلالة. وكما تعلمون أن من يعتقد ذلك يدّعي أن كلًّا من النور والظلمة مصدرُ قوة متفردة مستقلة عن الأخرى، وأنه لا ضرر يأتي به النورُ، ويظنون أنه من الضروري إسعاد من يمثلون الظلام، وبذلك يرتكبون سيّئات لا تخطر على عقل ولا خيال لهثًا وراء فهم معوجّ كهذا. وقد راح عبدة الشيطان الذين يتحركون بالفلسفة نفسها يسعون لإرضاء الشيطان ليتمكنوا من اتقاء شره كما يزعمون. وكما أنه من الإفراط أن يعتقد الإنسان أنّ بإمكان مخلوقٍ عاجزٍ امتلاكَ بعض القوى والقدرات الخاصة بالخالق -وهو المخلوق الذي لا يملك أيَّ سلاح أو قوة في مواجهة الإنسان سوى التسويل والتزيين-؛ فتفريطٌ كذلك التغاضي عن همز الشيطان ولمزه، والاستهانة بتسويله وتزيينه. وهذا يعني التغاضيَ عن بيانات القرآن الكريم والسنة النبوية، والإعراضَ عنها. وذلك لأن الشيطان للإنسان عدوّ مبين، وربما يخسر الإنسان سعادته الأبدية على يد ذلك المخلوق الغدّار المكّار إن ظل (أي الإنسانُ) في غفلة ولم يُعطِ إرادَته حقَّها.

ضحايا النجاح

كما أن التوازن مهمٌّ للغاية في الأمور السلبية التي تقود إلى الهلاك، فمهمٌّ كذلك فيما رُزقه الإنسانُ من خيرٍ. بمعنى أنه كما ينبغي على الإنسان أن يكون متوازنًا في استغلال المشاعر الجانحة إلى الشر في طريق الخير، فعليه أيضًا أن يتجنب الإفراط والتفريط في الأعمال البدنية والروحية المتعلقة بالإيمان والعبادة والأخلاق، وألا يضلّ عن الصراط المستقيم. فمثلًا لا بدّ للمرء أن يتحرّى الدقة والكمال في كلّ ما يقوم به من عبادات وأعمال مثل الصلاة والزكاة والصوم والدعاء بل والتفكّر والذكر والتدبّر؛ لأن الله تعالى يقول في كتابه الحكيم: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (سُورَةُ التَّوْبِةِ: 105/9). ففي هذا البيان القرآني أمرٌ من الله جلّ في عُلاه بأداءِ الأعمال على الوجه الأكمل وكأنها ستُعرض على رقابة الله ورسوله والمؤمنين من أرباب البصيرة. والخلاصة أنه ينبغي للمرء حين قيامه بجميع العبادات أن يكون مهمومًا بفكرة “يا ترى! هل أنا أديتها كما ينبغي؟”، وأن يسعى دائمًا وراء الكمال.

ولا ينبغي للمرء أن ينسب النتيجةَ إلى نفسه أبدًا، حتى وإن أدّى عباداتِه على أكمل وجه، وألا يعامل ربّه بسوء أدب ووقاحة بأن ينسب الفوز والنجاح إلى نفسه؛ لأن الله تعالى هو خالق النتيجة.

وهكذا فإن كان من التفريط التقصيرُ في أداء العبادات والأعمال، وأداءُها في غفلة وفتور بلا عناية أو اهتمام؛ فمن الإفراط اغترارُ المرء بما بذله من جهد فيما قام به من أعمال، ثم ينسى توفيقَ الله له وينسب النتيجة إلى نفسه، فيسيء بذلك الأدبَ مع الله تعالى، وهذا يؤدي إلى زعزعة إيمان الإنسان وهلاكه في أودية الشرك والنفاق؛ لأنه في البداية بذل في عمله الجهدَ الكبير وتحرى الدقّة والكمال فيه، لكنه في النهاية استغلّ النجاحات التي حقّقها في سبيل الصيت والشهرة.

وعلى ذلك فالجدير بالإنسان الذي أحرز نجاحًا وتفوُّقًا فيما عمله لله أن يتّسم بالتواضع والمحو والخجل، وأن يقول دائمًا: “إن هذه النجاحات لا تليق بي، فما السبب يا تُرى في هذا الفضل والإحسان؟!”.

أجل، على الإنسان أن يؤدي ما يقوم به على أكمل وجه من ناحية، وأن يحقّر نفسه من ناحية أخرى ويذلّها كما يضرب الدبّاغ الجلد بالأرض حتى يهذّبه ويحسّنه.

ويجب على الإنسان أيضًا ألا ينسى أبدًا أن ما أحرزه من فوز ونجاح قد يكون ابتلاءً له واستدراجًا، وأن يخشى دائمًا الضلالَ والهلاكَ.

تأملوا، فقد ظهر مَن يدّعي النبوة من أمثال الأسود العَنْسِيّ ومسيلمة الكذاب، في عصر أضاء فيه النور الحقيقي كلَّ مكان، وأفَلَت دونه الشموسُ والأقمار. فهؤلاء البؤساء كانوا ضحايا لبعض القدرات والمهارات التي اكتشفوها في أنفسهم، فمُحوا وهلكوا تحت براثن الكبر والأنانية.

كثرة “المهديِّين” (!) في عصر الأنانية

لا جرم أن هذه النوعية من الانحرافات والضلالات لا تختص بفترة دون غيرها، فهناك كثيرٌ من الحوادث المشابهة في كلّ عصر ومصر. فقد تَرى أناسًا في عصرنا يجيدون الكلام بلباقة إلى حد ما، أو يدبّجون شيئًا من سطر أو اثنين، أو قطعوا مسافةً يسيرةً في المعنويات.. ثم يضيّعون التوازن ويحاولون أن يجعلوا من أنفسهم محاريب وبوصلات، ويقومون ويقعدون بـ”الأنا” و”حبّ الذات”. إن هؤلاء لما رأوا السُّذَّج من الناس يتحلّقون حولهم رغم ضآلة ما قاموا به أخذوا يرون أنفسهم أقمارًا تهدي السالكين. وأظن أن هذا هو السبب في كثرة عدد من يدّعون المهدية في زماننا، حتى إنني قد تعرّفتُ على خمسة أو ستة “مهديِّين” (!) داخل مجتمعنا، بل إن ثلاثةً منهم أراد أن يلتقي بي.

فعلى سبيل المثال جاءني قبل زمن يسير شابٌّ أخبرني أنه يبلغ من العمر اثنين وعشرين عامًا، وقال لي: “أستاذي، لقد كنتُ أحسب نفسي قديمًا حُسينيًّا فقط، ولكن بعد دراسة وتمحيص عميق في الآونة الأخيرة تبين لي أنني “حَسَنِيٌّ” أيضًا.” فحدثتُه عن بعض الأمور المتعلقة بالمحو والتواضع، وحاولت أن أفهّمه أن أمارة الصغر عند الصِّغار التكبّرُ والتطاولُ لإظهار أنفسهم للآخرين، أما أمارة العظمة عند العظام فهي الانثناء تواضعًا كالعصا.

وبعدما ذكرتُ له ما ذكرتُ انصرفَ وأنا أحسب أنه قد اقتنع، إلا أنه عند خروجه من الباب قال: “حسنًا يا أستاذي، ولكن ماذا عساك أن تفعل إن لم يعطوا لك حقّ الاختيار في هذا الموضوع”.

ليس هناك مقام سوى النبوة يُلزِم الإنسانَ بالإعلان والإبلاغ عنه. حتى وإن كان الشخص أبا حنيفة أو الشافعيَّ ليس من وظائفه إبلاغ الناس عن كونه أبا حنيفة أو الشافعيَّ، والمهديةُ كذلك. غير أنه من الصعب جدًّا إقناع أشخاص انغلقوا على مثل هذه الفكرة. اللهم اهدِ المتكبّرين الأنانيِّين الذين يدّعون المهدية إلى صراطك المستقيم!

وأنوّه أخيرًا إلى ضرورة ألا نتجاهل احتمالية وجود أشخاص يدّعون مثل هذه الأمور وإن كانوا ضمن دائرة صالحة مؤسَّسة على مفهوم المحو والتواضع والإخلاص ونكران الذات، بل إقناعُهم أصعب لأنهم ينسبون أنانيتهم الذاتية إلى الأنانية الجماعية.

فمثلًا قد يقول أحدهم: “كنتُ إلى الآن تلميذًا، وكان فلان محظيًّا بألف من الملائكة والروحانيات، إلا أن تسعمائة منهم فارقوه وأتوني”.

وهناك أمثلة كثيرة ومختلفة في كل عهد على مثل هؤلاء الذين قد يتعرضون للإغواء والخداع ويصبحون أسرى للنفس والشيطان.

ومن ثم لا ينبغي أن يغيب عن بال الإنسان احتمالية انتشار الأشواك حتى في العصر الذي تنبت فيه البذور وتحفّ فيه الورودُ البساتينَ، ولا بدّ للإنسان أن يسير في طريقه على يقظة وحذر وبصيرة.

أجل، ظهورُ مضلّلين ممكن في كلّ وقت، مضلّلين يتبعهم السذّجُ من الناس؛ فكما تنمو الأشواك مع الورود قد تغرّد العقائق مع البلابل، وربما يعجب صوتُ العقائق أناسًا لم يسمعوا صوت البلبل الرائع ولم تألفه آذانهم.

بناء على ذلك فحتى لا نفسح المجال للانخداع بادعاءات هؤلاء الناس فعلينا أن نتحرك بحذر ويقظة دائمة وأن ننظر إلى الحوادث ونرصدها بفراسة سيدنا أبي بكر الصديق وسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنهما ألف ألف مرة.

إصلاح النفس وإصلاح المجتمع

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: يُذكر أن مَن لم يستطع أن يحلّ مشكلات نفسه لا قِبل له بحلّ مشكلات مجتمعه. فما ماهية العلاقة بين إصلاح النفس وإصلاح المجتمع؟

الجواب: النفسُ موطن ومنبع للخصال الذميمة في الظاهر مثل الحقد والكره والشهوة والغضب، تلك التي وُضعت في جبلّة الإنسان لِحِكَمٍ ومصالحَ؛ وهي (أي النفس) آليّةٌ مهيّأة لتلقي وساوس الشيطان وإيحاءاته وكأنها تعمل مركزَ اتصالات له. لكن لا بدّ أن نعرف أن هذه الآلية -في الوقت ذاته- صالحة للتحول والرقي، بل إنها وسيلةٌ مهمةٌ لرقي الإنسان إلى العوالم المعنوية. ولكن أداء هذه الآلية مهمتَها بإيجابية متوقفٌ على تزكيتها وتربيتها تحت رقابة القوانين السماوية، تمامًا مثلما نكبح جِمَاحَ حصان إذا أردنا اتخاذه مَطيّةً. وإلا فإن تركناها لحالها غذَّت السيرَ وراء الأهواء والرغبات، وانقادت للشهوات المادية والحيوانية، وتتبعت المساوئ والشرور، وهذا يُودِي بالإنسان في النهاية إلى هُوَّة سحيقةٍ ويكون مصيره الموت والهلاك.

الطفل الذي لا ينفطم

يصوّر الإمام البوصيري في قصيدته المشهورة حالَ النفس غيرِ المزكّاة فيقول:

وَالنَّفْسُ كَالطِّفْلِ إنْ تُهْمِلْهُ شَبَّ عَلَى         حُبِّ الرَّضَاعِ وَإنْ تَفْطِمْهُ يَنْفَطِمِ

أجل، إن فُطِمت النفسُ في أوانها بطُرُق تقنعها أُلجمت كلُّ رغباتها الجامحة، ولكن إن تُركت للبهيمية ونَمَت تحت تأثير الأفكار والمشاعر السلبية تحوّلت إلى شيء صعب القياد وأرغمت الإنسانَ على التعلق دائمًا برغباته وشهواته ونزواته. وهذا يُفضي إلى إقامة حواجز وموانع بين الفرد والحقيقة، وإلى أن يعرّض حياته لخسوف وكسوف.

ومن ثمّ يستحيل على مَن هو أسير لنفسه ويحمل على عاتقه مشكلات نفسه أن يكون قدوةً للآخرين يرشدهم إلى الخير. إذًا على الإنسان أن يحلّ مشكلات نفسه أولًا، وسبيل ذلك إعطاء الإرادة حقَّها والتصدي لرغبات النفس وأهوائها التي لا حدود لها، والاكتفاء بالملذات والمتَع المتاحة في الدائرة المشروعة، وعدم إفساح المجال للنفس لتنزلق إلى الحرام. وهكذا تتخلص النفس من مرتبة “الأمّارة بالسوء” وتتجه إلى مرتبة “اللوّامة” التي تجعل الإنسان يلوم نفسه ويحاسبها على أطوارها وتصرفاتها، بل ترتقي إلى أفق “المطمئنّة” بصورة يطمئنّ فيها ضمير الإنسان إلى العلاقة بينه وبين ربّه. وكما يستعيذ الإنسان بالله من كثير من الأشياء الضارّة فعليه كذلك أن يستعيذ به صباحَ مساء من أنانيته ومن نفسه التي تعمل في داخله كمركز رئيسيّ للشيطان. فإن لم يحدث هذا فلن تعدل النفس عن إثارة المشكلات، ولن يتخلص الإنسان من مشكلات نفسه.

أعظم الجهاد

قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لغُزاة رجعوا من غزوة: “قَدِمْتُمْ مِنَ الْجِهَادِ الْأَصْغَرِ إِلَى الْجِهَادِ الْأَكْبَرِ” قالوا: “وما الجهاد الأكبر؟” قال: “مُجَاهَدَةُ الْعَبْدِ هَوَاهُ” (البيهقي: الزهد، 1/165). ففي الحديث دلالة على ما لهذا الأمر من أهمية عظيمة.

وإنّ ورود هذا الحديث عند عودة المسلمين من غزوة بالغة الأهمية والخطورة لَيساعدنا على المقارنة بين جهاد النفس ومحاربة العدو، كما أن له مغزًى عميقًا كبيرًا، حيث إنه قيل في وقتٍ يشعر فيه الجميع بنشوة الغلبة والنصر.

قد يُقال كلامٌ مهمٌّ ولكن لا يُراعى فيه الحالة النفسية للمخاطبين، فلا يبعث في القلوب تأثيرًا على المستوى المطلوب. فذِكرُ هذا الكلام في هذا المقام له أهمية بالغة في خلاص المسلمين من نشوة النصر التي يحتمل أن يغرقوا فيها. فلقد رغب عليه الصلاة والسلام من وراء هذا الكلام إلى أن يتصدى الصحابة رضوان الله عليهم للأفكار السلبية التي قد تتسلل إلى نفوسهم وهم يدخلون المدينة منتصرين غالبين.

والحق أننا نحسن الظن بسادتنا صحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، امتثالا لقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (سُورَةُ الْحَشْرِ: 59/10). ولكن مفخرة الإنسانية سيدَنا محمدًا (صلى الله عليه وسلم) لعلّه أراد الوقوف منذ البداية في وجه بعض الأفكار السلبية التي قد تتسلل إلى نفوسهم، مراعيًا في ذلك حالتهم الروحية، لأنهم بشر وأنه (صلى الله عليه وسلم) القائم بتربيتهم وتزكيتهم.

ففي الطريق إلى غزوة حنين خطر ببال بعض المسلمين فكرة “لن نغلب اليوم من قلة”، فمُنوا في بداية المعركة بهزيمة مؤقتة، ثم تحول الإدبار إلى إقبال بما بذله رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من شجاعة وإقدام.

وإذا ربطنا هذا بموضوعنا نقول: أجل، قد يقاسي الناسُ أحيانًا في جهادهم في سبيل الحقّ، ويتعرضون لمتاعب وصعوبات خطيرة، بل قد يلجؤون إلى التضحية بأموالهم وأنفسهم في هذا السبيل، فينصرهم الله ويؤيّدهم بفتوحات مادية ومعنوية، فأهمُّ شيء حينئذ أن يتصدى الإنسان منذ البداية لبعض الأفكار والمشاعر السلبية التي قد تتحرك داخله لحظة عودته منصورًا مظفرًا. إن ما يقوله الأستاذ بديع الزمان معيار مهمّ في هذا الصدد: “يا نفسي المرائية! لا تغترّي قائلة: إنني خدمت الدين، فإن الحديث الشريف صريحٌ بـ”أَنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ[1]، فعليك أن تَعُدِّي نفسكِ ذلك الرجل الفاجر، لأنكِ غير مزكّاة”[2]. إذ أثناء مثل هذا الفوز تزعزع حتى بعض أولياء الله الصالحين فدارت أعينهم -ناهيك عن الناس العاديين-.

فلو أن إنسانًا لم يتعهد نفسه بتربيتها وتزكيتها ولم يتمّم أخلاقياتها فهذا يعني أنه قد فقد الكثير، ولم يحظ بالسعادة الدنيوية والأخروية؛ لأن الإنسان بنفسه لا بجسمه.

يقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): “إِنَّ اللهَ لاَ يَنْظُرُ إِلىَ أَجْسَامِكُمْ وَلاَ إِلىَ صُوَرِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ” (مسلم: البر، 34؛ ابن ماجة: الزهد، 9).

 عندما يخشع القلب ينعكس هذا على الأحوال والأفعال، وقد لفت النبي (صلى الله عليه وسلم) الأنظار إلى هذا فقال:

“لَوْ خَشَعَ قَلْبُهُ لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ” (كنز العمال، رقم الحديث: 22530، نقلًا عن العسكري).

وعلى ذلك فمن الضروري أن يتوجه الإنسان إلى إنسانيته ويجادل نفسه ويحلّ المشكلات التي بينه وبين نفسه. ولأهمية هذا الأمر وصف الرسولُ (صلى الله عليه وسلم) جهادَ النفس بالجهاد الأكبر.

نِعَمٌ تصبح نِقَمًا

إن النفس كما تخدع الإنسان بالذنوب؛ فإنها ربما تقلبه رأسًا على عقب بالنِّعَم التي تفيض على الشخص زخًّا زخًّا. وعلى سبيل المثال فإن القرآن الكريم يخبر بأن قارون رغم أنه كان من قوم سيدنا موسى (عليه السلام) قد انقلب حاله رأسًا على عقب بسبب الثروة والإمكانيات التي امتلكها. وذلك أنه لم يؤمن بالله إيمانًا صحيحًا، وعجز أن يحل المشكلة في نفسه. ورغم أنه كان يبدو مؤمنًا إلّا أنه ما استطاع أن يحوّل إيمانه إلى يقين، وما تمكن من التوجه إلى أفق الإذعان. أي إنه لم يستطع أن يحوّل المعلومات النظرية إلى المعرفة بواسطة العمل، وما وصل إلى علم اليقين، وما تسنى له أن يدنو من عين اليقين على وجه الخصوص. ولذلك قال يومًا: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ (سُورَةُ القَصَصِ : 28/78) فأصبح من الخاسرين نتيجة اغتراره بالإمكانيات الدنيوية رغم أنه كان إلى جانب موسى عليه السلام، وبالقرب منه، يعيش بين قومه.

والسامري أيضًا كان من قوم موسى عليه السلام، وكان إنسانًا يُجيد الحديث، وله مهارات مختلفة. لكنه أيضًا استخدم تلك المهارات الموهوبة له في صنع صنم على صورة عِجْل، فانقلب رأسًا على عقب وخسر. وذلك أنه عاش حياته حتى آخرها منفيًّا شريدًا كما جاء في القرآن الكريم: ﴿فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لاَ مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ (سُورَةُ طَهَ: 20/97).

والملاحَظ أنه حين لا تُحَلُّ المشكلة في نفس الإنسان، فإن نعمة الله ذاتها تتحول إلى مصيبة على الإنسان. وبتعبير مختلف؛ إن الأشياء التي تبدو نِعَمًا قد تتحول إلى نِقَم على الإنسان وهو لا يشعر. بل إن المعرفة تصبح نِقمة وبليَّة عليه، والقدرة والتمكن من الإدارة يستحيل إلى بلية، وحفاوة الناس به تُضحي بلية، كما يصير شغل مناصب معينة أيضًا بلية… أجل، إن الإنسان حين يمتلك تلك الإمكانيات ربما يشرد عن طريق حضرة روح سيد الأنام (صلى الله عليه وسلم)، ويسلك طرق أمثال الفرعون رمسيس، وآموفيس، وابن شمس.

وأريد أن أوضح الموضوع أكثر عَبْر منقبة يُروى أنها وقعت في زمان موسى عليه السلام. والحقيقة أنه يمكن النقد في أصل وثبوت هذه النوعية من المناقب، غير أن المهمّ في المناقب هو العبرة والفائدة منها، لا أصلها وثبوتها. يعني أن المهم هو المعنى الذي تفيده لنا المنقبة وما سنأخذه منها من دروس. نعم، يُحكى أن سيدنا موسى عليه السلام رأى في طريقه إلى جبل الطور واحدًا توارى في الرمال لأنه لم تكن لديه ثياب تستره. فرجا ذلك الشخصُ موسى عليه السلام أن يدعو الله تعالى له كي يكون ذا مال. فلما ذكر موسى عليه السلام طلبَ الرجلِ بين يدي الله تعالى، أُخبرَ بأن هذه الحال هي الأفضل لذلك الرجل. ونقل موسى عليه السلام هذا الخبر إلى الرجل، غير أن الرجل ألحّ في طلبه بدعوى أن أشياء أخرى مختلفة قد تكون خيرًا أيضًا. وفي النهاية أمر اللهُ تعالى موسى عليه السلام أن يساعد ذلك الرجل. فاشترى الرجلُ بعد فترة زمنية شاةً بمساعدة موسى عليه السلام. فتزايد الشياه عنده في زمن قصير، وصار الرجل صاحب قطعان من الأغنام. ومرت السنون والأيام ورأى سيدنا موسى عليه السلام جمعًا في مكان ما وهو ذاهب إلى جبل الطور أيضًا. وحينما دنا منهم وسألهم عن الحادثة قالوا له: “كان ثمة رجل فقير جدًّا ههنا، وبعد مدة أعطاه الله تعالى إمكانيات واسعة، غير أن هذا الثراء لم ينفعه، إذ بدأ يشرب الخمر، فشرب ذات يوم من الأيام وغاب عن وعيه، وبادر أحد الناس بالعراك، فقتله، والآن يُجرى القصاص منه”.

والحاصل أن الإنسان الذي لا يحلّ مشكلاته في نفسه، كثيرًا ما يجعل -كما ثبت في التاريخ وفي يومنا الحاضر- كلَّ واحدة من التوفيقات المعنوية والمادية وسيلةً لهلاكه. فإن كانت النعمة تُبعد الإنسان عن الله تعالى وتسوقه إلى الغفلة، فإنها ليست نعمةً وإنما هي نقمة في شكل نعمة. أجل، ينبغي أن يُعلم جيِّدًا أن الشيء الذي يُبعد الإنسان عن الله تعالى -حتى وإن كان هذا فتْحَ إسطنبول- هو بليّة سلّطها الله على الإنسان، تُوقعه في أكبر خسارة حيث مأمَلُ الفوز. والطريق للوقاية من كل هذه المخاطر هو عدم التخلي في أي وقت عن الجهاد الأكبر، أي مجاهدة النفس، والتنبُّه والتيقُّظ الدائم في مواجهة حِيَل النفس ومكائدها.



[1] البخاري: الجهاد والسير، 2834؛ مسلم: الإيمان، 162.

[2] بديع الزمان سعيد النورسي: الكلمات، خاتمة الكلمة السادسة والعشرون.

روابط الأخوة النورانية

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ورد في “الخطبة الشامية”[1] أن الجهل بالروابط النورانية التي تربط أهلَ الإيمان بعضَهم ببعض من أخطر الأمراض التي حالت دون تطوّرنا ورقيّنا، فما هذه الروابط النورانية؟

الجواب: حينما ألقى بديع الزمان سعيد النُورْسِي خطبته الشامية بالجامع الأموي في دمشق كان العالم الإسلامي يتعرض لمصائب وكوارث لا نظير لها ولم يشهدها طوال تاريخه؛ فسعى الأستاذ بديع الزمان -رحمه الله- في مثل هذا الجو إلى البحث عن وسائل لاستثارة حميّة هؤلاء الناس الذين ركنوا منذ سنوات إلى الدعة والخمول وكأنما أصابهم الصدأ، وغدوا لا يصلحون لشيء، فضمرت خلاياهم العصبية، وضعفت قابلياتهم وقدراتهم على التحرك والنهوض من جديد، محاولًا تحريك حواسّهم الظاهرة والباطنة، المادية منها والمعنوية مرة أخرى.

وبدلًا من أن يذكّر الناس بجو الموت بكلمات مخيّبة للآمال ومارشات جنائزية مثل المارش الجنائزي لـ”شوبان”، نراه يترنم بعبارات قوية هادرة كالأصوات التي تُطلقها الجوقات الموسيقية العسكرية قائلًا: “كونوا على أملٍ، إن صوت الإسلام الهادر سيصبح أعظم الأصوات وأعلاها في انقلابات المستقبل”؛ أراد بذلك أن يكون مصدرَ أمل للإرادات الميتة. إن الحديث وقتَ انبلاج الفجر عن بعض الأمور التي تبعث على الأمل وإن عُدَّ من المهارة، لكنه ليس مهارة كبيرة؛ المهارة الحقّة تكمن في القدرة على إلقاء هذه الكلمات التي تشحذ الإرادات وتُحييها في وقت لا يطلُع فيه ولو فجرٌ كاذب.

روابط الأُخوَّة بعدد الأسماء الإلهية

أجل، قام الأستاذ بديع الزمان في هذه الخطبة التي ألقاها قبل نحو قرن من الزمان بتشخيص الأمراض التي تحول دون رقيِّنا وتقدُّمنا أولًا، ثم وضع الوصفات العلاجية اللازمة لإحياء العالم الإسلامي من جديد، فكان من أعظم الأمراض التي شخّصها: الجهلُ بالروابط النورانية التي تربط أهل الإيمان بعضهم ببعض، أما الوصفة الطبية التي وضعها فهي إحياء مفهوم الوفاق والاتفاق وروح الشورى من جديد.

في الواقع تكلم الأستاذ النُورْسِي عن هذا الموضوع في الخطبة الشامية إجمالًا، وأخضعه فيما بعد للشرح والتفصيل في “الملاحق”، و “رسالة الإخلاص” و”رسالة الأُخوَّة”. فذكر مثلًا في “رسالة الأخوة” أن هناك روابط للوحدة والوفاق والأخوة بين المسلمين بعدد الأسماء الإلهية، وعدّدَ منها: “إن ربنا واحد، ونبينا واحد، وديننا واحد، وقبلتنا واحدة، ووطننا واحد…” ثم لفت الانتباه إلى عِظَم هذا الأمر وأهميته بقوله “وهكذا واحد، واحد… إلى أن تبلغ المائة والألف”. 

قال النبي صلى الله عليه وسلم: “الإيمانُ بِضعٌ وسبعون أو بضعٌ وستون (شكَّ الراوي)- شُعْبة” (مسلم: الإيمان، 57). ويمكن أن نعدّ هذا كناية عن الكثرة، فكلّ شعبة من هذه الشعب ما هي إلا رابطةٌ لا تنفصم تربط بعضنا ببعض، كما أن الحقائق التي بيّنها القرآن الكريم هي روابط قوية متينة تربطنا أيضًا ببعضنا.

من جانب آخر فإننا عند تناول هذا الأمر على مستوى أمة، نجد أن هناك كثيرًا من الروابط المشتركة فيما بيننا؛ حيث إننا نعيش معًا منذ زمن طويل تحت ظل وطن واحد وفوق أرض واحدة؛ وعلى ذلك فنحن أبناءُ قَدَر واحد وثقافةٍ واحدة وتربيةٍ واحدة، وقد وقعنا تحت نِير ظلم واحد واضطهاد واحد واستضعاف واحد. ولهذا نبّه الأستاذ أنه من الظلم البيّن أن نقوم بسلوكيات تفضي بنا إلى الشقاق والنفاق والحقد والعداء رغم وجود هذا القدر من القواسم المشتركة التي تستلزم المحبة والأخوة.

 إرادة التخلي عن الثوابت الشخصية

إن بقاء تلك الأواصر النورانية دون أن تهِن مرتبطةٌ بتخلي كل فرد -إذا لزم الأمر- عن ثوابته واجتهاداته واختياراته الشخصية؛ وأن يعيش رغمًا عن نفسه من أجل الالتقاء عند نقطة مشتركة. ولو عبرنا عن هذا الخصوص بمفهوم فضيلة الأستاذ نقول: إذا أمكن تحقيق الاتفاق على “الحسن” في مسألة ما، فلا ينبغي السقوط في الاختلاف في “الأحسن”، وبتعبير مختلف: إن كان السعي وراء “الأحسن” سوف يُوقِعنا في النزاع، وجب حينئذ السكوت والاكتفاء بـ”الحَسَن”. ومن هذه الناحية فإنني أرى أنه يتوجب عدم السعي إلى النزاع بين الإخوة بسبب الرغبة في الأحسن، طالما أمكنت إقامة الوحدة والتعاون حول حَسَن، كما ينبغي ألا تطرح على الساحة دواعي الاختلاف والافتراق. لأن الحق تعالى يرسل توفيقاته السبحانية مرتبطةً بالوفاق والاتفاق، فإنه وإن كان ما يُتّفق عليه “حَسنًا” ظاهرًا فحسب، فهو في الحقيقة أحسن من الأحسن. ولهذا السبب فإن تحاشي استخدام قسم من المسائل الفرعية عنصرًا يثير الفُرقة أمرٌ مهمٌّ جدًّا للحفاظ على روح الأُخوَّة.

أجل، يجب على الإنسان أن يضع في حسبانه أحاسيس الآخرين فيتخلى -إذا لزم الأمر- عن اجتهاداته واستنباطاته الشخصية. وبهذه الطريقة لا تُعطى الفرصة لأن تُتخذ آراءٌ خاصة بالفروع وسيلةً للاختلاف.

فمثلًا أداء الصلاة بشكل يوافق حقيقتها أمر مهم للغاية. وعلى حد قول “الإمام الأَلْوارلي” فإن “الصلاة عماد الدين ونوره، والصلاة هي التي تُسيِّرُ سفينة الدين، فالصلاة هي رأس جميع العبادات…”. وحقيقة الصلاة أن يتجرد المرء من نفسه، وأن يستشعر نفسه بين يدي الحق تعالى وكأنه في معراج. إذ ينبغي على الإنسان -بقدر سعة أفق عرفانه- أن يُطهّر قلبه من كل ما سوى الله بداية مِن حين ينوي الصلاة، وألّا ترى عينُه أيَّ شيء غيره تعالى ألبتة، ثم أن يقيم صلاته في وجد واستغراق وكأنه في بعد مختلف يشاهد تجليات مختلفة. غير أننا -بصفة عامة- أشخاص أُمِّيّون، وإن الصلاة التي يؤديها أمثالنا شكلية وصورية غالبًا. بيد أنه ينبغي ألا يُنسى أن الإنسان لو كان يؤدي صلاته مراعيًا أركانها وشروطها، حتى وإن كانت صورية، فقد أدى وظيفته من حيث الظاهر. فليس من الصواب إطلاقًا استخدامُ أسلوب ولغة اتهامية للناس، بدعوى أنهم لا يؤدون الصلاة بالمعنى والفحوى الحقيقي. وما يجب فعله هو قبول المسألة على حالتها هذه، حتى وإن كانت شكلية وصورية، ولا ينبغي أن نقع في الاختلاف رغبةً في الوصول إلى أعلى الدرجات وربطًا للمسألة بأقصى الغايات، وأنجبها، وأفضلها. وإلا فإن الإنسان وهو يبحث عما هو أفضل قد يهوي في لجة مختلف القبائح دون أن يدرك، وهذا يتسبب في قطع حفاوة الله بنا، ونظرِه وتوفيقِه وعنايتِه سبحانه وتعالى.

وهذه الملاحظات يأتي مثلها للزكاة أيضًا؛ فقد تصفون الزكاة التي تُدفع بنسبة واحد في الأربعين بأنها “زكاة البخيل” لِحَثّ الناس على الإنفاق ولتتمكنوا من تحريك “شعور الإعطاء” في القلوب، وتطلبون من الناس أن يعطوا الزكاة بمقدار واحد في العشرين، واحد في العشرة، واحد في الخمسة. ومهما كان هذا الأمر جائزًا في أسلوب الترغيب، فإن عليكم تجنُّبه على الإطلاق إن كان تصرفكم بهذا الشكل سوف يفتح بابًا من أبواب الخلاف ويتسبب في المنازعة والجدال، ولا بد من أن تُعتمد أحكام الدين الموضوعيةُ أساسًا في هذا.

ففي الصحيحين: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلّمه عليه الصلاة والسلام ما عليه من صلاة وصيام وزكاة، فقال الرجل: “لا أزيد على هذا ولا أنقُص”، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ” (البخاري: علم، 6)، فهذه إشارة إلى مسألتنا هذه؛ فإن اعتبرتم -وفق أحكامكم الشخصية الخاصة بكم- أن أقصى الغايات هي السبيل الوحيد للنجاة، أبعدتم مخاطبيكم عنكم، وحرمتموهم بعضَ الأعمال الصالحة التي يستطيعون القيام بها، وربما تكونون قد أيقظتم لديهم الشعورَ بالحسد والغيرة تجاهكم. وقِسِ العبادات والمسؤوليات الأخرى على هذا.

والخلاصة إنّ حثّ الناس على الوصول إلى أفق معين أمرٌ، وحصر المسألة في دائرة معيَّنة ومستوى معين أمرٌ آخر تمامًا. فإن كان لديكم أفق باعتبار حياة الروح والقلب دعوتم الناس إلى ذلك الأفق؛ غير أن تحقيق الاتفاق في مسائل يمكن الخلاف فيها، والوقوفَ عند نقطة الاتفاق هو الأمرُ الأهمُّ. ومن هذه الزاوية لزام علينا أن نبحث في كل مكان وزمان عن وسائل الاتحاد، وأن نركّز على الوفاق والاتفاق، ونبذل كل أنواع التضحية لحماية روح الوحدة.



[1]  ألقى الأستاذ بديع الزمان سعيد النُورْسِي خطبة وهو في شرخ الشباب باللغة العربية في الجامع الأموي بدمشق، وكان بإلحاح علماء الشام، وحضرها جمٌّ غفير من الناس يربون على عشرة آلاف شخص، وطُبعت كتابًا بعنوان ” الخطبة الشامية.”

الحماسة والوَلاء

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ما هي الأمور التي يجب الانتباه إليها عند الحديث عن الأشخاص العظام الذين عرفْنا بهم الحقَّ والحقيقة، ومن ثم فإننا نحترمهم ونحبهم حُبًّا عميقًا؟

الجواب: إن القلوب المؤمنة بينما تسعى وتجهَد كي تفيض إلهامات أرواحها إلى صدور مخاطبيها قد تضطر أحيانًا إلى الحديث عن مجموعة من الجماليات الخاصة بالدائرة التي تعيش فيها. لكن في مثل هذه الحالة لا بد من أن يُوضع في الحسبان، وبشكل مطلق، الشعورُ العامّ لمن يسيرون في خط مختلف خارج هذه الدائرة. قد يتحدث غيرُنا عن الجماليات التي شاهدوها وعاينوها في دائرتنا ويكتبونها وفقًا لفهمهم وأسلوبهم الخاص، غير أن القلب المؤمن لا ينبغي أن يغلبه شعور الحماسة ألبتة، وألّا يستخدم عبارات مبالَغًا فيها قطعًا وإن كان حديثه عن أشخاص يحبهم لدرجة العشق ويحترمهم كثيرًا. ولا سيما إن كانت الأمور التي سيُعبّر عنها لا تَمُتُّ بِصلة مباشرة إلى روح الدين، وكانت مسائلَ فرعية ومن الوارد وقوع الاختلاف إذا ما جرى الحديث عنها؛ فلا بد إذًا من إظهار أقصى درجات الحساسية لنتجنب الخوض في مثل هذا النوع من الموضوعات.

فمثلًا؛ قد يرتبط أحدٌ بحضرة محمد بهاء الدين النقشبند ارتباطًا وثيقًا، لدرجة أنه -باعتبار حالته الروحية- لو كانت لديه ألف روح لضحّى بها جميعها من أجله رغبةً وحبًّا فيه. غير أن النقشبندية نفسها -إلى جانب غيرها من الطرق والمناهج الأخرى- لها شُعَبٌ مختلفة تتشعب إليها مثل: المجددية، والخالدية، والكفروية، والطاغية، وقد يكون بين هذه الشعب نوع من التنافس على نحو ما. والواقع أن التنافس ينبغي ألّا يعني مزاحمة الآخرين، بل التسابق في الحق بملاحظة “ألّا أتخلّفَ عن إخواني”. وبتعبير آخر ينبغي أن يكون التنافس هو طرزَ حركةٍ ومنطق سباقٍ مرتبطًا بفكرة “عليّ ألّا أبقى خارج الجنة بينما يدخلها إخواني، بل يلزم أن أدخلها معهم”. بيد أن الناس يختصمون حين لا يتناولون هذا الشعور بتوازن، وحين لا يحافظون عليه، أو يستعملونه استعمالًا خاطئًا. بل قد لا يقف الأمر عند هذا الحد، فيتحول الشعور بالمنافسة إلى شعور بالحسد والحقد، وهذا أمر خطير جدًّا بالنسبة لأهل الإيمان. وبهذا الاعتبار فإن القلوب المؤمنة ينبغي عليها، وبكل تأكيد، ألّا تربط المسألة بِـ”الانتماء” المتعصب حتى لا تُهيِّج وتثير نوازع حَسَد إخوانها الذين يعملون ويجتهدون في خطوط أخرى، وعليها أن تتحكم في مشاعرها من أجل تحقيق الوفاق والاتفاق بين المؤمنين.

أعلى المراتب

الصدق والولاء للأشخاص ليس هو الأصل، بل الأصلُ الصدقُ والولاء للفكرة المثالية التي يحاول أولئك الأشخاصُ تحقيقَها بكل ما يملكونه. وذلك لأن الأشخاص فانون والأفكار باقية، كما أنه ليس ثمة مرتبة أعلى من الصدق والولاء؛ ففي آيةِ ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (سُورَةُ النِّسَاءِ: 4/69) قُدِّم الصدقُ على الشهادة والولاية. فسيدنا أبو بكر الذي هو أعظم الناس مرتبةً بعد الأنبياء يُلقّب بِ”الصدّيق الأكبر”. وبهذا فليس المهمّ استخدامنا عبارات مبالغًا فيها بحق أولئك الذين نحبهم ونحترمهم، بل المهم هو السير بقدر المستطاع في الطريق الذي سلكوه واتباعهم في كل خطواتهم.

إلى جانب ذلك فإن من يدّعي حبّ شخص ما لدرجة العشق، فدعواه -في رأيي- غير صادقة إن لم يتأثر نفسيًّا كلما تذكّر ذلك الشخص، ولا يرفع يديه بالدعاء بعدما يصلي مائة ركعة في الليل قائلًا: “اللهم احشرني معه”، والأهم أنه لا يضحّي بما لديه في سبيل رسالة محبوبه. وبالطبع فإن هذا المعيار هو ما ينبغي على الإنسان مراعاته دائمًا بينما يحاسب نفسه ويسائلها. وإلا فما كان لنا أن نتّهم أحدًا بعدم الإخلاص والصدق.

هناك شيء لا بد من معرفته أيضًا وهو أنكم إن رحتم تتحدثون عن شخص ما بملاحم حماسية فإنكم حينئذ تستفزّون الآخرين دون أن تشعروا، وتتسببون في تكوين جبهات كثيرة ضده. حتى إن كلامكم وسلوككم وتصرفاتكم المبالغ فيها لا تقف عند حد تهييج القطاعات المعادية للدين فحسب، بل إنها قد تتسبب في إحداث تهييجات بمستويات مختلفة بين المؤمنين أيضًا. أجل، إننا حين نختزل القضية في الأشخاص ونضيّقها نكون قد دفعنا الذين يخدمون الإسلام في خطوط مختلفة إلى المنافسة والشحناء، وربما نتسبب في هلاكهم بذنب الحسد. وبهذا الاعتبار أقول مرة أخرى: ليس المهمّ ذكرَ مَن نحبّهم، إنما المهم هو الصدق والولاء التام لقضاياهم.

عباراتٌ تنطوي على مبالغات ضارّة تكاد تكون خيانة

وإنه لظلمٌ بيّن وإجحافٌ كبير أن ننسب كلَّ جميل إلى الرُّوّاد والموجِّهين، وننعتهم تبعاً لذلك بعبارات مبالغٍ فيها؛ لأن كلّ نجاح وكل فوز إنما هو إحسان من الله تعالى لروح الوحدة والتضامن. ومن ثمّ فإن عزْوَ كلّ الخدمات في سبيل الحق إلى الرُّوّاد والموجِّهين دون غيرهم قد يُفضي إلى الشرك بالله والعياذ بالله، فضلًا عن أنه ظلم كبير لجهود ومساعي هؤلاء الذين جاهدوا وثابروا في سبيل تحقيق هذه الخدمات الجليلة.

أما مسألة الرّيادة فعلينا ألا ننسى بداية أننا جميعًا إخوة، وقد يسبق بعضُنا بعضًا في الدخول إلى ميدان الخدمة بجَبْرٍ لُطْفِيٍّ من الله؛ بمعنى أن الله تعالى قدّر في اللوح المحفوظ مولد شخص ما في وقت مبكّر، ولا قِبلَ للإنسان بتحديد موعد مولده، فلا قيمةَ إذًا مطلقًا لمسألة التقدم والتأخر في الدخول في سلك خدمة الدين.

ولا جرم أننا نوقّر دائمًا كبارنا وعظماءنا إذعانًا لقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) “ليس مِنّا مَنْ لم يوقِّر كبيرنا ويرحم صغيرنا” (الترمذي: البر 15)؛ لكن ليس معنى هذا رفْعَ هؤلاء الكبار والعظام إلى درجات ينوء كاهلهم بها والحديث عنهم بعبارات مغالًى فيها. فمثلًا مَن عرف حقائق الإيمان على يدي شخص، ربما يعتبره قُطبًا من الأقطاب. ولكن إن غالى وآثر التعبير هنا وهنالك عن مشاعره بملاحم حماسية، فإنه بذلك خانَ الفكرةَ المثالية التي كان يسعى لتحقيقها هذا الشخص.

هناك إخوة لكم من الذين هاجروا إلى شتى بقاع العالم نجحوا في إنجاز خدماتٍ عظيمة، إلا أنّ نعتَهم بأسماء وألقاب مبالغة ورفْعَهم إلى أعلى عِلِّيِّين يُعدّ خيانة لـ”حركة المتطوعين” هذه، حتى وإن خلا هذا من الغرض والهوى؛ لأن هذا يتسبب في تكوُّن جبهات جديدة للحسد ممن لا يستسيغون وجودكم. ومَن ليس لهم معرفة بمعاييركم  قد يغالون في هذا الأمر، وليس بوسعكم تكميم أفواه الناس، إلا أن لكم وعليكم أن تحفظوا أفواهكم من العبارات المُغالى فيها وتعفّوا ألسنتكم من هذه الملاحم الحماسية.

إنني أرى هذا الموضوع بالغ الأهمية بالنسبة لمستقبل “حركة المتطوِّعين”. ولذا فأنا على اعتقاد بأنه لا بد من تنبيه وتحذير مستمرّ في هذا الموضوع، وإن شئتم فاعتبروه “واجبًا خِدميًّا”.

التوقيع بِـ”لا شيء”

ومن ناحية أخرى فمن الأهمية بمكان عند الالتقاء بمَن يبذلون خدماتهم على طُرق ومناهج أخرى أن نبدأ كلامنا بذكر الشخصيات التي تتبوأ منزلة كبيرة في قلوبهم وبذكر فضائلهم، ونتحدثَ عنهم بكل تبجيل وتقدير؛ لأن الاحترام والتقدير يقابَلان بالاحترام والتقدير. ولكن إن حصرتم فكركم وظللتم تتحدثون عن منهجكم فقط لحبكم الشديد له، فإنكم بذلك توسّعون الهوة بينكم وبين مخاطبيكم، وتتسببون في ردود فعل سلبية إزاء مسلككم. بيد أنه ينبغي للإنسان الذي يحبّ مسلكه ويرتبط به بحبّ وعشق عميقين وينشد احترام الآخرين وتوقيرهم للدائرة التي هو فيها أن يفكِّر جيدًا في سبيل تحقيق هذا: هل سبيلُه أن يقدِّم مَن هم في دائرته أم أن يتقبل الآخرين ويحترمهم ويقدّرهم؟

خلاصة القول أننا معشر المؤمنين وإن كنا في خطوط مختلفة في شارع خدمة الدين، فكلٌّ منا يحمل جانبًا من هذا الكنز الثمين السامي.

وليس من الصحيح أن يقول أحد: “إن هذا أو ذاك يحمل أثقل جانب من هذا الكنز”، لأن هذا يتسبب في إثارة مشاعر التنافس والتحاسد. إن كانت الحقيقة على هذه الصورة فسينال هذا الشخص أعظم ثواب في الآخرة لا شك فيه، ولكنا إن حاولنا تلميع صورة بعض مَن هم على منهجنا بعبارات مبالغ فيها، وقعنا في أوحال الشرك لِعَزْونا الإجراءات الإلهيةَ إلى العباد، وأفسدنا روح الوفاق والاتفاق. بيد أنه ينبغي لمن اتخذوا التوحيد غايتهم الأصلية وأعلنوا الحرب ضد الشرك ألّا يفسحوا المجال لتسرّب أي ذرة من الشرك إلى قلوبهم؛ لأن الله تعالى هو ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (سُورَةُ الأَنْعَامِ: 6/102؛ وسُورَةُ الرَّعْدِ: 13/16؛ وسُورَةُ الزُّمَرِ: 39/62؛ وسُورَةُ غَافِرٍ: 40/62) ،﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (سُورَةُ الصَّافَّاتِ : 37/96)؛ هذا وانطلاقًا من أن الله تعالى هو الخالق لأفعالنا فعلينا أن نعلم أن نسبة الفعل إلى العبد كارثةٌ عظيمة حلّت على العالم الإسلامي من جرّاء الفلسفة الإغريقية، وعلينا أن نتخلص من هذا كله فنتشبث بشدة بالتوحيد.

ومن العوامل المهمة للوصول إلى التوحيد معايرة  الإنسانِ نظرتَه إلى نفسه أمام الله عز وجل. وفي هذا السياق تدركنا مقولةُ: “أيتها النفس المرائية، لا تغترّي بقولكِ: “أنا خدمتُ الدين”، فإن الرسول (صلى الله عليه وسلم) يقول: “إِنَّ اللهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ” (البخاري: الجهاد 182)، وبهذا السر عليكِ أن تعتبري نفسَكِ ذلك الرجلَ الفاجر، لأنكِ لستِ مُزكّاةً” (بديع الزمان، الكلمات، خاتمة الكلمة السادسة والعشرين). يؤكد صاحب هذه العبارات على مكانة نفسه، ويعتبر نفسه مجرد مَمَرٍّ للجماليات تمرّ به، لا مَظْهَرًا لها (الكلمات، الكلمة الثامنة عشرة)، ويعدّها لا شيء. إنه بعباراته هذه ليعطينا درسًا عظيمًا بصفته مُوجِّهًا ومعلِّمًا، فإن كان هو يصف نفسه ب”اللاشيء” فإنني أرى أن علينا أن نصف أنفسنا بـ”اللاشيء في اللاشيء”.

الأماكن الهادئة وبرامج القراءة

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: إن الإنسان المعاصر يضيق صدره في خضم أنواع وأنواع من ضوضاء الحياة ومشاغلها اليومية، فكلما وجد الفرصة سانحة يبحث عن مكان هادئ وشرم منعزل، كما ترغب القلوب المؤمنة في الاستفادة من تلك الأماكن الهادئة لصالح حياة القلب والروح. فما هي الأمور التي يجب الانتباه إليها حتى نستطيع الاستفادة الكاملة من برامج هدفُها تحقيق هذه الغاية؟

الجواب: لكلٍّ منّا مجموعة من الوظائف في الحياة الاجتماعية يجب عليه أداؤها؛ والواقع أن المؤمن مطالَبٌ بأن يُخالِط الناسَ ويعايشهم إن كان يريد نفع المجتمع، وتوجيهَ مخاطبيه إلى أفق معين، وإرواءَ أراوحهم بالقِيَم التي يملكها. أجل، على الإنسان المؤمن بالله واليوم الآخر إيمانًا حقيقيًّا، أن يخالط الناس وأن يكون كبوصلة القبلة يرشد من حوله إلى قبلة الحق والحقيقة دائمًا. فمفخرة الإنسانية (صلى الله عليه وسلم) قال: “اَلْمُسْلِمُ إِذَا كَانَ مُخَالِطًا النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ خَيْرٌ مِنَ الْمُسْلِمِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ” (الترمذي، صفة القيامة). ولهذا أرى أن العزلة الدائمة والخلوة المستمرة معناهما التنصل من المجتمع ومن الوظائف الاجتماعية. وبهذا الاعتبار فإنني أظن أن الإنسان الذي يهرب من تلك الوظائف يأثم، حتى وإن كان ذلك لنيل الكمالات والفيوضات الشخصية؛ لأن الأصل في الإسلام هو مصاحبة الحق بين الخلق، والسعي لخدمة الإنسانية.

نعم، إننا نواجه بعض المواقف التي نكرهها خلال مخالطتنا للناس لأجل الوصول إلى غاية عُلوية؛ حتى إننا قد نسير في الوحل بلا وعي ويصيب الوحل ملابسنا من باب البلوى العامة. أجل، قد تتلوث عيوننا ونحن في الحياة الاجتماعية، وتتدفق الشوائب إلى آذاننا دون أن ندرك، فيتعكر عالمنا الداخلي بلَوثيَّات عدة.

ومن ثم فإن الذين يصبرون على كل هذه السلبيات في سبيل فكرة مثالية سامية يحتاجون أحيانًا إلى الانزواء في مكان نقي الهواء، واستنشاق الأكسجين هناك حتى يستوفوا منه، واستعادة طاقتهم من جديد كي يتنقَّوا مما تعرضوا له من أوساخ، ويطرحوا عنهم ما علق فيهم من أقذار. وأنا على قناعة بأن فعاليات المدارسة والقراءة في إطار غاية كهذه تعتبر نوعًا من أنواع العبادة.

لكن ثمة أمر يجب الانتباه إليه في هذه النقطة وهو أن تلك الأماكن الهادئة والشروم المنعزلة التي يتوصل إليها بتكبُّد مجموعة من المشاقّ والنفقات ينبغي أن يُستفاد منها دون أن يُضيّع فيها ولو مجرد لحظة واحدة، وأن تُعمر بفعاليات القراءة المنتظمة، وتُحيا بالأوراد والأذكار. أجل، يجب أن تُشكَّل سمفونيات وجوقات موسيقية من الأذكار والتسبيحات التي تتفجر من القلوب وتهزّ الأرض والسماء، حتى يشعر سُكّان الملإ الأعلى بالرغبة في الاشتراك فيها.

مناخٌ منفتحٌ على الروحانيات 

كان الأصدقاء في مخيمات القراءة القديمة التي تُقام في أشهر الصيف ينزوون ليلًا هنا وهنالك يتلون القرآن ويرددون الأدعية، الأمر الذي كان له بالغ الأثر في نفسي؛  كما كانوا في الوقت ذاته يقرؤون في هذه المخيمات من الكتب حول الحقائق الإيمانية 200-300 صفحة يوميًّا، ويتذاكرون موضوعات شتى.

وظروف الحياة في هذه المخيمات بسيطة للغاية، حيث كان أهل المخيم يرقدون على الأرض فوق حصير، وكان عليّ أنا الفقير طهي الطعام وتقديمه لهم.

زارنا ذات يوم شخصيةٌ مرموقة، فلما رأى ما يجري في ظل هذه الظروف الصعبة للغاية قال: “لا أظن أن هناك مكانًا الآن على وجه البسيطة تسوده الروحانية كهذا المكان”، ثم عاود المجيء في العام التالي.

ويجب علينا في هذه الأجواء النقيّة أن نحاسب أنفسنا ونرصد تقصيرنا فيما نقوم به من أعمال في سبيل الخدمة، وأن نحسب المسافة بين المكانة التي نحن فيها والمكانة التي لا بد أن نصل إليها، وأن نتخلى عن الجسمانية، ونتجرد من الحيوانية، ونطرح القاذورات البشرية جانبًا، ونعزم السفر على مِحْوَر حياة الروح، ونسعى للانفتاح على الروحانيات.

وفي هذا الصدد أنوّه إلى أمر مهم:

كنت أفكر في أيام المخيمات أن أوصي إخواني بالصلاة مائة ركعة في كل ليلة، ولكني أخشى أن يكون هذا تكليفًا بما لا طاقة لهم به. إلا أننا عند النظر في سيرة العظماء نجدهم يصلّون مائة ركعة كل يوم حتى في طفولتهم.

فعلى من تُتاح لهم فرصة المشاركة في مثل هذه المخيمات والبرامج، عليهم أن يصلّوا مائة ركعة كل ليلة إن أمكن، وأن يستغلّوا تلك الليالي التي تفيض بالأسرار والأحزان بالدعاء والاستغفار وقراءة القرآن والأذكار.

مؤلَّفاتٌ غلب عليها الإلف بها

من جانب آخر ينبغي للمشاركين -لو أمكن- أن يقرؤوا 300 صفحة يوميًّا؛ حتى يتسنى لهم حسن الاستفادة من برامج الاسترواح التي يمكن أن نسمّيها بالعزلة المؤقتة. فإذا ما استطاع شخصٌ تنفيذ هذا البرنامج لمدة 15 يومًا، فإنه حينذاك يتمكن من قراءة 4500 صفحة. فإن قام هذا الشخص بذلك البرنامج مرتين سنويًّا استطاع أن يقرأ عددًا هائلًا من الكتب التي تدور حول  قِيَمنا الذاتية. 

علاوة على ذلك فمن المفيد جدًّا التخلص من الرتابة، والاشتغالُ بالقراءة المقارنة بين هذه المؤلفات النفيسة والمؤلفات الأخرى؛ وتحققُ هذا بالطبع مرهونٌ بموافقة الجميع.

 بناء على ذلك فإن هذا الأمر سيُجهِد من بهم الريادة في مهمة القراءة مع المذاكرة حتى يأتي يوم نتخلص فيه من الإلف والطراز القديم للقراءة.

لكن ما لا ينبغي أن يُنسى هو أن الناس يتشكلون تبعًا لرُوّادهم، فإن عُني الرُّوّاد بهذا الأمر وألحّوا على تطبيقه تأسَّى بهم الأتباع. فيا للأسف استولت علينا وأسَرَتْنا حالة عقيمة، ألا وهي قراءة هذه المؤلفات القيّمة دون تأمل، والمرورُ عليها مرورَ الكرام دون إجهاد النفس في فهمها بعمقها الحقيقي؛ وذلك لأنه لم يتكون عندنا منهج قراءة يعتمد على المقارنة والمحاكمة العقلية.

فإن هذه الكنوز المتشكلة من جوهر وياقوت وزبرجد قضى عليها الإلف، وإنني أعتقد أن هذا الأمر قد يُفضي إلى امتعاض أصحاب هذه المؤلفات القيّمة مِنّا.

وأنبّه هنا إلى مسألة أخيرة، ألا وهي:

إن الوصول إلى مثل هذا الصفاء والنقاء -ولو لفترة مؤقتة- في مكان هادئ، هو بمثابة “صوبة” تصوننا في حياتنا الاجتماعية فيما بعد.

والحق أن مجتمعنا لم يتلطخ منذ أن تشرَّف باعتناق الإسلام بمثل هذه القذارة التي نراها اليوم، فلقد باتت الشوارع والأسواق وصحون المعابد والمؤسساتُ التعليمية تشوبها النجاسة؛ وأعتقد أن التخلص من هذه الأدران، والتطهرَ في مكان طاهر، والإحساسَ بالطهارة مرة أخرى، والابتهاجَ بها، له أهمية بالغة في مواصلة الإنسان حياته على نهج طاهر قويم.

إن اللجوء إلى العناية الإلهية بالأدعية والأذكار هو مصدر قوة يصون الإنسان ويرعاه. يقول تعالى: ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾ (سورة البقرة: 2/152) فهذه الآية تشير إلى أننا إذا ذكرْنا الله بالتسبيح والتحميد والتكبير والتهليل، ذَكرَنا هو بعنايته عند المصائب وانقطاع السبل. ويمكن أن نفهم من هذه الآية أيضًا ما يلي: “تَوَجَّهوا إليّ بفقركم وعجزكم، أؤيّدكم بحولي وقوتي”. وإننا لنستشعر مدى تجلي اللطف الرباني في هذا التوجه الإلهي الذي أتى على صورة العقد؛ وكأن ربنا جلّ في علاه يتنزل إلى مستوانا ويقول لنا:”افعلوا لي هذا أفعل لكم ذلك”.

مجمل القول إننا جميعًا بحاجة ماسّة إلى مثل هذه العزلة المؤقتة حتى يكونَ بوسعنا تنقية أعيننا وآذاننا وألسنتنا من الذنوب والآثام، وتزكيةُ قلوبنا حتى نتجدد. لكن في مثل هذه اللقاءات لا بد أن تركّز العقولُ على قراءة الكتب، والقلوبُ على الأدعية والأذكار؛ كما يجب أن نعفّ ألسنتنا عن الحديث في أمور تافهة، وألا نخوض في اللغو ولهو الحديث، وأن يكون كل كلامنا في الأمور السامية.

إبرة النيّة وشعور المحاسبة

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ما هي الأمور التي يجب مراعاتها كي تُشير إبرة النية إلى أفق الإخلاص دائمًا؟

الجواب: يجب على الإنسان أن يكون مخلصًا في كل ما يقوله ويعمله، ليصل إلى رضى الحق تعالى. لأنه إن كان العمل جسدًا فالإخلاص روحه، وإن كان جناحًا فالإخلاص هو الجناح الآخر. فلا يمكن أن يكون الجسد بلا روح، كما لا يمكن الوصول إلى هدف ما بجناح واحد. إن كلمةً تُقال بإخلاص لقَيِّمةٌ عند الله تعالى، تتحادث عنها الملائكة فيما بينها، وتجعلها وِردًا لها؛ كما يظلّ الروحانيّون يردّدونها كتسبيح.

إن كانت العبارات التي تخرج من الفم تنبع من وَتَر القلب الحسّاس، وحرّكتْ ساكنَه رِيشةُ الحَماس، فإن الألسنة تتناقلها وتطيرُ حتى إنها لتصل “حظيرة القدس”. ولا بد أن يُعلم أن هذه النوعية من الكلمات التي تقال بصدق وإخلاص تظلّ دائمًا تفيض حسناتٍ في صحيفة قائلها، طالما وَعَتْها الذاكرة الإنسانية؛ فكل كلمة تخرج من الفم تتكاثر ولا تتناهى بفضل نُسَخها وصُوَرها.

أعمال تُهدَر بسبب التباهي

إن الإنسان ليخسَر حيث يُرجَى الفوزُ إن راح يزجّ بملاحظاته الشخصية في الأمر ويحاول التعبير عن نفسه وجهده إثبات ذاته؛ وذلك بكلامه، ونَفَسِه، ونبرة صوته، وتعبيرات وجهه… وفي تلك الحالة يُحرم مثلَ هذه المكافأةَ المباركة.

فمثلًا؛ ما أَجمَلَ وما أروَع ترديدَ “سبحان ربي العظيم”، و”سبحان ربي الأعلى”، و”ربنا لك الحمد” في عبادة علوية مثل الصلاة التي تطوف بالإنسان في سماوات الخلود، وتبلغه عالم الملائكة، وكم هو عملٌ خليق بالتقدير! غير أن هذه التسابيح تصبح كلمات ميتة، مكسورة الجناح، عاجزة عن السمو، كما تصبح عبادة الصلاة الجميلة قالبًا لا روح فيه واسْمًا لا مسمى له، إن خطر ببال الإنسان الذي يردّد هذه التسابيح: “إنني أقولها، فليسمعها الآخرون”.

أجل، إن الإنسان لو نوى -ولو بنسبة واحد بالمئة- أن يُسمِعَ الآخرين هذه التسابيح فقد ضيّع روح تلك الكلمات ونسفها نسفًا.

ومثلُها كل الأعمال الأخروية كالأذان، وإقامة الصلاة، والتلاوة في الصلاة… فمثلًا إن اتباع الإنسان أثناء الصلاة للموسيقى الداخلية في القرآن، وتسليم نفسه لجريان ذلك الشلّال شيءٌ؛ ومحاولته التعبير عن ذاته في الصلاة بتباهيهه بصوته فإنه شيء مختلف تمامًا. وينبغي أن يُعلم أن الحصة التي يأخذها الإنسانُ لنفسه من العبادات، ينقصها من حصة الله تعالى، ويضع عائقًا يمنع ذلك العمل من أن يُحلِّق عاليًا، تمامًا مثلَ طائر قُصّ جناحاه.

إذن ينبغي على الإنسان أن ينغلق على الإخلاص في كل الأعمال التي يضطلع بها، فيبدوَ للعيان صغيرًا كلما نُظر إليه من الظاهر -ولكن شريطة ألا يكون أسوة سيئة- بمعنى أنه لا بد أن يكون مثل كوخ صغير بسيط في الظاهر؛ غير أنه ذو عالم داخلي أكثر إبهارًا للعيون من قصر شامخ.

مأوى المحاسبة

على الإنسان أن يستصغر نفسه ويستهين بها، بدرجة أنه إذا ما وقف أمام المرآة قال: “يا الله! إنني عندما اطلعتُ على عالمي الداخلي رأيتُ نفسي وقد هَوَتْ من مستوى الإنسانية إلى درك الحيوانية، ومع ذلك يأبى اللهُ إلا أنْ أظلّ على صورتي الإنسانية”.

 وعليه أيضًا أن يصارع نفسه ويجادلها، فيقولَ عندما ينظر إلى الخدمات التي قدّمها في سبيل الحق والحقيقة: “لو استنفدتُ جميع الإمكانيات التي منحني الله إياها لاستطعتُ تبليغ الحق والحقيقة بأفضل شكل، ولكنني أخفقت في استخدام هذه الإمكانيات في سبيل الحق بالمعنى الكامل، بل وأهدرتها، ومن ثمّ فأنا عديم المروءة وعديم الوفاء للإسلام والقرآن، وا عَجَبا كيف لم أتحوَّل حتى الآن إلى حجر مثل “أوديت”.

إن رؤية الإنسان نفسَه على تلك الحال يثير فيه رغبةً في الرقي؛ لأن الانسان الذي ينشد الكمال إن كانت لديه رغبةٌ في الارتقاء إلى أعلى من مكانته، فعليه أن يوقن أنه في مكانة أدنى من التي ينبغي أن يكون عليها. 

وإن الرحلة إلى اللامتناهي لا تعرف الانتهاء والانقطاع. يقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسْلامَ دِينًا﴾ (سورة المائدة: 5/3) وبهذه الآية الكريمة يدلّنا على أفق الأكمليّة والأتميّة. من أجل ذلك لا بدّ أن نكون في طريق اللامتناهي مسافرين لا نعرف الشبع، حتى وإنْ شربنا يومًا كأسَ المحبة والعشق على يد الذات الإلهية المنزَّهة عن الكَمّ والكَيف لوجب علينا أن نظلّ قائلين: “هل من مزيد؟ هل من مزيد؟”.

وهكذا فإن الوصول إلى الأكملية والأتميّة لا يتأتى إلا بمحاسبة الإنسان نفسه على الدوام، وإلا فإن اعتبر الانسانُ ما هو عليه كمالًا، وتحرك في إطار فكرة “لا مزيد على هذا!”، ولم يحاسب نفسه ولم يواجه قصوره وعيوبه، حُكِم عليه بالجمود حيث هو طوال العمر واستحال عليه ألبتة أن يتذوق طعم الكمال.

وهناك وجه سلبي آخر لترك محاسبة الإنسان نفسَه:

إن من لا يحاسب نفسه ولا يستهين بها لا يلبث أن ينشغل عبثًا بعيوب الآخرين دون وعي منه؛ لا سيما إن اقترنت فكرة الأنانية الجماعية بالأنانية الشخصية، عند ذلك تتعاظم احتمالية الخسران في الدنيا والآخرة؛ وكما يقول الأستاذ بديع الزمان: إن الأنانية الجماعية تقوِّي الأنانية الفردية؛ ولذا فمن الممكن أن يُقال: إن الأنانية الجماعية آفةٌ عظيمة تَقتل وتقهر وتهلك. ومن ثم فإن سبيل الوقاية من جميع هذه المخاطر هو المحاسبة الدائمة للنفس ومجادلتها بشكل دائم.

فمثلًا، من الممكن أن يهيِّء الله لإنسانٍ فرصةَ القيام بمهامّ عظيمة في بقاع مختلفة من العالم، فيستطيع هذا الإنسان وحده فتْحَ قلوب الناس فيها، وسنَّ الطريق لإقامة الحياة العلمية والمعرفية هناك؛ ومع كل هذا النجاح عليه أن يقول في نفسه: “لعل ثمة أعمالًا لم تُستَوفَ لأنني أنا من قام بهذا الأمر، ولو أنَّ مكاني شخصًا آخَرَ من أهل الفكر والقلب فلربما كانت الخدمات أضعافًا مضاعفة، فيا ليت هذا الأمر لم يُترَك إليّ”.

وهكذا لا بدّ أن تكون هذه هي روح المحاسبة الحقيقية للسائرين في سبيل الله.

إن عدم الانخداع بمغالاة الآخرين وتملُّقِهم هو ثمرة هذه المحاسبة؛ بمعنى أن الإنسان لو أخضع نفسه عدة مرات يوميًّا للنقد والتحليل والمراجعة، وضبَطَ علاقته بربه وفقًا لهذا، لم يعبأ بما يقوله الآخرون ثناء عليه وقال في نفسه: “إنني أعرف نفسي، قد يكون للشيطان يدٌ في هذا الأمر”، فإنه بذلك يقي نفسه من الوقوع في الغرور والكبر.

اللهم املأ قلوبنا بشعور المحاسبة، ووفِّقنا إلى حسن أداء الوظائف التي كَلَّفْتَنا بها تفضُّلًا منك وإحسانًا.

آمين!

عِفّة الفكر

Herkul-ARB | | العربية

السؤال: ثمة مصطلحات تذكرونها أحيانًا مثل “عفة الفكر” أو “شرف الفكر”، فهلّا تفضلتم بإيضاح المراد بهذين المصطلحين؟

الجواب: يُعد الفكر والحركة من أهم المقومات التي تدلّنا على سبيل الوجود الحقيقي، وتحفظ ذاتيتنا من العواصف العاتية، وتمكّننا من تجديد ذاتيتنا. وإن كان الفكر بالمعنى الإجمالي يتقدم على الحركة فإنه بالمعنى التفصيلي ينمو داخل الحركة؛ بمعنى أنه لو ركز الإنسان في موضوع معين وأعمل فكره وعقله فيه واجتهد في قراءته بشكل صحيح فإن استيعاب الموضوع وتقبُّلَه لا يتأتى إلا بعد تطبيق هذه الأفكار والشروع في معايشتها؛ لأنه إذا ما شرع الإنسان في تطبيق أفكاره يُضطر إلى انفتاحات جديدة، وهذا يسوقه إلى أفكار أكثر عمقًا، وبهذا تستقر الأفكار –التي كانت أفكارًا إجمالية في البداية- على أرضية رصينة. فإن أهم مبدأ لا بد من الحرص عليه في جميع أفكارنا ونوايانا التي تحتضن الحركة، هو عِفّة الفكر، سواء أكان الفكر إجماليًّا أم تفصيليًّا. ومن ثم علينا أن نعتبر الولاء لعفة الفكر من مقتضيات شخصياتنا، وأن نحافظ عليها حفاظنا على أعيننا مهما كانت الظروف والعوامل.

الأفكار السليمة تولّد تصرفات سليمة

قد يعاملنا بعض الناس بشكل مختلف، لكن لا بد ألا يسوقنا خطأ الغير إلى خطأ آخر البتة.

أجل، يجب علينا أن نلتزم بموقفنا إزاء قيمنا الأساسية مهما كانت الظروف والعوامل؛ وإلا فإن حدث انحراف في أفكارنا وسلوكنا ردًّا على تصرفات هذا أو ذاك، فلا ريب أن هذا الانحراف تعقبه سلسلة من الانحرافات، الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى أن نحيد عن الصراط المستقيم. بيد أنه ينبغي لنا ألا نفسح المجال للآخرين حتى يشغلوا أذهاننا بَلْهَ أن يُلجئونا إلى طريق الانحراف. ويجب علينا -للحفاظ على عالمنا الفكري ومنهجنا الفكري وشلّالنا الفكري- أن ننأى بأنفسنا عن أي تأثير مستفزّ؛ لأن الهدف الأساس لهذه الاستفزازات هو الحيلولة دون وصول الساعين في طريق الخير إلى غايتهم المثلى، ومحاولة توجيههم إلى وجهة أخرى. وبتعبير آخر فإن المقصد الرئيس من الاستفزازات هو منع الناس من السير صوب الهدف والعدول بهم إلى وجهة أخرى.

وعلى ذلك، ينبغي ألا تؤثر الافتراءات فيمن يمثلون الفكر السليم، – لا جرم أن لهم حق الرد على هذه الافتراءات بالتوضيح أو التصحيح أو التفنيد بل وطلب التعويض- بل عليهم أن يبذلوا قصارى جهدهم في المحافظة على عفّتهم وشرفهم على الدوام. أجل، لا بد أن نفكر دائمًا باستقامة حتى تستقيم الأفعال والتصرفات التي ستُبنى على هذا الفكرِ النظريِّ. وإلا فإن انجررنا وراء كل عاصفة تهبّ علينا وانطرحنا جانبًا، فقدنا السبيل الذي كنا نسير فيه، وسلكنا دروبًا وعرة، وضللنا الطريق في النهاية.

مَن حسُنتْ فِكرتُه استمتع بحياته

يقول النبي صلى الله عليه وسلم “أفلح من كان سكوته تفكرًا، ونظره اعتبارًا” (الديلمي: المسند، 1/421). مراعاةً لهذا البيان النوراني يمكننا القول إن الإنسان يُؤْجر على حُسن الفكرة كما يؤجر على العبادات. وإن كان الانشغال بالأفكار التي لا سبيل إلى تحقيقها يعني إهدار طاقتنا، فإن الإنسان لو تمنى خيالًا أن لو كانت لديه المقدرة على تغيير صورة هذا العالم ووضعه في شكل أبهى وأكثر حيوية، فإنني أعتقد أن تصورات هذا الإنسان وخيالاته تتحلى بلون العبادة وصورتها. إن الوظيفة التي تقع على عاتق المؤمن هي الانشغال بالأمور الحسنة على الدوام، والسعي في إطار هذه الأفكار الحسنة. يقول الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي – طيّبَ الله ثراه – في كتابه “المكتوبات”: “مَنْ حسُنت رؤيته حَسُنتْ رَوِيّتُه، ومن حسُنت رويّته استمتع بحياته”. بمعنى أن تحويل الإنسان حياته إلى نغمة لذة وأن يعيش وكأنه يسير في أروقة الجنة مرهونٌ بحسن فكرته.

علاوة على أن الإنسان لديه استعداد فطري للتفكير؛ إن لم يوجّه استعداده هذا إلى طريق إيجابي، فربما يجرّه هذا الاستعداد إلى سبل سلبية كالأنانية والبوهيمية. دع عنك التفكر، حتى إن التصورات والتخيلات التي لا تُستخدم في الخير ربما تضع الإنسان في مواجهة مباشرة مع هذه النوعية من السلبيات. ولذلك فإنه ينبغي على المؤمن أن يتحرك دائمًا بالقيم التي يؤمن بها، وأن يحفِل بها، ويقرأ ويفكر دائمًا، وعليه أن ينهل ويتغذى من المصادر الأساسية باستمرار دون أن يسمح لأي فراغ أن يحدث في حياته. كما ينبغي عليه أن يعطي إرادته حقها فينأى مبتعدًا عن المشاعر والأفكار التي لا تسمح بها آلية الوجدان. فإن تعرض للرياح السلبية رغم كل جهوده، فعليه في هذه الحالة -كما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم- أن يحاول التخلص من هذا المناخ. لأن مَن أبحر في الخيالات التي تخلّ بعفة الفكر يصل إلى نقطة يبدو فيها كمن أبحر بعيدًا جدًّا عن الشاطئ، بحيث لا يستطيع أن يعثر من جديد على فرصة الرجوع عن السلبيات التي غاص فيها. أجل، إن الإنسان إن عجز عن قطع السبيل أمام الحقد، والكره، والغيظ، والشهوة البادية في داخله، فمن الممكن أن هذه الأمور تحطّم السدود وتستصدرُ الإنسانَ قرارات منحرفة وتجعله يرتكب أعمالًا سيئة.

على الإنسان أن يعطي إرادته حقها في هذا الموضوع من جانب، وأن يطلب الحماية من الله تعالى من الجانب الآخر. فإن استطاع فعل هذا فسوف يعيش حياته -بعون الله تعالى- في دائرة الحماية والوقاية. غير أنه ينبغي ألا يُنسى أن أكثر الناس استقامة ربما ينقلبون على عقبهم، ومن ثمّ فلا بد من الانتباه والحذر الدائم. أما ما يلزم القيام به حين نهتز ونوشك أن نسقط فهو أن نصحح وضعنا، ونتوجه إلى الله تعالى من جديد قائلين: “رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ” (سورة الأعراف، الآية 23) كما فعل جَدُّنا آدم (عليه السلام).

الأهواء والرغبات المتنكرة في صورة الفكر

ومن الأمور اللازم الانتباه إليها من أجل عفة الفكر هو احتمال أن تتنكر الأهواء والرغبات في صورة الفكر، وتُبعد الإنسانَ عن الطريق القويم. وفي هذه الحالة فإن المعايير الشرعية هي المقياس في تحديد ما هو هوىً ورغبةٌ وما هو فكرٌ. فمثلًا إذا ما ثُرْتَ على إنسان حين تصدُر عنه تصرفات وأقوال تحزنك وتؤذيك، فإنه ينبغي عليك  أن تنظر أولًا هل تضرر الحق والحقيقة منه أم لا؟ فإن لم يكن ثمة ضرر فهذا يعني أنك تثور وتنفعل من أجل نفسك أنت، وهو ما يعني أن رد الفعل الذي وقع إنما مصدره الهوى. أما المعيار الذي وضعه القرآن الكريم عند التعرض للأذى فهو: “وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ” (سورة فصلت، الآية 34) ووفقا لهذا المعيار فإن المعاملة التي تكون في مواجهة إنسان آذاكم لا بد وأن تكون محاولة كسر شدة غضبه وانفعاله بواسطة الابتسام والوجه السمح. أما إن كانت تلك الإساءة أذى يلحق بالمقدسات وحقوق العامة فإنه ليس من حق الإنسان العفو عنها. لأن للإنسان أن يتسامح ويتنازل عن الحقوق الخاصة به هو فحسب. والله تعالى لم يُوكل أحدًا غيرَه في موضوع العفو في الحقوق الخاصة به تعالى. ولذلك فإنه ليس لأحد -أيًّا كان- أن يهم إلى النيابة في الحقوق المتعلقة بالله تعالى. وإن حدث خلاف ذلك فإنه إساءة أدب تجاه حقوق الله.

وإن عدنا إلى موضوعنا الأصلي قلنا: نعم، إن الأهواء والرغبات قد تتنكر في صورة الفكر، -وبدافع من الشيطان والنفس الأمارة بالسوء- يظنها الإنسان فكرًا، وربما يرتكب أخطاءً تحت تأثيرها. ويمكنكم أن تشاهدوا هذا في بعض المناقشات الفضائية التي ينتقد الناس فيها بعضهم بعضًا دون هوادة. فهم دائمًا ما يقولون عكس ما يقوله الطرف الآخر، سواء أكان ما يقوله صحيحا أم خطأ، وكأنهم انقطعوا للمعارضة فحسب. حتى إنه لو قال مناظره -وهذا فرض محال- “يمكنني أن أدخلكم الجنة الآن بإذن الله وعنايته”، وانفتحت أبواب الجنة على مصاريعها أمامهم بإشارة من ذلك الشخص، ورأوا بأنفسهم الجمال الموجود في الجنة بكل جاذبيته، فلربما يقولون: “كلا، إننا لا نريد دخول هذه الجنة، ينبغي أن نسعى في الدنيا أكثر، أنت تدلّنا على الكسل والعطالة!” أي إنهم يحاولون الرد مسفسطين حتى في مواجهة الأقوال والأفكار الأكثر منطقية وقبولًا. وهكذا فإن هذه النوعية من الألفاظ دافِعُها الشيطان ومصدرها الهوى. غير أن الإنسان يحسب واهمًا أنه هو الذي فكّر وتخيل كل هذه الأمور.

وقد يسقط بعض المؤمنين في فخ الشيطان والنفس الأمارة بالسوء هذا، فمثلا ربما يُغلِّف هذا الشخصُ إن ذُكّر بالموت، رغباتِه وأهواءه مثل حب الحياة، وحب الأولاد والعيال، والتلذذ بالدنيا، -يُغلّفها- بغلاف الخدمة، ويقول بدافع من الهوى: “ينبغي أن أبقى هنا وأن أبلّغ الحق والحقيقة لكثير وكثير من الناس.” في حين أنه ينبغي على مؤمن صادق أن يحزن بسبب ما يشعر به من شوق لربه، وأن يكون حافلًا بالرغبة في لقاء سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ويرغب في الجلوس على نفس المائدة التي يجلس عليها كل من سادتنا أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي (رضي الله عنهم) ويشاركهم المناخ والجو العام نفسه، غير أنه لا بد أن يتصرف بحيطة ويقول: “ربِّ إنني أخاف أن أسيء الأدب تجاهك متعجلا، لأني لا أعرف هل آن وقتي أو لا”. والوجدان حَكَمٌ مهم للغاية في هذه النقطة. ولذلك ينبغي على الإنسان أن يُخضع ما يصدر عن فِيه لاختبار وجدانه إخضاعًا مطلقًا، وعليه أن يرجع إلى معاييره الصحيحة في كل اختياراته وقراراته. فإن استطاع فعل ذلك فإنه يكون قد اتقى الخلط بين الهوى والهدى، والمنطقية والعقلانية بالرغبات والأهواء.

 

 

الإمكانيات الدنيوية والمعيار في التخطيط للمستقبل

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: أوصى رسولنا (صلى الله عليه وسلم) أن يعيش الإنسان في الدنيا كأنه غريب أو عابر سبيل، حتى إن بعض السلف عدّ تفكير الإنسان فيما سيأكله ويشربه في غده من “طول الأمل” و”توهُّم الخلود”، غير أن الناس يرون التخطيط للمستقبل بدءًا من التفكير في الشهادة الدراسية والعمل في مهنة معينة مثلا أمرا ضروريا في يومنا الحاضر. فماذا ينبغي أن يكون المعيار في التفكير للمستقبل؟

الجواب: يقول رسولنا الأكرم (صلى الله عليه وسلم) كما ورد بالسؤال: “كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ”. (البخاري، الرقاق 3) والغريب: هو الإنسان الذي غادر بيته ووطنه ونزل في مكان يعيش فيه ضيفا وبشكل مؤقت، ولا شيء يربطه بما حوله من الأشياء والناس. أما عبارة “عابر سبيل” الواردة في الحديث الشريف فإنها تعني المسافر. والواقع أن الإنسان مسافر ينتقل من رحم الأم إلى مرحلة الطفولة، فالشباب، فالكهولة، فالشيخوخة، ومنها إلى القبر، ثم إلى حياة البرزخ، ثم إلى المحشر. وهكذا يوصي سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن نعدّ الحياة الدنيا في هذه الرحلة وكأنها عبور من أحد جانبي الطريق إلى الآخر.

ورُوي أن رسولنا الأكرم (صلى الله عليه وسلم) نام على حصير، فترك الحصيرُ أثره في جنبه الشريف، ولذلك أومأ إليه سيدُنا عمر رضي الله عنه بأن يستفيد قليلا من نعم الدنيا قائلا وعيناه تذرفان: “يا رسول الله! إن كسرى وقيصر فيما هما فيه وأنت رسول الله!…” فأجابه (صلى الله عليه وسلم): “مَا لِي وَمَا لِلدُّنْيَا مَا أَنَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا”. (الترمذي، الزهد 44) ونحن جميعا نعلم أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لو شاء لقدّم الصحابةُ كلَّ ما في بيوتهم ودورهم وفرشوه له. لكن مفخرة الإنسانية عدّ نفسه مسافرا استراح مؤقتا تحت شجرة وهو في طريقه إلى مكان يقصده، ثم راح وتركها، وصرّح بأن علاقته بالدنيا عبارة عن هذا فحسب، فكانت حياته دائما وفق هذا المعيار حتى لحظةِ صعوده إلى أفق روحه.

الثروات التي تُنفَق في سبيل الحق

عند النظر إلى المسألة عموما، وعند الأخذ بأوامر الدين ونواهيه كاملة يُفهم من عبارات رسولنا الأكرم (صلى الله عليه وسلم) أنه ينبغي اجتناب الانغماس في الدنيا طلبا للمُتَع والملذات الشخصية فحسب، لا إهمال الدنيا بالكلية. فمثلا يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (سُورَةُ الأَنْفَالِ: 8/41)

وحكم هذه الآية أن خمس الغنائم متروك أمرُه لرسول الله كي يوزّعه على المذكورين في الآية. ولو أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) خصّ نفسه بعُشر هذه الحصة، لعاش حياة مرفَّهة جدا، ولأقام في القصور. إلا أنه (صلى الله عليه وسلم) آثر أن يعيش حياته السنية في حجرة السعادة التي هي مجرد حجيرة صغيرة، لدرجة أنه (صلى الله عليه وسلم) كان -كما روت أمنا عائشة رضي الله عنها- عندما أراد أن يسجد أثناء قيام الليل يمسّ قدمي السيدة عائشة بيده، فيتسنى له السجود بعد أن تسحب رضي الله عنها قدميها. (انظر: البخاري، الصلاة 22) أي إنه (صلى الله عليه وسلم) ما كان يجد في الحجرة التي يعيش فيها -أرواحنا فداء لتلك الحجرة- موضعا للسجود. لكننا حين نضع أمام ناظرينا خُمُس الغنائم التي تُركت بأمر الله تعالى تحت تصرفه نرى أن سيد الأنام (عليه ألف ألف صلاة وسلام) فضّل أن يعيش حياة بسيطة جدا واستخدم هذا كله في سبيل الله، برغم امتلاكه من الإمكانيات ما يكفي لتجهيز جيش كامل. أجل؛ لقد كان يتحرك في حياته الشخصية والبدنية، وفي المتع والملذات بحكمة وضبط للنفس وبتوازن تامّ، بل إنه مثال الاستقامة التي أمره الله بها في قوله: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ﴾ [سُورَةُ هُودٍ: 11/112]

وَرَثة روح الاستغناء

لا ريب أن رسول الله(صلى الله عليه وسلم) كان شخصا فريدًا وفائقًا لامثيل له في صلته بالله تعالى، ومنزلته، ومكانته، وسعته، وعمقه. أجل، لقد كان (صلى الله عليه وسلم) ساميَ الطبيعة ومتميزَها حتى إنه يشير إلى أنه يشعر بمتعة ولذة من العبادة والطاعة، كالمتعة التي نشعر بها نحن من المأكل، والمشرب، وغيرهما من الملذات الجسمانية. ولذلك كان يستأذن زوجاته ليلا كي يروي عَطَشه إلى الحق، فيقوم ليله ويُدني فاه من نبع العبودية ينهل منه. وهو بهذا الاعتبار لا يُقارَن به أحد حتى صحابته الكرام. أجل، لا يمكن مقارنة أحد به ألبتة، بل إنني ربما أذهب إلى أبعد من ذلك وأقول -إن لم يُعتبر هذا نوعا من التجرؤ- إننا نخطئ حتى لو أننا قارنّا به جبريل (عليه السلام)؛ لأن جبريل (عليه السلام) لم يكن يحمل على عاتقه أعباءً جسمانية ولا نفسانية. أما سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فرغم أنه يحمل هذه الأعباء، قد سبق الملائكة الكرام. ولهذا السبب كان (عليه ألف ألف صلاة وسلام) -مثلما عاد من المعراج إلينا- يتنزل من أفقه إلى مستوانا كي يقدّم رسائله لنا ويرشدنا إلى الطريق الصحيح ويعرض أمامنا قضايا موضوعية تتناسب مع منطقنا وأسلوب معيشتنا.

وعندما ننظر إلى المسألة في إطار هذه المعايير، يمكننا القول بأنه ينبغي أن يعيش الناس حياتهم الشخصية في استغناء عملا بالرسائل التي بلّغها (صلى الله عليه وسلم) لأمته، وإن تعذرت مقارنة أي إنسان به. فالواقع أن الأكابر المتأسّين به قد فضّلوا أن يعيشوا مستغنين. ولو نظرتم إلى نمط حياة الأستاذ بديع الزمان مثلا، لرأيتم أنه ارتضى الاستغناء دستورا مهما في حياته كلها. فقضى أياما فوق شجرة أحيانا، وشهورا في قمة جبل أحيانا، وأحيانا أخرى في منزل خشبي غير ملائم للإقامة إطلاقا؛ والحاصل أنه فضّل أن يعيش حياة بسيطة حتى آخر عمره. وفي الحقيقة أن الذين حقّقوا إصلاحا وتجديدا في مجتمعاتهم قد عاشوا مستغنين عن الدنيا، ولو كانوا من الذين يدينون غير ديننا وينتمون إلى ثقافات أخرى.

ومن هذه الزاوية يمكننا القول إن هذه الخصائص التي تُعتبر أمارة للعظمة في القيم الإنسانية العالمية يمكن توفرها عند أي إنسان. والفارق هنا هو أنها أكثر سلامة في القلوب المؤمنة، وأنها تَعِد بالثبات والبقاء؛ لأن التأييد الإلهي ظهيرهم. أما الآخرون فإنهم –وإن تَحَلَّوا ببعض الصفات الإيمانية مثل الاستغناء والإخلاص في العمل والإيثار- إلا أنها لا تَعِد بالاستمرار والبقاء. ولكن ينبغي أن نعرف أن الله (جل جلاله) يُوفّق من اتصفوا بالصفات الإيمانية في أمورهم الدنيوية. لأن معاملة الله (جل جلاله) لعباده إنما هي بحسب تلك الصفات. ولذلك فإن الإنسان لا ينبغي له أن ينتظر من الله ما يليق بكرامة الإنسان إذا كان خمولا وأنانيّا وطمّاعا يلهث وراء جمع الأموال والثروات ويمضي عمره في ملذّاته فقط. لأنه بعُد عن حقيقة الإنسانية. والواقع أن المؤمن الذي يجب عليه أن يرقى باستمرار نحو الكمال، يستحيل تصويب انغماسه في الدنيا وحياتِه في فلك أهوائه، وتحركه وفقا للنزوات الحيوانية. ومن المؤكد أن طرز حياة كهذا ليس هدياً نبويًّا.

سبيل تخليد الإمكانيات الزائلة

لا ريب أننا لا نقصد مما نقوله أن ينزوي الإنسان في زاويةٍ كما يفعل بعض الدراويش ويهجر الدنيا بما فيها، ويُعرض عنها كلية؛ لأن هذا يتنافى مع الأمة القوية، فعلى المسلمين إذًا أن يتزودوا بالإمكانيات الدنيوية قدر ما أمكن، لكن يجب عليهم أن يستثمروها في سبيل الآخرة. وفي هذا الصدد أود أن أنقل لكم شيئا مما كان يطوف بخيالي أحيانا وتتمناه نفسي: أتمنى أن لو دخلتُ غرفتي فوجدت فيها بضعة تريليونات من الليرات، ثم وزّعتُ هذا المال على أصدقائي حتى يتسنى لهم فتح مدارس ومعاهد ثقافية في أرجاء العالم كافة، ليفتحوا قلوب الناس بها. لا ريب أن هذا مجرد خيال وحلم، وكل ما أقوله يذهب سُدى. لكن لو راودكم أنتم مثل هذا الخيال بدلا مني وأفصحتم لي عنه لقلتُ لكم: حتى بمثل هذه العملية الخيالية تنالون ثواب العبادات والطاعات؛ لأنه من المهم جدًّا الانشغال بهَمِّ تبليغ إلهامات أرواحنا للآخرين، وإنارةِ العوالم بالمشعلة النورانية التي نحملها في أيدينا، وللوصول باسم النبي الجليل إلى كل بقعة تطلع عليها الشمس؛ ورَبْطَ كل شيء حتى الأحلام بهذه الغاية المُثلى.

وبالرجوع إلى موضوعنا الرئيس نقول مرة أخرى إنه لا حرج من التزود بالإمكانيات والقوى الدنيوية بعد استخدامها بالشكل المناسب، لكن ما يسوق الإنسان إلى كارثة محققة في الدنيا والآخرة هو المحبة الشديدة للدنيا والولع بها الذَيْن يعبّر عنهما حُبُّ المال وحب المنصب وحب المنزل وحب الأولاد وحب الشهوات. ينبغي للإنسان أن يكون عبدا للحق ليس إلا، ويحبَّ كلَّ شيء لأجله تعالى.

أجل، يجب ذكر الله في بداية كل أمر ونهايته وأوله وآخره، وربطُ كل شيء برضاه. وإلا فإنْ تحركْنا وفقا لرغباتنا النفسية وأهوائنا الجسمانية تضاءل كل شيء في تلك البؤرة الضيقة، وحينذاك نقول: يا أَسَفَى علينا وعلى تلك الإمكانيات!. وفي رأيي أن على الإنسان ألا يكون سجين هذه البؤرة الضيقة، وهو الذي قَدْره يماثل قدر الكون، ولديه قوة كامنة ينقاد له العالم بها، والذي خلقه الله مهيأ لإحراز مقامات في الآخرة عرضها كعرض السماء والأرض. بل عليه أن يهرول وراء الأبدية والخلود، وأن ينشد رضى مولاه عز وجل على الدوام. فلا ينبغي له أن يتمنى أن يكون فاتح إسطنبول إن لم يَصِل به هذا إليه سبحانه. لأن قيمة مثل هذا الأمر ليست من ذاته، فالذي أكسَبه القيمةَ هو سعة النية؛ بمعنى أن الفتح إن ارتبط بغايةٍ مثلى مثل نيل بشارة النبي (صلى الله عليه وسلم)، ورفع كرامة الإسلام ورعايته، والبلوغ باسم النبي الجليل إلى كل بقاع الأرض، عند ذلك يكتسب فتحُ إسطنبول قيمةً.  

دَوْر النية

إن هذا الأمر يسري أيضا في أيامنا على كل جهد مبذول للتخرج في بعض المدارس والاشتغال ببعض المهن، وبعبارة أخرى لو أن الإنسان يريد أن يقوم بأعمال تخدم بلده وغايته المثلى، ولِتحقُّقها شروطٌ لا بد منها، فعليه أن يراعيها. فمثلا على الطالب الذي يريد الالتحاق بجامعة رفيعة المستوى أن يقول في نفسه: “لن أستطيع دخول الجامعة دون الانتهاء من مدرستي، ولن يتسنى لي الحصول على مناصب تتيح لي خدمة أمتي دون التخرج في الجامعة، ولن أحظى على أي مكانة دون الحصول على هذه المناصب، فإن لم أحظ بهذه المكانة فلن أستطيع القيام بشيء في سبيل خدمة بلدي وغايتي المثلى”، إذًا عليه أن يكون في نيته من البداية مثلُ هذه الغاية الجليلة.

أجل، إننا أحيانا لا نملك مع الأسف إلا أن نلوم السابقين قائلين: “لِمَ لم ينتبهوا إلى بعض الأمور، ولماذا خلّفوا وراءهم ثغرات في بعض المجالات؟”. ولذا علينا أن نبذل كل جهودنا لكي نسدّ الثغرات التي خلّفها السابقون وألاّ نفسح المجال لظهور ثغرات جديدة، حتى لا يلومَنا مَن بعدنا. ومن ثمّ لا بد من اجتياز العقبات حتى لا يلومنا أبناؤنا وأحفادنا. وعلى ذلك لا بدّ من أن نكون أولًا أصحاب إيمان قوي، وألا نقصر في أداء العبادات والطاعات، وأن نفعل كل ما نفعله بنية صادقة. فإنْ تحقق ذلك فإن الدراسة والتخطيط لها يُكسبه ثوابا مثل العبادات؛ لأن الوسائل المستخدمة في أي أمر تصطبغ بصبغة النية فيه. وعلى ذلك فلا بد من أداء أي عمل بما يتوافق مع نسيج النية.

والحاصل أن المؤمن لا يقوم ولا ينبغي له أن يقوم بأي أمر مطلقا لكسب ثناء الناس وامتداحهم أو لمجرد حسابات دنيوية، بل إن عليه أن يسعى سعيا حثيثا لتبليغ الآخرين القِيمَ العالية المنبثقة من جذوره الروحية والمعنوية، ويبذل جهده دائما ليكون لهذه القيم كلمتها في التوازن العالمي. ولا جرم أنه في هذا السبيل سيواجه كثيرا من المصاعب وسيتجرع الآلام ويَئِنّ وينقصم ظهره غمّا وكمدا، ولكنه يعرف جيدا أن المعاناة والمشقات التي يكابدها الإنسان وهو يتحرك في فلك غاية مثلى تفضي به إلى ثواب عظيم لا يصل إليه وإن سلك مسلك أهل السير والسلوك الروحاني.

 

السُّبُل الموصِلة إلى الله وعصرُنا

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ما هي الشؤون الواجب الانتباه إليها في يومنا الحاضر من زاوية الوحدة والتعاون، بينما يُسعى لإزالة الموانع التي تحول بين الناس وبين الله، ولأداء وظيفة ربط القلوب بالحق؟

الجواب: لقد ظهرت حتى يومنا الحاضر طرق ومناهج متنوعة تهدف إلى كشف روح وجوهر دين الإسلام المبين. فمثلا الطريق المتَّبع في النقشبندية يُلخّصُ بتلك العبارات الآتية:

يقول الطريق النقشبندي: إنه لا بد من ترك أربعة:

ترك الدنيا، وترك العقبى، وترك الوجود، وترك الترك.

وهذا يعني أنه لا بد من ترك أربعة أشياء في الطريقة النقشبندية. الأوّلان منها: ترك الدنيا وترك العقبى. أي كما يجب على الإنسان أن يردّ مفاتن الدنيا الجذّابة يجب عليه أيضا ألّا يكون دخول الجنة مقصدَه الأساسي في عبوديته. لأن الداعي الأصلي للعبودية هو الأمر الإلهي، أما نتيجتها فهي رضا الحق تعالى. وبهذا الاعتبار فإنه يتوجب على العبد أن يحرِّك مكوكه بين الأمر الإلهي والرضا الإلهي، وينسج نسيج حياته على هذا وينقش نقشا يدفع حتى الملائكةَ إلى الشعور بالحيرة والإعجاب به.

علاوة على ذلك فإنه ينبغي على سالك هذا الطريق أن يترك نفسه أيضا، وأن يتخذ موقفاً حازماً إزاء رغباتها وأهوائها التي لا تعرف الشبع، وعليه أن يكون في استغناء مطلق عن الخلق. أما في النهاية فيلزمه أن يترك كل أنواع الترك هذه، وأن يمحو فكرة الترك من ذاكرته تماما، بمعنى أنه يجب عليه ألا يخطر بباله: “لقد تركت هذا، وتركت ذاك.”، وينبغي عليه ألا يشرع في الإعجاب بنفسه وتقديرها بسبب التضحيات التي قام بها باسم “الترك”. وإذا ما خطرت بباله أو حتى لاحت في خياله فكرة مثل:”أنا بَطَلُ ذا وذاك من أنواع الترك.” فعليه أن يهرع من فوره إلى الاستغفار.

خصائص عصر الأنانية

لكن الأنانية انتشرت كثيرا في يومنا الحاضر، وخضع الناس لتأثيرها في كل أحوالهم، فلا يمكن تركٌ بهذا الشكل في يومنا الحاضر؛ لذا فإن فضيلة الأستاذ بديع الزمان يتناول المسألة في “المكتوبات” بشكل آخر:

أيها العزيز! في طريق العجز يستلزم أربعة أشياء:

الفقر المطلق، والعجز المطلق، والشكر المطلق، والشوق المطلق.”

إنه يقول ذلك، ويصرح بضرورة التمسك الشديد بهذه الأسس الأربعة في يومنا الحاضر. أي على الإنسان أن يدرك أولا أنه العاجز المطلق ويعترف بذلك، وأن يرى أنه لا يستطيع فعل أي شيء على الإطلاق ما لم يأذن الله. وعلى هذا النحو عليه أن يعترف بفقر نفسه، بدرجة يدرك دائما أن كل ما بيده إنما هي تلك الإمكانيات التي وهبه الله إياها. وعليه أن يجيش شوقا وشكرا أمام النعم والإمكانيات التي أحسن بها الله تعالى عليه رغم عجزه وفقره، وأن يشكر الله تعالى في كل حركاته وسكناته، وعليه أن يجتهد بهيجان وعشق، وشوق واشتياق لا يعرف الشبع، ويسعى دون توقف كي يبلغ اسمه تعالى إلى القلوب والأفئدة. ويذكر بديع الزمان في ذيل الكلمة السادسة والعشرين أن منهجه له أربعة أسس هي “العجز، والفقر، والشفقة، والتفكر.” وهذا ما يشير إلى وجود ستة أبعاد لهذا المنهج المطروح.

وأنا على قناعة بأن ملاحظات بديع الزمان التي تقنع عقل إنسان عصرنا وتطمئن قلبه ملاحظاتٌ هامة للغاية يتوجب الوقوف عليها ودراستها. والواقع أن الكثيرين من الذين استفادوا من آثاره ممتنّون ومدينون له بالجميل لأنه لقّن القلوب الحقيقة الإلهية في مواجهة عواصف الكفر والإلحاد، وجعل الاسم النبوي الجليل يرفرف مرة أخرى في عنان القلوب، وقدّم مشهد الحشر والنشر إلى العقول حتى صارت وكأنها تراه رأي العين. في الحقيقة إن التعبير عن مشاعر الشكر هذه التي يتم الحديث عنها بالعديد من البيانات والكلمات أمر واجب. لأنه ورد في الحديث الشريف: “من لا يشكر الناس لا يشكر الله”. (الترمذي، البر، 35؛ وأبو داوود، الأدب، 11) وهذا يعني أنه يجب أن يتوفر طابع الشكر، والإحساس بالنعمة لدى الإنسان أولًا. ولذلك فإنه من الطبيعي أن يتوجه هؤلاء الناس له بتقدير أكثر دون غيرهم لأنهم حظوا بنعمة كالتعرف على الله والرسول والحشر والنشر على يد ذلك الشخص. غير أن تقديرا على هذا النحو ينبغي ألا يؤدي إلى أنانية الجماعة، وينبغي ألا يُفسح المجال لآراء مبالغة. لأن ثمة كثيرا من الناس يسيرون في سبل مختلفة داخل الجادة الإسلامية الكبرى حيث وصلوا بواسطة ذلك السبيل إلى الإيمان، وبلغوا ساحل السلامة بعون الله وعنايته، وحظوا برضاه تعالى. وبهذا الاعتبار فإنه ينبغي ألا تتحول المسألة من التعبير عن مشاعر المنة والشكر إلى نوع من المباهاة والدعاية والإعلان أبداً، وينبغي ألا يتم الدخول في الانحصار الفكري النابع من حب النفس. أجل، ينبغي ألا يتم الخلط بين الوسائل والمقاصد، وينبغي ألا يُنسى أن المقصد الأصلي هو تحصيل رضا الله تعالى في أي سبيل كان.

الأرواح التي وصلت إلى الحق بواسطة الهجرة

الحقيقة أن أولئك الناس الذين تركوا منازلهم، ودورهم، وأوطانهم، وشدوا الرحال بهدف إبلاغ اسم الله الجليل إلى كل أنحاء العالم هم في سبيلهم للحصول على رضا الحق تعالى في خط مختلف بواسطة إعلاء كلمة الله. أريد أن أذكر شيئا يمكن أن يُعدّ علامة مؤيدة لكون هؤلاء على الصراط المستقيم: شوهد سيدنا (صلى الله عليه وسلم) في الرؤيا أحيانا وفي الواقعة أحيانا أخرى مئات وربما آلاف المرات، وحُظي ببشارته. إذ يقول أحدهم على سبيل المثال: جلسنا ذات ليلة مباركة، فصلّينا وسلّمنا على سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) آلاف المرّات حتى الصباح. بعد ذلك تمثلت روح سيد الأنام (عليه أكمل التحايا وأتم التسليمات) وقال: “إنني أؤيدكم في هذه الخدمة.” ويقص صديق آخر حادثة شاهدها في واقعة: “كانت ثعابين كبيرة تهاجم الأصدقاء وما كانوا يستطيعون التغلب عليها. إذا بالباب انفتح فجأة؛ فدخل منه بعض الناس النورانيين. وكان على رأسهم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيده عصاه المباركة. وبعد أن أنزل ضربة على رؤوس الثعابين قال: “لا تخافوا، إنا ناصروكم.”

والحقيقة أنني أشعر بالخجل ويتحرج صدري من قص هذه النوعية من الأشياء غير الموضوعية؛ غير أنني أرى فائدةً في الحديث والتعبير عن هذه النوعية من المشاهدات أحيانا، نظرا لأن المسألة لا تتعلق بي. والواقع أنني نظرت إلى نفسي دائما من زاوية دائرة الخدمة التي نحن نعمل في إطارها بدافع وعناية من الله: “لو أنني أَعطيت لمقامي حقَّه واستغللت الإمكانيات والفرص التي أنعمني الله بها واغتنمتها جيداً، لكانت هذه الخدمة تسير بشكل أسرع. ولو كان على أيدى أناس أكثر إخلاصاً لأمكن إنجاز أعمال أكثر أهمية. علاوة على ذلك فمثل هذه المشاهدات ينبغي اعتبارها أنها نوع من الحلويات التي تعطى للأطفال بهدف التشجيع وإثارة الأمل. وإلا فإنه ينبغي على رجل الحقيقة الصادق ألا يطلب أيّاً من هذه على الإطلاق. حتى إنني أنا الذي أكثركم إثماً أقول: “إلهي! لا تجعلنا نُذهِب في هذه الدنيا من نعيم ستمنحها إيانا في الآخرة! اللهم لا تلطمنا بلطمة الآية الكريمة: “أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا” (سورة الأحقاف، الآية 20). غير أن بعض الناس بالرغم من كل شيء، يرون هذه النوعية من الحوادث لها أهمية من أجل تقوية الروح المعنوية في الفترات الصعبة والقاسية، ولا بد أنه لا حرج في الحديث عنها إن كانوا يرونها تأييدا نبويا.

ومن جانب آخر فإن كان مهاجرو الفكرة المثالية هؤلاء يَلقون قبولا حسنا في الأماكن التي يذهبون إليها بالرغم من وجود العديد من الدوائر المعادية الراغبة في عرقلة تبليغ دين الإسلام المبين إلى الأفئدة والقلوب، فإنه ينبغي اعتبار هذا عناية من الله وتأييدا منه.

إن نجاح هؤلاء في المناطق الجغرافية المتباينة يُعتبر مؤشرا آخر على التأييد الإلهي والتأييد النبوي لهم، بالرغم من أنهم لم يحصلوا على دورات في فن التعايش مع أصحاب الثقافات والآراء المختلفة في عصر العولمة؛ وبهذا الاعتبار يمكن القول بأن هذه الخدمات المنجزة وافقت المراد الإلهي. لأنه لم يحدث انفتاح بهذا القدر في أية فترة من تلك الفترات التي تلت الصحابة الكرام (رضي الله عنهم).

أجل، إن سعي هؤلاء الناس في تبليغ الحق والحقيقة في كل أنحاء العالم متكاتفين هو ميناء آخر للسير إلى الحق، ووسيلة أخرى للسرور؛ هؤلاء الذين ساحوا في الطرق في سبيل فكرة مثالية سامية بتواضع، وخجل، ونكران للذات، استنادا إلى أسس: العجز، والفقر، والشكر، والشوق، والتفكر، والشفقة.

والحاصل أن الله هو الغاية لجميع القلوب المؤمنة، وأن البشر مسافرون وأن السبل بعدد أنفاس الخلائق. وبهذا الاعتبار فإنه يجب علينا أن نقدّر كل من يسعى لإعلاء كلمة الله، وأن نضرع إلى الله وندعوه بالتوفيق لجميعهم.

 

 

 

ماذا تعني “الجَرَّة المشروخة”؟

Herkul-ARB | | العربية

 إن الأستاذ المربّي “فتح الله كولن” شخصية جامعة، وأحاديثه مشحونة بمعان عميقة تخاطب طبقات مختلفة من الناس، ولا جرم أن مَن يستمع إلى مثله من العلماء يتعلم أمورًا كثيرة، وينال نصيبه حسب مستواه، غير أن أكثر الناس فهمًا هم أكثر الناس علمًا، فمن بلغ مرتبةً سامية في العلم يرى أن هناك كثيرًا من الحقائق الخفية بين الكلمات والجمل والفقرات، وأنه قد جمع في كلمة واحدة دروسًا عظيمةً لا يسعها إلا كتاب كامل. فمثلًا عندما يشرح حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ، أَطَّتْ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّهِ، وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشِ وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ…” (رواه الترمذي) يصف ما في الحديث بـ”الخشية ذات بُعد الالتجاء” فيسحر من يسمعه بهذه العبارة النفيسة التي تنطوي على معان عميقة وعظيمة تملأ الصفحات.

وها نحن نسمّي صفحتنا هذه بـ”الجرة المشروخة” اعترافًا بعجزنا في فهمه كما ينبغي، وتقصيرنا في تلقِّي ما يطرحه علينا من حقائق، وقصورنا في تسجيلها والاستفادة منها وإفادة الآخرين بها. أردنا بهذا العنوان الإشارةَ إلى أن هذه الصفحة ما هي إلا مرآة أصغر بكثير من أن تعكس عِلمَ أستاذنا الجليل وحياتَه الروحية والقلبية وزُهدَه وتقواه. وقد استوحينا هذه الفكرة من المنقبة التالية التي يذكرها مولانا جلال الدين الرومي:

في قديم الزمان نصب سلطان فسطاطه على نهر الفرات، فأحَبَّه الناس، نظرًا لأنه استطاع أن يستولي على القلوب لا على الأراضي فحسب. أجل، أحبّوه وتمنوا أن لو تعرف عليهم ذلك الإنسان الخيّر ونالوا حبه واستحسانه، ولذلك كانوا يَمثُلون في حضرته في بعض الأيام ويقدمون له الهدايا. وفي يوم قدّم فيه الأغنياء وذوو الأحوال الميسورة هداياهم الثمينة للسلطان بحث أحد الفقراء عن هدية تناسب السلطان، فلما لم يجد شيئًا قيِّمًا خطرت على باله تلك الجرة المشروخة التي تقبع في ناحية من بيته، فأخذها وملأها بماء بارد من ماء القرية، وسلك بها الطريق إلى السلطان، فقابله أحدهم وسأله عن صنيعه ووجهته، فلما أجابه الفقير قال له الآخر في سخرية: “ألا تعلم أن السلطان يقيم على منبع الماء، فضلًا عن أنه يملك ماء العين الذي تحمله جرّتُك”. فامتقع لون الفقير وابتلع ريقه وانعقدت الكلمات في حلقه، ثم قال: “لا ضير، السلطنة تليق بالسلطان، والفقر يليق بالفقير. فإن لم أكن أمتلك هدية قيّمة للسلطان يكفي أنني أحمل قلبًا مفعمًا بحبه ومشتاقًا لتقديم مائه إليه”.

وعلى ذلك عزمنا على تقديم هدية للسلطان بـ”جرتنا المشروخة” التي تحملها أيدينا؛ رغبة في أن تكون هديتُنا مشاركتَكم معنا هذه الجماليات التي أفاضها الله علينا. ونحن -القليل من إخوتكم- على اعتقاد بأن مشاركة الكثيرين لنا في ماء هذا المنهل العذب يعيننا على أداء شكر نعمة القرب من هذه العين المباركة.

كنا بداية نسجل ملاحظات صغيرةً حتى نستعين بها في تذكر أحاديثه، لكن كان يفوتنا الكثير، فشرعنا فيما بعد في تسجيلها بدقة على الحاسوب لنقل ما يذكره دون تغيير أو نقص، ثم نأخذ ما سجّلناه على الحاسوب ونقوم بعملية التبييض والتنقيح والتصحيح، ثم نتذاكر ما ينتج من نصوص فيما بيننا.

 فبدأنا نقدّم لكم ماء الحياة الذي ملأنا به جرّتنا، في هذه الصفحة الإلكترونية المسماة “الجرة المشروخة” والتي تعدّ جزءًا من موقعنا الإلكتروني “Herkul”؛ وما فعلنا ذلك إلا أننا شعرنا بشيء من النكران للجميل عندما احتكرْنا عينَ أفق القلب والروح هذه.