Yazarın Arşivi

مفتاحُ القلوب السحريُّ: معرفة حال المخاطبين

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: إنّ مهاجري الغاية المنشودة المنفتحين على كلِّ أنحاء العالم المندفعين بفكرة المحبة والحوار لَيَلتقون مع بيئاتٍ ثقافية متنوِّعة؛ فما هي الأمور التي ينبغي لهم الانتباه إليها في هذا الصدد؟

الجواب: إنَّ الذين نذروا أنفسَهم من أجل تحقيق سعادة الإنسانية وسلامها يبذلون جهودًا طيبةً في هذا السبيل، وكي يتمكنوا من إبلاغ مخاطبيهم بمشاعرهم وأفكارهم في بساطة ويُسْرٍ ينبغي لهم بالدرجة الأولى أن يدرسوا جيّدًا الأماكن التي يذهبون إليها، ويستقرئوا ويتعرّفوا على شعوب تلك المناطق وبيئتهم الثقافية… وهذه وظيفةٌ مهمّة تعدِلُ في أهمِّيَّتِها قدسيةَ الفكرة التي يُمثِّلونها؛ لأنَّ رجلَ الغاية المنشودة يَسْهُل عليه أن ينقلَ الإلهامات الخاصة بروحه إلى الناس فيما حوله بقدر تمكُّنِهِ من معرفةِ البيئةِ التي يعيشون فيها.

ومما يُؤسَفُ له أنَّ بعضَ الناس في عصرِنا يتسبَّبون في وقوعِ مجموعةٍ من الارتكاساتِ وردودِ الفعلِ السلبية المختلفة بسبب بعضِ الأخطاءِ الأسلوبيّةِ التي يقعُون فيها بالرغم من زعمِهم التمسُّكَ بالقرآن الكريم والسنَّة النبويّة المطهَّرة والاقتداءَ بأعظم وُرَّاثٍ للدعوةِ النبويّة؛ فيؤدُّون بذلك إلى تشكيل جبهات معادية للإسلام ومناهضة له، فكَما قد يُصاب الإنسانُ بالغثيان بسبب بعض الأخطاء الأسلوبية التي تحدث عند تقديم حتى أشهى أنواع الطعام، فكذلك الأمرُ هنا. أجل، لا ريب في سلامة الحقائق الخاصة بالوحي والدينِ من شتى أنواعِ السوء والقُبحِ، وحاشاها أن تحتوي على ما يُثيرُ الغثيان أو يدعو للاشمئزاز، بل العكس؛ إنَّ كلَّ نظام ودستورٍ قرآنيٍّ هو من عند الله يقينًا، وليس في هذا أيُّ جانبٍ تضليليٍّ أو يثيرُ الشكَّ والريبةَ في أذهان الناس، وكذلك الشأنُ بالنسبة لِكَلامِ سيِّدِ الأنبياء صلى الله عليه وسلّم الذي هو شرحٌ وبيانٌ لكلِّ واحدٍ من الأسسِ القرآنية، والتصرُّفاتُ والسلوكياتُ التي أتى بها السلف الصالح تمثيلًا لذلك إنما هي في غايةِ العَظَمَةِ والتكامل، غير أن تقديم هذه الأسس المتكاملة بكلِّ جوانبها قد يتسبَّبُ في ردودِ فعلٍ خطيرةٍ جدًّا ما لم يَعرف القائمُ على الأمر حالَ المخاطبين الذين يوجِّهُ إليهم هذه الأسسَ ولم يتفهّم مشاعرهم وأحاسيسهم بشكلٍ كاملٍ ويضع نفسَه مكانهم.

أجل، إنَّ صحة الحقائق القرآنية أمرٌ مُسَلَّمٌ به، ولا شكَّ في أنه رسالةٌ إلهيّةٌ نزلت من السماء، غير أنَّه يلزم أن يُوضع في الحُسبان جيّدًا إن كانت البيئة والثقافة التي نشأ فيها المعنيُّون بالخطاب وأحوالُـهم وأطوارُهم ملائمةً لقبول تلك الحقائقِ السماويّة وفهمِها أم لا؟ وينبغي ألا يُنسى أبدًا أنَّ “الدواء بحسب الداء“، وكما قال فضيلة الأستاذ بديع الزمان فإنه: “عليك أن تقول الحقَّ في كلّ ما تقولُ ولكن ليس لك أن تُذيع كلَّ ما هو حق، وعليك أن تَصْدُقَ في كلِّ ما تتكلمه ولكن ليس صوابًا أن تقول كلَّ صدقٍ”[1]، فقد يحدث أن يفهمَ أهلُ تلك المنطقةِ الجديدةِ الحقائقَ الساميةَ العظيمةَ -التي تُقدَّم تمثيلًا للدين- فهمًا خاطئًا ارتباطًا بالبيئة والثقافة التي نشؤوا وتربَّوا فيها، وقد يشعرون بأنَّ كلَّ واحدة منها بمثابة مطرقةٍ تنزل على هاماتهم.

والواقع أنَّ هذا الوضع سارٍ بالنسبة لبني جِلْدتنا نحن أيضًا، وليس قاصرًا على سكان البلاد المقصودة الـمَزُورَةِ فحسب، ولستُ على قناعةٍ بأنَّ الذين اجتمعوا حول أمرٍ معقولٍ قد عَرَفَهم حقَّ المعرفة حتى بَنُو وطنهم أنفسهم، فضلًا عن الذين لا يرغبون في التعرُّف عليهم أو لا يَسمح لهم وضعُهم بهذا، لأن هؤلاء لا يُبصرون أساسًا، ويعيشون حالةً من “عمى البصيرة” بسبب بعدهم عنهم، ولكنني -في الوقتِ نفسِه- على قناعة بأنَّ مَنْ يقفون معهم في نفس الصفِّ ويُصَلُّون معهم جنبًا إلى جنبٍ ويسجدون معهم في نفس الموضع؛ لم يعرفوهم معرفة كافية؛ فَتَرَاهم يتصرَّفون أحيانًا وكأنهم لم يروا قَطُّ الكثيرَ من أوجُهِ البرِّ والخير التي تحقَّقَت، ولم يقرؤوا ما كُتِبَ حولها، ولم يسمعوا القصصَ التي تُسْرَدُ بشأنها، ولم يُـحَلِّلوا خلفية هذه الأعمال فيحصلوا منها على نتيجة، وإنني على قناعة بضرورة أن يَطَّلِع بنو جلدتنا اطِّلاعًا كافيًا على هذه الأعمال الخيرة النافعة في فترةٍ صارت فيها تلك الأعمال حديثَ الناس في العالم وبدأت تجمع بين مختلفِ الشعوب والأمم، وبينما يتمُّ إنجازُ هذا يجبُ توخِّي الحَذَرِ من إيذاءِ الناسِ وإيلامِهم وإرهابهم وإبعادهم، ومن الوقوعِ في داء “الأنَانية الجماعيّة” قائلين “خدماتنا، وحركتنا، وأنشِطَتنا”، كما يلزم الحرصُ والتأكيدُ على النقاط المشتركة تمامًا كما هي الأفكار والمشاعر التي تُعاش عند الذهاب إلى المسجد، ولا بدَّ من تبادُلِ الجماليّات المشتركة، حيث إنَّ البشر على مختلفِ مستوياتِهم في الفهم والأفكار يذهبون إلى الجامع مفعمين ببهجةٍ عظيمةٍ، ويصطفُّون خلفَ الإمام، ويعلِنون عبوديتهم لله جل جلاله في تسليمٍ وخضوع.

بعضُ المعايير المطلوبة في التعرف على الإنسان

قد يسألُ سائلٌ عن المعيار والقسطاس في “معرفة المخاطب والتعرف عليه”، وهذا الأمر يلعبُ دورًا كبيرًا ومهمًّا في توحيد القلوب مع الحقّ والحقيقةِ، وللجواب عنه نقول: إنَّ ثمة واقعة تُروى عن سيدنا عمر رضي الله عنه من شأنه أن يوضِّحَ لنا وجهةَ نظرٍ معيّنة ومهمّة في معرفة الإنسان والتعرف عليه:

شَهِدَ رَجُلٌ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: إِنِّي لَسْتُ أَعْرِفُكَ وَلَا يَضُرُّكَ أَنْ لَا أَعْرِفَكَ فَائْتِنِي بِمَنْ يَعْرِفُكَ.

فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَنَا أَعْرِفُهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.

قَالَ: بِأَيِّ شَيْءٍ تَعْرِفُهُ؟

قَالَ: بِالْعَدَالَةِ وَالْفَضْلِ.

قَالَ عُمَرُ: هُوَ جَارُكَ الْأَدْنَى تَعْرِفُ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ وَمَدْخَلَهُ وَمَخْرَجَهُ؟

قَالَ: لَا.

قَالَ: فَمُعَامِلُكَ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ اللَّذَيْنِ يُسْتَدَلُّ بِهِمَا عَلَى الْوَرَعِ؟

قَالَ: لَا.

قَالَ: فَصَاحِبُكَ فِي السَّفَرِ الَّذِي يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ؟

قَالَ: لَا.

قَالَ عُمَرُ: فَلَسْتَ تَعْرِفُهُ، ثُمَّ قَالَ لِلرَّجُلِ: ائْتِنِي بِمَنْ يَعْرِفُكَ”[2].

وكما يتَّضح من هذه الواقعة فإنه ينبغي لأيِّ إنسانٍ كي يُقِرَّ بمعرفتِهِ شخصًا آخر أن يَعلَمَ عنه بضعةَ أمورٍ، نذكر منها أوّلًا: معرفة ما يشتغل به نهارًا ذلك الشخص المقصود، وكيف يقضي ليله، وهلْ يتحرَّق محاسبًا نفسَه يوميًّا على ما فعله من أعمال أم لا؟ والاطلاع بقدر الإمكان إن كان يَـــئِـــنُّ ويتألَّـمُ مستغفرًا الله تعالى ألفَ مرَّةٍ يوميًّا حتى في مواجهة أمورٍ ليست في نفسها “سلبية”، إنما يُخيَّلُ إليه أنَّها سلبية.

ثانيًا: يجب السفر مع ذلك الشخص، وتحمّل مشقَّة هذا السفر سويًّا، ومن ذلك السفرُ معًا إلى أماكن شتى من العالم في سبيل غاية سامية، وتحمُّلُ مشقّاتِ الحجّ في هذا الإطار، لأنه يمكن الاطِّلاع في ظلِّ أسفارٍ كهذه على حالة الناس من حيث مدى تصرّفهم بحلمٍ ورويّة أو عدم تحملهم المشاق وسيطرة الغضب عليهم، وفقدهم اتزانهم ووقعوهم في مجموعة من الضغوط أو محافظتهم على ثباتهم وقوتهم، وإلا فإنه يتعذَّر الإقرار بمعرفة أولئك الأشخاص معرفةً كافيةً دون التصدِّي سويًّا إلى تلك المشاقّ والصِّعابِ الـمُشارِ إليها.

ثالثًا: إن التبادلَ والتعاملَ في التجارةِ والأموالِ فحسب هو ما يُظْهِرُ أفكارَ الناس وآراءَهم الإيجابيّة أو السلبيّة فيما يتعلَّقُ بإحقاقِ الحقِّ ومدى حساسيّتهم ودقّتهم البالغة في مراعاة هذا الأمر، ولذا فإنه يتعذَّرُ التعرُّفُ على مدى حساسيّة الناس ودقّتهم في هذا الصدد ما لم نُتاجِر معهم بهذا المعنى، وهو ما يعني عدم معرفتهم بالقدر الكافي.

وبالإضافة إلى ما سردناه آنفًا من أمورٍ للتعرُّف على أيّ إنسان فإنَّه يُمكنُنا أن نذكرَ أيضًا مسألة التعايُشِ وتقاسُمِ آلامِ الحياة في الأماكن المغلقَةِ كالسجونِ؛ حيث إنَّ بيئةَ السجنِ ومناخَه مِن أكثرِ الأماكن التي يُرى فيها بجلاءٍ ووضوحٍ كيفَ يتناقشُ الناس مع بعضهم حتى في أبسط المسائل، وكيف أنّ أرزَنَ الناس وأعقَلَهُم يقع فريسةً للضغوطِ والتأثيرات وكأنه يُصاب بالشلل في مواجهة التصرُّفات الصادرة تجاهه، ويَعرِفُ هذا جيّدًا من جرَّبَ العيش في تلك البيئة.

وإذا انتفت المعايير الآنفة الذِّكْرِ فإنَّ ادِّعاءَ معرفةِ الناس هو -في أقلِّ ما يمكن أن يوصَفَ به- نوعٌ من التصريحِ المخالِفِ للواقع، لأن معرفةَ الناسِ وإصدارَ الأحكامِ بشأنِهِم يُمْكِنُ أن تتحقَّقَ في إطار المبادئ والقواعد المسرودة أعلاه، لا بمجرَّدِ الكلامِ فحسب، وعليه فإنَّ مراعاة أمثالِ هذه المبادئ تمنَحُ الخبرةَ في كيفيّة التصرُّفِ تجاه هؤلاء الناس، وفيما قد يُثير حفيظتَهم ويُغضبُهم من الكلام، وفيما من شأنهِ أن يكسِبَ مشاعرهم ويرُوقَهم من السلوكيّات، وإلَّا فقد يُبغَّض الناسُ دون وعيٍ أو شعور حتى في الموائد الإلهيّة أثناء تقديمها إليهم، وقد يُدفعون إلى الشعور بالنفور وعدم التعاطفِ تجاه تلك القِيَمِ والعياذُ بالله.

التدرّج في التبليغ مع بذلِ قصارى الجهدِ

تتطلَّبُ مسألةُ جعلِ الأسسِ الدينيّةِ روحًا للحياة جهدًا وتضحيةً فدائيّةً بقدرِ ما بذَلَهُ سيِّدُ الأنبياء رسول الله صلى الله عليه وسلّم من جهدٍ وسعيٍ ليلَ نهار استجابةً ووفاءً لأمر الله في قوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ (سُورَةُ الْحِجْرِ: 94/15)، غير أنه عند تحديث الآخرينَ بتلك الحقائق ينبغي التحرُّكُ على نحوٍ يتناسبُ ويتوافقُ مع التدَرُّجِ في نزول القرآن الكريم، ولذلك فإنَّه تلزمُ معرفةُ ما سيُقالُ ولـِمَنْ؟ وأينَ؟ وكم؟ وكيف؟؛ عَبْرَ تطويرِ مبادئَ واضحةٍ محورُها التأمُّلُ والتدبُّرُ والتذكُّر الدائم فيما يتعلَّقُ بالموضوعِ، ولا بدَّ من التَّحَرُّكِ وفقًا لذلك، ومن هذه الناحية أُريدُ أن أُذَكِّرَ مجدَّدًا بأنَّ معرفة البيئةِ ومعرفة مَنْ نخاطِبُ وظيفةٌ مهمّةٌ تعدلُ في الأهمِّــيَّــة قدسيَّةَ الرسالة التي تُمثِّلها، لأن بثَّ إلهاماتنا الروحيّة في صدروهم سيكون أمرًا سهلًا بقدرِ معرفتِنا إيَّاهم، وفي حال حدث العكس فإنَّه يجب علينا ألَّا ننسى أبدًا أنَّ الناس قد يُؤذَون نفسيًّا، وتُثارُ فيهم مشاعر العداء والبغضاء ضدَّ الحقائق السماوية والقِيَمِ السامية.

فما أَمَرَّهَا من خطيئةٍ أن يُصبِحَ الناس أعداءً لله ورسولهِ بسببِ عدمِ الانتباهِ إلى الأسلوبِ وعدم الحذر عند تحديث الناس عنهما بقصدِ التحبيبِ فيهما! وما أحزنه وأفجعه من موقفٍ إحداثُ جروحٍ لا تندمل في أذهانِ الناس حديثي العهد بالدين والإيمان بسبب تحديثهم أوَّلًا عن جهنّم وعذابها، ومن ثم إبعادهم عن الدين والتديُّن بهذه الطريقة وتنفيرهم بحيث يتعذَّرُ استرضاء قلوبهم مرة أخرى!

اللهم لا تؤاخذنا بمن آذيناهم ونفَّرْناهم بسببِ خطإِ أسلوبِنا ونحنُ نتحدَّثُ عنك جلَّ جلالُكَ، وعن الحقِّ والحقائق، اللهم اعفُ عنَّا، واغفر لنا.

[1] بديع الزمان سعيد النورسي: المكتوبات، المكتوب الثاني والعشرون، الوجه الرابع، الدستور الثاني، ص 323.

[2] البيهقي: معرفة الآثار والسنن، 237/14؛ السنن الصغرى: 4/ 134.

مظهرٌ جديدٌ من مظاهِرِ الظلم، والإسلامُ الشكليّ

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: إنَّ مَنْ لا يسكتون على الظُّلمِ والجَورِ ويحاولون تحذيرَ الناس من المنكرات يتعرضون لهجمات كالافتراء عليهم وتهديدهم وقمعهم؛ فما التصرُّفُ الذي يتَّفِقُ مع القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة وينبغي لهؤلاء الناس أن يلتزموه في مواجهة ما يتعرضون له؟

الجواب: يبيِّنُ الحقُّ تعالى في قوله ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 110/3) أنَّ أمَّةَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم هي خيرُ أمَّةٍ أُخْرِجت للناس، وقد ربطَ الله عزَّ وجلَّ وصفَ الخيريَّة هذا بصِفَتِها آمرةً بالمعروفِ ناهيةً عن المنكر إلى جانب صفة الإيمان، وبتعبير آخر رَبَطَهُ بنشرِها الخيرَ وحمايتِها الناسَ من أضرارِ الشرِّ، ومن هذه الناحية فإنَّه ينبغي للمؤمن إذا أرادَ تنشِئةَ جيلٍ نموذجيٍّ قدوةٍ تغبِطُه حتى الملائكةُ عليهِ؛ أن يُساهمَ -بواسطةِ الأمر بالمعروف- في تحليةِ الناسِ بالفضائلِ والمحاسِنِ، وأن يسعى -بواسطة النهي عن المنكر- إلى تخليةِ الناسِ عن الرذائلِ، ومنعِهم ممّا استنكره واستحقره اللهُ جلّ جلاله ورسولُه صلى الله عليه وسلم والعقلُ السليم والطبيعةُ البشرية.

فِعلُ الخيرِ سِرًّا

إن التحذيرَ من الشرور والآثام له سُبُلٌ مؤَطَّرَةٌ وقنواتٌ خاصّةٌ وحدودٌ واضحةٌ، فيجبُ ألا ننسى أن الموقف الواجب اتِّخاذُه عند النهي عن المنكرات لا يكون موجَّهًا للشَّخْصِ نفسِهِ، بل للأوصاف السيِّئَةِ الموجودة فيه، وبتعبير آخر: إنَّ كلَّ صفةٍ سيّئةٍ تُشبِهُ فيروسًا يُصيبُ البَشَرَ، والغايةُ الأصليّة من النهي عن المنكر هي القضاءُ على ذلك الفيروسِ لا على حامِلِهِ حتى يستردّ الفردُ صحَّتَهُ وعافيَتَهُ وأمنَه وطمأنينتَهُ مجدّدًا، ولذا فإنَّ المؤمن يقف في وجهِ الصفاتِ الذميمةِ، بل يعلن الحربَ عليها، لكن ينبغي له أن يكون رحيمًا إلى أبعد الحدود بمن يحملونها، ويستخدمَ تجاههم لغةً وأسلوبًا ليّنًا، لدرجة أنه يجبُ عليكم وأنتم تُحَذِّرون مرتكبي المنكرات مما يفعلونه ألا يَفطنوا إنْ كنتم تعارضونهم أو لا. أجل، ينبغي لكم أن تتحرّكوا وتتصرّفوا هكذا بأسلوبٍ رقيقٍ دقيقٍ حتى يتسنَّى لهم أن يتخلَّصُوا سريعًا ودون وعيٍ من تلك الصفات الذميمة التي يحملونها، ويخلعوها عنهم كما يخلعُون ملابِسَهم تمامًا؛ فالتصرُّفُ هكذا هو أحدُ ضروريّات وثوابتِ السلوكِ والمنهجِ النبويِّ صلى الله وسلّمَ على صاحبِهِ.

وإن قابَلْتُم المواقفَ والسلوكيّات السلبية بِمِثْلِهَا فإنّكم تُضَاعِفُونها أكثر بدلًا من أن تمنعوها، ولا سيما في عصرنا الذي تُضَخُّ فيه السلبيَّات إلى الناس دائمًا؛ مما أدّى إلى ممارَسَتِهِم العديدَ من السلوكيات والتصرفات المنبوذة، وهذه مسألةٌ شديدة الخطورة.إذًا كونوا -كما وصفَ وأرادَ مولانا جلال الدين الرومي- شمسًا تلاطِفُ الجميعَ شفقةً ورحمةً، وترابًا تدوسُه الأقدامُ تواضعًا ولينَ جانبٍ، ومطرًا يروي النباتَ والشجرَ كرمًا ومعونةً، وشجرًا نافعًا للآخرين ظِلًّا وثمارًا، وليلًا يوارِي كلَّ شيءٍ سترًا للعيوب، وميِّتًا بُعدًا عن الحدّة والعصبّية، ومحيطًا متراميَ الأطراف تسامحًا وصفحًا… كما ينبغي لكم أن تُحافظوا على نفس الموقف لا سيّما تجاه من بَعُدوا عنكم وانزلَقُوا في مجموعةٍ من الأخطاءِ والزلّات بسبب همزات الشياطين وإغواءِ النفسِ الأمارةِ بالسوءِ رغمَ أنهم يتَّجِهونَ إلى نفسِ القبلةِ التي تتّجهون إليها ويسجدون معكم حيث تسجدون، فيجب عليكم أن تَثبُتوا على موقفكم وتُحافظوا على منهجِكم معهم حتى وإن بَعُدوا هم عنكم؛ لأنكم إن بَعُدتُم عنهم شبرًا كلَّما بعدوا عنكم شبرًا تضاعَفَت المسافةُ وشَسَعَ البونُ بينكما، غير أنكم إن تَثبُتوا على موقفكم تُقلِّصوا المسافة بينكما، ويصبح هذا البعد خطأً قاصرًا عليهم دونكم، فلو أنهم ندِموا ذات يومٍ وأرادوا الرجوعَ فإنهم لا يُعانون كثيرًا في تلافي أخطائهم التي ارتكبوها، ولا يضطرّون في سبيلِ تحقيقِ ذلكَ إلى استخدامِ جدليّاتٍ وحُججٍ واهيةٍ مختلفة، فليس من الجيِّدِ تضخيم الفتنة وتوسيعها، بل المهمُّ هو التصدّي لها بدِرْعِ الفطنة والقضاء عليها.

الامتحان بمشاعر العزّة والشَّرَف

قد يَعُدُّ البعضُ اتخاذَ موقفٍ تجاهَ هذا النوع من الناس أحدَ ضروريّات حمايةِ شرفهم ومجدهم وعِزّتهم، غير أنَّ مفخرةَ الإنسانيّة صلى الله عليه وسلم -تاجَ الشَّرَفِ والمجدِ وقِمّتَهُ- قد رجعَ خطوةً إلى الوراء في بعضِ المواقف الحسّاسة حين استدعى الأمر ذلك؛ مُفكِّرًا فيما سَيجْنِيه من مكتسبات ومنافع لاحقًا، وبهذه الطريقة علَّمَنَا أن التراجُع قليلًا حين يقتضي الأمرُ ذلك إنّما هو مِن إستراتيجيّاتِ المسلمين.

فمثلًا لقد خرجَ النبيُّ صلى الله عليه وسلّمَ من المدينةِ ومعه أصحابُهُ الكرام قاصدينَ مكّةَ المكرَّمةَ لأداءِ مناسكِ العمرة، واجتازوا لأجلِ ذلك زهاءَ أربعمائة كيلومتر ركوبًا على الخيل والجمال، غير أنّهم لما اقتربوا من مكّة ولم يبقَ بينهم وبينها إلا مرحلَتَين أو ثلاثة؛ اعترضهم مشركو مكَّة ومنعوهم من دخولها؛ إذ حاصرَ خالدُ بن الوليد المعروفُ بدهائه العسكري -ولم تكن عيناه آنذاك قد انفتحتا على الحقيقة بعدُ- حاصرَ المسلمينَ بكتيبتِهِ المختارةِ من صفوةِ خيَّالةِ قريش، منعوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم وأصحابَه من الدخول فلم يعترضْ مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم على هذا، في حين أنَّ مَنْ كان هناك من ساداتنا الصحابة كانوا قادرين -بإشارة منه صلى الله عليه وسلم- على أن يناضلوا بحقٍّ واستماتةٍ ويتغلَّبوا -بإذن الله تعالى- على مشركي مكةَّ وفيهم خالد بن الوليد وعمرو بن العاص، ويدخلوا مكَّةَ عنوة.

لكنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ائْتَمَنَ نفسَهُ على شرفِ وعزَّةِ أتباعِهِ إلى جانبِ عِزَّتِهِ وشرفِهِ نفسِهِ وافق على المادة الواردة في المعاهدة بشأنِ عودةِ المسلمين من حيث أتوا دون أن يَعْتَمِروا ويزوروا مكَّةَ هذا العام، لقد وافقَ رَغْمَ وعدِهِ أصحابَهُ ومعرفتِهِ مشاعرَهم وأحاسيسَهم، وعاد بعد إبرام المعاهدة هو وأصحابُه سويًّا إلى المدينة دون أن يعتمروا، وعلى نفسِ الشاكلةِ أيضًا فقد أمر صلى الله عليه وسلم بِنفسِه أن تُمسَحَ عبارةُ “رسول الله” المدونةُ في أوّل المعاهدة بسبب اعتراض المشركين عليها، كما قَبِلَ صلى الله عليه وسلم مواد الاتفاقيّة التي بدت في ظاهرها ضدّ المسلمين في صلح الحديبية كمادة أنه: “من أتى محمدًا من قريش من غير إذن وليه رده محمدٌ إليهم، ومن جاء قريشًا مِمَّنْ مع محمد لم يُرَد إليه”، حتى إن بعض المسلمين الذين كانوا يُعذَّبون في مكّة أثناء الصلح كسيدنا أبي جندل هربوا ولجؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أنّه صلى الله عليه وسلم أعادهم كرْهًا وعلى مضضٍ، بسبب إصرار المشركين وإلحاحهم على تفعيلِ الاتفاقيّة مباشرةً.

إن هذه هي النقطة التي تُنتهك فيها الشرفُ والعزةُ من جانبٍ، وقد تحمَّل كلَّ هذه الأمور مفخرةُ الإنسانية صلى الله عليه وسلم الذي اعتصر وجدانه ألمًا وشعر بكلِّ الآلام والهموم التي اكتَنَفَت مشاعرَ ساداتِنا الصحابة في مواجهة تلك الأحداث، وعند النظر إلى هذه الأحداث يمكن تقييمُها -في جانب منها- على أنها خطوة للوراء، غير أنَّ كلَّ واحدةٍ منها كانت حملةً مهمَّةً جدًّا من أجلِ الانتقالِ إلى الشدِّ المعنويِّ والسيرِ قُدمًا نحوَ الفتحِ المستقبليِّ الـمُنتَظَر؛ حيث إنَّ الرجوع خطوةً إلى الوراء هنا شَكَّلَ ظروفًا مناسبةً وأرضيَّةً خصبةً لفتح مكة فيما بعد، وكوّنَ مناخًا ملائمًا استطاعَ المسلمونَ خلالَه بفضلِ الله فتحَ مكّة بسهولةٍ ويُسرٍ.

الصبر الفعّال ولحظة تنسيم التجلّيات الإلهيّة

قد يُساءُ إلى شَرَفِنا وتُكسَر عِزَّتُنا ونُؤذَى نفسيًّا في يومنا الحاضر أيضًا، ونتعرَّض للحقد والبُغض والحسد حتى يصل الأمرُ لمعارضة أجمل الأعمال التي نضطلع بها وأكثرها معقوليّة فتُوصَفُ بأنها شيطانيّة، وفي فترةٍ زمنية معينة كان يُهاجمكم مَنْ ينزعجون من كلِّ شيء يتعلق بالدين، ويفتشون في كلِّ ما يخصُّكم صغيرًا كان أو كبيرًا، ويُخْضِعونه للمراقبة، وقد مرَّت سنوات على هذا، ولكنه لم يتغيَّرْ شيءٌ كثير؛ إذ جاء المتذَبْذِبون -الذين هم لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء- بعد الملحِدين، وواصلوا هذا الظلم، وبعد أن ذهبوا هم أيضًا جاءت هذه المرةَ مجموعةٌ من المسلمين استجمعت في يدها قوَّةً وإمكانيَّاتٍ معيّنة، وبدأت هي الأخرى تستسيغُ المظالم التي ارْتُكِبَتْ سابقًا ضدّكم بسبب تديُّنِكم والتزامِكم، وعارضت بأسلوبٍ مُغرِضٍ -لم تتخِذْه ضدّ أيِّ شخص على الإطلاق- المدارسَ والمدنَ الطلابيَّة ومراكزَ التأهيلِ الجامعيِّ التي أنشأها شعبُنا المخلصُ بكلِّ جهدٍ وإخلاصٍ، وأَعْدَت هذه المجموعةُ بعضَ الناس ضدّ تلك المراكز التعليميّة “أملًا في العثورِ على ثغرةٍ فيها!”، وذلك لأنَّ الحسدَ والحقدَ يجعلُ الإنسان يأتي من الشرور ما لا يأتِيه الكافر أحيانًا.

غير أنّه ينبغي لنا ألا نفزعَ أو نهتزَّ في مواجهة كلِّ هذه الشرور والمساوئِ، وألا نتشدَّقَ قائلين: “مجدي، وعزّتي!”، بالعكس يجب الانتباهُ إلى أنَّه ثَـمَّة مظالم وأضرارٌ تقعُ في محيط إذن الله تعالى لِحِكَمٍ خفيّة، والتي لو لم يأذنْ بوقوعها لما استطاع أحدٌ أن يَضُرَّ أحدًا، فيجب الرضا بما يقسمُه، والتوجُّهُ إليه تعالى ثقةً في رحمتِهِ وعطفِهِ، ومن هذا القبيلِ قولُ الشاعر:

ما أعذب البلاء إن كان من جلالِهْ

وما أحلى الوفاء إن كان من جمالِهْ

فكلاهما صفاءٌ للروحِ

فما أحلى لطفه وما أعذب قهره!

ويجب انتظارُ اللحظات التي ستُنَسِّمُ فيها تجلّيات العناية الإلهية، وإنْ وَقَعَ ظلمٌ واضطهادٌ من أعداءِ الدين أو حتى من المتذبْذِبين، أو من المؤمنين الذين أَكَلَهم الحسدُ، أو حتى ممّن يَبدون مسلمين ظاهريًّا وشكليًّا ممّن يضعون جباهَهم على الأرض؛ فإنه يجب علينا ألا نتخلّى أبدًا عن أفكارِنا ومشاعرِنا ومبادئِنا الأساسيّة في هذا الشأن، وينبغي لنا أن نفتحَ صدرَنا للجميعِ دائمًا، ونعرف كيف نرسل باقات المودّة والمحبّة إلى الجميع، ويجبُ علينا أن نقابلَ كلَّ سهمٍ يرمينا به المعتدونَ بوردةٍ نرسلها إليهم عوضًا عن كلِّ سهم، وأن نُمطِرَهم بالورود بدلَ السهام، وسواء فَهِمُوا هذا أَمْ لم يفهموه؛ فإنّنا سنظلُّ مخلصين صادقين لما نفهمُه من القرآن الكريم والسنة النبوية أسلوبًا ومبدأً إلى أنْ تفارق أرواحُنا أجسادَنا.

 

العشقُ والشجاعةُ والعقلُ الإستراتيجيّ

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ما المقوّمات التي لا بدّ من استحضارها والرجوع إليها عند حلّ المشاكل الضخمة التي تبدو عصيّة على الحلّ؟

الجواب: من غير المتصوَّر من إنسانٍ مات قلبُه وخمدتْ مشاعرُه وصارت علاقتُه بربه صوريّةً أن يتغلّب على ما يواجهه من مشكلات ضخمة؛ فحلُّ المشكلات يتطلَّبُ من الإنسان أن يكون لديه عشقٌ وحماسٌ للوصول إلى غايةٍ مثاليّة، وأن يحرص على الوصول لهدفه بشوقٍ واشتياقٍ لا يعرفان السكون، وأن يمتلكَ عزيمةً تُؤهّله لمواصلة الكفاح ضدّ الظلم دون شعورٍ بيأسٍ أو قنوطٍ، ومهما تعرَّضَ للهزيمةِ مرارًا وتكرارًا فلا يتسلّل الوهنُ إلى قلبِهِ، بل يستوي وينهض مجدّدًا، ويستمرّ في طريقِهِ صامدًا ثابتًا وكأنَّ شيئًا لم يحدث، وبذلك يقدر على تجاوز الجبال التي يصعب اجتيازُها، ويحوّل الهزيمة التي مُني بها إلى نجاحاتٍ عظيمةٍ.

نقطة الالتقاء بين العشق والوفاء

وسيدنا آدم عليه السلام خيرُ قدوة لنا في هذا الأمر، فقد أودع الله تعالى في جيناته قابليةً للخطإ تتناسب مع درجة المقرَّبين، فلقد بدرت زلةٌ تُعتَبرُ في أفقِ صفيِّ الله آدم عليه السلامِ خطأً بالنظرِ إلى العلاقة بينه وبين ربه، يقول الله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ (سُورَةُ طَهَ: 121/20)، ويقول أيضًا: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ (سُورَةُ طَهَ: 115/20)، غير أن المهمّ هنا هو أن الإنسان بعد أن يقترفَ خطأً عليه أن يمنعَ اليأسَ والقنوطَ من التسلُّلِ إليه، وأن يتوجّه إلى ربه سبحانه وتعالى ويدعوه ألا يبتليه باقتراف مثل هذا الخطإ مرَّةً أخرى.

أجل، لقد فعل آدمُ عليه السلام ذلك، بل وردَ في الأثرِ أنه عليه السلام ظلّ بعد اقترافه هذا الخطأ يتضرَّعُ إلى الله ويتوسَّل إليه دون أن يرفع رأسه إلى السماء مدة أربعين سنة[1]، وهذا ما ينبغي أن يكون عليه حال المذنب، يجب أن ينقصمَ ظهرُهُ كالعصا، وأن يعترف بخطَئِهِ قائلًا: “كيف أعصيه وأنا أعرفه، وأعلم أنَّ كُلِّي منه، لِـمَ لَـمْ أفوِّضْ كلّ أمري إليه؟”، وبعد ذلك يتَّجِهُ إلى بابِ محبوبه الحقيقيّ، ويطلب منه السماح والمغفرة على ما اقترفه من تيميمِ وجهِه إلى ما سواه من الأغيار.

فلو اضطرمت نارُ العشق في صدر الإنسان، وغَلَّفَ العِشْقُ كلَّ كيانه، فلن يفكِّرَ أبدًا في الانصرافِ عن باب معشوقِهِ رغمَ ما يتعرَّض له من مشقّات وابتلاءات، فالعشقُ هو عنوانٌ للعلاقةِ بين الإنسانِ وربِّهِ جلَّ وعلا، واتصالِ قلبِهِ به سبحانه دائمًا، والتحرُّقِ عشقًا وشوقًا في سبيل وصالِهِ.

علاوة على أن الإنسان الذي اكتوى قلبُه بنار الوصال والعشق المتوَّج بالوفاء؛ سيستوعب رغم كلِّ شيء دقَّةَ الامتثال إلى الأمرِ، ويرجع خطوةً إلى الوراء ويقول: “اللهم لن أطلبَ منك القدوم إليك، لأنك لم تأمر بقبضِ روحي وطرحِها بين يديك، بل سأبقى إلى ذلك الحين أقومُ بمسؤولياتي نحوك بالخدمة في سبيلك”، وهذا هو أفقُ الالتقاء بين العشق والوفاء.

سبيل تحويل الهزيمة إلى نصر

والشجاعة أيضًا عاملٌ مهم للتغلُّبِ على المشكلات التي تبدو عصيّة على الحلّ؛ لأنها تعبر عن بُعدٍ مختلف للعشق، ولقد كان سيدنا مصعبُ بن عمير رضي الله عنه مثالًا لشجاعةٍ تحار لها الألباب؛ حَمَلَ اللِّوَاءَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَلَمَّا جَالَ الْمُسْلِمُونَ ثَبَتَ بِهِ مُصْعَبٌ فَأَقْبَلَ ابْنُ قَمِيئَةَ -وَهُوَ فَارِسٌ- فَضَرَبَ يَدَهُ الْيُمْنَى فَقَطَعَهَا وَمُصْعَبٌ يَقُولُ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 144/3)، وأخذ اللِّوَاءَ بِيَدِهِ الْيُسْرَى، وَحَنَا عَلَيْهِ فَضَرَبَ يَدَهُ الْيُسْرَى فَقَطَعَهَا، فَحَنَا عَلَى اللِّوَاءِ وَضَمَّهُ بِعَضُدَيْهِ إِلَى صَدْرِهِ وَهُوَ يَقُولُ: “وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ“، ثُمَّ حَمَلَ عَلَيْهِ الثَّالِثَةَ بِالرُّمْحِ فَأَنْفَذَهُ وَانْدَقَّ الرُّمْحُ وَوَقَعَ مُصْعَبٌ وَسَقَطَ اللِّوَاءُ[2]، فلقد هَزمَ مصعبٌ الهزيمةَ، وحوَّلَ وجهَ الموتِ من عبوسٍ إلى ضاحك، وهكذا فلم تكن هناك أيُّ مشكلةٍ عصيّة على الحلّ أمام مثل هذا الشخص مثالِ الشجاعة النادرة.

أجل، لا جرم أن وجهَ الموتِ عبوسٌ، ولكنك إن تبسَّمْتَ له تبسَّمَ لك، زيادة على أن الله تعالى يتولَّى ردّ تلك الأمانة بنفسِهِ دون أن يعهد بها لأحدٍ من الوسطاء، ومن هذا المنطلق كان الأولياء العظام أمثال الشيخ الجيلاني وأبي الحسن الشاذلي يرجون الله ويتضرّعون إليه دائمًا بأن يتولى قبضَ أرواحهم بيديه.

ولقد كانت الشجاعة والجرأة من صميمِ الخصالِ النبويّة المحمّديّة، واذكر إن شئتَ على سبيل المثال ما تعرَّض له المسلمون من هزيمةٍ مؤقّتةٍ يوم أُحُدٍ، فالقائد صلى الله عليه وسلم كان مُصيبًا حقَّ الإصابة فيما أخذَ به من إستراتيجيّات؛ ولقد كان يرغبُ بدايةً في عدم الخروج من المدينة والبقاءِ للدفاع عنها، ثم نزل على رأيِ أصحابِه المفعمين بالحماس وأقرَّهم على الخروجِ إلى أُحُدٍ، كما أَمَرَ الرماةَ بأخْذِ مواقعهم الدقيقة على الجبل، إلى غير ذلك من الإستراتيجيات التي استخدمها في محلِّها فأضلّ الأعداءَ وأوقع بينهم، لكن لما نزل الرماةُ من فوق الجبل ومُنِيَ المسلمون بالهزيمة قال القرآن الكريم: ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 155/3)، ونستنتج من الآية أن بعضا من الصحابة المصطفين الذين كانوا حول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخطؤوا في الاجتهاد.

أجل، لم يكن بعضُ الصحابة رضي الله عنهم قد استوعبوا بعدُ دقَّةَ الامتثال للأمر يومَئذ، فمُنِيَتْ جحافلهم بهزيمةٍ مؤَقَّتةٍ، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم حوّل تلك الهزيمة المؤقتة إلى نصرٍ مؤزر، إذ إن المشركين بقيادة أبي سفيان لَمَّا انْصَرَفوا عَنْ أُحُدٍ وَبَلَغُوا الرَّوْحَاءَ، قَالُوا: لَا مُحَمَّدًا قَتَلْتُمُوهُ، وَلَا الْكَوَاعِبَ أَرْدَفْتُمْ، وَبِئْسَ مَا صَنَعْتُمْ، ارْجِعُوا فَلَنَكرَّنَّ عَلَيْهِم فنستأصلنَّ بَقِيَّتهمْ -وأرادوا أن يرجعوا للقضاءِ الكاملِ على المسلمين- فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَدَبَ النَّاسَ فَانْتَدَبُوا حَتَّى بَلَغُوا حَمْرَاءَ الْأَسْدِ وَبِئْرَ أَبِي عِنَبَةَ، فلما رأى أبو سفيان المسلمين بصحيحهم وجريحهم من ورائه عدَلَ عن فكرته وفضّلَ العودة إلى مكّة خشيةَ الاشتباك والهزيمةِ أمام كتائب المسلمين، فقال هو وأصحابه: “لِنَرْجِعْ إلى أهلينا بالنصر الذي حقَّقْناه، ونُثْلِجْ صدورَهم”، ولم يجرُؤْ على مواجهة المسلمين كرة أخرى.

وهكذا حوّل الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابَتُه الفضلاءُ الهزيمةَ إلى نصرٍ من جديد، وذلك بشجاعتِهِم وإقدامهم وملاحقتِهم العدوّ رغمَ ما كانوا يُعانونه من جروحٍ وقروح، وأنزلَ الله تعالى قولَهُ: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 172/3).

وما أشبه ما جرى في “حُنَين” بما حدث في “أُحُد”، فقد كانت هَوازن وثَقيف من أمهر القبائِلِ العربيّة رميًا بالسهامِ والنِّبَالِ، ولما دخل المسلمون وادي حنين رشقوهم بالنبال، فتصدَّعَت صفوف المسلمين، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يركض بغلته قِبل الكفار وهو يقول: “أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ“، يقول سيدنا العباس رضي الله عنه: “وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم أكفها إرادة أن لا تسرع”، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أَيْ عَبَّاسُ نَادِ أَصْحَابَ السَّمُرَةِ“، قَالَ: فَوَاللَّهِ لَكَأَنَّمَا عَطَفْتُهُمْ حِينَ سَمِعُوا صَوْتِي عَطْفَةَ الْبَقَرِ عَلَى أَوْلَادِهَا، فَقَالُوا: “يَا لَبَّيْكَاهُ يَا لَبَّيْكَاهُ!”، فَاقْتَتَلُوا هُمْ وَالْكُفَّارُ، وَالدَّعْوَةُ فِي الْأَنْصَارِ يَقُولُونَ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، ثُمَّ قُصِرَتِ الدَّعْوَةُ عَلَى بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، فَقَالُوا: يَا بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ، كَالْمُتَطَاوِلِ عَلَيْهَا إِلَى قِتَالِهِمْ فَقَالَ: “هَذَا حِينُ حَمِيَ الْوَطِيسُ”، ثُمَّ أَخَذَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَصَيَاتٍ فَرَمَى بِهِنَّ فِي وُجُوهِ الْكُفَّارِ، ثُمَّ قَالَ: “انْهَزَمُوا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ“، قَالَ: فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ فَإِذَا الْقِتَالُ عَلَى هَيْئَتِهِ فِيمَا أَرَى، قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَمَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَصَيَاتِهِ، فَمَا زِلْتُ أَرَى حَدَّهُمْ كَلِيلًا، وَأَمْرَهُمْ مُدْبِرًا”[3].

ومن ثمّ فمن الأهمية بمكان ألا يخنع المؤمنُ لليأس والقنوط عند مواجهة المشاكل والأزمات، وأن يحاول التغلّب عليها بشجاعة وجرأة، وألا يتخلى عن شدّه المعنوي الذي يجعله يقول: “لو تجلّت مشيئة الله لي فيمكنني بفضلِهِ وعنايتِهِ أن أُغيِّرَ مجرى الأرض”.

أجل، ما من مشكلةٍ يمكنها أن تقهر المؤمنَ إذا ما لاذ إلى حول الله وقوَّته وامتلأ قلبُه شجاعةً وجرأةً.

لا بدّ لِلعشق والشجاعة أن يخضعا لحماية العقل المشترك

إن المشاعر السامية كالعشق والاشتياق والشجاعة، وإن كانت مهمّة جدًّا في حل المشكلات الكبرى، إلا أنه يجب أن تُقام وتؤسّس على أرضيّة إستراتيجيّة وفقَ منطقٍ حقيقيّ وجادّ جدًّا، وتُستَعْمَلُ في مكانها المناسِبِ، وتُربط بمخطَّطٍ سليمٍ وقويٍّ، فأنتم تستطيعون بأنفاسكم المخلصة الدافئة المنبعثة من فؤادِكم أن تكونوا أصحاب جذبٍ معنويٍّ يستطيع أن يصهر ولو حتى الجبال الجليدية التي تعترضكم، غير أن هذا فحسب ليس أمرًا كافيًا في حلِّ المشكلات؛ فإلى جانبه يجب علينا أن نعرفَ الطرفَ الآخر معرفةً جيِّدَةً، وأن نضع في حسباننا القدرات والإمكانيات التي يمتلكها ونطوِّرَ خططًا وفقًا لذلك، وإلا فإن كلَّ مجهودِكم الذهني والفكريّ يُصبح سُدًى ويذهب هباءً منثورًا.

ولا سيما إن كان يحيط بكم أناس يجاهرون بالعداء والخصومة في صورة دوائر متداخلة متشابكة؛ فهذا يعني أنكم في مواجهة جبهةٍ معاديةٍ ضخمةٍ جدًّا، وإن كان لكلِّ جبهةٍ عدائيّةٍ حساباتها الشخصية الخطرة جدًّا ومخطَّطاتها الإباديّة ضدّكم، وكان بعض هؤلاء يتفق مع بعضهم، وقسمٌ من تلك المخططات يتواءم مع غيره فإنَّ هذا يستوجب أن تكونوا أكثر حذرًا، وأن تتصرَّفوا وتتحرّكوا بيقظةٍ وانتباهٍ أكبر؛ لأن دوائر العداء المتلاحمة التي تشكل فيما بينها صفًّا واحدًا قد تنزل على هامتكم كالمطرقة بشكل غير متوقع ودون أن تنتبهوا أنتم لذلك.

ومن هذه الناحية فإن العشق والحماس والشد المعنوي والشجاعة والجسارة لا بد وأن تخضع كلها لحماية وضمان المحاكمة العقلية مطلقًا، ويمكنكم أن تعتبروا هذا توازنًا يتطلّبُه البناء، ولنفرض أنكم أسَّستم بناءً على أرضٍ غير صلبة ولا ثابتة فإنَّ كلَّ شيءٍ سوف يتقوَّضُ وينهارُ في مواجهةِ أصغرِ صدعٍ أرضيٍّ قد يحدثُ، وسوف تُعانُون أنتم أيضًا تحت وطأة ما فعلتموه، وهكذا فإنه ينبغي لكم كي لا تضيع كلُّ هذه الجهود سدًى أن تَحْمُوا حماسَكم وتُؤمِّنوا نشاطَكم بالمنطِقِ والمحاكَمَةِ العقليّة، والأهمّ من ذلك بالعقل المشترك، فإن وجود أناسٍ يُناقِشُون القضايا والمشكلات مع بضعةِ أشخاص ويتشاورون حولها فيما بينهم أعلى وأرفعُ درجةً من وجود بضعة عباقرة يغيرون الجغرافية العالمية بمنطقهم ومحاكماتهم العقلية.

وإذا ما ربط الحقُّ تعالى عنايته وتوجهه إلى الناس بالاستشارة، فلا طاقة لكم على تغيير هذا، كما أن رسولنا صلى الله عليه وسلم قد قال في هذا : “مَا خَابَ مَنْ اسْتَخَارَ، وَمَا نَدِمَ مَنْ اسْتَشَارَ[4]، فضلًا عن ذلك فإن مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم ربما لم يترك أمرًا إلا واستشار فيه، لدرجة أنه حين افترَتْ كَذِبًا وإفكًا مجموعةٌ من الأفواه الجوفاءِ المغرضة على أمنا السيدة عائشة التي تُوازي بِطُهرِها ونقائِها ملائكةَ السماء؛ فإنه -وهو الذي لم يجزع ولم ير الذعر في حياته ولو حتى في المنام- استشارَ بعضًا من أصحابه حتى في هذه المسألة. أجل، لقد تباحث صلى الله عليه وسلم مع كلٍّ من: سيدنا عمر وسيدنا عثمان وسيدنا عليّ ومع آخرين غيرهم في قضيةٍ خاصّة وسرّيّة تتعلق بزوجِهِ المصون، فتفضلوا جمعُيهم بكلام جميل طيِّبٍ يؤيِّدُ ويقوِّي رأيَ وقناعةَ رسولِ الله الطاهرةِ النزيهةِ بحقِّ حرَمِهِ المصونِ أمِّنا السيّدة عائشة رمزِ العفَّةِ والعصمة رضي الله عنها.

والواقع أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤيَّد بالوحي لم يكن في حاجة إلى أن يستشير الآخرين في أيّة مسألة قطّ صغيرةً كانت أو كبيرةً، وإن فكرتم في خلاف ذلك فقد أسأتم الأدبَ تجاهه، وكشفتم أنكم لم تفطنوا إلى معنى الوحي ولم تعوه، فالله جل جلاله لم يتخلَّ عنه ولم يودّعه قطّ طيلة حياته صلى الله عليه وسلم، ولم يتركه في أيِّ وقتٍ قطّ عُرضة لأيِّ موقف يمكن وصفه بأنه خيبةٌ وفشلٌ؛ حاشا وكلَّا، بل كان إلى جواره دائمًا كما يُفهم من الآية الكريمة: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾ (سُورَةُ التَّوْبِةِ: 40/9)؛ فواصل رسول الله صلى الله عليه وسلم حياته -التي نفديها بأرواحِنا- في حمايةِ الله وضمانِه ومعيَّتِه، وبالرغم من هذا فقد كان صلى الله عليه وسلم يحُلّ حتى أصغر المسائل عبر الاستشارة، وعلّم أمَّتَه كيف يجب عليها أن تتصرَّف، وأرشدها إلى ذلك، ومن هنا نقول إن حلَّ القضايا والمشكلات التي تتعلّق بالعامة على وجه الخصوص عبر الرجوع إلى العقل المشترك والوعي الجمعي أفضلُ وأسمى بكثير وكثير مما يقوم به العباقرة.

إنكم حينما تقومون بمسؤولياتكم وواجباتكم ربما تطوِّرون الخُطَطَ البديلة من الألف إلى الياء حتى في مواجهة مشكلةٍ واحدةٍ، غير أنه ورغم كل هذه التدابير قد تواجهكم مشكلات لم تضعوها في حسبانكم تكمن وراء حساباتكم، فتحدثُ في أعماقكم انكساراتٌ جزئيّة، وهكذا فإنه ينبغي في مثل هذا الموقف أيضًا ألا نيأسَ أبدًا، ولا نسمح للوهنِ والقنوط أن يتسلَّل إلى أفئدتنا؛ إذ إنه توجد في الوقت الراهن صدوعٌ مبدئيّة مصدرُها الظلمُ والحسدُ والبغضاء الموجودةُ مع الأسف في كلِّ المناطق الجغرافية التي يعيش بها المسلمون، وهي مهيَّأةٌ للانكسار والظهورِ في أيّةِ لحظةٍ، ومن هذه الناحية فقد تواجهون في بعض المواقف مجموعةً من السلبيات غير المتوقَّعة مهما كانت حساباتكم سليمةً ومدروسة، ولذلك فإنه ينبغي ألا يسيطرَ اليأسُ أبدًا في مثل هذه المواقف، وألا يُستسلم لآراء وأقوالٍ سلبيّةٍ تشُلُّ الإرادة من قَبيل: “ليس ثمَّةَ ما يمكن فِعْلُهُ بعدَ هذا، لقد غُلبنا”، وذلك لأن: “اليأسَ يمنع كلَّ كمالٍ” كما قال الأستاذ بديع الزمان.

ويقول الشاعر محمد عاكف أيضًا:

اليأس مستنقع عميق الغور، إذا وقعتَ فيه فأنت غريقُ،

فعانِق الأملَ بقوة، وانظر ما ستؤول إليه حالك يا صديقُ.

 

إن من يحيا يحيا بعزيمته وبأمله المنشودِ،

واليائس يغلّل روحه وضميره بقيد حديديٍّ منضودِ.

 

إنه عقدة في الذهن ملعونة لا تُحَلُّ،

واليأسُ عبوسٌ كجَانٍ مخيفٍ عُتُلُّ.

 

كما يخاطب القانطَ في أول قصيدته التي تلفت الانتباه إلى هذه الحقيقة قائلًا:

أيها الحيّ الميت! لكلِّ رأسٍ يدانِ،

هلمّ فانهض… فَلَكَ الرأسُ ولك اليدانِ.

 

لماذا عزيمتُكَ عن الاستمرار في طريقِ الخلاصِ عاجزة!؟

أأنت الجبانُ أم أَمَلُكَ الموتُ نَاجَزَه؟

 

والحاصل أن الذين اختلَّت عقولُهم وتعكَّرَتْ نظراتُهم ربما يريدون عرقلةَ خدماتكم الأكثر براءةً وصفاءً، ويعرقلون عجلةَ العطاء والنماء، ولكنه حتى وإن أُعدّت كثير من المؤامرات فلا بدَّ من تجنُّبِ اليأس والقنوط تجنُّبًا تامًّا، وألا نهتزَّ أبدًا، بل نقف دائمًا ونثبت منتصبين كالأَلِفِ، ولا بدّ من البحث عن السبل المناسِبَةِ لتحويلِ “أُحُد وحُنينَ” إلى نصرٍ من جديد، ومواصلةِ السيرِ قُدمًا نحو كعبة الإيمان وقِبلتِه، مما يؤدي بدورِهِ إلى ثقة الناس في هذه المسيرة، وينبغي لنا ألا نَمَلَّ ولا نَكِلَّ في مواجهة كلِّ ما نتعرَّض له من مؤامرات، وأن نواجه المعوّقات والطرق المسدودة بالتوكُّل على الله، ونبحث عن البدائل المختلفة، فربما لا يُمنَحُ الإنسان كلَّ ما يريده ويرغبُ فيه فورًا حتى وإن كان يسيرُ في طريق الحقِّ ويطلبه بإخلاص، ولا نستطيعُ معرفةَ الحكمة من المِحَنِ الجارية، غير أنه قد يمنّ الحقُّ بعد هذه المحن بأضعافِ ما منَّ به سابقًا، ولنترقّب في صبرٍ فعَّالٍ نَشِطٍ؛ فكم مِن فَجْرٍ يُولَدُ من رَحِمِ الليالي.

 

[1] السيوطي: الدر المنثور في التفسير بالمأثور، 141/1.

[2] الواقدي: المغازي، 239/1.

[3] صحيح البخاري، الجهاد، 52؛ صحيح مسلم، الجهاد، 76.

[4] الطبراني: المعجم الأوسط، 365/6.

سلطان البلغاء صلى الله عليه وسلم

Herkul-ARB | | العربية

 

ملحوظة:

أصدقاءنا الأعزاء

بدأنا هذا الأسبوع رحلةً طويلةً في رحاب الأحاديث النبوية الشريفة بمدارسةَ “صحيح مسلم” ومقارنته بنيف وعشرين كتابا من كتب الأحاديث، مما حدا بنا إلى التركيز على بيان النبي صلى الله عليه وسلم وأن تكون الجرة المشروخة هذا الأسبوع بعنوان “سلطان البلغاء صلى الله عليه وسلم”؛ وهي عبارة عن أجزاء مقتطعة من المقالة التي كتبها فضيلة الأستاذ محمد فتح الله كولن بعنوان: “… وخاتم المُنْبِئين عن الغيب”، والتي نشرتها مجلة “يني أوميت (الأمل الجديد)” في عدديها التاسع والخمسين والستين الصادرين في (يناير- ابريل عام 2003م).

***

سلطان البلغاء صلى الله عليه وسلم

لقد أُرسل حضرة سيد الأنام (عليه ألفُ ألفِ صلاة وسلام) برسالة تتعلق بكل أحد وكل شيء، وكان يوفي وظيفته حقها ويؤديها بعمق فتمتلئ بحبه الأفئدةُ وتنجذب إليه القلوب، فهو يُشع تكاملا شاسعا في خلقته، وصدقا منقطعَ النظير في تصرفاته، وربانية تتجاوز جوانبه المادية دائما في سلوكياته، وهو -فوق هذه الجماليات الظاهرية الباهرة- صاحب أخلاق رفيعةٍ لم يطلها أحد، سماها القرآن الكريم بـ”الخُلق العظيم”، حتى إن مَن يدخل رحابه لمرة واحدة من غير أحكام مسبقة، لا بد أن يدخل تحت تأثيره ويتعلقَ به إلى الأبد، وعنده -مع هذه المحاسن والمعالي- بيانٌ يأخذ بالألباب؛ فإذا تكلم أبكمَ أمهرَ حُذّاق اللسان، فيغوصون في مراقبة السكوت، وينجرفون في تيارِ جذبات أقواله.

كان صلى الله عليه وسلم سلطانَ عالم البيان، ولقد بلغ جوهرُ القول قيمتَه الحقيقية على لسانه، لم يمسك بيده قلما ولا قرطاسا، ولم تطالع عيناه كتابا، ولم يجلس في حلقة درس، ولم يحتج قط إلى أن يقول لأحد: “أستاذ”؛ بل كان أستاذ الكل في الكل، وما من شيء يستطيع أن يمس أستاذيتَه الكليةَ، وفي هذا صيانة من الله لأوامره الإلهية أولاً، وصيانةٌ لِمَلَكات النبي الفطريةِ ثانيا وتاليا، من التأثيرات والتصورات الخارجية، حتى لا تُكَدِّر المكتسباتُ الذهنية والمعلوماتُ الأَجنبية تفسيرَ الأوامر الإلهية، ولا تتلوَّن بلون غيرِ لونها، أو تصبَّ في قالب غير قالبها، فكان أُمِّيًّا بهذا المعنى -ونفوسنا فداء لذاك الأمي-، ولكن له أقوال وأحكام وقرارات في شتى الشؤون من أمور الدنيا والعقبى -باعتباره أستاذ الكل- حيَّرت وأدهشت الكلَّ؛ بدءًا مِن المتبحرِين في العلوم وامتدادا إلى فحول العباقرة، وإلى العقول الضليعة في الفلسفة، وإلى النفوس الصافية والأرواح المستنيرة، والتاريخُ يشهد أن أحداً لم ينل من رصانة بيانه، أو يقدحْ في حكم له، أو يتجاسرْ على أن ينتقص من إجراء له.

كان خزينة للمعرفة وحوضا للعلم نقيا متلألئا، لم يعترض أحد على إِخباره عن الأحداث الغابرة، ولا إخبارِه عن شؤون الديانات والمذاهب والثقافات والتقاليد والأعراف العائدة إلى أمم بائدة في التاريخ، وما كان لأحد أن يعترض، لأنه رسول الله، ومصدرُ علمه السديد الذي يصب في ذلك الحوض وتلك الخزينةِ هو الله تعالى، فكان في البيان سلطانَ البيان وصاحب القول الفصل، وكان في المنطق صرحَ محاكمةٍ، وفي الفكر بحراً محيطاً كفؤا لضخامة مهمته ورحابة رسالته العالمية، إن عباراتِه من السلاسة والانسياب، وبيانَه من الوضوح والفصاحة، وأسلوبَه من الغزارة والتلون والبهاء، بحيث يستطيع أن يعبِّر عن حقائقَ ملء الأرض في جملة أو جملتين، ويضمِّنَ شؤونا تَسَعُ المجلدات في كلمات، وينطق بجواهر -وأيما جواهر- ليودعها عند أساطين التفسير والتأويل، وفي حديثه: “أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ[1] إشارة منه إلى هذه الرحاب الفسيحة.

وكان الناس يُمطرونه بوابلِ أسئلتهم في كل شأن من كل جهة، فيردُّ عليهم من فوره بغير أدنى تلكؤ، كلامُه سهل يفهمه السواد الأعظم، ويعبر عن مقصوده بعيداً عن التشوش أو التشويش في إيجاز صاف وسيّال، وحين يتكلم يراعي مستوى المخاطبين لكي يفيدهم، من عالم وجاهل، وذكي وغبي، وقليلِ خبرة وخبير، وشاب وكهل، ورجل وامرأة، فيَبعث الاطمئنان في قلوبهم.

وإن أقواله وخطبه كثيرة، حيث خاض في شؤون مختلفة، وحلَّل موضوعاتٍ متنوعةً، لكنه لم يجانب الحقيقة والواقع في أي من أقواله وأفكاره، فلم يستطع أحد أن يلحظ على بياناته وأقواله ما يخالف الواقع، حتى إن ألدّ خصومه الذين يترقبون زَلة منه ليوقعوا به، لم يجرؤوا على إسناد الكذب إليه، بل عجزوا عن ذلك.

والحق أن من صان لسانه وكل تصرفاته عن مخالفة الواقع صونًا أدق من الشعرة، من طفولته إلى شبابه، ثم إلى سن تَشَرُّفِه بالنبوة في الأربعين، لا يُتصور أن يقوم بادعاء النبوة زوراً، وإنَّ تصوُّرًا كهذا شيءٌ يتجاوز الإثم إلى تعصب كُفريٍّ أعمى، واستهانةٍ بالعقل والمنطق.

هذا، وإن تبليغاته وموضوعاتِ أحكامه رحيبةٌ وَسِعَت الماضيَ والحاضر والمستقبل، ومحتوياتها متنوعة تتعدى عقول البشر: فهو يتكلم في العقائد، ويضع الأحكام في العبادات، ويتحدث في الشؤون الاجتماعية والاقتصادية والعسكرية والإدارية، وينفّذ ما يقول، ويَجني ثمراتِ ما ينفذ، ويتخذ من التاريخ شاهدا على صواب الأسس التي وضعها فيودع هذه الشهادة أمانة في الضمائر المنصفة البعيدة عن الأحكام المسبقة، وبعد ذلك يوقِّع عليه بختم التصديق آلافُ المفسرين والمفكرين والخبراء المتفننين في فنون كثيرة، ومئاتُ الفلاسفة، على ما قال، وعلى الأسس الاجتماعية والاقتصادية والنُّظُم العسكرية والإدارية، والقواعدِ التربوية التي وضعها، وزد عليهم جميعاً أن ملايين الأولياء والأصفياء يؤيدونه تصديقاً في كل حكم وفي كل بيان لهم، ويهتفون بأنهم بلغوا المراتب والمقامات بهدايته، لذلك فإن من يقول له: “لا”، فهو إما مخبول لا يدري ما يقول، وإما بائس بسوء الحظ مغسول الدماغ، فما شهد الماضي والحاضر أحدا مثله استطاع أن يقول شيئاً أو يضعَ أحكاما ثابتة في مسائلَ كثيرةٍ مختلفة، ولا سيما في موضوعاتٍ تتطلب حنكة واختصاصا ومهارة، فيدومَ طرياً وندياً أبداً مع الدهر، وكما نبَّه بديع الزمان النورسي رحمه الله: “إن الإنسان قد يستطيع أن يقول شيئاً ذا بال في بضعة فنون أو علوم، لكن حضرة ذاته صلى الله عليه وسلم أدلى بدلوه في شؤون دقيقة تتعلق بالوجود والأحداث كلها، وقال أقوالا نافذةً في كل زمان ومكان، وبأسلوب بديع في المهارة والحكمة، وباطمئنان من غير تردد وتلكّؤ، لا يملك حياله مَن رآه وعرفه، ومن سمعه فأنصت إليه من غير حكم مسبق إلا أن يقول: “آمنتُ وصدّقتُ”.

هو الذي رسالته القرآن، وهو الذي أُفقُه العرفانُ، وهو الذي بيانه برهان، وهو وسيلة سعادة الدارين، هو الذي نال تلطيف الحق تعالى بألف وسامٍ معجزة، وهو الذي سيظل اسمه وذكراه الطيبة على الألسنة إلى يوم القيامة مرتبطا بتزكية القرآن.

هو مدار شرف الإنسانية، ونقطةُ مركزِ حقائقِ النبوة، هو قائد عسكر جيش الأنبياء وهادي الإنس والجن، الصادقُ الذي لا يضل معه أحد، بيانُه “أمير اللواء لعسكر الأنبياء” كما عبر عنه الشاعر “فضولي”، وكتابه أعظم هدية من الحق تعالى، ولمِا أنه محلّ التجلي “للروح الأعظم” -وهو كذلك بدون شك-، فتبليغه إكسير الحياة لأرواحنا، وبه استيقظت الإنسانية على القيم الإنسانية الحقة، وبه اصطبغت بالصبغة التي يرتضيها الله تعالى، ففي غيابه الحسرة الخالصة والهجران المحض، وفي الانفلات منه الضلالةُ الصريحة والخذلان المبين…

 

[1]صحيح البخاري، الجهاد، 122؛ صحيح مسلم، المساجد، 6.

 

عليكم بالبصيرة

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: لطالما تحدثتم عن مسألة السير على بصيرة في كتاباتكم وجلساتكم الإيمانية، فكيف لنا أن نفهم هذه المسألة؟ وكيف نطبقها في حياتنا؟

الجواب: البصيرة تعني ضبط المسائل بمعايير القلب الدقيقة فضلًا عن العلم والتجربة وإخضاعُها للتحليل والتركيب ثم الوصولُ إلى سعة إدراكٍ تسمح بتناول تلك القضايا بمقدماتها وخلفياتها وبداياتها ونهاياتها؛ فإذا كان البصر يعني دراسة الأشياء والأحداث بنظرةٍ مادّيّة، فالبصيرة هي استيعاب الأشياء والحوادث بعين القلب؛ ومن ثم فالبصيرة هي بمثابة هادٍ نورانيٍّ يرشد الإنسان للوصول إلى الحق والحقيقة وتبليغِهما للآخرين، فمن المتعذر لمن حُرم نور البصيرة أن يقيّم الأشياء والحوادث بشكلٍ صحيح، ويجري عليها تحليلاته وتركيباته بشكل سليم، ويصل إلى قرارات بحقها بشكل قويم، وهُم بعبارة القرآن الكريم: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَ يَسْمَعُونَ بِهَا(سُورَةُ الأَعْرَافِ: 7/179)، والحال أن كلّ عضوٍ من أعضاء الإنسان يجب أن يُستخدم فيما خُلق له، فالقلب خُلق ليفقه ما ينبغي فقهه، والعينُ خُلقت لتُبصِرَ والأذنُ لتسمعَ والعقلُ لِيُدْرِكَ… ولكن الذين حُرموا البصيرة رغبوا بأنفسهم عن نور الوحي ودعوة الرسول فعاشوا كالأموات رغم أنهم أحياء. أجل، لهم أعين وآذان وأفواه وعقل وأيادٍ وأرجل لكنهم لا يستطيعون أن يستخدموها فيما خُلقت له، إن القرآن الكريم والسنة المطهرة هما مفاتيح سرّيّة يمكن من خلالهما فكّ رموز الكون، ولكن لأن عديمي البصيرة لم يأخذوا بهما استعصى عليهم فتح أبواب الكون السرية، وحلّ المشاكل في الحياة الفردية والاجتماعية.

وضعُ حلول بديلة

يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف: “كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ”، وهنا يشير سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسؤولية التي تقع على عاتق الإنسان؛ فلكلِّ شخصٍ وظيفةٌ منوطٌ بها في حياته الفرديّة والأسريّة والاجتماعية، فهناك فرد تقع عليه مسؤولية أسرته أو محلته أو ناحيته أو مدينته، وآخر عليه مسؤولية بحجم دولة كبيرة، فإن كل فرد حسب درجته ومرتبته مسؤولٌ عن ريادةِ الذين هم تحت مسؤوليته وتوجيههم وإرشادهم، أما إيفاء هذه المسؤولية حقها فمرهونٌ بالسير على نور البصيرة الذي ذكرنا طرفا منه آنفا.

ولزيادة الإيضاح نقول: إذا كان أصحاب المناصب والمقامات يريدون أن يُؤدّوا حقّ مناصبهم، ويُحرزوا التوفيق في أعمالهم فعليهم أن يمرروا قراراتهم على مصفاة القلب والوجدان إلى جانب العقل والمنطق والمحاكمة العقلية، فإذا ما أتوا بهذا الأمر على الوجه الأمثل فيجب عليهم أن ينظروا بنظرة الشفقة والمرحمة لمن حولهم، ولا يحرموا الأحياء من شفقتهم، فلا يأكلوا حقَّ أحدٍ، ولا يتخلّوا عن الإنصاف والعدل.

ولو تفحصنا الحياة السنية لسيدنا وقدوتنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما وجدنا فعلًا أو تصرُّفًا يتنافى مع البصر والبصيرة، وفي القرآن الكريم يأمر الحقُّ سبحانه وتعالى نبيَّه صلى الله عليه وسلم بأن يقول: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي(سُورَةُ يُوسُفَ: 12/108)، فهذه الآية ترشدنا إلى الحقيقة التي ذكرناها آنفًا، وتدعونا إلى الاقتداء بالمرشد الأكمل صلى الله عليه وسلم، أشار ربنا سبحانه وتعالى إلى أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن سار على نهجه كانوا يتحركون على بصيرة في دعوتهم، أو يجب عليهم أن يتحركوا هكذا؛ وهذا يعني أن الدعوة تعتمد على العلم والمشاهدة والشعور، ووضعِ المشاكل المحتمل حدوثها في الحسبان، وتهيئةِ حلول بديلة لكلٍّ منها؛ فلا يُكتفى بإيجاد حل واحد فقط للمشكلة، بل لا بدّ من وجود حلولٍ متعدِّدة متنوّعة، فكلَّما كَثُرَت الحلول تكون معالجةُ المشكلة بشكلٍ أصحّ وأسلم؛ بمعنى أن السير كان وفقًا لما يقتضيه العقل السليم والروح السليمة والحسّ السليم.

أُفقُ البصيرة لدى الصحابة رضوان الله عليهم

لقد أوضَحَت الآية أن الذين يتبعون سيد الأنبياء صلى الله عليه وسلم كانوا يسيرون في دعوتهم مثل نبيهم على بصيرة، ويأتي الخلفاء الراشدون على رأس الذين أحسنوا اتِّباعَ سيِّدِنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي هذا الصدد يقول صلوات الله وسلامه عليه منوِّها بهذه المكانة الفريدة لهؤلاء الخلفاء العظام: “فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ.

لكننا ننوه هنا أن ثمة تشابهًا حقيقيًّا بين الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة رضوان الله عليهم باعتبار الحياة التي كانوا يعيشونها، فلو كان هذا التشابه منعدمًا لما استطاعت البنية الاجتماعية التي عاشوا بينها أن تتقبَّلَ هؤلاء الخلفاء؛ بمعنى أن ثمةَ توافقًا جينيًّا كبيرًا بين الخلفاء الراشدين والعشرة المبشّرين بالجنة، وبينهم وبين الرعيل الأول من الصحابة، وبينهم وبين الصحابة الكرام الآخرين، ولقد كان هذا التوافق يعتمد في الأساس على الصلة بالله تعالى، والتصديق بنبيه صلى الله عليه وسلم، والامتثال لأوامر القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.

ومن هنا يمكن القول إن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن اتبعه من سادتنا الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يمضون في حياتهم على بصيرةٍ حقًّا، فبغير ذلك ما تمكنوا من التغلّب على كثيرٍ من المشاكل التي تعرضوا لها في صدر الإسلام أو في عهد الخلفاء الراشدين.

إحدى عشرة واقعة رِدّة تغلبت عليها البصيرة

ينبغي إجراء مقارنات مع يومنا الحاضر حتى يتسنى لنا فهمُ حجمِ المشكلات التي وقعت في تلك الفترة وكيف تمَّ التغلُّب عليها؛ ونحن الذين لم نستطع حتى الآن التغلُّب على ظاهرة إرهابيّة واحدة ظهرت بسبب الغفلة والإهمال لسنوات عديدة، لقد وقع في ذلك العصر ما مجموعه إحدى عشرة حادثة ردّة؛ ثلاثة منها في عهد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وثمانية في عهد أبي بكر رضي الله عنه، ولقد تمَّ التغلبُ عليها جميعها، ويُذكر أنه عندما رحلَ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أفق روحه كان هناك مائة ألف صحابي؛ منهم الأطفال والمرضى والشيوخ وحديثو العهد بالإسلام، ها هو كتاب “الإصابة في تمييز الصحابة” لابن حجر العسقلاني وهو الكتاب الذي ورد به أكثر أسماء الصحابة؛ لقد ورد فيه ذكرُ أسماء عشرة آلاف صحابي، وقد استطاع أهل ذلك العصر حلَّ إحدى عشرة مشكلة عظيمة بحجم مشكلة الإرهاب في يومنا الحاضر، فحريٌّ بالأعين العمياء العاجزة عن رؤية هذه الحقيقة وبالآذان الصماء العاجزة عن السماع بها وغلاظ القلوب الذين لا يستطيعون تحليل المسألة والتوليف بين أجزائها؛ أن يتحسَّروا ويندموا بسبب بَلادَتهم وحماقتهم!

وعند النظر إلى الأعمال التي قام بها سيدنا أبو بكر رضي الله عنه؛ فمن المؤكد أنَّ تنفيذها يحتاج إلى خمس عشرة أو عشرين سنة في الأقل، في حين أن خِلافَتَهُ استمرَّت سنتين وبضعةَ أشهر، وقد أنجز كلّ هذه الأعمال في هذه الفترة الزمنيّة القصيرة، فأيّة فراسةٍ، وأيّة بصيرة، وأيّة كياسة تلك بالله عليكم؟ أجل، إن سادتنا الصحابة رأوا ببصيرتهم العالية الأحداثَ رؤيةً صحيحةً، وقيّموها تقييمًا صحيحًا، فقرَّروا بفضل الله القرارَ الصحيح بشأنها وربما وضعوا حلولًا بديلةً متعدِّدةً في مواجهة المشكلة الواحدة، ولذلك فقد أدَّوا وظائفهم وواجباتهم المسؤولين عنها كاملةً لا نقص فيها.

أوّاه أيتها البصيرة! أين أنتِ؟

ونظرًا لأن أتباع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقتصروا على الصحابة فحسب؛ فإنه يجب على أفراد أمة محمد الذين يأتون من بعدهم أن يدعوا إلى سبيل الله ويُنجزوا كل أعمالهم بالبصيرة؛ لأنه يستحيل التغلُّبُ على المشكلات ما لم تُدرس القضايا بالعقل السليم والقلب السليم والحسّ السليم، والواقع أن معظمَنا اليومَ محرومٌ من نور البصيرة؛ إذ لا نستطيع في معظم الأوقات التغلب على المشكلات التي نواجهها، وكثيرًا ما نعمد إلى الحل، بيد أننا نحوّل القضايا التي نتناولها إلى عقدة من المشاكل، وفي العادة نحوّلها إلى معادلة مُلغزة، فمثلًا حينما ننزلُ كالمطرقة التي لا ترحم على المشكلة في منطقة اندلَعت فيها نار الفتنة والفوضى نظنُّ أننا سنقوّم الناس وإذ بنا قد خُدِعنا، لأننا كلّما طرقنا عليهم بالمطرقة الصمّاء تصلَّبوا وتشدّدوا أكثر، واليومَ أيضًا تداخلت القضايا فيما بينها وتعقّدت وتشابكت حتى وصلت إلى نقطةٍ كاهلنا بها وتعذر التغلب عليها.

أجل، إن الرعيلَ الأوّل ممن اتبعوا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم جسدوا هذا الاتباع بمعناه الحقيقي، وبما أن هذا الهدف واضح لنا نحن الأتباع أيضًا فإننا مضطرون للتحرك ببصيرة مطلقة إن كنا نرغب في حلّ المشكلات الفردية والعائلية والاجتماعية، فإن تحلَّيْنَا بالبصيرة الدائمة والحساسية الدائمة والتيقُّظ الدائم فإننا لا محالةَ سوف نفتُّ في عَضُد المشكلات التي تعرض لنا وسنليّنها حتى وإن كانت صلبةً كالجرانيت وسنحلها ونواصل طريقنا بإذن الله وعنايته.

 

وحمادى القول إن القرآن الكريم يدعونا إلى تفعيلِ دورِ البصيرة مع كل حادثةٍ ونازلة، ولذلك فعلينا أن نَدْرُس طبائع الناس ونحلِّلَ شخصياتهم ونحدد أوضاعهم الجيوسياسية نوعًا ما، ونسعى منذ الآن إلى رؤية وإدراك الأحداث التي قد تقع بعد ثلاثين عامًا، ويجب علينا -إن لزمَ الأمر- أن نُحَلِّلَ القضايا في المراكز الاستراتيجية والمؤسّسات الفكرية، ونخضع النتائج التي توصلوا إليها في هذا الموضوع إلى القراءة المقارنة، فإن قدحنا زناد فكرنا وأَعيَينا عقلنا في هذا الموضوع فإنّ الله تعالى لن يردّ جهودنا هذه دون مقابل ولا أجر، وسوف يهدينا إلى الطريق الأصوب والأصحّ بإذنه وكرمه جلّ جلاله.

نار الفتنة والدعاء

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ما الدروس المستفادة من قول الله تعالى في سورة الممتحنة: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (سُورَةُ الْمُمْتَحَنَةِ: 5/60)؟

الجواب: التصريح باسم سيدنا إبراهيم عليه السلام في الآية الكريمة السابقة يشير إلى أن هذا الدعاءَ قد توجه به الخليلُ عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم إلى ربه؛ ففي الآية السابقة يقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ (سُورَةُ الْمُمْتَحَنَةِ: 4/60).

وليس بالإمكان فهمُ البعد والعمق الحقيقي للقرآن الكريم من خلال تأويلاتٍ سطحية بسيطة؛ ولذا سنعمل على تفصيل هذه المسألة بعض الشيء، وأن نعكس محتواها على مرآة إدراكنا، وكأن القرآن الكريم يقول: يمكنكم أن تجدوا القدوة كلها في حياة إبراهيم عليه السلام ومن معه من المؤمنين؛ في أقوالهم وأحوالهم وأفعالهم وتصرفاتهم؛ فكل منهم بمثابة قدوة مجسمة لكم.

وبعد أنْ أكّد الحقّ سبحانه وتعالى على الأفضلية العظمى لسيدنا إبراهيم عليه السلام وجّه الأنظار إلى الدعاء الذي كان يتضرَّعُ به الخليل عليه السلام بين يدي ربه سبحانه وتعالى، على اعتبار أنه من الأمور التي كان يقوم بها عليه السلام في حياته السنية، ومن الممكن الاقتداء به.

الفتنة كلمة واسعة المعنى

وفهم هذا الدعاء يعتمد على حسن فهمنا لكلمة “فتنة” الواردة فيه؛ ولذا لزامٌ علينا هنا الوقوف برهةً عند هذه الكلمة: “فتنة” أَصلها مأْخوذ مِنْ قَوْلِكَ “فتَنْتُ الْفِضَّةَ وَالذَّهَبَ” إِذا أَذبتهما بِالنَّارِ لِتُمَيِّزَ الرَّدِيءَ مِنَ الجيِّدِ، وتعني بمعناها العام: الِابْتِلَاءَ والامْتِحانَ وَالِاخْتِبَارَ[1]، ولكن الكلمة لها في التصوُّر الإسلامي مجالاتُ استخدامٍ واسعة مترتبةٌ على المعنى الحقيقي، مثل: إثارة الاضطراب والفوضى والفساد والهرج والمرج، والإيقاع بين الناس، كما أنها تُطلق على الرغبات البدنية والجسمانية، والمال والملك، والزوجة والأولاد، والصحة، والفتوة، والمقام والمنصب وغيرها من وسائل الابتلاء التي قد تؤدِّي بالإنسان إلى أن يخسر حياته الأخروية.

ويدخل في الفتن أيضًا؛ تعرّض المؤمنين لإيذاء واضطهاد وظلم الآخرين بسبب القيم التي يؤمنون بها، وإجبارهم بسبلٍ شتى على أشياء منافية للدين، ومقاضاتهم في المحاكم بسبب تديُّنهم، والزجّ بهم في غياهب السجون، ونفيهم خارجَ البلاد، وما ذكرناه هنا مستفادٌ من كلمة “فتنة” الواردة في الآية التي نحن بصددها.

والتعرّف على مفهوم كلمة “الامتحان” التي يُستعاض بها أحيانًا عن كلمة “الفتنة” يفيد كثيرًا في فهم معنى”الفتنة” و”الامتحان” من مَحَنَ الفِضَّة: إِذا صَفَّاها وخَلَّصَها بالنارِ[2]، وبالنظر إلى هذه المسألة نجد أن الذين يتحملون مسؤوليةَ غايةٍ ساميةٍ يتعرَّضون لأنواعٍ شتَّى من الفِتَنِ والمحن، أما الذين يحاربون الدين والأخلاق والفضائل فلا يريدون لهم أن يعيشوا حياةً كريمةً ترتبطُ بقيمهم الذاتية، ويجبرونهم على أن يعيشوا مثلهم مُعرِضين عن الطريق الذي يؤمنون به، ولقد تعرض الخليل إبراهيم عليه السلام ومن معه من المؤمنين إلى اضطهاد وظُلم الكفرة والفجرة ومضايقاتهم الشديدة كما حدث وألقوا بهم في النار وأخرجوهم من ديارهم، وكل هذا بسبب إخلاصهم وصدقهم وصلابة موقفهم على الحقّ، وإزاء هذا الموقف رفع إبراهيمُ عليه السلام يديه بالدعاء سائلًا ربَّه سبحانه وتعالى السلامة والخلاصَ من ظلم الظالمين قائلًا: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (سُورَةُ الْمُمْتَحَنَةِ: 5/60)؛ يعني: اللّهم لا تجعلنا شيئًا في أيديهم يُرمَى به في النار، أو يُوضَع بين المطرقة والسندان، وهذا الدعاء يُعَبِّرُ عن العجز والضعف في فِطْرَةِ الإنسان؛ لأن الامتحان جدُّ عسير، ولا طاقةَ للإنسانِ تؤهِّله لتحمُّلِ السَّحْقِ والطحنَ بين فكّي المطرقة والسندان، ولا لمكابدةِ النار!ومن ثمّ استعاذَ إبراهيم عليه السلام بفِرَاسَتِهِ العالية من مثل هذه البلايا والمصائب.

تجلي طريق الحق

وفي الواقع فإن البلايا والمصائب والفتن والمحن هي قَدَرُ كلِّ من يعمل في سبيل الحقّ سبحانه وتعالى، لأن أهلَ الضلالة والكفر يستهدفون الشخصَ على حسب جدِّيَّتِهِ وصلابَةِ موقِفِهِ أمام الله عزّ وجل، فلو كنتم بإيمانكم ودعوتكم ومنزلتكم تُشكِّلُون مصدر قلقٍ ومثارَ فزعٍ للطرف المقابل فسيأخذون بتلابيبكم ولا ينفكون عنكم.

وعندما سُئِلَ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟، قال: اَلْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ[3]، ومن هذا الحديث الشريف يتَّضح أن الأنبياء هم أكثر الناس عرضةً لأقسى البلايا والمصائب وأشدِّها وما لا يطاق منها، ثم المؤمنين الآخرين حسب درجاتهم؛ ومن ثمّ فلا طاقة لنا على تحمل نفس الابتلاءات التي تعرَّض لها الأنبياء عليهم السلام.

فهمُ الامتحانات فهمًا صحيحًا

طلب سيدنا إبراهيم عليه السلام النجاة والسلامة من الفتنة، ثم طلب المغفرةَ من الله تعالى بعدها مباشرةً قائلًا: “وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا”؛ فعلى المؤمن إن استُهدف أو ابتُليَ أو افتتن لأنه يسير فحسب في طريق الحق أن يُفكِّرَ في أن هذه الابتلاءات قد تكون ناتجةً عن ذنوبه وخطاياه، ومن ثمَّ فإنه يطلب ولا بدّ أن يطلب العفوَ والمغفرةَ من الله جلَّ جلاله.

أجل، ينبغي للإنسان أن ينظر إلى ما يَحُلُّ به من البلايا والمصائب وفقًا لفلسفة سيدنا عمررضي الله عنه وبنفسِ منظارِه؛ فكما هو معلوم أنه رضي الله عنه نسب إلى نفسه سببَ القحط والجدب الذي حدث عام الرمادة، ووضع رأسَهُ على الأرض، وقال: “اللّهم لا تجعل هلاك أمة محمد على يدي!”؛ فهذا هو سلوك المؤمن الكامل، إذ ينبغي للإنسان إذا ما ضربت صاعقةٌ مكانًا ما، أو اجتاحَ سيلٌ أرضًا ما أن يقول: “تُرى هل حَدثَ هذا بسبب ذنوبي!”. أجل، حريٌّ بالمؤمنِ أن يرُدَّ ويعزوَ إلى نفسه كلَّ بلاء ومصيبة يتعرض لها، وأن يعتبر تلك البلايا في الوقت ذاته وسيلة لتكفير الذنوب.

ومن جانب آخر فإنَّ من الشرك أن يظنّ المؤمنون أن النعم التي منَّ الله تعالى عليهم بها إنما هي من عند أنفسهم، وأن ينسبوا بعض الجماليات التي وقعت على أيديهم إلى أنفسهم؛ فهذا الأمر قد يتسبَّبُ في حلول بعض المصائب بهم؛ لأن الحقَّ تعالى لا يرضى أبدًا أن يخالط الشركَ الخدماتُ التي تُنجَز في سبيله، وإنّ إثمَ مخالطةِ الشِّرْكِ الأعمالَ التي تتمُّ باسم التوحيد لا يُدانيه أيُّ إثمِ ذنبٍ مغلَّظٍ آخر ولا أيُّ سلوكٍ قبيحٍ أو مشين.

وحين نُعبِّرُبـ”الشرك”فلا ينبغي أن يتبادر إلى أذهاننا إشراكُ مجموعة من الأوثان والطواطم -الرموز المصنوعة من الحجر والخشب- مع الله، ولا عبادة اللات ومناة والعُزَّة؛ فهذا شِرك بيّن صُراح، فإلى جانب هذا هناك شركٌ خفيٌّ قال عنه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف: “إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ” قَالُوا: وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: “الرِّيَاءُ[4].

وقد حَذّر النبي صلى الله عليه وسلم من مثل هذا الشرك في الحديث النبوي الشريف: “أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا هَذَا الشِّرْكَ؛ فَإِنَّهُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ[5]، يعني أن الرياء خفيٌّ وخبيثٌ إلى درجة أن الإنسان لا يستطيع إدراكه في معظم الوقت، ولذلك فإن عباداته وطاعاته وخدماته في سبيل الحقِّ تتبخَّر وتذهبُ هباءً منثورًا.

إن مَن يسعون ويعملون في سبيل الله جلَّ جلاله؛ إن خالط الشركُ أعمالَهم فربّما يُسلط الحق تعالى عليهم أهلَ الضلال أحيانًا لِيَشُدَّ بذلك آذانهم على سبيل اللطفِ الجبريِّ، وحين نطالع رسائل النور نرى أن فضيلة الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي قد سردَكمًّا هائلًا من الأمثلة المتعلقة بهذا الموضوع سواء في موضوع “صفعات الشفقة” أو في الملاحق، علاوة على ذلك فلا بدّ من معرفة أن البلاء الذي ينزل أو يتعرض له الإنسان يتناسب مباشرةً مع حجم الجرم والذنب المُرتكب، وكما تكون الصفعات النازلة وفقًا لحجم الخطإ والذنب صفعة نقمة وعذاب فقد تكون صفعةَ الشفقةِ واللطف.

القدر من شأنه العدل

وعلى هذا فإن مخالطةَ الرغبات الأنانية النفسانيّة للخدمات المبذولة كالإعجاب بمقالة مكتوبة مثلًا أو انتظار التقدير والمديح على بناء معلومٌ مُشيّده قد تتسبَّبُ في تكرار الصفعة، كما أنها قد تعصف بكثير من الجهد والعرق والبذل والتعب، وعلاوة على ذلك كله فإن الله قد يُعرِّض المؤمنين لِلْفِتَنِ ويؤدِّبهم بالكفَّار، ومهما ظلمَ أهل الضلال فإن القدَرَ لا محالةَ عادلٌ، وإن التعرُّضَ لمثل هذه الأزمات كفارةٌ للذنوب، غير أنه لا بد من العلم يقينًا أن هناك شروطًا معينةً كي تكون هذه الفتن والابتلاءات كفارة للذنوب.

فإن عزا المؤمنون الأزمات التي يتعرضون لها إلى أخطائهم وأدركوا ذلك فتوجهوا إلى الله تعالى بالتوبة والاستغفار قائلين: “اللهم إنّي أستغفِرُكَ وأتوب إليك توبة نصوحًا” وتضرّعوا إليه تضرعًا حقيقيًّا وخالصًا؛ فقد يجعل الفتنةَ التي أَلَـمَّتْ بهم نافعةً لهم، ووسيلةً لمغفرة ذنوبهم.

وقد ذكر الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي أنه عرفَ السبب الحقيقي في قيام أهل الضلال وأهل الدنيا بظلمه وتعذيبه؛ وهو أنه استغلَّ خدمةَ القرآنِ والإيمانِ من أجلِ ترقِّيه وسموِّهِ مادِّيًّا ومعنويًّا[6]،(والواقع أنني لا أعلم شيئًا ولو بسيطًا يدُلُّ على أنَّه استغل خدمة القرآن والإيمان وسيلةً لترقيه ماديًّا ومعنويًّا، ولكنه يُقَيِّمُ المسألة على هذا النحو من زاوية أفقِهِ الخاصّ في المحاسبة) يعني أن الإنسان ينبغي له ألا يتشوَّفَ إلى أيِّ شيءٍ دنيويًّا كان أو أخرويًّا في مقابل ما قام به من خدمات في سبيل الله. أجل، ينبغي له ألا يتشوف إلى شيء دنيوي من قبيل التصفيق والتقدير، ولا إلى شيءٍ أخرويٍّ من قَبيلِ “لأنجزنَّ هذه الأعمال، ولأقطعنَّ مسافةً في السير والسلوك الروحاني، فأدخل الجنة، ولأنالنَّالفردوس”.

وإن حدث العكس فإن المعاناة والأزمات والمشاق التي يعانيها ربما لا تكفر الذنوب، فمثلًا إن قال إنسان تعرض للفتنة “إنني أسعى وأجتهد في سبيل الله، فماذا فعلت حتى تحُلَّ بي هذه المصائب والبلايا؟!”، ولم يرَ في نفسه عيبًا ونقصًا من جانب، وشكا من حاله من جانب آخر فإن الأزمات التي يعاينها سيظلُّ يعانيها دون أن تعود عليه بنفع، علاوة على أنَّ مثل هذا الشخص يقع -حفظنا الله- في ذنب ذمِّ القدر وعدم الرضا بالقضاء.

نسأل الله تعالى أن يقدر لنا الخدمة في سبيله حتى آخر لحظة ونفَس في عمرنا، وأن ينير حياتنا بوعي وشعور التوبة والاستغفار، وأن يقسم لنا الانتقال إلى الآخرة طاهرين أنقياء.

 

[1]ابن منظور:لسان العرب، 317/13.

[2]الزبيدي:تاج العروس، 153/36.

[3]سنن الترمذي، الزهد، 57؛ سنن ابن ماجه، الفتن، 23.

[4]مسند الإمام أحمد، 39/39؛ الطبراني:المعجم الكبير، 253/4.

[5]مسند الإمام أحمد، 384/32؛ ابن أبي شيبة:المصنف، 70/6.

[6]انظر: بديع الزمان سعيد النورسي: لاحقة أميرداغ-2، ص 336.

 

السعي وراء الكمال مع خفض أجنحة التواضع

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ذكرتم فيما سبق أن على المؤمن أن يوفي إرادته حقها، وأن يسعى دائمًا إلى الكمال، ونوَّهتُم بضرورةِ المحافظةِ على التواضعِ ومحاسبةِ النفس مهما حالَفَ الإنسان الحظّ والنجاح، فكيف يمكننا أن نوفِّق بين هذين الأمرين؟

الجواب: المؤمن الحقيقيّ صاحبُ عزمٍ وإرادةٍ؛ يؤمن بالله يقينًا، ولا يفقد أمله حتى إزاء أعتى الحوادث، ولذا نجده إذا ما انقطعت به السبل لا يخضع لليأس مطلقًا، بل يظل ثابتًا، ثم يتخذ لنفسه طريقًا آخر وسط المعوقات التي تحول دون تقدمه، ويواصل السير صوب هدفه؛ لأنه يعلم أن الحق سبحانه وتعالى لم يتخلّ أبدًا عن السائرين في طريقه تعالى، فعلى سبيل المثال لما ضاقت بالنبي صلى الله عليه وسلم السبل واستحال عيشه في مكة فتح الله تعالى له طريقًا إلى الملإ الأعلى، وكلما نزل بهذا الطريق منزلًا حياه أحدُ الأنبياء العظام السابقين، بل إنه وصل إلى نقطةٍ قال عندها أمين الوحي جبريل عليه السلام: “يا مُحَمَّد أنت ضيفُ الكريمِ ومدعوُّ القديم، ولو تقدمتُ الآن بقدرِ أنملةٍ لاحترقتُ”، وتلا قوله سبحانه: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ (سُورَةُ الصَّافَّاتِ : 164/37).

ابتغاء الكمال من مقتضيات التخلّق بأخلاق الله سبحانه وتعالى

أجل، لم يضيّع الله سبحانه وتعالى أحدًا ممن يسيرون في سبيله ألبتة، بل كان في أحلك الظروف يأخذ بأيديهم ويصل بهم إلى شاطئ السلامة، فلو أنكم مثلًا وقعتم في بئرٍ ما فسيتدلى إليكم حبلٌ من أعلى على حين غرة، تتمسكون به وتصعدون، وأحيانًا قد يمسّكم غدر وحسد وغيرة بعضِ الناس، ولكن بعد مدة من السير والسلوك الروحاني تشعرون وكأن الله تعالى قد ربعكم على عرش قلوب الناس، ومن ثم فعلى المؤمنين الذين يشعرون بمعية الله وعنايته وإعانته دائمًا أن يتطلّعوا إلى القيام بالأعمال العظيمة مهما كانت الظروف قاسيةً، ويعطوا إرادتهم حقّها من أجل القيام بهذه الأعمال العظيمة بشكل يتوافق مع قيمتها، حتى تظهر في أكمل صورة وأحسنها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المؤمنين في أحاديثه الشريفة بالتخلق بأخلاق الله، وقد عبرت بعضُ الآيات القرآنية عن هذه الأخلاق بقولها: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ(سُورَةُ السَّجْدَةِ: 7/32)، ﴿الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ(سُورَةُ النَّمْلِ: 88/27)؛ بمعنى أنه خلق كل شيء في أبهى صورة وأكملها وأتمها وأحسنها مما جعل الرائين لها يقولون: “ليس هناك ما هو أعظم من هذا”، ويقول الإمام الغزالي غفر الله له فيما يتعلق بهذا الموضوع: “ليس في الإمكان أَبْدَعُ مما كان”.

أجل، ليس أمام مَنْ ينظر نظرةً شمولية إلى الكون ويجيل النظر بين السبب والنتيجة إلا أن يعترف قائلًا: لقد أحسن الله خلْقَ هذا الكون، لدرجة أنه لو وُهب لي من العمر ألفُ عام وأُمرت بإنشاء جزء ضئيل من هذا الكون ما استطعتُ إلى ذلك سبيلًا، وهكذا ترشدنا الأخلاق الإلهية إلى أنه ينبغي للمؤمن وهو يسعى في سبيل الله أن يبذل قصارى جهده حتى يخرج عمله في أبهى صورة وأكملها.

 استشعِروا مع كلِّ عملٍ تعملونه أنه سيُعرَضُ على الله ورسوله

ويحدثنا القرآن الكريم عن ضرورة أن ينشد المؤمن الكمال في الأعمال التي يقوم بها للفوز برضا الله تعالى فيقول: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ(سُورَةُ التَّوْبِةِ: 105/9).

ونلاحظ هنا أن القرآن الكريم يؤكد على أهمية العمل باستخدامه للفظة “اعملوا” بدلًا من “افعلوا”، غير أن ماهية العمل الذي تصفه بعض الآيات الأخرى بالعمل الصالح هي العمل الإيجابي الذي لا يعتريه نقصٌ ولا قصور، ويجري في إطار خطة محددة.

أما قوله تعالى “فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ” ففيه تشديدٌ على القيام بالعمل مع الأخذ في الاعتبار أن هذه الأعمال ستُعرض على الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين؛ بمعنى أن على المؤمن أن يقوم بعملٍ يرضى الله تعالى عنه، ويفتخر به مفخرة الإنسانية محمد صلى الله عليه وسلم، ويغبطه عليه المؤمنون قائلين: “ليتنا وُفِّقْنَا نحن أيضًا للقيام بمثل هذا العمل!”.

وبالمناسبة فإنني أريد أن ألفت انتباهكم إلى أمرٍ وإن كان خارجًا عن موضوعنا الأصليّ وهو: أن المؤمن الذي يرجو الكمال في أعماله لا يستهدف استثارة إعجاب الآخرين، وسوقهم إلى غبطته، وإنما يعمل ويوفي إرادته حقها ليحظى برضا مولاه جلّ وعلا، وإن كانت غبطة الآخرين والتشبّه بهم وعدم التخلف عنهم في إحراز الجماليات الأخروية أمورًا لا حرج فيها إلّا أن النظرَ للأمرِ بحسدٍ وغيرةٍ صفةٌ لا تليق بالمؤمن أبدًا.

الملائكة خيرُ قدوة لنا

يقول القرآن الكريم عن الملائكة: ﴿لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ(سُورَةُ التَّحْرِيمِ: 6/66)، يُحقِّقون الإتيان بالأوامر الإلهية تحقيقًا تامًّا، ولا يحيدون عنها قيدَ أنملة، وبذلك فهم خيرُ قدوةٍ لنا، ولذلك يجب على المؤمن أن يسير في عمله على نهج جبريل الأمين عليه السلام، حتى تكون أعماله متوازنةً وفي مسارِها الصحيح وتحظى بتقدير الله عز وجل، فإن اقتضت الضرورة فعليه أن يبذل كلَّ جهده، ويأتي بكل ما في وسعه حتى يعطي إرادته التي منحها الله له حقها، ويؤدي الوظائف المنوطة به على أكمل وجهٍ؛ لأن “مَن طَلبَ وجَدَّ وجَدَ”.

الابتلاء بالنجاح

فمن بذل هذا القدر من الجهد والسعي وفقه الله تعالى بفضله وعنايته إلى نجاحات عظيمة، وربما يلتفّ مئات الآلاف من الناس حول ما قام به ذلك الشخص من عمل عظيم، ويغرقونه في الشكر والمدح والثناء، وحينذاك يبدأ أصعب امتحان بالنسبة له؛ فهل سينسب النجاحات التي حققها إلى نفسه أم إلى صاحبها الحقيقي؟ وهل ستُثير هذه النجاحات فيه شعور الشكر، أم ستدور رأسه ويغشى بصره بها؟ ولا جرم أن الذين سيجتازون هذا الامتحان القاسي بنجاح هم أرباب القلوب الذين لزموا المحو والتواضع، وتعهدوا أنفسهم بالتربية والتهذيب والتقويم، وعرفوا حدودهم في هذا الموقف الحرج الذي قد يخسر فيه الإنسان رغم أنه أدعى للكسب، وكما أعطوا إرادتهم حقها أثناء العمل فهم هنا أيضًا يعطون ضمائرهم حقَّها، ويُحَدِّدون النقطة التي عليهم أن يتوقفوا عندها، ومن ثم فهم لا ينسبون شيئًا لأنفسهم، بل يقولون: “الصانع هو الله، والخالق هو الله، والفاعل هو الله…”، وتراهم يفرّون من نقاط الضعف كالغرور والإعجاب بالنفس فرارهم من الحية والعقرب، ولا يكتفون بهذا بل يفتِّشون عن أوجه القصور في عملهم من باب محاسبة النفس، فيحزنون لها، ويغتمُّون لعدم قدرتهم على الإتيان بعملهم على أكمل وأتمّ وجه.

وبمزيد من الإيضاح نقول: قد يُحْرِزُ الذين يتولّون بعض الوظائف في الحياة العامة نجاحات متعدّدة في المجالات المنوطة بهم، ويطبعون أعمالهم بخاتم الجمال لدرجةٍ تَبْهَرُ ساكني الملإ الأعلى؛ فبعضهم وصل إلى حدِّ الإتقان في عمله بأحاديثه، وبعضهم بكتاباته، وبعضهم بحسن إدارته وقيادته، وبعضهم بمهارته الفنّيّة، ولكن المؤمن الحقيقي يقول أو عليه أن يقول عند إحرازه أيَّ نجاحٍ أو تقدُّمٍ: “لو كان في مكاني من هو أكثر رشدًا وأوسع صدرًا لأتى بأعمال أكثر روعةً وإتقانًا”.

بل لو افترضنا مُحالًا أنه استطاع شقَّ القمر بأصبعه وتغيير مجرى الشمس، وجعل الناسَ يلتفون جميعًا حول حقيقة جليلة واحدة، وحقَّقَ نجاحًا يعادل نجاح جبريل عليه السلام في أعماله فينبغي لصوت وجدانه أن يصدحَ قائلًا: “لو كان غيري في مكاني فلربما أدى هذا الأمر بشكل أفضل وأقوم، حقيقة الأمر أن يدي القاصرة هي التي جعلت هذا العمل لا يصل إلى المكانة اللائقة به، فصار عملًا مبتورًا ضعيفًا”.

القيامة والنفس اللَّوامة

لماذا لومُ المؤمن نفسَه مهمٌّ إلى هذا الحدّ؟! لخطورة أن يخسر في نهاية عمله رغم أنه وقتٌ أدعى للكسب، يقول الله تعالى في كتابه العظيم: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ $ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ (سُورَةُ القِيامَةِ: 1/75-2).

فأقسم سبحانه وتعالى هنا بيوم القيامة ثم أقسم بالنفس اللَّوامة أيضًا، وكما هو معلوم فإن القَسَمَ لا يكون إلا على ما هو مهم وقيّم وعظيم؛ ويوم القيامة حدثٌ مهمٌّ لأن كل المجرات والأجرام والأنظمة الشمسية التي يعظّمها الناسُ في أعينهم سوف تختل وتنهدم أمام علم الله المحيط وإرادته المدهشة وإجراءاته العظيمة، فسيُذْرَى كلُّ شيءٍ في ذلك اليوم كالعصف المأكول ويتطاير، وهكذا كان القسم بيوم القيامة إعلانًا عن عظم هذا الإجراء السبحاني من الله تبارك وتعالى.

ثم يأتي القسم بالنفس اللّوامة، وهي النفس التي لا تثبُت على حال واحدة؛ إذ لا يُعجبها صنيعها، فتحاسب نفسها بنفسِها وتلومها على فعلها دائمًا، وهذه هي الدرجةُ الأولى في الارتقاء والسمو عن طريق النفس، ولا يستطيع إنسانٌ عجز أن يصعد هذه الدرجة الأولى الوصولَ إلى درجة النفس الملهمة، فالنفس المطمئنة، فالنفس الراضية والمرضية اللتين تشكلان جناحيها المختلفين، وأما النفس الصافية والنفس الزاكية فلا يصل إليهما ألبتة، إنّ النفسَ اللّوامةَ بمثابة سُلَّم أو حلزون أو مِصعَد يوصل الإنسان إلى مراتب النفس هذه، ولهذا السبب فإنه لمُهِمٌّ جدًّا أن يواجه الإنسان نفسه دائمًا، ويعزو إليها كل ما يقع من سلبيات، ويلومها دومًا.

آمَنُ الطرقِ للتطهّر من الذنوب

وإن رأي فضيلة الأستاذ بديع الزمان فيما يتعلق بطبيعة مجاهدة النفس التي تغري الإنسان بنفسه عند إحرازه أي ظفر أو نجاح لجديرٌ بالانتباه إلى حد كبير، فعلى سبيل المثال نجده في أحد المواضع يواجه نفسَه ويخاطبها قائلًا: “يا نفسي المرائية! لا تغتري قائلة: إنني خدمت الدين؛ فإنَّ الحديث الشريف صريح بـ”أَنَّ اللهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ، فعليكِ أن تَعُدّي نفسكِ ذلك الرجلَ الفاجر، لأنك غير مزكاة”، أما المبدأ الذي وضعه من أجل تزكية النفس فهو عدم تنزيهها وتبرئتها، وعليه فإنَّ الذي لا يرى نفسه دنيئةً تحتاج إلى التطهر لن يكون مزكّى لأنه لن يكون قد زكّى نفسه، ولأنه ليس مزكى فلا بدّ أن يعلم أن نفسه هي مصدر كل الأشياء السلبية غير الإيجابية.

ماذا يحدث إن علم الإنسان أن النقص والعيب من نفسه؟!

 إن مثل هذا الشخص يتوجه إلى الحق تعالى، فيطلب منه الهداية، وفي نفس الوقت يقبل الله جل جلاله تضرعات ذلك الإنسان على أنها ندم داخليّ وتوبة ضمنيّة، فيفتح له الطرق المؤدّية إلى العفو، أما من لا يأبه بهذه التضرُّعات فإنه يرتكب أخطاءً شتى دون وعي أو إدراك، ويظلّ أيضًا مغرورًا يحسب نفسه شيئًا ما، تمامًا كما يفعل معظم الناس في يومنا الحاضر، فرغم أنهم ليسوا شيئًا يُذكرُ فإنهم يحسبون أنفسهم شيئًا ذا قيمة.

ها هو سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي أذلَّ أكبر قوتين عظميتين في عصره، يتضرع إلى الله بالدعاء، ويبتهل طوال يومه منقادًا إليه تعالى في عبودية دائمة، ورغم أن الذنب لم يستطع أن يتسلل إلى حيّه الطاهر نراه يخلو بنفسه عامَ الرمادة، ينتحب باكيًا، ويتوجه إلى الله راجيًا ألّا يُهلك أمة محمد قائلًا: “اللهم لا تجعل هلاك أمة محمد على يدي!”، فلما قيل له ذات يوم “يا أمير المؤمنين! لو أنك خرجتَ للاستسقاء!” استسقى بسيدنا العباس بن عبد المطلب، ربما قال في نفسه: “مَن أكون أنا حتى أرفع يدي إلى الله تعالى وأطلب منه نزول المطر!”، وعلى ذلك أمسك بيد سيدنا العباس رضي الله عنه وصعد به هضبة، ثم رفع يده عاليًا وابتهلَ إلى الله تعالى قائلًا: “اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا”؛ نافيًا نفسَه، مستسقيًا بسيدنا العباس، طالبًا ما يطلب به، قال أنسُ بن مالك رضي الله عنه -وهو راوي الحديث- فإذا استسقى عمر بهذا الدعاءِ يُسْقَون.

هكذا ينبغي أن يكون تصرف الإنسان الكامل وموقفه؛ فيجب عليه إلى جانب قيامه بأعماله على أكمل وجه ونِشدَانِه الكمال والتمام في العمل دائمًا، واستخدامه إرادته تمامًا أن يعزو إلى نفسه كل أنواع العيب والنقصان، ويحاسبها باستمرار، ويعمل بذلك القول المنسوب إلى سيدنا عمر رضي الله عنه: حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا.

 

والحاصل أن على الإنسان أن يقوم بعمله على أكمل وجه بحيث لا يخجل عند عرضه على الذات الإلهية، وأن يجلس في الوقت ذاته مع نفسه، ويحدد عيوبه وقصوره موقنًا في نفسه بأنه: “لو كان هناك شخص آخر لاضطلع بهذه الأعمال بصورة أفضل، أما أنا فإنني لا أجيدها وأسيءُ صنعًا”، وفي المقابل فإن الله تعالى سيطهّره بعنايته من الذنوب والعيوب جميعها ويغسلها بماء الحياة.

الأفق الذي يبرق

Herkul-ARB | | العربية

عندما يصارع الضوءُ الظلامَ يصلُ إلى عمقه الحقيقي… والجمالُ يظهرُ بشكلٍ أفضل عندما يحيط به القبح… كما يظهر تفوق الأخيار بين الأشرار، على الأقل بالنسبة لبعضهم، وعندما يكون المجتمع في حاجةٍ للأمن والطمأنينة يُدرِكُ بشكلٍ أفضل حاجته الماسّة إلى هذا الأمن ولأجله يموت ويحيا، ولا يعرف طعمَ الراحة إلا من ذاقَ مشقَّةَ التعبِ والإرهاق، كما لا يعرف قيمةَ الجنة إلا من ذاقَ أهوالَ المرور على الصراط، أحلكُ وقتٍ للظلام هو في الوقت نفسه بشائرُ أنوارِ الفجر، والليلُ يحملُ جنينَ نور النهار، ويحملُ بردُ الشتاء وثلجُهُ جنينَ الربيع، وعندما تنتهي الأسباب ولا يعود لها أيُّ تأثيرٍ تتوجَّه القلوب إلى صاحب القدرة اللانهائية، وحسب قاعدة “المشقة تجلب التيسير” فإن المشقات تفتح أبواب اليسر على الدوام.

وفي هذه الأيام التي نتقلَّبُ فيها في دائرةٍ مفرغةٍ من الصِّعابِ والفوضى وعدم وضوحِ الرؤية نعرف مدى أهمية الطمأنينة والراحة، ونعرف قدرَ النورِ بعمقٍ أكثر، ونرى بشكل أوضح وأعمق جمالَ الإيمان وجمالَ العبودية لله، ونشعرُ في وجداننا بالثِّقة والاطمئنان الحقيقيّ الذي ينبع من الإيمان، نُحِسُّ بشوقٍ أكبر نحو الخير وبازدراءٍ أكثر نحو الشر، ولكي نرتقي في مدارجِ الطُّهرِ نستحمّ في شلّالات هذه الأيام المضيئة، ونحنّ إلى شهر رمضان، ونشتاق إليه مرَّةً أخرى.

من يدري كم مرَّةً رأينا وعِشنا شهر رمضان، ولكننا في هذه الأيام التي أحاطت سلبيّاتٌ مختلفة بالأمة؛ بدأْنا نعيشُ أيامَ غربةٍ ولوعةٍ وقسوةٍ تكادُ تقصم ظهرَ إرادتنا وعزمنا، ومن كثرة ما تعرَّضْنا للهجوم وللإهانة وللظلم في غمار هذا الجو القاسي الذي تحوَّلْنا فيه إلى غرباء في أوطاننا؛ أصبحنا نتوقَّعُ في كلِّ يوم اعتداءً جديدًا، وبدأنا وكأننا تعوَّدْنا على أن نكون مظلومين، وقد يعود هذا إلى الانسياق العبودي لدينا، هنا نفتح صدورَنا لربِّنا وندعوه بإخلاص وبحرقةٍ متضرِّعين إليه: “يا ربنا!.. يا مسبب الأسباب!.. بعد تجهّم الأعداء وتجاهل الأصدقاء مع ضعفنا وعجزنا فقد انتهت ونفدت الأسبابُ… لقد أحاطت بنا الحيرة ونحن نسلك الطريق إليك مثلما حدث لسائر السائرين في هذا الطريق… لا تدعْنا وحدَنا، ولا تجعلْنا من منكودي الحظِّ المتعثرين الوحيدين في الطريق يا رب!” نقول هذا ونتأوَّهُ، وبقدر الآلام التي نتعرض لها، ونتجرَّع غُصَصَها؛ ندقُّ بابَ رحمتِهِ بِيَدِ العجز والحاجة… ندقُّ بابَهُ فقط لا بابَ غيرِهِ، وننتظر منه توجُّهَهُ والتفاته إلينا؛ لأننا نوحِّدُه ونثقُّ به ونتوكَّلُ عليه، ولا أذكر في أيِّ رمضان آخر أننا توجَّهْنا وعِشْنَا بِمِثْلِ هذا العمقِ الذي أحسَسْناه في قلوبِنا، وقد لا نعيش مثلَهُ أبدًا.

أجل!.. كم مرَّةٍ أدركنا هذا الشهر المبارك، وكم انْتَعَشْنَا بِنَسَائِمِهِ المحمَّلةِ بالكرم واللطف، وكم من مرة حاولنا -كأمّة- أن نقيّم هذا الشهر المبارك بأيامه المجيدة ونستفيد منها كما يجب، نتذكر تلك الأيام التي انتشرت فيها الحرب والضرب، وغطَّى الضبابُ والدخان على كلِّ شيءٍ([1]) ونتذكَّر أيام شهر رمضان الحزينة التي كانت تبرقُ وتلتمع مرَّةً وتنطفئُ أخرى مثل صواريخ الاحتفالات… في تلك الأيام الحزينة من شهر رمضان التي كان الفقر المادي والمعنوي فيها متداخلًا ومتراكمًا، ربطنا عزمَنا بآمالنا مترنِّمين بقول الشاعرِ:

عندما يتجلَّى الحقُّ يكون كلُّ شيءٍ يسيرًا سهلًا

يخلقُ أسبابَهُ في لحظةٍ ويهبُه إحسانًا منه وفضلا…

كنَّا في ترقُّبٍ إيجابيٍّ ننتظر انفراجَ بـابٍ غير اعتيـاديٍّ بين الإفطار والسحور… كان شهر رمضان آنذاك شـهرًا فعّالًا وحيويًّا… ولكنه كان يتيمًا في الوقت نفسه.

شـهور رمضان تلك كانت متشابهة مع شـهور رمضان الأخرى من جانب، وغير متشـابهة معها من جانبٍ آخر، كانت فيها فصـول وفصولٌ من خيبةِ الأَمَـِل والتوجُّس… طلعت علينا تلك الشهور وأشرقت، ثم غابَتْ وغربَتْ بعد أن أهدَتْ لنا -مثل نجومِ السَّحَر- أغنيةَ وداعٍ حزينة.

لا شـكَّ أن كلَّ شهرٍ من شهور رمضان رفرفَ بِلَونِهِ الخاصّ فوق رؤوسنا وبصوتٍ رقيقٍ كَرَفْرَفَةِ أجنحةِ الملائكة، وأهدى لنـا نورًا من أنواره التي قد نستطيع حَدْسَها أو لا نستطيع، ثم ودَّعَنا ورحل، والقلوب اليقظة التي تستطيع سماعَ هذا الصوت في أعماق وجدانها تكون كمن تهرعُ على الدوام نحو ساعة حظِّها وسرورِها، وكأنها تتوجّه نحو شـهر رمضان المُحمَّلِ ببشرى الولادة الأبديّة، وتنصت إليه.

أحيانًا يكون الإنسان -حسب تلك الأحوال- مرتبطًا بالمعاني التي تلهِمُها تلك الأيام والليالي، فيحسُّ بهدوءٍ وراحةٍ وكأنه يعيش حياةً متناغمةً وموزونةً، وكأنه قد انفصل من جوِّ هذا العالم المملوء فسادًا وتلوُّثًا، هذا الفساد الذي يبعث القيءَ في النفوس، كأنه يمشي بكلِّ فرحٍ نحو أُفُقٍ مشرقٍ مملوءٍ بالأمل، لا يرى مِنْ حوله سوى لوحاتِ الجمالِ والفرح، ويرى الحياة التي يعيشها مملوءةً بالنظام، كأنه طيرٌ سابحٌ في الفضاء بكلِّ هدوءٍ وراحة لا يُعَكِّرُ صفوَهُ أحد، وأحيانًا يعيش انهزامًا داخليًّا وكأنه في نهاية خريف الأمل والبهجة، قد تصدَّعَتْ إرادتُهُ، وانكسرت عزيمتُهُ، وضاقَ أُفُقُ أَمَلِهِ، وخَوَتْ روحُه، وبدأ بالتفكُّكِ والانحلال داخليًّا… وبينما كان بِروحِهِ ومعنويَّاتِهِ طيرًا سابحًا في الأعالي إذا به يخلدُ إلى الأرض.

والآن هناك الكثيرُ من الضغوط وأنواعٌ من الإكراه والظلم والتحكّم والاستبداد، مما يسَّر لنا إمكانية اكتشاف ذاتنا. أجل، فكما أنَّ مَنْ يَحملُ في كلِّ عضوٍ من أعضائه جرحًا أو ألمًا يُعاني شعورًا قويًّا وحادًّا من الألم، أي يشعر بالألم في كيانِهِ كلِّهِ؛ كذلك حالنا نحن الذين نعيش منذ سنوات عهدًا من الظلم والتحكُّم والطغيان والغَدْرِ، فقد أدّى هذا إلى انتشار وعيٍ صامتٍ ولكنه عميقٌ… وعي تدريجي ولكنه مستمرٌّ وقويٌّ ومتَّصِفٌ بالعزم بأنّ الحقَّ لا يُهدَى ولا يُتفضَّلُ به، ولا يُتصدق به من قِبَلِ أحدهم، لذا نمدّ أيدينا إلى شهر رمضان في جوٍّ من الإشراق الروحي لكي يفتح لنا بابًا نحو أيام جديدةٍ تضيءُ المستقبل، ولكي نتوجَّه ونرجع إلى ذاتنا وهويَّتنا بشكل يُشْبِعُ العين والقلب، وبِصَمْتِ الأنهارِ الجارية بهدوءٍ ومهابةٍ، وبِرِقَّةِ النسائم المنعِشَةِ التي تهبّ بكلِّ رِفْقٍ، والذين يشاركوننا هذه العاطفةَ والفِكرَ يكتفون أحيانًا بالتمهُّل والانتظار مع أنهم يملكون قابليَّات كبيرةً وإمكانات واسعةً في مجالاتٍ عِدَّة مثل الطائر الذي يظل محلقًا في مكانه متوازنًا دون أن يرفّ بجناحيه، وأحيانًا لا يستعملون -لحكمة ما- العديد من البدائل المتاحة لهم، ويفضلون انتظارًا نَشِطًا فَعَّالًا وليس انتظارَ غفلةٍ، ونراهم أحيانًا وهم يتوجَّهون بحيطةٍ وجدّيةٍ تفوقُ ما كنا ننتظر منهم نحو المبادئ التي عشقوها وارتبطوا بها بقلوبهم.

يتوجهون إلى الله تعالى بالصوم وبصلاة التراويح وبالعبادة مثل توجُّه الملائكة الكرام… يتوجّهون دون توقُّفٍ بكلِّ إخلاصٍ وبذلّة شديدة وبِرقَّةٍ بالغةٍ… تفيضُ أعينهم بالدموع… وتجيشُ صدورهم بالرجفة والخشية.

هؤلاء الأبطال الذين ينشرون النور والضياء مثل الشموع المشتعِلة، ويجاهدون ويحاربون الظلام، والذين ضربوا بالأنانيّة عرضَ الحائط ونذروا أنفسَهم من أجل العيش لهداية الآخرين… هؤلاء بيدهم وسائل ووسائط نفخ في روح هذه الأمة وفكرها، وبالبراهين المستخلصة من لبِّ وعصارةِ ماضينا، لا يفترون عن محاولة إعادة تلك الأيام المجيدة دون يأس أو كلل، ونحن نثمن ونُشبِّهُ جهودَهم هذه بجهود أولي العزم… هذه الجهود المباركة تجعل من وقتهم وزمانهم هذا زمنًا سامِيًا، وليس كشريط زمنيٍّ قصير ومحدود، فمن ناحية ماهيته ولبّه وجوهره وبالألطاف الإلهية المنهمرة عليهم يصبح هذا الزمن متصلًا بأقدم القديم وبالعهد الذهبي المجيد من ماضينا من جهة، ومن جهة أخرى ممتدًّا نحو الأبدية، حتى إننا لو نظرنا إليه بنظرة الروح المرتفعة فوق الزمان والمكان، ورصدناه بمرصد الروح، لرأينا بكل بهجة ودهشة كيف أن العديد من المستحيلات تتحقَّقُ بفضل الإيمان، وتتم به.

من يدري كم من الأمور المخفيّة والسِّرِّيَّة تكشفُ عنها كلَّ يوم مثلُ هذه الرؤى، وتفتح الأبوابَ المطِلَّةَ على الحقائق أمام الذين يملكون مثل هذه الأسباب، وتهديها لنا، وتنفثُ الانشراحَ والبهجةَ في قلوبِنا المهمومة، وتُنْقِذنا من الارتباط بأنفسنا وبأحوالنا، وتنقلنا إلى الجوِّ المتفائل للإيمان وللأمل.

شهرُ رمضان أنسبُ موسمٍ للدعاء والمناجاة والتوجُّهِ إلى الله وأفضلُ منبعٍ لتداعي الأفكار والمشاعر، ففي جوِّهِ الجميل الملوَّنِ بألوان قوس ألوان الطيف تتماوجُ القلوبُ كتماوُجِ رائحةِ البخور من المباخر، وتحتفل الأرواح في سحر كلِّ يوم، وتُغَـرِّد في بساتينها وخلجانها مئات البلابل، وفي الجوِّ المضيءِ لشهر رمضان كم من نداءاتٍ آتيةٍ من وراءِ الأفق نحسُّها ونسمعها علاوةً على ما نسمعه من الأصواتِ والكلمات والأفكار والملاحظات من ماضينا المجيد في كلِّ أحوالنا وأطوارنا وعواطِفِنا وعباداتنا؛ ولا سيما إن كان شهر رمضان مثل شهر رمضان عامنا هذا الذي جاء بعد عهد طويل من الإمساك، والذي مزق السكون المخيم علينا منذ قرون!.. أما نحن الذين نؤمن بأن شهر رمضان منبع لمثل هذا النور؛ فإننا نصل إلى مثل هذا التناغم لا بنسبة ضآلتنا وقِلَّةِ قيمتنا، بل بنسبة عظمة شهر رمضان وبركته، وبنسبة وسعة رحمة ربنا، ويأخذُ كلُّ شيءٍ مكانه الطبيعيّ، حتى نَصِلَ إلى عمقٍ أفقيٍّ وتبلغ قلوبُنا سعادةَ الشعور بالقرب من الحقّ تعالى، وترتعش جوانحنا أمام تجلّيات رحمته، ونشعر بنسائم الأنس به وهي تحيط بنا من كلِّ جانب، فنقول كما قال الشاعر:

يا رب!.. عدمُ معرفتك حسرة

والقرب منك جمرة نار مستعِرة

جمرة في صدورنا تُشادِدْ

تفوق جمرات نار المواقد…

أما عشقك… آه من عشقك…

إنه الجنة الحقيقية…

   هلَّا أحييتني وبعثتَني يا رب بعشقك!..

نُكَرِّرُ مثل هذه الأبيـات ونعيد النظر في توحُّدنا وتكاملنا مع أفقنا ومبدئنا، ونتلاءمُ مع هذا الجوِّ إلى درجة أننا نفرح فرح الأطفال الأبرياء من جهة، ومن جهة أخرى تستطيع روحُنا الحسَّاسة سماعَ ألفِ آهةٍ في مركز عالمٍ ذي قطبين([2])، والعيش في ثنائيةٍ تعادلُ فيها آلامُ روحِنا أفراحَها، وقلقُها بهجَتَها… وآمالُها -المستندة دومًا إلى الحيطة والحذر- صامدةٌ وقويّةٌ، ومخاوفُها في يدِ الرجاء، ولكننا نتوجَّهُ دائمًا وأبدًا بمشاعر عميقة تستهدف التوحيد من أفقٍ إلى أفقٍ بروح مرتجف يكاد ينفجر ويتفتَّتُ من حمل مشاعره.

أحيانًا تقوم العين في الساعات والدقائـق التي نعيشها في هذه الأيام المباركة بإفشاء أسرار عالمنا الداخلي بذرفها الدموع، فتعبر عن أفكارٍ ما كنا نستطيعُ التعبيرَ عنها بكلِّ هذا الوضوح، فنفرح بهذا، ولكننا في الوقت نفسه نرجع إلى أنفسنا عندما نـرى أن العين -بدموعها- قد تقدَّمَتْ على الأذن والقلب، فيظهرُ أمامنا هاجس ألا تكون هذه الدموع خالصةً له.

أحيانًا تكون نسائم شـهر رمضان من الــرِّقَّـــــِة والأُنْسِ فوق كلِّ توقُّعٍ، فتمتلئُ قلوبُنا بأحاسيس لا نستطيع وصفَها أو تقييمها، ونحسب وكأننا قد استسلمنا إلى تيَّارٍ سِرِّيٍّ غامض أو أننا فوق جسرٍ ينقلنا إلى الجنة، ولكن عندما ينقطع هذا التيَّار، وتنتهي سياحتنا هذه التي أوصلَتْنا حتى حافَّةِ شاطئِ الميناء دون أن ندري، نحسُّ بأننا نكاد نخرج ونُحرَم من طريق الجنة هذا، فنشعر برجفة تنتشر في أوصالنا، ولكن سرعان ما تتلقفنا تداعيات أعمق، وموجات أخرى أكبر وأقوى على غير توقُّعٍ منَّا، فنجد أنفسنا وقد تجاوزنا حدودنا، ودخلنا بِلُطْفِهِ في شلّالاته، ونستمر في هـذه السياحة الأنفسيّة وكأن شيئًا لم يحدث.

في كلِّ ليلةٍ من ليالي رمضان نهبُّ من فراشنا وكأننا مُقْبِلُون على سفرٍ بعيدٍ، ونضع حظرًا على النوازع الجسدية، وبمشاعر خفيّة ومقفلة على الدنيا ومفتوحة على “الحبيب” نتوجَّه إليه وحدَهُ، ونكاد نعدو من لهفَتِنا وفرحنا وشوقنا، وبالنسائم السِّحْريَّة التي تهبّ علينا من حولنا وتحتضنُ كياننا وتلفُّهُ، نبتعد عن المشاغل اليوميّة وندخل في جوِّ الآخـرة، في مثل هذه الأحوال تنفثُ ساعات الإشراق هذه سحرَها في أرواحنا، وتُشعل في قلوبنا شرارة الخلود والأبدية، تحمل مثل هذه اللحظات من الأنس واللطف والحلاوة والصدق ما يكفل أنَّ كلَّ ثانية منها بل كل جزءٍ من الثانية كلَّما توزعت وانتشرت وتعمقت في حنايا ضلوعنا؛ كلَّما أحسَسْنا وكأننا دخلنا إلى عالم الوصال أكثر، إلى درجةٍ نتخيل فيها أن قُبَّةَ وجودنا تكاد تنشقُّ وننتقل إلى دار البقاء، وهذه وتيرة طبيعية كما قال الشاعر:

 يا قلب!.. صاحبُ النفس هو الذي طلبها…

 لم الحزن؟ هي ليست لي ولا لك فافهمها…

كم تكتنزُ من الحلاوةِ هذه الدقائقُ وهـذه اللحظات في العمر ضمن هذه المشاعر اللَّدُنِّيَّة، حتى إننا قد نشعر بالامتعاض من مرورها السريع، ونتمنَّى دوامَها ونقول: “ليت مثل هذه اللحظات الحلوة من شلَّالِ الزمن لا تسيل بمثل هذه السرعة، ويا ليتنا كنَّا نملك الإحساس بها بكلِّ ثانية أو ملّلي ثانية مثلما يحسُّ الإنسان بحلاوة شرابٍ باردٍ في كلِّ نقطةٍ من النقاط التي يمرُّ بها”.

تشرق الشمس في كل يـوم على مشاعرنا هذه، وعندما يرتفع الأذان فوق المآذن في الظهر تتداعى هذه المشاعر مرَّةً أخرى، وكلُّ غروبٍ يَهَبُ لأرواحنا أقداح الفرح والحزن، وتلفُّنا كلُّ ليلةٍ بِسَحَرِ الخلوةِ، وتفتح مغاليقَ ألسنتنا لنبثَّ لواعِجَنا، فيُسرِعُ كلٌّ منا إلى سجادة الصلاة ليُنَفِّسَ عن حسرتِهِ وعن لواعِجِهِ وعن فَرَحِهِ… يَئِنُّ أحيانًا، ويصرخُ من الفرحة أحيانًا أخرى.

وهكذا يمرُّ شـهرٌ كاملٌ في أفق فِكْرِنا بنفسِ الروح وبنفسِ المعاني التي تبحث عن طرق الارتباط به تعالى… يمرُّ الشـهر ويمضي على الرغم من توسُّلاتنا وضراعاتنا بألّا يتركنا، ولكن ما إن يضعَ عصا الترحالِ على عاتقه حتى تهلّ علينا شموسُ العيد التي تنير آفاقنا وتملؤها نورًا وضياءً.

 

 

([1]) يشير الكاتب هنا إلى أيام الفوضى والاغتيالات المتبادلة بين اليسار المتطرف واليمين في تركيا التي قاست منها تركيا كثيرًا خلال سبعينات القرن المنصرِم، ولم يعد هناك أمان للنفس، وأدت في النهاية إلى الانقلاب العسكري في (1980م). (المترجم)

([2]) كان هذا قبل انهيار الاتحاد السوفيتي. (المترجم)

 

الوَلَه بالأولاد

Herkul-ARB | | العربية

 

سؤال: ما الدروس المستفادة من قول الله تعالى في سورة الأعراف: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (سُورَة الأَعرَافِ: 190/7)؟

الجواب: يقول الله تعالى في الآية السابقة: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (سُورَةُ الأَعْرَافِ: 189/7)، وتحتمل كلمةُ “صَالِح” الواردة في الآية معنَيَين؛ الأوَّل: أن يكون بشرًا سويًّا معافًى من العيوب، والثاني: أن يكون متعمِّقًا في إيمانه، مراعيًا بالغَ الدِّقَّةِ في عبادته وطاعته، متوغِّلًا في شعور الإحسان والمشاهدة.

إنّ الرغبةَ في أن يكون المولودُ صالحًا تقيًّا من مقتضيات الإيمان بالله والآخرة، فما مِن قلبٍ مؤمنٍ يتمنَّى الولدَ إلا ويرفع يديه بالدعاء قائلًا: “اللهمّ هبْ لي ولدًا صالحًا، معافًى في بدنه وسائر أعضائه، كاملَ الإيمان والإسلام والإخلاص، اللهم سلِّم بدنه وأصلح عمله، وقوِّمْ حياته الروحية والقلبية”.

ولكن رُبَما يأتي المولودُ مُعاقًا كسيحًا على سبيل الابتلاء، ومثل هذه الحالة تستلزم الصبرَ والثباتَ وتَجَشُّمَ الصعوبات؛ لأننا لا ندري الحكمة من وراء هذا الأمر، ولعلّ ربنا سبحانه وتعالى قد أراد بذلك أن يُطهِّرَ الأبوين من الذنوب والمعاصي، ويرفع درجتهما المعنوية إذا ما صبرا على تحمُّل مشقات العناية بهذا الطفل المسكين.

الخطاب للأمَّةِ كلِّها في شخصِ النبيِّ (صلى الله عليه وسلم)

قد يُفهَم للوهلة الأولى انطلاقًا مما ذُكِرَ في الآية الكريمة السابقة أن المقصود بالخطاب هنا أبونا آدمُ وأمُّنا حوَّاءُ عليهما السلام، وإن كان اللذَين سألا الله تعالى ولدًا صالحًا إياهما فإننا إذا ما أَخَذْنا بِعَين الاعتبار صفةَ العِصْمَةِ الملازِمة للأنبياء فسيتبين لنا أن المقصود بقوله “جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ” هم بعضُ بني آدم وليس آدم وحواء، ولا جرم أن الأنبياء بمقتضى ما بلغوه من أفق عالٍ في محاسبة النفس لم يُعفوا أنفسَهم من هذا الإنذار واعتبروه خطابًا موجّهًا لهم، غير أن هذه مسألة أخرى، فالإنذار الحقيقيُّ هنا هو لِأُمَمِ الأنبياء لا للأنبياءِ أنفسهم، وكما تعلمون فإنّ مخاطبةَ الأنبياء ببعض خصائص قومهم أسلوبٌ متبّعٌ في مواطنَ عِدَّة من القرآن الكريم.

على سبيل المثال يقول ربُّنا سبحانه وتعالى في سورة الزُّمَرِ مخاطبًا نبيَّهُ صلى الله عليه وسلم: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ (سُورَةُ الزُّمَرِ: 65/39)، مع أنه من المُسَلَّمِ به أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن ليتلطَّخ بالشِّرْكِ مطلقًا، وهذا يُؤكِّدُ أن الخطاب هنا إنما هو للبشرية جمعاء في شخصِ النبي صلى الله عليه وسلم، وكأنّ ربّنا سبحانه وتعالى يقول: “لئن أشركتم ليحبطنّ عملكم”؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلَّم مصونٌ معصومٌ بحفظ الله تعالى وعنايته.

أجل، لم يتلطَّخْ مفخرةُ الإنسانية محمد صلى الله عليه وسلم في ذلك العهد الذي غاصت فيه الإنسانيّة حتى أذنيها في أوحال ذنوبِ الجاهلية وأرجاسِها ولو بِذَرّةٍ من الشرك حتى في غُرَّةِ حياته السَّنِيَّةِ، بل دعكم من الشرك، لم يُخِلّ صلوات ربي وسلامه عليه حتى بالآداب العامة، ولم يجرَح أحدًا بكلمة ولم يُؤْذِ مشاعرَ الآخرين ولو بقدر شعرة.

ومن ثَمَّ فأيًّا كانت المسألةُ التي نتناولها فلا بدّ أولًا من الإقرار بعِصْمَةِ الأنبياء وطهارتِهم وتزكِيَتِهِم، وأن نعلمَ أن ما وردَ من خِطابٍ للأنبياء بهذا المنهجِ وعلى هذه الشاكلة إنما هو خطابٌ موجَّهٌ إلى جميع الأمة بطريق الأولى، فإذا ما أخذنا في اعتبارنا هذا الأمر يكون من الأنسب أن نستوعبَ أسلوبَ الخطابِ هنا على النحو التالي: “انتبهوا واحذروا! فإذا كان هذا الإنذار قد جاء في حقّ نبيٍّ معصومٍ بحفظ الله تعالى وصيانته فالأولى لمن لم تُضمَن لهم العصمةُ والصيانَةُ أن يأخذوا حِذْرَهُم ويضعوا هذا الإنذار نصبَ أعينهم”.

وهكذا علينا أن ننظرَ بهذا المِنْظَارِ إلى نصيبِ سيِّدنا آدم من الخطاب الوارد في الآية، كيلا ننسج هالةً قذرةً وغيرَ لائقةٍ من وحيِ الخيال حول مَن اصطفاه الله وفضّله على العالمين، يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 33/3)، فلنُنزِّه أفكارَنا وخيالاتِنا حول سادتنا العظام من الأنبياء الكرام صلوات الله عليهم وسلامه، ولذا أُذَكِّرُ مرَّةً أُخرى بأن سؤال الولدِ الصالحِ وإن صَدَرَ من آدم عليه السلام إلا أن الشِّرْكَ الحاصلَ بسببِ الولدِ لا علاقةَ له ألبتّةَ به، بل الخطاب لنا نحن.

الوَلَه بالولد قد يفتح الباب للشِّرْك

إن تجاوُزَ حدودِ الاعتدالِ في حبّ الولد قد يوقع في دائرةِ الشِّرْكِ، فبعض الناس يتعاظم هذا الشعور لديهم لدرجة أنهم يقولون: “إن ولدي هو كلُّ شيءٍ في حياتي”، فمثلًا تراه إذا ما جلس في أحد المجالس وذُكر المقطع الهجائي الأول من اسم ولده ينتهزُ الفرصةَ مباشرةً للحديث عن ولده وتعدادِ مآثِرِهِ.

أجل، قد تكون نقطةُ الضعف هذه قد استحكمت لدى بعض الناس حتى إنهم يسعَون لإيجاد مدخلٍ لِسَحْبِ الكلامِ كي يتحدثوا عن أولادهم، وهذا ما يعنيه قولنا: “الوَلَهُ بِالوَلَدِ”.

يجب أن يكون حُبُّ الأولاد وسيلةً لسعادتِهِم الأبديّة

إنّ الأولادَ الذين هم بمثابةِ مرايا صغيرة تعكس “أحسن تقويم” إنما هم وديعة الله عندنا، فلا بدَّ أن نحبَّهم ونحتضنَهم لأنّهم أثرٌ من آثار خالقِهم ومُبدِعِهم، والأهمُّ من ذلك أن نستغلَّ حبَّنَا وشفقَتَنا عليهم في تزويدهم بالتربية الإسلامية، وبعبارة أخرى: لا بدّ أن يُسهِم هذا الحبُّ في أنْ ينشَؤُوا على الاستقامة ويعيشوا عليها ويُصبِحُوا مُثُلًا عُليا لها، وعلى الآباء والأمَّهات أن يهمِسُوا بهذه الأمور دائمًا في آذان أبنائهم وهم يقبّلونهم ويمسحون رؤوسَهم ويُـرَبِّـتُـون على أكتافهم؛ حتى لا يُجاهِرَ الأولادُ اللهَ بمعاصيهم أو يقعوا في فخِّ الإلحاد أو تستولي عليهم مشاعر التمرُّدِ والتهوُّرِ التي تُفضي إلى خُسرانِ الحياة الأبديّة؛ لأن على الأبوين مسؤوليَّةَ إعداد بيئةٍ صالحة لتنشئة أبنائهم وعملَ كلِّ ما يلزم حتى يرحل أبناؤهم عن الدنيا أطهارًا كما جاؤوها، ولا شك أن الوفاء بكلِّ هذا بعدٌ آخر لِـحُبِّ الأولاد ولا غضاضةَ فيه.

ولكن إن لم يعبأ الإنسانُ بكلِّ هذا، وتعلَّقَ بولده تعلُّقًا يصل إلى العبودية لمجرَّدِ أنه ولدُه، وربطَ كلَّ شيءٍ به، ورَغِبَ في التحدُّثِ عنه دائمًا فهذا يعني أنه قد طَرَقَ بابًا من أبواب الشِّرْكِ دون أن يدري، وإن كان يدّعي أنه يؤمن بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وننبِّه هنا إلى أن مَن يتلفَّظ بالشهادتين ليس بمشركٍ، ولكن لتعلُّقِه الشديد بولده صار يحملُ صفةً من صفات الشرك، وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يشير إلى هذا المعنى: “إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ” قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ؟ قَالَ: “الرِّيَاءُ[1].

وإذا أردنا أن نُعَبِّرَ عن هذا الأمر بأمثلةٍ ملموسةٍ نقول: من الرياء أن يُعَبِّرَ الإنسانُ عن نفسه بقسَماتِ وجهِهِ، وأن يبالغَ في حساسيَّتِهِ عند أداء العبادات أمام الآخرين رغم أنه لا يفعل ذلك إن اختلى بنفسه، وأن يحاول إعلامَ الآخرين بمواهبِهِ الخاصَّةِ كَحُسْنِ التأليفِ والرسمِ والخطابةِ، والأنكى من ذلك أن يغلّفَ رغبته في حبِّ الظهورِ بِغِلافِ التعبيرِ عن عجزِهِ وفَقْرِهِ في مُستَهَلِّ حديثه قائلًا: “أنا الفقيرُ أنا العاجزُ”، وهذا يُعْتَبَرُ أخطرَ أنواعِ الرياءِ، وإنَّ محاولةَ الشخص إظهارَ نفسِهِ من خلالِ ولدِهِ لا يختلفُ عما ذكرناه آنفًا؛ فمِثلُه يُدنِّسُ حبَّهُ لولَدِهِ بصفةٍ من صفاتِ الشِّرْكِ، في حين أن على المؤمن أن يُراعيَ الدقَّةَ البالغةَ في المحافظة على صفات إيمانه قدرَ محافظتِهِ على عِرْضِهِ وشَرَفِهِ، ولا بدَّ أن يُطَهِّرَ أفكارَه ومشاعرَه من أيِّ شائبةٍ للشرك الخفي سواء أكان رياءً أو عُجبًا أو سمعة أو فخرًا أو كبرًا؛ لأن كل واحدةٍ منها صفةٌ من صفات الشرك، ووجودُ صفةٍ كهذه لدى الإنسان بمثابةِ وجودِ فيروسٍ فيه، وبعض هذه الفيروسات يصيبُ الجِسمَ بنزلةِ بردٍ، وبعضُها يصيبُه بالسرطان، وبعضها يصيبه بالإيدز والعياذ بالله، ولذا على الإنسان ألا يستصغرَ أيَّ صِفَةٍ من صِفاتِ الشِّرْكِ والكفرِ، وألا يُفْسِحَ المجالَ لنموِّ مثلِ هذه الصفاتِ في قلبِهِ وروحِهِ.

ولا جرم أن مَن يُبْدِي محبَّةً مُفرِطَةً وولعًا شديدًا بولده وأسرتِهِ ليس بمشركٍ وإن كان يحمل صفةً من صفات الشرك، فإن مات على الإيمان دخل الجنة، ولا يعامله الله تعالى -وهو أعلمُ- معاملةَ المشرك، غير أننا لا بدّ وأن نُفتِّشَ عن حلٍّ لهذا الأمر ونتحرَّى الدقة البالغة فيه لأن صفةَ الشِّرْكِ هذه تُشْبِهُ الفيروسَ، والفيروسُ لا يُتْرَكُ يعيثُ فسادًا في الجسمِ، بل لا بدّ من استئصاله، ففيروس الانفلونزا مثلًا إن لم نبحثْ له عن علاجٍ ناجعٍ فرُبما يصرعُ الإنسانَ أو يقتلُه، وعلى ذلك يجب على الإنسان ألا يسمح بأن يستقرّ في بنيتِهِ أيُّ فيروسٍ يتنافى مع فِطْرَتِهِ الأصلية ومع صورةِ “أحسن تقويم” التي خلقه الله عليها، فإن حاولَتْ هذه الفيروسات أن تطرقَ بابَه أغلقه في وجهها قائلًا: “لا تُتْعِبِي نفسَكِ هباءً، فكلُّ الأبوابِ موصدةٌ”.

لماذا يجب على الإنسان أن يتحلّى بهذا القَدْرِ من الحَذَرِ والدِّقَّةِ حيالَ الشِّرْكِ؟

لأن الشرك يكون أحيانًا خفيًّا أو ضئيلًا جدًّا لا يكادُ الإنسانُ يدركُه أو يعبأُ به، ولكن يجب ألا ننسى أن صغائرَ الذنوبِ التي لا نعبأُ بها ونقلّل من شأنها تصبحُ أحيانًا أعظمَ من الكبائر بكثرةِ تكرارها، بل قد تكون أخطر منها، كما يقال: “لا صغيرةَ مع الإصرار ولا كبيرةَ مع الاستغفار”، وإلى جانب هذا فإن العبد إن اطّلع على كبائره واستحضرَ وأدرَكَ فظاعتها وأخذها بمحمل الجدّ فسرعانَ ما يعودُ إلى ربِّهِ في أسًى وانكسارٍ متوسِّلًا إليه بالتوبةِ والإنابةِ والأوبةِ، وبعد ذلك يستَنْفِرُ هذا الشعورُ بالذنبِ لديه مشاعرَ مكافحةِ المعاصي، وفي النهاية يعيشُ في حذرٍ وتحفُّظٍ دائمٍ منها.

وهكذا فإن لم يحافظ الأبوان على حدِّ الاعتدالِ في ولَعِهِما بأولادهما وإن بدا صغيرًا في البداية فسيُصْبِحُ مشكلةً فيما بعد تتفاقمُ مع مرورِ الزمن.

وحتى نفهم الموضوع بشكلٍ أفضل يمكننا أن نضربَ مثالًا بالخطإ الذي وقع فيه أسلافُ قومِ نوحٍ عليه السلام، فكما تعلمون كان “وَدّ وسُواع ويَغُوث ويَعُوق ونَسْر” –في رواية- قومًا صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباعٌ يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: “لو صَوَّرْنَاهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم”، فصَوَّرُوهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دبّ إليهم إبليس، فقال: “إنما كانوا يعبُدونهم، وبهم يُسْقَونَ المطرَ”، فَعَبَدُوهم[2]، لقد كانت هذه الفكرة بريئةً في البداية، ولكنها أصبحت مع الوقت سببًا في تأليهِ هؤلاء الرجال الصالحين، كانَ مُبتَدَؤها وجهةَ نظرٍ بسيطةً لكنّها آلت في النهاية إلى مصيبةٍ عظيمةٍ

أجل، على الإنسان ألا يُطنِبَ أو يُفْرِطَ في حُبِّهِ لأحدٍ سواء أكانوا أولاده أو غيرهم، وألا يتجاوز الحدّ المعقول؛ فطوبى لمن عرف حدَّه فوقفَ عنده.

التوازن في حُبِّ الولد

يرى البعضُ في أيامنا هذه أن الولدَ هو المرتَكَزُ الذي تقوم عليه الأُسَرُ، غير أن الأحرى أن نتساءل: هل نقطة الارتكاز في الأسرة اليوم هي الولد، أم الهوى والرغبة، أم النفس، أم الأنانية؟! كلُّ هذا تساؤلٌ دون حكمٍ قطعيّ ولكن ما نقطعُ به هو أن المرء إن اختار لنفسه نمطَ حياةٍ لا يتماشى مع الأوامر والنواهي الإلهية التي وضعها الدين فقد كثرت نقاط الارتكاز السلبية عنده، وانفتح الباب أمامه لمختلف أنواع الشرك المنافية للتوحيد.

فضلًا عن ذلك فليس من الصحيح وفقًا للأخلاق الإيمانية أن تُبنى سعادةُ الأسرة وتعاستُها على مسألة الإنجاب بل وأن تنشأ الخلافات والنزاعات من أجل ذلك؛ لأنّ مثلَ هذا السلوك -نسأل الله السلامة- يُعبِّر عن عدم الرضا بقضاء الله، والاعتراضِ على القَدَرِ، والتمرُّدِ على الله سبحانه وتعالى.

أجل، إن المشاكلَ الناشئةَ عن عدم الإنجاب -رغمَ أنه من تخصُّصات القَدَرِ- هي أمورٌ لا يرتضيها الله سبحانه وتعالى، ولنذكر دائمًا ولا ننسى أن الولدَ بوجودِهِ أو عدمِه ابتلاءٌ في حدِّ ذاتِهِ، قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (سُورَةُ الأَنْفَالِ: 28/8).

أما الضَّرَرُ في اعتبارِ الولدِ كلَّ شيءٍ، والحبِّ المُفْرِطِ له، وجعله المرتكز الذي تقوم عليه العائلة فإنّه يكمن في التغاضي عن تصرُّفاته السلبية، وعدم البحث عن حلٍّ سويٍّ لهذه المشاكل والسلبيّات، فمثل هذا التصرُّفِ قد يُفضي مع الوقت إلى نشأةِ أبناءٍ غير أسوياء، بيد أن الهدف الأساس في هذا الأمر هو إنجاب طفلٍ صالحٍ مستقيمٍ طاهرٍ على خُلُقٍ حسن، فعلى الأبوين أن يبذلا جهدهما ويقوما بكلِّ ما يلزم للوصول إلى هذا الهدف، ولكن الحقيقةَ الـمُرّة تُشير إلى أن الغالبية العظمى من الأطفال اليوم قد ضاعوا وضلُّوا الطريقَ بسبب انتشارِ الجهلِ في الأسرةِ، والوحشيّةِ في الشارع، وتبلُّد الأحاسيس في دُورِ العِبادَةِ، وافتقارِ التعليمِ إلى الجَودَةِ.

تربيةُ الأبوين هي البدايةُ لِنَشْأَةِ الولدِ الصالحِ

فإذا ما ابتغينا الولدَ الصالحَ فعلينا بدايةً أن نُحْسِنَ تربيةَ والديه؛ إذ يجبُ أن يتعلّمَ الوالدانِ في البداية كيف يكونان قدوةً لأولادِهما، وكيف يعاملانهم، بل ومن الممكن أن يلتحقَ المُقبِلون على الزواجِ بدوراتٍ تأهيليّةٍ قبلَ الزواجِ، فإن حصلوا على شهادةٍ منها تزوَّجوا وإلا فلا، وخلال هذه الدورة يتعلم هؤلاء الشباب المقصد الأساس من الزواج، وكيف يمكن تأسيس علاقة صحّيّةٍ بين الزوجين، وكيف يعاملان بعضهما البعض، كلُّ هذه الموضوعات وأمثالُها لا بدّ من تأسيسها على أرضيّةٍ صلبةٍ؛ لأن المقبل على الزواج -ذكرًا كان أو أنثى- إن تزوَّدَ بالعَتادِ السليم في هذا الشأن فستصبح هذه المؤسَّسةُ المُقَدَّسَةُ التي يُشَكِّلُها مع شريكِ حياته روضةً من رياض الجنة، ولا شك أن الأولاد الذين يتربَّون في كَنَفِ مثل هذه العائلة سيغدون صالحين أسوياء، ولكن إن لم تكن لدى الأبوين كفاءة لتحمُّلِ مسؤوليّة الأبوّة والأمومة فسيظلُّ الأطفال مذبذبين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، وللأسف نشأت معظم الأجيال الحاليّة على هذا النحو، وإن نشأ البعض في بيئةٍ طاهرةٍ وبلغوا ذاتيّتهم فالغالبية العظمى لم تتمكّن من فِعل ذلك.

ولطالما تلقّى الذين تورَّطوا في حبٍّ غير مشروعٍ على خلاف مقصدهم لطماتٍ ممّن أحبُّوهم أيًّا كانوا هم، من أجل ذلك إن لم يعتبر الوالدان ولدهما وديعةً من الله عندهما، بل ونظرا إليه على أنه بضعةٌ منهما فحسب، وأحبَّاه حبًّا أنانيًّا وولِعا به ولعًا مُفرطًا؛ فسيغدو هذا الولدُ ابتلاءً لهما في المستقبل؛ لأنه كما يتسبَّبُ الإفراطُ في شيءٍ تفريطٌ في آخر، فكذلك التفريطُ بالتالي يؤدِّي إلى إفراطٍ آخر، وكما أن هذا الأمر يتخلَّلُ العلاقةَ بين الأبوين والولد فهو يسرِي أيضًا على العلاقةِ بين كلِّ مُحِبٍّ ومحبوبٍ.

حاصل القول: لو أن الإنسان وضع غيره -أيًّا كان هو- في مقامٍ أعلى من قدره، وأفرطَ في حُبِّهِ له فسيتلقَّى لطمة منه على عكس ما كان يهدُف أو ينتَظِر، ثم يأتي اليوم الذي يسمع فيه كلٌّ منهما ما لا يحبُّ من الطرف الآخر.

 

[1] مسند الإمام أحمد، 43/39؛ الطبراني: المعجم الكبير، 253/4.

[2] تفسير الطبري، 639/23.

 

الرضا في الدنيا والرضوان في الآخرة

Herkul-ARB | | العربية

 

سؤال: هل ثمَّةَ فرقٌ بين الرضا والرضوان؟ وما أهمُّ الوسائل للوصول إلى رضوان الله تعالى؟

الجواب: إن الرضا يكون من الله ومن العبد، وهو والرضوان بمعنى واحد، إلا أن الرضوان يعبَّر به عن الرضا الكثير، وأعظمُ الرِّضَا رضا الله تعالى، لذا خُصّ الرّضوانُ في القرآن بما كان من الله تعالى”[1].

رضا العبدِ هو أن يرضى العبدُ عن الله سبحانه وتعالى، وعن دين الإسلام المبين الذي وضعه ربُّه، وعن رسول الله الذي بلّغنا هذا الدينَ الحنيفَ، وأن يُذعِنَ قلبيًّا لكل ما قدّره الله، وأن يستقبلَ ما حلّ به من بلايا ومصائب بسكينةٍ واطمئنان، يشير سيدُنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مثل هذا الأفق من الرضا بقوله: “ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا”[2].

ومن خلال هذا البيان المبارك يكشف النبي صلى الله عليه وسلم من جهةٍ عن طبيعة العلاقة بين العبد وربِّهِ، ويحدِّدُ لنا من جهةٍ أخرى الهدفَ الذي يجب علينا أن نصبو إليه؛ وفي قول مولانا تبارك وتعالى في مواضع عدَّةٍ من القرآن الكريم: ﴿رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 119/5) إشارة إلى أن بلوغ أفق الرضا هو أسمى غاية ينبغي للمؤمنين الوصول إليها.

فمَن حرص على الرضا، وجعله دائمًا جُلَّ همِّهِ، وغايةَ آمالِهِ، وسعى سعيًا حثيثًا في سبيله؛ ففي هذا دلالة على رضا الله تعالى عنه؛ لأن الله جلَّ جلالُه إن لم يرضَ عن عبدٍ من عباده حرَمَهُ الشعورَ بالرضا، وعلى ذلك يمكن أن يُقال إنّ مَن لم يَرضَ عن الله تعالى وقضائه وقدره ولم يقابِل كلَّ مصيبةٍ تنزل به بتسليمٍ وطيبِ نفسٍ فهذا يُعدّ علامةً واضحةً على عدم رضا الله تعالى عنه.

الرضوان: بشرى السعادة الأبدية

أما الرضوان في الآخرة فهو الجزاء الذي يتحصّل عليه العبد مقابل سعيِهِ وجُهدِهِ في الدنيا لِنَيلِ مرضاة ربِّهِ، ولا يعزُبُ عن عِلْمِكُم أنّ كلّ عبادةٍ يؤدِّيها الإنسانُ في الدنيا تتمثَّل له نعمةً من نِعَمِ الجنة في الآخرة؛ أو كما يقول الأستاذ بديع الزمان رحمه الله تعالى رحمة واسعة: “إن كلمةَ “الحمد لله” التي يقولُها المؤمنُ في الدنيا تصيرُ ثمرةً مجسَّمةً في الآخرة”[3].

أجل، إن الصائم الذي يصبر على الجوع والعطش في الدنيا سيحظى بالدخول من باب “الرَّيَّان” في الآخرة[4]؛ بمعنى أنه سيصل إلى منبعٍ إذا شرب منه فلن يظمأ بعده أبدًا؛ باختصار إن إيمان الإنسان وسلوكيّاته في الدنيا تتدثر بمعانٍ مختلفة في الآخرة، إذ تتمثل أمامه أحيانًا نعمةً محسوسةً تُرى بالعين وتُمسَك باليد، وأحيانًا أخرى انشراحًا في الصدر، أو موجاتٍ تحمل نسائمَ الرضا.

ومن ثمّ فالرضوانُ هو الفضلُ والإحسان الذي لا حدودَ ولا شواطِئَ له، يأتي على صورة جسمٍ محسوسٍ ملموسٍ يمنّ الله به على عباده المؤمنين في الآخرة، وبعبارة أخرى فالرضوان هو نعمةٌ تفوقُ كلَّ التصوُّرات، يتفضَّل الله بها على عباده المؤمنين في دار السعادة الأبدية؛ إذ يسقي اللهُ أرواحهم منها؛ فيشعرون بنفحةٍ من الذوق الروحاني واللذة المعنوية التي تُنسيهم حتى نعيم الجنة.

أيّهما أعظم فضلًا: الرضوان أم رؤية جمال الله تعالى؟

وفي هذا الصدد قد ترِد على الأذهان مسألة: أيّهما أعظم فضلًا الرضوانُ أم رؤيةُ الله تعالى؟ فمن خِلالِ ما ذكره علماءُ أصول الدين ذوو دراية كبيرة بالكتاب والسنّة الصحيحة يمكننا أن نستنبط أن رؤية جمال الله هي من أعظم نعم الجنة، وقد عبر الشيخ سراج الدين الأُوشي رحمه الله عن هذه الحقيقة في “بَدْء الأَمالي” وبيّنَ اعتقاد أهل السنة في هذا الأمر فقال:

يَرَاهُ الْمُؤْمِنُونَ بِغَيْرِ كَيْفٍ             وَإِدْرَاكٍ وَضَرْبٍ مِنْ مِثَالِ

فَيَنْسَوْنَ النَّعِيمَ إِذَا رَأَوْهُ              فَيَا خُسْرَانَ أَهْلِ الِاعْتِزَالِ[5]

ويقول الأستاذ النورسي رحمه الله: “إن قضاء ألفِ سنةٍ من حياة الدنيا وفي سعادةٍ مرفَّهة، لا يساوي ساعةً واحدةً من حياةِ الجنة! وإن قضاءَ حياةِ ألفِ سنةٍ وسنةٍ بسرور ٍكاملٍ في نعيم الجنة لا يساوي ساعةً من فرحةِ رؤيةِ جمالِ الجميل سبحانه”[6].

نعم، إن رؤية جمال الله فضلٌ إلهيٌّ عظيم يَــبُــزُّ نعيمَ الجنة، ومع هذا فإنّ النبيَّ r يقول:

“إِنَّ اللهَ يَقُولُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ!

فَيَقُولُونَ: لَبَّيكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيرُ فِي يَدَيكَ!

فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُم؟

فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لَا نَرضَى يَا رَبِّ وَقَدْ أَعْطَيتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِن خَلْقِكَ.

فَيَقُولُ: أَلَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟

فَيَقُولُونَ: يَا رَبِّ وَأَيُّ شَيءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟

فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا”[7].

فخطابُ الله تعالى للمؤمنين في الجنة يدلُّ على أنّ الرضوانَ هو أعظمُ إحسانٍ يبعثُ الحبورَ والانشراحَ في نفس الإنسان لدرجةٍ تُنسيه رؤية جمال الله، ويُشْعِرُه بنسمات من الأذواق الروحانية التي يتعذَّر تخيُّلُها وتصوُّرها.

وقد ذكر ربُّنا سبحانه وتعالى صراحةً في سورة التوبة أن الرضوان هو أعظمُ نعيم الجنان فقال: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ﴾ (سُورَةُ التَّوْبِةِ: 72/9).

من طلبَ الرضا نالَ الرضوانَ

حاصل القول: إن رضا العبد عن ربه ورضوانَ الله عن عبده وإنْ كان كلٌّ منهما يعبّر عن حقيقة مختلفة نظرًا لتعلُّقِهما بالدنيا والآخرة إلا أن بينهما علاقةً وطيدةً تُشْبِهُ علاقةَ السببِ بالمسبّبِ والعِلَّةِ بالمعلولِ، فإذا ما أعطيتم إرادتَكم الجزئيّةَ حقَّها في الدنيا، وعبَّرتم عن رغبتِكم في رضوان ربِّكم، وبذلتم جهدَكم في هذا السبيل شرَّفكم الله برضوانه نتيجةَ ما قمتم به من سعيٍ وجهد محمودٍ.

غير أن هناك أمرًا علينا أن نفهمَه على الوجهِ الصحيح ولا نغفل عنه وهو: أن العلاقةَ السببيّة والعِلِّيّة بين هذين الأمرين لا تتوافق أو تنطبِقُ مع قانون السبب والنتيجة في العالم المادّيّ؛ لأنكم إن قطّرتم قطرةً واحِدةً من الرضا في الدنيا تبخّرت هذه القطرة وتَصَّعَّدُ في السماء وعَظُمَت حتى تصير بحرًا خِضَمًّا في الآخرة، بيدَ أن القطرة من حيث قانون السبب والنتيجة لا تفضي إلى بحرٍ ألبتة، ولكن الحقّ تبارك وتعالى بِلُطْفِهِ الذي لا حدَّ له وبرحمته الواسعة المُغدَقَة قد حوَّل رضاكم عنه الذي يُمثِّل قطرةً في الدنيا إلى محيطٍ متلاطِمِ الأمواجِ في الآخرة.

جَناحان يوصّلان إلى الرضوان: إعلاء كلمة الله والإخلاص

إن من أقصرِ الطُّرُقِ وأعظمِ السبلِ التي توصّل الإنسانَ إلى إحراز رضا الله ورضوانِه هو إعلاء كلمة الله تعالى. أجل، إن تبليغَ وإعلاءَ كلمةِ الله في كلِّ الأصقاع المظلمة من الأرض والعَدْوَ كالفرس العربي الأصيل دونَ تعبٍ ولا نصبٍ في سبيل أن تُرَفْرِفَ الروحُ المحمّديّةُ في كلِّ أرجاء العالم لَمِنْ أعظمِ الوسائل التي توصّل الإنسان على جناحِ السرعةِ إلى رضا الله، وعلى ذلك يمكن القول إننا وإن كنا نعتبر إعلاءَ كلمة الله وسيلةً للوصول إلى الرضوان فهي وسيلةٌ بمستوى الغاية.

فعلى الإنسان أن يهتمّ في جميع حركاته وسكناته بإحياء الآخرين، وأن يبذل وسعه لتتعلَّم الإنسانيةُ قواعدَ سلوكيّةٍ جديدةٍ، وأن يقتنِصَ الفُرَصَ في سبيلِ توجيه الإنسانية إلى الله تعالى، وأن يعشقَ هذه الوظيفةَ ويتعلَّقَ بها؛ حتى إذا لم يقدر على أدائِها نَدَبَ حظَّهُ واعتبر حياتَه التي يعيشها هباءً وعبثًا.

ولا جرم أن على الإنسان أن يكون مخلِصًا عند أدائه لوظيفة إعلاء كلمة الله حتى لا يخسر في موقعٍ هو أدعى للكسب، فالمُخلِص هو مَن يُجسِّدُ الإخلاصَ في شخصِه، لكن يجب عليه أن يركِّز تركيزًا تامًّا على مسألة الإخلاص هذه لدرجة أن يَتقالَّها ويسعى سعيًا حثيثًا ليكون من المخلَصِين، والمُخلَص هو الذي يَصِلُ بفضل ربه إلى درجة الخلوص والصفاء ويصفو ويصبح برّاقًا لامعًا حتى لكأنه هو الإخلاصُ عينُه، وهذه ميزةٌ خاصّةٌ بمن قال الله تعالى عنهم: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ﴾ (سُورَةُ ص: 47/38) وعلى رأسهم الرسول الأكرم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ولكن ينبغي للمؤمنين أن يُسدِّدوا نظرَهم إلى هذا الأفق العظيم حتى يصلوا إلى هذا الهدف السامي على مستوى “الظِّلّية” -إذ إن مستوى “الأصليّة” منه خاصٌّ بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام- وأن يتمثّلوا المرادَ الإلهيَّ دائمًا، ويُؤَدُّوا كلَّ عبادتهم كما أمرهم ربُّهم، وألا يربطوا عبوديَّتهم بأيِّ غايةٍ دنيويّةٍ، بل وينسلخوا من كلِّ غرضٍ أخرويٍّ سوى رضوان الله، وبعد ذلك يفوِّضوا نتيجةَ الأمر إلى الله تعالى.

وبذلك تبدأ طبيعة الإنسان الذي وصل إلى هذا الشعور في إعطاءِ ردِّ فعلٍ تلقائيٍّ حيالَ أيِّ شيءٍ خالٍ من الإخلاص، فمثلًا نجد هذا الإنسان لا يتشوّف ألبتة إلى أيِّ غرضٍ دنيويٍّ كتقدير الآخرين واستحسانهم حتى وإنْ أحرز نجاحًا يبهر العيون، أو قال كلامًا يُحرّك المشاعرَ في القلوب، أو كتب مقالًا يمتدحه عليه فُحُولُ الأدَبِ والشِّعرِ؛ فإن ورد بخياله العفويّ -ناهيك عن تصوُّرِه واستحضارِه- شيءٌ آخر سوى الله تعالى، انزوى على الفور، واستغفرَ ربَّه من الشِّرْكِ الخفيِّ، بل وعاتبَ نفسَهُ، ورمى بها في أحواض التوبة والإنابة والأوبة حتى يُخْرِجَها طاهرةً مطهرةً.

وهذا المستوى من الإخلاص هو من أهم الوسائل للفوز برضوان الله تعالى في الآخرة، فبِقَدْرِ تعمُّقِ الإنسان في إخلاصه في الدنيا بِقَدْرِ وصولِهِ سريعًا إلى رضوان ربِّه في الآخرة، وربما يعصمُه الله من هولِ القبر وفزعِهِ، فلا يذوق عذابَه ولا يتجرَّع معاناتِهِ؛ فاعتبارًا من اللحظة التي يوضع فيها هذا الإنسان في قبره يرتقي عموديًّا منتشيًا في هذا الأفق بما متّعه الله من لطائفَ ربّانيّة.

ومن ثم على كلِّ مؤمن أن ينشد وظيفةَ إعلاء كلمة الله وأن يراعي الدقة البالغة عند أدائه لهذه الوظيفة من أجل الفوز بالإخلاص والمحافظة عليه.

 

[1] انظر: الراغب الإصفهاني: المفردات في غريب القرآن، مادة “ر ض ي”.

[2] صحيح مسلم، الإيمان، 56.

[3] بديع الزمان سعيد النورسي: الكلمات، الكلمة الحادية والثلاثون، الأساس الثالث، ص 678.

[4] انظر: صحيح البخاري، الصوم، 4؛ صحيح مسلم، الزكاة، 85.

[5] الأوشي: بدء الأمالي، البيتان 20-21.

[6] بديع الزمان سعيد النورسي: المكتوبات، المكتوب العشرون، المقام الأول، ص 278.

[7] صحيح البخاري، الرقاق، 51، التوحيد، 38؛ صحيح مسلم، الجنّة وصفة نعيمها وأهلها، 9.

 

الموقف الإيماني من شبكات النفاق الحاقدة

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ما الموقف الذي يجب أن تتّخذه القلوبُ المؤمنة إزاء الأحداث المنكَرَة والسلبيّة التي تقعُ حولها؟

الجواب: بادِئَ ذي بدءٍ علينا أن نعرف أن هذه ليست المرّة الأولى أو الأخيرة التي تقع فيها أحداثٌ سلبيّةٌ منكَرة، فكثيرًا ما يُجلّي القرآنُ الكريم أمامنا هذه الحقيقةَ في شكل لوحاتٍ حيّةٍ؛ فنراه تارةً يقصُّ علينا بمختلف الأساليب والأشكال قصصَ الأنبياء السابقين، وتارةً أخرى يُحدِّثنا عن وقائع مختلفة تكفي الواحدةُ منها لإثارة العجب والدهشة في النفوس، فكانت هذه الوقائع تبعث السلوى في قلب النبي صلى الله عليه وسلم، وتلفت الأنظار إلى التكرُّرِ التاريخيّ الدائم، وإننا إذا ما تفحّصنا كلّ هذه الوقائع التاريخية لتبدّتْ أمامنا لوحةٌ لطيفةٌ مفادها أنه ما من قوم انحلّوا وانفرطَ عِقْدُهُم إلا بعث الله فيهم أنبياء لهدايتهم وإصلاحهم، وقد اضطلع المجدّدون بعد خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم بمهمّة بَعثِ الروح التجديديّة وإصلاحِ الخراب الذي عمّ المجتمع.

لم تخطر ببالِ الظالمِ النهايةُ، ولكن…

لم تتفشّ المنكرات في مجتمعٍ في أيِّ حقبةٍ تاريخيّةٍ كما تفشّتْ في مجتمع الجاهلية، وفي هذا يقول شاعر الإسلام “محمد عاكف”:

“لقد تجاوز البشرُ الضباعَ وحشيّةً وافتراسًا

فالضعيف الحليم يأكلُهُ إخوانُهُ غيلةً واختلاسًا

وكانت الفوضى تعمّ أرجاءَ الأرض جمعاء

والفُرقة التي تقوّض أركان الشرق الآن هي في ذلك العهد داءٌ ووباء.”

وبعد أن رسم الشاعر هذه الصورة المفجعةَ عن ذلك العهد يقول:

“ثم زال ظُلْمُ العتاةِ الجبابرة وحلّ محلّه الطُّهْرُ

وانتشى العجز الذي كان يظنّ أن كلّ حقه الانسحاق والقَهْرُ

أما الظلم فقد تبدّد وانقشعَ

 وهو الذي لم يكن يدور بخَلَدِه أن يزول أو يَقَع.”

وهنا يشير الشاعر إلى “سنة الله” التي تجري في الحياة الاجتماعية. أجل، قد لا تخطر الحياةُ والانبعاث ببال العجز اليوم أو غدًا، وقد لا يخطر الزوال والانتهاء ببال الظلم، ولكنّ هذا ما وقع بفضلٍ من الله وعنايته مرّات ومرات على مرّ التاريخ، وما حدَثَ دليلٌ على ما سيحدث، وإن من أعظم الفوائد التي يمكن استخلاصها جرّاءَ استقراءِ التاريخِ وبَقْرِ بطونِ كُتُبِهِ وإقامةِ جسورِ التواصلِ معه هو استيعاب هذه الحقيقة؛ فإن تتابُعَ وتيرةِ الهدم والإصلاح بصفةٍ دائمةٍ حتى اليوم، واستمراريّة تكوُّرِ الليلِ والنهار دون انقطاع يُعدّ أعظمَ دليلٍ وأسطعَ برهانٍ على أن الإصلاحَ يعقب التخريبَ حقًّا، والنهارَ يولَدُ من رحِمِ الليل صِدقًا.

تعرضْتُ للتضييق والإيذاء طوال حياتي، ولكنني ما يَئِسْتُ قطّ!

ولزيادة الإيضاح نقول: كثيرًا ما ينحرف البشر عن الطريق، فتتفرّق كلمتهم، ويتناثرون يمينًا ويسارًا مثل حبّات السّبحة التي انحلّ وانفرطَ عِقْدُها، وتتبَعُ التغيُّراتِ السلبيةَ تغيُّراتٌ أخرى، ويُصاب المجتمع بمسخٍ وتشوُّه شكليٍّ كبير، ولكن يجب ألا ننسى أن الله تعالى قادرٌ على أن يوقِدَ جديدَ نورٍ ومعرفةٍ في القلوب يكونان سببًا في صحوة الناس وجمعِ شتاتهم.

إنني شخصيًّا لا أدّعي أنني قوي الإيمان، ومع هذا فإنني رغم ما تعرَّضْتُ له من تضييق واضطهاد منذ أن كنتُ في العشرين من عمري لم أيأس قط؛ كل هذا لم يؤثر فيَّ ولم يَفُتَّ في عضدي، ولم يخطر ببالي -ولو لحظة واحدة- أن أتراجعَ عن الطريق الذي أسيرُ فيه أو أحيدَ عنه، ولم أعبأْ ألبتّة بالإهانة أو التهديد، وكنتُ كلّما أجدُ حفنةً من الناس أجلس معهم في المسجد، ونتدارس فيما بيننا، وقد استمرت هذه الاضطهادات، ومع ذلك لم أقع في اليأس أبدًا؛ إذ كانت تراودني هذه الفكرة طوال حياتي:

“ولسوف تشرق الأيام التي وعدك بها الله ربّ العالمين

ومن يدري، فربما غدًا، وربما قبلُ، فكن من الواثقين.”

لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلاَ تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (سُورَةُ يُوسُفَ: 87/12).

وأحسب أنني بهذه الكلمات أُعَبِّرُ عن عواطف الأرواح المتفانية؛ لأن كلًّا منهم إذا ما واجهته أي مشكلة يقول كما قال الشاعر “نسيمي”:

“أنا عاشقٌ لك ملوَّعٌ أيها الحبيب المحبوب

حتى وإن شققت قلبي بالخنجر فلن أتزحزح عن حبّك أو أؤوب

ولو وضع النجارُ منشاره على رأسي مهدِّدًا

بل وإن شقّوني نصفين كزكريا مجدّدًا

وإن أحرقوا جسمي وذرُّوا رمادي

يا إلهي يا ستّارُ لن أتنازلَ عنك يا مرادي.”

لأن المهمّ بالنسبة لهم هو رضا الله، ووسيلة الرضا سيرُ موكب الخدمة، ولا أهمّيّة ولا قيمةَ لتعرُّضِنا لِبَعْضِ الحوادث التي تُحرق الكبدَ نظيرَ أن يُواصِلَ الموكبُ سيرَه، فليست الخدمات المبذولة منوطةً بأحدٍ منا.

الجُرأة والثبات يُفسدان ألاعيب ذوي النوايا السيئة

 مهما تعرَّضْنا لأحداثٍ تُحَطِّمُ الآمالَ وتثبّطُ الهِمَمَ وتُكدِّرُ صفوَ الصدورِ فيجب علينا ألا نفزعَ أو نقعَ في مستنقع اليأس الذي يحول دون كلّ كمال، بل لا بدّ دائمًا من الصمود دون تحدٍّ أو عناد؛ فإن جرأةَ القلوب المؤمنة وثباتها يقمع أصوات ذات النوايا السيّـــئة؛ لأن ترحيبنا بالموت الذي يهدِّدُوننا به وقولَنا إزاءه: “على الرحبِ والسعة، كنتُ أتمنى دائمًا أن أرتشِفَ كأسَ الشهادة، وألتقي بربّي”، يثير الدهشة والعَجَبَ فيهم ويُسقِطُ في أيديهم. أجل، إن ثبات المؤمنين وصمودَهم لهو تعبيرٌ مهمٌّ عن ثقتهم بربّهم واعتمادهم عليه تعالى، ودافعٌ عظيم يُفْسِدُ مخطّطات الطرف المقابل، ويسوقه إلى الذعر والفزع.

الصبر والنصر

الصبر هو المفتاحُ السِّــرّيُّ السحريُّ الفريد للوصول إلى النجاة، وكما أنه من أهمّ السُّبلِ في بلوغ سعادةِ الجَنان، والوصول إلى مشاهدةِ جمال الرحمن، والفوز بالخلود والرضوان؛ فإنَّ له فائدة دنيويّة دون ذلك أيضًا وهي الخلاص من الأَزَماتِ وإحراز النجاحات، ويندرج في قائمة الصبر أمورٌ مثل المواظبةِ على العبادة والطاعة، ومقاومةِ المعاصي، وتحمُّلِ المصائب، ومعارضةِ الظلم والعدوان، وعدمِ استعجالِ الأمور المرهونة بالزمان، والثباتِ في مواجهة مفاتن الدنيا، وإيثار معاناة الخدمة على ما يدعو إليه الاشتياق لجمال الله تعالى.

وهذه الأمور يمكننا أن نسمّيها أنواع الصبر، فإنْ لم نُهمِل أيًّا منها تسنّى لنا أن نفتح آلاف الأبواب بهذا المفتاح السرِّيِّ، غير أنّ الإنسان إنْ ضربَ بالصبرِ عرضَ الحائط واستعجلَ الأمورَ فتعثُّرُهُ مُقَدَّرٌ ومحتومٌ؛ لأن:

العَجُولَ يعثُرُ بعباءَتِه

والمتأنّي يُدرِكُ غايتَهُ بِرَوِيَّتِهِ

أجل، إن من يستعجل السيرَ والخطى يعلَق طرفُ عباءَتِهِ بقدميه فيتعثّرُ، بينما من يتحرّك بِحَيطةٍ وحذرٍ يَصِلُ إلى مراده ومقصودِه، ولهذا ينبغي للمؤمن أن يسير وفقًا لخطّةٍ مسبقةِ الدراسة، كما يجب ألا يَحْدُثَ خلطٌ بين السير المبنيِّ على صبرٍ وسابقِ حِسابٍ وتخطيطٍ وبين الكسل والعزوفِ عن العمل، بل إنّ الإنسان يلزمه أن يكون نشِطًا دائمًا، ويسير نحو هدفه، وعليه وهو يسير إليه أن يكون في تدبُّرٍ وتذكُّرٍ وتأمُّلٍ وحَذَرٍ، وأن يُفَكِّرَ في أوَّلِ الأمرِ وآخرِه، وأن يضعَ أصحاب الحَسَد والغيرة في حسبانه، وألا يغضّ الطرفَ مطلقًا عما يُساور ذوي النوايا السيئة من مشاعرِ حقدٍ وكره.

لا يحجبُ نورَ الشمس إثارة الغبار

وهنا أيضًا ينبغي لكم ألا تبالوا بالمؤامرات والأكاذيب والتلفيقات التي يقف وراءها بعضُ الظالمين المعتدين، وكما يقولون في المَثَلِ: “لا يضرُّ السحابَ نباحُ الكلابِ”، بمعنى أنكم طالما تسيرون في الاتجاه الصحيح وعلى الطريق القويم فلا قيمةَ ولا أهـمّــيّــة لما ستفتريه بشأنكم مجموعةٌ من الألسنِ القَذِرَةِ التي انطبعت على الفتنة والفساد، وهنا أجد فائدةً في التذكير بهذه القطعةِ الشعريّة:

فما تبالي السما يومًا إذا نبحت … كلُّ الكلابِ وحقِّ الواحدِ الباري

لو كلّ كلبٍ عوى ألقمتَه حجرًا … لأصبح الصخرُ مثقالًا بدينارِ

ومن هنا فلنَدَعِ النابحَ ينبح، ولا ينبغي لنا أن نأبَه أساسًا بأمر الذين يرموننا بالأدناس، وبالمناسبة فإن لم تكن هذه النوعية من العبارات والأقوال من سجيتنا وأسلوبنا الخاص بنا فينبغي ألا ننسى أن القرآن الكريم نفسه ضرب مثلًا بالحمار والكلب ليبيّن بعض الحقائق[1]، وحين نضع نصبَ أعيننا الأسلوب النزيه العفيف للقرآن الكريم يتبيّن أنه يجب التعبير عن تلك المسألة والقضيّة بذلك الشكل احترامًا للحقيقة.

أجل، إن كنتم قد برمجتم أنفسكم كي تتلاحموا وتتمازجوا مع روح أمَّتِكم وعقلِها وقلبِها، وتتخلّصوا من وصاية الدول الأخرى عليكم، وتتبوَّؤوا تلك المكانة الرائعة في التوازنات الدولية فعليكم ألا تهتمُّوا بالمواقفِ والكلماتِ القبيحةِ الشاردةِ الواردةِ من هنا وهناك، وما دمتم واثقين من صحّةِ وسلامة الطريق الذي تسيرون فيه، ومن أنكم لا تركضون وراء هدف آخر غير نيلِ رضا الحقِّ تعالى؛ فينبغي لكم ألا تُلقوا بالًا لما يُمارَسُ ضدَّكم من أمور عدائيّة، وألا تقفوا عندها كثيرًا، بل وألا تهتمّوا بها أصلًا.

فليخشَ السائرون في الضلال سوءَ عاقبتهم

إن كان هناك من يجب عليهم أن يقلقوا ويفزعوا ويتحيّروا في أمرهم، متسائلين ماذا عساهم أن يفعلوا؛ فإنهم هم السائرون في الطريق الخطإ، حيث إنهم يعجزون عن الخَلاص من التخبُّط والتلوّي في مسيرهم رغمَ أن التخريب أسهلُ من التعمير؛ ومن يَكُ كذلك لا يتقدّمُ قيدَ أنملة، وبالرغم من أن أمثال هؤلاء يستخدمون كلَّ أنواع الطرق السلبيّة والهدّامة كالترهيبِ والتسلُّطِ وهدمِ القِيَمِ والتعدِّي على القِيَمِ الخاصّةِ فإنَّه يستحيل القول إنهم ساروا قُدمًا حتى اليوم ولو بقدرٍ يسير.

أجل، إنّ هذه الآلامَ المستعصيةَ، والخراباتِ الداثرةَ ينبغي ألا تُولِّد اليأسَ في روح الإنسان، وألا تُصيبه بالذُعر، غير أنّ هذا لا يعني أنْ نغضّ الطرف عن الدمار والتخريب الحادث، بل على العكس علينا مشاهدةُ هذا التخريب والدمار المروِّع، لأن رؤيته تُذكّر الإنسان بمسؤوليّاته وواجباته، وبهذه الطريقة فإنّ ذا الفِكرةِ المثاليّة والإحساسِ المرهَفِ السليم سيفكر ويتدبّر فيما يطلبه الله تعالى من عباده الصادقين تجاه هذا المشهد، ويُركّز على ما يجب القيام به من أمور قائلًا: “تُرى لو أن نبيًّا واجهَ مثل هذا المشهد ماذا عساه أن يصنع، وكيف كان سيتصدّى له؟”.

بيد أن المشهدَ محجوبٌ، والأحداثَ الجاريةَ لا تُدرَكُ بكلّ تفاصيلها، وليس معروفًا بالضبط ما الذي يجب فعله، ونتيجةً لهذا فإن البعضَ -حفظنا الله- ربما يخلد إلى الراحة رغمَ كل المصائب والمِحَنِ الجارية؛ ويرى أنه يكفيه الانشغالُ بأمر نفسه وشؤونه الخاصّة فحسب دون أن يهتمّ بالتقلُّباتِ التي يعيشها المجتمع، ولا التخريبات التي تعصفُ به، ولا البيوت والمؤسسات التي دُمِّرت فأصبحت حصيدًا كأن لم تَغْنَ بالأمس، وهذا أيضًا يُمثِّل نوعًا من الأنانية والتبلُّد الحِسِّيّ واللامبالاة؛ ولهذا فإنّه يجب ألا نعتبر التوكُّلَ على الله والتحلِّيَ بالأمل وتجاهلَ التصرُّفات والأقوالِ القبيحةِ البغيضةِ مناقضًا للتأوّه قلقًا ومصداقًا لـمقولة “أينما تسقط النار فستحرقني أنا أوّلًا”؛ ومن ثمّ تجبُ رؤيةُ المشهد بخطوطه العريضة وتحليلُه من جانبٍ، بينما من الجانب الآخر نسعى سعيًا حثيثًا يحدونا إيمانٌ راسخ وعزيمةٌ قويّةٌ وأملٌ كبيرٌ في ترميم الدمار الموجود ترميمًا يتوافق مع القواعد والأسس المتينة التي توارثناها عن ماضينا.

 

[1] انظر مثلًا: سورة الأعراف: 176/7؛ سورة الجمعة: 5/62.

 

دعاءٌ ذو أربعة أُسُسٍ

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرًا ما يدعو فيقول: “اللّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى، وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى”[1]، فهلا توضّحون لنا هذه الأسس الأربعة الواردة في هذا الدعاء؟

الجواب: لا بدّ أن أنوّه بدايةً بأنّ كلّ هذه الأسس الواردة في الدعاء هي من الخصال العظيمة التي كان يتحلّى بها الأنبياء العظام عليهم السلام، بل يمكن أن يُقال إنها وصفٌ ملازمٌ لهم، لا ينفكّ عنهم، وبما أن الأنبياء يضطلعون في تصرُّفاتهم وسلوكيّاتهم بمهمّة الإرشاد لكل المؤمنين؛ فعلى أبطال الإرشاد والتبليغ الذين نذروا أنفسهم للإنسانيّة وتبليغ الحقّ والحقيقة أن يتحركوا بما يتناسب مع هذه الخصال الجليلة، وأن يترجموا هذا الدعاء: “اللّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى، وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى” إلى أفعال وتصرُّفات، وينقلوا كلماته من مناطِ القالِ إلى الحالِ.

1- الهدى

والهدى هو أول الخصال التي سألها سيّدُ الأنبياء صلى الله عليه وسلم في هذا الدعاء، ويعني رؤيةَ الصواب والشعورَ به، وبلوغَه والثباتَ عليه؛ ومن هنا كان في غاية التناسب ورودُ “الهدى” كأوّل مطلبٍ في هذا الدعاء؛ إذ من المتعذّر أن يرى الإنسانُ الصوابَ، ويبرمج حياته عليه دون هدًى من الله، فإذا ما انتفى الهدى فلا مجال حينذاك للحديث عن التقوى والعفاف والغنى؛ لأنّ حصول الخصال الثلاث التي أعقبت “الهدى” ورودًا في الدعاء إنما هي مترتّبةٌ عليه من ناحية ما.

فالهدى هو أساس ورأس كلّ أمر، ومصدره هو القرآن الكريم والسنة المطهرة الصحيحة التي تتناولُ أقوال وأفعال وأوصافَ وتقريرات الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم، يقول الله تعالى في الآية الثانية من سورة البقرة: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ (سُورَةُ البَقَرَةِ: 2/2)، وتلفت هذه الآيةُ الانتباهَ إلى أنّ القرآن الكريم في حدِّ ذاته مصدرُ هدايةٍ بالنسبة للمتقين، وبعدما عدّد ربُّنا سبحانه وتعالى خصالَ المتقين في الآيتين الثالثة والرابعة من نفس السورة أكّدَ سبحانه وتعالى على الهداية مرة أخرى في الآية الخامسة فقال: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (سُورَةُ البَقَرَةِ: 5/2)، كما ذكر سبحانه أن التقوى هي الشرط الأساسُ للاستفادة -بحقٍّ- من القرآن المعجز البيان، ونوّهَ بالعلاقة بين الهدى والتُّقى.

والهدى -كما أسلَفتُ- هو من الخصال ِالتي فطرَ الله تعالى أنبياءه عليها جِبِلّةً؛ لأن الله سبحانه وتعالى أرسلَ هؤلاءِ العظماء بمهمّةٍ نبيلة، وحاشاه أن يسمحَ لهم بتصرّفات يتذّرع بها الرُّعَّنُ قليلو الحياء للنيل منهم في المستقبل؛ ومن ثمَّ فإن ما قيل في حقّ سيدنا داود وسيدنا سليمان عليهما السلام ما هو إلا فِرْية أطلقها بنو إسرائيل، وكذلك ما قيل في حق سيدنا نوح وسيدنا هود عليهما السلام ما هو إلا محض كذب افترته أقوامهم، كما أن الكلمات النابية التي استهدفت النبي صلى الله عليه وسلم وأخرجَتْه عن دائرة الهداية ما هي إلا تعبيرٌ عن الوقاحة وسوء الأدب، وإنّها لَإِفْكٌ عظيمٌ يهتزُّ له عرشُ الرحمن.

وبالمناسبة أريد هنا أن أكشف الستارَ عن الخطإ الذي وقع فيه بعض علماء السوء عند تعليقهم على قول الله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ (سُورَةُ الضُّحَى: 7/93)؛ حيث قالوا في معنى الآية: “وجدك الله تعالى على ضلالة فهداك”، وفسّروا الضلالة هنا بأنها نقيضُ الهداية، وانطلاقًا من هذا ادّعوا افتراءً أن سيد العالمين سيدنا ومولانا محمدًا صلى الله عليه وسلم كان يعيش -حاشا لله- في ضلالة حتى اللحظة التي أُضيء فيها أفقُه بنور النبوّة، والحقيقةُ أنّ مَن ينسب مثل هذه الضلالة إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هو من يعيش في الضلالة أصلًا، ندعو الله تعالى أن يهديه سواء السبيل.

لأن الله تعالى يقول في سورة النجم: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ (سُورَةُ النَّجْمِ: 2/53)، فعبّرَ الحقُّ جلّ جلاله هنا عن انتفاءِ الضلال بصيغة الماضي فقال: “مَا ضَلَّ” للدلالة على أن حياته السَّنِيَّة كلها كانت تقوم على الهداية دائمًا.

ورغم أن الآيتين السابقتين تبدوان وكأنهما متناقضتان ظاهرًا فمن الممكن التوفيق والجمعُ بينهما بالنظر إلى المعاني المختلفة لكلمة “الضلالة”؛ فالضلالة تنطبِقُ على معنى “الانحراف والحياد عن الطريق المستقيم”، وتنطبِقُ أيضًا على معنى “عدم القدرة على اختيار الطريق الأسلم والأقوم بين عدة طرق، والوقوع في حيرةٍ وتردّد”؛ وعلى ذلك فحريٌّ بنا أن نأخُذَ بالمعنى الثاني عند نسبة كلمة “الضلالة” إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فلقد عاش صلى الله عليه وسلم قبل نبوَّته حالةً من التردّد بين الطرق المختلفة، فبذل جهده لبلوغ الطريق المستقيم، وبذلك شكّل أرضيّةً مهمّةً لمستقبلِهِ حتى اللحظة التي بلغه فيها النور السماويّ.

وقد يكون المقصودُ من قوله سبحانه وتعالى “وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى” تلك الدهشة والحيرة والهيمان الذي عاشه النبي صلى الله عليه وسلم عند أوّلِ نزولٍ للوحي عليه؛ لأن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فوجِئَ بهذا الحدث السماوي انتابته صدمةٌ كبيرة، وربما لم يستطع أن يدرك ما الذي يجبُ عليه فعله، إلا أنّ ذا الفطنة الخارقة صلوات ربي وسلامه عليه اتّجهَ إلى زوجته الرزينة الوقورة والدرّة الطَّهورة أمِّنا السيدة خديجة رضي الله عنها، وأفضى لها بما في صدره؛ فهدّأت من روعه، وذكّرته بدايةً بسجاياه الطيبة، وعدّدت أخلاقه العالية، وطَمْأَنَتْهُ قائلةً: “كَلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَكْسِبُ المَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ”[2]، ثمّ َانْطَلَقَتْ بِهِ حَتَّى أتتْ ابنَ عمِّها القسَّ وَرَقَةَ بنَ نَوفَل.

وانطلاقًا من هذا يمكننا أن نفهم الآية الكريمة الواردةَ في سورة الضحى على النحو التالي: “لقد كنتَ في فترةٍ ما لا تدري ما الجنّة وما النار، وتتلوّى وتتألّم وتجزع من أحوال الناس العامة، ولا تدري ماذا عساك أن تصنع لهم، ومع أنك كنتَ تشعر بشيءٍ ما بسبب المعاني التي استلهَمْتَها مِمّا بقي من دين إبراهيم إلا أنّك لم تكن في وضعٍ يسمح لك باتخاذ القرار القاطع في مسألة وضعِ كلِّ شيءٍ في نصابه، فأرسل الله تعالى لك وحيَهُ، وأزال عنك الحيرة والتردد، وأرشدك إلى الطريق المستقيم”.

وثمة أمرٌ آخر لا بدّ من الوقوف عنده فيما يتعلق بصفة “الهدى” التي كان فُطِرَ عليها الأنبياء؛ وهو قولُ الله تعالى في سورة الشورى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (سُورَةُ الشُّورَى: 42/52)، وهذا يعني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على الهدى، ومرشدًا للآخرين إليه، وبما أن الأنبياء جميعهم كذلك فهم يسوقون الناس بمشيئة الله تعالى ويرشدونهم ويفتحون الطريق أمامهم، ويوصّلونهم إلى الهداية، وإذا تناولنا هذا الأمر في إطار مفهوم الجهاد والإرشاد فإن هؤلاء الأنبياء قد أزاحوا العوائق بين الناس وبين ربهم، وساهموا في وصال القلوب بالله، ولا جرم أن اتّقاد جذوة النور الإلهيّ في قلوب المخاطبين هو أمرٌ اختصّ به ربنا سبحانه وتعالى.

2- التقوى

والتقوى هي الخصلةُ الثانية التي سألَها الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم في دعائه، وتعني اتقاء غضب الله سبحانه وعذابه بامتثال ما أمر به واجتناب ما نهى عنه، والواقع أن للتقوى مراتب كما للهدى، فدِهليزُها أداءُ الفرائضِ والواجباتِ واجتنابُ الكبائرِ والمحرماتِ، وبعد ذلك نخطو من باب التقوى إلى الداخل باجتناب الشبهات وعدم الاقتراب من دائرة المحرمات، ثم نصل في النهاية إلى التقوى الحقيقية بِتَرْكِ ما لا بأس به؛ حذرًا مما به بأسٌ، والتقوى بمعناها التام هي أداءُ أوامر الشريعة على الوجهِ الأكمل، ولكن علينا ألّا ننسى أبدًا أنها تعني -إلى جانب ذلك- مراعاةَ القوانين التي وضعها الله تعالى في الكون والتي نسميها قوانين الشريعة الفطرية.

وعلى ذلك فإنّ استفادة المؤمن استفادةً تامّةً من الكتاب والسنة الموصلَين للهداية مرهونةٌ بـ”تقوى” ترتقي إلى هذا المستوى، وعند النظر إلى الأمر من هذه الزاوية يتبين لنا أن الهداية والتقوى صنوان، وكما أن الوصول إلى التقوى مرهونٌ بالهدى فإن الفهم الصحيح للمنهج الذي وضعه ربنا سبحانه وتعالى ونبيه صلى الله عليه وسلم واستيعاب روحه وسموّه وعظمته لا يتأتّى إلا بالتعمّق في التقوى.

3- العفة

العفّةُ المذكورة في الدعاء ثالثًا تعني أن يتوخى الإنسان الحذر والدقة من أجل حماية وصيانة شرفه، وغضِّ بصرِه وضبطِ سمعه، وتحكُّمِهِ في كلامه بحيث لا يتحدّث إلا إذا لزمَ، ولا يتسوّل أحدًا، والخلاصة أن يتحرّك في دائرة الأدب والحياء في كلِّ أحواله وأطواره؛ فإن عفَّ الأفراد عفَّ المجتمع، وإلا فإنّ مجتمعًا مكوّنًا من خليطٍ من المذنبين والمخطئين تستحيلُ عليه العفّة، وإذا فُقِدَتِ العِفّةُ من المجتمع شاعت فيه شتّى أنواع المفاسد والمساوئ كجرائم السرقة والخطف والرشوة والكذب والنهب وما إلى ذلك، ويشرَعُ أولو المناصب الصغيرة في السرقة على قدرِ مستواهم، بينما يَشرَعُ الكبار في السرقة والنهب بقدرٍ أكبر؛ فيسرقون ويختلسون الأموال والثروات.                                                                  

وقد وصف القرآن الكريم أبطالَ العفَّة بقول الله تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ (سُورَةُ البَقَرَةِ: 273/2)، أي وصَفَهم بأنهم حتى وإن جاعوا وظمِئُوا وتشرّدوا فإنّ هذا لا يقودهم إلى التسوّل والتكفّف، والحقّ أنهم جديرون بتقبيل الجباه والتبجيل والاحترام، ومع هذا فإن الإسلام أجاز لمن في مثل هذه الأحوال من الضيق والحاجة أن يطلبوا من غيرهم بقدر ما يقيمون به صلبهم فحسب.

4- الغنى

الأمر الرابع الوارد في دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الغنى، وله معنيان اثنان؛ أوّلهما: غنى القلب والاستغناء عمّا سوى الله، أما ثانيهما: فهو الثراء والغنى المادّي بالكسب الحلال، ولا حرجَ في طلب الثاني منهما أيضًا؛ لأنَّ كلَّ نعمة من نعم الدنيا إنْ أُحسِنَ استخدامها قد تكون عنصرًا مهمًّا في تقويةِ ودعم الإيمان والعبادة والطاعة، غير أنه ينبغي أن نتوخّى أعلى درجات الحذر عند طلب الغِنى المادّي فليكن حلالًا صِرفًا، ولنتجنّب البخلَ عند أداء حقّ المال، ولا نسمح للقلب أن يتعلّقَ أو يتكالبَ بالمال والأملاك أو عليهما، ولنذكر دائمًا أن المالَ والثروة لطفٌ ونعمة من الله، ويتحتّم علينا ألّا ننخدع بما في أيدينا من إمكانيات، فلا نقعَ بذاتِ الحفرة التي وقع فيها قارونُ عندما قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ (سُورَةُ القَصَصِ: 78/28).

فإن رُوعِيَتْ هذه الأمور فلا حرج في طلب الثروة والمال من الحقّ تعالى، بالإضافة إلى ذلك فقد استجار سيد الأنبياء r واستعاذ بالله تعالى في بعضِ أدعيته من الفقر والجوع إلى جانب بعض الأمور الأخرى، ومن ذلك دُعاؤه r: “اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفَقْرِ، وَالْقِلَّةِ، وَالذِّلَّةِ[3]؛ إذ إنّ منْ يتعرض لمثل هذه المواقف قد يشكو حالَهُ ويتذمّر منها، أو يقع في مستنقع التسوّل والشحاذة.

لذا فإنّ الإسلام لم يتبنّ موقفًا تحريميًّا ولا رافضًا تجاه طلب الثراء والغنى المادي، ولكنّه نهى عن كنزِ الثروات، وادّخارِ المال والنقود من أجل الثراء والمستقبل الشخصيّ؛ إذ بيّنَ القرآنُ الكريم سوءَ عاقِبَةِ من يكنزون المال ويمسكونه في أيديهم دون أن ينفقوا منه في سبيل الله فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (سُورَةُ التَّوْبِةِ: 34/9). أجل، إن من يتّخذون الخزائن ويكنزون فيها الثروات ويُرابون في الأموال، بل ويتحيّنون الفرصَ فيتلاعبون بالاقتصاد حسبما يحلو لهم، ولا يخافون الله ولا يفكّرون في الآخرة قد بُشّروا بعذابٍ أليم، والحقُّ أن الإنسان بوسعه أن ينال البشارةَ الحقيقيّة إنْ أنفق ما في يده من ثروة ومال في مسارها الصحيح، إلا أنّ مَن لم يُحسن استخدامها ولم يضعها في مكانها الصحيح فإنه يتسبَّبُ في تَحَوُّلِ البشارةِ إلى عذابٍ أليمٍ بالنسبةِ إليه.

وفي الآية الكريمة التي تلت الآية المذكورة آنفًا يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (سُورَةُ التَّوْبِةِ: 35/9) مُبيّنًا بالتفصيل شكلَ وصورةَ العذاب الذي ينتظرهم في جهنّم.

أما المال والثروة التي تُدَّخَرُ لتُنفَقَ في سبيل الله تعالى فلها شأنٌ آخر. أجل، إن الثروة والمال الذي يُكتسب بنيّات طيبة كأن يُستخدم في سبيلِ إعلاء كلمة الله تعالى، وإنشاءِ المدارس والجامعات في شتّى بِقاع الأرض، وإعلامِ الإنسانية بقِيَمِنا السامية فيُمْكِنُ تقييمه بطريقة مختلفة، بل إنه ينبغي تحفيز الناس إلى هذا النوعِ من الغِنى كي تتحقّقَ تلك الغايات السامية.

يمكن التوفيق والجمعُ بين الاستفادة من نِعَمِ الحقِّ تعالى وبين العِفّةِ والاستغناء عمّا في أيدي الناس، وهذا التأليفُ من صميمِ الأوامر القرآنيّة؛ فمثلًا يُشار في قوله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ (سُورَةُ القَصَصِ: 77/28) إلى الاهتمام بالدنيا والعناية بها بقدر ما يلزم فحسب إلى جانب الاهتمام بالآخرة والعناية بها وطلبها.

غير أن الأهمّ -إلى جانب كل هذه الأمور- هو غِنى الروح والنفس؛ فقد عاش الأنبياء العظام يحملون ويُجسّدون شعورَ الاستغناء هذا دائمًا، فلم يتشوّفوا إلى أجرٍ قطُّ في مقابل أدائهم وظيفة التبليغ التي اضطلعوا بها، ولم يسألوا الناس شيئًا قطُّ، وقد عانوا وتجشّموا كثيرًا من المشاقّ والمضايقات من أجل إيصال رسائلهم إلى أقوامهم، لكنهم لم يطلبوا من أيِّ شخص مقابلًا ولا مكافأةً على ما فعلوه؛ لأنهم فوّضُوا أمرهم كلَّه إلى الله تعالى، وعلّقوا عليه الرجاء، ومن ذلك قولُ نبيّ الله نوح عليه السلام لقومه: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: 109/26)، وقولُ هود عليه السلام لقومه: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: 127/26)، وقولُ نبيّ الله صالح عليه السلام لقومه: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: 145/26)، فلقد استخدم الأنبياءُ مع أقوامهم أكثرَ المقوّمات تأثيرًا وفاعليّة ألا وهو “الاستغناء”، لأن اتخاذ موقفٍ مثل هذا مقنعٌ تمامًا بالنسبة للمخاطبين، وهكذا فإن عدمَ تشوُّف الإنسان إلى أجرٍ دنيويٍّ في مقابل الواجب الذي يضطلع به، وعدمَ طلبِهِ أيَّ مقامٍ ولا منصب دنيويٍّ وانتظارَهُ الأجرَ والثوابَ والمكافأة من الله تعالى فحسب يُمثِّلُ عمقًا آخر من أعماق الغنى (الغنى القلبي).

ومع هذا فإنه ينبغي للجميع أن يرضى بما قدّره الحق تعالى له، وألا يطمع في الأمور المادية والمسائل الدنيوية، لأنه ربما يكون الفقرُ الذي قُدّرَ من قِبلِ الله بحق بعض الأشخاص أفضلَ وأصلحَ لحالهم، ومَنْ يدري فربما لو امتلكوا ثروةً أو مالًا طائلًا لأكبّهم سوءُ استخدامهم له في جهنّمَ على رؤوسهم؛ فيهوون فيها تمامًا كما هوى قارون، لِما في أنفسهم من ضعف أمام المال والثروة، لذا فحريٌّ بنا أن نُسَلِّمَ ونرضى بالتقدير الإلهيّ بحقّنا.

 

 

[1] صحيح مسلم، الذكر، 72؛ سنن الترمذي، الدعوات، 71، سنن ابن ماجه، الدعاء، 2.

[2] صحيح البخاري، بدء الوحي، 3.

[3] سنن أبي داود، الوتر، 32؛ سنن النسائي، الاستعاذة، 19، 20؛ سنن ابن ماجة، الدعاء، 3.

المعنى الحقيقي للمسكنة

Herkul-ARB | | العربية

 سؤال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: “اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا، وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا، وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ”[1]، فكيف نفهم هذا الدعاء النبويّ؟ وما الدروس المستفادة منه؟

الجواب: المسكين كلمةٌ مشتقّةٌ من الجذرِ “سَكَنَ”، وتعني لغةً: الإنسان الذي استسلم للراحة والخمول، وتوقّفت حركتُه، فلم يعدْ يكسب أو ينتج،  وشرعًا: ذاك الذي لا مالَ له، يفترش الأرض ويلتحف السماء؛ ومن ثمّ فالمسكينُ من الناحية المادّيّة أسوأُ حالًا من الفقير؛ لأن الفقير هو الذي لا يملك من المال ما يبلغ نصابَ الزكاة (المقدر بحوالي ثمانين غرامًا من الذهب)، بمعنى أن لديه من المال قدرًا قليلًا، أما المسكين فهو لا يملك حتى هذا القدر القليل، وعلى ذلك فالمسكين هو الذي يقبل الزكاة والصدقة، ولا دخلَ له سوى المعونات من الآخرين.

المسكنة المذمومة الواجبُ اجتنابها

لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يرضى أبدًا بالركود والخمول، وإهمال العمل، أو أن يكون عالةً على أحد، وكيف لا وهو الذي شنّ حربًا ضروسًا على التسوّل، وذمّه في أحاديث كثيرة، وحذّر أمته منه!؟ فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُهُ، فَقَالَ: “أَمَا فِي بَيتِكَ شَيءٌ؟” قَالَ: بَلَى، حِلْسٌ نَلْبَسُ بَعْضَهُ وَنَبْسُطُ بَعْضَهُ، وَقَعْبٌ نَشْرَبُ فِيهِ مِنَ الْمَاءِ، قَالَ: “ائْتِنِي بِهِمَا“، قَالَ: فَأَتَاهُ بِهِمَا، فَأَخَذَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ، وَقَالَ: “مَنْ يَشْتَرِي هَذَينِ؟” قَالَ رَجُلٌ: أَنَا، آخُذُهُمَا بِدِرْهَمٍ، قَالَ: “مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ” مرّتين أو ثلاثًا، قَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمَينِ فَأَعْطَاهُمَا إِيَّاهُ، وَأَخَذَ الدِّرْهَمَينِ وَأَعْطَاهُمَا الْأَنْصَارِيَّ، وَقَالَ: “اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا فَانْبِذْهُ إِلَى أَهْلِكَ، وَاشْتَرِ بِالْآخَرِ قَدُومًا فَأْتِنِي بِهِ“، فَأَتَاهُ بِهِ، فَشَدَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُودًا بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: “اذْهَبْ فَاحْتَطِبْ وَبِعْ، وَلَا أَرَيَنَّكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَومًا“، فَذَهَبَ الرَّجُلُ يَحْتَطِبُ وَيَبِيعُ، فَجَاءَ وَقَدْ أَصَابَ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ، فَاشْتَرَى بِبَعْضِهَا ثَوبًا، وَبِبَعْضِهَا طَعَامًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: “هَذَا خَيرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَجِيءَ الْمَسْأَلَةُ نُكْتَةً فِي وَجْهِكَ يَومَ الْقِيَامَةِ، إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا لِثَلَاثَةٍ: لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ، أَو لِذِي غُرْمٍ مُفْظِعٍ، أَو لِذِي دَمٍ مُوجِعٍ[2].

وفي هذا الصدد يقول النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم أيضًا: “اَلْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى[3].

وهنا استخدم عليه الصلاة والسلام أسلوب الكناية، مشيرًا إلى أن اليد التي تعطي خير من اليد التي تأخذ، وكأنه يقول محفّزًا المؤمنين على أن تكون أيديهم هي العليا:

“لا تقلّلوا من كرامتكم وعزّتكم الإنسانية بالتزلُّف والتودُّد إلى الآخرين، وما دمتم تمتلكون يدًا تعمل ورِجلًا تمشي فاعملوا على تأمين معيشتكم بأنفسكم، ولا تكونوا عالةً على أحد”، ومع هذا فقد أجاز الإسلام التسوّل عند الضرورة، ويزولُ الجوازُ بزوالِ الضرورة؛ مثل الجوع والعطش، فيجوز التكفّفُ بالقدرِ الذي يدفع عن الإنسانِ الضررَ والهلاك، وما سوى ذلك فلا، كما أن القرآن الكريم أباح أكلَ لحم الخنزير لِمَنْ وقع في خطر محقّق، ولكن بالقدر الذي يحفظ به حياته ليس إلّا، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (سُورَةُ البَقَرَةِ: 173/2)، فانتفى الإثمُ عن المضطرّ على قدرِ ضرورته فقط.

وقد استوعب السلف رحمهم الله هذا السرّ الوارد في الحديث الشريف، فأوصوا بصيانة كرامة الفقير، بأن يجعل المعطي يده أسفلَ يدِ الفقير عند إعطائه الصدقة أو الزكاة، ولقد لعبت “أحجار الصدقة” التي ظهرت في عهد الدولة العثمانية دورًا مهمًّا في الحفاظ على عزّةِ وكرامة الفقراء؛ حيث كان الأغنياء يضعون صدقاتهم في هذه الأحجار، ثم يأتي الفقير ويأخذ قدرَ احتياجِه منها فقط؛ مما يُدلّل على نقاءِ السريرة وصفاءِ القلب، وشعورِ التعاون والتضامن بين أفراد المجتمع العثمانيّ آنذاك، بل يمكن أن يقال إن ذلك المجتمعَ كان يشبه الملائكة في السماء، فها نحن الآن رغم وجود كمٍّ هائلٍ من رجال الشرطة والأمن فإننا لم نلمس -مع الأسف- مثل هذا الجوّ من الأمان الذي كان متوفّرًا في تلك الأيام؛ حيث لم يعد هناك رادعٌ قلبيّ، ولم تعد الآخرةُ محورَ اهتمام الناس، كما أن الشعور بالمحاسبة قد قُتل في نفوس الناس، والحقُّ أنّ الذي مات هو قلبُ الإنسان وضميرُه.

المسكنة الممدوحة، ورغبة الرسول في أن يكون عبدًا رسولًا

في ضوء ما سبق يتبيّن لنا أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسأل الله تعالى المسكنةَ التي تعني سؤال الناس ومدَّ اليد إليهم، وإنما المقصود بالمسكنة هنا هو العيش المتواضع، أو الشعور بالعجز والفقر إلى الله، ولقد عرّف الأستاذ النورسي رحمه الله رحمة واسعة ذلك الفقر الذي جعله أساسًا لدعوته بأنه إدراك الإنسان أنه لا يملك شيئًا في الحقيقة، والشعور بالحاجة إلى الله تعالى، وصاحب هذا الشعور العظيم يلوذ إلى حماية الله تعالى وحفظه وكلاءته قائلًا: “يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ أَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، وَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَينٍ[4].

لقد كان سيد الأنبياء صلوات ربي وسلامه عليه يرجو أن يحيا بهذه المشاعر، ويرحل بها إلى أفق روحه، وأن يُحشر مع هؤلاء المساكين الذين يلجؤون إلى الله دائمًا، ويحلّقون في الآخرة بجناحي العجز والفقر، وبعبارةٍ أخرى: إن النبي صلى الله عليه وسلم سيكون مرشدًا ورائدًا لأصحاب هذا الشعور في الآخرة أيضًا؛ لأنه عاش طوال حياته كواحدٍ من الناس، ولم يتخلَّ قطُّ عن مَحْوِهِ وتواضعه، فعن أمِّنا عائشة رضي الله عنها أنها قالت: “كَانَ يَأْتِي عَلَينَا الشَّهْرُ مَا نُوقِدُ فِيهِ نَارًا، إِنَّمَا هُوَ التَّمْرُ وَالمَاءُ، إِلَّا أَنْ نُؤْتَى بِاللُّحَيمِ”[5]، ومن يدري ربما النبي صلى الله عليه وسلم كانت تساوره -في وقتٍ ما- بعضُ الأفكار حول مسؤوليّته تجاه أهله.

لقد جَلَسَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، ونَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا مَلَكٌ يَنْزِلُ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: هَذَا الْمَلَكُ مَا نَزَلَ مُنْذُ خُلِقَ قَبْلَ السَّاعَةِ، فَلَمَّا نَزَلَ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَرْسَلَنِي إِلَيكَ رَبُّكَ أَمَلكًا جَعَلَكَ لَهُمْ أَمْ عَبْدًا رَسُولًا؟ فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: تَوَاضَعْ لِرَبِّكَ يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: “لَا بَلْ عَبْدًا رَسُولًا[6].

لقد عاش النبي صلى الله عليه وسلم فقيرًا، وعندما رحل إلى أفق روحه لم يخلّف مالًا يُحاسب عليه في الآخرة؛ فقد أعطى نعم الله حقها، وأنفق كل ماله في سبيل الحقّ جل وعلا، فسار إلى الديوان المقدس أبيضَ الوجه ناصعَ الجبين طاهرًا نقيًّا.

صرحُ العفة وأبطالُها

ومع هذا لم يركن النبي صلى الله عليه وسلم للدعة والخمول، ولم يَشْكُ لغيرِ خالقِه ما تعرّض له من أزمات، ولم يكن عالةً على غيره، وما استعطى أحدًا، ولم يكن يقبل الصدقة والزكاة أبدًا؛ حتى إنه قد حرّم الصدقة على نفسِه وآلِ بيته[7]، وإذا ما جاءته هديّة وزعها على الآخرين[8]، حتى إنه قبل أن يرتحل  الى أفق روحه اشترى طعامًا بأجلٍ من يهوديّ؛ حتى يفي بحاجيّات أهله، ورهن درعه المبارك عوضًا عنه، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: “تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ، بِثَلاَثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ”[9]، ومن المحتمل أن الصحابة رضوان الله عليهم لم يكن لديهم علم بذلك، فلو علموا لفعلوا ما استوجبه هذا الأمر.

كان النبي صلى الله عليه وسلم أجودَ من الريح المرسلة، يُعطي عطاءَ من لا يخشى الفقر، أنفق كلّ مالهِ في سبيل الله، وعاش -بمحضِ إرادته- حياةً أقلّ من درجة أيّ فقير من أمّته، ومع ذلك لم يمدّ يده إلى أحدٍ مستجديًا، بل لم يقم بأي إشارةٍ تدلّ على ذلك؛ إذ كانت المسكنة التي ينشدها هي تفضيل الحياة البسيطة العادية مع إظهار مزيدٍ من الكرم والمروءة، ولأنّه صلوات ربي وسلامه عليه صرحُ العِفّةِ الشامخ لم يكن يتشوّف لأيِّ شيءٍ من الآخرين.

وكما أنَّه صلى الله عليه وسلم كان رمزًا فريدًا في العفّة؛ فقد عاش ساداتُنا الصحابةُ الكرام الذين اقتفوا أثَرَه خطوةً بخطوة حيواتهم أبطالًا للعفّة، ولقد بجَّلَ القرآن الكريم وامتدح أبطالَ الإسلام الأُوَلِ الذين لم يتكفّفوا الناس ولم يسألوهم شيئًا، ولم ينظروا إلى ما في أيدي غيرهم ولم يُسلِموا أنفسهم للتسول رغم ما عانَوه من خصاصةٍ وحاجةٍ وشظفٍ في العيش فقال: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ (سُورَةُ البَقَرَةِ: 273/2).

أجل، إننا حينما ننظر إلى حياة الصحابة الكرام نجدهم قد استنكفوا بحساسية مرهفة وحقيقية عن شتى صور الاستعطاء والتكفّف، وسدُّوا احتياجاتهم ودبروا أمورَ معيشتهم من كدِّ أيمانهم وعَرَقِ أَجْبُنِهِمْ، فمثلًا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أحدُ العشرة المبشرين بالجنَّة اضطرّ إلى تركِ كُلِّ ثروته في مكة مهاجرًا إلى المدينة، إلا أنّه ما إنْ وَصَلَ إلى المدينة حتى سأل عن السوق وبدأ العمل، ولم يقبل معونةً من أحد، وهو القائل: لَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ آخَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بَينِي وَبَينَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ: إِنِّي أَكْثَرُ الأَنْصَارِ مَالًا، فَأَقْسِمُ لَكَ نِصْفَ مَالِي، وَانْظُرْ أَيَّ زَوجَتَيَّ هَوِيتَ نَزَلْتُ لَكَ عَنْهَا، فَإِذَا حَلَّتْ تَزَوَّجْتَهَا، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: لَا حَاجَةَ لِي فِي ذَلِكَ، هَلْ مِنْ سُوقٍ فِيهِ تِجَارَةٌ؟ قَالَ: سُوقُ قَينُقَاعٍ، فَغَدَا إِلَيهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَأَتَى بِأَقِطٍ وَسَمْنٍ، ثُمَّ تَابَعَ الغُدُوَّ…  [10]، لكنه ما لبثَ أن أصبح -بعون الله وعنايته- من أثرى أثرياء المدينة فعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: بَينَمَا عَائِشَةُ فِي بَيتِهَا إِذْ سَمِعَتْ صَوتًا فِي الْمَدِينَةِ، فَقَالَتْ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: عِيرٌ لِعَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَوفٍ قَدِمَتْ مِنَ الشَّامِ تَحْمِلُ مِنْ كُلِّ شَيءٍ -وكَانَتْ سَبْعَ مِائَةِ بَعِيرٍ- فَارْتَجَّتِ الْمَدِينَةُ مِنَ الصَّوْتِ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: “قَدْ رَأَيتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوفٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ حَبْوًا”، فَبَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوفٍ، فَقَالَ: إِنْ اسْتَطَعْتُ لَأَدْخُلَنَّهَا قَائِمًا، فَجَعَلَهَا بِأَقْتَابِهَا، وَأَحْمَالِهَا فِي سَبِيلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ[11]. أجل، إنَّ ساداتنا الصحابة الكرام الذين خبروا شَينَ سلوك  التسوّل بحثوا عن سبل الكسب والعيش الحلال دائمًا مما تكسبه أيديهم رغم ما كابدوه من حاجةٍ وفقرٍ حقيقيّين، ومن ثمَّ فإنَّني أرى أنَّه لا يليق بمن يُنفقون أوقاتهم ويخدمون في سبيل الله تعالى أنْ يتشوّفوا للحصول على منحة أو عطية من الآخرين، فالأفضلُ دائمًا الأكلُ من عرق الجبين ولو حتى بالعمل في قطع الأحجار، أو تنظيف المباني والعمائر، غير أنّ ثمة بعض المواضع والخدمات التي يشتغل بها الإنسان لا تسمح له أن يمارس عملًا آخر غيرها، وفي مثل هذه الظروف فحسب قد يُرخَّصُ لهذا الإنسان باستعمال قدرٍ مما يمنح له بحيث يستطيع توفير احتياجاته الضرورية فحسب.

وإنني شخصيًّا أشعُرُ دائمًا بضرورة التفتيش في حياتي عن هذا الشأن وتَحَرِّيه، فمثًلا عملتُ بالإمامة مدّة ثلاثِ سنوات قبل الْتِحاقي بالجيش لأداء الخدمة العسكرية، والحقيقة أنني كنت أستطيع أن أُشبع نفسي بوجبةٍ واحدةٍ فحسب يوميًّا من راتبي الذي كنت أنفق معظمه على الكتب والخدمات، فلَمَّا عُرِضت عليّ وظيفة العمل بالوعظ شعرت بحاجةٍ إلى أن أستفتي أحدًا: هل يجوز القيام بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمقابل ماديٍّ؟ فسألت أحدَ أقربِ طلاب الأستاذ بديع الزمان عن هذه المسألة فنَقَلَ إليَّ أن السؤالَ نفسَه طُرحَ على الأستاذ بديع الزمان وأنّه أجاب عنه بقوله: “إنْ لم يسمحوا لك بالوعظ والإرشاد حين لا يوظفونك في هذا المجال فاقبل هذه الوظيفة، وإن لم تكن لديك حاجة إلى هذه الأموال فادفعها إلى من يحتاجها، غير أنَّكَ إنْ كنت محتاجًا فخُذْ من راتبها بقدر حاجتك فحسب”، وعليه فقد انتسبتُ أنا كذلك لمهمة الوعظ؛ فأخذتُ من الراتب الذي خُصِّص لي من الوعظ بقدرِ ما يسُدُّ احتياجاتي الضرورية، وتركتُ الباقي منه لذوي الحاجة طلبًا لرضا الله تعالى، فلما أصبح هناك أجرٌ يأتي من تأليف الكتب لم تمسّ يدي هذا الراتب، وطلبت أن يُمنح للمحتاجين.

ورجال الخدمة في يومنا هذا أيضًا ينبغي لهم ألا يسألوا الآخرين شيئًا، بل إنّه ليجب على الآخرين أن يُهرولوا وراءهم من أجل توفير احتياجاتهم الضرورية، قائلين: “ثمة حاجة وضرورة لهذا كي تخدموا وتنتجوا في مجالاتٍ أخرى فتنفعوا المجتمع أكثر”، وفي مثل هذه الأحوال فقد تقبلون كارهين لا راغبين ما يخصّصونه من مبلغٍ بسيط، أما خلاف ذلك من أن يربط الإنسانُ حياتَه بما يأتي من الآخرين فإن هذا يدخل -في رأيي- في إطار المسكنة والذلة التي عابَهَا وذمَّها القرآن الكريم والسنة المطهرة.

الإنسان ليس مخلوقًا حقيرًا يُشترى ويُباع بالمال

يجب أنْ تكون القلوب المؤمنة في عصرنا أكثر حساسية في هذا الموضوع، وتهتمّ وتنتبه لأن تعيش طيلة حياتها شريفةً عزيزةً، وعليها ألا تتشوَّفَ إلى أيِّ شيءٍ في أيدي الآخرين مهما كان بسيطًا، وألا تضطرّ لدفع بدل ومقابل لأيِّ إنسانٍ. أجل، ينبغي لهم باعتبارهم أبطال العفة ألّا يتذلّلوا لأحدٍ ولا يَهِنوا، وإلَّا فإنَّ شباك المنفعة والمصلحة المتعددة تُخضعُ إليها هؤلاء الساعين في سبيل الدين وتستَعبِدُهم، ثم يأتي يوم تجبرهم فيه على التنازل عن شيءٍ من دينهم والعياذُ بالله.

ومن المؤسف جدًّا أننا نرى كثيرًا من الأمثلة المؤلمة لهذا في عصرنا. أجل، نرى ونحن نتقطع ألماً ومرارةً أن البعضَ يتمّ شراؤهم ثم استغلالهم بمختلف الطرق وشتى الوسائل، في حين أن الإنسان ليس مخلوقًا يُشترى ويُباع بالمال، ولا ينبغي أن يكون كذلك، فقيمته وثمنه هو نيل الجنة، وذروته الفوز برضا الله والنظر إلى جماله، وما عدا ذلك فلا قيمةَ له. أجل، حتى وإن قُدّر أن يكون فتح إسطنبول بدًلا ومقابلًا للإنسان فيستحيل أن يكون هذا أيضًا ثمنًا يبيع الإنسان به نفسه، أي إنّه حتى وإن كانت إسطنبول ستُفتحُ إذا بيع الإنسان فعليه ألّا يرضى بهذا أيضًا، لأن عزة الإنسان وشرفه أسمى وأعلى بكثيرٍ من هذا كلِّه.

وإن لم نعترف أنّ البعضَ ممن في هذه الدائرة القدسية قد وصل إلى صفاء الروح بهذا القدر لكان هذا جحدًا ونكرانًا للحقيقة، غير أنه يجب علينا أن نسعى من أجلِ إيصال الجميع إلى هذه الحالة الروحية، ونُبَيّنَ للناس قيمة الكسب من عمل اليد، وحماية السمعة، وقيمة العيش في عزّةٍ وكرامة؛ لأن اختيار سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون عبدًا رسولًا يُظهرُ أنّه يُمكنُ دائمًا تمثيلُ منهج الخدمة -التي تعتبر امتدادًا لمنهج ومهمة الرسالة- وأداؤه بنفس الحالة الروحية.

لقد رأيت في الفترة التالية عقب رحيل فضيلة الأستاذ بديع الزمان إلى دار البقاء معظمَ الطلاب الذين كانوا يُجالسونه، وقد كان في عموم تركيا آنذاك بضعةُ بيوتٍ للخدمةِ تسودها البساطة، ولا طعامَ فيها سوى الحساءِ اليتيمِ الخالي من الدسم، وكان يُكتفى بقطعة خبز وجُبنٍ إلى جوار كوب من الشاي إدامًا، غير أنهم كانوا يعيشون شوقًا ونشوةً حقيقيةً في خدمة الحقّ؛ فشبُّوا وانتشوا كالجَوَادِ عشقًا للخدمة، ومن ثمَّ يمكن القول إنَّهم هم من اضطلعوا بالخدمة الأساسية، وهيّؤوا لكم الأرضية الحالية؛ فحرثوا الأرض، وبذروا الحبوب، ثم تعهدوها بالرعاية والعناية، فكان العملُ في موسم الحصاد من نصيبكم أنتم.

وقد يَثقُلُ على البعض العَيشُ في عفةٍ واستغناء بهذا القدر، إلا أن مهاجري الغاية المثالية الذين عشقوا فكرة علوية سامية يجب عليهم أن يسعوا ويجتهدوا دائمًا لبلوغ هذا الأفق.

وينبغي ألا ننسى أبدًا أنّ استمرارَ هذه الغاية السامية مرهونٌ ببقاء هذه الأخلاق والخصال الحميدة فحسب، لأنكم إن عشتم حياة مبهرجةً طنّانة اهتزت -لا قدر الله- ثقتهم بكم اهتزازًا يجعلهم يتخلّون عنكم، وحينها تتوقف -لا قدر الله- الأنشطة المنتشرة في بقعة جغرافيّةٍ مترامية الأطراف من العالم. أجل، إنّ مثل هذه الخدمات تُقدَّم للإنسانية جمعاء؛ ولو لم يكن هناك تضحياتٌ جمّة وغفيرةٌ من متطوّعين لا معدودين لما كان من الوارد  استمرارُ هذه الأنشطة والفعاليات، وقد يسألُ البعضُ في يومنا الحاضر أسئلة تشكيكيّةً واتّهامية؛ إما غَيرَةً منه أو حَسدًا رغم علمه جيدًا حقيقة الأمر: “من أين يأتي ماء هذا الطاحون؟”، والمؤكد أنّ دواليبَ هذا الطاحون لا تدور بالماء أو بالرياح، بل بالمروءة والبسالة والتضحية التي أبداها إنسان الأناضول من قبلُ في حرب الاستقلال على نحو حيَّر العقولَ والأذهان؛ وعليه فينبغي النأيُ عن ارتكاب أيِّ خطإ -حتى ولو كان صغيرًا تافهًا- يشتت أذهان هؤلاء الداعمين الكرماء ويدفعهم إلى إساءة الظن، فهذا -إنْ حَدثَ- وبالٌ لا قِبلَ لنا بتحمله، والله مُحاسبٌ عليه.

لا شك أنَّ أيَّ رجلٍ من رجال الأعمال والتجار يخوض غمار الحياة التجارية سيعمل ويربح، فليبارك الله تعالى لهم في تجارتهم، وعليهم أن يواصلوا العمل والربح، إلا أنّ الأرواح التي نذرت نفسها للحقّ المهاجرةَ إلى غايةٍ سامية المضطرّةَ إلى أنْ تعيش حياةً بسيطة بالنظر إلى وضعها، عليها أن تفضِّل حياة زاهدة متواضعة حتى آخر أنفاسها، وتستغني عن الدنيا وتهب أحاسيسها ومشاعرها وأذهانها وقلوبها بل وأنفسها بشكل كاملٍ لخدمة الإيمان والقرآن الكريم.

 

 

[1] سنن الترمذي، الزهد، 37؛ سنن ابن ماجه، الزهد، 7.

[2] سنن أبي داود، الزكاة، 26؛ سنن ابن ماجه، التجارات، 25.

[3] صحيح البخاري، الزكاة، 18؛ صحيح مسلم، الزكاة، 94، 97.

[4] النسائي: السنن الكبرى، 212/9؛ الحاكم: المستدرك، 730/1؛ البيهقي: شعب الإيمان، 212/2.

[5] صحيح البخاري، الهبة، 1، الرقاق، 17؛ صحيح مسلم، الزهد، 26-28.

[6] مسند أبو يعلى الموصلي، 491/10؛ مسند الإمام أحمد، 77/12، صحيح ابن حبّان، 280/14.

[7] صحيح البخاري، الزكاة، 60، الجهاد، 188، صحيح مسلم، الزكاة، 161.

[8] صحيح البخاري، الزكاة، 50، الرقاق، 20، صحيح مسلم، الزكاة، 124، الفضائل، 50.

[9] صحيح البخاري، الجهاد، 89، سنن الترمذي، البيوع، 7، سنن ابن ماجه، الرهون،1.(واللفظُ للبخاري)

[10]  صحيح البخاري، مناقب الأنصار، 3.

[11]  مسند الإمام أحمد، 337/41.

 

تكامل الطبيعة الإنسانية والإسلام

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: كيف يمكن للإنسان أن يجعلَ الإسلامَ جزءًا لا يتجزّأُ عن طبيعته؟ وما هي وسائل تحقيق ذلك؟

الجواب: إنَّ الإحساس والشعورَ بالمعلومات الإسلامية النظرية على نحوٍ يتناسب مع ماهيتها الحقيقية الكامنة في وجدان الإنسان، وصيرورةَ هذه المعلومات عمقًا من أعماق الطبيعة الإنسانية مع مرور الزمن ليرتبطُ في المقام الأول بالإقرار بأنّ تطبيق هذه المعلوماتِ شرطٌ أساسيٌّ لا غِنى عنه، ولقد لفَتَ بعضُ الفلاسفة الانتباهَ إلى هذه المسألة باستخدامهم مفاهيم كــ”العقل العملي” وما شابه ذلك، بينما ركّز الصوفيّة على هذا الأمر بطرق وأنظمة مختلفة عنهم مثل “السَّير والسلوك الروحاني”.

وعلى حين أنَّ فيلسوفًا كــ”برجسون (Bergson)” -مثلًا- يقول بإمكانية العثور على الحقيقة عبر الأحاسيس والبصيرة الوجدانية فحسب؛ يؤكد “كانط (Kant)” على أنّ معرفة الله تعالى لا يمكن أن تتم إلّا بواسطة “العقل العملي”، ونظرًا لأنّ هذين الفيلسوفين تربّيا في أحضان الثقافة الغربية، فإنّ وصولهما إلى الحقيقة من عدمه، وإمكانيّة وصولنا إلى الحقيقة على منوالهم سيبقى مثارَ جدَلٍ ونقاش؛ إلّا أننا لسنا بصددِ تحرير ذلك؛ فهذه مسألة أخرى.

إنكم إن أبقيتم الأدلّة التي تسوقونها حول معرفة الله تعالى مجرّدَ معلوماتٍ نظرية، ولم تدعموها بالعمل؛ فإنّ هذا قد لا يكفي لحماية الإيمان والإسلام وأسسهما الخاصّة. أجل، إنّ الريحَ المعاكسة قد تعصف بكلِّ أنواع المعلومات والأدلة النظرية وتنسفها نسفًا، ومن ثمَّ فإنه يلزَمُ تطبيق المعلومات النظرية وتفعيلُها على أساس قاعدة العمل.

سبيل النجاة: الإيمان والعمل الصالح

الحقيقة أنّ القرآن الكريم يربط خلاصَ الإنسان من الخُسران، ونجاتَه من التردّي في أسفل سافلين بالإيمانِ والعملِ الصالح، قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ (سُورَةُ التِّينِ: 4/95-6).

واستخدام صيغة الفعل عند الحديث عن الإيمان والعمل في الآية، والتعبير بالجملة الفعلية لا الاسمية يُشير إلى أهمّيّة الاستمرارية فيهما كي تتحقّق النجاة، ومِن هنا فإنَّه ينبغي للإنسان أنْ يُقويَ إيمانه على الدوام مقتديًا بالصحابة الكرام؛ إذ كان أحدُهم يقول لصاحبه: “اجْلِسْ بِنَا نُؤْمِنْ سَاعَةً”[1]، وأن يسعى دائمًا لتجديده وتنميته، وربّما تكونون قد حللتم مسبقًا كلَّ المشكلات الخاصة بالكفر والإلحاد، وتغلَّبتم وحكمتم عليها بالإعدام، إلّا أنّه حريٌّ بكم ألّا تتوقّفوا أبدًا، ولا تكتفوا بما وصلتم إليه؛ حتى لا تفقدوا هذه المكتسبات الإيمانية، وعليكم أنْ تبحثوا يوميًّا عن مزيدٍ من السُبلِ لتجديدِ إيمانكم ونموّه.

وقد رَكّزَ القرآنُ إِثرَ حديثه عن الإيمانِ على العملِ الصالحِ السليم الدائم الذي لا يشوبه رياء ولا سمعة ولا يتخلّله نقصٌ ولا قصور؛ إذ إنّ نطاق العمل الصالح واسعٌ جدًّا، فجميع الأعمال التي يجب القيام بها بدءًا من الإيمان بالله وعبادتِه وطاعتِه، ومرورًا برعاية حقوق الوالدين، ووصولًا إلى حماية حقوق المسلمين… كلّ ذلك يَدخُل في إطار مفهوم “الصالحات”، واستخدامُ صيغة الفعل دون غيرها من الصِّيَغِ عند الحديث عن العمل الصالح يعني ضرورةَ ألّا يكتفي الإنسان بفعل البِرِّ والخيرِ مرّة واحدةً فحسب، بل عليه أن يُسلِم قِيادَه إلى شلال العمل الصالح ويواصلَ حياته على هذا المنوال دائمًا.

ويمكنكم رؤية نفس المضمون في سورة العصر أيضًا؛ إذ يُذكَرُ فيها أنّ الإنسان في خُسرٍ، ثم تُعلَّقُ النجاةُ والخلاصُ من هذا الخسران على الإيمانِ والعملِ الصالح معًا؛ حيث توجد في ماهية الإنسان مجموعةٌ من القوى والمشاعر والأحاسيس مثل: “القوة الشهوية” و”القوة الغضبية” و”القوة العقلية” قد تؤدي إلى ارتكابه أمورًا سلبية، كما أنها قد تَسُوقُه إلى الخُسران وتُغرقه في مستنقعه في أيّ وقتٍ وآن، وقد قدَّمَ الحقّ تعالى في تلكما السورتين الوصفةَ العلاجيةَ الناجعةَ التي يُمكِنُها أن تكون ترياقًا يحمي الإنسانَ في مواجهة هذه المخاطر القاتلة، وفي صَدَدِ الحديثِ عن هذه الحقيقة قال الإمام الشافعي: “لَوْ تَدَبَّرَ النَّاسُ هَذِهِ السُّورَةَ لَكَفَتْهُمْ ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (سُورَةُ العَصْر كاملة)”[2].

العجز والفقر، الشوق والشكر

لقد أوصى الصوفيّة كذلك بــ”السير والسلوك الروحاني” من أجل تَشَكُّلِ شخصيّة الفرد المسلم واكتسابِ الإنسان فطرةً جديدةً، غير أنّ لهذا سُبلًا ومناهج مختلفة خاصّة به؛ فقد وضع أولئك العظماءُ في حسبانهم العواملَ الضاغطة على المسلمين في الفترة التي عاشوا هم فيها، وأسّسوا أنظمةً قادرةً على التصدّي لتلك الظروف، والصمودِ في مواجهتها؛ وبينما ربطَ بعضُهم نظامَه بــ”مراتب النفس السبع”، أسَّسَ البعضُ الآخرُ نظامَه بناءً على “اللطائف العشرة”.

أما الأستاذُ بديع الزمان فقد ربط النظامَ الذي وضعه بأربعة أسس هي: العجز المطلق والفقر المطلق والشوق المطلق والشكر المطلق، وتحدث عن أساسين آخرين قَد يُتمّمان هذه الأسسَ الأربعةَ، ألَا وهما: الشفقة والتفكر[3]، وهذا النظامُ بمثابةِ دربٍ يجبُ  على مَن يبغي الإنسانيّةَ الحقيقيّةَ والكمالَ أن يسلكه، غير أنّ إقرارَ إنسانٍ بهذه الأسس وقبولَه بها واستيعابَه إيّاها يتطلبُ جهدًا وسعيًا حقيقيًّا.

الأساسُ الأوّلُ: هو العجزُ المطلق، ويُقْصَدُ به أنْ يَعيَ الإنسانُ ويُدركَ أنّه يستحيل عليه القيامُ بكلِّ عملٍ يرغب فيه؛ فالحوادث تقع وفقًا لتقدير الحقّ تعالى، ولا نستطيع التدخّل فيها، وحتى وإن لم نُنكر وظيفةَ الإرادة في هذا الموضوع فمن المؤكّد أنّ الله تعالى هو خالق النتائج كما أنّه الخالق لكلِّ شيءٍ، وإذا كان الأمر كذلك فعلى الإنسان أن يعتبر نفسه قطرةً في بحرٍ أمام كُلٍّ من الإرادة والقدرة الإلهيّتين الأبديّتين، ويرضى بوضعِهِ ومقامِهِ ويُسلِّمَ زمامَ أمره للخالقِ سبحانه وتعالى.

أما الفقر المطلق فهو: أن يُدرك الإنسان ويعِيَ تمامًا حقيقةَ أنّ الله تعالى هو الصاحب والمالك الحقيقي لكلِّ الموجودات والأشياء، وما نملِكه ممّا استُخْلِفنا عليه إنما هو منه ولَه، فهو الذي استخلَفَنا في الأرض، ومنَّ علينا بِنِعَمٍ لا تُعَدُّ ولا تُحصَى، وجعلنا مسلمين، وعرّفنا بسلطان الأنبياء صلى الله عليه وسلم، وفتح لنا آفاقًا ساميةً عالية على الرغم من عدمِ أهليّتنا لها، وربَطَنا بغاياتٍ ساميةٍ وحثّنا على استهدافِها وتحقيقها، فإن جحدنا النعمةَ وأعرضنا عن الحديث عمّا أنزله الله تعالى علينا من نعمٍ وانتقَلْنا إلى الحديث عمَّا هو مِن عند أنفسنا فلن يبقى في أيدينا بل ولن نجِدَ في جُعبتِنا شيئًا أبدًا! فماذا نكون نحن ما دام جسدُنا وعقلنا وحِسّنا وفكرنا وكلّ أعضائِنا وأملاكِنا مِنْ عنده تعالى؟ إننا إذًا -وكما قال فضيلة الأستاذ بديع الزمان- ظِلُّ ظِلِّ ظِلِّ نورِ وجودِهِ سبحانه وتعالى، بل إنّنا أمامه جلَّ وعلا لا نُعتبر ولو حتى مجردَ قطرة في بحرٍ[4].

التفكّر والشفقة

بالرغم من أنّ هذه الأسس المذكورة مهمّة جدًّا إلّا أنّها لا يمكن أنْ تتوحّد مع طبيعة الإنسان تمامًا بمجرّد قراءتها والتفكيرِ السطحيّ بها، إذ إنّ تحوُّلَها إلى بُعدٍ من أبعادِ الطبيعة الإنسانية مرتبطٌ بحالةٍ من التأمُّل والتدبُّر والتذكُّر الحقيقيّ الجاد، فعلينا أن نُمعِنَ في التفكير والتأمّل في الإنسان والقرآن والكون، ونفعلَ كلَّ ما بوسعنا حتى نجعل حديثنا وكلامنا وسيلةً وسبيلًا لشرح هذه الحقائق، وأن نُديم التفكير فيما نملكه، وكم لدينا من رأسمال، وما مدى وجود قُوّتِنا؛ فالحقيقة أنَّ بلوغ الإنسان آفاق مرتبتي الشوقِ والشكرِ مرتبطٌ ومرهونٌ بتوفُّرِ نظامٍ فكريّ فعّالٍ يَنْشَطُ على هذا النحو.

أما الشفقة التي هي مِنْ أسس منهجنا فتعني الرحمةَ بالإنسانية والسعيَ الجادَّ والتفانيَ والتضحيةَ لإنقاذ الآخرين، بل إنّه يجب على الإنسان ألّا يَقْصُر مشاعرَ الشفقة التي يمتلكها على الإنسانية فحسب وإنَّما عليه أن ينشرها وينثرها على الوجود بأسره، ويستثمرَ كلَّ فرصة تَعِنُّ له في عَرضِ هذا الشعور عرضًا عميقًا ودقيقًا، بل إنّه ينبغي له أن يتحلّى بأسمى معاني الشفقة وأَرْحَبها حتى إنه ليبكي إذا رأى نحلةً تُعالِجُ الموت.

ولا ريب أنّ اكتساب مثل هذا النوع من حِسّ الشفقة مرتبطٌ بامتلاك إيمانٍ قويٍ بالآخرة إلى جانب التفكُّر والتدبُّر، وأحسَبُ أنّ ذلك الهيجان والخلجان لدى الأنبياء العظام إنما كان ينبع خوفًا من سوء العاقبة، وشوقًا إلى حسن الخاتمة، لأنهم يؤمنون أن أولئك المتحررين الذين أطلقوا لأنفسهم الأعنّةَ دونَ حدودٍ أو ضوابط سيتردَّونَ في جهنم حتمًا، وأنَّ هناك جنّةً في الآخرة تتمايل وتتراءى بكل عظمتها ورونقِها، ولهذا السبب فقد بذلوا كلَّ طاقاتهم ووسعهم وسخّروها لدفعِ الناس عن تلكَ النارِ إلى تيك الجنّة، وحالةُ مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم الذي خُوطب في القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: 3/26)، وقولِه: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ (سُورَةُ الْكَهْفِ: 6/18) إنّما تنبعُ من هذه التأملات الواسعة الكامنة بين جوانحه.

أجل، ينبغي للإنسان أن يسعى ويجتهد كي يرتقيَ إلى الدرجات العُلى وكأنّه في دوامة حلزونية، سواء باستخدامه المنهج الذي وضعه فضيلة الأستاذ بديع الزمان أو بغير ذلك من الطرق والمناهج؛ فبينما هو يؤدي حقّ المقام الذي يشغله؛ عليه -وبنفس الوقت- أنْ يطمحَ بنظره دائمًا إلى مقاماتٍ أسمى وأرفعَ، ويكونَ لسانُ حاله دائمًا لسانَ حالِ المسافرِ في سبيلِ معرفةِ اللهِ تعالى التي لا يُشبعُ منها أبدًا، ويستزيد منها قائلًا: “فهل من مزيد؟” فإن استطاع الاستفادة الجيدة من العطايا والواردات التي حظي بها فيما وصل إليه من مَقام؛ فَلَسَوف تستيقِظُ الأشواقُ في أعماقه نحو أشياءَ جديدةٍ، ومِنْ ثَمّ فإنّ مثلَ هذا المسافرِ سيطرق أبوابًا شتى دائمًا ودون توقُّف.

الاستقامة والسعي الدؤوب

إنّ مسافرًا في طريق الحقّ كهذا الذي يتحرّك باتجاه الشوق والتوق المستيقظ في وجدانه سوف يسعى دائمًا لإعلاء هِمَّته، وكلما أعلاها أكثر كلّما أُتيحت له فرصة التحرّك أكثر، وبهذا سيدخل في إطار دائرة صالحةٍ؛ فتتكون في فؤاده دومًا اشتياقات جديدة يطلب بفضلها ويطمح إلى مراتب ومقامات جديدة؛ أي إنّ الإنسان حين يبذل طاقته ووسعه كشرطٍ عاديّ فإن المشيئة الإلهية التي هي الشرط الأساس تُسْعِفُه؛ فتوصله إلى المراتب التي ينشدُها.

ولا شك أنَّ استيعابَ كلِّ هذه الأمور وصيرورتها بُعدًا من أبعادِ الطبيعة الإنسانية لن يتحقق هكذا فجأةً؛ فهذا الأمر مرتبطٌ بجهد وسعي حقيقي وجادٍّ، ولكن قد تتحقّق خوارقُ عاداتٍ في بعض الحالات الخاصة، فَيَصِلُ الناس على جناحِ السرعة إلى ذروة الكمالات الإنسانية؛ وعلى سبيل المثال فهناكَ مَن لم يتسنَّ له من صحبةِ النبيّ صلى الله عليه وسلم ومجالسته إلا مدّةً وجيزةً، ومع ذلك فقد ارتقى ووصل آفاق الصحابة، لأن مجلسه صلى الله عليه وسلم مناخٌ يصبِغُ المخاطبين ويؤثِّرُ في أعماقهم، فهو يُذكِّرُ بالله تعالى دائمًا بحاله وسلوكه وجلسته وقَومَتِه وصمته وحديثه وما في وجهه من قشعريرة، وما في تقاسيمه من سعادة، إنه صلى الله عليه وسلم يُشعر بكلِّ أحوالِه مَنْ بجواره أنه في حضرة الله تعالى.

والأمر كذلك بالنسبة لبعض أولياء الله تعالى الذين جاؤوا بعد سيد الأنبياء صلى الله عليه وسلم؛ فقد يرتقون -بنفَسٍ واحدٍ منهم أحيانًا- بمَنْ يدخل في جوّهم ومناخهم إلى أفق الإنسان الكامل، ويمكنكم أن تضربوا مثلًا على ذلك الارتقاء العمودي بما كان لدى ذوي القابليات العالية مثل: “طاهر موتلو (Tahiri Mutlu)” و”حسن فيضي (Hasan Feyzi)” وحافظ علي (Hafız Ali) وخلوصي أفندي (Hulusi Efendi)” الذين تحلَّقوا حول فضيلة الأستاذ بديع الزمان.

غير أنّ هذه الأمور من النادِرِ وقوعها، وليست دائمةً ولا مستمرّة، لأن ذلك كرمٌ إلهيٌّ يظهر لدى الأنبياء العظام في صورة معجزة، بينما يظهر لدى الأولياء العظام في صورة كرامة، أما الجانب الموضوعي من هذه المسألة، أي شكلها الذي يمكن للجميع اللجوء إليه في كل آنٍ وحينٍ فيتسنى باستغلال الإرادة استغلالًا صحيحًا في جميع الأوامر والنواهي.

إنْ كنا نُريد أن نجعل قِيمَنا الخاصة بُعدًا من أبعاد طبيعتنا فعلينا أن نجتهد للاشتغال الدائم بروافدنا ومصادرنا، وأن نتحدث عن الحبيب تبارك وتعالى في حلِّنا وترحالنا، وننسجَ كلَّ أحاديثنا وجلساتنا حوله.

كذلك ينبغي ألَّا ننسى أنّ الله في عون العبد ما دام العبد يبذل جهدًا حقيقيًّا ويسعى سعيًا حثيثًا في موضوع العبوديّة له تعالى.

“إن تحبِبِ اْلمولى، أتظنُّ أنه لن يحبك؟

وإن طلبت رضا الحق، أتحسبه خاويًا يرُدّك؟

وإن ضحيتَ بالروح عند باب الحقّ

وكنتَ طوعَ أمره، أفيبخسُك الله ثوابك وأجرَك؟”

إنكم إنْ تتّجهوا إلى الله، يتّجه إليكم، وإنْ تحوِّلوا أنظاركم وأبصاركم إليه تعالى ينظر إليكم، وإنْ تفتحوا إليه قلوبكم وأفئدتكم لا يتركها خاويةً فراغًا.

وختامًا أقولُ إنْ استطاعَ الإنسانُ جعل تطبيق الإسلام طبيعة فيه فلن يتعسَّرَ ولن يتعب كثيرًا في أداء مجموعة من العبادات والتكاليف المنوطَة به، فمثلًا إنّ الاستيقاظَ من النومِ ليلًا والقيامَ إلى التهجُّد ليثقُل ويشقُّ على النفس، غير أنّ الإنسان إنْ جعل هذا الأمرَ جزءًا لا يتجزّأُ من طبيعته، وكأنه عقدَ اتّفاقًا سرّيًّا بينه وبين الله تعالى؛ فلن ينزعج ولن يتأذّى بسبب النهوض من فراشه، ربما يعاني في أول الأمر من خمولٍ بسبب النوم، إلّا أنّه حين يُسلِمُ نفسَه للصلاة ويتوجه بالدعاء ويشرعُ في التضرُّع إلى الله تعالى؛ فإنّه سيقول من شِغافِ قلبه: “ما أحسنَ أنْ استيقظتُ، واستثمرتُ هذه الساعات الليليّة الموحشة، وتوَّجْتُها بمناجاتي ربي!”.

 

 

[1] صحيح البخاري، الإيمان، 1؛ مسند الإمام أحمد، 309/21.

[2] ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، 3/1.

[3] انظر: بديع الزمان سعيد النورسي: المكتوبات، المكتوب الرابع، ص 24؛ الكلمات، الكلمة السادسة والعشرين، ذيل، ص 555.

[4] انظر: بديع الزمان سعيد النورسي: المكتوبات، المكتوب الخامس عشر، السؤال السادس، ص 76-77.

 

وَحِّدْ القبلةَ ولا تشتِّتْ الهمّةَ

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ذكر الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي رحمه الله في موضعٍ من رسائله أن الإمام الربانيّ أحمد السَّرْهَنْدِيّ قُدِّس سرّه قد أوصاه في واحدةٍ من التوافقات الخالصة بتوحيد القبلة[1]، وبناءً عليه اعتصَم بديع الزمان بالقرآن الكريم وجعلَه المرشدَ الأوحد له، فما الذي تكشف عنه هذه الحادثة في وقتنا الحالي؟

الجواب: في البداية أريد أن ألفت انتباهكم إلى أمرين قد يُفهمان خطأً:

الأول: يجب أن نعلم أن الأستاذ النورسي رحمه الله رحمة واسعة لم يكن يستصوب اتخاذ مثل هذه التوافقات (التفاؤلات) والرؤى أحكامًا عامّةً؛ لأن الأحكام المستقاة منهما أحكامٌ خاصة وليست موضوعيةً، فضلًا عن ذلك لا بدّ من تأويل هذه التوافقات والرؤى تأويلًا صحيحًا، وتأويل الرؤى يُعنى به التوصّل إلى نتيجةٍ ما من خلال تأويل بعضِ الرموز المعينة، ومن ثمّ يختلف ما يرد في الرؤيا عن الحقيقة التي تعبر عنها، وهذه الأسس التي سقناها حيال التوافقات والرؤى أمورٌ مسلّمٌ بها، ولا بدّ أن الأستاذ النورسي عندما اهتدى إلى هذا التوافق؛ استقرّت نتيجتُه في ذهنه، وصدّق عليه قلبُه، ورآه متوافقًا مع تجاربه، ولذا أعطاه هذا القدر من الأهمّية ونقله لنا.

أما الآخر فهو: إن عبارةَ “وحِّد القبلة نحو القرآن” التي صاحبت هذا التوافق لا يُقصد منها أن الأستاذ النورسي قد انفصل عن القرآن الكريم وهجره، وأخذ يلهث وراء أمور أخرى حاشاه، فحياته ظاهرة للعيان، ومن المعلوم لدى الجميع أنه قد ظل طوال حياته يسعى وراء الحقائق القرآنية دون سواها، وعلى ذلك فإن عبارة “وحِّد القبلة” ما هي إلا هدفٌ دُلّ عليه الأستاذ في أفقِ توافقٍ خاص، والواقع أنه كان خلال المراحل الأولى من حياته يبتغي تناسبَ إقامةِ الحق والحقيقة والتعبير عنهما مع روح ومقتضيات عصره، وفي هذا السبيل طوّف بالتكايا والزوايا، وتعرّف بالكثير من الناس، لكنه لم يقابل أحدًا -وفقًا لرؤيته- يعي مشاكل العصر التي ينبغي الوقوف عليها ويهتمّ بها ويطرح حلولًا تتناسب مع روح العصر، وإزاء هذا الوضع رأى ضرورةَ تناول المشاكل التي اعترضت حياةَ المسلمين بأسلوب ومنهجٍ مختلفٍ، وفي النهاية توصّل إلى أن القرآن الكريم هو المرشدُ الأوحدُ الذي يجب الرجوع إليه والاستعانة به.

وإذا ما نظرنا إلى العهد الذي عاشه الأستاذ النورسي لوجدنا أن كلَّ شيء في ذلك العصر قد أصابه الخراب والدمار، وانقلبت جميعُ القيم رأسًا على عقب، ولقد صور لنا الشاعر محمد عاكف هذه الأيام بقوله:

 خراب ديارٍ وانهيارُ بيوتٍ واستيحاشُ صحراء

وانمحاق البركة من الأيام، وافتقار الليالي إلى الغاية العلياء

فلما شاهد الأستاذ النورسي كلّ هذا أدرك عِظم الداء، فبحث يمنةً ويسرةً عن علاجٍ ناجعٍ له، ورغم أنه حاول أن يوضّح مدى شدّة وفداحة ما وقع من دمارٍ وخراب، وضرورةَ معالجة المسألة من الأساس مجدّدًا، والاهتمامَ بمسألة الإيمان؛ فإنه مع الأسف لم يجد إلا القليل مـمّن يتفهّمون همّه، وبناءً على ذلك يمّم وجهه شطرَ القرآن الكريم، ولكنه لـمّا فعل ذلك لم يقصر نفسه على مناهج التفسير التقليدية، ولكن انتهج لنفسه منهجًا خاصًّا استقاه من منهلِ القرآن الكريم نفسه، وبهذا المنهج قدّم لنا وصفاتٍ علاجية من الدساتير الماسيّة للقرآن الكريم تداوي جميع أمراض عصرنا.

تحديد مشاكل العصر أوّلًا

والحقُّ أنّ الكثير من العلماء ظلّوا -على مدار قرون متعدّدة- يبحثون عن حلولٍ تلبّي متطلّبات وظروفِ عصرهم، فحرّروا مؤلّفاتهم على هذا الأساس؛ ولقد ظهرت -على سبيل المثال- العديد من المشاكل المختلفة في عهد الإمام الغزالي مثل: تسلّل الفلسفة اليونانية إلى العالم الإسلامي، وانتشار أفكار المعتزلة والجبرية، وظهور فرقتي الباطنية والقرامطة، وقد طعّمت الفلسفة اليونانيّة بجانبها الباطنيِّ العالمَ الإسلاميَّ آنذاك، مما نتجَ عنه تأثُّر كثيرٍ من المسلمين؛ فمثلًا نجد الفارابي وابن سينا -في باكورة أعماله الفكريّة- قد تأثّرا بالفكر الفلسفي الذي وفد علينا من خلال ترجمة مؤلفات أفلاطون وأرسطو التي تعتمد في الأساس على أفكار سقراط، فما كان من الإمام الغزالي إلا أن بذل كلّ طاقته في سبيل توجيه الناس في عصره إلى نهج النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الفضلاء رضي الله عنهم أجمعين، وتمّ له ذلك بفضل من الله؛ إذ أسَّسَ منهجًا وطريقًا خاصًّا بعيدًا عن الفلسفة اليونانية، وأضفى على الفلسفة الإشراقية لونًا خاصًّا.

وكذلك اشتغل الإمام الرباني بحلّ المشاكل التي انتشرت في عصره، وكما تعلمون أنه معاصرٌ لسلطان الهند “جلال الدين أكبر شاه” الذي كان مهيمنًا على مقدرات بلاد الهند، لقد ادّعى هذا الشاه كالتاريخانيّين (الحداثيّين الذين يُنكرون صلاحية نصوص القرآن لكل زمانٍ وأوان) في عصرنا أن الكتاب والسنة لا يتوافقان من حيث ماهيتهما الحقيقية مع روح العصر الذي يعيشون فيه، وابتدع خلطةَ ديانة؛ بمعنى أنه سعى إلى تشكيل ديانة جديدة تشتمل على توليفة من اليهودية والمسيحية والبوذية والهندية وشيءٍ من الإسلام، وبناءً على ذلك شكّل الإمام الرباني أسوارًا حول الإسلام يجابه بها هذا الفكرَ الضالَّ المنحرفَ، واستطاع بِرُوحِ التجديد الكامنة في أعماقه أن يُشيّدَ صرحَ الروحِ في العالم الإسلامي مرة أخرى.

والواقع أن هذه الهمّة ومثيلاتها مستقاة من همّة رسول الله صلى الله عليه وسلم عند انزوائه في “سلطنة حراء” قبل زهاء ستة أشهر من نزول الوحي عليه، فمن غير المعقول ألا تفكّر مثلُ هذه العقلية الرائعة وهذا الإنسان المحظي بجاهزية خاصة في المشاكل التي كانت منتشرة في العصر الجاهلي قبل أن ينزوي إلى “سلطنة حراء”، فكم أضْنَتْ هذه الروح الفريدة نفسها وأنهكت عقلها قبل أن تُشَرِّف غار حراء في سبيل توجيه الناس إلى الله والدّين الحنيف! وفي النهاية نزل الوحي منهمرًا على الرسول صلى الله عليه وسلم، ووَجَّهَ الله تعالى وَجْهَ نبيّه صلى الله عليه وسلم إليه تعالى، وأرسل له شرعةً جديدةً فيها العلاج الناجع لكل أمراض ومشاكل العصر.

الدساتيرُ القرآنيّةُ الماسيّةُ وَصْفَةً طبيةً لعصرٍ مريضٍ

حين طالع الأستاذُ بديعُ الزمان “المكتوبات” للإمام الربّاني ووقع له هذا التوافق أخذ بوصيته الداعية إلى ضرورة التوجُّهِ التامّ مجدّدًا إلى القرآن الكريم، والبحثِ عن علاجِ مشكلاتِ العصرِ في ثنايا حقائق القرآن الماسيّة دون سواها، وهذا يعني أنّ النتيجة التي ظهرت لبديع الزمان في هذا التوافق تتّفق مع المشاعر والأفكار المستقرّة لديه مسبَقًا، بل إنها في نفس الاتجاه، وبناءً عليه قَطَعَ علاقته بكل شيء وركّزَ في نقطة واحدة، وكثّف هِمّته على هذا الموضوع حتى إنَّه لم تُثْنِه عنه لا المضايقات ولا النفي ولا السجون ولا المعتقلات قطُّ، ولم تُجبره على التراجع ولو حتى خطوةً واحدةً؛ وذلك لأنَّه كان يؤمن يقينًا بأنَّ نجاة الإنسان المعاصر وخلاصه سيتحقّق بالدساتير القرآنية الماسيّة، وأنّ هذه النجاة ستكون مصدرَ أملٍ لنجاة آخرين كُثُر.

وإذا ما نظرتم إلى الأمر من زاوية يومنا المعاصر؛ تَعَذّرَ عليكم أن تروا الشناعاتِ والدناءاتِ التي ارتُكبت في تلك الفترة رؤيةً كاملةً، ولا تستطيعون الوقوف على الصورة بكلِّ تفاصيلها، فحتى كبار العلماء الذين عاشوا في ذلك العصر ممن يُوصفُ كُلُّ واحد منهم بــ”العلامة” تذبذبوا بين هذا وذاك؛ بحيث إنكم حين تنظرون إلى مؤلّفاتهم تجدون بعضَهم قد ماشى نظريّةَ التطوّر، حتى إنَّ بعضَهم قال: إنَّ التطوُّرَ نظريّةٌ، وإنَّه إذا ما أثبتَتْها العلوم التجريبيّة ذات يومٍ؛ فمن الممكن التوفيقُ بينها وبين الآيات القرآنية.

أجل، في هذه الفترة ارتجّ جذرُ المجتمعِ بمقوّماته الأساسية، وتوالت فيه الانكسارات والمصادمات تترى، وظهرت عقلية سامية تعرف كيف تنظر إلى الحوادث نظرةً كليّةً شموليّةً، وتبصر الأسبابَ والنتائجَ مجتمعة، ولقد أخذت هذه العقلية بعين النظر والاعتبار توصيةَ الإمام الربّاني تلك؛ نتيجة مطلَقِ ثقتها به، وبتعبيرٍ آخر: وافقَ توافقُها هذا توافقاتِه الداخليةَ الخاصة؛ فاستفادت من هذا الاقتران وواصلت المسير في هذا الطريق.

آفاق جديدة بوجهة نظر جديدة

يمكن في يومنا الحاضر أيضًا -انطلاقًا من المنافذ التي تركها بديع الزمان مفتوحةً- تقديمَ صورة جديدة للمسائل والقضايا التي تناولها، وإكسابَ الناس انفعالًا جديدًا؛ فعليكم أن تعرضوا بأسلوبٍ ومنهجٍ مختلفٍ تلك الحقائقَ التي تناولها هو بحيثُ تأسِرُ أَلبابَ مَنْ يطّلعون عليها فيقولوا: “كنا نقرأ هذه القضية لسنوات عديدة إلا أننا لم نفهمها على هذا النحو قط”، ويشعروا بانفعالٍ وحسٍّ جديد في أرواحهم، والواقعُ أن معظم كلامه عميقُ المعنى والمحتوى إلى درجة أنْ يُشَكِّلَ كلٌّ منه أطروحةً علميةً مستقلّة بذاتها؛ بيد أنَّ القدرة على رؤية هذا العمق تتطلّب سعيًا إلى اطّلاعٍ وقراءةٍ تتجاوز الشكليّات لتنفذ إلى اللطائف الكامنة في الداخل، وكما تعلمون فإنّ العالم المغربي المرحوم “فريد الأنصاري” قد ألَّف كتابًا جميلًا بعنوان “مفاتيح النور” يُعنى بالمفاهيم الرئيسة في رسائل النور، فلماذا لم تُجرَ في بلدنا دراسةٌ حول آثار هذا الإنسان المبارك تكون بقدر أفق ومستوى تلك التي أجراها الشيخ فريد الأنصاري؟ لماذا عجزنا أن نُقيِّم آثار هذه القامة السامقة الممتازة الفريدة تقييمًا من زوايا مختلفة؟ الواقع أنّ المرء يتأوّه كلَّما فكّر في هذه الأمور ويعجز عن أن يمنع نفسه من التحسُّر والأسف.

ومع ذلك فالأمرُ أهمّ بكثير من مجرّد التفجّع والتأسُّف؛ ففي رأيي أنّ الواجب الذي يقع على عاتق العقول المستنيرة في عصرنا هو مطالعة هذه المؤلفات القيمة للأستاذ بديع الزمان بوجهة نظر جديدة، لا سيّما ذوي الأفق العلميِّ الواسع، الخبراء في مجال الدراسات الدينية، فإنَّهم يستطيعون من خلال القراءة المقارنةِ تناولَ تلك المؤلفات ومطالعتها مع مؤلفات العلماء العظام من أمثال الإمام الماتريدي والإمام الغزالي وعز الدين بن عبد السلام وابن سينا وفخر الدين الرازي؛ مما يولّد في الضمائر هيجانًا وحماسًا جديدًا تجاهها، بل لا يكتفون بهذا فحسب وإنما يحللون تلك المؤلفات الممتازة وفقَ منهج قراءة ومطالعة جديد، وانطلاقًا من المنافذ التي تركها فضيلة الأستاذ النورسيّ مفتوحةً؛ يستطيعون إعدادَ جيلٍ من العلماء قادرٍ على استحداثِ منهجٍ علميٍّ للمستقبل، وتأسيسِ عِلمِ المناهج الفقهيّة، إلى جانبِ إجراء دراسات سليمة حول بعض العلوم كالفقه والحديث والتفسير.

 

[1] يقول الأستاذ بديع المزان: “وجدتُ كتاب “المكتوبات” للإمام الفاروقي السرهندي، مجدد الألف الثاني فتفاءلت بالخير تفاؤلاً خالصاً، وفتحته، فوجدت فيه عجباً.. حيث ورد فيه رسالتان كتبهما الشيخُ إلى “مِيرْزا بديع الزمان” فأحسست كأنه يخاطبني باسمي، إذ كان اسم أبي ميرزا وكلتا الرسالتين كانتا موجهتين إلى ميرزا بديع الزمان فقلت: يا سبحان الله. إن هذا ليخاطبني أنا بالذات، لأنني كنت ألقب قديما “بديع الزمان “، ومع أنني ما كنت أعلم أحدًا قد اشتهر بهذا اللقب غير الهمداني الذي عاش في القرن الرابع الهجري، فلا بد أن يكون هناك أحد غيره قد عاصر الإمام الرباني السرهندي وخوطب بهذا اللقب، ولا بد أن حالته شبيهة بحالتي حتى وجدت دوائي بتلك الرسالتين .. والإمام الرباني يوصي مؤكداً في هاتين الرسالتين وفي رسائل أخرى أن: وحِّد القبلة أي: اتبع إمامًا ومرشدًا واحدًا ولا تنشغل بغيره! لم توافق هذه الوصية – آنذاك – استعدادي وأحوالي الروحية.. وأخذت أفكر ملياً: أي المشايخ أتبع!. أأسير وراء هذا، أم أسير وراء ذاك؟ احترت كثيرًا وكانت حيرتي شديدة جدًا.

وحينما كنت أتقلب في هذه الحيرة الشديدة.. إذا بخاطرٍ رحمانيٍّ من الله سبحانه وتعالى يخطر على قلبي ويهتف بي: “إن بداية هذه الطرق جميعها.. ومنبع هذه الجداول كلها.. وشمس هذه الكواكب السيارة.. إنما هو القرآن الكريم فتوحيد القبلة الحقيقي إذن لا يكون إلا في القرآن الكريم.. فالقرآن هو أسمى مرشد.. وأقدس أستاذ على الإطلاق.. ومنذ ذلك اليوم أقبلت على القرآن واعتصمت به واستمددت منه…” (بديع الزمان سعيد النورسي، المكتوبات، المكتوب الثامن والعشرون، الرسالة الثالثة)

 

يَمَامُ العالم الميتافيزيقي والانبعاث المرتقب

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ما الأمور التي يرتبط بها انفتاح الإنسان على المعنويّات والعوالم الميتافيزيقية؟

الجواب: يَعتبر بعضُ الناس المادةَ كلّ شيء، فيعيشون حياتهم بمنأى عن المعنويات والميتافيزيقا… قد يكون لفطرتهم أثرٌ واضح في هذا التوجّه، غير أنهم لم يُعطوا إرادتهم حقّها، ولم يبذلوا أيّ عزمٍ أو جهدٍ حقيقيّ في هذا المضمار، لقد انحدرت عقولُ هؤلاء إلى عيونهم، وأصبحوا لا يُفكّرون إلّا فيما يرون، وانغمسوا في المادّيّات حتى آذانهم وإن كانوا يدّعون الإيمان بربهم؛ فحبسوا أنفسهم بأنفسهم في الإطار الضيق لأفكارهم وقناعاتهم؛ فمثلًا لا يؤمنون بما يُسمّى الكرامات التي نستطيع عدّ الآلاف منها، والتي نُقلت إلينا عبر العصور بالتواتر عن أناسٍ ثقاتٍ يستحيل تواطؤهم على الكذب، بل إن بعض هؤلاء الماديين يرفضون الاعتراف بالمعجزات حتى رغم اضطرارهم إلى قبولها بسبب تواتُرِ وسلامة رواياتها؛ ويحاولون أن يُفسِّروها بالأسباب المادّيّة ويُخضعونها لتأويلاتٍ من قِبَلِ أنفسهم.

لقد قيّد هؤلاء عالمهم الفكري بالمادّيات، وبمرور الزمن أضعفوا قابلياتهم وقدراتهم على فهم الجانب الميتافيزيقي للأشياء والحوادث، ومن ثمّ لم يستوعبوا الحِكَم التي تحتويها تلك الحوادث التي تبدو شرًّا مستطيرًا في الظاهر، ونظرًا لأنهم لم يستطيعوا الوقوف على علم “تأويل الأحاديث” فلم يستطيعوا إدراك المعاني المختلفة الكامنة في جريان هذه الحوادث.

خلفيّاتُ الحوادثِ والحِكْمَةُ منها

إذا نظرنا إلى كيفيّة وقوع الحوادث نجدها كالآيات البينات تعبّر عنْ معانٍ تختلف من شخصٍ لآخر، ولكن على الإنسان إذا ما أراد إدراك ذلك أن ينظر إلى ما يحدث حوله ويستشعره أوّلًا بِلطيفتِهِ الربانية، وأن يمتلك القدرة على التحليل والتأليف؛ بمعنى آخر: عليه أن يدرس الأوامر التكوينية كالأوامر الشرعية على أنها كتابٌ مقروء، وأن ينظر إلى الحوادث نظرةً شموليةً، وأن يبذل وسعه لإدراك الصلة بينهما، وأن يسعى لاستيعاب العلاقة بين السبب والنتيجة، ضاربًا بمفهوم “الصدفة” عرض الحائط، وما أجمل ما قاله الشاعر التركي “رجائيزاده محمود أكرم”:

الكون بأسره كتابٌ عظيمٌ لله

إن أمعنتَ النظر في أي حرفٍ منه رأيتَ أن معناه: “الله”

لنفترض أن بعض الحوادث قد وقعت صدفةً، أو أن احتماليّة وقوعها واحد بالمائة، فإذا أضفتَ إليها بعض العوائق والوقائع التي ترتبط بها فستقلّ نسبة احتماليّة الوقوع إلى واحد في الألف، أو واحد في المليون، أو في المليار، ولو أجال الإنسانُ النظرَ في حياته، وتناول كلّ ما جال بخاطره وعلق ببصره ولامسته حواسه ومشاعره بنظرةٍ شموليّة؛ فبإمكانه استنباط الكثير من المعاني العميقة من هذه الحوادث والروابط التي تربط بينها، وسيشاهد بعين اليقين مرّة أخرى مع كل حادثة أنه لا صدفةَ في الكون ولو بقدر ذرة، ولكن إذا تناولها بشكلٍ مستقلٍّ كما يفعل بعض الفلاسفة فلن يستطيع حينذاك إدراك مضمون ومفهوم الإيمان بالله تعالى المكنون في كلِّ حرفٍ من هذا الكون.

وانطلاقًا من هذا فإذا ما رغب الإنسان في الانفتاح على عالم المعنويات فليدقّق النظر في الكون وما يجري فيه من أحداث، وليؤمن يقينًا بأنه لا يوجدُ شيءٌ في الكون دون معنى، فمثلًا إذا ما سقط كوبٌ من يده وانكسر فعليه أن يعلم وفقًا لعلم “تأويل الأحاديث” أن لهذا معنى بالتأكيد، وأن يتأمل فيه حتى يفهم المعنى والرسالة اللذين يعبّر عنهما، لكن لا تحملوا كلامي على غير محمله؛ لا أدعو بقولي هذا إلى أن نُخضع نظرتنا للحوادث إلى التفاؤل أو التشاؤم وما ينشأ عن ذلك من أملٍ أو يأسٍ، بل إلى إدراكِ أن لكلّ حادثةٍ معنًى معيّنًا تعبّر عنه بلسان حالها.

الدعاء: المفتاح السري للانفتاح على العوالم الميتافيزيقية

لا بدّ للإنسان حتى يُدركَ البعدَ الميتافيزيقي للوجود أن يسعى إلى تعميق معلوماته النظريّة بأداء العبادات والطاعات، ولا جرم أن الدعاء يأتي على رأس العبادات؛ لأنه مُخُّ العبادة، وهو اسمٌ وعنوانٌ على العبودية الخالصة لله تعالى، كما أنه عبادةٌ تتجاوز دائرة الأسباب، فهو السُّلّمُ الأهمّ في إيصال الإنسان إلى أفق ما وراء الأسباب.

ولكن ما هو أهمّ مطلب لا بد أن يسأله العبدُ عند دعائه لربه؟

إننا نواظب صباح مساء على الدعاء بـ”اللَّهُمَّ أَجِرْنَا مِنَ النَّارِ وَأَدْخِلْنَا الْجَنَّةَ مَعَ الْأَبْرَارِ”، ولا شكّ أن النجاةَ من النار والفوزَ بالجنة من أهمّ الغايات التي ينشدها المؤمن في الحقيقة، ولكن الأحرى أن يسأل اللهَ تعالى ما هو أعظم من ذلك، ألَا وهو: معرفة الله معرفةً يقينيّة، وعدم الغفلة عنه تعالى أبدًا.

أجل، هذه هي الغاية الأسمى التي يجب أن يَعِيَها الإنسان ويركّز عليها في دعائه، ينبغي له إذا ما رفع يديه بالدعاء لربّه سبحانه وتعالى أن يطلب معرفة الله ومرضاته أولًا، وأن يُلحّ في الطلب حتى يشعر وكأن اللطائف التي تأتيه من ربّه قد أصابت يديه بالخَدَرِ والتنميل، أو كأنّها تنهال عليه، فإذا ما عاش العبد هذا الشدَّ المعنوي من رأسه حتى أخمص قدميه، فعليه أن يدعو الله وكأن قلبَه قد انخلع ورأسَه قد تصدّع: “اللهم زِدْني إيمانًا ومعرفةً بك ومحبّةً لك، وأطرِبني بالشوق إليك، واملأ قلبي بعشقك، واجعلني مجنونَ سبيلك!”.

جرِّبوا أن تسألوا الله ذلك ألفَ مرّةٍ بقلبٍ صادقٍ سليمٍ لا سيّما في جوف الليل، ولا يعزب عن علمكم أن الله هو الذي يمزّق ستائر الطبيعة ويفتح آفاقًا جديدةً لكم خلفها، ستطّلعون بإذنه وعنايته على العوالم الميتافيزيقية، يجب ألا ننسى أن من طلبَ وجدّ وجدَ؛ أي إن من يتابع أمرًا ويحمله على محمل الجدّ يتفضل الله عليه بما يتمنّى، فهل يلتفت أحدٌ إلى متسوّلٍ يعقد يديه وراء ظهره، ويعامل الناس باستغناء أعطَوه أم منعوه؟! وكذلك فإن قبول الدعاء منوطٌ بتوجُّه الإنسان إلى الله توجُّهًا كاملًا، وملازمته السجود على أعتابه، وإصرارِه في طَرْقِ بابِهِ، ويقينه باستجابة دعائه.

لكنني مضطرٌ أن أقول -وكُلّي حزنٌ- إنَّ الدعاءَ رغمَ أهميته الكُبرى للمسلمين فقد صار أقلَّ العبادات اهتمامًا عندهم في يومنا الحاضر للأسف؛ إذ صار ضحيّةَ الشكليات والمظاهر منذ زمنٍ بعيدٍ، حتى إنّ الأدعية التي تُرفعُ وتُردَّد في الجوامع راحت ضحيّة الشكل في شِباك العادة والغفلة.

وينبغي ألّا يُفهم من عباراتي أنّ العبادات التي يؤدّيها المسلمون الذين تمتلئ بهم الجوامع والأدعيةَ التي يرفعونها لا تُقبل، فحاشا وكلَّا! فالله جلَّ جلاله يجزي المؤمن ولو على أقل الأعمال وأصغرها حجمًا، ويكافئُه عليها ولو كانت مثقال ذرة، لكنه ينبغي ألا يُنسى أنّ قيمةَ الإنسان ومكانته تكون بقدر اهتمامه بما له قيمةٌ، فإن كنتم تُقَدِّرون متاعًا دنيويًّا: قصرًا كان أو نُزُلًا فخمًا أو ما شابهَ ذلك فقد اختزلتم قيمتَكم في قيمته، وإن قدّرتم الجنة واهتمَمْتم بها صرتم تَعدِلونها من حيث القيمة، ولكنّكم إن ربطتم عبوديّتكم ورغباتكم بعشق الله والشوق إليه فإنكم ترتقون آفاقًا لا حدودَ ولا نهاية لها، لأنه تعالى خالدٌ باقٍ لا نهايةَ له، إنْ تعظّموه وتمجّدوه بالتهليلِ والتسبيحِ والثناء، وتقولوا: “اللهم لك الحمد والثناء عددَ ذرّات الكون”، وتستشعروا ذلك في وجدانكم وأفئدتكم وتُحسُّوا به؛ وتخفُق قلوبُكم كلّما ذكرتموه؛ فإنَّ هذه الحالة تُشير إلى مكانتكم وقدركم عنده تعالى؛ لأنه ورد في الحديث النبوي الشريف “مَنْ كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَعْلَمَ مَنْزِلَتَهُ عِنْدَ اللَّهِ فَلْيَنْظُرْ كَيفَ مَنْزِلَةُ اللَّهِ عِنْدَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُنْزِلُ الْعَبْدَ مِنْهُ حَيْثُ أَنْزَلَهُ مِنْ نَفْسِهِ[1]، فعليكم أن تَقْدُروا الله تعالى حقّ قدره، وتفكّروا فيه دومًا، وتراقبوه في كل شؤونكم، وتُرَدِّدُوا اسمَه دائمًا، وتُحافِظوا على صِلَتِكم به.

الانغلاق دون العوالم الميتافيزيقية

قد يمنُّ الله بمحضِ فضله على أحَدِ عِباده بأنواعٍ وأنواعٍ من النِّعَمِ بما يزيدُ على اجتهادِ هذا العبد وسعيِه، لكنَّ المقياس الموضوعي والأساس هو أن يوفّيَ الإنسانُ إرادته حقَّها؛ لأن الحقّ تعالى يقول: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ (سُورَةُ النَّجْمِ: 39/53)، أي لا شيءَ يُمنَحُه الإنسانُ إلا ثواب سعيِه ووفائِه بحقّ إرادته وسيرِه في سبيل الله.

ومن هذه الناحية فإنَّ مَنْ يقول: “لا أستطيع الانفتاح على العوالم الميتافيزيقية، وأعجز عن النظر إلى الأشياء والحوادث نظرةً شموليّةً، ولا أقدر على أن أربطَ بينها، ولا أنْ أَصِلَ إلى تركيبة تجمعها” ينبغي له أن يُراجع نفسه بالدرجة الأولى؛ فينظرَ هل فعل ما يلزم فعلُه أم لم يفعل؟ تُرى هل نهض مثلُ هذا الإنسان لصلاة التهجد أربعين يومًا متتاليةً دون توانٍ منه أو تراخٍ إلى جانب اهتمامه وحرصه على أداء الفروض؛ فَخَرَّ ساجدًا باكيًا وسأل الله تعالى ما يجب أن يُسأل ويُطلبَ؟ إنّ منْ لا يفعل هذا يتبين أنه لا يهتم بالمعنويات والروحانيات كما ينبغي، فلا يُتوقع منه أن يكون أُفُقُه المعنويُّ كما يجب، وإن صحَّ القول إن بعضَ الناس منغلقون دون المعنويات والروحانيات، إلّا أنّ مَن ألزَمهم بهذه الحالة ليس هو الله تعالى، بالعكس إنهم انغلقوا دون المعنويات والروحانيات ولم يحظوا بها لعدم قيامهم بالضروريّات اللازمة من أجل الانفتاح على العوالم الميتافيزيقية، وعدم وفائهم بحقّ الإرادة في هذا.

وثمة قضيّة أخرى أريد الحديث عنها ههنا وإن لم تكن مطروحةً في السؤال أساسًا، وهي: أنّ استمرارَ مرحلة الانبعاث هذه -التي انطلقت تبُثُّ الأمل والخير في الإنسانية جمعاء في أيامنا الراهنة- وثباتَها ورسوخَها على الساحة سوف يتأتّى ويتحقَّقُ بِيَدِ الإنسان المؤهّل والمنفتح على المعنويات والعالم الميتافيزيقي إلى جانب العلوم الطبيعية والشرعية. أجل، إذا نشَّأنا وأعْدَدْنَا “جيلَ الإرادة” المزوّد بالإمكانيات التي تفي بلوازم هاتين العالمين: الطبيعيّ والميتافيزيقيّ؛ فسوف تصحو الإنساينة على ربيعٍ جديدٍ بأيدي أبطال المعنويّات وأولياءِ الله هؤلاء الذين يقدّمونه على كلِّ شيءٍ، وسيبتسمُ وجه الدنيا مرة أخرى، وتشهدُ البسيطةُ جمعاء بعثًا جديدًا يمتدُّ من أقصاها إلى أقصاها.

 

[1] المنتخب من مسند عبد بن حميد، ص 333؛ أبو يعلى: المسند، 390/3؛ الحاكم النيسابوري: المستدرك، 671؛ البيهقي: شعب الإيمان، 65/2.

مهمّة الإرشاد وأسوار العفّة

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ماذا يعني مفهوم العفة التي يجب أن يتحلّى بها ممثّلو نهج النبوة؟

الجواب: أنفق جميع الأنبياء حياتَهم في سبيل تقديم الرسالات السماويّة إلى البشرية، ولم يتشوّفوا إلى أي أجرٍ من أحدٍ، وعاشوا حياتهم في تواضعٍ ومحو؛ تجنبوا الإسراف، ولزموا القناعة، وعاشوا في بساطةٍ وزهد، ومع أنّ بعضهم قد آتاه الله السلطنةَ والملكَ -مثل نبيّ الله سُليمان وأبيه داود عليهما السلام- إلا أنّهم لم يَدَعوا حياة التواضع، بلْ وجّهوا كلّ قوّتهم وإمكانيّاتهم في سبيل رفعِ رايةِ الدين الحقِّ، لم يسحرهم الـمُلكُ الذي آتاه الله لهم، ولم يَغْشَ أبصارَهم. أجل، لم ينلْ أحدٌ من عفّتهم وعصمتهم، مـمّا دفع الناس إلى الثقة بهم، وظلّوا طوال حياتهم أوفياء لخصال النبوة، ومِن ثمّ فلا بدّ للذين يسيرون في طريق النبوّة أن يُؤدُّوا هذا الطريق حقّه، وهذا لا يتأتّى إلا بالتحلّي بهذه الأوصاف الملازمة للأنبياء؛ أما مَن لم يتمكّن من التحلّي بها -دعْ عنك عدم أدائه لوظيفة الإرشاد والتبليغ- فمن المحتمل أن يسلك طريق الشيطان وإن كان مسلمًا.

لا يقتصر تشوّه السمعة على المخطِئ فحسب

وعلى ذلك فإن الذين يسعون في وظيفة الإرشاد والتبليغ قد يجلبون الخزيَ والعارَ إلى الهيئة التي ينتمون إليها باقترافهم الذنوب وارتكابهم الأخطاء الصغيرة التي تمسّ الصدقَ والعفّةَ لا سيما إن كانت هذه الهيئة تتبوّأ مكانًا عاليًا؛ لأن مثلَ هذه الهيئة مثلُ الجسدِ الواحد إذا أصابت النجاسةُ عضوًا منه اشمأزّت وتأثَّرَت منها سائرُ الأعضاء، ولذلك فلا يصحّ لِمَنْ تطايرت النجاسة إلى طرف ثوبه أن يقول: “لا ضير لأنها لم تمتدّ إلى وجهي ويدي وعيني”، وعلى نفس الشاكلة فليس من الصحيح أن ينتمي الشخص لهيئةٍ ما، ثم لا يتحكّم في عينه وأذنه ويده ولسانه، ولا يكتفي بالأذواق والملذات ضمن الدائرة المشروعة، ويظلّ يحوم حول الدائرة غير المشروعة ثم يقول: “ما أنا إلا مجرَّدُ كَعْبٍ، أو قدمٍ أو كوعٍ في هذا الجسد… ولقد ظننت أن النجاسة التي لطختني لن تلحق بالآخرين الذين يعملون في نفس دربي”!

ومن هنا فإن الوظيفة الملقاة على عاتق الذين يسعون في سبيل خدمة الحقّ هي أن يحذروا من تطايُرِ أو تناثُرِ النجاسة عليهم ويراعوا الدقة البالغة في هذا، وأن يحافظوا على نقائهم وطهرهم على الدوام، وألا يخرجوا عن دائرة العِفَّة في أي شأن من شؤونهم من مأكلٍ ومشرَبٍ وقيامٍ وقعود، ومع استخدام أعضائهم كلها من يدٍ ورِجْلٍ ولسانٍ وعينٍ، كما يجبُ على المرشد الحقيقيّ مبلِّغِ الحقِّ والحقيقة أن يظلّ وفيًّا لغايته المثلى، ثابتًا صامدًا، لديه الجرأة والشجاعة لأن يرفع يديه قائلًا: “اللهمّ إن كنتُ مددتُ نظري أو ألقيت سمعي إلى شيءٍ لا ترضاه فخذْ منِّي روحي”، وعليه كذلك ألا يسمح لنفسه بتلطيخ وجه الإسلام أو تدنيسه أبدًا؛ لأن الأنبياء وهم الممثّلون الحقيقيّون لطريق الإرشاد والتبليغ لم يسمحوا لذرّة واحدة من الطين أن تُلامس أذيالَـهم وإن كانت من قبيل عموم البلوى، ولم يسمحوا لأحدٍ بأن ينال من شرفهم ألبتة.

“اللّهم لا تُخْزِ أصدقائي بي، ولا تُخزني بأصدقائي!”

إن أيّ إنسانٍ لا يُراعي هذا القدرَ من الحساسية اللازمة فقد اعتدى على حقّ الآخرين، وألحَقَ بهم الضررَ، ومن ثمّ فإن لم يسامح هذا الشخصَ كلُّ من ينتمي إلى تلك الهيئة فدخولُه الجنةَ أمرٌ مشكوكٌ فيه، وهذا يدعونا إلى أن ندعو الله ونتضرّع إليه دائمًا قائلين: “اللّهم لا تُخْزِ أصدقائي بي، ولا تُخزني بأصدقائي”.

ومع الأسف فإن بعضًا ممن يوصفون بأنهم مسلمون اليوم قد اجترحوا من السيّئاتِ ما يشدهُنا ويجعلُنا نتلوّى أَلَـمـًا ونحنُ نقول: لَيْتَهم لم يتبعوا هوى أنفسهم ولم يرتكبوا هذه السيئات! ليتهم ماتوا وأُحْيوا مرّات ومرّات وما تخلّوا عن عفّتهم وصدقهم، ولم يسلكوا طريقَ هذه اللوثيات!

عفّة الحديث

من جانبٍ آخر فلا بدّ لمن يتبوّأُ مقامًا معيّنًا -وإن كان هذا أمرًا لا يسري علينا نحن البسطاء- أن يفكّر مليًّا قبل أن ينبِس ببِنتِ شفةٍ من أجل الذين يتبعونه؛ لأن منزلتهم تقتضي منهم أن يفكروا مليًّا في كلّ كلمة قبل أن تخرجَ من أفواههم، ثم يقدّمونها لمخاطبيهم متناسقة على شكل مصاريع من الشِّعْرِ؛ لأنَّ الكلامَ الذي يُقالُ دونَ مراعاة لما يستوعبه المخاطبون أو حسابٍ لنوعية ردّ الفعل الذي قد تنجم عنه من شأنه أن يَشُقّ جروحًا غائرةً وكأنّه الحربةُ في صدور المخاطبين، ومداواة هذه الجروح صعبةٌ وعسيرةٌ في كثير من الأحيان، بل إن الكلام الذي يُقال دون تفكُّرٍ ورويّةٍ قد يؤدِّي إلى الخلاف والافتراق؛ فربَّ كلمة تُشعِلُ فتيلَ الحرب بين المتخاصمين، وربّ جملة تتسبّبُ في هلاك أمّة، وربّ حربٍ أدلَعَتْ نيرانَها بنتُ شفة.

قِيَمُنا التي هي العناصر الأساسية لِجَنَّتِنا المفقودة

العفة والعصمة والصدق والوفاء هي قيمُنا التي فقدناها -مع الأسف-، وتلك القيمُ هي العناصرُ الأساسية التي تقوم عليها جَنَّتُنا المفقودةُ، فلو أنكم تريدون إقامة جنّةٍ من جديد فعليكم أن تهيِّئوا هذه المستلزمات الأساسية لهذه الجنة، ولقد وضع لنا الأنبياءُ العظام صلوات الله وسلامه عليهم رسمًا هندسيًّا لهذا البناء الحضاريّ، ثم جاء مِنْ بعدِهم المجتهدون والمجدّدون والأولياءُ والأصفياءُ، وأنشؤوا صورًا مختلفة لهذا الرسم المعماري استجابةً لدواعي التجديد التي يقتضيها العصر، وكأنهم يقدِّمون للمخاطبين رسالةً مفادها: “وفِّقوا بين سلوككم وأعمالكم وبين الرسوم والمناهج التي وضعناها لكم؛ لأن المفهوم الحقيقيّ للعبودية لا يتأتى إلا باتِّباع هذا المنهج”.

وما أجمل ما قاله الشاعر “محمد عاكف” في هذا الصدد:

“أينَ الإسلام؟ بل أين الإنسانية؟ لقد افتقدناهما بالتمام

فإذا كانت الغاية خداع العالم فلا مخدوع والسلام

وكم من مسلم حقيقي عرفتُ! إلا أنهم في القبر يرقدون تحتَ الركام

لستُ أدري أين أجِدُ الإسلام! كأنّه في السماوات العُلى فوقَ الغمام!”

لا أريد أنْ أُقنّط أحدًا بقولي هذا، فينبغي للإنسان أن يُوصد أبواب اليأس ولا ييأس أبدًا، لكن يجب عليه إلى جانب هذا ألا يتوانى لحظةً واحدةً في مراقبة نفسه ومحاسبتها؛ لأن منْ يُحاسبُ نفسه في الدنيا يَسلَمُ في الآخرة، فها هو الإنسان العظيم الذي قال عنه الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم “لَوْ كَانَ نَبِيٌّ بَعْدِي لَكَانَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ[1]، يقضي حياته كلَّها محاسبًا نفسَه ويسائلها وهو الذي قال: “حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا[2].

ولذا ينبغي للإنسان أن يُنظِّمَ حياته وفقًا لمنطقٍ رياضيّ جادّ؛ لأنه بينما يمكن تكثِيرُ الحسنات بحيث تصبحُ الآحادُ عشرات، والعشراتُ مئات، والمئاتُ آلافًا إلى ما لا نهاية؛ فقد يتسبب خطأٌ بسيطٌ في أن يضيع كلُّ شيءٍ هباءً منثورًا، وبتعبير آخر؛ فالإنسان إذا عاش حياته بالمحاسبة والمراقبة حقًّا استطاع أنْ يُكثِّر القليلَ، وإلا فإنّ أخطاءً طفيفةً قد تذهبُ بحياته تمامًا، ولهذا فإن فضيلة الأستاذ بديع الزمان بينما ينثر الضياء على أرواحنا بحِكَمِه يحذِّرنا قائلًا: “فاحذر! وخفِّف الوطء، وخَفْ من الغَرق، ولا تُهلِك نفسك بأكلةٍ أو كلمةٍ أو لمعةٍ أو إشارةٍ أو بَقْلَةٍ أو قُبلةٍ، فتَذهب عنك لطائفُك العظيمة التي شأنُها أن تستوعب العالمين”[3].

وقد قال مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ النَّظْرَةَ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ إِبْلِيسَ مَسْمُومٌ، مَنْ تَرَكَهَا مَخَافَتِي أَبْدَلْتُهُ إِيمَانًا يَجِدُ حَلَاوَتَهُ فِي قَلْبِهِ[4]، لأن العين تنظر إلى الشيء أحيانًا، فتخطو القدم صوبه مباشرةً، ثم تمتدّ إليه اليد، وفي النهاية تُرتكَبُ أكثر الأفعال البوهيمية خِزيًا وعارًا، فإن كان مُرْتَكِبُ ذلك الفعل منتميًا إلى زمرةٍ معيّنة فقد يُعزى إلى أفرادِ تلك الزمرة قاطبةً كلُّ ما ارتكبه من جُرمٍ ومنكرٍ، وإن وضعْنا في حسباننا أنَّ هناك من يَتحَيّنُ فرصة وقوع غيره في مثل هذه العثرات في يومنا الحاضر كي يتسنّى له اتّهام طائفةٍ عظيمة بهذا الفعل… إن وضعنا ذلك في حسباننا تأكّدت لنا ضرورةُ الحذر الشديد والحيطة في هذا الصدد.

صيانة الأمانة

إذًا بالله عليكم! هلمَّ بنا نبني أسوارًا خلفَ أسوار، وحصونًا إثر حصونٍ حتى لا تُرتكب مثل هذه النوعية من السفاهات والوقاحات التي تُخجِلُ هيئةً بأكملها، وينبغي لنا ألّا نكتفِي بهذا فحسب، بل نوصد أبوابًا خلف أبوابٍ، ونقول لأعوان الشيطان إذا جاؤوا: “لا تُتْعِبُوا أنْفُسَكم هباءً، فالأبوابُ موصدةٌ دونكم”، وبهذه الطريقة نَفِي -آمنين مطمئنّين بإذن الله- بوظيفة الإرشاد والتبليغ حيث نكون.

حريّ بنا ألا نتبع هوى أنفسنا فنحطّم الدنيا التي منَّ الله بها علينا بما فيها من أَوجُهِ الجمال والخير، والحقيقة أن الحق تعالى وهب القلوب المؤمنة التي قد لا تعرف بعضها البعض كثيرًا من الإمكانات والتجلّيات التي لم تتيسّر ولو حتى للقوى العظمى، بل ولا للدول الكبيرة، ولو أننا تفرّغنا تمامًا لحَمْدِ الله على ما وهَبَنا من نِعَمٍ، وملأنا وقتنا كلّه بتردادِ كلمة “الحمد لله” دون أيّ انشغالٍ آخر عنها؛ فلن نوفي النعمة حقها، والشاعر “سعدي الشيرازي”[5] يقول: “لا بدّ من الشكر مرتين عند كُلِّ نَفَسٍ”، أما الفضل الذي نحن بصدده فإنه شرف ومنَّةٌ تفوق كلَّ نَفَسٍ.

والحاصل أن الِحمْلَ ثقيلٌ، والأمانة مقدّسةٌ جدًّا، لا تستطيعون الوفاء بها حتى وإنْ حملتموها محفوفة بفريق من الحراسة المشدّدة، لأنها أمانة الله، أمانة رسول الله، أمانة المجددين والسلف الصالح، إذًا بالله عليكم هلمَّ بنا نقتَفِ آثارهم، فلا نخذلَ بني جلدتنا في هذا الشأن! ولنَعِشْ بعفّتنا، ولندفنْ أهواءَنا، بل لا نكتفِ بدفنها، لنضعْ صخورًا عليها، ولنحافظْ بهذا على إيماننا، فلا نخسر آخرتنا، حريٌّ بنا ألا نكون مثل من يملؤون جيوبهم وأكياسهم وحقائبهم حين تلوح لهم الفرصة، وألا ننخدع نحن أيضًا كما انخدع الظّانُّون أنَّ الدينا هي كلُّ شيء، وألَّا نسير على خُطى السائرين في إثر قارون، وألا نَتَفرعَنَ كالمُتَفَرعِنِين، بل على العكس ينبغي لنا أن نتأسّى بسيّد الأنام نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، وخلفائه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين، ونعضّ على سنّتهم بالنواجذ.

 

[1] سنن الترمذي، المناقب، 17.

[2] سنن الترمذي، القيامة، 25.

[3] بديع الزمان سعيد النورسي: اللمعات، اللمعة السابعة عشرة، المذكرة الرابعة عشرة، ص 187.

[4] الطبراني: المعجم الكبير، 173/10.

[5]سعدي الشيرازي: هو الشيخ مصلح الدين، من شعراء الصوفية الكبار، ولد في مدينة “شيراز”، وكان من مريدي الشيخ عبد القادر الكيلاني، قضى ثلاثين سنة من عمره في الأسفار، ونظم الشعر، من أشهر كتبه كتاب “كُلستان”.

دعاءٌ لا يغلبه الإلف والغفلة

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: كيف نمزِّق حجاب الإلف والغفلة في الدعاء؟

الجواب: إنّ من الأهمّيّة بمكان بالنسبة لمَنْ يتوجه إلى الله بالدعاء أن يكون لديه شعورٌ كاملٌ بأنه عندما يرفعُ أكفَّ الضراعة فإنّما هو واقفٌ أمام الحضرة الإلهية، فتنساب الكلماتُ من فِيهِ وهو على وعي كاملٍ بها، وأن يتجنّب اللغو واللهو؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَسْتَجِيبُ (وفي رواية: لَا يَقْبَلُ) دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ[1].

وهنا ينبهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن الغفلة واللاوعي يشكّلان عقبةً حقيقيّة أمامَ قَبول الدعاء، وهذا يدعونا إلى أن نتعرف جيدًا على أهمية الدعاء في الدين أوّلًا حتى لا يذهب الإلف والتعوّد بطراوة الدعاء وحلاوته، وألا يفقد كلامنا بريقَه وقيمتَه.

الدعاء مخّ العبادة

يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الدُّعَاءُ مُخُّ العِبَادَةِ[2].

فكما أن المخّ له أهميةٌ حياتيةٌ بالنسبة لبنية الإنسان، وقد يتعرضُ الإنسان لشللٍ ويصبح طريحَ الفراش أو يموت إن أصاب مخَّه خللٌ أو عطبٌ؛ فكذلك الدعاء يحافظ على الصلة بين العباد وربهم، وبه فحسب؛ تتميّزُ العبادة الحقيقيّة عن غيرها.

وفي الوقتِ ذاته فإنّ الدعاء يعني التوجّه إلى الله تعالى بطلباتٍ تفوقُ الأسباب، وهذا له أهميةٌ كبيرة في الوصول إلى الشعور بالتوحيد الحقيقي، لأنّ الإنسان عندما يرفع يديه بالدعاء ويتوجه إلى الله تزولُ وتتلاشى كلُّ الأسباب والحُجُبِ بينه وبين ربه سبحانه وتعالى، فالأسباب هي حجابُ عزته تعالى وعظمته، ولكن الإنسان الذي يدعو يتجاوز كلّ هذه الحجب، ويتلمس مقبضَ باب العزيز الجبار مباشرةً، ويسأله -وحده دون سواه- ما يشاء، وبذلك يحلّق في أفق التوحيد الخالص.

ومن ثمّ فعلى المؤمن إذا ما تخلّى عن الأسباب وشعر بامتثاله في حضرة مسبّب الأسباب جلّ شأنه أن يجعل قلبه يُقِرُّ متفاعلًا مع ما ينطلق به لسانه، وأن يعبّر القلب عن كلّ كلمةٍ تخرج مِن فِيه؛ وبتعبير آخر: لا بدّ ألا يكون ثمّة تناقضٌ بين القلب واللسان، وأن يُفَكِّرَ القلب في المعنى الذي يعبِّرُ عنه اللسان، فمثلًا إذا قال العبد: “اللهم بلِّغني رضوانك، وخصّني برضاك!” فينبغي له أن يضبِطَ إيقاعَ قلبه على سُلّمِ هذه الكلمات، لينبضَ القلب بها، وإيّاكم وازدواجيّةَ القلبِ واللسانِ وأنتم تقِفُون في حضرةِ الحنّان المنّان، وليسَ هذا في الدعاء فقط بل على المؤمن أن يتحرّك مقرونًا بالوعي في كلِّ العبادات، فمثلًا على المصلي أن يصطحب النية التي هي “قَصدُ القلب” عند شروعه في الصلاة، وأن يجعل من هذه العبادة عملًا قلبيًّا بقدر المستطاع؛ لأن الأعمال التي يقوم بها العبد تُرْهَن معانيها وقيمتُها عند الله على ما يُقدّمه صاحبُها من ولاءٍ وإذعانٍ ويقينٍ قلبيّ معها.

الإيمان والدعاء

ومثل هذا التعمّق في الشعور منوطٌ -في الدعاء وغيره- برسوخ الإيمان بالله بداية، فبِقَدْرِ إيمان العبد بربه يكون قدرُ وماهيّةُ الدعاء الذي يدعو به، أما من يعيش مشكلةً في إيمانه وضَعْفًا وضحالةً في يقينه فلا يمكن أن يصل ألبتة إلى تكاملٍ بين القلب واللسان، ومن هنا يمكن القول: إن لم يُخلص الإنسانُ في دعائِهِ ولم يَشعُرْ بفورانِ وهيجانِ الدعاء في قلبه فهذا يعني أنه يعيش بالفعل مشكلةً في إيمانه أولًا ثم في يقينه ومعرفته ثانيًا، والأنكى من ذلك أن الإنسان إن لم يُلْقِ بالًا لأمواج الكفر العاتية، ولم ينزعج ويتبرّم من ضلال الناس وطغيانهم، ولم يعبأ بإيمان هؤلاء الناس بنفس القدر الذي يوليه لأن يكون عنده عشّ وأَبْناء، ولم يرفع يديه بالدعاء قائلًا: “اللهم افتح واشرح صدور كلّ الناس على وجه البسيطة للإسلام، وإن لزم الأمر فأزهق روحي على أن تُدخل الإيمانَ إلى قلوبهم”؛ فهذا يعني أن ذلك الإنسان يعاني من مشكلةٍ إيمانيةٍ حقيقية، ومثل هذا الإنسان يحتاج أوّلًا، وبشكل ضروري، إلى إعادة تأهيلٍ كبيرةٍ في مسألة الأركان الإيمانية.

والواقع أننا جميعًا في حاجةٍ إلى إعادة تأهيل كهذه، فكما يقول بديع الزمان سعيد النورسي رحمه الله رحمة واسعة: “إن أعظم خطرٍ على المسلمين في هذا الزمان هو فساد القلوب وتزعزع الإيمان بضلالٍ قادمٍ من الفلسفة والعلوم”[3]، “وإن كلّ ما تكسبه أيدينا من إثم، وكلّ ما يَلِجُ إلى أذهاننا من شبهةٍ يشقّ جروحًا غائرة في قلوبنا، ويفجر قروحًا داميةً في أرواحنا”[4].

أجل، كما أنّ التحقيقَ في الإيمان قد انهارَ كلّيّةً في عصرِنا؛ عصرِ النفاق والجهل والأنانية؛ فكذلك قد تفكَّكَتْ روابطُ التقليد والتأسّي، إن الناس قديمًا كانوا ينظرون إلى شيوخهم ومرشديهم ويقلدونَهم في أفعالهم وتصرفاتهم، وبذلك يدخلون حظيرة الإيمان وإنْ كان تقليدًا على الأقل، فيحفظون أنفسهم وفقًا لمقولة: “مَن قلّد عالمـًا لقيَ الله سالمـًا”، لكن معظم الناس في يومنا هذا -مع الأسف- قد حُرِمُوا مثل هذه الإمكانية.

والحقّ أن الإنسان إن أصغى إلى نفسه، وتدبّرَ الأحداث التي تجري حوله، وتأمّلها جيِّدًا، فسيشعر بالله ويحسّ به في كلّ شيء، كما يقول الشاعر التركي “جناب شهاب الدين”: “إلهي أنت موجود، موجودٌ دائمًا وأبدًا، موجودٌ في عقلي وخيالي وشعوري”، فلو أن الإنسان شاهدَ جمالَ الله تعالى في كلّ المرايا فقد يُهَرْوِلُ أحيانًا إلى الشجرة مثلًا لأنها تَجَلٍّ من تجلّيّات أسماء الله، ويقَبّلها، ويحتضن العشب، ويكحّل عينيه بالتراب، وقد يتوجه إلى الشمس التي هي ظلٌّ كثيف لاسمه تعالى “النور”، ويعيش من ناحيةٍ ما كالمجنون، وإنسانٌ على هذه الشاكلة يتحلّى بالإحسان أمام الله، ويتعامل وكأنه يرى الله تعالى، ويتحرّك موقنًا بأنَّ الله تعالى يراقبه على الدوام؛ وبهذه المنهجيّة دون سواها يستطيعُ أن يصل إلى أفق اليقين، فإن رفع يديه بالدعاء تغلّب على الإلف والغفلة وتجاوز الأسباب ممزّقًا حُجُبَها، وتوسّل وتضرع إلى الله مع شعوره اليقينيِّ بأن الله تعالى يراه.

الهيجان الوجداني وصوت الرَّجَفَات

أجل، من المهمّ جدًّا أن تتخلّل الطمأنينة والخضوع والخشوع في الدعاء شعورَ الإحسان، لدرجة أنه ينبغي للإنسان إذ يتضرّعُ إلى الله تعالى بالدعاء؛ أن يتوجّه بِكُلِّهِ، ويغيبَ عن وعيه، ولقد شاهدتُ كُلًّا من الشخصيتين الفاضلتين: “طاهر مُوتلُو” و”أحمد فيضي أفندي” من طلّاب فضيلة الأستاذ بديع الزمان؛ فكانا -وهما يدعوان الله تعالى- يُعبّران عن خلجاتهما الوجدانية، ويتلوَّيان ويغيبان عن نفسيهما تمامًا، والواقعُ أنهما كانا يتمثَّلان السلوكَ الذي تعلَّماه من أستاذِهما.

وهنا أريد أنْ ألفتَ انتباهكم إلى أمرٍ ربما يُعتبر مِشْجَبَ أعذارٍ بالنسبة لكم، ألا وهو أننا -للأسف- لم نرَ لا في التكايا ولا في المدارس الشرعية ولا في الجوامع أيضًا أناسًا يؤدّون الصلاة حقّ الأداء، ويدعون بإخلاص، ويتوجهون إلى الحقِّ من صميم القلب، لم يكن لنا في هذا الشأن من يتقدموننا، ويفتحون آفاقنا، ويرشدوننا بحيث يُظهرون لنا وجه الحقيقة المضيء عبر تفريج الباب عن التضرّعِ والخشوعِ الحقّ، فَظلَّ كلُّ واحد منّا أميًّا حيث هو.

ولكنه رغمَ كلِّ ما سبقَ فلا تَسْتَثْقِلُوا تحقيقَ الإيمان الحقيقي، ولا تَحسَبُوه مستحيلَ المنال، يا حبّذا لو أنكم تغتَمُّون فتتوجَّهون إليه في قلقٍ واضطراب؛ حينها تَشْهدون ما في تقديرِ الله من جمال، وتشاهدون أيّةَ أبوابٍ من المفاجآت السارة يفتحها لكم.

إن كان الأمر كذلك فَهَلُمَّ بنا نقوم الليل فنؤدّي صلاة الحاجة لينقشع ما بداخلنا من غشاوات، وتُحَقِّقَ العبوديّةُ في أنفسنا انشراحًا ونستطيع التعمّق في الإيمان؛ ثم نبتهلَ إلى الله قائلين: “اللهم! أسألك أن تبلِّغني هذه الليلة مرتبة الإحسان، لا أسألك شيئًا سواها؛ لا كرامةً، ولا إكرامًا، ولا هذا ولا ذاك، كُلّي طلَبٌ ورجاءٌ أن أوثِّقَ صِلَتِي بك، وأن أحيا مُشبعًا بمعرفتك، فلا غايةَ لي مِن دُعائي إلَّاكَ، فَأَعْمِ عيني عما سواكَ”، ولننتَبِهْ حين نطلب هذا إلى أن تحمِلَ كلُّ كلمةٍ نتفوّه بها سمةَ هذا الشعور وصفتَه، ولنُلِحَّ في طلب هذا من الله تعالى كلَّ ليلةٍ، فلنُحاول أن ننهضَ ليلةً أو ليلتين أو أكثر، ولنتضرع إلى الله تعالى بلهفة وحُرقة، وإنني هنا لا أريد أن أسأل: “هل بينكم من قام الليلَ أسبوعًا كاملًا في عمره يطلب من الله المعرفة والمحبة والعشق والاشتياق، ويصلي صلاة الحاجة ثم يرجو مثل هذا الرجاء؟” لا أريد أن أسأل هذا بأسلوبٍ يوحي بأنني أتّهمُكُم، لأنني على قناعة بأنَّ عددَ من سيجيبون عن سؤالٍ كهذا بالإيجاب لن يكون كثيرًا جدًّا، وهذا أيضًا يُظهِرُ مدى اهتمامنا بهذه المسألة، فينبغي ألا ننسى أنّ “مَنْ طلبَ وجدَّ وَجَدَ”.

أحيانًا أنظر عن كَثَبٍ إلى أحوال الطائفين بالكعبة والواقفين على صعيد عرفات والمنتشرين في مرابع المزدلفة ومِنى من أجل الحج، وأبحث عن هذا الشعور فيهم، وأتفحّصهم؛ أيوجد بينهم من يضرع إلى الله تعالى بلهفةٍ وحُرْقَةٍ، ومن يجيش ويرغي ويزبدُ أم لا؟! فلو رَفَعَ ألفُ إنسان ممن هناك أكفّ الضراعة بصدقٍ وإخلاص وعَلَت الأدعيةُ والرجاءاتُ الساميةُ إلى الحقّ من الأفواه بقدر ذلك الإخلاص؛ فإنه حاشا لله أن يردّ دعاء اكتسبَ الكُليّة والجماعية كهذا، بل إن اعتقادي في هذا الموضوع هو أنَّه: لو رفع الثلاثة ملايين مسلم الموجودون في هذا الموقف أكُفَّهم ودعوا: “اللهم غيِّر هذه الأرضَ!” لتُبدَّلُ الأرض التي تحت أقدامهم في الحال غيْرَ الأرض ولصارت عالمًا مختلفًا، ولكن هيهات هيهات! فالعالم الإسلامي لم يعش مثل ما يعيشه اليوم من تشرذمٍ وتمزّقٍ وتشتُّتٍ منذ فجرِه وحتى اليوم، وهذا يعني أنَّ الناس لا يستطيعون الإحساس بما حلّ بهم من ذلّةٍ وبما فُجِعوا به من مصائب رغم ضخامتها، ولو أنهم أحسّوا بذلك لاجتهدوا ولو بالدعاء على الأقل من أجل الخلاص من هذا الوضع الذي هم فيه، وكما أن الناس لا يشعرون بهذه المحنة فإنهم لا يشعرون بقلقٍ من ضربات موجات الكفر المحيطة بهم، ولذا فإنهم لا يشعرون بالحاجة إلى دعاء كلّيٍّ جماعيٍّ.

وختامًا أقول: إنَّه ما لم يتحقّق الوصول سريعًا إلى أفق قلقٍ واضطرابٍ على هذا النحو المنشود وجب على الإنسان أن يُجبِرَ نفسه، ويجتهد ويسعى اجتهادًا وسعيًا حقيقيًّا في هذا السبيل، أما دعاؤه رافعًا يديه على نحو: “إن شئتَ أعطِنا وإلا فلا”، فهذا دلالة على الوقاحة وسوء الأدب مع الله، في حين أنَّ الإنسان ينبغي له إذْ يدعو أن يكون كالشحاذ؛ فيقول بلسان حاله ومقاله: “أرجوك يا الله، لقد وقفت ببابك، أتوسل إليك، إنني أرجو هذا! اللهم مُنّ عليّ والطُف بي، اللهم أَمِتني، ولكن تقبّل دعائي!”. أجل، على المؤمن أن يطمحَ إلى القِمَمِ الساميات، وأن يتطلّعَ إليها دائمًا وأبدًا، وأن يُعَبِّرَ بإخلاصٍ عن رغباته هذه، عسى أن يُدرِكه لطف الله فَيَمُنَّ عليه بالإجابة؛ ذلك أنَّ الإنسان يحظى برعاية الله بقدر توجّهه إليه تعالى، وبمراقبةِ اللهِ بقدر مراقبَتِهِ إيّاهُ تعالى.

 

[1] سنن الترمذي، الدعوات، 67؛ الحاكم: المستدرك، 1\670.

[2] سنن الترمذي، الدعوات، 2.

[3] بديع الزمان سعيد النورسي، اللّمعات، اللمعة السادسة عشرة، السؤال الثاني المثير، ص 142.

[4] بديع الزمان سعيد النورسي، اللّمعات، اللمعة الثانية، النكتة الأولى، ص 11.

 

النشاط والحيوية في حياة الخدمة

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: كيف يمكننا أن نبلغ أفقَ الفعاليةِ والحيويةِ الدائمة التي يستهدفها الإسلامُ في الحياة الفردية والاجتماعية؟

الجواب: لا مكان للركودِ والجمودِ في فلسفة الإسلام ورؤيته الحياتية، فكلُّ شيء فيها نَشِطٌ وحَيَويّ بدءًا من الإنسان حتى الأرض، ومرورًا بالأشياءِ إلى الأزمان، فكما أمر الإسلامُ الفردَ أن يتحلّى بالنشاط والحيوية الدائمة في أداء الأعمال الصالحة مثلًا، كذلك أمره بأن يستثمر ويستغلّ المال والأرض والزمان أجودَ استثمارٍ وأفضل استغلال حتى يجني من ورائها أرجى الثمار.

أما عن أهمّ المسائل التي تتطلّب حيويةَ المسلم وفعاليته فهي المسائل الإيمانية، لذا نقول دائمًا في دعائنا: “ربَّنا زِدنَا عِلمًا وإيمانًا ويقينًا”، فعلى المؤمن أن يسعى إلى تجديدِ إيمانِه وزيادةِ يقينِه دائمًا بمراجعة الكتب والتعرّف على الحياة المباركة للسلف الصالح والجلسات الإيمانية والتفكّر والأوراد والأذكار، وفي هذا السياق فإن التركيزَ على قراءة الأدعية الواردة في كتب الأدعية المعروفة مثل “القلوب الضارعة”[1] وسبرَ أغوارها إلى حدٍّ ما من شأنه أن يفتح آفاقًا متعدّدة أمام الإنسان.

إن الحيوية والنشاط والفعالية تمتلِكُ أهمّيّة بالغةً في حلِّ ومواجهةِ المشاكل المستعصية التي يتعرّض لها العالَـمُ الإسلامي منذ عصور، ومحافظةِ القلوب المؤمنة على وجودها دون التذلل أو الدخول تحت وصاية الآخرين، لقد فقدَ المسلِمون -مع بالغ الأسف- هذا الحماس والنشاطَ والحيوية منذ قرونٍ، ولم يستطيعوا الحفاظ على مكانتهم كعنصرٍ من عناصر التوازن الدولي، ومن ثمّ فقدوا زعامتهم، ودخلوا تحت وصاية غيرهم في المجال السياسي والثقافي والاقتصادي… إلخ.

مجتمعٌ أسيرٌ مغلول الأيدي والأعناق

ولقد نبهنا الأستاذ النورسي رحمه الله رحمة واسعة إلى هذه الحقيقة بقوله: “يا أيتها القبور المتحركة برجلين اثنتين، أيّتها الجنائز الشاخصة! ويا أيّها التعساء التاركون لروح الحياتين كلتيهما -وهو الإسلام- انصرفوا من أمام باب الجيل المقبل، لا تقِفُوا أمامَه حجر عثرة، فالقبور تنتظركم… تنحّوا عن الطريق، ليأتي الجيل الجديد الذي سيرفع أعلام الحقائق الإسلامية عاليًا، ويهزّها خفّاقة تتماوجُ على وجوه الكون”[2]؛ ولأن هذا الدين العالمي الخاتم ينوءُ بتمثيله الإنسانُ الخاملُ أو الفكرةُ البالية أو ضعفُ الهمة؛ فلقد طلب الأستاذُ النُّورسي من الأرواح الخاملة الفاقدة للحماسة والتي تشكّل نموذجًا سيّئًا للأجيال المقبلة أن تتنحّى، وتُفسح الطريقَ للجيل المقبل الذي سيأتي بعدها متمتّعًا بروحِ الحيويةِ والنشاط؛ حتى يتبوّأ المكانة التي ينبغي له أن يتبوّأها، ويؤدّي ما يجب عليه أن يؤديه.

أجل، من الأهمية بمكان ألا يكون الإنسان نموذجًا سيّئًا، وإنني لا أريد هنا أن أقترفَ ذنبًا بذكر مساوئ أجدادنا رحمهم الله، ولكنّني انطلاقًا من مسؤوليّة إحقاق الحقّ وإجلاء الحقيقة أستميحكم عذرًا في أن أنوه بهذا الأمر:

إنّ ممّن تسببوا فيما نعيشُه اليوم من ركودٍ وضعفٍ في الهمّة آباءَنا وأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا، ووراء أخطائهم مَنْ سبقوهم -بقدر ما-، وللإنصافِ فلقد أدّوا ما يقع على عاتقهم في إيمانهم بربهم وأدائهم لعباداتهم، ولكنهم عجزوا عن تجاوز القوالب الفكرية البسيطة عند تقييمهم للأحداث، فلم يستطيعوا بلوغَ آفاقٍ يُدركون بها عصرَهم عند دراسته وتحليله، ومن ثمّ تسبّبوا فيما نعيشه اليوم من قحطٍ وجفافٍ في حياتنا الفكرية والعملية على حدٍّ سواء.

وبناءً على ذلك إننا نُعَدّ جيلًا ضائعًا فاشلًا، لأننا لم نُنَشّأ بما يتناسبُ وأُفُقَ إدراكِ عصرِنا، وعلى ذلك لم نستطع أن نحظى بوصف أمناء المستقبل الذين يرثون الأرض، وأصبحنا نحن مَن نقوم بالتجديف وغيرُنا هو مَن يتولى قيادة الدفّة.

وإذا نظرنا إلى المسألة من الناحية الاجتماعية نقول: إما أن تديروا الدفّة في التوازن الدولي أو أن تظلوا تُجدّفون طوال عمركم؛ لا توسّط بين الأمرين. أجل، إما أن تكونوا حاكمين أو تظلوا محكومين؛ وبعبارةٍ أخرى: إما أن تكونوا عنصرًا من عناصر التوازن الدولي أو تعيشوا ضمن الإطار الذي رسمه لكم غيركم؛ أو قُلْ: إما أن تكونوا أصحاب الكلمة والنفوذ أو تغدوا أسرى لغيركم؛ بمعنى أن تصيروا كالعبيد الذين يحملون أغلالًا في أعناقهم وأقدامُهم مقيدةٌ بالسلاسل، وهذا -للأسف- هو حال المسلمين منذ عدّة قرون.

إن التردّي في مثل هذا الحال الناشئِ عن عدم تمثيل الإسلام التمثيلَ الحقّ قد أفضى إلى أننا لـم نستطع أن نحافظ على كرامة الإسلام وشرفه، بل وألحقنا به الذلّ والهوان، والحقُّ أننا بقدرِ ما يتسَبَّبُ حالُنا الكئيبُ هذا في إهانة الإسلام سنَلْقَى هوانًا عند الله، فهذا بذاك، لذا فالعملَ العملَ، والسعيَ السعيَ على طريق استعادةِ مكانتنا اللائقة بنا مرّةً أخرى، من أجل هذا يجب على الإنسان أن ينشد المعالي والذرى دائمًا وأن يُعلي من هِمَّتِه، ويرفع من سقف طموحاته.

أبطال الإرادة وكرامة الإسلام

ليس الإنسانُ نباتًا ولا جمادًا، بل هو كائنٌ حيٌّ منحه الله إرادةً إن أعطاها حقَّها بصفتِها شرطًا عاديًّا، وأحسنَ استغلال القوّة التي وهبه الله إياها استغلالًا سليمًا استطاع بإذنٍ من الله أن ينفث نسمات الانبعاث في جنباتِ الأرض كلها، فمتى شُحذت الإرادات، وأُشعلت مشاعل الآخرين أنارت الأرضُ كلها وكأنها ساحةٌ للمهرجانات، وإن شئتم فانظروا إلى عصر السعادة من هذه الزاوية؛ ألم يستطع النبي صلى الله عليه وسلم أن يحقّق في غضون ثلاثةٍ وعشرين عامًا ما لا يمكن أن يحقّقه غيرُه خلال عدّة قرون؟ أَوَلم يستطع الخليفة الأول سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه أن يُقلّم أظفار إمبراطوريتين عملاقتين في تلك الآونة بجيشٍ لا يتعدّى قوامه عشرين ألفَ جندي؟ رغم أنه كان في الوقت ذاته يُصارِعُ فلولَ المرتدّين بما فيهم مسيلمة الكذاب الذي كان على رأسِ جيشٍ يبلغُ أضعاف المنظّمة الإرهابية التي لم نستطع دحرَها في تركيا منذ سنين.

لقد أعطى سيدنا أبو بكر رضي الله عنه إرادته حقّها، وتغلّب بفضلٍ من الله وعنايته على كل تلك المشاكل والصِّعاب؛ وهذا مثالٌ حيٌّ للفعالية والحيوية التي يجب أن يكون عليها المسلم.

أُسُس المحافظة على النشاط والحيوية

يمكن إيجازُ أُسُسِ المحافظة على النشاط والحيوية على النحوِ التالي:

إن أحدَ العناصر المهمة في سبيل الحفاظ على نشاط الناس وحيويتهم هو الإرشاد إلى سبيل يتسنّى للجميع السيرُ فيه، وتحديدُ مجال معين واضحِ المعالم، فالإنسان وإنْ انسلّ من الأنانية وتحرّك باسم الجماعة لكنه يرغب من الناحية النفسية في معرفةِ إطار العمل الذي سيقوم به والنقطةِ التي سيصل إليها، أما تقديرُ الإنسان بسبب ما بذله من سعيٍ وجُهدٍ فإنه يُحفّزُ عشقَه وشوقه إلى فعل الخيرات، وإن كان هناك من يخلطون أنانيتهم في العمل كلّما حقّقوا درجاتٍ مختلفة من النجاح إلا أنه ينبغي في مثل هذا الموقف توجيههم إلى الإخلاص بأسلوبٍ ملائمٍ ليِّنٍ.

ومن جانب آخر ففي نفس الوقت الذي تُساعِدون فيه غيرَكم على الانبعاث والحياة تُساعِدون أنفُسَكم أيضًا على البقاء في نشاط وحيوية؛ فالإنسان الذي يُحيي العالمَ لا يُتصوَّرُ أن يبقى هو ميتًا؛ لأنه يستحيل عندما تساعدون الآخرين على النهوض من كبوتهم وتستبدِئُونهم العمل وتجعلونهم يركضون كالمتسابق في سباقات الماراثون أن تتخلّفوا أنتم عنهم وتتأخروا دونهم.

إن معرفةَ القيمة الحقيقيّة للزمن الذي يمثّل خطًّا اعتباريًّا لأَمرٌ في غاية الأهميّة كي نحافظَ على النشاط والحيوية، وقد تعذَّرَ علينا نحن أن نُدرك -مدّةً طويلةً- أنَّ الزمنَ بِـحَدِّ ذاته قيمةٌ مهمةٌ، فهو الكنز الفريد الذي يمكن الفوزُ بالجنة بفضله إن استُغلَّ استغلالًا جيّدًا. أجل، إنَّ الإنسان إذا أحسنَ توظيفَ الزمان فإنّه ينفتح على “اللازمانية”، ويفوز بالأبدية خلالَ فترة زمنية قصيرة وجيزة، فإنَّ معرفة القيمة الحقيقية الأصلية للزمان وإحياء كل لحظة فيه بالحركة والعمل الصالح لتُمثّلُ أساسًا “جوهريًّا” من أجل حياة “خدمةٍ” حيوية نشطةٍ.

 

[1] القلوب الضارعة: هو كتاب يجمع بين دفتيه مختاراتٍ من أدعية سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم وإخوانه من النبيين والصحابة الكرام وكبار الأولياء والصالحين، أشرف على جمعها الأستاذ فتح الله كولن، ومعظم هذه الأدعية مقتبسةٌ من كتاب “مجموعة الأحزاب” للشيخ ضياء الدين الكومشخانوي من علماء العهد الأخير للدولة العثمانية.

[2] بديع الزمان سعيد النورسي: صيقل الإسلام، المناظرات، ص 379-380.

 

التدين الحقيقي واكتساب الهوية السليمة

Herkul-ARB | | العربية

 سؤال: ما الذي يجب على المؤمن أن يراعيه إذا ما تعرّض لمعاملةٍ فظّة أو كلمةٍ نابية، كيلا يصيب هويته أيّ تصدّعٍ أو انكسارٍ؟

الجواب: الهوية في اصطلاحنا تعني استمراريّة أداء الأعمال والعبادات الإسلاميّة وفقًا لشعور الإحسان؛ أي أنْ نعبد الله كأننا نراه، فإن لم نكن نراه فإنه يرانا، وأن يكون هذا الشعور بمرور الزمن جزءًا لا يتجزّأُ من طبيعتنا، وهذا ما يمكن أن نسميه بـ”الهوية الإسلامية”، فهويةُ المؤمن تعني إذًا أن يوثّق صلتَه بربه سبحانه وتعالى، وأن يبدي كمال التقدير والتوقير لمفخرة الإنسانية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بما يليق بمنزلته عليه الصلاة والسلام، وأن يؤدّي ما يقع على عاتقه من وظائف فردية أو أسرية أو اجتماعية على الوجه الأمثل، وأن يسعى جاهدًا لتكون حياتُه كلّها على هذا المنوال، إذًا فالهويّة عندنا هي انتماء إلى الإحسان.

التدريب بالنوافل

واكتساب مثل هذه الهوية مرهونٌ بما يُبْذَلُ من جهدٍ جهيدٍ وسعيٍ حثيث، غير أن المحافظةَ عليها طوال حياته أمرٌ جدّ عسير، وهذا يقتضي من المؤمن ألا ينزل عن صهوة جواده أبدًا، بل ينشدُ دائمًا مثل هذه الصعاب، فها هو النبي صلى الله عليه وسلم يذكرُ أن سورة “هود” قد شيبته، فيقول: “شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا[1] و”هودٌ” هذه هي التي تحتوي على قول الله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ (سُورَةُ هُودٍ: 112/11).

ومن ثم فعلى المؤمن الحقيقيِّ أن يتَّخذَ من الدنوّ إلى ذلك الأفق الذي عاشَه سيّد السادات صلوات ربي وسلامه عليه -قدر استطاعته- غايةً عُليا وهدفًا منشودًا، فلو درّب نفسَه على أداء العبادات جاعِلًا هذه المسألةَ جزءًا لا يتجزَّأ من طبيعتِه؛ فسيخفِّف قدرًا ما من العبء الذي تنوء به إرادتُه، ويتمكّن من أداء باقي التكاليف بشكلٍ أكثر يسرًا وراحة.

وإنّ النوافل لتؤدي هذه المهمّة، فمثلًا قد يثقل على النفسِ صيامُ شهرٍ متتابع في أيام الصيف الطويلة الحارّة، ولكنَّ صاحب الشريعة صلى الله عليه وسلم -كما هو معلوم لدى الجميع- قد أوصانا بصيام ثلاثة أيام من كل شهر ويومي الإثنين والخميس من كل أسبوع[2]، فمَنْ يتعوّد على صوم النافلة في الأيام المعتدلة يسهل عليه مقاومة الجوع والعطش في أيام الصيف الطويلة الحارة، ويمكنه أن يؤدّي بعون الله فريضةَ الصوم بشكل أيسر.

ويسري هذا الأمر على الزكاة أيضًا، فقد فرض الإسلامُ الزكاةَ -بربع العُشر أو نصف العشر أو العشر أو الخُمس- في مال المسلم حسب نوعه، فلو لم يمرِّن الإنسانُ نفسَه على إيتاء الصدقات تطوّعًا -وإن بقدرٍ يسير- شقَّ عليه أداء الزكاة التي افترضها الإسلام، ولكن لو عوّد نفسَه على التصدّق -ولو بالقليل- رويدًا رويدًا إلى أن يجعل هذا الأمر جزءًا من طبيعته، فلن يستصعِبَ دفع الزكاة التي أمره بها ربُّه.

وعلى نفس المنوال إنْ تحيّن الفرد أداء صلاة النافلة في أيسر الأوقات وأنسبها بالنسبة له، وجعل أداءَها جزءًا من طبيعته فسيتيسر عليه فيما بعد أداء صلاة الصبح والفروض الأخرى في الأوقات التي تشقّ على النفس عادةً، كما سيتمكن من اجتياز المعوّقات التي اصطنعَتْها نفسُه وهواه، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف: “إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ لِكُلِّ نَبِيٍّ شَهْوَةً، وَإِنَّ شَهْوَتِي فِي قِيَامِ هَذَا اللَّيْلِ”[3].

فالنبي صلى الله عليه وسلم يسلّط الضوءَ هنا على فكرة العبادة التي غدت جزءًا لا يتجزّأ من الطبيعة الإنسانية ولا تقبلُ الانفصام عنها، وكأنه صلى الله عليه وسلم يريد أن يقول: “إنني أتلذّذ بعبادة ربّي كما يتلذّذ أحدُكم بقضاءِ شهواته”.

وهكذا فعلى كلّ مسلمٍ أن يحثَّ الخطى جاهدًا ليبلغَ هذا الأفق، ومع العِلمِ أنه ليس بمقدورِ الجميعِ بلوغ هذه الذروة الشامخة، إلا أنّ سلوك هذا الطريق وتغيّي هذه الغاية هو بحدِّ ذاته لَمِنْ أعظم الفضائل والمزايا؛ إذ إن كلّ جهد مبذول في هذا السبيل ليُكتَبُ لصاحبه عبادةً، ويرتقي به درجةً.

ولكم أن تأخذوا بهذه الفكرة نفسِها في الأمور السلبية التي لا بدّ من تجنّبها وتحاشيها، فمثلًا إذا ما تعرض الإنسانُ للأمور المنكرة التي تخدعه بها نفسُه ويفتِنه بها هواه قد يصعب عليه حينئذٍ أن يؤدّي إرادته حقها، ولكن إن اتخذ الإنسانُ لنفسه منهجًا في الحياة، فأوصَدَ الأبوابَ أمام شتّى أنواع المحرمات صغيرِها وكبيرِها، وجعل ذلك بُعدًا من أبعاد طبيعته وفطرته فإنّ الله المتفضّلَ المعين سيُمكّنه من التغلّب على أيّ كارثةٍ تدهوه، حتى وإن تعرض للمنكرات التي تسحر العقول وتكدّر الأبصار، وسيَسْتَلُّهُ مـمّا يحيقُ به دون أن يتلوّث أو يتلطّخ بالأرجاس.

الاستقامة في الأفعال والتصرّفات

وكل ما ذكرناه يسري أيضًا على مسألة علاقة المؤمن بالآخرين. أجل، على المؤمن أن يتوخى أمور الدين في معاملته وعلاقاته مع الخالق أو المخلوق، وأن يجعل هذا الأمر جزءًا من طبيعته، ونقول بمزيد من التفصيل: لو لم يستطع الإنسان أن يجعل من الأخلاق الحميدة -كاحتضان الناس بحبٍّ بغضِّ النظر عن انتماءاتهم، وإغداقِ البشاشة عليهم، وإكرامهم والإحسان إليهم، وإغاثة الملهوف منهم- جزءًا من طبيعته فلربما يتصرّفُ عفويًّا بفظاظةٍ وغِلْظة إذا ما تعرّض يومًا لمعاملةٍ قبيحةٍ لم يكن يتوقّعها، وسيجدُ صعوبةً بالغةً في التقيُّدِ بأسلوبٍ إيمانيٍّ أثناء الردّ على ما لقيه من إهانة، وقد يقع في الخطإ والزلل؛ لأنه لم يعوّد نفسه على مواجهة الإهانات بمثل هذا الأسلوب، ومثل هذه الانحرافات في السلوك والتصرفات قد تخلّ بثقة الناس في ذلك الشخص واعتمادهم عليه، ومن ثم فإن كنا نرغب في جعلِ أنفسنا محلَّ ثقةٍ لمن حولنا فعلينا أن نجعل من العبادات وتجنُّبِ المحرمات وحسن المعاملة بعدًا من أبعاد طبيعتنا.

ورغم كل شيءٍ فقد تصيب هويّةَ الإنسان أحيانًا بعضُ التصدُّعات والانكسارات وفقًا لوقع الحادثة وشدّتها، وقد ينجمُ هذا الانكسار في الهوية أحيانًا عن غيرة الإنسان الدينية، وأحيانًا أخرى عن الافتراءات والإهانات التي يوجّهها البعض لذلك الإنسان والتي تفتقر إلى الإنصاف، وأحيانًا أخرى من إثارة نزعة هذا الإنسان وحساسيته، وإزاء هذا الموقف قد يتعكّر تلقائيًّا مزاج المؤمن، وقد تقع الكثير من المشاحنات والمنازعات، فتنكسر القلوب وتوغر الصدور، لكن علينا ألا ننسى أن القيام بردّ فعلٍ لا يتّسق مع طبيعتنا سَيُخِلُّ بثقة الناس فينا، ومن ثمّ يجب على المؤمن الحقيقي ألا يتخلى عن هويته إزاء أي تجاوز أو إهانة منحطّة، وإن كان لا بدّ أن يردّ فليردّ بأسلوبٍ يليق بالمؤمن الذي يمثّل أنموذجًا للأدب والأخلاق.

أبطال الصبر أرباب الهوية

الحقيقة أنَّ المؤمنين سُمح لهم في القرآن الكريم بمقتضى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (سُورَةُ النَّحْلِ: 126/16) الردُّ بالمثل على ما يتعرضون له من اعتداءات، ورُخّص لهم في ذلك، ومع هذا فإنَّ الحق تعالى يُخاطِبُ أرباب الهويّة الرفيعة في ختام الآية قائلًا: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ (سُورَةُ النَّحْلِ: 126/16).

ذلك لأن الإنسان الذي يُصاب في حياته -ولو مرة واحدة- بالتصدُّعِ في هويّته يكون قد هزَّ ثقةَ مخاطبيه فيه، كما يكون قد فتح البابَ لأخطاء لاحقة، ومَن تتشقّقُ هويّته على هذا الشكل يكون عُرضةً للخطإ التلقائيّ والزلل العفوي، لذا فمن الواجبِ حمايتها دائمًا وأبدًا، وألا نسمحَ بانتهاكها أو تصدّعها مهما تنوّعت الظروف والأحوال.

فعلى الأرواح الناذرة نفسَها لخدمة الإيمان والقرآن والمتعلقة بها قلبيًّا أنْ تحافظ على آفاق الحبِّ والتسامح في كل مكان، وألا تُغيّر منهجها ولا اتجاهَهَا حتى في مواجهة أدنى وأحقر الاعتداءات التي قد تتعرّض لها؛ ويُشيرُ إلى هذا “يونس أمره” بقوله: “قَابِل الضاربَ بالصَّفحِ، والسَّابَّ بالعفوِ؛ فينبغي ألّا يكونَ الزاهدُ جَزِعًا!”، وأنتم أيضًا يمكنكم أن تستخدموا العبارة نفسها ولكن تغيروا شطرها الأخير ليكون هكذا: “فينبغي ألَّا يكونَ طَالِبُ القرآن جَزِعًا!”. أجل، ينبغي لهم ألّا يكسروا قلبًا وإن كُسرت قلوبهم، وألّا يُؤْلِموا وإن أولِمُوا؛ لأن الذي يتألَّمُ ويتأذَّى باعتبار النتيجة هو القلبُ، والقلب -حتى وإن لم يكن كذلك في الحقيقة- هو عرش الرحمن باعتبار ما فيه من معانٍ كامنة، وبتعبير آخر: فإن القلب يُعتبر بذرة أو نواة تُنبتُ شجرةً، والحقيقة أنه قد لا تُكتشفُ هذه القيمة الرفيعة -التي تعتبر نواةً بالنسبة للبعض- ما لم تبذر في أرضٍ خصبة، وما لم يتوفّر لها المناخ الملائم، وما لم تتعانق مع أشعة الشمس، لذا أربأُ بكم عن التصرّف غير اللائق تجاه هذا المخلوق العظيم الذي خلقه الله كمثالٍ مصغّرٍ لعرش الرحمن.

ويتبادر إلى الذهن حول هذه النقطة مباشرةً تساؤلٌ: “حسنًا، هل يصمت المؤمن أمام الشرور والمساوئ، وكيف يتصدّى لها؟”، أولًا: من الواجب على المؤمن أن يعلم أنه إنما يتصدّى للتصرُّفات والسلوكيّات السيئة لعينها هي لا لِعينِ مرتكبيها، فلا بدّ أن يواجه الجهلَ والإلحادَ والنفاق والتمرّدَ مثلًا كي يزيلَ ما يقتلُ قيمةَ الإنسان المعنويّة من صفاتٍ وما يقهرُها من سماتٍ، وبتعبير آخر يجب على المؤمن أن يشعر في مواجهة ذوي الصفات السلبية بنفسِ القلق والاضطراب والحرصِ الذي يشعر به تجاه أولاده السائرين نحو جرف هارٍ، أو الذين ينزلقون نحو الهاوية، ويتَقطّعَ حزنًا وخوفًا عليهم، وعليه أن يسعى جاهدًا دون كلَلٍ أو مللٍ لإرشادهم إلى الطريق الصحيح بتوصياته وتحذيراته، ويصوِّرُ لنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الوضع تصويرًا تمثيليًّا رائعًا فيقول: “مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَوْقَدَ نَارًا، فَجَعَلَ الْجَنَادِبُ وَالْفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهَا، وَهُوَ يَذُبُّهُنَّ عَنْهَا، وَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، وَأَنْتُمْ تَفَلَّتُونَ مِنْ يَدِي[4].

أجل، إنّ المؤمن الحقيقي رمزٌ للرحمة والشفقة، والسؤالُ يطرحُ نفسَه بنفسِه عليكم؛ هل -باعتباركم مـمّن يمثّل الرحمة والشفقة على وجه البسيطة- إذا رأيتم إنسانًا يتّجه ويندفع هاويًا نحو جهنم تقولون: “فلتذهب نفسك إلى الجحيم! ما دمت تريد الذهاب إليها، فعجّلْ إذًا؟”، أم أنكم تحاولون إثنَاءَهُ عن هذا الطريق السيئ الذي يسلكه فتفعلون مثلما فعل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتسْعَون إلى إنقاذه من المناخ والبيئة التي هو فيها؟ إن الخَيَارَ الأوّل هو خيارُ مَن اسودّ ضميره وأظلمَ وجدانه، أما الثاني فإنه صفة المؤمن الحق؛ لذا فالتصدّي للأوصاف السيئة كما أنه غايةٌ في الأهمّيّة والنفعِ بالنسبة للإنسانيّة فهو كذلك في غاية الأهمّية لمن ينشدُ رضوان الله تعالى.

نسأل الله تعالى أن يجعلنا جميعًا من أولئك الملتزمين بالدين حقًّا، الذين تَشَرّبوا الإسلام في قلوبهم صدقًا، وجعلوه ديدنهم، واستمدوا منه هويّتهم، حتى في مواجهة أكثر الحوادث سلبية وسوءًا.

 

[1] سنن الترمذي، تفسير القرآن، 56؛ مصنف عبد الرزاق، 368/3.

[2] انظر: صحيح البخاري، الصوم، 56، أحاديث الأنبياء، 37؛ صحيح مسلم، الصيام، 181.

[3] الطبراني: المعجم الكبير، 84/12.

[4] صحيح البخاري، الأنبياء، 40؛ صحيح مسلم، الفضائل، 17، 19.

المخاطر الثلاثة

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ذكرتم فيما سبق أنّ مَنْ يسعون في خدمة الإنسانية على موعدٍ مع ثلاثة مخاطر: إثارة مشاعر الغبطة لدى إخوانهم الذين يُشاركونهم الدربَ نفسَه، وإيقاظُ الكره والحقد لدى المؤمنين الآخرين بسبب الأنانيّة الجماعية، وتحريك مشاعر العداء لدى الخصوم بالتباهي بالأعمال التي تعِد بمستقبل مشرق، فما الأمور التي لا بدّ من مراعاتِها حتى نأمن هذه المخاطر الثلاثة؟

الجواب: رغم أن الغبطة مباحةٌ شرعًا ولا بأس بها إلا أنّ هذا ليس على إطلاقه، بل هو منوطٌ بأسُسٍ ومعاييرَ معيّنة؛ فمثلًا: قد يرى شخصٌ في أخيه مزيةً جميلةً فيغبطه عليها، ويتمنى أن يحظى بالمزيّة نفسها، فلا حرجَ في ذلك بدايةً، لكنّه ومع مرور الوقت ربما ينتقد ذلك الشخصُ القدرَ بشكلٍ ضمنيٍّ فيقول في نفسه: “لماذا لا أكون أنا أيضًا محظيًّا بهذه المزيّة”، وما تفتأ مشاعر الغيرة والحسد حتى تتيقّظ لديه تجاه مَن يغبطه، فإن وقع ذلك فهذا يعني خروجَ الغابط من دائرة المباح، وحوَمانَه حول دائرة الشبهات والمحذورات، وكما أن هذه النوعية من الغبطة محذورة فكذلك القيام بتصرفاتٍ تحرّك مشاعر الغبطة لدى الآخرين محذورٌ أيضًا، فقد أوصانا رسول الله صلى الله عليه وسلم باتقاء الشبهات في حديثه الشريف الذي يقول فيه: الحَلاَلُ بَيِّنٌ، وَالحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ: كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلاَ إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ[1].

وهكذا فإن شعور الغبطة الذي من شأنه أن يتحوّل إلى حسدٍ؛ مَثَلُه كَمَثَلِ الوقوف على خطٍّ بين الحلال والحرام، فإذا ما انحرف الإنسانُ قليلًا هَوَى في دائرة الحسد والغيرة؛ ولذا كان هذا النوعُ من الغبطة وما يثيرها من تصرّفات وسلوكيات من الأمور التي يجب على الإنسان أن يتوقّاها، ولقد نبّهنا الأستاذ النورسي رحمه الله رحمة واسعة إلى هذا الأمر وحذَّرَنا في رسالته “الإخلاص” فقال: “لا تنتقدوا إخوانكم العاملين في هذه الخدمة القرآنيّة، ولا تُثيروا نوازع الغبطةِ بالتفاخر والاستعلاء، لأنه كما لا غبطةَ في جسمِ الإنسان بين اليدين، ولا انتقادَ بين العينين، ولا يعترِضُ اللسان على الأذن، ولا يرى القلبُ عيبَ الروحِ، بل يكمّل كلٌّ منهم نقصَ الآخر ويستر تقصيره ويسعى لحاجته… فكذلك نحنُ جميعًا أجزاء وأعضاء في شخصيّةٍ معنويّةٍ”[2].

التنافس: التسابق في الخير

والتنافس -الذي يشبه الغبطة من ناحيةٍ ما- هو عملٌ إيجابي لا حرج فيه؛ ويعني: التسابق نحو النفيس في سبيل الحقّ والحقيقة، وبذل الجهد والنية من أجل عدم التخلّف عن ركب الإخوة الذين يجاهدون ويكابدون في سبيل إعلاء كلمة الله، ولقد دعا القرآن الكريم المؤمنين إلى مثل هذا التنافس في الأعمال الأخروية بقوله: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (سُورَةُ الْمُطَفِّفِينَ: 26/83).

ففي المسابقات الدنيوية ينجح شخصٌ ويخسر آخرون، وقد يولّد هذا الوضع شيئًا من الاستياء والامتعاض لديهم، أما القلب المؤمن الموقن بالآخرة فإنه ينظر إلى التنافسِ الذي يُبتغى به مرضاة الله تعالى بالمنظارِ القائلِ: “إن إخواني الذين يبذلون جهدهم من أجل إعلاء اسم الله تعالى في كل أنحاء العالم سيُهرعون بمشيئة الله تعالى إلى حوض سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويشربون من يده الشريفة شربةً هنيئةً لا يظمؤون بعدها أبدًا، وهذا أمرٌ يدعوني إلى أن أشارك في هذا السباق حتى لا أتخلف عنهم”، يمكن اعتبار هذه المنافسة الشريفة نتيجةً إيجابيةً للغبطة.

وينبغي في مثل هذا التنافس في الحقّ أن يتحلّى الناذِرون أنفُسَهم للخدمة في سبيل الله بروح التضحية فيما أحرزوه من مكاسب وإن كانوا لا يتشوّفون إلى أيّ أغراضٍ دنيوية كالتقدير والتصفيق والمنصب، وأن يُؤْثِرُوا الآخرين على أنفسهم، وأن تتَّسِعَ صدورُهم لإمكانيّة كسبِ الآخرين هذا السباق، ولا يعزُبُ عن علمِكم المعيارُ الذي وضعه فضيلة الأستاذ النُّورسي لطلب المنصب وهو ضرورة ترجيح التَّبَعِيَّةِ على الـمَتبوعيَّةِ لِـمَا تحمله الـمَتبوعيَّةُ من مسؤوليّاتٍ وتُنذر به من أخطار[3]؛ لأن الريادة والإمامة توقِظان وتثيران مشاعر نفسانية مختلفة، فينبغي للإنسان أن يكون على وعي كبير وحذرٍ بالغ في هذا الأمر، لذا وإن كنتم أكثر الناسِ أهلًا لمنصبٍ ما فعليكم تقديمُ الآخرين على أنفسكم وترجيحُ التبعية على المتبوعيّة.

روح الفتوة والمروءة الممتدة إلى الآخرة

دَعْ عنك التشوّف إلى التصفيق والتقدير الدنيويّ، فلا بد للمؤمن من رحابةِ صدرٍ يكشفُ بها فتوَّتَه ومروءَته ويؤثِر أخاه على نفسه حتى في مسائل الانتفاع بالنعم الأخروية في الدار الآخرة، يُروى أن العلماء والأغنياء الصالحين إذا ما وصلوا إلى باب الجنة رغب كلٌّ منهم أن يتقدّم أخوه عنه، ولعلّه يوجَدُ في مثل هذه التضحية والمروءة من اللذَّةِ والمتعة ما يُحاكي الجنّةَ ونعيمها. أجل، ربما هناك ذوقٌ روحانيٌّ لدنّي يرجُحُ الإمامة عندما ينسلُّ الإنسانُ إلى الخلف كالجماعة التي تصطفُّ وراء الإمام، ويُؤْثِرُ غيره على نفسه.

علينا ألا نضيّق من دائرة خُلق الإيثار. أجل، إننا إن قَصَرْنا الإيثار على الأكل والشرب واللبس، فهذا يعني أننا ضيّقنا واسِعًا، وحجّمنا دائرةَ التضحيةِ الرحبةَ وأزهقنا روحها، بيد أنّ على الأرواح التي نذرت نفسَها في سبيل الحق أن يكون لها موقفٌ ثابت وشجاع؛ يؤهّلها أن تقول: “إنني لا أرغب حتى في الجنة، وإن رأيتُ إيمانَ أمّتِنا في خيرٍ وسلامٍ فإنّني أرضى أن أُحرق في لهيب جهنم؛ إذ بينما يحترق جسدي يرفُلُ قلبي في سعادة وسرور”[4]، وأن تربط خَلاصَها بخَلاصِ الآخَرين، وأن تعمل على استغلال هذه الحياة القصيرة في سبيل الحياة من أجل الآخرين، فإذا ما تقابلَتْ أمام باب الجنة مع ألفٍ ممن كانت وسيلة لهدايتهم قالت بشجاعة: اللهم إني لا أدري هل أدَّيتُ بحقٍّ شكرَ النعم التي أسبغتَها عليّ، وهل كنتُ مخلصًا في الأعمال التي قمتُ بها، اللهم أدخِل إخواني الجنة من قبلي”؛ بمعنى أن على الإنسان أن يمحو نفسه تمامًا في هذه الدنيا وفي الآخرة، وأن يلفت الأنظار إلى غيره على الدوام.

الأنانية الجماعية

أما الأنانية الجماعية فتتغذّى على الأنانيّة الفرديّة والنفس، فقد لا تكفي الأنانية الفردية لبعض الناس الذين يتصارعُون من أجل التعبير عن أنفسهم، فينتمون إلى جماعة معينة، يركنون إليها ويعتمدون عليها، رغبةً في إظهار أنفسهم بقوةٍ، واستغلال قوة هذه الجماعة أو الحركة في الدعاية لأنفسهم، فيؤكِّدون مرَّةً أُخرى على أنانيّتهم، ويحاولون أن يُظهِروا أنفسَهم بسلوكيات وأفعال مختلفة؛ وبذلك يغدون أسرى لأنفسهم وشيطانهم بهذه النرجسيّة والأنانية الجماعيّة الأقوى من أنانيتهم الفردية.

ومهما حاول بعضهم إخفاءَ نواياهُ الحقيقية في غلافٍ من التواضع والمحو إلّا أنّ فطرةَ الإنسانِ تستشعِرُ -بقدرٍ ما- ماهيةَ هؤلاء الأنانيّين؛ لذا فإنّ الأنانيةَ تُفقد الإنسانَ اعتباره وقدره، وتمنحُ الآخرين فرصةَ الاستخفاف به واعتزاله.

وهكذا فإن الذين يتحركون -في كلّ الدوائر من أدناها إلى أقصاها- وفقًا لأنانيتهم الجماعية يثيرون الغبطة أو الحسد في نفوس أتباع الجماعات والحركات الأخرى، ومع الأسف فإنّ أمثِلةً كثيرة يمكننا أن نراها في أيامنا الحالية.

لا سيما إنْ همّ أتباع حركةٍ معينة وصلت إلى بعض النجاحات وجعلوا أنفسهم على رأس الحركة التي ينتمون إليها، ونسبوا إلى أنفسهم كلَّ الجماليات، ورغبوا في أن يُشار إليهم بالبنان على الدوام، وغضّوا الطرف عن خدمات الآخرين، فإن هذا سيؤدي إلى تشكيل جبهةٍ معادية لتلك الجماعة أو الحركة التي ينتسبون إليها؛ لأن هناك مسلمين صادقين عقلاء متحمّسين في كل شريحةٍ من شرائح المجتمع وفي شتى الجماعات والحركات، غير أنه لم يكتب لهم أن يقوموا بعُشر معشار الخدمات التي قام بها الآخرون رغم نزاعهم وسعيهم الحثيث في سبيل الحق والحقيقة منذ أمدٍ بعيد؛ ولذا يشعر هؤلاء الناس بشيء من الاستياء إذا ما أخذ أتباعُ حركةٍ معينة في الحديث عن أنفسهم وعن النجاحات الكثيرة التي حققوها؛ ومن ثمّ فعلى أتباع هذه الحركة التي أحرزتْ هذه النجاحات أن يكونوا على وعي وحذرٍ بالغ حتى يَئِدُوا المشاعر السلبية التي قد تنشأ لدى الآخرين الذين يسعون في مختلف سبل الخدمة؛ فإذا ما تحدّثوا عن خدماتهم نسبوها إلى الدوائر الواسعة بقدر الإمكان.

فمثلًا: قد يأتيكم بعض المنصفين العارفين بالجميل من أتباع الحركات الأخرى ويثنون على ما قمتم به من خدمات، فعليكم حينذاك أن تقولوا لهم: “في الواقع إن كلَّ هذه الجماليات كانت من أمانيكم وغاياتكم المثلى، كنتم تُدنْدنون بها، وتسطّرون ملاحمها طوالَ سنوات، وبذلتم جهدًا كبيرًا في هذا السبيل، فكنتم أنتم أوَّلَ مَن شرع في تقديم هذه الخدمات، ولكن الله تعالى سخّر لهذه المرحلة بعضَ إخوانكم فحقّقوا هذه الغاية المثالية التي بدأَتْ بجهدكم وعزمكم”. 

والحقيقة أنَّ كل إنسان مُنصِفٍ ذي ضميرٍ يُقرُّ بأنَّ لكل جماعة وحركة جهودًا حقيقية مهمةً في انبعاث المجتمع من جديد؛ فترى بعضَهم وقد زانُوا أرضَ الوطن -من أقصاها إلى أقصاها- بِدُورِ ومراكز تعليم القرآن الكريم؛ إذ إنّهم في ذلك الوقت الذي شحّ فيه تعليمُ القرآن جابوا البلاد قريةً قريةً، وقصبةً قصبة، وسعوا في شتّى الأسقاعِ إلى تعليم الناس كتابَ ربّهم جلّ جلاله، والبعضُ رعى الشبابَ واعتنى به عبر افتتاحه مدارس في كل مكان قدرَ استطاعته، أما البعضُ الآخر فقد افتتح المعاهد الإسلامية، وكليات الإلهيات، والمراكز التعليمية، والمدن الطلابية فأسهموا بذلك في الوفاء بمسؤوليّاتهم تجاه الشعب والأمة، إذًا فإن كان ثمةَ انبعاثٌ اليوم بقدر معين، فإنَّه تحقّق بفضل تكاتُفِ الجهودِ المبذولةِ من كلّ الجماعات والحركات، ما ذكرنا منها وما لم نذكر.

وأظن أنكم حين تتناولون المسألة بهذا الأسلوب آنفِ الذِّكْرِ فإنه لن يُخيَّلَ لأيِّ مُنصفٍ أنَّه حُكم عليه بالعدم، أو أنّه هُضِمَ حقّه، أو أنّه لم يُؤبَهُ به؛ وبهذا فإنه لن يرتكب ذنوبًا من قبيل إساءة الظنّ والحسد والغيرة.

الوهم والمخاوف التي تُحَفِّزُ مشاعرَ العداء

 ينبغي للأرواحِ الناذِرَة نفسَها للخدمة في سبيل الله ببصيرةٍ وحكمة أن تتحلّى بروحِ الشجاعة والمروءة التي تنسِفُ الهمومَ والمخاوفَ نسفًا، وليس ذلك تجاه بيئتها الصديقةِ فحسب، بل وتجاه مَنْ أتوا بتصرّفاتٍ وحركاتٍ عدائية ضدها لعجزهم عن مشاركتهم المشاعرَ والأفكارَ ذاتها، يقول “حافظ الشيرازي” حول هذا الموضوع: “نَيلُ الراحة والسلامة في كلا العالمين توضّحه كلمتان: معاشرة الأصدقاء بالمروءة والإنصاف، ومعاملة الأعداء بالصفح والصفاء”، فإن كُنَّا مؤمنِينَ وندينُ بأنّ الشفقةَ مبدأٌ من مبادئنا الأساسيّة فإنَّه يَتحتَّم علينا أن نتصرّفَ تجاهَ الجميعِ برحمةٍ ولينٍ، إضافةً إلى أنه يجب عليكم -من أجل استئصالِ أوهام مَن يتخوَّف ويقلقُ من المستقبل- أنْ تُبيّنوا بشتّى الوسائل أنكم لا تنشدون أي غرضٍ دنيويّ في المستقبل وأنكم لا تَتَغيّونَ شيئًا آخر سوى الرضا الإلهي، حتى إنَّه ينبغي أن يُردَّد ذكرُ تلك الحقائق ويُكرَّرَ بلغةٍ واضحةٍ وصوتٍ جَهْوَريٍّ تسمعه الدنيا بكلِّ عوالمها.

دَعْكُم من التشوّف إلى حكمِ بلدةٍ ما أو دولة ما، فإننا لا نطمح حتى إلى زعامةِ قريةٍ، وكلُّ هَمِّنا وغايتُنا الوحيدةُ هي: أنْ يُسمعَ اسمُ الله واسمُ النبي صلى الله عليه وسلم في كلّ أرجاء المعمورة، وأن تنهلَ الإنسانيّة التي خُلقت مكرَّمةً من مناهل الفضائل التي جاء بها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وتُبلَّغَ القلوبُ اسمَ الله الجليل؛ فيرفرف فيها كالراية، وإننا نطرد من أذهاننا كل الأفكار التي تخالف هذا، ونطرحها إلى أبعد ما يكون، بل وإن أقبلت علينا الدنيا بكل مفاتنها فإننا نَــركُـلُ السلطنة الدنيوية بأطراف أقدامنا، لأنّنا نسعى إلى اقتفاء أثر سيد السادات محمدٍ صلى الله عليه وسلم خطوةً خطوةً، ونتأسّى به قولًا وعملًا، إذ رفض الدنيا التي تمثلت له، يقول: “هَذِهِ الدُّنْيَا مُثِّلَتْ لِي فَقُلْتُ لَهَا إِلَيْكِ عَنِّي![5]، وذلك لأننا نطلب رضا الله تعالى الأعظم والأكبر من محاسن هذه الدنيا الجذابة الكذّابة، والفانيةِ بكلّ ما فيها مِنْ مفاتنَ، والواقعُ أن عدم صُدورِ أو وجودِ أدنى إشارة أو علامة منا تستدعي قلقَ أو تخوُّفَ بعضِ الطوائف والشرائح في ثقافاتٍ وفي مناطق جغرافية مختلفة جدًّا ليؤيدُ ويؤكّدُ -بكل وضوحٍ- فكرتَنا وقناعتنا هذه.

ومع أن هذه هي الحقيقةُ إلّا أنّهُ يجبُ التأكيدُ على هذه الأفكار في كلّ مناسبةٍ وموقفٍ، وإلا فإنْ التزَمْنا الصمتَ ولم نَقُل أيَّ شيء في هذا الشأن؛ فلربما يتبَنّى بعضُ المخلصين الذين يُحسنون النيّة قناعاتٍ وآراءً خاطئة من عند أنفسهم إذا ما نظروا إلى تطوّر الخدمات التعليمية وأنشطة الحوار؛ فيُخيّمُ عليهم القلقُ والمخاوف… فإذا كان للمقرّبين منكم -الذين يقفون عن يمينكم وشمالكم أثناء الصلاة- أن ينغلقوا على مجموعةٍ من الأفكارِ الخاطئة حيالكم؛ فلكم أن تتصوّروا مدى القلق الذي يمكن أن يَشعر به أولئك الذين يُعادونكم ويجهلون عالمكم الداخلي ولا يعلمون أن غايتكم اليتيمة هي ابتغاء رضا الله تعالى، ومن هذه الناحية فإن الأرواح الناذرَةَ نفسَها للخدمة في سبيل الله -بدءًا من طفل السابعةِ إلى شيخ السبعين أو حتى من هو أكبر- عليها أن تتذكّرَ دائمًا وأبدًا أنها لا تضع في حسبانها أيَّ شيء مستقبلي بشأن السلطنة الدنيوية ولا تطمح إليها ولا إلى ما يمكن أن تحقّقه من إمكانات، وينبغي لهم أنْ يَنْأَوا بأنفسهم عن كل قولٍ وفعلٍ وتصرُّفٍ وسلوكٍ قد يُثِيرُ لدى أهلِ الدنيا -الذين يرون الدنيا كلَّ شيءٍ ويتعلّقون ويربطون حيواتهم بها فحسب- الخوفَ من فقدان الإمكانيات الدنيوية.

 

[1] صحيح البخاري، الإيمان، 39؛ صحيح مسلم، المساقاة، 107.

[2] انظر: سعيد النورسي: اللمعات، اللمعة الحادية والعشرون، دستوركم الثاني، ص 221-222.

[3] انظر: سعيد النورسي: اللمعات، اللمعة العشرون، السبب الرابع، ص 211.

[4] سعيد النورسي: السيرة الذاتية، ص 492.

[5]  البيهقي: شعب الإيمان، 113/13 ؛ الحاكم: المستدرك، 344/4.

 

التيقّظُ والحَذَرُ

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ما الأمور التي يجب الحذرُ منها والتيقُّظُ لها في طريق الخدمة الإيمانية؟ وكيف ينبغي أن يكون هذا التيقُّظ؟

 الجواب: التَّيَقُّظُ من اليقظة بمعنى الصحوة والإفاقة والتنبّه، ولفظُ “التيقّظ” فيه معنى التكلّف لأنه من صيغة “تَفَعُّل”؛ ولذا يُقصد به: أكملُ انتباهٍ وأبلغُ دقّةٍ وأعمقُ تعمُّقٍ وأعلى حساسيةٍ وأسمى درجات الحيطة والحذر، كما يمكننا أن نعرّفه بأنه: إيقاظُ جميع الملكات الشعوريّة والفكرية -فضلًا عن البصريّة- حيال استقراء الحوادث، وتشخيصها تشخيصًا سليمًا، وعدمُ الاقتصار على التأويلات والتقييمات التي يوحي بها رأيٌ واحدٌ أو شعورٌ واحدٌ، وفحصُ ومراجعةُ الرؤى والقرارات في كلّ مسألةٍ مرةً تلو أخرى… فالإنسان المتيقّظ هو الذي يرى نفسَه كطيّارٍ يُدرك أنّ أيّ خطإٍ أو خللٍ يصدر منه مهما كان صغيرًا يُمْكِنُ أن يوديَ به وبمن معه إلى السقوطِ والهلاك؛ يرى ذلك فيأخذُ بمجامع الحيطة والحذَرِ دائمًا حتى لا يتردّى أو يسقط.

 التيقّظ في عهدٍ ساد فيه النفاق

إن التيقّظ بالنسبة للأرواح التي نذرَتْ نفسها لخدمة الإيمان والقرآن يحمل أهمّيّةً خاصة في هذا العصر الذي استحكمَ فيه النفاق، ومن ثَمّ فعلى تلك الأرواح بدايةً أن تحسنَ استقراءَ الزمن الذي تعيش فيه، وتعملَ على تحليل الظروف الراهنة تحليلًا سليمًا، وتتعرّفَ جيّدًا على خصومها الذين جُبلوا على العداوة، ولا يغرنّها قربهم منها فإنهم يستترون وراء ستار النفاق على هيئة دوائر متداخلة؛ ومهما فعلتْ الأرواح المتفانية وبذلت وسعَها حتى لا تَظهرَ كجبهةٍ مبارزة ومناهضة فإن هؤلاء الذين طارَ صوابُهم حسدًا وغيرةً قد يتحكّمون بتلك الأرواح، فيبثّون نيران مشاعرهم العدائيّة في شتى دوائر الحياة أعلاها وأدناها، بل إن هؤلاء الذين أَسَرَهُمُ الحقدُ والغِلُّ يتربصون بهم الدوائرَ.

أجل، ينبغي لهذه الأرواح أن تعيَ ما تحمِلُهُ على عاتقها من مهمّةٍ جِدّ حسّاسةٍ، وأن تتمتّع مع كل انطلاقة أو خطوةٍ تخطوها بشجاعةٍ باهرة لا تُقهَر، وعقيدةٍ راسخة لا تتزعزَع، وثباتٍ على الطريق المستقيم، وإلى جانب هذا كله؛ عليها أن تضع حسابًا للتخريبات التي قد تصدُرُ عن الجبهات المعادية نتيجةَ فَوَرَانِ غيظِها وتفجُّرِ حِمَمِ حقدِها وكُرْهِها، وإلا تسبّبت في أخطاء وإخفاقات تضرُّ بالحركة التابعة لها، لذا فإن اتّخاذ الحيطة والحذر والدقّة البالغة في هذا الأمر يُعدّ عمقًا وبعدًا من أبعاد التيقظ.

والواقع أن القلب المؤمن يحسب ويُفكّرُ لِغَدِهِ كما يَحْسِبُ ويُفكّرُ لِيَومِهِ، ولا يتقيّد بحاضره فحسب، ولا ينبغي له ذلك؛ لأنّ الحسابات اليومية أو المرحليّة لم ولن تقتلعَ أيّ مشكلةٍ من جذورها، فمنذ عدة عصور وتُطرح الحلول غير الجذرية لمشاكل العالم الإسلامي، وتوضع السياسات اليومية المؤقتة للمشاكل العملاقة دون جدوى، ولذا فإن من يحسبون أن السياسات اليومية المؤقّتة قادرةٌ على حلّ المشاكل في بلادهم والعالم الإسلامي وجَعْلِه عنصرًا من عناصر التوازن الدولي، ومحطَّ أنظار العالم وموضعَ تقديرِهِ فقد خَدعوا وانخدَعوا.

أجل، إننا إذا ما نظرنا نظرةً موضوعية إلى ذاتنا كمجتمع لألفينا أنْفُسَنا غيرَ قادرين على التحديد التام لعِلَل آلامنا الممتدة منذ عصور، ولم نستطِع تشخيصَ الداءِ تشخيصًا سليمًا، فضلًا عن وصف الدواء وصفًا حكيمًا.

لذا فعلى القلوب المؤمنة في زماننا أن تسير متيقّظة كالعيون الساهرة وليس كالذي يسير أثناء النوم، وأن تنظر بشموليّةٍ إلى الحوادث، وأن تُقلّبَ النظرَ كرّةً بعدَ أخرى في كلّ خطوةٍ تخطوها، وأن تراجع مرّةً أخرى كلَّ عملٍ تقوم به، وأن تعالجَ المشاكل كإنسانٍ تيقّظَت كلُّ ملكاتِهِ الشعوريّة والفكريّة بتمامها، والأحرى أنّ عليهم أخذَ الحَذَرِ عند نماءِ أيّ طقطقةٍ إلى مسامعهم وكأنهم جنود الوطنِ المرابطون على حدوده، وأن يحتاطوا في كلّ لحظةٍ تحسُّبًا لأيّ خطر، وأن يستعدّوا دائمًا لمكافحة السلبيات بما في أيديهم من حلولٍ متاحة.

 التيقّظ حيالَ النجاحات

ومن جانب آخر: فإنّ ممّا منّ الله تعالى به على الذين يسعون لخدمة الإنسانية في يومنا هذا ابتغاء مرضاته أن جعلَهم مبلِّغين للحقّ والحقيقة في شتى ربوع العالم، فإن لم نحتَطْ لهذا الأمر فلعلّنا -معاذ الله- نقع في الغفلة ونَنْسُبُ إلى أنْفُسِنا من النجاحات ما يجب عَزْوُهُ إلى الذات الإلهية، أجل، علينا أن نوفّيَ إرادتنا حقّها إلا أن الإرادة شرط عاديٌّ لتحقّق شيءٍ ليس إلا، والحقيقةُ أنّ الخالق هو، والصانع هو، والفاعل هو، والذي يجعلُ الشتاءَ ربيعًا هو، والذي ساقنا إلى كل هذه الجماليات هو سبحانه وتعالى؛ ولذا فلا يصحّ أن تدور بِخَلَدِنا أفكارٌ من قبيل: “نحن فَعلْنا، نحن صَنعنا”، بل يجب أن نعتبر كلّ جمالٍ نحصل عليه لطفًا وتفضّلًا منه سبحانه وتعالى، وأن ننسب النعمة إلى صاحبها الحقيقي، أخذًا بمبدإ التحدّث بالنعمة، والحقّ أن مثلَ هذا التصرّف الحذِرِ كفيلٌ بتوالي مزيدٍ من النِّعَمِ الإلهيّة تترى؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ: 7/14).

فضلًا عن ذلك علينا أن نتجنّب بقدر المستطاع الغلوَّ والإطراءَ الزائدَ في نعْتِ أصدقائنا الذين يُشاركوننا الدرْبَ نفسه؛ لأننا قد نوقعهم في عشق المقامات التي يُحْسِنُ الناسُ فيها ظنهم، وبذلك ندقّ أعناق أصدقائنا بأيدينا دون وعي منّا، حيث إن استخدام عبارات المدح والثناء في حقّ مَن نُحسِنُ الظنّ بهم قد يثير شعور الغيرة لدى آخرين ممن يشاركونكم الطريق ويتقاربون معكم في المنهج، وقد يسوقهم ذلك إلى الحقد والحسد، فكلّما طافت ألسنتكم بعبارات المدح والثناء حولَ شخصٍ تحبُّونه أثَرتُمْ في الآخرين شعور الإنكار والجحود تجاهَهُ، وبذلك يكون جزاؤُه منكم الإساءَة له بدلًا من الإحسان إليه، لذا فالصدقَ الصدقَ، والحذرَ الحذَر مع بعضكم البعض، وإياكم ومَذْقَ الإطراءِ والإطنابَ في التقريظِ لمن تُحبُّون، وعلينا أن نسعى دائمًا لنكون صادقين أوفياء مع بعضنا، وبدلًا من أن ننعت فلانًا بالولاية وفلانًا بالقطبية ندعو الله قائلين: “اللّهم لا تحرمنا من الصدق والوفاء لإخواننا!”.

والحاصل أنكم إن كنتم تحملون حبًّا جمًّا وشوقًا صادقًا لشخصيّةٍ معيّنةٍ فعليكم أن تُعَبّروا عن حبّكم وشوقكم بالعمل على تحقيق الغاية المثاليّة التي أرشدكم إليها في إطار الكتاب والسنة، أما الإطنابُ في إطرائه أمام هذا أو ذاك فمِن شأنه أن يُثِيرَ حقد وكره الآخرين له، وبذلك تكونون قد أسأتم له وأنتم تُريدون الإحسان إليه، وهكذا فإن مراعاة الدقّة والحساسيّة في الحديث عن كبارنا الذين نُكِنّ لهم كل تقدير واحترام يُعدّ بعدًا آخر من أبعادِ التيقّظ على طريق الخدمة الإيمانية.

 

سؤال: ماذا يعني التيقّظُ بالنسبة للطامحين إلى السياحة في أفق القلب والروح؟

الجواب: قد يركن “السالكُ طريقَ الحقِّ” إلى الرجاء حيال ما يَرِدُه من وارداتٍ وهباتٍ أو ما ينهال عليه من تجلِّيات عامة تتحقّق في أحوال ومقامات معينة؛ فيدخل في نوعٍ من الشطح والتحرّر، فثمّة حاجةٌ ماسّة جدًّا إلى التمكين والتيقّظ في مثل هذه النوعية من الأحوال التي تمثّل ابتلاءً وامتحانًا بالنسبة “للسالك”، فالله جلّ جلاله يمتحنكم بتدفُّقِ الإحسان والجماليّات، ويمُنّ عليكم بما يساوي الجوهرَ قيمةً، فإن فرحتم كالأطفال بهذه الهِباتِ والنعم ونسيتم في خضمّ ذلك صاحبَها فإنكم حينئذٍ ترسبون في الامتحان، لذا فالواجبُ على الأعين في مثل هذه الأحوال -التي تُمْطِرُ عليكم فيها الإحساناتُ وابلًا صيّبًا- أن ترى صاحب تلك النعم وتَرقُبَه ولا تحيد عنه، وأن تجيشَ القلوبُ بها من باب “شكر المنعم” فحسب، وعلى حدّ قول فضيلة الأستاذ سعيد النورسي فإنه ينبغي لنا عند شكر أيّ مُحسن إلينا ألا نتجاهل مَنْ أرسله. أجل، إن الإنسان العازم على السياحة في أفق القلب والروح يحتاج دومًا إلى التمكين والتيقّظ الحقيقي كي يستطيع الحفاظ على التوازن اللازم أمام الهِبَاتِ والوارداتِ التي يحظى بها.

 “لستُ أنشدُ شيئًا سوى رضاك!”

إن الجانب المتعلِّق من هذه المسألة بالأرواح التي نذرت نفسها في يومنا الحاضر مختلفٌ قليلًا؛ لأنهم -وبحسب مقتضى مسلَكِهم- لا ينشدُون مثل هذه المقامات المعنويّة، وإنَّ الأستاذ النورسيّ بعد أن بيّن أن الهدفَ الأسمى للإنسان هو الإيمان بالله، ثم معرفة الله التي تنشأ من الإيمان، ثم محبة الله التي تنبع من معرفته جل وعلا؛ أضاف إلى ذلك “اللذة الروحية”[1]، بيد أن ثمّةَ أمرًا دقيقًا يجب الانتباه إليه ههنا ألَا وهو: أن الثلاث الأُول ممّا ذُكر أعلاه “إراديٌّ” بمعنى أن على الإنسان أن يبتغيها بإرادته، وبتعبير آخر: فإنكم تُوَفُّون إرادتكم حقّها كشرطٍ عاديّ في الحصول على الإيمان بالله ومعرفة الله ومحبة الله، وتتوسّلون وتطلبون وتبحثون وتتجوّلون في عوالم الأوامر التكوينيّة، وتُراعون الأوامرَ التشريعيّة، وتذكرون الله وتتفكرون، وتبذلون قصارى جهدكم في ذلك، أما بالنسبة لمسألة اللذة الروحية فإنها ليست “إراديّةً” بالمعنى نفسه، أي لا تُطلَب بالإرادة، وإنما قد يَهَبُ الله تعالى مثل هذا الفضلِ لمن يسلكون طريقَ الإيمان والمعرفة والمحبّة، إلّا أنكم إن طلبتموها بدايةً، وربطتم بها الإيمانَ بالله ومعرفةَ الله ومحبةَ الله فهذا يعني أنكم خفّضتم سقف مطالبكم وابتغيتم من النتائج ما هو ضئيلٌ وصغير، أمّا إن ربطتم عبوديّتكم برضاه وتوجّهه فحسب فهذا يعني أنكم ارتقيتم أفقًا تعجزُ الدنيا عن تقييمه أو وزنه، بل وتُستَقَلُّ وتَتَضَاءَلُ اللذة الروحية إلى جانبه، ومن هنا فإنه لا ينبغي الخلطُ بين “الإرادية واللاإرادية”، وعلينا أن نحثّ الخطى دائمًا خلفَ ما هو إراديّ وأن نُوَفّيَ الإرادةَ حقّها في هذا الموضوع، فإن كان الشيء غير الإراديّ قد مُنَّ به علينا وَهْبًا خارجَ إرادتنا ودون طلبٍ أو رغبةٍ منّا فلا بدّ لنا من مقابلة ذلك بالشكر والحمد، والتعبير عن شعورنا بالمنّة والامتنان، والتحدث بنعمِ ذي الجودِ والإحسان.

إن الإلهام والكشف واستقراء ما في نفس الإنسان والإحساسَ بالحوادث قبل وقوعها والانفتاحَ في الرُّؤَى على عوالم مختلفة… كل هذه الأحوال والمقامات ليست أساسًا أو هدفًا يُبتغى؛ فنحنُ نسلكُ طريقَ الصحابة رضوان الله عليهم، فهم الذين لم يلتفتوا إلى هذه النوعية من الخوارق التي قد تجد النفسُ الأمّارةُ إليها سبيلًا، ولم يُلْقُوا لها بالًا؛ وإنّهم إذ أجرى الله على يدِ بعضهم بعضَ الكرامات مثل الإحساس بالشيء قبل وقوعِهِ، وإجراء الحقّ على لسانهم؛ إلا أنهم لم ينشدوا الكشف والكرامات قطّ؛ فلم يتغيَّوا سوى غاية يتيمة؛ ألَا وهي الحصول على الرضا الإلهيّ؛ ولذا فإنه يجب علينا نحن كذلك أن نتحرّك في هذا الفلك، فإن حظينا نحن أيضًا ببعضٍ من الهبات والواردات دون أن نطلبها وجب علينا أن نقابلها بقولنا: “إلهي! نعمةٌ لم أكنْ أنا الحقيرُ أهلًا لها، فما سرُّ هذا اللطفِ والإحسان؟!”، وأن نخافَ كونَها نوعًا من “الاستدراج”، وأن ترتعِش فرائصُنا خوفًا ووجلًا، وربما ينبغي لنا أن نقول عقب ذلك: “ربي! كنتُ أريد أن أُحبّك أنت فحسب حبًّا ولِهًا، وإنّي لأطلبنَّ لقاءَك مثل المجذوب، فإن كنتَ منحتَني هذه الأمورَ لتبعثَ فيَّ الشوقَ والغيرةَ فلكَ الحمدُ والشكرُ والثناءُ الحسنُ ألفَ مرّةٍ ومرّة! غيرَ أنني لا أطلب شيئًا آخر سوى رضاك”.

 

[1] انظر: سعيد النورسي: المكتوبات، المكتوب العشرون، المقدمة، ص 271.

 

ابتغاءُ الكمال في الأعمال

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: يقول الحقّ سبحانه وتعالى: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ (سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 3/5)، ففي هذه الآية ربطَ الحقُّ سبحانه وتعالى رضاه بالأكملية والأتميّة، فما هي مناطات تحقيق مثلِ هذه الأكملية والأتميّة المرجوّة؟

الجواب: إن الإسلام عبارةٌ عن حِزمةٍ من القِيَمِ التامّة الكاملة التي لا يشوبها نقصٌ ولا قصور، ومن شأنها أن تلبّي متطلبات كلِّ المجتمعات مهما تنوّعت وتعاقبت إلى قيام الساعة، ومن ثمّ فعلى أتباع هذا الدين الخاتم الذي بلغ الله به حدَّ الكمال والتمام أن ينشدوا الأكمليّة والأتمّيّة في كلِّ شيء؛ أي أن يتحرّوا الدقة والكمال في أداء وظائفهم ومسؤولياتهم؛ حتى يتسنّى لهم الحصولُ -بالمعنى التام الكامل- على خير النتائج وأفضل الجماليات التي وعدهم بها دينُهم، فهذا هو سبيلُ أفق الرضا الإلهيّ، والآية صريحة في هذا المعنى.

“كلُّ خطإٍ وإخفاقٍ بسببي أنا!”

وإنّ تحقُّقَ أفق الرضا هذا متوقّفٌ على شروطٍ؛ أولها: أن يكون لدى الإنسان نيةٌ صافية وعزيمةٌ عالية موجهتان لاستغلال جميع الإمكانيات والقدرات التي وهبها الله له استغلالًا تامًّا على الوجه الأمثل والأكمل؛ فبعض الناس يمتلك نداوةَ الصوت، وبعضهم يمتلك مهارة القيادة والإدارة، وبعضهم يُجيدُ الكتابة والتأليفَ أو الكلام الجميل… لذا فعلى كلِّ شخصٍ أيًّا كانت قدراته ومهاراته أن يستغلّها إلى أقصى حدٍّ حتى يتسنّى له التعبير عن الحقّ والحقيقة، فإن لاحت في الأفق بعضُ الأخطاء والعيوب فعليه أن يفتّش عن عيب نفسه لا عن عيب غيره، وأن ينسبهما إلى نفسه مجتهدًا في البحث عن سبلٍ لتلافيهما.

ويجب على من وهبَ نفسه لخدمة الإيمان والقرآن -بغضِّ النظرِ عن الوظيفة التي يقوم بها في شتى مجالات الحياة- أن يعتبر نفسَه مسؤولًا عن عدم بلوغ هذه الوظيفة درجةَ الكمالِ والتمام والإتقان، وأن ينسب إلى نفسه كلَّ مشكلة تحدث.

والحق أن العبدَ لو قال في نفسه: “لـم أستطع أن أؤدّي بحقٍّ المسؤوليّةَ الملقاة على عاتقي، لقد قصّرتُ في هذه الوظيفة حتى باتت لا تؤتي ثمارَها باطّراد على الوجه الأمثل، وإنّ ما اقترفتُهُ من أخطاءٍ هو السبب في ذلك”، فهذا القول يُعَدّ توبةً ضِمنيّة، بل إنابةً أو أوبةً حسبَ اتساعِ قلبه وعمقِ مداركه، ولا شكّ أن الله تعالى يستجيب بلُطفه وكرمه دعاءَ مثلِ هذا القلب المهموم، وسَيُنعم عليه -إن شاء- بمزيدٍ من فضله وعنايته حتى يتدارك ما وقع فيه من أخطاء.

ولكن إن نظرَ الإنسانُ بِعينِ الكمالِ إلى كلّ أعماله، واعتقد أن أفعالَه معصومةٌ عن أيِّ قصورٍ أو خللٍ، وأنَّ خططَه ومشروعاتِه بلغت من الدقةِ والكمالِ درجةً يكاد أن يكتشف بها حتى السموات، ثم عزا كلَّ الأخطاء إلى أنَّ مَنْ حولَه لا يصغون لكلامه ولا يفقهونه ولا يطيعونه؛ فإنّ هذا هو عينُ الهذيان الفرعوني القائل: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ (سُورَةُ النَّازِعَاتِ: 24/79)، إلا أن التعبيرَ عنه جاء بأسلوبٍ مختلِف.

نعم، فلا بدّ من التناسب الطرديّ بين ما يقوم به الإنسان من أعمال وبين محاسبة النفس عما يصدر منها من زلّات وهفواتٍ، ولا بدّ أن تتعمّق المحاسبة أكثر فأكثر كلّما ازدادت أعباءُ الوظيفة؛ بمعنى أنه كلّما ازدادت الدوائرُ المتداخلة التي يعمل الإنسانُ في إطارها كلّما كان عليه أن يعزو لنفسه شتّى الأخطاء والإخفاقات التي تقعُ في أيّ دائرة منها؛ فينبغي له أن يُفتّشَ عن الأسباب في طيّات نفسه، وأن يحمّلها مسؤوليّة ذلك كلّه، لأنّها لم تستطع أن توثِّقَ صِلتَها بالله جلّ في عُلاه، ولأنّها لم تستشعر الإسلام بكلّ جوانحه، ولم تستوعبِ الدساتير التي وضعها سيّد الأنام صلّى الله عليه وسلّم، ولم تُقيِّم الظروف التي تعيشُ فيها، ولم تتعرّف جيدًا على الخصوم.

كلُّ جمالٍ منه، وكلُّ خطإ وقصورٍ مِنّا

والحقّ أن القرآن الكريم قد وضع دستورًا واضحًا في هذا الأمر، والآية التالية تُغني عن كثيرٍ من الكلام، يقول تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (سُورَةُ الشُّورَى: 30/42).

وهنا يُبيّنُ الحقّ تعالى أن ما يقعُ من أخطاء وثغراتٍ ناجمٌ عما رنتْ إليه أعينكم، وسمعتْ به آذانُكم، وعالجته عقولُكم، وتشدّقت به أفواهُكم، وأمسكتْ به أيديكم، وخطَتْ إليه أرجلُكم، وعبّرتْ عنه مشاعرُكم… إلى غير ذلك من الأمور التي تتنافى والغايةَ من الخلق، ويعفو الله عن كثير.

ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ[1] ، مشيرًا إلى أن الإنسانَ بفطرته مهيّأٌ للخطإِ وعُرضةٌ له، لكن المهم هو أن يعيَ خطأه فيعمل على تداركه، فنجد حتى الخلفاء الراشدين يلومون أنفسهم بعبارات مثل: “ليتني فعلتُ هذا، وددتُ أنِّي لم أفعل هذا…” أجل، لقد كان هؤلاء الخلفاء العظام يحاسبون أنفسهم، ولا يستنكفون عن كشف بعض الأخطاء التي اعترتْ أعمالَهم -عِلمًا أن أخطاءهم وهم المقربون حسناتٌ بالنسبة لغيرهم-.

استقراء الحوادث بشكل صحيح

ينبغي للإنسان أن يعتقد بأنّ المحن والمصائب التي تُلمُّ به إنما هي من عند نفسه، حتى وإن لم تكن مرتبطة من جهة ظهورها بإرادته وحتى إن لم يَتعمّدها أصلًا؛ فمثلًا عليه ألا يعتبر الشوكة التي يُشاكُها في قدمه أمرًا عرضًا أو صدفةً إن جاز التعبير، بل عليه أن يعتقد أنها نتيجة عيوبه وأخطائه الشخصيّة، وللتوضيحِ والتمثيلِ أَسُوقُ الحادثة الآتية فأقول: “إن لكم صديقًا يحقن نفسه بالإنسولين مرتين أو ثلاثًا يوميًّا، فإنه إنْ سقطت من يده حافظةُ إبرة الحقنة فعلّلَ ورَبَطَ ذلك بأنه “لم يبدأ باسمِ الله تعالى” قائلًا: “إلهي! لو أنني بدأتُ باسمك لَـمَا سَقَطَتْ هذه من يدي”، وكذلك أيضًا لو أصابت الإبرة عصبًا أو شعيرةً دمويّةً في بدنه أثناء الحقن فسال منه الدمُ عَزَا الأمرَ إلى انحرافاته وعدم استقامته في الفكر وعجزِه عن الصلة بالله تعالى والارتباط به؛ هذا هو التصرّف والسلوك الواجب علينا اتخاذهُ وانتهاجه تجاه الابتلاءات والمصائب، فالإنسان إنْ لم يؤمن بأنّ ما يصدر من نقص أو خلل أو عيب نابعٌ من نفسه ولم يسائِلْها عن ذلك؛ عجز -مدى حياته- عن التخلُّصِ مطلقًا من سوء الظنّ واتّهام الآخرين، بل إنه يظنّ دائمًا أنّ من حوله من الناس هم مَنْ يُـحَوّلُ تصرّفاته وسلوكيّاته الإيجابية إلى سلبية ويُعرّضُ أعماله للخطر، ونظرًا لعجزه عن رؤية عيوبه وإدراكِها فهو عن تدارُكِها وتلافيها أعجزُ.

هذا وإنّ الإنسان الذي يُدرك أخطاءه ويعِيها يفكّر في الأمر مليًّا كلّما واجهته حادثة سلبيّة، ويبدأ في البحث والتنقيبِ عن سُبُلٍ بديلة تكفلُ سلامتَهَ من الوقوع في الخطإِ نفسِه مجدّدًا. أجل، إن الإنسان الذي يَعتبر أنّ الفشلَ والخطأَ نابعٌ من ذاته يتحرّك لاحقًا في إطار المنطق والعقل كي لا يقع ثانيةً في المشكلة ذاتها، ويسعى لاتخاذ جميع التدابير اللازمة، فمثلًا: إنّ الإداريَّ الذي يتولّى إدارةَ وتوجيه مجموعةٍ من الناس، إذا ما نشبَتْ خلافاتٌ بين أفرادِ مجموعته فإنّه سيأخذُ الدروسَ ويستقي العِبَر من ذلك، ويدرس جميع الاحتمالات حتى يمنعَ تكرُّرَ المنغّصات نفسِها مرةً أخرى، ويُنتجُ حلولًا متعدّدةً تحسُّبًا لأيّ طارئٍ محتمَل؛ أي إنّ الخططَ والمشاريعَ التي يضعها ويُقرُّها ستحتوي من البداية على حلول بديلة متعدّدة ومختلفة لمواجهة المشكلات المحتمَلَة.

الرجوع إلى العقل المشترك

هناك مبدأٌ مهمٌّ يكفُل تحقيقَ الأعمال كاملةً وتامّةً كما خُطِّطَ لها، ويحمي الإنسانَ من الوقوع في الخطإ والزلل، ألا وهو “الرجوع إلى العقل المشترك”، وقد بيّنَ سلطان الكَلِمِ صلى الله عليه وسلم أنه “مَا خَابَ مَنِ اسْتَخَارَ، وَلَا نَدِمَ مَنِ اسْتَشَارَ”[2]، انظروا: إن سيدَنا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم رغمَ أنه مؤيّدٌ بالوحي ومرتبطٌ بما وراء السماوات، فإنه يُخضِعُ كلّ أمر للمشورة والرأي؛ إذ كان يستشير أصحابه مــمّن علّمهم هو صلى الله عليه وسلم ماهيّة الدين والحقّ والحقيقة والمشورة. أجل، كان يُنحّي رفعته وتفوُّقَه المطلقَ جانبًا، ويشاور أصحابه بشأن المشكلات والنوازل بصفته واحدًا منهم، لقد كان سيّد السادات صلى الله عليه وسلم يُفعِّل هذا رغم أنّه معصومٌ من الخطإ؛ إذًا فإن أفضل الطرق لتقليل احتمالية الوقوع في الخطإِ من أمثالنا من البشر -الأكثر عرضة للخطإ والزلل- هو إحالة المسائل والقضايا والنوازل إلى نظر العقل المشترك.

وإنّ الفرد والمجتمع اليوم ليعيشُ في مواجهة مباشرة مع سلسلة من المشكلات، فإن لم تُعْمِلوا آليّة الاستشارة التي تستطيع أن تحُلّ أعتى المشكلات المستعصية وتُفَعِّلُوها، فإنكم ستقعون تحت وطأة سلسلة من الأخطاء، ثم يُداخلكم إحساسٌ بالذنب، فتبحثون حولكم عمن ارتكب هذا الذنب، وفي النهاية لا يبقى قلب حولكم إلّا وقد حطّمتموه، ولا إنسان إلّا وقد أغضبتموه، ورغم أنّ الذنب والقبحَ من عند أنفسكم فإنكم لا تفتؤون تتّهمون مَنْ حولكم، وتُزعْزِعون ثقتهم بكم؛ فتُبعِدونهم عنكم وتُنَفِّرُونهم منكم، وكما قال الشاعر:

لا تدوم الدولة والملك لأحد

ولا الفضة والذهب ولا العيش الرغَد

أما الفن والمهارة فإصلاحُ قلبٍ خربٍ

هكذا علَّمَنا الأحدُ الفردُ الصمد

لو بقي الذهب والفضة لأحد ونَفَعَاهُ لكان قارون أولى بذلك، ولكنه خُسف به الأرضَ مع خزائنهِ، وليس هذا فحسب، بل إنّ الناسَ سيظلّون يخسفون به الأرضَ معنويًّا كلّما قرؤوا قول الله تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ * وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (سُورَةُ القَصَصِ: 81/28-82)، ومن هنا فإن الفن والمهارة والحذقَ الحقيقي في إصلاح القلوب لا في تحطيمها، وكما يقول “يونس أمره”:

جئنا لنُشَيّد القلوب ونبنِيها لا لنهدمــــها أو نُفنيــــــــــــها

أجل، إن وظيفتنا هي إصلاح القلوب وعلاجها لا هدمها وتخريبها، لذا فعلى الإنسان ألا يَنسِبَ إلى الآخرين ما ارتكبه هو من أخطاء، وألّا يتّهمهم بما قارَفَهُ من زلّات؛ فهو بذلك يحطّم ويهدم قلوبًا كان ينبغي له أن يُشيّدها ويبنيها.

 

[1] سنن الترمذي، القيامة، 49؛ سنن ابن ماجه، الزهد، 30.

[2] الطبراني، المعجم الأوسط، 365/6؛ المعجم الصغير، 175/2؛ القضاعي، مسند الشهاب، 7/2.

 

النفس المطمئنّة

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: إن من جملة الصِّيَغِ التي أوصانا النبيّ صلى الله عليه وسلم أن ندعو بها قوله: “اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ نَفْسًا بِكَ مُطْمَئِنَّةً، تُؤْمِنُ بِلِقَائِكَ، وَتَرْضَى بِقَضَائِكَ، وَتَقْنَعُ بِعَطَائِكَ”[1]، فما الذي يمكن أن نفهمَه من لفظة “النفس المطمئنة” الواردة في هذا الدعاء الشريف؟

الجواب: إنّ الحديث حول النفس المطمئنّة يتطلّب استطرادًا بعض الشيء، يقول النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف: “أَعْدَى عَدُوٍّ لَكَ نَفْسُكَ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْكَ[2].

وهنا يشيرُ النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن النفس هي ألدّ أعداء الإنسان؛ وعليه أن يتعهّدها بالمجاهدة والتزكية على محور الدقة والحذر، وكما هو معلوم لـمّا رجع النبي صلى الله عليه وسلم من جهاده مع المشركين قال: “قَدِمْتُمْ مِنَ الْجِهَادِ الأَصْغَرِ إِلَى الْجِهَادِ الأَكْبَرِ“، قَالُوا: وَمَا الْجِهَادُ الأَكْبَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: “مُجَاهَدَةُ الْعَبْدِ هَوَاهُ[3]؛ لأنّ مجاهدةَ الإنسان لعدوٍّ خفيٍّ بين جنباته يتحيّن الفرصة للهجوم عليه لهو أصعبُ كثيرًا من جهاد العدوّ الذي يراه عيانًا بيانًا أمام عينيه، ومهما بلغت الصعوبات المادّيّة التي تتخلّل جهاد الأعداء من تضاربٍ واقتتالٍ فثمّة احتماليّةٌ للظفر بالغنائم أو ما شابهها من مكتسَبات آجلةٍ بوقوع النصر، غير أنّ ما يجنيه الإنسان من مجاهدته لنفسه وغلبته عليها وقهرها لا يدركه غالبًا في الوقت الحاضر، وإنما يفوز به في الآخرة، والحال أن الإنسان بطبيعته يطمع في الثواب الآنـيّ العاجل كما قال ربّنا سبحانه وتعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ (سُورَةُ القِيامَةِ: 20/75-21).

أجل، إن الإنسان بطبيعته يريد أن يحصل على نتيجة سعيه وجهده على الفور، وأن ينال أجر عمله على وجه السرعة، وعلى ذلك فالجهاد من أجل إعلاء كلمة الله وإن كان كبيرًا بحدّ ذاته إلا أنه يظلّ صغيرًا مقارنة بالجهاد الأكبر، وإنّ المجاهدةَ التي نتحدّثُ عنها تكون لأُولى مراتب النفس وهي “النفس الأمارة بالسوء”: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (سُورَةُ يُوسُفَ: 53/12).

النفس اللَّوَّامة

كما هو معلومٌ فإن النفسَ التي هي ألدّ أعداء الإنسان وإن كان من شأنها أن تأمر بالسوء إلا أنّها مهيّأةٌ أيضًا للتبدّل والترقّي، ولو أنّنا أحسنّا تربيتها وتزكيتها لتحوّلت إلى مطيّةٍ تقرّب الإنسانَ من الله وتجرّه نحو الفلاح، ومثالُ تبدُّلِ ورقيِّ النفس قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلاَ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ (سُورَةُ القِيامَةِ: 2/75).

فالنفس هنا هي تلك التي خطت الخطوة الأولى وحقّقت الانطلاقة الأولى في مثل هذا التبدّل والترقّي، وهي التي تلوم صاحبَها على ما أصابه من خطإٍ أو ارتكبه من معاصٍ، فتحاسبه وتجعله يبحث عن سبلٍ للخلاص ممّا ترّدى به من دركات اللوثيات، أو عن أسبابٍ أخرى للكفاح حتى لا يتكرّر سقوطه في نفس الأخطاء والمعاصي مرّة أخرى، وتسوقه إلى التوبة والاستغفار، وإنّ تخلُّصَ الإنسانِ من أسارة نفسه الأمارة، وانتقالَه إلى مرتبة النفس اللوامة له أهميةٌ بالغة في تزكية النفس وترقّيها؛ لأن هذه الخطوة هي نقطة انطلاقٍ أُولى على سلّم مراتب النفس الأخرى، فلا يتحقق ارتقاء الإنسان تدريجيًّا إلى النفس المُلْهَمة، ومنها إلى النفس المطمئنة، وإلى النفس الراضية، فالنفس المرضية، وصولًا إلى النفس الصافية أو الزكيّة إلا بالانتقال أوّلًا من النفس الأمارة إلى النفس اللوامة، وكما أن الزاوية الصغيرة في مركز الدائرة تشكّل زاوية كبيرة في محيطها فكذلك هذه الانطلاقة وإن كانت صغيرة في المركز إلا أنّ لها أهميةً كبيرة بالنسبة للنفس، كما أنها صعبةٌ بقدر أهميتها؛ لأنه لا بد من تغيّرٍ معين حتى تتحقّق مثل هذه الانطلاقة؛ وبتعبيرٍ آخر لا بدَّ من محوِ القديم ووداع الماضي والإعراض عن الإلف والعادة، وسلوك طُرُقٍ جديدة.

وهكذا فإن النفس التي تلوم صاحبها على ما اقترفه من أخطاء وما ارتكبه من معاصٍ، وتتوجّه دائمًا إلى الله بقولها ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (سُورَةُ الأَعْرَافِ: 23/7)، وتكشف عن إرادتها وعزمها على عدم التردي في هذه الذنوب مرةً أخرى؛ إن استمرت على مكافحتها ومجاهدتها فإنها ترتقي إلى مرتبة النفس المُلْهَمة التي تخفق وتحلّق في سماء أفق القلب والروح.

النفس المُلْهَمة

والنفس الملهمة هي التي قطعت كلّ السبل أمام أنواع الشرور متوجّهةً إلى ربها عزّ وجلّ في حركاتها وسكناتها، وتتجلّى فيها المواهب الإلهيّة بقدر ما فيها من الصفاء والنقاء والطهارة، وإن الله ليُلهِمُها الحسنى والطيّبات وما يُفضي إلى رضوانه جلّ جلاله، وهو القائل: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (سُورَةُ العَنْكَبوتِ: 69/29)، ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (سُورَةُ الشَّمْسِ: 7/91-8).

النفس المطمئنّة

والنفس المطمئنّة هي التي بلغت أوجَ الكمالات في أفق الإيمان والعرفان، وأغلقت الأبواب وأوصدَتْها دون كلِّ الأشياء ما عدا رضا الله تعالى ومرضاته، فلم يكن لها أيّ تشوُّفٍ آخر، يقول جل وعلا: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ (سُورَةُ الفَجْرِ: 27/89-30).

مثل هذه النفس تعيش دائمًا في توجّهٍ إلى الله، وتستغلّ كلَّ دقيقةٍ أو ثانيةٍ من عمرها في سبيل الفوز برضا الله، وترضى دائمًا بقضاء الله تعالى وقدره؛ إذ إنّ إحساس الإنسان بالرضا في نفسه عن الإجراءات الإلهية لهو مؤشِّرٌ على رضا الله تعالى عنه أيضًا؛ وعلى ذلك يرى بعضُ المحقّقين أن النفس الراضية والنفس المرضية بمثابة جناحين مفتوحين للنفس المطمئنة، فمثل هذا الشخص الذي يرضى عن الله ويرضى الله عنه لا يُفرّقُ بين الجفاء إن كان من جلاله والوفاء إن كان من جماله، فكلاهما صفاء بالنسبة له، فضلًا عن ذلك فإن هذا الإنسان على اعتبار أنه من أبطال “هل من مزيد؟” يحاول ويسعى إلى أن يزيد معرفته دائمًا وأن يكون قريبًا من ربه بناءً على قربه سبحانه وتعالى منه، وذلك بتخطّي المسافات التي تبعده عنه.

النفس الراضية

نلاحظ أنّ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم طلب في دعائه المذكور آنفًا نَفْسًا مطمئنّةً أوّلًا، ثم طلب لها أوصافًا يمكننا أن نسمِّيَها أعماقَ تلك النفس أو أجنحَتَها التي تُحلِّقُ بها في الآفاق الربانية.

وبعدَ أن طلب النبيُّ صلى الله عليه وسلم من ربه “نفسًا مطمئنّةً” أعقبَ ذلك مباشرةً بِطَلَبِ أن تكون هذه النفسُ “مؤمنةً بلقاء الله المحتوم عاجلًا أم آجلًا” بقوله: “تُؤْمِنُ بِلِقَائِكَ”؛ لأن إيمانَها بأن الطريق الذي تسيرُ فيه سيُوصلُها إلى الذات الأبدية لا محالة، وتحرُّقَها رغبةً في لقاء الله وشوقًا إليه، وانشغالَها بذلك سيُلقي في أعماق الإنسان طمأنينةً راسخة لا تتزعزع.

ويرغبُ النبيُّ الأكرم صلى الله عليه وسلم بقوله: “وَتَرْضَى بِقَضَائِكَ” أن تملكَ النفسُ المطمئنّة صفةَ الرضا بقضاء الله تعالى، ومع أنَّ بعض العلماء عَرّفَ القضاءَ بأنه: تحديد الحقّ تعالى الأشياءَ وفقًا لـ”التعيُّنات”؛ فإن معظمَ علماء أصول الدين يرون أنّ القضاء هو: إنفاذُ ما قُدِّر وكُتب في لوح المحو والإثبات إذا ما حان وقته.

والحوادث التي يتعرّض لها الإنسان طوال حياته قد تكون حسنة، وقد تكون سيّئةً بالنظر إلى ظاهرها، إلّا أنّ الإنسان يستطيع بِنِيّتِه أن يُحوِّلَ كلَّ ما قَدَّره الله تعالى له إلى خير كامل؛ فإن استقبلَ -مثلًا- المحنَ والمصائبَ بالصبرِ والرضى، وقرن كلّ نعمةٍ ونجاحٍ بالحمدِ والشكرِ فقد نجح في توجيه هذا كله إلى ما يعود بالنفع عليه، لكن إن كان يتشكَّى ويسبّ القدرَ وعابه كلما أصابه “جفاءٌ من جلاله تعالى”، وأنكر الجميل وجحد كلما أصابه “وفاءٌ من جماله تعالى”، وإن زعمَ أنه أُوتي ما أُوتِيَ على علمٍ عنده؛ صار هذا شرًّا وضرًّا بالنسبة له، أي إن كونَ النعمة أو النقمة خيرًا أو شرًّا بالنسبة للإنسان أمرٌ مرتبط ومرهونٌ بموقفه تجاهها، والحاصل أنَّ رضا الإنسان عن كلِّ ما قدَّره الله جلّ جلاله وقَضَاه بحقّه أمرٌ في غاية الأهمّيّة.

النفس المرضيّة

وأخيرًا يطلب سيدُنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الله تعالى بقوله: “وَتَقْنَعُ بِعَطَائِكَ” القناعةَ والقبولَ بكلّ شيءٍ قدّرَه له، ومَنَّ بِهِ عليه، وثمّةَ موضعٌ يجدرُ بالإنسان ألا يقنع عنده، بل عليه أن يحرص عليه ويستزيد منه، ألا وهو الإيمانُ بالله تعالى وطلبُ رضاه سبحانه؛ ويلزمه أن يتصرّف بشغفٍ وهوسٍ وحرصٍ شديدٍ طلبًا لرضا الله تعالى، وألا يقنع أو يتوقّف عن طلب المزيد من ذلك، وبتعبير آخر؛ فإنْ كان ثمّة موضعٌ الطمعُ فيه والحرصُ محضُ عبادةٍ فهو محبةُ الله ورسوله. أجل، ينبغي للإنسان ألّا يكتفي أبدًا بما يتحصّل عليه وهو يسير في درب الرضا الإلهيّ، وعليه دومًا أن يستزيد من طلب رضاه تعالى قائلًا: “هل من مزيد، هل من مزيد؟” إلّا أن الأساس فيما يتعلّق بالأمور الخاصّة بالدنيا والبدن والجسمانية هو القناعة بِقضاء الحقّ تعالى وقَدَرِهِ، وهذه صفةٌ أُخرى من صفات الإنسان الكامل الذي أبحرَ نحوَ عالمِ “النفس المطمئنّة”.

يطلب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحق تعالى هذه الأمور المهمة كلَّها في دعائه هذا صباح مساء، ولا ريب أنه يطلب هذا كلَّه ارتباطًا بأفقه الفسيح وطلباته الخاصة السامية النبيلة، فإنْ قيّمنا طلباته هذه من زاوية ضحالتنا وأهدافنا البسيطة؛ فقد ارتكبنا حماقةً وأسأنا الأدب معه صلى الله عليه وسلم وصِرنَا وكأننا نحاول إنزاله إلى مستوانا الوضيع نحن، إلّا أنّه ينبغي لنا أن نستفيد مما طلبه سيدُنا رسول الله  صلى الله عليه وسلم من أمورٍ في دعائه، ونتّخذه دليلًا وهاديًا لنا، وفي دعائه هذا يُعلي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الهمّة إلى أقصى درجاتها؛ فيُعلِّمُنا بذلك أن نطلبَ الذروةَ دائمًا والمعالي أبدًا، ومن ثمّ فينبغي لنا ألا تَضْعُفَ همَمُنا أو تَفْتُر أبدًا، بل علينا كذلك أن نشحذ همَمَنا وإرادتنا دائمًا، فعلوّ الهمّة من الإيمان، ونسعى ونجتهد طلبًا لرضا الله جلّ جلاله بنفسٍ مطمئنةٍ مؤمنة حتى آخر نفس من أنفاسنا.

النفس الزكيّة أو الصافية

وهذه هي ذروة سنام الأمر وغايته، وهي مرتبة المقرّبين، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ (سُورَةُ الشَّمْسِ: 9/91)، وإن السالك حينما يتدرّج على سلّم مراتب النفس مرورًا بالمطمئنة وغيرها ويصل إلى هذه المرتبة العالية فإنه يُحسّ بخفقان أجنحة الملائكة من حوله حتى لكأنه يتجوّل في الآفاق الملائكيّة، ولن نتعدّى الحقيقة إن قلنا:

إن الإنسان حينما يبلغ هذه القمّة يغدو مخلوقًا أعلى من الملائكة.

 

[1]  الطبراني: المعجم الكبير، 99/8.

[2]  الديلمي: مسند الفردوس، 408/3.

[3]  البيهقي: الزهد، 165/1.

 

روح الإرشاد والثبات على الحق

Herkul-ARB | | العربية

 

سؤال: يقول فضيلة الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي: “إن ما في المصدر من قدسيّةٍ هي التي تحضّ جمهورَ الأمة والعوام على الطاعة وتسوقهم الى امتثال الأوامر أكثر من قوّة البرهان”[1]، فما معنى هذا الكلام؟

الجواب: يُقصد بجمهور الأمة والعوام هنا مَن لا درايةَ لهم بالعلوم الإسلامية، المقلّدون في حياتهم الدينية، المتعذّر عليهم النفوذ إلى روح الدين، فمثل هؤلاء الناس يجهلون غالبًا الأدلة العقلية والمنطقية والفلسفية، أو لا قدرةَ لهم على معرفتها؛ فالاستنباطاتُ العلميّةُ يصعبُ عليهم سبرُها، والعلومُ الوضعيّةُ يعانونَ في فهمِ مُعطياتِها، ومن ثمّ فلا جدوى من مخاطبتهم بالأدلة العقليّة والفلسفية، وهذا ما يُحتّم علينا إذا أردنا أن نحدّثهم عن أيّ حكمٍ شرعيٍّ فرضًا كان أم حرامًا، مباحًا كان أم مندوبًا، أن نقول لهم: “إن القرآن الكريم قد حكم بهذا في هذه المسألة، أو إن السنة الصحيحة تُقَرِّر هذا…”، فهذا الأسلوب هو الأكثرُ فعاليةً وإلزامًا بالنسبة لهم؛ لأن القرآن والسنة مصدران قدسيّان متينان في نظرهم -وهما بالفعل كذلك- لا بدّ من الاعتماد عليهما والامتثال لهما.

لذا يجب علينا في الحديث إلى العوام أن نبتعدَ عن التحليلات الفقهية والقواعد الكلّية، وأن نُعطي الأولويّة للآيات القرآنية وأقوال النبيّ صلى الله عليه وسلم وأفعاله؛ وبتعبيرٍ آخر: علينا أن نربطَ المسائل التي نرغب في الحديث عنها بحياة النبي صلى الله عليه وسلم بأن نقول مثلًا: “كان سيد السادات عليه ألفُ ألفِ صلاةٍ وسلامٍ يتعامل هكذا، ويجلس هكذا، ويقوم هكذا، ويأكل هكذا، ويشرب هكذا… إلخ”، فهذا الأسلوب من شأنه أن يكون أكثر إقناعًا وتوجيهًا.

نعم، إن المصدر الأساسَ هو الكتاب والسنة، ومع ذلك فقد نالت بعضُ الشخصيّات العظيمة ثقةَ الناس واحترامَهم؛ نظرًا لأن حياتهم كانت تتمحور حول الكتاب والسنة، ولا تحيد عنهما قيد أنملة، فصارت تُعتبر -بمعنى ما- مصدرًا نسبيًّا بالنسبة لمخاطبيها.

ثباتُ العلماء على الحقّ

 يُروى أن الإمام أبا حنيفة النعمان عليه رحمة الله جلس بين يديه آلاف الطلّاب وكان بعضُهم من أمثال الأئمة أبي يوسف ومحمد وزُفر، كما كان يغشى حلقتَه الدراسيّةَ أيضًا العوام والعديدُ من الناس رغم أنهم كانوا لا يستوعبون تمامًا كلّ ما يُقال لهم، حيث كان من العسير عليهم فهمُ القضايا العلمية التي يُحدِّثُهم الإمام بها، ومناطاتها، ومبادئ أصول الفقه الخاصة بها، ومنهجية الاجتهاد، ولكنّ قُربَ هذا الإمام من ربّه وتبعيّته لنبيه صلى الله عليه وسلم وثباته على طريق الحقّ قد أحدث تأثيرًا أقوى من آلاف الأدلة في قلوب هؤلاء الناس.

وكذلك كان الإمام الشافعي والإمام مالك والإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنهم جميعًا؛ لم يتخلّ هؤلاء الأئمة قطُّ عن مواقفهم الثابتة على طريق الحقّ، فحافظوا على مستوى الشموخِ في مواقفهم إلى أن انتقلوا إلى الرفيق الأعلى. أجل، قُيّد الإمام الشافعي بالسلاسل بأمرٍ من الحكام المسلمين وأُتي به إلى بغداد من أجل استجوابه، ولكن لما رأى مَن حوله غزيرَ علمِه وعمقَ معرفَتِهِ أعرضوا عن أذاهم له، وأكبروه وعظّموه، كما زُجّ بالإمام أحمد بن حنبل في السجن وضُرب بالسياط وتعرّض للإيذاء الشديد، ومع ذلك لم يُغيّر موقفَه قطّ، وإذا ما نظرنا لاحقًا إلى الإمام الغزالي رحمه الله لألفيناه رجلًا راسخًا لا يحيد عن الحقّ قيد أنملة، يستهلك كلّ طاقاته ليبعثَ روح التجديد في أعماق الأمة عبرَ شروحٍ تتناول القضايا الدينية بشكل جديد ومنظارٍ فريد… وإنّ جمهور الأمّة والعوام لما شاهدوا هؤلاء العلماء وشهِدوا مواقفهم الثابتة على الحقّ اتخذوهم مرشدين لهم جديرين بالاقتداء والاتّباع.

الثبات على الاستقامة في الدعوة إلى الحقّ

ولقد سارَ بديع الزمان سعيد النورسي رحمه الله رحمةً واسعةً على نفس الطريق وذاتِ المنهج؛ فحاول أن يكون صوتَ عصرِهِ وصداه، وسعى إلى أن يقيمَ صرح الإيمان مجدَّدًا بما جاء به من أدلةٍ عقلية ومنطقية وعلمية يواجه بها الضلالات الناجمة عن العلوم والفلسفة، واجتهد في عرض الإسلامِ عرضًا يتوافق مع العقول وينسجم مع الأرواح والمشاعر، ولو نقَّبتم ومحَّصتم فيما صاغه من أفكار لتوصلتم إلى الكثير من الدرر واللآلئ في أعماقها، كما أنكم إذا ما ألقيتم نظرةً على كتابه “الملاحق” لتَعَرَّفْتُم على ما وضعه من دساتير تعصم أتباعها من الزيغ والانحراف وتُنير الطريق أمام من يبغي خدمة الإيمان والقرآن، وإنه -رحمه الله رحمةً واسعة- وإن لم يُدبّج مؤلفًا من مؤلّفاته التي تحار دونها العقول إلا أنّ موقفه الثابت الذي حافظ عليه في حياته التي تخطّت عتبةَ الثمانين عامًا كان يروي غُلّة الكثيرين. أجل، كان رحمه الله يعبّر عن هذه الحقائق التي لا تسعها المجلدات بثباته وشموخه.

وقياسًا على الواقع فإن عوامّ المؤمنين قد وثقوا منذ أمدٍ بعيدٍ بهؤلاء الفضلاء الذين بلغوا هذا المستوى من التوجه إلى الله، واطمأنّوا إلى كلامهم وأفعالهم فاتبعوهم واقتدوا بهم، غير عابئين بالاستدلالات العقلية والقياسات المنطقية، متّخذين من مواقف هؤلاء موقفًا لهم، ومن وجهتهم وجهةً لأنفسهم.

الانبعاث في أفق القلب والروح

ظهرت حركات الانبعاث والتجديد في أزمنةٍ مختلفة على أَضْرُب متفاوتة، بيد أن نجاح عمليّة التجديد في المجتمع كان محصورًا بمن اتجهوا إلى عالمهم الداخلي، واستغرقوا في محاسبتهم لأنفسهم، وعاشوا وفقًا لأفق أرواحهم، وقضوا عمرهم في فلك الحياة القلبية والروحية، ولم يكن النجاح حليفًا لأولئك الذين أهملوا أفق القلب والروح، واكتفوا بعقلهم ومنطقهم فحسب، وأخذوا يحدّثون الناس بعلمٍ يعوزه العمل.

لقد كان أبطال القلب والروح يربضون خلف حركات الانبعاث والتجديد، ويمكننا أن نمثّل لهذه الأنفاس الباعثة على الحياة بعددٍ لا حصر له من أرباب القلوب على اختلاف مشاربهم ومسالكهم؛ فهؤلاء العظام نذروا أنفسهم في سبيل الحقّ، دون تشوّفٍ أو تفكيرٍ إلى أيّ أجرٍ دنيويٍّ أو في أيّ ثمرةٍ تُجنى من العمل، بل ربّوا في المحيط الذي شكّلوه حولهم رجالَ قلبٍ وروحٍ أعظم ممن تُرَبُّونهم وتُعَلِّمُونهم في ألفِ مدرسة من مدارسكم.

ولا يُفهم من كلامي أنه لا بدّ من غَلق الباب دون العلم والحقائق العلمية، أو أن العلم والحقائق العلمية غير صالحَين بالنسبة لنا، فلا جرم أن العلم وسبلَ تحصيله والحقائق العلمية تُعدّ مقوماتٍ مهمّةً لانبعاثنا من جديد، أما ما نتحدّث عنه هنا فهو ما تُحدثه قدسيّةُ المصدر من تأثيرٍ بالغ الأهمّيّة؛ لأن هذا أمرٌ يتخلّله الصدق والإخلاص والقرب من الله والارتباط به والولاء له، وإنّ هذه العناصر لتحوي أسرار التأثير العميق في نفسِ المخاطب.

 

[1] بديع الزمان سعيد النورسي: الكلمات، اللوامع، 826؛ المكتوبات، نوى الحقائق، 572.

 

التشاركية في الأعمال الأخروية

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: تطرق الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي في مؤلفاته إلى أن إجمالي الثواب الناتج عن التشارك في الأعمال الأخروية سيُكتَبُ بتمامه في دفتر حسنات كلِّ فردٍ شارك في هذه الأعمال، فما الشروط التي ينبغي مراعاتها لنيل هذه البشرى وذاك الثواب؟

الجواب: تكلّمَ الأستاذ بديع الزمان رحمه الله رحمة واسعة بشكلٍ جليٍّ واضح حول مسألة التشاركية في الأعمال الأخروية، وذكر أن كلّ فرد في الخدمة الإيمانية والقرآنية سيتشاركُ مع الآخرين فيما أحرزوه من ثواب[1]، ولا أذكر أنني صادفتُ قبلَ الأستاذ النورسي أحدًا تناول هذه المسألة بهذا القدر من الوضوح والبيان، لا في كتب التصوّف ولا التفاسير ولا غيرها من المؤلّفات الإسلاميّة الأخرى، حتى وإن تطرّق بعض العلماء الأجلّاء من القدامى والمعاصرين إلى هذه المسألة إلا أنّ بيانات الأستاذ النورسي حولها تفرّدت بكونها غايةً في الجلاء والوضوح.

إن ميقوله بديع الزمان رحمه الله ليتناسبُ تمامًا مع لطافةِ العالم الميتافيزيقي النوراني؛ لأن الأشياء النورانيةَ تنعكس بعينها، فلو افترضنا أن هناك مصباحًا في غرفة بها أربع مرايا موزعة على الجدران، فلا شكَّ أن ضوء هذا المصباح سينعكس بعينه على جميع المرايا في نفس اللحظة، وهكذا فإن الثواب الحاصل عن الاشتراك في الأعمال الأُخرويّة سيُكتب كاملًا بفضلٍ من الله وعنايته في دفتر أعمال كلّ مشاركٍ في هذه الأعمال.

وجهةُ نظرٍ تعتمد على القرآن والسنة

وبدهيٌّ أنّ الأستاذ النورسي استقى هذه الأفكار من المبادئ الأساسية للقرآن والسنة؛ لأننا إذا ما نظرنا إلى القرآن الكريم المعجزِ البيان والسنة النبوية الشريفة سنجدُ أنّ توفيق الله تعالى مرهونٌ بالوفاق والاتفاق، وأن الأعمال التي تخيّم عليها روحُ الوحدة والتضامن تُكافأُ بثوابٍ وبركةٍ من نوعٍ خاص، فمثلًا يقول ربنا سبحانه وتعالى في كتابه:

﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 103/3).

ويقول تعالى في آيةٍ أخرى:

﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (سُورَةُ الأَنْفَالِ: 63/8).

وهكذا تشير هاتان الآيتان إلى أن النجاح والتوفيق اللذين يصبّان في مصلحة المجتمع يعتمدان على الوفاق والاتفاق بين المسلمين.

إن التشاركيّة في العمل وسيلةٌ لإحراز كثيرٍ من النجاحات العظيمة حتى في الأعمال الدنيوية، وإليكم هذين المثالين اللذين ضربهما الأستاذ النورسي رحمه الله:

المثال الأول: قام عشرة من صُنّاعِ إِبَرِ الـخياطة بعملهم، كلٌّ على انفرادٍ، فكانت النتيجة ثلاثَ إبرٍ فقط لكلٍ منهم في اليوم الواحد، ثم اتفقوا على العمل حسب قاعدة “توحيد الـمساعي وتوزيع الأعمال” فأتى أحدُهم بالـحديد والآخر بالنار وقام الثالث بثقبِ الإبرة، ثمّ أدخلها أحدهم إلى النار وبدأ الآخر يحدّها، وهكذا دواليك… فلم يذهب وقتُ أحدهم سدًى، حيث انصرف كلٌّ منهم إلى عملٍ معيّن فأنـجزه بسرعة، لأنه عملٌ جزئيٌّ بسيطٌ أوّلًا، ولاكتسابه الخـبرةَ والمـهارةَ فيه ثانيًا، وحينما وزّعوا حصيلةَ جهودهم رأوا أن نصيبَ كلٍّ منهم في يومٍ واحد ثلاثـمائة إبرة بدلًا من ثلاث إِبَر.

والمثال الثاني: اشترك خـمسةُ أشخاص في إشعال مصباحٍ زيتي، فوقع على أحدهم إحضارُ النفط، وعلى الآخر الفتيلة، وعلى الثالث زجاجة الـمصباح، وعلى الرابع الـمصباح نفسه وعلى الأخير علبة أعواد الثِّقاب… فلمّا أشعلوا الـمصباح أصبح كلٌّ منهم يتمتّع بمصباحٍ كامل، فلو كان لكلٍّ من أولئك الـمشتركين مرآة كبيرة معلّقة بـحائط، لانعكس في مرآته مصباح كامل من دون تـجزُّؤٍ أو نقصٍ[2].

نم، الاشتراكُ في الأعمال الدنيوية يُفضي هكذا إلى سهولة العمل وحصول البركة فيه، ومن يُدرك هذا يستطعْ أن يعيَ بطريق الأولى كيف أن البركة والفيوضات تحفّ الأمور الأخرويّة النورانيّة الشفّافة جرّاء ارتكازِها على مبدإ التشاركية.

ومن هنا نقول: إن إجماليَّ الثواب الناتج عن الخدمات الجليلة التي تحقّقت اليوم بفضلٍ من الله وعنايته في أنحاء العالم وفي كلّ مناحي الحياة ستنعكس وتُسَجَّلُ بتمامها -بسرّ التشاركيّة في الأعمال الأخروية- في دفتر أعمال كلِّ فردٍ هَرْوَلَ وسعى في هذا السبيل؛ بمعنى أن كلَّ فردٍ في هذه الدائرة الواسعة سيستفيد مِن سعي وجهد الملايين مثله، وعلى ذلك فإن تجاهلَ الثواب العام والتكالبَ على المصالح الفردية والرزوحَ تحت الأنانية وأغلالِ الكبر والغرورِ يعني الحرمانَ من هذا الثواب الجزيل؛ لأن الإنسان مهما كانت قابليّاته وقدراته، حتى وإن كان على مستوى دهاء خمسين من العباقرة فلن يمكنه وحده أن يقوم بخدمةٍ دائمةٍ ونافعةٍ للإنسانية في هذا العالم، ولن يحوز أيضًا هذا الأجرَ الأخرويَّ الجزيل.

جوهر العمل: الإخلاص

وإننا إذا ما ألقينا نظرةً إجماليّةً على ما ذكره الأستاذ النورسي في هذا الصدد سنرى أن ثمّة شروطًا خاصّةً لاستحقاق مثل هذا الثواب الجزيل، وهذا يدعونا إلى أن نسأل أنفسنا: ما الوضع الذي ينبغي لنا أن نكون عليه في هذه الخدمات التي نحاول أن نرعاها ونلتفّ حولها؟ وكيف نسير في هذا الطريق معًا؟ وكيف نتآلف ونتّحد معًا حتى نحظى بذلك الثواب؟.

لقد وضع الأستاذ النورسي مبدأ “التشاركيّة المبنية على سرّ الإخلاص” شرطًا أوّليًّا لإحراز مثل هذا الثواب، والإخلاص هو: أن يكون الأمرُ الإلهيّ هو الدافعَ إلى العمل لا غير، وأن لا ينتظر الإنسانُ لعمله ثمرةً سوى رضا الله سبحانه وتعالى، ثم يترك جَنْيَ ثمار هذا العمل إلى الآخرة، ولذا فإن الـمُخْلِصَ الحقيقيّ في الأمور الأخرويّة لا يهمّه سوى إنجاز الخدمات الخيرية، بغضّ النظر عمّن يقوم بها، سواء أقامَ بها هو أو غيرُه، وبتعبير آخر: المهمّ هو أن نئنّ أنينَ الناي مع القلوب المهمومة التي تخفق معًا فتبعث النشوة في قلوب الناس، أو أن نشكّل جوقة نبلّغ بها الحقّ والحقيقة إليهم، ونوصّلهم إلى الحضرة الإلهية بأن نجعلهم يعيشون أشكالًا من “الوجد”، و”القلق”، و”الهيمان”.

فإذا كان هذا هو المقصد والهدف، فعلى الإنسان أن يشعر بسعادةٍ عارمةٍ عند تَحَقُّقِ الغاية المنشودةِ بغضّ النظر عمّن حقّقها، بل عليه أن يسعدَ وكأنّه هو مَن حقّقها، ويضرب الأستاذ النورسي مثالًا في هذا السياق فيقول: “جاءني “الحافظ علي”، وقلت له: “إن خطّ الأخ “فلان” أجودُ من خطّك وأنه أكثرُ منك عملًا ونشاطًا”، وإذا بي أجد أن الحافظ علي يفتخر بإخلاصٍ وصدقٍ بتفوّق الآخر عليه، بل التَذَّ بذلك وانشرحَ؛ وذلك لأن الآخر قد تقدّم عليه في الخدمة في سبيل الله، ولقد راقبتُ قلبه وأمعنتُ فيه بدقّة، وعلِمتُ أنه ليس تصنّعًا قطّ، بل شعرتُ أنه شعورٌ خالصٌ”[3]، فيا له من مثالٍ جميلٍ ومحفّزٍ على التشاركيّة في الأعمال بسرّ الإخلاص!.

وبالشكلِ نفسِه يُشبّه الأستاذ بديع الزمان هذه المسألة بحَملِ كنز عظيم ثقيل والحفاظِ عليه، ويقول بضرورة أن يُسَرَّ حامِلُو هذا الكنز العظيم من اشتراك غيرهم من الأقوياء الساعين إلى مساعدتهم. أجل، ينبغي أن يأخذ كلّ واحدٍ منّا بطرفٍ من هذا الكنز فيساهم في حمله، دون أن يفكّر أبدًا من أيّ طرفٍ أمسكَ فحملَ، وما دام لكل مشتركٍ في حَمْلِ الكنز نصيبٌ منه فإنه ينبغي لكل فرد أن يفيَ بحقّ العمل الواقع على عاتقه فيما يتعلّق بهذا الكنز وألا يُخاصِمَ أو يُشاحِنَ أحدًا.

أما النجاحُ والوصول إلى سرّ الإخلاص هذا فلا يتحقّق إلا بالانسلالِ من صبغة النفس والأنانيّة، والاصطباغِ بروح الجماعة، ثم الافتخارِ بمزايا الأصحاب؛ فالحقيقة أن مَن ارتبط قلبيًّا بالخدمة الإيمانية والقرآنية ينبغي له ألّا ينسى أبدًا أنّه ينشد مسؤوليّةً ووظيفةً مهمّةً جدًّا تفوق وتسمو فوق كلّ مظاهر الشهرة والألقاب والنياشين، بل إنّه لو قيل لِـمَن هو على وعيٍ وإدراكٍ بالطريق الذي يسير فيه: “هنيئًا لك… أنتَ فعلتَ كذا وكذا”، لكان الجوابُ: “لا أتذّكر، ولا أظنّ ذلك، لقد اجتهد الأصدقاء وسعوا كثيرًا، وربّما أنني كنتُ موجودًا بينهم في تلك الأثناء”، وهذا هو سرّ الإخلاص ومقياس التشاركيّة الذي تحدّث عنه الأستاذ.

روح الأخوّة والتضامن

لقد لفتَ الأستاذُ الأنظارَ إلى “التساندِ المبنيّ على سرّ الأخوّة” باعتباره الشرط الثاني للاستفادة من التشاركيّة في الأعمال الأخرويّة؛ إذ إنّ التساند والتعاضد يتحقّق حيث توجدُ الأخوّة، ذلكَ أنّ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما كان يتحدّث عن رابطة الأخوة بين المسلمين لفت الانتباه إلى العلاقة التي بين أعضاء الجسد الواحد، فقال: “مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى”[4]؛ فالأعضاء تشعر بالسّهَرِ والحمّى إن أصاب أحَدَها ضررٌ أو ألمٌ وتستجيبُ له بأن تشاركه حالَه تلك، والأمر كذلك تمامًا بالنسبة للمؤمنين؛ إذ ينبغي لهم أن يُكَوِّنوا رابطةَ أخوّةٍ حقيقيّةٍ صادقةٍ فيما بينهم كتلك التي بين أعضاء الجسد الواحد؛ فإذا ما حدث أيُّ حادث في المجتمع الإسلاميّ تأثّرَ كلّ واحدٍ منهم بذلك وتألّم له.

أجل، إن القلوب المؤمنة التي نذرت أنفسها للحقّ يجدر بها أن تتعاضدَ وتتساندَ مثل أحجار القبّة كي لا تتهاوى فتسقط، عليها أن تتكاتَفَ مع بعضها، وألا تسمح بِتَعثُّرِ أيٍّ من رفاق الدرب طوال الرحلة التي يقومون بها، فإنْ توحَّدَ كلُّ رجال الخدمة في إطار هذا الفهم وصاروا جسدًا واحدًا، وعاشوا الحالة الروحيّة نفسَها، ووصلوا إلى الوحدة والتعاون الحقيقي فلسوف تفيض حسنات الملايين على دفتر كلِّ فردٍ منهم على نحوٍ مستقلٍّ دون أن ينقصَ من أجر أحدهم شيءٌ.

التحرّك والسعيُ وفقًا للعقل الجماعي

الشرط الثالث هو “توزيعُ المساعي المبنيُّ على سرّ الاتحاد”؛ أي اقتسام الأعمال والمسؤوليات والوظائف والمهام المطلوب إنجازها بروح الوحدة والاتحاد، وبعبارةٍ أخرى: اكتسابُ ملَكَةِ العمل والتحرُّك الجمعيّ، والحذرُ كلَّ الحذرِ من التحرُّك الفرديّ، ولأجل هذا ينبغي تقسيمُ الوظائف قبل الشروع في أيّ عملٍ، ويجب على كلّ شخصٍ أن يقوم بما يستطيع القيام به، ويفعل ما يُبدع هو في عمله وأدائه.

وبعد الوفاء بهذه الشروط الثلاثة إن اجتمع رجال الخدمة وتشاوروا فيما بينهم بأن أَودعوا أمرهم إلى العقل الجماعي  فلن يسقطوا -بإذن الله وعنايته- في الأخطاء التي سقط فيها العقل الفرديّ؛ لأنّ وصول عشرة عقول مجتمعة إلى نتيجةٍ خاطئةٍ يمثّل احتمالًا نسبتُه واحد في المليون؛ فإن كان عدد العقول التي تشاورت وتناصحت “عشرين” فإن نسبة احتمال وقوعها في الخطإ سوف تقلّ بذلك القدر.

ومن هنا فإن القيام بالشؤون والأعمال ارتباطًا بالوعي الجمعي أمرٌ مهمٌّ جدًّا، ولا ينبغي لإنسان -حتى وإن كان يمتلك من التدابير العبقريّة الخارقة ما ليس لأحدٍ- أن يتصرّف بمفرده فيما يتعلّق بالمصلحة العامة والمجتمع من قضايا، وإنني لا أعلم في تاريخ الإنسانية أَحدًا تحرّكَ بمفرده وقرّرَ بنفسه فاستطاع بعد ذلك أن يحقّق نجاحًا مستمرًّا وتوفيقًا دائمًا. أجل، لم تستمرّ نجاحات “سزار (Sezar)” ولا “نابليون (Napolyon)” ولا “هتلر (Hitler)” ولا “موسيليني (Mussolini)”، بل لم يبق منها أيُّ شيء، لقد لَمَعَت في البداية كالنار في الهشيم، ثم ما لبثت أن خَبَت وانطفأ وميضُها بعد فترة قصيرة، لتبقى آثارها كومةً من الأنقاض المؤسفة المحزنة، أما الروّاد الحقيقيّون الذين يلجؤون إلى الوعي الجمعي فقد وُفِّقُوا ونجحوا بقدر ما ربطوا القضايا والأمور بمبدإ المشورة؛ فأنشؤوا مستقبل المجتمع الذي ينتسبون إليه بفضلِ ما حقّقوه من خدمات.

والحاصل: أن طريق الوصول إلى ما تعد به التشاركيةُ في الأعمال الأخروية دنيا وآخرة هو: النية الصادقة والإخلاص، والعقل المشترك والوعي الجمعيُّ مع روح الأخوة والتضامن.

 

[1] سعيد النورسي: اللمعات، اللمعة الحادية والعشرون، الدستور الرابع، ص 226.

[2] سعيد النورسي: المصدر السابق.

[3] سعيد النورسي: الملاحق، ملحق بارلا، ص 54.

[4] صحيح البخاري، الأدب، 27؛ صحيح مسلم، البر، 66.

 

ضَعْفُ العبودية وبروز الأنانيّة

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ذكرتم فيما مضى أن ضَعف العبودية سببٌ أساس في زيادة قوّة الأنانية وحبِّ الذات، فما ماهيّة العلاقة بين ضَعف العبوديّة وقوّة الأنانيّة؟

الجواب: العبودية كلمة مشتقة من الجذر “عَبَدَ”، ومعناها أن يؤدّي الإنسان مسؤولياته تجاه ربه، مستشعِرًا خضوعه التام بين يديه، والعِبادة أيضًا مشتقة من الجذر ذاته، غير أنّ بين الكلمتين بعض اختلافٍ في المعنى، فالعبادة بإيجاز هي: تحويل المعلومات النظرية الخاصة بالإيمان إلى واقع عملي في ظلّ نظامٍ ونسقٍ معينين، أما العبوديّة فهي: أن يمارس الإنسان حياته مستشعرًا حقيقة كونه عبدًا لله؛ بعبارة أخرى: العبوديّة هي أن يتعمّق الإنسان في الخضوع باستمرار ويعيش حياته في ظلّ الإحسان مستشعرًا مراقبة الله تعالى له، أما العبادة فهي أن يفي الإنسانُ بمسؤوليّات عبوديّته كما أمر ربه سبحانه وتعالى.

فما من عبدٍ جعل همَّه عبوديّته واستشعرَ في ثنايا وجدانه شعورًا عميقًا بعباداته فأدّاها ثمّ استطاع من خلال الممارسة والتدريب أن يتعمّق في عبوديته، إلّا انسلّ من أيّ عبوديةٍ أخرى، إن السبيل الوحيد للتخلّص من العبودية لغير الله هو أن يكون الإنسان عبدًا لله حقًّا، فمن لم يكن عبدًا لله فهو عبدٌ للأصنام والأيقونات والطواطم وأصحاب القوّة والنفوذ… إلخ.

والحق أن الله جلّ جلاله هو الذات الأحديّة المستحقّة للعبادة، فهو -كما يقول أهل التصوّف- المعبودُ المطلق والمقصود بالاستحقاق؛ وهذا يعني أن حقّه علينا ووظيفتنا ومسؤوليتنا نحوه أن نعبده وأن يقترن حِراكُنا في كلِّ لحظةٍ من حياتنا بشعور العبوديّة له جلّ وعلا، وبعبارة أخرى: إنه تعالى المقصودُ لأنه هو الله، والمحبوبُ لأنه هو الله، والمعبود لأنه هو الله، ولذا فإن عبودية غير الله من الأصنام والأيقونات والأساطير والطواطم وغيرها من المعبودات الناشئة عن الضلال والانحراف هي كفرٌ صريح وضلال بيّن؛ لأن الله تعالى هو المستحقّ والجدير بالعبادة، فهو المعبود الحقّ وحده دون سواه.

وهكذا فإن العبد إذا جعل همّه عبوديته فلا يفكر في الخضوع والتذلل والانحناء إلّا إلى الله تعالى، ولا يرى نفسه أعلى أو أميزَ من الآخرين مطلقًا، ولا يجعل لنفسه منزلةً أو مكانةً تعلو منزلةَ عبوديّته؛ لأنه على وعي دائمًا بأنه أمام المعبود المطلق سبحانه وتعالى مجردُ عبدٍ تُقيِّدُ العبوديّةُ عنقَه بِقِيادِها وتُحكِم الوَثاقَ على قدمِه بأغلالها، ومثل هذا الإنسان يعزو دائمًا كلَّ ما حقّقه من نجاحاتٍ وما أصابه من جمالٍ إلى الله سبحانه وتعالى؛ وذلك لأنه أذابَ نفسَه وأنانيّته وذاتيّته في بوتقة العبوديّة، ربّما تغرّه نفسه فتدور رأسه وتتكدّر بصائره لما أحرزه من نجاحاتٍ تفوق إمكانيّاته، ولكنّه سرعان ما يقمع كلَّ هذه المشاعر السلبيّة التي برزت في داخله بشعور العبوديّة الكامن في أعماق روحه.

التناسب العكسي

وكما رأينا ثمّة تناسبٌ عكسيّ بين التعمّق في العبودية من جانبٍ وبين ازدياد قوّة الأنانية وحبّ الذات من جانبٍ آخر، بمعنى أنه بقدر ما يتعمّق الإنسان في عبوديّته بقدر ما يحتاط لنفسه وأنانيته ويتمكن من السيطرة والتحكم في مشاعره السلبية التي تموج في داخله، وبالمقابل فإنّ الإنسان يُصبحُ أنانيًّا بل وحتّى نرجسيًّا بقدر ابتعادِهِ عن عبوديّته لربه؛ لأنه مع الوقت ينسى نفسَه كلّما ابتعد عن وظيفة العبودية التي تذكّره بماهيته، فينسب إلى نفسه كلَّ ما أحرزه من نجاحاتٍ، بل إنه قد يتمنى أن تُنسب إليه حتى الأعمال الجميلة التي قام بها الآخرون، ومن ثمّ يجتذبه التصفيق والتهليل إليه جذبَ الدوّامة.

أما من يقف خاضعًا معقود اليدين أمام الحقّ تعالى ويقضي حياته كلّها بهذا الشعور فلا ينسى نفسه أبدًا، ويقرن حركَتَه دائمًا بشعورِ أنه مخلوقٌ عاجزٌ ضعيفٌ فانٍ مغلولُ القدمين طوقُ الرقّ مضروبٌ حول عنقه، وهذا الشعور بالعجز والفقر يُشعل الرغبة إلى أفق “هل من مزيد؟” من العبادة والعبودية، إن هذا الإنسان مهما أدّى من العبادات أو صلّى آلافًا من الركعات دائمًا ما ينطلق لسانه بـ”اللهم ما عبدناك حقّ عبادتك يا معبود، وما شكرناك حقَّ شكرك يا مشكور، وما عرفناك حقّ معرفتك يا معروف، يا من أنت الظاهر فليس فوقك شيء، ولو عرفناك حق المعرفة لَذُبْنا وتلاشينا…”؛ لأن هذا العبد يُدرك أن ما يقوم به من عباداتٍ هي بمثابة لا شيء بالنسبة للنعم التي مَنّ الله عليه بها.

نِعمٌ لا تُعدّ تتطلّب شكرًا لا يُحدّ

إن من أعظم نعم الله على الإنسان أنه قد علا فوق مستوى الجمادات، ووُهبت له الحياة، فغدا كائنًا ذا شعور، ليس بحيوان أو نبات، وفوق كلّ ذلك عرف خالقَه تعالى، وأُتيحت له فرصة فتح أبواب الخلود بمفتاحٍ مفعمٍ بالأسرار كمفتاح الإيمان، فتلمّس السبيل لأن يكون جديرًا بالجنة، فهذه بلا شكّ نعمٌ عظيمةٌ لا مقابل لها في الدنيا؛ لأن مَن أَسبغ عليه كلَّ هذه النعم العظيمة هو الله تبارك وتعالى.

فلو أن الإنسان وعى هذه النعم، وتوجّه إلى ربّه، وتعمّق في العبودية، وصار بطلًا من أبطال “هل من مزيد؟”، وحاول دائمًا أن يزيد من معرفته ومحبّته وعشقه واشتياقه نجّاه الله -بفضله وكرمه- من دوّامة الأنانية وحبّ الذات، وكما يقول الشيخ “محمد لطفي أفندي” رحمه الله:

ألَا يحبّ المولى مَن أحبّه؟

ألَا يرضى عمَّن هرول لنيل مرضاته؟

لو وقفتَ له على الباب.. وفديته بالروح والنفس والأحباب

وعملت بأمره، أما يُجزل لك الأجر والثواب؟

والحق أن الله تعالى يُرشِدنا إلى ذاته ويشعرنا بوجوده عبرَ آلافٍ من الحوادث كل حين، وإننا لو حاولنا مقابل ذلك أن نتتبّع هذه الحوادث بدقّةٍ وتيقّظٍ وفكرٍ منظّمٍ منسّقٍ، وسعينا إلى أن نجمع صورَ هذه الحوادث كلّها على اختلافها حتى نفهم المعنى الذي تعبر عنه كلّيةً، وفتَّشنا عن السبل التي تتيح لنا السير إليه تعالى؛ فلن يتركنا سبحانه وتعالى في منتصف الطريق؛ لأننا ما عهدنا عليه تعالى أنه تخلّى عن أحدٍ سار إليه ألبتة.

إكسير العبودية في عصر الأنانية

لقد توالى التاريخ فازدهرت فترات منه وأظلمت أخرى، فأحيانًا ما كانت الأرضُ تعصي السماء، فتمسك السماءُ عنها ماءها، فتستحيل الأرض صحراء جرادء من أوّلها إلى آخرها، وأحيانًا أخرى كانت السماء تفيض بوابلٍ من الرحمة زخًّا زخًّا؛ فتنبت الأرضُ سنابل بها سبعُ حبات أحيانًا وسبعمائة حبّة أحيانًا أخرى. أجل، أحيانًا ما كان النور يتغلّب على الظلام حتى يتقلّص الظلام تمامًا، ويهيمن جوّ الروحانيين والملائكة على جوّ الشياطين، وبتعبيرٍ آخر: يسيطر عالمُ الملكوت على عالمِ الـمُلْك، وخيرُ مثال على ذلك هو عصر السعادة النبوي؛ إذ انعدمَ فيه المناخ الملائم للشياطين وانتشارهم هنا وهناك، ولقد شهدت العصور اللاحقة حقوبًا زاهرةً تُشبه هذا العصر.

ولا يقلّ في يومنا هذا أيضًا عدد الذين يشعرون ويُحسّون في كلّ ذرّةٍ من أعماقهم بالعبودية لله تعالى، ويعيشون دومًا الإحساسَ بمعيته تعالى بفضل مشاعرهم العميقة التي تتجاوز مجرّد الإحساس، ولو لم يكن الأمر كذلك لما ظلّت هذه الأرض تدورُ في فلكها؛ لأن الله تعالى ينظر إليها بمنظور عباده الذين يؤدّون حق عبوديتهم مخلصين له الدين، أما أمثالنا من المجرمين المذنبين المتخبّطين فإنه يعفو عنهم إكرامًا لذوي الروحانيات العظيمة أولئك؛ فيمدّ في عمر الكون لأجل حرمتِهم لديه، ولا يجعل عاليَه سافلَه لأجل خاطرهم.

إن عصرنا عصر الأنانية، إلّا أنه بدأت فيه فترة جميلة من حيث العبادة والعبودية بعون الله تعالى؛ وفي الخبر: “اِشْتَدِّي أَزْمَةُ تَنْفَرِجِي[1]؛ إن آخر نقطةٍ في الظلام تشير إلى بدء النور والضياء؛ إذ يتراءى سوادٌ حالكٌ في الأفق قبل الشفق إلا أنه آخر سواد الليل، وإن جاز التعبير: فإن هذا يعني انبثاق خصائص الليل للمرة الأخيرة. أجل، إن الظلمات تكتَنِفُ الأفقَ كلّه مرة أخرى بكلّ حنقها وغيظها، لكنّ لُواحَ الفجر الكاذب بَعدَ ذلك يُعتبر أصدقَ شاهدٍ على طلوع الفجر الصادق؛ لأنه لم يخطئ من قبلُ قط؛ فحيثما وُلد الفجر الكاذب وُلِدَ الفجرُ الصادق عقِبه بمدّة وجيزةٍ جدًّا.

والحاصل أنه بقدر ما يتعمّق الإنسان في العبادة والعبودية للحق تعالى -حتى وإن كان ذلك في عصر الأنانية- بقدر ما تتخلّى عنه الأنانية وتهجره، ويضيقُ مجالها شيئًا فشيئًا، تمامًا كما تضيق دائرة الظلام كلّما اتسعت دائرة النور؛ فالتضاد الذي بين الأنانية والعبوديّة هكذا بالضبط تمامًا؛ إذ يتطوّر أحدهما على حساب الآخر، وبقدر ما يتعمّق العبد في العبودية بقدر ما تضمحلّ فيه الأنانيّة، فيعزو ذلك الإنسانُ كلَّ شيء إلى القدرة الإلهية مع مرور الوقت، أما قيمة النجاحات التي يحقّقها فإنه يقدّرها بناءً على تحقّق رضاه تعالى وتوجُّهه سبحانه من عدمه، وفي النهاية تذوب وتتلاشى أنانيته وحبّه لذاته تمامًا ويفنى عن نفسه ويبقى بالله عز وجلّ، يذكره ويصدح به في كل مكانٍ يتجوّل فيه.

 

[1]  القضاعي: مسند الشهاب، 1\436؛ الديلمي: مسند الفردوس،  1\426.

 

دعاءٌ جامعٌ لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: بعد نزول أوائل سورة “المؤمنون” دعا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ربّه سبحانه قائلًا: “اللَّهُمَّ زِدْنَا وَلَا تَنْقُصْنَا، وَأَكْرِمْنَا وَلَا تُهِنَّا، وَأَعْطِنَا وَلَا تَحْرِمْنَا، وَآثِرْنَا وَلَا تُؤْثِرْ عَلَيْنَا، وَأَرْضِنَا وَارْضَ عَنَّا”[1]، فما الرسائل التي يبثّها هذا الدعاء في رُوع القلوب المؤمنة في الوقت الحاليّ خاصّةً؟

الجواب: ننوّه بدايةً بأنّ الله سبحانه وتعالى قد خصّ نبيه صلى الله عليه وسلم بنزول الوحي؛ ولذا فليس لأحدٍ أن يَصِلَ إلى شعور أو إدراك كُنْه هذه الحقائق الجليلة بقدر أُفقه هو صلى الله عليه وسلم، لهذا السبب يجب أن نعلم بدايةً أنّ ما قيل في معنى ومحتوى هذا الدعاء قاصرٌ عن بيان العمق والبُعد الحقيقي له.

وكما جاء في السؤال لقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الدعاء بعد نزول أوائل سورة “المؤمنون” التي يقول فيها الحقّ سبحانه وتعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ: 1/23-11).

بعد نزول هذه الآيات المباركات التي تُعتبر هديّةً من الله تعالى لنبيّه وأمّته أدرك سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمقَ بشرى الفلاحِ التي زفّها الله تعالى للمؤمنين الذين حازوا على هذه الخصال المذكورة في الآية؛ فكان صلوات ربي وسلامه عليه يرفع أكفّ الضراعة إلى ربه جلّ وعلا في أوقاتٍ مختلفة، ويدعو بهذا الدعاء شعورًا بالامتنان والشكر لله سبحانه وتعالى.

الطلب الأول: “اَللَّهُمَّ زِدْنَا وَلَا تَنْقُصْنَا”

كان أول ما استهلّ به النبيُّ صلى الله عليه وسلم دعاءه هنا قوله: “اَللَّهُمَّ زِدْنَا وَلَا تَنْقُصْنَا”، وأوّلُ احتمالٍ يتبادر إلى الأذهان هنا: أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم سألَ ربَّه زيادة عدد الأمّة المحمّديّة؛ لأن كثرةَ الأمة المحمديّة كانت على الدوام من أسمى أمانيه صلى الله عليه وسلم، ويدلّ على ذلك قول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ وَالنَّبِيَّانِ يَمُرُّونَ مَعَهُمُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، حَتَّى رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ، قُلْتُ: مَا هَذَا؟ أُمَّتِي هَذِهِ؟ قِيلَ: بَلْ هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ، قِيلَ: انْظُرْ إِلَى الأُفُقِ، فَإِذَا سَوَادٌ يَمْلَأُ الأُفُقَ، ثُمَّ قِيلَ لِي: انْظُرْ هَا هُنَا وَهَا هُنَا فِي آفَاقِ السَّمَاءِ، فَإِذَا سَوَادٌ قَدْ مَلَأَ الأُفُقَ، قِيلَ: هَذِهِ أُمَّتُكَ، وَيَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنْ هَؤُلاَءِ سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ”[2]، فأَدخلَ هذا المنظرُ الحبورَ والسرورَ على قلبِ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومن خلال الأحاديث النبوية التي تشجّع وتحضّ على الزواج يمكننا أن ندرك مدى حرص النبي صلى الله عليه وسلم واجتهاده بل ومجاهدته في سبيل إكثار عدد أمته، فعلى سبيل المثال يقول عليه الصلاة والسلام في حديث شريف: “تَنَاكَحُوا، تَكْثُرُوا، فَإِنِّي أُبَاهِي بِكُمُ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ[3].

والواقع أن مسألة الزواج -من حيث إنها مسألة فرديّة وأسريّة- قد تبدو بسيطةً بالنسبة للقضايا الدينيّة الكبيرة، وإن لها قيمةً نسبيّةً مقارنةً بهذه القضايا الكبيرة، ومع هذا أوصى النبي صلى الله عليه وسلم أمّته بالزواج والتكاثر، وذكر أن هذه الكثرة ستكون موضع مباهاةٍ وافتخارٍ بالنسبة له صلوات الله وسلامه عليه، والمباهاة هنا تعني الشعورَ بالامتنان تجاه الألطاف الربّانيّة.

 الكثرة العدديّة ليست هي الهدف الأساس

وقد يُراد من قوله صلى الله عليه وسلم: “اَللَّهُمَّ زِدْنَا ولَا تَنْقُصْنَا” الكثرةَ والزيادةَ من حيث الكيفيّة لا من حيثُ الكَمّيّة فقط؛ لأن الكيفيّةَ هي التي تُكسب قيمةً للكمّية، فلا أهمّيّة للكثرة العدديّة وحدها دون الكيفيّة، فكم من فئةٍ كثيرةٍ لم تستطع أن تقوم بما قام به عشرة أو عشرون ألفًا من الصحابة رضوان الله عليهم، لقد أحبط هؤلاء الأبطالُ الأوائلُ الأفذاذُ في الإسلام مؤامراتِ أكبرِ إمبرطوريّتين عملاقتين في ذلك الوقت، الساسانيّة والبيزنطية، وأخضعوهما لسلطانهم، وبذلك غيّروا مصير العالم.

ورغم أن عدد المسلمين اليوم يبلغ حوالي مليار ونصف المليار نسمة فليس بوسعنا أن نقول إن هؤلاء المسلمين قد أدّوا المهمة التي تتناسب مع هذه النسبة العدديّة الكبيرة؛ لأنهم اليوم ليسوا على المستوى الذي يريده القرآن الكريم، فهم في نزاعٍ وخلافٍ دائم، حتى إنهم أنهكوا بعضَهم بسبب عدم خروجهم من دائرة التصارع والتنازع الفاسدة.

أجل، لـما لم يستطع المسلمون أن يحقّقوا الوفاقَ والاتّفاقَ فيما بينهم أخذ الخلاف والنزاع يُهدر طاقاتـِهم، فلم يحظوا بالعناية الإلهيّة، ولم يتقدّموا ليتبوّؤوا مكانتهم في مصافّ التوازن الدولي، ولم تكف الكثرة العدديّة لأداء هذه المهمة العظيمة التي لا بدّ من القيام بها حتى تتبوّأ الأمة مكانها في التوازن الدولي.

والواقع أننا إذا ما نظرنا إلى التاريخ بهذه النظرة لألفينا أمثلةً باهرةً على ذلك، فمثلًا كم من أناسٍ مخلصين هجروا أوطانَهم في فترةٍ ما من أجل غايةٍ سامية، وصرفوا كلّ جهودهم لتحقيق غاياتهم، فحقّقوا أعمالًا عظيمةً، وأحرزوا نجاحاتٍ مباركةً مثمرة، ولكن لــمّا أخذ هؤلاء الناس يتدنّون في الروح والمعنى والفكر والشعور والحياة القلبيّة والروحية لم يتمكّنوا من الحفاظ على الموقع الذي أحرزوه، بلهَ التقدم والازدهار؛ رغم أنهم أكثر عددًا مقارنةً بالماضي.

أجل، لقد استكانوا للدعة والخمول والكسل، واستسلموا للخوف وحبّ المنصب، ونسوا فكرة الهجرة من أجل إعلاء كلمة الله، فلم تُغن عنهم كثرتُهم العدديّة؛ حيث فقدوا قوّتهم وتأثيرَهم ونفوذَهم، ولذا يمكن القول: إن النبي صلى الله عليه وسلم عندما كان يتضرّع إلى ربّه قائلًا “زِدْنَا وَلَا تَنْقُصْنَا” كان يقصد علوّ الدرجة والمكانة والقدر، وألّا يعترينا نقصٌ في هذه المسألة، أي إنه كان يقصد زيادة الكيف إلى جانب الكمّ.

أعظم النعم أن تعرف النعمة على أنها نعمة

ثم يقول صلى الله عليه وسلم في دعائه: “وَأَكْرِمْنَا وَلَا تُهِنَّا”، وهنا نجده صلى الله عليه وسلم يسأل ربّه أن يكون هو وأمته مظهرًا للإكرام الإلهيّ، لا الإمكانيات المادية والقوّة والكشف والكرامة؛ وهذا يعني أن الإكرامَ الإلهيّ هو لطفٌ كبيرٌ من الله تعالى لا بدّ من الحرص عليه، والإكرام من باب “إفْعال”، لذا فقد يكون المعنى: اللهم أكرمنا، وأشعرنا على الدوام بأن هذه الألطاف هي من محض كرمك.

والحقّ أن إدراكَ هذا الإكرام الإلهيّ والشعورَ به هو وسيلةٌ لحفظ الإنسان من الانزلاق والتردّي؛ لأن من هو على وعيٍ بهذا الإكرام يدرك أن كلَّ الجماليّات التي يتمتّع بها إنما هي مِنه سبحانه وتعالى، فلو نسب الإنسانُ هذه الجماليّات إلى قدراته ومواهبه الشخصيّة كما فعل “قارون” وقال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ (سُورَةُ القَصَصِ: 78/28)، فقد استصدر لنفسه دعوةً للذلّة والمهانة، ومن ثمّ يجب على الإنسان أن يرفع أكفّ الضراعة إلى ربّه، ويدعوه قائلًا: “اللهمّ لَا تُهِنّي ولَا تُذِلَّني بما اقترفَتْه يدايَ من ذنوبٍ وآثامٍ أو بما ابتليتني به”.

اللهم لا تعاقبنا بالحرمان!

ثم يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعائه: “وَأَعْطِنَا وَلَا تَحْرِمْنَا”؛ على الإنسان أن يسأل ربّه النعم الدنيويّة التي لا تُغويه ولا تضلّه، بل من الأهمّيّة بمكانٍ أن يسأل الحقَّ جلّ وعلا كلّ ما يريد، يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَاجَتَهُ كُلَّهَا حَتَّى يَسْأَلَ شِسْعَ نَعْلِهِ (أي أَحدَ سيوره) إِذَا انْقَطَعَ[4]، ومن ثم على الإنسان أن يسأل ربّه سبحانه وتعالى ما شاء؛ عشًّا دافئًا يشبه روضةً من رياض الجنة، أو ولدًا صالحًا أو غير ذلك.

ومن هنا تَتَحدّد قيمة ما يطلبه الإنسان بمستوى أفقه ومنزلته وغايته المثلى، فلا جرم أنّ الأسرة المطمئنّة والأبناء الصالحين والإمكانيّات المادّيّة التي لا تُلجئه إلى مدّ يديه إلى أحدٍ من الخلق هي نعمٌ كبيرة يجب طلبُها من الله سبحانه وتعالى، ولكن الذي يشغله الإحياء عن الحياة، والذي نذر نفسه لفكرة الإحياء، وفاضت عيناه بمشاعر الشفقة تجاه جميع الإنسانية؛ قد يغضّ الطرف عن هذه المتع الدنيويّة جميعها؛ لأن كلّ ما يملأ أفقَه هو: “اللهم إني لا أرغب أن أرى -وأنا على قيد الحياة- أيّ فتوحات أو نجاحات كنتُ سببًا فيها أو يُظنّ أنني سببٌ فيها، لكني أرجوك يا ربي أن تمنّ عليّ بأن أرى من قبري بعد الممات انتشارَ دين الإسلام المبين في كلّ بقاع الأرض، ورفرفةَ الروح المحمّدية في كل الأرجاء، وتردّدَ الأذان في كلّ أنحاء العالم، وخفقانَ القلوب باسمك جلّ جلالك في كلّ الآفاق”.

ومن ثمّ يمكن أن نفهم من قول النبي صلى الله عليه وسلم “وَأَعْطِنَا وَلَا تَحْرِمْنَا” أن كلًّا يسأل ربّه على قدر هِمّته، فقد يطلب هذا خمسةَ قروش، ويطلب ذاك ملايين، وقد لا يكتفي آخر بهذا، ويطلب من الله تعالى السرمديّة والخلودَ، فعلى حين كان البعض يسأل ربّه بعضَ النعم الدنيويّة كان أصحاب الأفق الواسع من أمثال الإمام الغزالي، والإمام الرباني السرهندي، والأستاذ بديع الزمان سعيد النُّورسي رحمهم الله جميعًا يسألون ويبتغون مرضاة الله سبحانه وتعالى، ويسألون فتح طريق الجنة للإنسانية جمعاء. أجل، إن أمثالهم يقومون ويقعدون قائلين: اللهم أزهق روحي خمسين مرّةً في اليوم، ولكن أتوسّل إليك أن تُنقذَ أمّة محمدٍ من هذا البؤس والشقاء، وأن تَنْتَشِلَها من هذا الترديّ الذي لم يُسبق لها أن انحدرت إليه منذُ خلقتَها.

وعلى ذلك فإن الذين يرفعون أكفَّ الضراعة إلى الله تعالى بالدعاء يستدعون الأفكار التي ألهمتهم بها درجاتهم.

من أعظم الآفات دخولُ المسلمين تحت وصاية غيرهم

يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعائه أيضًا: “وَآثِرْنَا وَلَا تُؤْثِرْ عَلَيْنَا” وهذا يعني: “اللهم إن كان ثمّة ترجيحٌ واختيارٌ فاخترنا وآثِرنا!”، وبتعبيرٍ أشمل نقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلب من الحقّ تعالى ألّا يأذن للآخرين والأغيار بالسيادة على أمّته، ولا أن يسوسوها ويضعوها تحت وصياتهم وأمرهم.

ويمكن أن تتعدد صُوَرُ إيثار الله تعالى غيرنا علينا؛ فمثلًا إن لم نؤدّ العبوديّة حقّها، ولم نرعَ الأمانة حقّ رعايتها، ونَكَصْنا على أعقابنا في الدين فسوف يُذهبُنَا الله تعالى ويأتي بقوم آخرين يستخلفهم بدلًا منّا في التوازنات الدولية، ولهذا السبب فإنه ينبغي لنا، بل يجب علينا أن نطلب من الله تعالى أن يُحَلّيَنا بأوصاف عباده المقبولين عنده، ونقول: “اللهم لا تستبدلنا بغيرنا! اللهم استعمِلْنا واستخدمنا نحن في كلّ ما تريد وتشاء!” لأنّ تَخَلِّي الله عنّا كالأشياء الرثّة واستخلافَ غيرنا يعني تركنا إلى تَفَاهتنا وخِسَّتنا الذاتية.

نوعٌ آخر من الامتحان: المحاباة

وقد لفتَ سيدُنا رسول الله صلى الله عليه وسلم انتباهَنا إلى حقيقة أخرى تتعلق بالموضوع: “إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الحَوْضِ[5].

وقد ظهرت هذه الحقيقة التي عبر عنها هذا الحديث بعد انتقاله صلى الله عليه وسلم إلى أفق روحه، ولقد خصّ القرآنُ الكريمُ الصحابةَ الكرام السابقين الأوّلين لهذه الأمة بالتقدير والإجلال لدرجة تكاد تحيرنا وتدهشنا إلّا أن بعض اللاحقين من الناس لم يستطيعوا فهمَ ذلك، فقاموا بظُلْمِ الرعيل الأوّل في الإسلام من ذوي القَدر العظيم عند الله وعند رسوله وجاروا عليهم؛ فالخوارج مثلًا عجزوا عن إدراك قيمة سيدنا علي كرّم الله وجهه الذي حظي بألقاب سلطان الأولياء والحيدر الكرار وصهر النبي عليه الصلاة والسلام، وبالشكل نفسه لم يتسنَّ لكثيرين من الناس ممّن عاشوا في عصر سيدَينا الحسن والحسين أن يَقْدُروهما قَدرَهُما ويعترفوا بقيمتهما اللائقةِ بهما.

كما أن بعضَ الحكّام الذين جاؤوا من بعدُ عجزوا عن الحفاظ على العدالة التي سادت في عهد الخلفاء الراشدين ولجؤوا إلى سبيل المحاباة؛ فكانوا -على سبيل المثال- إذا ما أرادوا إرسال أحدٍ حاكمًا أو واليًا على مكان ما أو تقسيمَ غنيمةٍ ما اختاروه من بين أقاربهم، في حين أنه ليس هناك أحدٌ قطّ من الخلفاء الراشدين وضع واحدًا من أقاربه في أيّ منصبٍ لمجرّد صِلة القرابة، ولم يميزوهم عمن حولهم ولا عن الآخرين، ولم يحابوا أو يُجامِلوا أحدًا؛ لأن الأمةَ التي يُشرع فيها أو يقع فيها أن تُوسَّد الأمانة لغير أهلها، ويُعهَدُ في مسؤوليّاتها إلى الأقاربِ أمةٌ قد انتهى أمرها.

أجل، لقد أخبر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ستكون من بعده أثرةٌ ومحاباة، وأوصى الأمة أن تصبر حتى تلقاه؛ لأن الصبر نهايته السلامة، ومثل هذه التوصية رسالة مهمّة جدًّا للمؤمنين في عصرنا لأن من بيدهم زمام الأمور ومقاليدها اليوم ربما يظلمون ويجورون على أصحاب الكفاءات عبر وضع عراقيل مختلفة في سبيلهم، فليظلموا وليعتدوا؛ المهمُّ أن تُواصلوا أنتم مسيركم وخدمتَكم في سبيل الله تعالى في الاتجاه الذي تحسبون أنه الحقّ. أجل، ينبغي للأرواح التي نذرت نفسها في سبيل الله تعالى أن تتعامل بفلسفة الاستغناء في مواجهة هذه النوعية من المحاباة والمحسوبيّات، وتنتظر تقديرَ الحقّ تعالى في هذا الشأن؛ لأنه تعالى فعل وقدّر كلّ الأشياء الجميلة حتى اليوم، وما فعله الله تعالى مسبقًا يُعدّ أصدق برهانٍ على ما سيفعله من بعد، وهذا يعني أنه سيقدر كلّ الأشياء الجميلة مستقبلًا كما قدّرها في السابق؛ يكفي لذلك أن نكون صادقين مخلصين له سبحانه وتعالى وألا نُقصّر في الارتباط به جلّ شأنه.

سنام العبودية: أفق الرضا

وفي نهاية الحديث يطلب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الله أن يجعلَنا راضين وأن يرضى هو عنّا أيضًا بقوله: “وَارْضَ عَنَّا وَأَرْضِنا”، وهذان الأمران متلازِمان لا ينفصلان عن بعضهما؛ لأن الله تعالى إن كان راضيًا عن إنسانٍ ما أرضاه، وبالشكل نفسه فإن رضا العبد عمّا يقدّره ربّه يعني رضا ربّه عنه، ولأهل الله آراء مختلفةٌ فيما يتعلّق ببيان أيّهما سببٌ للآخر، أو مسبَّبٌ عنه؛ إذ يقول بعضهم إن إعطاء الإنسان إرادته حقَّها، وطلبَه سبيل الرضا يؤدّي إلى نيل الرضا الإلهيّ، وقد ربطوا هذا بحديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَعْلَمَ مَا مَنْزِلَتُهُ عِنْدَ اللهِ فَلْيَنْظُرْ مَا مَنْزِلَةُ اللهِ عِنْدَهُ[6]، أي إن قيمتكم عند الذات الإلهية تكون موزونةً بحسب تقديركم الله تعالى وإجلالكم إيّاه؛ فإن كنتم تحبّونه أكثر من كلّ شيءٍ وتقدرونه وتجلّونه أكثر من الدنيا وما فيها فستجدون هذا التقدير والإجلال عند الله ولدى ساكني الملإ الأعلى، أما البعض الآخر من أهل الله فقد قالوا: إن الله إِنْ لم يرضَ لم يُرْضِ العبادَ عنه، وقد علّلوا ذلك بتقديم ذكرِ رضا الله تعالى أوّلًا في الآية الكريمة: ﴿رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (سُورَةُ التَّوْبِةِ: 100/9)، بينما قسمٌ آخر من العلماء من بينهم الإمام القشيري قال: “إن الأمر بالنظر إلى بدايته هو كسبيٌّ مرتبطٌ بالإرادة والعمل، وأما باعتبار نهايته فهو عن تجلٍّ وحال”.

وإذا نظرنا إلى المسألة وفقًا للعقيدة الماتريديّة فيجب على الإنسان -كشرطٍ عاديٍّ- كي يحظى برضا الله سبحانه وتعالى أن يبذل جهدَه بشكل إراديٍّ في سبيل هذا الرضا، وهذا أيضًا مرتبطٌ بأن يتدبّر الإنسان في ذاته والوجود من حوله، ويحلّل حقائق الحقيقة الإسلامية ويفهمها على نحو صحيح. أجل، إن الإنسان حين يرضى عن الله فإن الله جل جلاله يتوجّه إليه برضوانه، ورضوانُه هو الأكبر.

وختامًا: إن كلّ أمر من الأمور التي طلبها رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم في دعائه المبارك هذا له تأثيراته المهمّة في حياة المؤمنين، ولذلك فإنه ينبغي لنا نحن أيضًا أن نطلبها دائمًا من الحقّ سبحانه وتعالى.

 

[1] سنن الترمذي، تفسير القرآن، 24.

[2] صحيح البخاري، الطب، 17؛ صحيح مسلم، الإيمان، 374.

[3] مصنف عبد الرزاق، 173/6.

[4] سنن الترمذي، الدعوات، 155.

[5] صحيح البخاري، المغازي، 58؛ صحيح مسلم، الإمارة، 48.

[6] مسند البزار، 307/17؛ أبو نعيم: حلية الأولياء، 176/6؛ البيهقي: شعب الإيمان، 109/9 (واللفظ للبيهقي).

 

الجدارة والاستحقاق

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ذكرتم من قبل أن مَن لم يحقق الجدارة والمسؤولية اللتين تقتضيهما الخدمة الإيمانية فهو خليق بالإقصاء عن دائرة الخدمة كما اقتضت سنة الله… وعلى ذلك فما الأوصاف اللازمة حتى يكون الإنسانُ جديرًا بعمله، ولا يتعرّض لمثل هذه العاقبة الوخيمة؟

الجواب: الجدارة هي أن يكون الإنسان كفؤًا للوظيفة التي يتقلّدها، وأن يؤدّيها بحقّها، أما الاستحقاق فهو العاقبة الوخيمة التي تصيب الإنسان كنتيجة لما اقترفت يداه من شرورٍ وما قام به من أعمالٍ سلبيّة، ولكنني أريد أن ألفت الانتباه إلى أنّ المعول عليه بالنسبة للجميع هو فضل الله ورحمته وإن كان الإنسانُ يتمتّع باللياقة والجدارة بالفعل، ومن ثمّ فإن الأساس في النجاحات التي يُحرزها الذين يمتلكون القدرات والاستعدادات العالية هو فضلُ اللهِ ورحمتُه سبحانه وتعالى وإن أثبتوا جدارتهم في الوظيفة التي أُنيطت بهم، ومع ذلك فإننا إذا ما نظرنا إلى المسألة من منظور ما تقتضيه سنةُ الله سبحانه وتعالى لألفينا الجدارةَ وسيلةً لإحراز مكتسباتٍ مهمّة، والاستحقاقَ سببًا لانقطاع هذه المكتسبات.

شبكات وخلايا النفاق والاستحقاق

منذ فجر التاريخ وأهل الضلال وشبكات النفاق يحيكون المؤامرات ويدبّرون المكائد باطرادٍ على نحوٍ لا يمكن تصوّره؛ حتى تنتكس الخدمات الإيجابية النافعة التي تضطلع بها القلوب المؤمنة، وهذه المؤامرات وتلك المكائد تختلف ألوانُها وأنماطُها باختلاف الزمان والظروف والمكان، بل عندما أدركت شبكةُ النفاق عينها أن الأدوات التي كانوا يستخدمونها في وقتٍ سابقٍ لم تعد تُجدِي نفعًا في الوقت الراهن وأنها لن توصلهم إلى النتيجة المرجوّة عملوا على تطوير أدواتهم وأساليبهم مرّة أخرى، في محاولةٍ للحيلولة دون إقامةِ هذه الفعاليات الخيّرة التي تقوم بها الأرواح المؤمنة.

وهكذا فإن مسألة وصول شبكات النفاق إلى أغراضها الدنيئة أو عدم وصولها يتوقّف على ما إذا كان أربابُ الغايات السامية يؤدّون حقّ المقام الذي هُم فيه أم لا، وهل قاموا بالمسؤوليات التي وقعت على عاتقهم أم لا، وهل أثبتوا جدارتهم في هذا الأمر أم لا؟.

 فلو أنهم أدّوا وظائفهم بحقٍّ وحفظوا الأمانة التي عُهِدت إليهم، وصاروا عيونًا ساهرةً تجاه المخاطر التي قد تداهمهم من أي منفذٍ أو ثغرةٍ فلن يخيّب الله تعالى سعيَهم وسيُحبط مؤامراتِ أهل النفاق ضدّهم، ولكن إن ضعُفَتْ جدارَتُهم وذبُلت وبهتت فهذا يعني -معاذ الله- أنهم على وشك الانزلاق بنفس القدر إلى حافة استحقاق عاقبة التقصير الوخيمة، فإن وقع هذا الاستحقاق استردّ الله تعالى أمانته، وعهد بها للأمناء عليها، ومِن ثَمّ فإن أراد الذين ارتبطت قلوبهم بخدمة الإيمان والقرآن أن يَسْلموا من المكائد التي دُبّرت لهم ويحافظوا على الموقع الذي أقامهم الله به فعليهم أن يؤدّوا حقَّ هذا الموقع، وأن ينشدوا الجدارة واللياقة دائمًا.

السعي إلى التجديد شرطٌ مهمٌّ في اللياقة والجدارة

ويمكننا أن نتعرّف من خلال بعض الآيات القرآنية على الأوصاف التي تُحقِّق الجدارة وأخرى توجب استحقاق عاقبة التقصير الوخيمة.

فعلى سبيل المثال يقول ربُّنا سبحانه وتعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (سُورَةُ فَاطِرٍ: 16/35)، ويُفهم من اختيار كلمة “جديد” الواردة في الآية أن على الذين يسعون في سبيل الله أن يشعروا وكأنّ كلَّ شيءٍ أتاهم مائدةٌ سماويّة طازجة نزلتْ للتوّ من السماء أو أنه من بواكير ثمار الجنة الطازجة. أجل، لا بدّ وأن يغيبوا عن وعيهم وهم يتلون كتاب الله تعالى بسبب ما يشعرون به من لذةٍ ومتعةٍ لم يصادفوها من قبل، وكأن الآيات تتنزّل عليهم في التوّ واللحظة، وعليهم كذلك أن يُحسنوا دراسة العصر الذي يعيشون فيه، وأن يقوموا بخدمتهم للإسلام في ضوء التجديد الذي أتى به الإسلام، بل ينبغي أن تنال حياتهم الروحيّة قسطًا من هذا التجديد، وألّا ينهزموا أمام الإلف والتعوّد وإن جرى الزمان ومرت السنون، وألا تؤثر فيهم عوامل الزمن فلا يذبلون أو يبهتون؛ لأن التجديد وصفٌ جوهريّ للجدارة واللياقة، فمن زالت عنه هذه الميزةُ استحقَّ التغيير.

عاقبة المرتدّين عن الخدمة

وثمّة آيةٌ أخرى تتعلّق بموضوعنا، لا بدّ من الوقوف عندها، يقول ربُّنا تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 54/5).

وفي هذه الآية يشير ربُّنا سبحانه إلى خطر “الارتداد”، والارتدادُ يعني انسلاخ الإنسان من الموقع المهمّ الذي هو فيه، والعودة مرّةً أخرى إلى المكان الذي جاء منه، ولذا يُطلق على هذا الشخص مرتدًّا، وأول ما يتبادر إلى الذهن عند ذكر كلمة “مرتدّ” المرتد عقائديًّا، فمثل هذا الشخص يترك دين الإسلام، ويرجع القهقرى، ويتردّى في الكفر، وإلى جانب هذا فهناك أيضًا الارتدادُ عن خدمة الدين، فهؤلاء وإن كانوا ارتبطوا قلبيًّا بغايةٍ ساميةٍ لفترةٍ ما فإنهم بعد مدّةٍ تعرقلهم أشياء بسيطة كجناح البعوضة، ويفقدون شوقهم وعشقَهم للخدمة، وانفعالَهم القديم وحيويّتهم، وبعد ذلك يخرجون تمامًا من الدائرة التي كانوا ينعمون فيها، والواقع أن هؤلاء غالبًا أناسٌ مساكين اختلت عقولهم وتصحّرت قلوبهم، يرغبون في أن يسيرَ كلُّ شيءٍ وفقًا لأمزجتهم وأهوائهم، فإن لم تَجرِ الأمور حسب هواهم اختلقوا المشاكل وتسبّبوا في الخلاف والفراق، وفي النهاية يَرتدُّون عن الدائرة التي كانوا فيها.

بدايةً يحذّرهم الله سبحانه وتعالى بلطمةٍ شفوقة، ولكن إن استمرّوا في نفخ نار الاختلاف والافتراق استحقّوا حينذاك لطمةَ النقمة وكأنّ ربّنا سبحانه وتعالى يقول: “إن كنتم تفسدون في الأرض، فسوف آتِي بقومٍ غيركم يجعلون من الوحدة والتضامن أساسًا لهم، ويتحرّكون بروح الوفاق والاتّفاق”، وبذلك يُخلّي الله الساحة التي كانوا فيها لغيرهم، من أجل ذلك يجب على المؤمنين الذين عشقوا خدمة دين الإسلام المبين أن يساورهم القلقُ من مسألة الارتداد عن الخدمة، وأن يكون بمقدورهم التنازل عن العديد من حقوقهم الشخصية حتى لا يقعوا في مثل هذا الموقف، وهذا ابتغاء الجدارة وسبيل النجاة من استحقاق العاقبة الوخيمة.

حبّ الله تعالى هو الأساس في الجدارة

ويشير ربُّنا سبحانه وتعالى بقوله “فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ” إلى أن الله تعالى سيستبدل الذين لا يؤدّون حقّ الموقع الذي هم فيه بقومٍ آخرين، ولا يعزب عن علمكم أن حرف “سوف” في بداية الفعل يدل على المستقبل البعيد، وهذا يعني أن الحقّ تعالى لا يعجّل بعذاب المؤمنين بسبب ما يرتكبونه من منكرات، ولكن لما لإيمانهم من قدرٍ عند ربهم سبحانه وتعالى فإنه سبحانه يمهلهم المرة بعد الأخرى، ولكن لو أنهم أصرّوا على هذه الأخطاء والمساوئ فسوف يذهب بهم الله ويأتي بقوم آخرين بدلًا منهم، وتنكيرُ كلمة “قَوْمٍ” يدلّ على أنهم جماعةٌ مجهولة الهوية، وأنهم يتمتّعون بهمّةٍ وقيمةٍ عاليةٍ.

أجل، إنّ لهؤلاء القوم علوًّا في الشأن لا سبيل إلى تخيّله أو تصوّره، ومع ذلك تضع لنا الآية الكريمة بعض القرائن التي تعيننا على معرفتهم، فتقول “يُحِبُّهُمْ”؛ أي إنه تعالى يتوجّه إليهم بما يناسب عظمته جلّ شأنه، ويتغمدهم بسعة رحمته وعُمقِ محبّته، ويُحسن إليهم بما تقتضيه هذه المحبة، وبعد ذلك يتحوّل هذا الحبّ الإلهي الموجّه إليهم إلى حبٍّ منهم له سبحانه في قلوبهم، وفعل “وَيُحِبُّونَهُ” يأتي من باب “إفْعال” الذي يدلّ في أحد معانيه على الكثرة، ولذلك يمكن أن يُقال: “إنهم يذوبون عشقًا في حبّ الله تعالى”.

وعقب ذلك يقول تعالى “أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنينَ”؛ أي إنهم يخفضون أجنحة التواضع للمؤمنين لدرجة تصل إلى الذلّ، ولكن تجنّبًا لسوء الفهم نقول إن هذا التواضع لا يعني الدونيّة أبدًا، لأنهم “أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرين”؛ بمعنى أنهم لا يتملّقون لمن ساخت أقدامهم في أوحال الجحود الناتج عن كبرهم وغرورهم وظلمهم وانحراف وجهة نظرهم، أو لتقليدهم الأعمى لآبائهم، كما أنهم لا يخنعون ولا يخضعون ولا يتملّقون ولا يتزلّفون للمتمرّدين المتعنّتين مع الجماليّات التي حقّقها المؤمنون.

روح الجهاد في سبيل الله

ثم يذكر ربّنا سبحانه وتعالى وصفًا آخر لهم فيقول: “يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ”؛ أي يكافحون في سبيل الله، وكيفيّة الجهاد ومحتواه واسع جدًّا، فالجهاد في أحد تعاريفه هو: إزالة العوائق النفسانيّة والجسمانيّة والحيوانية التي تحول دون الإيمان، وتقطع الصلة بين الله وعبده، والعمل على اتّصال القلوب ببارئها سبحانه وتعالى، ووفقًا لهذا التعريف يجب مدّ يَدِ العون إلى الناس مع الأخذ في الاعتبار مستوى العلم والإدراك والفلسفة الحياتية في العصر الذي نعيش فيه، واستخدام الوسائل المناسبة لذلك، كما لا بدّ من إزالة العوائق بين الله والناس مثل الظلم والكبر والخطأ في وجهة النظر، والتقليد الأعمى للآباء.

وهناك صورة أخرى للجهاد وهي استمرارية القيام بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتبليغ الحق والحقيقة سواء على منابر المساجد، أو في قاعات المؤتمرات والندوات أو منصة البرلمان أو المدارس، أو في أي مكانٍ يُتاحُ من خلاله تبليغُ الحقّ والحقيقة.

ولكن إن حدث ووقف المعتدون الذي يضمرون الحقد والعداوة لكم على أبوابكم وأغاروا على بلدكم وحاولوا أن يمسّوا عرضكم وشرفكم وأن يسحقوكم تحت أقدامهم كما حدث في أزمنة مختلفة فحينذاك تتغيّر صورة الجهاد، ففي هذه الحالة تنسلّ السيوف من أغمادها ويُعنى الجميع، ويُهرعون إلى الجبهة كما وقع كثيرًا في تاريخنا على مر العصور، ويؤدّون حقّ الكفاح المطلوب منهم.

ولا جرم أن هذا الكفاح القومي يتمّ بإذن الدولة وتحت إشرافها، وهذا أيضًا نوعٌ من أنواع الجهاد المادّيّ، ولكنني أنبّه هنا مرّةً أخرى على هذه الحقيقة التي أشرت إليها في مناسباتٍ عدة؛ وهي أنه ليس من الصحيح اختزال الجهاد في سبيل الله على أنه “محاربة الأعداء” فقط، فهذا ضربٌ من ضروب الجهاد وواحد من أوجهه الماديّة، وإن هناك أوجهًا متعدّدةً للجهاد والكفاح من أجل إيصال الحقّ والحقيقة إلى الناس، أو رفع الجور والظلم عنهم، والحال أنه يجب أن يكون ذلك العمل الذي قيّده الله تعالى بقوله “فيِ سَبِيلِ الله” خالصًا بأكمله لله تعالى، كما لا بدّ من إحقاق الحقّ مع مراعاة القواعد والمبادئ التي وضعها الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم، فلا يكون الدافع هو المنفعة الشخصيّة أو مصلحة فئةٍ بعينها أو غَضَبُها.

خلاصة القول إن الله تعالى قد أشار بقوله “يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله” إلى الجهاد في سبيل الله بالمعنى العام، وجعله وصفًا مهمًّا للذين ينصرون دين الإسلام، وأساسًا مهمًّا للجدارة واللياقة.

وأخيرًا يقول الحق تعالى: “وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَۤائِمٍ”، وهو بذلك يشير إلى أن هؤلاء الذين يسعون من أجل إعلاء كلمة الله وكي ترفرف الروح المحمدية في كلِّ أرجاء الأرض لا يخشون من لوم الآخرين. أجل، قد يُوَجَّه اللوم إلى أرباب الغاية السامية من قِبَلِ أولئك الذين يعتبرون الحياة هي الدنيا التي يعيشونها، ويودّون الاستمتاع بها، فمثلًا يقولون لأرباب الخدمة على وجه النصيحة: لماذا تُنغّصون على أنفسكم حياتَكم رغم أن بإمكانكم الاستمتاع بدنياكم؟ ولماذا تثيرون أهل الدنيا والضلالة وتضطرّونهم إلى الإساءة إليكم؟.

مع الأسف يظهر في كل عهدٍ مَن ينزعج ويتضجّر مِن نشر الاسم المحمدي الجليل على صاحبه أفضل الصلاة وأتم السلام، ولكن القلوب التي وهبت نفسها لخدمة الإيمان والقرآن لا تأبه وهي تؤدّي وظائفها بهذا اللوم الجائر من هؤلاء، ولا يخشون تهديداتهم، ولا يَرتدُّون عن طريقهم، بل يسيرون دائمًا في طريق الحقّ دون أن يتعثّروا بالعوائق التي تعترضهم.

الاستخدام هو فضل وإحسان من الله تعالى

ثم يقول الله سبحانه وتعالى في ختام الآية: “ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَۤاءُ”؛ في إشارةٍ إلى أهمّيّة تلك الأوصاف جميعها، وأن الله تعالى يهبها من يشاء من عباده المصطفين وليس للناس أجمعين؛ بمعنى أن الله تعالى يقدّر الخدمة للمؤمنين الصادقين الذين وهبوا قلوبَهم له، وليس إلى أولئك الذين يرغبون في الحصول على الدرجات الدنيوية مثل الدكتوراه وما بعدها من أجل إحراز لقبٍ أو زيادة رصيدٍ مهنيٍّ مادّيٍّ ليس إلا، تأمّلوا معي، كيف خرجت -في فترةٍ ما- من بين الجبال الوعرة ذاتٌ عظيمة[1]؛ درس في المدرسة مدّةً وجيزةً تبلغ الستة أشهر أو السنة، ثم أخذ يلقّن الإنسانيّة دروسًا في تبليغ الدين والتديّن والقرآن، وفتح الباب للتجديد في الفكر، ولكن وهو يؤدّي هذه المهمة العظيمة لم يداخله الكبر والغرور قطّ، بل كان يعزو كلّ توفيقه إلى فضل الله وإحسانه، وهكذا فإن مفهوم قوله تعالى “ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَۤاءُ” يعبّر عن وصفٍ آخر من أوصاف الجدارة واللياقة لا يمكن الاستغناء عنه، وهو عدم الاغترار مطلقًا، واعتبار أيّ وظيفةٍ مهمَا عظُمت فضلًا ورحمةً وإحسانًا من الله تعالى.

 

[1] يقصد الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي.

 

التوازن في النهي عن المنكر

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ذكرتم من قبل أن مِن أهمّ خصال الأرواح المتفانية غضّ الطرف عن القبائح التي لا تعود بالضرر على المجتمع، ولكن عند النظر إلى مسألة النهي عن المنكر سنجد أنها تمثِّل أساسًا مهمًّا في الإسلام، وبناءً على ذلك فما حدود غضّ الطرف عن الآثام، وما هي ضوابط العفو عن السيئات؟

الجواب: لا بدّ لنا أن نفرّق هنا بين الذنوب أو الأخطاء الفرديّة وبين الجرائم والمنكرات التي تُعدّ انتهاكًا لحقوق المجتمع؛ لأن الموقف الذي يجب اتّخاذه يختلف باختلاف وضع كلٍّ منهما، فالأساس في الذنوب والأخطاء الفردية غضّ الطرف عنها وسترُها، والتعامل بالعفو والسماح بقدر الإمكان مع هؤلاء المسرفين على أنفسهم، ولكن إن كان هذا المنكر موجهًا لشخصٍ آخر أو يعود بالضرر على حقوق الناس فلا بدّ حينئذٍ من محاولة تغيير هذا المنكر باليد، فإن انعدمت الاستطاعة فباللسان، فإن انعدمت أيضًا فإننا -على الأقل- نتّخذُ موقفًا قلبيًّا رافضًا لهذا المنكر.

سبيل العفو والصفح في الحقوق الفردية

ولا داعي هنا إلى سرد الذنوب التي تخص الفرد؛ لأن تصوير الباطل يُكدّر العقول النقيّة، ولذا يكون ضررُه أكبرَ من نفعه، ولكن يمكننا أن نُدرِج الأقوال والأفعال التي نهى عنها الإسلامُ عامة في هذه القائمة، فلو أن الإنسان لا يشكّل نموذجًا سيئًا للآخرين، ولم يستخِفّ بأوامر الدين، ولم يستهِن بالقيم الدينية، أو ينتهك حقًّا للأمة؛ فحينذاك يمكن أن نعفو ونصفح عنه.

إن القرآن شدّد في مواضع متفرّقة على أهمّيّة العفو عن الناس ومعاملتهم بالحسنى وإن أساؤوا إلينا، فمثلًا يقول ربّنا تبارك وتعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 134/3).

فقد عدّت الآية الكريمة كظمَ الغيظ والعفوَ عن الناس والإحسانَ إليهم من خصائص المتقين التي يمتازون بها، ولذا يقع على عاتق المؤمنين بدايةً أن يتعاملوا مع الذنوب والأخطاء الفردية بشكلٍ يتناسب مع هذه الدساتير القرآنية، وأن يغضوا الطرف عنها ساترين إياها بقدر الإمكان.

وإن الموقف الذي ينبغي للمؤمن اتّخاذه إزاء بعض التصرّفات والسلوكيّات التي يقوم بها الجاهلون هو الإعراض عنهم وتجنّبهم؛ لأن الله تعالى قد وضّح للمؤمنين في عددٍ من آياته كيفيّة المعاملة مع هؤلاء، وقال لهم آمرًا: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (سُورَةُ الأَعْرَافِ: 199/7)، وقال: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ (سُورَةُ الفُرْقَانِ: 63/25)، وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ (سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ: 3/23).

تجنّب نشر الذنب عند النهي عن المنكر

ومع هذا فإن أصرّ الإنسانُ على ذنوبه وأخطائه، واستهان بها، وشكّل مثالًا سيّئًا للآخرين بقبائحه أو اعتدى على حقوق المجتمع فيجب عندئذٍ الحيلولة دون وقوع هذا المنكر بشكلٍ مناسب، وقد أبان رسولنا صلى الله عليه وسلم عن منهج الإسلام في تغيير المنكر بقوله: “مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ[1].

وعلى ذلك فإنّ أوّل مهمّةٍ تقع على عاتق الإنسان تجاه أخيه الذي وقع في مستنقع الخطيئة؛ أن يأخذ بيده ويصلَ به إلى برّ الأمان، فإن لم تكن لنا طاقة على فعل هذا فعلينا أن نستعين بمَن هو أقدر على ذلك، ولكن عند القيام بهذا العمل لا بد لنا أن نكون على درجةٍ عاليةٍ من الدقّة والانتباه فنحذرَ من إفشاء الذنوب والخطايا ونشرها، أو أن نتحوّل إلى دلّالين مروِّجين للأخطاء والآثام، فالحذرَ الحذرَ من الوقوع في ذلك؛ حتى لا نبعث الخجل في نفس مخاطبنا؛ فيمشي ذليلًا خانعًا بين أفراد المجتمع؛ لأن المقصد الأساس هو إنقاذ هذا الإنسان من مستنقع الشرّ الذي تردّى فيه، ليس إلّا.

وتأتي النصيحة عند تعذّر تغيير المنكر باليد، ولكن المهم هنا هو أسلوب إسداء النصيحة؛ فمثلًا: لا بدّ من أن نراعي جميع البدائل عند إسدائها، وأن نحذَر الوسيلة والأسلوب الذي يفضي إلى قيام المخاطب بردّ فعلٍ سلبي، من أجل ذلك فعلى مَن يودّ إنقاذ أخيه من مستنقع الشرّ والآثام أن يحتاط لكلامه، فلا ينطق بكلمةٍ إلّا بعد أن يُعمِل فيها تفكيره جيدًا، فإن كان كلامُه سيُثير لدى المخاطب ردَّ فعلٍ سلبيٍّ فعليه أن يستعين بشخصٍ يحظى كلامه بالقبول والاحترام عند المخاطب ليقوم بهذه النصيحة بدلًا منه.

بل قد يتطلّب الأمر في بعض الأمور الحرجة أن ينسحب الشخصُ الناصحُ من الساحة تمامًا، ويُحاوِل إصلاح أخطاء مخاطبه بطريقٍ غير مباشر؛ كأن يكتب له خطابًا مختصرًا يسوده أسلوب الحِلْم واللين، لا لغايةٍ سوى أن يتحوّل المخاطب من حاله السيّء الذي رآه عليه إلى الحسن المنشود، ثم يرمي بالخطاب من تحت الباب أو يرسله بالبريد… وهكذا فإن تحاشيتم إبراز الأخطاء في وجه مخاطبكم حتى لا يقع في حرجٍ أو خجلٍ تكونون بذلك قد صُنتم كرامته وحفظتم له قدره.

فالهدف الرئيس هنا: هو أن نجعل المخاطب يُعرض عن ارتكاب المنكر، ولذا لا بدّ وأن نضع لكلِّ خطوةٍ نخطوها حسابها، وأن نُعرِض عن تأنيب مخطابنا بأيّ قول؛ فالمهارة لا تعني ذكرَ الذنب على أنه ذنب، أو جعلَ المذنب في وضعٍ حرِجٍ، بل المهارة هي إيجاد السبيل الناجع والأمثل الذي مِن شأنه أن يجنّب الإنسانَ الذنبَ.

الإرشاد والإنذار بابتسامة حزينة

ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المنكر والفاحشة إن لم يتيسّر تغييرهما باللسان فبالقلب، حيث قال: “فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ”، وقد فهم علماء الحديث من هذه العبارة -نظرًا إلى معناها العام- ضرورة التصدّي للمنكر قلبيًّا، ومع هذا يمكن إيراد شروح وتحليلات مختلفة عن هذا؛ فمثلًا قد يُفهمُ من هذه الجملة ضرورةُ قطع العلاقة القلبيّة بمرتكبي هذه المنكرات؛ حتى إنكم إن التقيتم إنسانًا كهذا قد تصبحون باشمئزازكم منه وتبسّمكم الحزين في وجهه وإعراضكم عنه وسيلة يفهم ذلك الإنسان خطأه بفضلها فيُقلع عنه.

إنكم بفعلكم وموقفكم هذا لا تعارضون الشخص، ولكن تعارضون فعله؛ فتبتهلون إلى الله قائلين: “اللهم خلّص أخي ممّا تردّى فيه من مصيبة، ونَفّره من ارتكاب هذه الذنوب والآثام” بل إنكم لا تكتفون بهذا؛ فتتضرّعون ألف مرّة ومرّة كي ينجو من تلك المصيبة قائلين: اللَّهُمَ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْإِيمَانَ وَزَيِّنْهُ فِي قُلُوبِنَا وَكَرِّهْ إِلَيْنَا الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ وَاجْعَلْنَا مِنَ الرَّاشِدِينَ“، وتعدّون هذا واجبًا من واجبات قانون الأخوة وحقوقها.

ذلك أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “دَعْوَةُ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ، عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ كُلَّمَا دَعَا لِأَخِيهِ بِخَيْرٍ قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ وَلَكَ بِمِثْلٍ[2].

وقد حدثوني قديمًا عن انحراف أحدهم، ومنذ ذلك اليوم لم يمض يوم من أيامي دون أن أذكره في دعائي بين يدي الله، وقد وقع كذلك أحد الإخوة من ذوي الطويّة السليمة في مشكلة عَقَدِيّة؛ فكنتُ أيضًا كلّما دعوت الله تعالى ذكرت هذا الإنسان في دعائي، وكنت أعتبر أيّ إهمالٍ منّي في هذا الموضوع إخلالًا بحقّ الأخوة وحقوقها، والله على ما أقول شهيد، ويمكن أن يُستدلّ على الدعاء القلبيّ بهذا الشكل من لفظ الحديث، ولذلك فإن فهم لفظ “فَبِقَلْبِهِ” الوارد في الحديث على أن المقصود منه البغضُ القلبي وقطع العلاقة بالشخص والإعراض عنه فقط فهمٌ ناقصٌ؛ إذ المهمّ هنا هو معارضة المنكر والفعل المشين الذي يبغضه الله تعالى والتصدّي له، وفعلُ كل ما في الوسع من أجل إزالته، وإنقاذُ من سقط في ذلك الخطإ من الإخوة.

حقّ العامّة من حقوق الله

إن المعارضة الجادة والحقيقية للفواحش والمنكرات التي قد تضر بالمجتمع بأي شكل من الأشكال -سواء أكان ذلك على نحوٍ واسعٍ أو ضيّقٍ- والعملَ على إزالتها والقضاء عليها يمثّل في الوقت نفسه ضرورة من ضروريّات احترام حقوق الله تعالى، كما أنها واجب ديني واجتماعي؛ إذ إنّ الإسلام -كما هو معلوم- يعتبر حقوق العامة من حقوق الله؛ أي إنَّ المساوئ والشرور التي تُفسد المجتمع داخليًّا شأنها في ذلك شأن العُثّة -بالنسبة لما قد تلحقه من أضرار وتتسبّب فيه من نتائج سلبيّة- ليست كالذنوب التي تظلّ محدودةً بالفرد نفسه لا تتعدّاه، ولذلك فإنه يستحيل إغفال هذا النوع من الشرور والخطايا أو الصمتُ في مواجهتها؛ لذا يجب على المكلّفين بفرض قوّة القانون أن يسعوا جاهدين لمنع هذه الأخطاء والشرور، وينبغي للمؤمنين الرجوعُ إلى الجهات المختصّة بشكلٍ مناسب، وتشجيعُ المسؤولين في هذا الشأن، ومساعدتُهم أحيانًا باستخدام حقّ الشهادة إذا لزم الأمر؛ ونكرّر مجدّدًا أن المقصد من كلّ هذه الأمور ليس إحراج إنسانٍ أخطأ وهوى، وإنما المقصد هو اتّخاذ موقفٍ ضدّ الفواحش التي تنهشُ البنيةَ المجتمعيّة من الداخل، والسعيُ والاجتهادُ من أجل صيانة المجتمع وحمايته من تلك الفواحش.

ويمكننا أن نتذكر فيما يتعلق بهذا الموضوع ويمثل مبدأً مهمًّا بالنسبة لنا: الآيةَ الكريمة التي نزلت في معرض الذمّ بشأن مجموعة من بني إسرائيل؛ إذ يقول الله تعالى فيها: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 78/5-79).

وإن أردنا توضيح معنى صيغة الفعل أكثر في قوله جلّ جلاله: “لَا يَتَنَاهَوْنَ” فيُمكننا القول: إن الذين يُشيرُ إليهم موضوعُ هذه الآية لم يؤسِّسوا آليّةً ولا فكرةً مشتركةً تحول دون ارتكاب المنكرات؛ إذ لم يكونوا يرجعون إلى الوعي الجمعي في هذا الموضوع أو يراعونه، ولم يكن بينهم ثمّة تنسيق، ولهذا فقد لُعن هؤلاء الذين لا ينهون عن المنكر، بل ومُسخوا[3].

إذًا ثمّة حاجةٌ لتأسيس فكرةٍ مشتركةٍ فيما يتعلّق بمهمّة الإنسان الذي يرى المنكر، وبما يجبُ على المسؤولين أولي القوّة فعله في هذا الشأن، والمسؤوليات التي تقع على عاتق المجتمع عامة في مثل هذه المواضيع.

والحاصل: أنه ينبغي للإنسان أن يحاول جاهدًا في العفو والصفح عمّا يُقال بحقّه من كلماتٍ وأقاويل ليست لائقة ولا مناسبة، وكما أن في المعدة والأمعاء إفرازات وأحماضًا تهضم الأطعمة، فلا بدّ أن تكون في عالم المؤمنين القلبي والروحي أنظمةٌ تُذيب هذا النوع من المساوئ والمنكرات وأوجه الظلم والجور وتقضي عليها، وبهذه الطريقة ينبغي للإنسان أن يعفو ويصفح -بكل سهولة- عن التصرّفات السيئة التي تُرتكب تجاهه، أمّا إنِ استُهدفت مجموعةٌ أو جماعة معيّنة في شخص إنسان ما وأُسيء إليها وإلى سمعتها فهذا يعني أن المسألة قد خرجت عن نطاق الفرد وتجاوزته إلى نطاق الجماعة، وليس من الصحيح ألّا ينتصر الإنسانُ لنفسه في مواجهة مثل هذا الظلم وألّا يدفعه عنها، بل ينبغي له العمل على دفع هذا الظلم بطرقٍ تتمثّل في توضيح الأمر وتصحيح الفكر وتفنيد الأكاذيب، حتى إنه يلزم -إن استمر الظلم والتمرّد في الجور- اللجوءُ إلى غير ذلك من الطرق القانونيّة من أجل إسكات المعتدين والحيلولة دون اضطهاداتهم، وكذلك رفع دعاوى قضائية تُطالب بالتعويض عمّا يلحق من ضررٍ بسبب تلك الافتراءات، ذلك أنّ بديع الزمان بالرغم من تصريحه بأنه صفح عمن طوّفوا به السجونَ، وحكموا عليه بالحبس الانفراديّ، ونقلوه من محبسٍ إلى آخر ودَسُّوا له السُّمَ في الطعام بضع عشرة مرة؛ لم يكن يصمت قطّ حين يتعلّق الأمر بالخدمة الإيمانية والقرآنيّة، فكان يُخرس الظالمين ويُفحمهم بصوته وخطاباته الجهوريّة، وبهذه الطريقة يدافع عن الحقوق والقرآن والعامة؛ كيف لا، وقد كان قدوته في ذاك رسول الله عليه أكمل التحيات، تقول السيدة عائشة رضي الله عنها:

“مَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ قَطُّ، إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمُ بِهَا لِلَّهِ”[4].

 

[1] صحيح مسلم، الإيمان، 78.

[2] صحيح مسلم، الذكر والدعاء، 88.

[3] يقول عز وجل: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ (سُورَةُ الأَعْرَافِ: 165/7-166).

[4] صحيح البخاري، المناقب، 23؛ صحيح مسلم، الفضائل، 77.

 

روحُ التجديد والعناية الإلهيّة

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ما هي السّمات البارزة لمن يتوق إلى التجديد في الفكر والشعور الديني؟

الجواب: إننا لن نقدر على فتح صفحةٍ جديـدةٍ دون انتزاع الــمُتَلَقَّيات والتصورات والأفكار المنحرفة الموجودة منذ سنين طويلة والتخلص منها، مثل إضناء الحياة الروحية في المناطق التي يعيش بها المسلمون وإذوائها بدرجة كبيرة، وتعطيل أجوائنا الدينية عن العمل، وتكميم ألسـنة القلوب بتنسية الوجد والعشق تمامًا، واتجاه المثقفين المفكرين والدارسـين إلى المادية الوضعية المتشدّدة وانحباسهم في قُمقُمِها، وإحلالِ التعصّب الأعمى محلَّ الصلابةِ والثباتِ على الحق، وطلبِ الآخرة والجنة على أنها دوامٌ واستمرار للسعادة الدنيوية المعتادة.

وليس المقصود من هذا القول أننا عاجزون عن انتزاع اللوثيّات التي حاصرت أرواحنا منذ بضعة قرون؛ بل بيانُ أنَّ بلوغَ بـرّ الأمان عسيرٌ غايةَ العُسرِ ما لم نتخلّص -كأمّة- من أسباب ودواعي انهيارنا وانحلالنا الحقيقيّة؛ مثل الطمع والكسل وطلب الشـهرة وشهوة السلطة والأنانية والميل إلى الدنيا وغيرها من الأحاسيس والمشاعر التي لا يمكننا التخلّص منها إلا بإذن الله تعالى وعنايته، والتوجّه إلى الحقّ بما يُعدّ جوهر الإسلام وحقيقته من استغناءٍ وجسارةٍ وتواضعٍ واهتمامٍ بِهَمّ الآخر وروحانيّة وربانيةٍ، ونُنقّيَ قلوبَنا بمشاعر الحق والصدق ونصبّها في قالبهما، لكن العُسرَ الشديدَ لا يعني المحال؛ فلا بد أن يتحقّق التجدّدُ والتغيّرُ المنشودُ ما لم تَخلُ السـاحةُ -وهي ليست خالية- من شـجعانَ مُخلصين للجوهر والذات، مالكين لإرادة التجديد، قادريـن على احتضان العصر واستيعابه.

ولو حتى طرفة عين

وكمثالٍ على ذلك: يمكننا النظر إلى حياة الإمام الغزالي الملقب بــ”حجّة الإسلام” من هذا المنظور؛ فلقد بلغَ أفقًا رفيعًا عاليًا في العلم الظاهري أوّلًا، بل إنه وصل إلى جميع المصادر التي يمكن الوصول إليها بالنظر إلى عصره، واضطلع على ما عجّتْ به المكتباتُ في عصره من مؤلّفات؛ ثم خَلَّفَ أعمالًا مباركةً جدًّا للأجيال اللاحقة، والواقع أن القرن الخامس الهجريّ الذي نشأ فيه الغزالي كان -من ناحية ما- عصرًا مباركًا وصلت فيه نهضتنا إلى القمّة، وهكذا فالإمام الغزالي الذي بلغ القمّة في العلوم الظاهرية لم يتقوقع بعدها في القوالِبِ الضيّقة لتلك العلوم؛ بل توجّه إلى الأفق الربّاني والروحانيّ الذي أكسبها قيمةً وعمقًا آخر؛ إذ يرى الغزالي أن ما يدوّنه العلماء من كلماتٍ وعباراتٍ في الكتب لا يتعدّى كونه نظريًّا إنْ لم يكن له بعدٌ معنويٌّ وميتافيزيقي، ويمكن الوصول إلى معرفة الحقيقة بتحويل النظريّ إلى عمليّ، وتطبيقه في الحياة تطبيقًا يُستشعر أثره في أفق القلب؛ ومن ثمّ فإنَّ من يحيون في فلك القلب والروح أقلُّ عُرْضَةً للانكسار والانهيار من غيرهم من أهل العلم.

وهكذا فإنه من المستحيل أن تتخلّى الرحمة الإلهيّة عن الإنسان الذي يرتقي إلى مدارج حياة القلب والروح وينسلخ من الرغبات والأهواء النفسيّة ويرى الفناءَ في نفسه والبقاءَ بالله، ولا أن تَكِلَه إلى نفسه في أفكاره وآرائه وأحاسيسه. أجل، إن الله تعالى لا يَكِلُ مثلَ هؤلاء الناس إلى أنفسهم ولو طرفة عين، بل ولا يسمح بانزلاقهم في الخطإ.

وكما هو معلوم فقد علَّم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أمّته هذا الدعاء هدفًا تنشده وترجوه:

يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ أَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ وَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ[1].

 ورجال الإصلاح الذين جعلوا دعاء سيد المرسلين هذا هدفهم الأسمى وسعوا وبذلوا ما في وسعهم في ذلك الاتجاه ساروا دائمًا تحت أطياف نور المعيّة الإلهيّة بإذن الله وعنايته.

لا يُضيّعُ اللهُ مثقالَ ذرّةٍ من عمل

لذا يمكن القول إن الحقّ تعالى ألقى في صدور هؤلاء العظام -الذين تركوا بصماتهم على مرّ العصور- آراءَهم في الاجتهاد والاستنباط والتجديد، وإن نظرتم إلى كتاب “النتائج” لإسماعيل حقّي البرصوي وجدتم عباراته من قبيل: “جاءني إلهامٌ عند طلوع الفجر، وجال بخاطري هكذا” ويُفهمُ من هذه العبارات أن الحقّ تعالى يُنير طرقَ هؤلاء الأشخاص العِظام، ويفتح لهم الطرق، وبهذا يرون كل شيءٍ صحيحًا ويفسّرونه تفسيرًا صحيحًا، ثم يضطلعون بإنجاز الأعمال اللازمة وفقًا لسِمات المجتمع وظروف الزمان والمهمّة المكلَّفِينَ بها.

ويقول الحقّ تعالى في سورة الزلزلة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (سُورَةُ الزَّلْزَلَةِ: 7/99-8).

وفَهْمُ معنى هذه الآية الكريمة على نحو: “أن الإنسان سينال في الآخرة فحسب عقابَ وجزاء ما عمله في هذه الدنيا من خيرٍ أو شرّ” فهمٌ ناقصٌ، وأرى أنه يجب النظر إلى الموضوع هكذا: إن الإنسان سيُجازى في الدنيا أيضًا -ولو بقدرٍ بسيطٍ- على ما فَعَلَهُ من أوجه الخير أو ما ارتكبَه من صنوفِ الشرّ، وبما أن أوجه الخير الصغيرة ستلقَى -حتى وإن كانت كلّ واحدةٍ منها تزنُ ذرّة- جزاءَها في الدنيا فإن ما يُبذَلُ من خيرٍ وبرٍّ وإن كان يزن الكرةَ الأرضيّة ثقلًا في سبيل غايةٍ مثاليةٍ سيتحقّق جزاؤه يقينًا، ويتجلى كثيرًا في صورةٍ من صور العناية الإلهيّة.

ومن هذه الناحية فإنه لا يُتصوّرُ أن يتخلّى الله تعالى عن رجلٍ من رجال الإحياء الذين جعلوا هَمّهم أمّتهم، ونذروا أنفسهم لإحياء الناس وضحّوا بِمتَعِهِم الشخصيّة ولم يفكروا بأيّ شكلٍ من الأشكال لا في منصبٍ ولا في غَدٍ! ومَنْ يدري فقد يُوجِّه الله تعالى الإنسانَ صراحةً أحيانًا، وقد يُلقي بداخله رغبةً خفيةً في الشيء دون أن يُدرك الإنسان ذلك أحيانًا أخرى، ومهما تعرّض مثل هذا البطل من أبطال الانبعاث لمتاهات وطرق متعرّجة، ومهما مرَّ طريقه بأودية ساحقةٍ شاقّة؛ فلن يضل أبدًا، بل سيُواصل المسير في الطريق الصحيح دائمًا بإذن الله وعنايته.

وهذا النوع من أبطال الحقيقة الذين فتح الله لهم آفاقًا خاصّة يرون أحيانًا كلَّ شيءٍ منذ البداية واضحًا عيانًا بيانًا؛ لدرجة أنهم ما إن يواجهوا مشكلةً أو حادثةً حتى يقولوا بكلّ راحةٍ ويُسرٍ: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ﴾ (سُورَةُ يُونُسَ: 32/10).

فيُرْشِدون إلى الصواب ويَنطِقون بالحقيقة، وحين يواجهون في بعض الأحيان الأخرى حادثةً غامضةً ومبهمةً يقولون: “اللهم رضاك فحسب، اللهمّ وفقنا إلى اختيار ما يُرضيك كي يهتدي إليك هؤلاء الناس” ويلجؤون إلى الله تعالى بصدقٍ وإخلاصٍ وجدٍّ، ونتيجة لذلك يرون الحقّ وينطقون بالحقيقة، ويُوجّهون الناس إلى الطريق المستقيم.

لن يعودَ أحدٌ خاويَ الوفاض بعد الوقوف على بابه

إن كنتم تُعبرون في دعائكم عن صدقكم وإخلاصكم دائمًا قائلين: “اللهم إني ألوذ ببابك في مواجهة المصائب والابتلاءات التي لا أقوى عليها ولا أستطيع تحمّلها، اللهمّ لا حول ولا قوة إلا بك، اللهم إني ألوذ ببابك دون سواك فنجّني من الأخطاء والذنوب ووطأتها الثقيلة، وأعِنّي على الحياة، لا حول ولا قوة إلا بك، اللهم لا تكِلني إلى نفسي ولا إلى أحدٍ سواك طرفة عين في كلّ قولٍ أو فعلٍ أقوم به في سبيل إرشاد الناس وهدايتهم، اللهم لا تحرمني أبدًا تجلّيات هدايتك وإرشادك، اللهم اهدني إلى الطريق المستقيم دائمًا، واجعلني مخلصًا صادقًا في كلّ تصرّفاتي وأفعالي، اللهم لا تحرمني عنايَتَك ورعايتك حتى تؤثر أقوالي وأفعالي في الناس، اللهم إنّني أعلم أن أهل الضلال سيعترضون طريقي بينما أجادل وأسعى في سبيل الإرشاد والتبليغ، وسوف يهاجمونني ويعتدون عليّ متذرّعين بأمور تافهة، اللهم إنني ألوذ بِك وألجأُ إلى عنايتِك وحمايتِك وكنفِك دون سواك، فوفقني اللهمّ إلى التصدّي لهم دون انحناءٍ ولا تذلّل ولا انكسار ولا تنازل ولا تراجع، وأكرمني بالذلّ والانحناء بين يديك دون غيرك، اللهمّ إني ألوذ ببابك، ولا حول ولا قوة إلّا بك، اللهمّ إنني أعترف بعجزي عن تنقية قلبي، وبتقصيري في مراعاة حقوقك كما ينبغي، لذا فإنّني ألوذ ببابك مجدّدًا وأسألك أن تُنقِّي قلبي كما يُنقَّى الثوبُ الأبيض من الدَّنَسِ فتُعيده كحاله أوّل ما خلقته، ولا حول ولا قوّة إلا بك”.

فإن الحق تعالى لن يردّكم صفر اليدين ولن يُضيّع دعاءكم وتضرّعكم هذا دون نظيرٍ ولا مقابل، ولن يكِلَكم إلى أنفُسِكم طرفةَ عينٍ في اجتهاداتكم واستنباطاتكم واختياراتكم.

أجل، إن كنتم تعيشون حياتكم بهذا النهجِ وتلوذون ببابه صباحَ مساء؛ فتعرضون عليه حاجاتكم الواحدةَ تلوَ الأخرى وتُلِحُّونَ في الطلب فإن الله جل جلاله الذي يسمعُ ذلك ويعلمه ويراه سيُجيبكم لا محالة، ولن يَرُدّكم خائبين، وكما ذُكِرَ كثيرًا في أوراد أهل الحقّ وأوليائه المؤثرة والعميقة التي تحرق القلوب وتُجيّش مشاعرها؛ فليس ثمّة أحدٌ حتى الآن ممّن طرقوا بابَه عادَ خاويَ الوفاض، وهناك الكثير ممّن تخبّطوا في أخطائهم وذنوبهم فلمّا لاذوا ببابه ولجؤوا إلى عفوِه ومغفرِته وجنابه، غشيَتْهُم رحمتُه ولَفَّهم إحسانُه ولطفُه وعنايتُه رغم ما اقترفوه في السابق من ذنوب وآثام.

والحاصلُ: أن الحقّ تعالى من شأنه ألّا يتخلّى عن طالبي التعمير والإصلاح والتجديد وإن لم يحظوا بمراتب الفناء في الله والبقاء بالله ومع الله، وعجزوا عن الوصول إلى الذات الإلهية عبر المرور بمراتب علم اليقين فــعين اليقين فـــحق اليقين، ولا يمتلكون رصيدًا حقيقيًّا في هذا السبيل سوى أنهم مخلصون وصادقون لأقصى درجة، ودائمًا ما يبتهلون إلى الله تعالى ويضرعون إليه ويلوذون ببابه بصدقٍ تامٍّ ويتوجّهون إليه سبحانه متضرعين قائلين: “اللهم الإيمان الكامل، اللهم الإسلام الأتم، اللهم الإخلاصَ التام، اللهم الصدق”؛ فقد شملهم الله بحفظه عبر حمايته ورعايته ونُصْرَتِهِ إيّاهم.

 

[1] النسائي: السنن الكبرى، 6/147؛ البزار: المسند 13/49.

 

أفق التضحية حتى بالأذواق والملذات الأخروية

Herkul-ARB | | العربية

 

سؤال: ما معنى قول الأستاذ النُورْسي رحمه الله: “لقد افتديت دنياي وآخرتي في سبيل إنقاذ إيمان المجتمع[1]“؟

الجواب: لقد سبق هذه القامةَ الشامخةَ سيدُنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه، والكثيرُ من أولياء الله مثل منصور الحلاج والإمام الرباني أحمد الفاروقي السرهندي وغيرُهم، وقالوا مثل هذا الكلام، ولقد عاش هؤلاء في قلقٍ واضطرابٍ كالملائكة الحفظة الذين يقفون على أبواب جهنم؛ حتى لا يتردّى أحدٌ في النار، وفَرَدُوا أذرعهم وشبَكوها كالمقصّ، وقالوا كما قال نجيب فاضل: “هنا زقاقٌ مسدود”.

ضحى بدنياه أوّلًا!

ذكر بديع الزمان سعيد النورسي في مقولته أولًا أنه قد هجر الدنيا حتى يَسلم إيمانُ غيره، والحقيقة أنّ كلَّ مَنْ يُلقي نظرةً على حياة هذه القمّة الشامخة سيجد أن عمره من أوله إلى آخره يقرّر هذه المقولة؛ لأن نمط الحياة الذي اختاره لنفسه لا يمكن لإنسان عاديٍّ أن يتحمّله؛ فحياته حافلة بالنفي والسجن والاضطهاد والظلم، فلم يكتفوا بأن وضعوه في سجنٍ انفرادي، بل أودعوه -ولتسامحني هذه الروح الطاهرة- في مكانٍ يشبه مكان قضاء الحاجة بالنسبة لهم، فضلًا عن ذلك فتحوا نوافذ هذا السجن على مصراعيها؛ حتى يتجرّعَ برودة الشتاء القارس، ولم يكتفوا بهذا أيضًا بل سمّموه تسع عشرة مرة، دع عنك هذا الظلم والإيذاء الجسدي في السجن، فقد أفردوا له عناصر أمنٍ يتتبّعونه ويُلاحقونه في الخارج.

بيد أن الأستاذ النورسي لو شاء لكان بمقدوره أن يُصبح صاحب جاه ومنصبٍ، ويعيش كغيره حياةً ملؤها الراحة والرفاهية والنعيم، والتنعم بلذائذ الدنيا؛ لأنه كان ذا عقلية سليمة؛ وضع منذ اللحظة الأولى مشاريع وخططًا عظيمة؛ فأثرت أحاديثه وكتاباته في جموع الناس، كتب في عهد المشروطية كتابه المسمى “السنوحات”؛ والذي تحدّث فيه عن القلاقل والاضطرابات الواقعة في تلك الفترة، ووضع في هذا المؤلَّف أيضًا كثيرًا من القواعد التي يمكن الإفادة منها في حلّ المشكلات، كما أبدع في كتابته لمؤلفه “المحاكمات” حتى أبهرَ علماء عصره، وطوّف بالأناضول، وأقنع العشائر التي تتحيّن الفرصة للتمرّد بالعدول عن فكرتها، وألقى خطابات في الميادين تهدِّئ من روع الفرق المتمرّدة، كان صاحب شجاعة وجرأةٍ جعلته يصيح بأعلى صوته بعد أن حوكم في المحكمة العسكرية: “تحيا جهنمُ للظالمين”؛ معلنًا أنه لن يُعرِض مطلقًا عن أفكاره ومشاعره.

فلو كان يفكّر قليلًا في الدنيا ودارى مَن حوله لعاش حياته في بُلهنيةٍ ورفاهية، ولو حاز على مقعدٍ في البرلمان في السنوات التالية لحرب الاستقلال، فجلس في صمتٍ وسكونٍ غير متطلّع إلى شيءٍ لَلاقى مزيدًا من الشكر والتقدير، ولخُصّص له جزءٌ من المخصّصات السرّيّة، وعُرض عليه كغيره الحدائق والبساتين والشاليهات والفيلات، ولكان بإمكانه أن ينعم بحياةٍ ناعمةٍ مرفّهة، وأن يعيش حياته الدنيوية في رغدٍ وراحة بال، لكنه دفع كلّ هذا بظهر يده في سبيل دعواه، وابتغى حياةً لا تُطاق من أجل سلامة إيمان غيره.

ما معنى التضحية بالآخرة؟

من جانبٍ آخر ذكر الأستاذ النورسي أنه قد ضحى حتى بآخرته في سبيل تحقيق سلامة إيمان المجتمع، فلم يفكّر حتى في نفسه؛ بمعنى أنه لم يلجأ لتقوية صلته بربّه سبحانه وتعالى إلى حياة الانزواء والمجاهدة ورياضة النفس، ورقيّها معنويًّا، وانفتاحها على آفاق الذوق الروحاني؛ ومن ثم تظهر على يديه الكرامات، ويحظى بإجلال وتقدير من حوله، وكما لم يبتغ عرضًا من أعراض الدنيا لم يتشوّف إلى أيّ جزاءٍ أخرويّ؛ لأنّه جعل غايته المثلى الوحيدة هي سلامة إيمان الأمة.

ولكن ألم يكن له في الله أيّ مطمعٍ أخروي؟ كان له بالتأكيد، ولكنه كان يتشوّف إلى ذلك بفضلٍ من الله وكرمه ورحمته.

وهنا أريد أن أنبّه إلى أنّ الأستاذ النورسي رحمه الله وأمثاله من العظماء الذين كانوا يتبنّون المنهج الفكريّ نفسه قد تكاملوا مع أمّتهم حتى أصبحوا جزءًا من بنيتها الأساسيّة العامة، لقد صاروا وكأنهم خليّة من الخلايا العصبية القابعة في هذه البنية؛ ولذا كانوا يشعرون -بعمقٍ- بما يصيب هذه البنية من خيرٍ أو شرّ، ويتأثّرون بشكلٍ بالغ بهذا، وهناك قولٌ يُعزى إلى سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه فحواه “اللهم كبِّر جسدي لأملأ جهنّم بمفردي”، ولقد كان الأستاذ النورسي أيضًا يقول: “إن رأيتُ إيمان أمتنا في خيرٍ وسلامٍ فإنني أرضى أن أُحرق في لهيب جهنم دونها”.

لكن من المتعذّر أن يَفهم هذا الكلامَ بمعناه الحقيقي شخصٌ ليس له من رحابة الصدر كما للأستاذ النورسي. أجل، حتى يستوعب الإنسان هذا الأفق من التضحية عليه أن يشعر بما يصيب غيرَه الآن من عذابٍ محقّق وما سينزل به من عذابٍ مقدّرٍ أو محتمَلٍ فيما بعد وكأن نارًا تضطرم في داخله، وهذا منوطٌ بأن يكون الإنسان ذا صدرٍ رحبٍ يحتضن كلَّ البشرية، وإذا شئتم فأطلقوا على هذا “الضميرَ العالمي”، فمَن يحملون هذا الضمير يفرحون لسعادة غيرهم ويحزنون لأتراحهم، فأينما نزلت النارُ بأي بقعةٍ في العالم أحرقتهم؛ لأن صدورهم تكتوي بلهيب هذه النار.

ولذا فإنه ليس بوسعِ أشخاصٍ عاديّين أمثالنا -وإن لم نقل هذا بالنسبة للجميع- أن يفهموا هذه الآراء والملاحظات الواسعة تمام الفهم؛ فنحن وإن استطعنا أن نُحسَّ بقدرٍ معيّنٍ بآلام أطفالنا وأزواجنا وأصدقائنا -إن وجدت- إلا أننا لا نمتلك صدرًا واسعًا بمقدوره أن يحتضن الإنسانية جمعاء، ولأننا لم ننفتح على أفقٍ معرفيّ كهذا ولا سعةٍ وجدانيّةٍ كتلك فإننا نعاني كثيرًا في فهم مدى الهموم التي أَضْنَتْ وأرهقت أولئك الأشخاصَ العظامَ.

لقد أتوا ذات مرّة بشخص -كنت أعرفه من قبل- إلى أحد دروس الأستاذ “يَشَارْ طُونَاكُورْ (Yaşar Tunagür)”، وقد تحدث المرحوم في وعظه هذه المرة أيضًا -كعادته- بشوقٍ عميقٍ ودموعٍ مدرارة، وفي حين كنت أحسب أن هذا الضيفَ تأثّر بهذا؛ إذ سمعته يقول: “لماذا ينتحبُ هذا الرجل على نحوٍ سيّءٍ هكذا!” فأخذتني الحيرة وحزنتُ حزنًا شديدًا؛ إذ كنتُ أرى أمامي فكرًا فظًّا محرومًا من قدرة ومَلَكَةِ الفهم والحس في جانب، وفي جانبٍ آخر: وجدانًا وضميرًا رحبًا يمثّل نموذجًا للرقّة التي تنساب خارجه، وإنّ فهمَ ما يشعر ويحسّ به وجدانٌ رحبٌ فسيحٌ على هذا النحو مرهونٌ بمشاركته ذات الأفق الذي يُحلّق فيه.

ضرورة تقديم حقوق الله على كلّ شيء

لم تفكّر القمم -من أمثال الشيخ الجيلاني والإمام الغزالي والإمام الرباني وبديع الزمان- في نفسها فقط؛ نظرًا لأنهم اهتمّوا بدائرةٍ واسعةٍ جدًّا واعتنوا بمجال فسيح للغاية، أما من نالوا سعادة التعرُّف على مثل هذه الشخصيات البارزة فينبغي لهم أيضًا أن يركضوا ويسارعوا طلبًا للمشاركة في أفق التضحية عينه. أجل، إن الأرواح التي نذرت نفسها للحقّ ينبغي لها ألا تلهث وراء أفكار دنيوية من قبيل الصعود إلى قمم الجبال صيفًا، والنزول إلى السفوح والبيوت الساحلية شتاءً بغيَة التلذُّذ والتمتّع، عليهم أن يركلوا بأطراف أقدامهم مثل هذه الأفكار التي قد تخطر ببالهم، بل تجب عليهم -إلى جانب هذا- التضحية بالفيوضات المعنويّة التي منها إظهار الكرامات والكشف واستقراء بواطن الناس والتجوّل في الملاحظات والآراء الميتافيزيقية والتحليق سويًّا مع الروحانيّين، وعليهم أن ينذروا أنفسهم لإنقاذ إيمان الأمة فحسب، أما في مواجهة أحاسيس هذا النوع من الفيوضات الإلهية التي تتحقّق دون طلبها فينبغي أن ينتابهم القلق ولسان حالهم: “تُرَى أيمتحنني الله تعالى بهذا؟” ويجب أن يكون موقفهم على نحو: “اللهم إن كان كلّ واحدٍ من هذه الأمور ليس “استدراجًا”، بل لطفًا منك؛ فلك الحمد، إلا أنني لا أطلبها”، إنّ فهمًا قويًّا حذِرًا على هذا النحو يعني في الأساس تقديم حقوق الله على كلّ شيءٍ دائمًا.

وهنا قد يكون من النافع لفتُ الانتباه إلى نقطة ربما يُساءُ فهمُها: إن تضحية الإنسان بآخرته أو التضحية بالفيوضات المعنوية لا تعني إهمال العبادة والطاعة والأوراد والأذكار أو تركها، بل إن الأمر على العكس من ذلك؛ إذ إن المستهدفَ -إلى جانب ضرورة الوفاء بها على أكمل وجه وأتمه- ليس الكشف والكرامة، ولا المتع ولا الملذات الروحانيّة، وإنما وفاء الإنسان بوظيفة العبودية، وإشعاره الآخرين بطعم ولذّة ما ذاقه وأحسّ به، كما أنه يستحيل على الفرد الذي لا يحمي إيمانه ويصونه بالعبادة والطاعة والأوراد والأذكار أن يُنقذ إيمان غيره.

أما الأمر الأخير في هذا الشأن فيمكنني أن أقول: إن تجاهل الإنسان نفسه وعدم تفكيره فيها واهتمامه الدائم بمشاعر وأحاسيس إحياء الأنفس، وذكره الله تعالى دائمًا، وقضاءه ليله مفكّرًا في الإنسانيّة؛ كلّ هذه من أوصاف الأنبياء، وفي حين أن الناس يصنفون في الآخرة وفقًا لفئات معيّنة فإن من يعانون ويكابدون في سبيل الله والدين والإيمان والقرآن والإنسانية يُحشرون مع النبيّن بإذن الله تعالى، ولهذا فلا بدّ من إعلاء الهمم، ونبذ مشاعر العيش الأناني، والسعي دومًا في سبيل مثالية الإحياء والإعاشة.

 

[1] بديع الزمان سعيد النورسي: سيرة ذاتية، ص 491.

 

النوابغ وانكشاف القابليّات

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: يرد مصطلح النوابغ في مؤلّفاتكم ودروسكم، فما المقصود بهذا المصطلح؟ وما الأمور التي لا بدّ من مراعاتها من أجل انكشاف قابليّات مثل هؤلاء الناس؟

الجواب: يُقصد بالنوابغ هذه العقول التي تسعى إلى فهم الأشياء والأحداث والكون والإنسان والمجتمع والعصر الذي يعيشون فيه، وتبذل وسعَها لنقل هذه المعلومات النظرية التي فهمتها إلى الواقع المعيش؛ وفي هذا السبيل تفكِّرُ وتدقق وتبحث باستمرار، ولما كان يدفع هؤلاء عشقُ الحقيقة وحبُّ العلم والولعُ بالبحث استطاعوا أن يحلوا -بفضل من الله وعنايته- المشاكلَ التي انكبّوا على حلّها، وأن يُحرزوا الكثير من النجاحات، وأن يكونوا وسيلةً لإنارة المجتمع الذي يعيشون فيه.

القابليات وسيلة امتحان

غير أنّ مَن أحرزوا مثل هذا المستوى يتعرّضون لمخاطر جدّية، فمثلًا يُداخلهم وَهمٌ بأنهم متميّزون عن غيرهم، فيعتقدون -اعتمادًا على قدراتهم ومهاراتهم- أنّ باستطاعتهم حلَّ جميع المشاكل التي يقابلونها والتغلّب عليها بذكائهم وقابلياتهم، وبسبب هذه الحالة يستبدون برأيهم، أو يتعاملون بخشونة وغلظة واستغناءٍ مع الأفكار والمقترحات الأخرى لأنهم يرغبون في التأكيد على عِظم أفضليتهم؛ بمعنى آخر: فإن انفتاح هؤلاء أكثر من غيرهم على آفاق عالية في بعض المسائل قد يجعلهم ينظرون إلى غيرهم باستعلاء ويستخفون بآراء غيرهم، بل إنهم ربما يُنمّون في أنفسهم صفة التمرّد، ويلجؤون إلى الاعتراض على الفور، حتى وإن طُرحت عليهم أفكارٌ عقلانية ناشئة عن تفكّرٍ عميق، وينسون أن الحقّ يعلو ولا يُعلى عليه.

والحق أن مثل هذه الانحرافات ناجمةٌ عن قصورٍ في التربية، فالمعلّمون قديمًا كانوا مربّين حقيقيّن في الوقت ذاته؛ بمعنى أنهم كانوا قدوةً حسنة لمَن حولهم في جلوسهم ونهوضهم ووقوفهم واعتقاداتهم وأفكارهم ورؤاهم العامة؛ كانوا يربونهم بلسان حالهم، ولكن من الصعب جدًّا أن نقول: إن التعليم في النظام التعليمي اليوم يسير مع التربية كفرسَي رهان، وهذا الحال لا يمكن أن يجبر القصور في التربية حتى وإن كان التعليم في مستوى متقدِّم عنها، فالتربية تعني الارتقاء بالإنسان العادي إلى الإنسانية الحقّة، فعلى المربين المثاليّين أن يكونوا على مستوى يستطيعون من خلاله إقامة صرح إنسانيٍّ وكأنهم نحّاتون مهرة، فإن لم يَتَتَلْمَذ النوابغ على أيدي مربّين جيّدين ولم يخضعوا لتأثيرهم فمن الصعب جدًّا أن ينسلخوا عن فكرة “أنا أعلم الناس”، أو استيعاب فكرة الاستفادة من الآخرين.

المقهورون تحت الأنانية

وقد حدّثْتكم من قبل في مناسباتٍ شتى عن موقفٍ لبطلٍ من الأبطال الذين يشلكون الرعيل الأول؛ ممّن قاموا -طوال حياتهم- بخدمة الأستاذ النورسي رحمه الله رحمة واسعة، كيف أنّه في مجلسٍ ما خالفَ أحدهم رأي هذا البطل الكريم، فقال له والابتسامة تعلو شفتيه “حقًّا يا أخي، ربّما يكون الحقّ معك”؛ وذلك لأنه أدرك أن مخاطبه ليس في حالةٍ روحيّةٍ تسمح له بالاعتراف بالحقيقة وفهمِ ما يُقال، ولكن لما شاهد المعترض بعد مدّةٍ فساد رأيه في عديدٍ من المواطن جاء إلى هذا الرجل العظيم وقال له هذه المرة: “سيدي، لقد أخطأتُ الرأي، فلقد كان الحقّ معك في ذلك اليوم”، وإذ بهذا السيد الكبير يقول له دون أن يغيّر من طوره: “لا ضيرَ يا أخي لا ضير”.

ولقد قابلت أنا أيضًا مثل هذه الحادثة كثيرًا، غير أنني في كلّ مرّةٍ كنت أتجاوزها، لأن مثل هؤلاء الناس يظنون أن عقولهم قد بلغت كلّ مسألة، فيعترضون على كل شيء، ففي هذه الحالة عليكم أن تتركوا المسألة للوقت، حتى لا تتفاقم المشكلة، وينفضّ الناس من حولكم، والتاريخ حافلٌ بكثيرٍ من هذه الأمثلة المريرة، على سبيل المثال “هتلر”، كان يتمتّع بشيءٍ من المهارات، ممّا دفعه إلى الإعراض عن الدخول في قالب معين أو إلقاء السمع لأيّ نصيحة؛ لأن مرض الاستعلاء قد استولى عليه، وفي النهاية عرّض أمةً عظيمةً للهزيمة في سبيل مجازفة من مجازفاته، وما زال شعبه يلعنه حتى يومنا هذا.

تنشئة النوابغ يتطلّب اهتمامًا خاصًا

إن السبيل الوحيد لحماية الناس من مثل هذه الصفة التمردية الخاطئة هو ضمان امتثالهم للمجتمع عبر تربيتهم وتأهيلهم؛ إذ ينبغي بيانُ أهمية الوفاق والاتفاق لهم باستخدام أساليب ومناهج متنوعة عبر إيجادِ وسيلة ملائمة لذلك، ومن الضروي القول: إن مزيدَ عناية الحق تعالى ورعايته مرتبطٌ بهذا الأمر، ولا بدّ من التأكيد على أنّه من الفضيلةِ أن يتخلّى الإنسان عن فكره الشخصي -مهما كان دقيقًا وصائبًا- حفاظًا منه على التناغم والانسجام العام.

ومع ذلك فإن تركَ مثل أولئك الناس يعيشون مع أخطائهم الخاصّة بهم في مسائلهم الشخصية التي لا تتعلّق بحقوق العامة؛ قد يكون -في بعض الأحيان- سبيلًا مفيدًا من أجل تربيتهم؛ فليتمادوا بقدر ما يستطيعون، وليتخبّطوا ثم ليرجعوا إلى أنفسهم فيقولون: “لقد كنتم على صوابٍ!” وذلك لأن ضمان إدراك الأشخاص أخطاءهم بإرادتهم الشخصية والحرّة أمرٌ مهمٌّ جدًّا في تربية الإنسان وتنشئته.

والإنسان حين يرى إنسانًا قديرًا كفؤًا يُفني عمره في سبيل أنانيته لاهِثًا وراء الأهواء والنزوات يعجز ألا يتحسّر عليه ويقول بشأنه: “ليته!..” ليت الأشخاص العوالي الهمم، المدركة عقولهم مختلف المسائل، القادرين على حلّ المشكلات، الشجعان المقدامين -ليتهم- يستخدمون قواهم وقدراتهم وملكاتهم ومواهبهم هذه من أجل إعلاء شأن الدين الإسلامي المبين، وفي سبيل بيان ثقافتنا الأمميّة بدلًا من السعي إلى إثبات النفس والاعتراض على هذا وذاك؛ ذلك لأن النوابغ التي تستخدم ما وهبها الله تعالى من قدرات ومواهب بشكلٍ متلائمٍ مع الهيئة التي تتواجد فيها في سبيل الوصول إلى غايةٍ ساميةٍ؛ بوسعها أن تتسبّب في إنجاز عديدٍ من الأعمال والأنشطة النافعة.

ومن ثم فإنّ مسؤوليّةً كبيرة تقع على عاتق الأشخاص والأفراد الذين يدفعونهم ويتولّون أمرهم. أجل، ينبغي لمن هم في موقع الإدارة أن يبذلوا جهدًا حقيقيًّا وكبيرًا بغيةَ اكتساب هذه النوعية من الناس، وضمان عملهم على نحوٍ يتلاءم مع المجتمع الذي يعيشون فيه، والاستفادة من مواهبهم بهذه الطريقة؛ فإن كان هؤلاء الأفراد الأفذاذ سيضطلعون بعمل عشرة أشخاص وجبَ على المسؤولين القائمين على أمرهم أن يخصّصوا لهم من الوقت والجهد ما يخصّصونه لعشرة أشخاص -إن لزم الأمر-؛ فقد بذل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم جهدًا حقيقيًّا وعظيمًا -كما هو معلوم- كي يَدخُلَ الإسلامَ أصحابُ القدرات والمؤهّلات الفريدة من أمثال خالد بن الوليد وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة؛ فصقل رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه النوعية من المواهب والكفاءات التي كانت ذات مكانةٍ مرموقةٍ في المجتمع الجاهلي وعجنها وأولاها اهتمامًا خاصًّا، ثم ترك أمرها للدين، وبالطبع فقد صار كل واحدٍ من سادتنا الصحابة هؤلاء وسيلةً في تحقّق الكثير من الخدمات العظيمة الجليلة بالنسبة للإسلام.

وإذا نظرتم إلى التاريخ العثمانيّ وجدتم أن السلاطين العثمانيّين كانوا إذا ما اكتشفوا صاحب موهبةٍ عبقريّةٍ سارعوا وسعوا من أجل اكتسابه والفوز به؛ وقد اكتشف إداريُّو ذلك العصر بفضل فراستهم وحدسهم المواهبَ وشجعوها حتى وإن كانت من ثقافاتٍ وأديان مختلفة، وبحثوا عن الطرق والسبل المؤدية إلى الفوز بهم، وفي ظلّ هذا دخل الإسلامَ أمثال “زاغنوس (Zağanos)” و”أفرنوس (Evrenos)” و”غازي ميخال (Gazi Mihal)” و”المعمار سنان (Mimar Sinan)” و”صوقوللو (Sokullu)” -جزاهم الله خير الجزاء-، ودخلوا تحت إمرة الدولة العثمانية، وخدموا الإنسانية طيلة عمرهم؛ فكان من بين هؤلاء القائد والصدر الأعظم -رئيس الوزراء في عصرنا- والمعماري، فأدّوا خدمات نافعةً ومفيدة جدًّا لأمتنا.

 ومن الواجب البحث -دون إفراطٍ ولا تفريطٍ- عن طرق اكتساب النوابغ باسترضائها وتشجيعها والاحتفاء بها ومكافأتها بشكل مناسب؛ إذ إن التصرّف على هذا النحو خلقٌ إلهيٌّ في الأساس؛ لأننا نشاهد في شؤون الله الجليلة أنه لا يترك جلّ جلاله أيَّ نجاحٍ دون أن يكافئ ويثيب عليه، وما يلزم القيام به من هذه الناحية هو مكافأة وتقدير النوابغ من أجل اكتشاف المواهب والنوابغ المختلفة من جانب، وإثارة مشاعر وفكرة نفع البشرية في أرواحها من جانبٍ آخر.

 

تنظيم الوقت وحياتنا الأسرية

Herkul-ARB | | العربية

 

سؤال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلَ دعوةٍ ودولة، وفي الوقت ذاته أبًا وزوجًا وأقربَ صاحبٍ لأصحابه، ومع ذلك كان ينظّم وقته ولا يخلّ بأيّ حقٍّ لهؤلاء، وعلى ذلك فما الذي يجب على ذوي الغايات السامية أن يراعوه عند تنظيم أوقاتهم حتى يقيموا توازنًا بين الحقوق التي عليهم؟

الجواب: تنظيم الوقت يعني النظرَ بعين الاعتبار إلى جميع الأمور التي ينبغي القيام بها، وتحديدَ أولوِيّاتها، وتخطيطَ الحياة وفقًا لذلك، ويدخل ضمن هذا التخطيط أيضًا؛ حياتُنا التعبّدية مثل الصلاة والذكر والدعاء، فضلًا عن المسؤوليّات التي يجب علينا القيام بها تجاه مَن نحن متكفّلون برعايتهم كالأسرة والأولاد وغير ذلك.

فمثلًا المؤمن لا يترك قيام الليل بحجّة الخدمة، بل يجب عليه ألا يفعل ذلك. أجل، يجب على القلب المؤمن أن يأخذ نصيبه من قيام الليل، ولو بصلاة ركعتين، فالواقع أن الإنسان الذي يستيقظ ليلًا ويخصص مابين عَشر دقائق إلى خمس عشرة دقيقة من وقته لصلاة التهجد والدعاء لا يخسر شيئًا ألبتّة من حياة الخدمة، بل على العكس يفوز بأشياء كثيرة؛ لأن مَن يُحسن استغلال ليله يسلُك طريقَ الانبعاث، والتهجد ليلًا أمرٌ يُباهي الله به ساكني الملأ الأعلى، والدعاء في هذه الأوقات من الليل لا يُقارن بغيره من الأدعية، وكذلك فإن وضع الجباه على الأرض، والوصال مع سجادة الصلاة، والخضوع والتذلّل لله تبارك وتعالى، وسكب العبرات وسط هذا الصمت الرهيب الذي يمتاز به الليل البهيم لهو أمرٌ عظيم لا يمكن مقارنته بالعبادات التي تُؤدَّى في الأوقات الأخرى، من أجل ذلك علينا ألا نتغافل عن قيام الليل عند تنظيم يومنا.

“أعط ِكلَّ ذي حقٍّ حقّه”

وكما يجب على الإنسان ألا يُعرِض عن العبادات التي تغذّي حياته القلبية والروحيّة فعليه أيضًا أن ينظر بعين الاعتبار إلى الحقوق العامة في حياته الاجتماعية، ويضع لها ترتيبًا على قدر أعبائها، ولا يعزب عن عِلمكم ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة الذين أهملوا ذويهم ليتفرّغوا لعبادة ربّهم: “إن لربك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، فأعط كلّ ذي حقٍّ حقّه”[1].

وكما رأينا يشير الحديث إلى أنه من الضروريّ ألا يتسبب الانشغال حتى بالعبادة إلى إهمال الإنسان للحقوق التي عليه مثل حقّ نفسه، وحقّ زوجته، وحقّ أبنائه… إلخ.

وكما تعطي مسألة تخصيص خمسة أوقات للصلاة دروسًا مهمّةً للمؤمنين في تنظيم الوقت، كذلك فإن الآيات الكريمة التي تتحدّث عن حكمة خلق الليل والنهار تمدّهم ببعض المعطيات في هذا الشأن، فمثلًا يقول ربّنا تبارك وتعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (سُورَةُ القَصَصِ: 73/28).

فهذه الآية الكريمة وما شابهها ترشد المؤمنين إلى موضوع تنظيم الوقت، وتقول لهم: إن نظّمتم أوقاتكم، وأدّيتم نهارًا ما عليكم أن تقوموا به نهارًا، وأدّيتم ليلًا ما عليكم أن تقوموا به ليلًا، فُزْتم من الليل ببعدٍ آخر، ومن النهار بأفقٍ مختلف وتخلّصتمْ من التشوّش والاضطراب في حياتكم، وما تعثّرتم بالعقبات الناشئة عن الفوضى والعشوائيّة، ونعمتم بحياةٍ أكثر بركةً ونماءً.

تخطيط الأربع والعشرين ساعة

فإن كنتم تنشدون من وراء تنظيم أوقاتكم أن تكون أوقاتكم أكثر بركةً وتنظيمًا فعليكم أن تضعوا جدولًا لكل ساعات اليوم الأربع والعشرين، فإن فعلتم ذلك استطعتم أن تحدّدوا بشكلٍ واضحٍ أيَّ الأعمال التي ينبغي لكم القيام بها في أيّ ساعات اليوم؛ بدءًا من الالتقاء بالأصدقاء حول الحديث عن ذكر الحبيب إلى قراءة الكتاب، ومن ترتيب الغرفة إلى الانشغال بالذكر والأوراد، ومن التشاور مع الأهل في بعض المسائل إلى وقت الاستراحة، بل قد تدخل ضمنَ هذا التنظيم الفترة التي قد تخصّصونها للجلوس وشرب الشاي وتناول الطعام، فمثلًا إن كانت عشرون دقيقة تكفي لتناول الطعام فلا بدّ من الاكتفاء بها، وألا نضيّع أوقاتنا في الكلام الفارغ بعد الطعام، بل ينبغي أن نقتطع أوقاتًا احتياطيّة من الأربع وعشرين ساعة حتى لا تخلّ الأشغال التي قد تطرأ بعد ذلك ببرنامجنا.

فإن نظّمنا أعمالنا بكلّ فروعها وأصولها على هذا النحو المفصّل ازداد الوقت بركةً، وحصد الإنسان ثمرة أعماله أضعافًا؛ لأن الحياة إن نُظّمت صار الإنسان منظّمًا في وقته، وتعوّد على العمل في إطار برنامجٍ معين، وبهذا الحافز المعنويّ يستطيع القيام بأعماله في يسرٍ وسهولة.

ولا يُفهم من كلامي أن مثل هذا النمط الحياتي يعني آليّةَ الإنسان، بل يعني أن يكون الإنسان منظّمًا وأن تجري حياته في نظامٍ وانضباط، والإنسان المنظّم لا يعيش خواء في عباداته وطاعاته، ولا يُهمل ذكره وأوراده، ولا يُقصِّر في المهام التي تقع على عاتقه، ولا يُخلّ بحقوق أفراد أسرته.

إقناع من يسيرون معنا في نفس الطريق

وهنا مسألةٌ مهمّةٌ لا بدّ من الالتفات إليها عند تنظيم الوقت: يجب على الإنسان أن يفاتح الذين يشاركونه حياته في مسألة تنظيم الوقت التي يعتزم تطبيقها، وأن يستفيد من آرائهم وأفكارهم، وبعد ذلك يحدّثهم عن أهمّيّة الوظائف التي عليه أن يقوم بها، وأن يقنعهم عقلًا وقلبًا بها؛ بمعنى أن على الإنسان أن يحاول إقناعهم قدر المستطاع بما علينا من حقوقٍ لله والدّين والقرآن؛ إلى جانب حقوق الزوجة والأولاد والوالدين، ولا بدّ أن يعطي كلّ ذي حقٍّ حقّه، فإن توصل مع مَنْ يشاركونه نفس البيت إلى اتّفاقٍ في هذه المسألة استطاع القيام بعمله براحةٍ أكبر وسهولة أرحب، دون أن تعترضه أيّ كلمةٍ أو تصرُّفٍ سلبيٍّ ممّن حوله.

 تصوّروا إنسانًا أقنع نفسه بضرورة استغلال معظم وقته في سبيل إعلاء كلمة الله، وآمن بهذا يقينًا، فهذا الإنسان تشرّبَ هذه الوظيفة وجعلها جزءًا من طبيعته؛ حتى إنه يقوم بها باذلًا في سبيلها شتى التضحيات دون تردّد، لكن إن لم يعلم من يشاركونه حياته عظم حقّ الله تعالى وأهميّة رفع راية دينه في كلّ أنحاء العالم وأن هذا الدين أمانة وعليه أن يكون في شد معنوي دائمٍ إزاء هذه الأمانة، وإن جهل الآخرون أيضًا الأهمية الحياتية من ترميم تلك القلعة التي تنخر فيها عوامل الضعف منذ عصورٍ فلن يرغبوا في السير معه في الطريق نفسه، ولذلك على الإنسان أن يبذل جهدًا أكبر حتى يسلك معه الآخرون الطريق نفسه، وهذ يجعل الإنسان يُصاب بالنصب والتعب بعد مدّة.

بيد أنه إن قدر على أن يُقنع مَن يشاركونه حياته بالعقيدة والغاية المثلى التي يتبنّاها، ويتنسّم معهم الفكرة والشعور نفسه، ويبثّ في قلوبهم شعور رعاية الخدمات التي يقوم بها؛ فلا شكّ أن هذا الأمر سيساعده بشكلٍ جدّيٍّ في تيسير أمره وتنظيم أموره، بل إنه لو قصّر يومًا في أداء مهامه التي عليه أن يقوم بها كأن لم يحضر إلى اجتماعٍ كان عليه أن يحضره أو أنه لم يشارك في برنامجٍ للقراءة كان عليه المشاركة فيه؛ فإنّ أوّلَ ردِّ فعلٍ سيلقاه؛ سيصدُرُ من هؤلاء الذين يشاركونه الحياة، وسيكون هذا عنصرًا محفّزًا بالنسبة له.

فإن حدث خلاف ذلك -بأن لم تكن لدى زوجته أو أولاده أو مَن يعيشون معه دراية بتنظيم الوقت الذي يخطّط له- فلا مفرّ من وقوع بعض الاختلافات في الفكر والشعور بعد فترة، وسيتسبّب هذا في انقطاع العناية الإلهية؛ لأن توفيق الله ينشأ عن الوفاق والاتّفاق، فلو كنتم تريدون أن تحظوا بتوفيق الله وعنايته فعليكم أن تحرصوا على الوفاق والاتفاق فيما بينكم أوّلًا، أيًّا كانت الدائرة التي تعملون في إطارها.

التبرّع بالوقت

الموضوع الآخر الواجب الوقوف عليه هنا هو: مدّة الوقت المخصّص لما سننجزه من أعمال في سبيل غاية سامية؛ إذ إن العمل الذي يَضطلع به -لأجل تحقيق مثالية معيّنة- إنسانٌ يخصّص حوالي سبع أو ثماني ساعاتٍ فحسب من يومه بمنطق الموظّف أو العامل سيكون محدودًا بسبب ضيق ذلك المنطق، فإن تولّى الإنسان مسؤولية بضعة أعمال في سبيل غاية سامية، وكان الوقت اللازم لإنجازها يتراوح ما بين ثلاث عشرة إلى خمس عشرة ساعة؛ انبغى له أن يسعى للوفاء بهذا عبر تنظيمِهِ وقتَه تنظيمًا جيّدًا؛ أي إنه يجب عليه أن يُنفق وقتَه في سبيل الله تعالى بقدر ما يستطيع دون أن يُضيّع ولو ثانيةً واحدة هباءً من جانبٍ، ويجتهد من جانبٍ آخر للاستفادة من وقته هذا على نحوٍ أفضل من خلال تنظيمه أعماله وترتيبِه إيّاها أيضًا.

ولاسيّما إن كان الأمر المطروح في يومنا هذا هو إعمارُ قلعة معنوية تضرّرت عبرَ عصور طويلة؛ فإنّ مَن نذورا أنفسَهم لخدمة القرآن والإيمان مطالَبون بتقديم تضحيات أكثر ممّا كان حتى الآن، وأن يتحرّكوا بحذرٍ وحساسيّةٍ أكثر في هذا الشأن، ولتحقيقِ ذلك فهم يستطيعون “التبرّعَ بالوقت” فيما بينهم، فمثلًا يعلن أحدهم أنه سيخصّص وسيتبرع باثنتي عشرة ساعة من يومه في خدمة أمته، بينما آخر يتنكّب مسؤوليّة عملٍ مدّته ثلاث عشرة ساعة، وثالثٌ يعِد بأن يعمل في سبيل الله تعالى أربع عشرة ساعة، والحاصل أن الجميع يسعى ويجتهد للاستفادة من الوقت وتنظيمه في إطار الخدمة بالتبرع من وقته بعددٍ معيّنٍ من الساعات، وهذا هو مفهوم العمل الذي يقع على عاتق المسلم الحقّ، فإن كان مفهوم العمل لا يعني هذا في يومنا؛ فهذا يعني جهلًا بهذا الجانب من الإسلام.

وإن كان البعض لا يتبرّع -رغم ما لديه من إمكانيات- بالوقت بالقدر المأمول منه؛ فهذا يعني وجود حاجةٍ إلى إقناع العقول في هذا الشأن؛ إذ من المهمّ جدًّا تحقيق التطابق والتوافق مع المخاطبين في هذا الموضوع، بيد أنه يلزم بعد تحقق مثل هذا النوع المرجوّ من التوافق ألا تُنتهك حقوق أيّ إنسان على الإطلاق، وعلى كل فرد أن يتصرّف بحساسيّةٍ شديدةٍ في الوفاء بما يقع على كاهله من مسؤوليات؛ فلا يتعدّى الأزواج على حقوق بعضهم، ولا يلحقنَّ الضرر بحقوق الأُسرِ، ولا يقعنَّ أي نوعٍ من الظلم بين الرئيس والمرؤوس، ولا تنتهكنَّ ما في مقر العمل من مسؤوليّات.

وإلا فإننا إن كنّا نفهم من الحديث عن العمل التحرُّكَ وفقًا لمنطق الموظّف فيكون التراخي بعد أن نعمل سبع أو ثماني ساعات، والاهتمام بالمأكل والمشرب، والتجوّل كيفما يحلو لنا، وارتياد المقاهي -مأوى الكسالى وذوي الهمم الضعيفة- واللعب والمشاركة في مجموعة من الأنشطة البدنية والشيطانية فهذا يعني أننا نسيء فهم القضية، ومن يتحرّك بهذه العقلية يستحيل عليه أن يُنجِز ولو حتى عُشْرَ الأعمال الواجب القيام بها خدمةً للإنسانية في يومنا، بل إن الإنسان الذي يتبنّى فهمًا سقيمًا للعمل كهذا الفهم لن يتورّع عن الخروج في عطلةٍ خلال أكثر الأوقات حاجةً إليه، والاستئذان حين يجب القيام بأعمال وشؤون مهمّة جدًّا، وهكذا يُعرقل الأعمال الضرورية الواجبة الأداء.

أما مفهوم ساعات العمل بالنسبة لأهل الخدمة فليس على هذا المنوال؛ فهم يسعون قطعًا للوفاء بالمسؤولية التي تحمّلوها على عاتقهم في سبيل خدمة الحقّ، ولا يتركون عملًا بدؤوه دون أن يُتمُّوه، وإن حدث تقصيرٌ منهم في أثناء وفائهم بتلك المسؤولية في حقّ أزواجهم وأبنائهم وعائلاتهم سعوا لتلافيه وإصلاحه، وعملوا على ترضية وتطييب خاطر من يظنّون أنهم أخلوا بحقّهم؛ فيقابلونهم بباقة زهرٍ مثلًا، ويبيّنون لهم سبب تأخّرهم، ثم يَفُونَ لهم بما قطعوه على أنفسهم من وعدٍ في أقرب فرصة، ويصلحون الأخطاء وأوجه الإهمال اللاإرادية.

وهنا يتوجّب على الأزواج التسامح فيما بينهم في مواجهة ما قد يحدث من تأخيرٍ بسبب عملٍ لا بدّ من إنجازه، ويجب ألا يُنسى أصلًا أن الساعات والدقائق بل وحتى الثواني التي تمرّ في فترة انتظارٍ كهذه هي في حكم العبادة بالنسبة للمنتظرين؛ لأن انتظارًا على هذا النحو يُعدُّ تضحيةً حقيقيةً، وكل واحد من الزوجين في حاجةٍ إلى الآخر؛ فهناك قضايا وأمور معيّنة يجب عليه أن يتقاسمها ويتدارسَها مع رفيق حياته، وهكذا فإن ثواني يقضيها إنسان ينتظر رفيق حياته المناضل المجاهد في سبيل الخدمة، -وهو في حاجة إليه- قد تُقبل دون أن يشعر هو كعبادة سنوات طويلة؛ ذلك لأن نيّةَ المؤمن خيرٌ من عمله[2]، وإن كان أحد الزوجين يسعى في الخير والآخرُ يدعمه معنويًّا ومادّيًّا نال كلاهما -بإذن الله تعالى- ثواب ذلك العمل الصالح.

 

[1] صحيح البخاري، الأدب، 86.

[2] انظر: الطبراني، المعجم الكبير، 185/6-186.

 

السلوك الإيماني في مكافحة الشرور

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ما السلوك الإيماني في مكافحة الجور والظلم؟

الجواب: جاء الدين الإسلامي برسالة العدل والتوازن ليضع نغمات وألحانًا عالميّةً إزاء كل إفراطٍ وتفريطٍ، وهو في مكافحته للشرور لا يرضى بالمسكنة والسلبية التي تقبل الظلم وتخضع له، ولا يسمح أيضًا -بحجة مكافحة الظلم- بأيّ عنفٍ أو تجاوزٍ قد يفضي إلى جور وظلم آخرين، إن المؤمن حصنٌ منيعٌ وساعدٌ لا ينثني يتصدّى للظلم عند اللزوم، ويبذل وسعه لإقامة الحقّ دون خوفٍ أو توانٍ، لكن سلوكه على العموم هو المحو والتواضع الجمّ والشفقة واللين والرحمة بالجميع.

فمثلًا على المؤمن -إذا ما قام الأعداء بالاعتداء على شرفه وكرامته ووطنه وبلده وحرّيّته ودولته- أن يكون كالساعد الذي لا يُصرع والرأس التي لا تخنع، ويؤدّي ما عليه على أكمل وجه، ولكن إن انتهت الحرب، وجنح العدو للسلم، فليجعلْ من نفسه رجلًا للحلم والسلم، ويجنح هو أيضًا للسلم، ويسعى إلى معايشة جماليّات الإسلام وإحيائها في جوّ السلم والسلام؛ لأن أمر القرآن الكريم صريح في هذا الشأن: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ (سُورَةُ الأَنْفَالِ: 61/8).

وفي آيةٍ أخرى يشير ربُّنا تبارك وتعالى إلى هذه الخصائص التي يتحلّى بها المؤمن، فيقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 54/5).

وهذا يعني أن المؤمنين يخفضون أجنحة التواضع لإخوانهم المؤمنين، ويعاملونهم بلينٍ وتواضعٍ إلى حدّ الذلة، ولكنهم مع ذلك أعزاءُ على الكافرين والجاحدين، لا يخضعون لهم ولا يتذلّلون، وما أجمل ما قاله الشاعر الإسلامي “محمد عاكف”:

فلا تظنّنّني وإن كنت لينًا     أنّـي خـروفٌ آنس

ربـمـا تُقطـع عنقي     لكنها لا تنقادُ أو تُساسُ

إنه إنسانٌ ونموذجٌ كامل في العزة والكرامة، ولكن ينبغي أن أنبّه مرّةً أخرى أنّه لا بدّ من تعيين الموضع الذي يُتّخذ فيه هذان الموقفان.

“ألَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ”

إن البطولة خصلةٌ جميلةٌ للغاية، ومَن الذي لم يُعجَب بشجاعة سيدنا خالد بن الوليد وبطولته؟! فلم يمض على إسلامه سوى بضعة أيام حتى دَهِشَ الجميع لبطولته.

فعن سالمٍ عن أبيه قال: “بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ إِلَى بَنِي جَذِيمَةَ، فَدَعَاهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ، فَلَمْ يُحْسِنُوا أَنْ يَقُولُوا: أَسْلَمْنَا، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: صَبَأْنَا صَبَأْنَا، فَجَعَلَ خَالِدٌ يَقْتُلُ مِنْهُمْ وَيَأْسِرُ، وَدَفَعَ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمٌ أَمَرَ خَالِدٌ أَنْ يَقْتُلَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَقْتُلُ أَسِيرِي، وَلَا يَقْتُلُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِي أَسِيرَهُ، حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْنَاهُ، فَرَفَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ، مَرَّتَيْنِ”[1].

وفي واقعةٍ مشابهةٍ يقول سيدنا أسامة بن زيد رضي الله عنهما: “بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً إِلَى الْحُرَقَاتِ فَنَذِرُوا بِنَا فَهَرَبُوا فَأَدْرَكْنَا رَجُلًا، فَلَمَّا غَشِينَاهُ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَضَرَبْنَاهُ حَتَّى قَتَلْنَاهُ فَذَكَرْتُهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَنْ لَكَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا قَالَهَا مَخَافَةَ السِّلَاحِ قَالَ: أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَالَهَا أَمْ لَا؟ مَنْ لَكَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَمَا زَالَ يَقُولُهَا حَتَّى وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أُسْلِمْ إِلَّا يَوْمَئِذٍ”[2].

ونفهم مما قاله سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هاتين الواقعتين أن على المسلم أن يتوخّى دستور العدل المطلق حتى في ساحة الحرب.

العقل والدبلوماسيّة بدلًا من القوّة الغاشمة

من جانبٍ آخر: على المؤمن أن يضع في اعتباره أن الأمر لا يُحلّ دائمًا بالسيف والمدفع والبندقية حتى في محاربة الأعداء، وإذا ما لجأنا إلى القوّة الغاشمة في حلّ المشكلة؛ فإنّنا بذلك نؤجّج مشاعر الحقد والكره لدى الآخرين، وننزِل الأعداء منزلةَ المظلومين، وبذلك نُكسِبُ عدوّنا أنصارًا له، وفي النهاية تتفاقمُ المشكلة القائمة، وتستعصي على الحلّ، بيدَ أنه من الممكن إحراز نتائج هائلة باللجوء في حلّ المشكلة إلى الدبلوماسية لا القوة الغاشمة.

فمثلًا إنني شخصيًّا أحبّ السلطان “ياووز سليم” -جعل الله الجنة مثواه- حبًّا جمًّا، وأعتبره في مقدّمة السلاطين العثمانيّين، مع استثناء واحد أو اثنين منهم، ولكنني لا أتمالك نفسي إلا أن أستفسر بمنطقي القاصر عن بعض إستراتيجياته العسكرية: كان السطان “ياووز سليم” رحمه الله قويًّا في نفسه، كما كان وراءه جيشٌ من السواعد التي لا تُصرع، إذا ما أمره قائلًا: “أقبلوا على الموت”؛ لم يتردّد أحدٌ منهم في تنفيذ أمره على الفور، كان في مواجهته دولةُ فتنةٍ أقامها الفرس على أطماعهم وأضغانهم، دولةٌ كانت تمثّل خطرًا حقيقيًّا على العالم الإسلامي، فأغار عليهم من أجل الحفاظ على وحدة الإسلام ونظام العالم، فكانت له الغلبة عليهم، ولكن يا تُرى أما كان بإمكانه أن يلجأ إلى الطرق العقلية والمنطقيّة والدبلوماسيّة بدلًا من استخدام القوة الغاشمة؛ حتى يحول دون انتشار بعض الفتن التي ما زالت آثارها إلى اليوم؟، هذه هي ملاحظتي حول هذا الموضوع، فإن أخطأت فإنني ألتمسُ العفوَ من هذه الروح العظيمة، وإن اقترفت ذنبًا فأدعو الله أن يغفر لي، ولكنني أعتبر أنه من الضروري التأكيد على أهمّيّة العقل والمنطق والمحاكمة العقليّة والدِّبلوماسيّة.

تأمّلوا، منذ سنوات ولا نستطيع أن نتخلّص من حوادث الإرهاب في بلدنا تركيا، منذ ثلاثين عامًا والمشاكل ما زالت قائمة رغم اللجوء إلى الشدة والعنف، يا ترى أما كان من الممكن اتّخاذ سبيلٍ آخر للحيلولة دون هذا الأمر؟ أما كان من الممكن حلّ المشكلة لو أننا نَفَذْنا بمعلّمينا ورجالِ شرطتنا وأئمةِ مساجدنا وأطبائنا وإداريّينا إلى قلوب هؤلاء الناس؟

أما كان من الممكن حلّ المشكلة لو أنّنا انفتحنا على عوالمهم الداخلية، ودللناهم على طريق المدرسة والجامعة بدلًا من دروب الجبال الوعرة، وأتحنا الفرص والإمكانيات حتى لا يطمحون إلى الأموال التي يغدقها عليهم الآخرون في كلّ المناسبات؟ وهذا هو ما يعني استخدام اللغة الدبلوماسية، فالقوة الغاشمة كثيرًا ما تحول دون الاستخدام الأمثل للعقل والمنطق.

وإن اللجوء إلى منطق “يمكنني أن أضغط على هؤلاء بالقوّة على كل حال” قد يمنع من تتبّع الأساليب الإستراتيجية والسياسة البديلة.

“الذِلّةُ” انتظارًا للمنفعة ليست تواضعًا

إن كان العقل واللباقة والدبلوماسية والمحاكمة العقلية والقول اللين والأسلوب الرقيق يشكل جانبًا من المسألة في مواجهة الشرور، فإن الجانب الآخر هو الصمود في مواجهة القوّة الغاشمة الفظّة والوقوف والتصدّي لها بصلابةٍ دائمة، ومن هنا: فإن التذلّل للظالمين والمجحفين طمعًا في المنفعة والمصلحة ينبغي ألا يُخلط بينه وبين التواضع والتفاني؛ فهذا الموقف مختلفٌ تمامًا، ومما يؤسَف له أن القول اللين والحال اللين والأسلوب اللين التي يبدو كل واحد منها دينامية مهمّة جدًّا في سبيل الدعوة إلى الحقّ والحقيقة تستخدم في بعض الأحيان والمواقف كأَرْدِيَةٍ وأستار من أجل التزلّف والتقرّب إلى ممثلي القوة الغاشمة.

أجل، إن مقصد بعض الشخصيّات الضعيفة من التحلّي بالقول والأسلوب الليّن هو الانقضاض على منصبٍ معيّنٍ؛ إذ تراهم يتحرّكون وكلّ همِّهِم وشغلِهم الشاغل رفعُ مكانتهم ورصيدهم لدى الآخرين ونيلُ الاهتمام والعناية منهم أو حبُّ الجاه، ولا ينبغي لنا -أبدًا- إساءة الظنّ بأيّ إنسان بدعوى “أنك تُرائي أو تنافق في هذا الموضوع” بل إن بعض أصحاب الفراسة لا ينبغي لهم -وإن أدركوا النيّة الحقيقيّة المتوارية خلف تصرّفات تلك الشخصيّات الضعيفة وأطوارها- التصريح بهذا وكأنه حكمٌ موضوعيّ، وإن فعلوا فقد أذنبوا، وإن الله ليحاسبنّهم على هذا الذنب، بيد أنه ينبغي لكلّ شخصٍ أن يقيس تصرُّفاته ويزنها كلّها في وجدانه وضميره، ويحاسب نفسه بنفسه.

إن جميع المساعي والجهود المبذولة من أجل التصالح والتلاحم والتقاسم بين مختلَف قطاعات المجتمع لا شكّ أبدًا في أنها ستُكسب الإنسان الثوابَ والجزاء الحسن، إلا أنه إن حَدثَ وأُهينت الكرامة في بعض الأحيان وازدُريت رغبةً في تحقيق المصالح الشخصية، والوصول إلى المنصب والمقام، ونيل مراتب مختلفة، وجمعِ تقديرِ الآخرين وإعجابهم، والعيش في راحةٍ ورفاهية في الدنيا، وتذلل ّالإنسان في سبيل ذلك، وشَعر بالامتنان أمام الآخرين كان اسم هذا الفعل ” مذلة”.

المماشاة لصالح المجتمع

إلا أنه لا ينبغي الخلطُ بين التذلّل وبين الأسلوب والطريق الذي نسمّيه المماشاة والمداراة في حلّ المشكلات؛ فالمماشاة والمداراة: هي التصرفات المتّبعة من أجل إدارة الناس ومعاملتهم ومن ثمّ تكوينِ أرضيّةٍ ومناخٍ معيّن لتحقيق السلم وعدم افتعال نزاعٍ واشتباكٍ مع العدوّ، ويقول حافظ الشيرازي[3]

وراحة الأماني، تفسيرُها يدري

مَن للصديق يتمنّى، وللعدوّ يُدارى

فراحة العالمين في هاتين الكلمتين على السواء، وهما: “أن تستعمل المروءة مع الأصدقاء والمداراة مع الأعداء”[4]، ووفقًا لوجهة النظر هذه فإن التعزز في مواجهة العدوّ لا يعني اقتناص الفرصة كلّما سمحت من أجل نزالهم والدخول معهم في صراعٍ واقتتالٍ، ولا سيما حين ينتفي توازنُ القوى بين الفئتين المتخاصمتين فإن الدخول في مغامرة من هذا القبيل ليس إلا إلقاء الضعيف نفسَه بنفسِه في التهلكة؛ ولهذا السبب فربّما يكون من النافع والصالح التصرّف بلينٍ ورفقٍ من أجل مداراة الأعداء بهدف حماية حقوق مجتمعٍ بأسره حين ينتفي التوازن في القوى؛ لأنه لا فائدة ولا طائل مطلقًا من وراء تحريك وإثارة كلّ حسدٍ وحقدٍ وعداوة قد تؤدّي إلى وقوع أنواع متعدّدةٍ من الضرر، وإذا نظرنا إلى المسألة من حيث نظر إليها فضيلة الأستاذ بديع الزمان؛ نجد أن الإنسان المحاط بتسعةٍ وتسعين عدوًّا من المؤكد أنه -إن كان عاقلًا- لن يرغب في أن يتم عددهم مائة، بل إنه يفعل العكس فيحسب حساباته في كيفيّة تخفيض هذا العدد ولو واحدًا، وهكذا فإنه يمكنُ تناولُ جميع هذه الأمور في إطار موضوع المداراة وحسن التدبير.

 

[1] صحيح البخاري، المغازي، 58.

[2] سنن أبي داود، الجهاد، 104.

[3] حافظ الشيرازي (1320-1389م): هو شمس الدين محمد، أشهر شعراء فارس على الإطلاق، لا يعرف إلا القليل عن نشأته، له “ديوان” شعر مليء بالقصائد.

[4] ديوان حافظ الشيرازي، ترجمة: إبراهيم أمين الشواربي، تهران- 1999م، مهرانديس للنشر، ص 11-12 (62-63) غزل: 10.

الابتلاء مع النجاح: نشوة النصر

Herkul-ARB | | العربية

 

سؤال: ما الموقف الإيماني الذي يجب مراعاته عند تحقيق نتيجة إيجابية أو إحراز نجاح ما؟

الجواب: إن المؤمن الحقيقي هو الذي يعي أنّ كلّ حسنةٍ أصابها أو جمالٍ اكتسبه أو نجاحٍ حققه إنما هو من عند الله عز وجل، وأن كلَّ سيئةٍ أصابته أو فشلٍ مُني به إنما هو من عند نفسه؛ لأن الحق سبحانه وتعالى يبين هذه الحقيقة بشكلٍ صريحٍ وواضحٍ فيقول: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ (سُورَةُ النِّسَاءِ: 79/4).

ولذا يجب على المؤمن ألّا ينسب لنفسه أبدًا أيّ حسنةٍ أو جمالٍ كان هو وسيلةً لهما ولا أيّ عمل أو خدمة قام بهما، ففي الواقع إننا عندما نسبّح ربّنا تبارك وتعالى في جميع صلواتنا نعلن أنه سبحانه وتعالى لا ندّ ولا شريك ولا نظيرَ ولا مثيلَ له في إجراءاته وشؤونه وربوبيته، فإذا ما شعرنا في أعماق قلوبنا بهذه الحقيقة -التي تتفوّه بها ألسنتنا- وجعلناها تستولي على أفكارنا تمامًا؛ نكون بذلك قد نجونا -بإذن الله تعالى- من الوقوع في جرمٍ كبيرٍ كأن ننسب إلى أنفسنا الجماليّات والنجاحات التي كنّا وسيلةً إليها.

طوبى لمَن عرّف حدّه فوقف عنده

يجب على المؤمن أن يعرف حدّه ولا يتجاوزه، أيًّا كانت النجاحات التي حققها، ويشير الأستاذ النورسي رحمه الله رحمة واسعة إلى هذه الحقيقة التي يؤكّد عليها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: “طُوبَى لِمَنْ عَرَفَ حَدَّهُ وَلَمْ يَتَجَاوَزْ طَوْرَهُ”[1].

غير أن هذا يتأتّى من إدراك الإنسان بأنه خُلقَ من لحم ودم، وأن ماهيته قد عُجنت بالعجز والفقر، فضلًا عن ذلك ينبغي للإنسان أن يتعمّق أكثر في تفكيره، وأن يراعي أنه تلطّخ بالأرجاس التي يمكن أن نصفها بالبلوى العامة، وأنه غرق في الذنوب حتى أذنيه، ومن ثمّ عليه أن يقول:

 أنا إنسان لا حيلةَ لي؛ بمعنى أن الله تعالى قد تكرّم عليّ بكلّ هذه الأفضال والإحسانات بمحض قدرته ورحمته الواسعة، فلو فكّر الإنسان على هذه الشاكلة، وتوجّه إلى ربّه بتوحيدٍ خالص، فلن تساورَه الأوهام التي تجاوزُه حدّه، وسيُديم الله تعالى عليه نِعَمه لأن ذلك الإنسان قد أدرك أن الله تعالى هو مصدر كلّ نعمةٍ يُتنعّم بها.

وينبغي ألا يغيب عن عقل الإنسان ما اقترفه من ذنوبٍ وآثام حتى يعي أن نفسه لا يُؤمَن لها ولا يُعوَّل عليها؛ وبذلك لا يأخذه الغرور والكبر طالما أنه على وعي بالجرم الذي ارتكبه، دَعْ عنك الكبر والغرور، إنه -علاوةً على ذلك- ينظر إلى نفسه نظرة الإنسان المجرم على الدوام، وينظر إلى الأعمال الخيرة في الظاهر على أن الله تعالى قد يجري أمثالها على يد الرجل الفاجر؛ وعندها يقول في نفسه: “أنا إنسان لا حول لي ولا قوة، ولكن الله تعالى يجري النفع على يد مَن لا يُرجى منه ذلك”، وعليه ألّا يكفّ عن مساءلة نفسه ومحاسبتها دائمًا بوسائل شتّى.

ولا يدفع هذا الإنسانَ إلى أن يعتقد أنه لا بدّ من اقتراف ذنبٍ حتى يتخلّص من مثل هذه الأوهام، لأن الأخطاء التي نقترفها دون وعيٍ أو سابق إصرارٍ -مثل الاستماع إلى الذنوب والإقدام على ارتكاب خطإٍ ما- تُعدّ بمثابة رأس مالٍ كافٍ لندرك أن النفس لا يوثق بها، المهم هو الاستفادة من هذه الأخطاء، فإذا ما تاب الإنسان إلى ربّه ألف مرّةٍ، واستحضر الخطأ الذي ارتكبه دائمًا بين عينيه فلن ينسِب إلى نفسه أبدًا النتائج التي تفضّل الله تعالى عليه بها جرّاء العمل والجهد، وسيشعر يقينًا أن هذه النتائج هي لطفٌ من ألطاف الله.

أما الأمر الذي تجب مراعاته عند هذه المحاسبة الراقية: فهو أن الشيطان قد يعمل على تعظيم الجرم لصاحبه حتى يبعده عن ربّه عز وجل، ويحاول أن يخدعه قائلًا: “لن تستطيع أن تتّجه إلى ربّك وأنت محمّلٌ بهذا الجرم”، ومن ثمّ فعلى الإنسان في مثل هذه الأحوال أن يتوسّل بكلّ السبل التي تساعده على التطهّر من ذنوبه، ولا يقنط في الوقت ذاته من رحمة الله تعالى، بل يقول: “جرمي كبير، ولكن قلبي لك عاشق”، لا بدّ ألّا تمنعه ذنوبه من التوجّه إلى ربّه والتطلّع إلى لطفه وعنايته وفضله ومشاهدة شؤونه سبحانه وتعالى، وحتى إن اعتقد أن هذه الذنوب قد أبعدته كثيرًا عن ربّه فعليه أن يَسْبح بأفكاره ومشاعره حول القرب منه سبحانه وتعالى، وإن غرق الإنسان حتى أذنيه في الآثام وليس إلى ساقيه أو ركبتيه فعليه أن يتوجّه أيضًا إلى الله تعالى السلطان الأوحد لدائرة الربوبية والألوهية، وإلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم داعٍ في هذه الدائرة، وأن يفنى في حبّهما، ولا يبرح ذلك الباب أبدًا، وقد يبدو هذا تناقضًا من ناحيةٍ ما، لكن يجب على المؤمن أن يقيم توازنًا بين هذه التناقضات في حياته.

الشيخ لا يطير ولكن المريد هو مَنْ يدفعه إلى الهاوية

ولنرجع إلى موضوعنا الأصلي ونقول: إنّ مِن أكثر المهالك التي يقع فيها الإنسان إزاء ما يحقّقه من نجاحاتٍ هو أن يفكّر أنه جديرٌ بهذا المدح والثناء الموجّه له نتيجة ما أحرزه من نجاح، بيد أن الله تعالى قد يتفضل على الإنسان بأعظم من هذه الجدارة واللياقة التي هي ابتلاءٌ في حدّ ذاتها؛ ولذلك لا بدّ للإنسان ألا يقصِّر في أداء شكره لله سبحانه وتعالى على ما أنعم عليه من فضائل من ناحيةٍ، وألا يعزوها إلى نفسه من ناحيةٍ أخرى، إن الإنسان الذي يعي الجرم الذي وقع فيه لا يعزو لنفسه شيئًا من فضل الله؛ لأنه إذا ما نظر -مثلًا- إلى الورود اليانعة ونظر إلى نفسه حاسب نفسه وعبّر عن حيرته ودهشته من نموّ هذه الورود في هذه الأرض القاحلة، والحقّ أن الله تعالى قد يتوجّه بمزيدٍ من فضله وإحسانه على أناسٍ تعثّرت أقدامهم فسقطوا في الذنوب والمعاصي؛ بسبب ما بذلوه من سعيٍ وجهدٍ عند القيام بأعمالهم، فإذا ما رأى البعض هذه الفضائل التي منحها الله لهذا الشخص قد يلتفون حوله ويعبّرون عن تقديرهم وتوقيرهم له، بل قد يهمّ أحدهم ويزعم أنه وليٌّ من أولياء الله، وقد يتقالّ آخر هذا اللقب ويقول: أي ولي؟، إنه يبدو كالغوث بآثاره البديعة، بل يتجاوز آخر هذا الأمر ويدّعي أن ذلك الشخص قد جمع بين القطبيّة والغوثيّة، وإزاء كلّ هذا المدح والإطراء ربما يستهوي ذلك الشخص المقامات التي أنزلها له الناس لحسن ظنِّهم فيه ويقول في نفسه: يا ترى هل أنا وليّ أم غوثٌ على الحقيقة؟”.

وقد يجد ذلك الشخص لهذا الحال مبرّراتٍ معقولة؛ فقد يقول مثلًا: “إن أعظم إكرام من الله للإنسان هو ألا يُشعره بإكرامه”؛ وهذا يعني أنني لم أكن على وعيٍ بالمنازل التي بلغتُها حتى الآن، فلا جرم أن هؤلاء الكثيرين الذين يلتفون حولي لا يكذبون”، وكما يقولون: “كم طيّرت طقطقةُ النعال حول الرجال من رأس!، وكم أذهبَت من دين!”، إن ذلك الشخص لا يطير في الحقيقة ولكن الآخرون هم من يلجئونه إلى الطيران، والحقّ أن هذا ليس طيرانا، ولكنه -حفظنا الله- تدحرجٌ نحو الهاوية؛ لأنه قد يأتي زمان ولا يقنع هذا الشخص بالقطبية والغوثية لِما يلقاه من فرط المدح والثناء، فييمّم وجهه نحو المسيحية والمهدية، ولا سيما إن أوحى إليه من حوله بأنه المهدي أو المسيح، فينخدع هذا المسكين بالمقامات التي أنزلها له الغَيْرُ بحسن ظنّهم فيه، ويأخذ في إقناع نفسه بهذا الأمر، وأحيانًا ما يلجأ إلى توضيح فكرته بتواضعٍ مزيّفٍ، ويستخرج من الآيات والأحاديث المتعلّقة بهذا الموضوع ما يؤيّد هذه الفكرة أحيانًا أخرى، ولربما يرى نفسه طائرًا في السماء بينما لا يستطيع أن يسير على أرض مستوية بسبب ما اقترفه من ذنوبٍ ومعاصٍ، ويسلك طريقًا محفوفًا بمخاطر جمّة؛ فيسوق نفسه إلى الهاوية، بيد أن على الإنسان -كما ذكر بديع الزمان سعيد النورسي- أن يتحلّى بالصدق والإخلاص في دعواه بدلًا من أن يُنزل مَن يحبّهم مقامات أعلى من حدّهم. أجل، يجب على الإنسان أن يحبّ إخوانه إلى درجة لا يستعيض عن هذا الحب بالدنيا وما فيها، ولكن عليه أن يتجنّب المدح والثناء المبالغ فيه والذي يقطع به عنق صاحبه.

مثلُ الجلد في يد الدباغ

حين ننظر إلى تاريخنا نجد أن هناك كثيرًا من الأشخاص -بدءًا من السلاطين والشعراء وصولًا إلى أولياء الله تعالى- قد أذلّوا أنفسَهم وحقّروها على الدوام، ورغم أن كلَّ واحدٍ منهم يمثّل قامةً ساميةً شامخةً إلا أنهم لم يروا لأنفسهم أيّةَ قيمةٍ ولا قدرٍ قطّ، والواقع أن الأفراد الأنانيّين المغرورين في أنفسهم لا يمكنهم أن يمثّلوا شيئًا ولا قيمة؛ إذ إنه يستحيل عليهم أن ينسلّوا من الخيالات والأوهام بأيّة حال؛ لأنهم دائمًا ما يشعرون بضرورة التعبير عن أنفسهم؛ فلا يرون الحقائق كافيةً لتحقيق هذا، ومن ثم يدخلون من أجل تحقيق هذا في نوعٍ من الأوهام والخيالات، ويلجؤون إلى طرق أخرى كالسمعة والرياء.

ومن ذلك على سبيل المثال أنْ يَهُمَّ أحدُهم يومًا فيتحدّث عن الإمام البخاري، بيد أنه يفاجأ بأن كلامه لا يحظى بأيّ نوعٍ من الاهتمام؛ إذ إنَّ كل قوله معهود لدى علماء الحديث أجمعينٍ، ومن ثم فإنه حين يرى عجزه عن جذب الأنظار إليه بما قاله يشعر بحاجةٍ إلى قول أشياء أكثر أصالةً وعراقةً؛ فيرى رأيًا مختلفًا فيما يتعلّق بوجود الآخرة، ويسعى مجدّدًا كي يلفت الأنظار إليه مستخدمًا عبارات كعبارات منسوبي المذهب الأحادي الفلسفي، والحقيقة أنه لا فرق بين قوله وقول “الشيخ بدر الدين” في كتابه المسمى “الواردات”، بل إننا قد نواجه تناقضات مشابهة حين ننظر إلى الأفكار التي زعمها وطرحها أرسطو عن العالم الآخر والروح، فحين يدرك أن ما طرحه من أطروحات ظانًّا أنها أصيلة قد نادى وتشدق بها كثيرون غيره من قبل يبدأ يفكر ماذا سيقول هذه المرة؟؛ فيتحدّث عن تناسخ الأرواح كي ينتج أوهامًا وخيالات أخرى، بيد أن مظاهر الأصالة والعراقة التي يتمثّلها ذلك الشخص كي يسلّي نفسه ويرضيها تنتهي بالخسران والضلال؛ لأنه لا يبحث عن الحقائق ولا يعنيه إبلاغها ونشرها.

وقد خلقنا الله تعالى عبادًا له، وليس ثمّة رتبةٌ ولا درجةٌ أسمى من رتبة العبودية بالنسبة للإنسان، فلماذا لا نقنع بخلق الله تعالى إيانَا عبيدًا له، ولا نكتفي بذلك؟! إن الواجب الواقع على عاتقنا هو التوجّه الصادق إليه ومقابلة ربوبيّته وألوهيّته بالعبوديّة الحقّة الجادّة، وبمفهوم فضيلة الأستاذ بديع الزمان “فإن العبودية شكرٌ لنعمٍ وُهبت لنا مسبقًا؛ وليست مقدّمةً لنعم نحظى بها لاحقًا”[2]. ولذلك فإنه ليس من الصواب الإذعان والإقرار بالعبودية لله تعالى بغيةَ نيل نعمٍ معيّنة فحسب، وكما أن الله تعالى قادر على أن يهب وينعم دون مقابل؛ فإنه قادر على أن ينعم ويحسن من رحمته الواسعة جزاءً على العبودية له، إلا أن هذا لا يُنتظر، فنحن كعباد نالوا أجرهم ومكافأتهم مسبقًا يقع على عاتقنا، بل ومن واجبنا أن نحمد الله تعالى ونشكره دائمًا.

إن الإنسان الذي لا يعبد الله يعبدُ نفسَه، وعابدُ نفسِه يعيشُ من أجلها فحسبُ، ويرَاهَا مركزَ العالم، ومثل هذا الإنسان يُسمى أنانيًّا، كما يطلق لفظ “نرجسي” على الإنسان المشغول بنفسه دائمًا المشغوف والمولع بأفُقِه وأفكارِه وآرائه الخاصّة، بل وقامته وقدّه وأدائه وتصرّفاته، فأمثال هؤلاء يعجبون ويتفاخرون بما فعلوه وما حقّقوه هم فحسب من نجاحات، وأما أنْ يُعجَبوا بما فعله الآخرون فهذا أمرٌ محال، بل إنه لم يثبت ولم يلاحظ أن مثل هؤلاء الأشخاص قنعوا بما حظوا به من مدحٍ وثناءٍ؛ فَهُم دائمًا ما يطمعون في الأكثر والمزيد، وبالطبع لا يحقّق مثلُ هؤلاء الأشخاص الأنانيّين النرجسيّين أيّةَ فائدةٍ ولا أي عملٍ نافعٍ للإنسانية.

أما الأشخاص المتواضعون فالله تعالى يهيّئهم لكثير من الأعمال الصالحة الخيرة، وكما قال الشاعر:

والبذرُ في الترب إن لم يُغمرا    أنى يكون لفيض ربّك مظهرًا

والــمــرءُ إن لـــــربــــه قــــــد أخـبـتــا    فبرحمة الرحـمـن يسمو لافــتــًا

أي إنَّ البذرة لا يمكنها أن تنبت وتنعم بالحياة ما لم تُبذَرْ في باطن الأرض، والمتواضعون يرفعهم الله حتى يصبحوا قاماتٍ سامقات بمزيد ألطافه جل جلاله، وهكذا كان الشيخ الجيلاني، وهكذا كان محمد بهاء الدين النقشبندي، وكذلك أبو الحسن الشاذلي، وكذلك فضيلة الأستاذ بديع الزمان، فنحن لا نزال نقرأ أورادهم وأذكارهم ونستفيد من أثارهم رغم مرور قرون وعصور على رحيلهم؛ إذ صار كلُّ واحد منهم رمزًا مخلّد الذكر؛ حيثُ كانوا أبطال التفاني والتواضع والحياء ونكران الذات، لقد تجاهلوا أنفسهم وحوّلوا هممهم كلّها لإثبات الله تعالى، وتدارسوا وجوده سبحانه، وطهّروا أنفسهم وأخلصوها، وبتعبيرٍ آخر قصروا نظرهم على أنهم “ظلُّ ظلِّ وجود الله”؛ فخَلَّدَ الله تعالى ذكرهم؛ فلا يزالون يحيون في داخلنا، إنهم يعيشون في داخلنا حتى إنه يُخيّلُ إليَّ وأنا أدخل غرفتي أحيانًا أنني سألتقي أبا الحسن الشاذلي أو عبدَ القار الجيلاني مثلًا؛ إنهم حاضرون في ذاكرتي ومخيّلتي. أجل، لقد هرعوا لإثبات الله، فثَبَّتهم الله تعالى وأبقى ذكرهم؛ حتى إن كلّ واحدٍ منهم يضطلع بوظيفة مرشدٍ ودليلٍ يهدينا إلى الطريق رغم مرور عصور على انتقاله إلى الرفيق الأعلى، فبعد سبعة أو ثمانية قرون لا نزال نبحث عن حلول لمشكلاتنا المعاصرة بالرجوع إلى أورادهم وأذكارهم، فهل هناك تَثبيتٌ أجمل من ذلك؟!

والحاصل أن التكبّر والتباهي من أكثر أمراض عصرنا انتشارًا مع الأسف، فإن ألمَّ هذا المرضُ بالإنسان في نهاية النصر والفلاح فهو خطير لدرجة يدفعه معها إلى الهلاك، إذًا ينبغي لنا أمام النجاحات والنتائج الطيبة أن نَرُدَّ كل هذا إلى الله تعالى، ونحمده ونثني عليه، وننحني تواضعًا وامتنانًا له سبحانه.

 

 

[1] البخاري: التاريخ الكبير، 338/3؛ الطبراني: المعجم الكبير، 71/5.

[2] انظر: بديع الزمان، الكلمات، الكلمة الرابعة والعشرون، الغصن الخامس، ص 405.

 

النهج الموضوعي العقلاني في الحديث عن الخدمات

Herkul-ARB | | العربية

 

سؤال: تُركّزون على ضرورة أن يكون الحديث عن الخدمات التي تنجز وتتحقّق حديثًا موضوعيًّا وعقلانيًّا بعيدًا عن الانفعالية والعاطفية؛ فهل توضّحون هذا الأمر؟

الجواب: ينبغي التصريحُ أوّلًا بضرورة انفتاح الإنسان على ما يُوجَّه إليه مِنْ انتقادات وأنْ يتقبّلَها ويبتعِدَ تمامًا عن التفاخر والغرور عند الحديث عن الخدمات المنجزة؛ إذ إنَّ الإنسان مخلوق محتملٌ وقوعُ الخطأ وصدورُ العيب منه بالنظر إلى طبيعته، وقد توجد مجموعةٌ من الأخطاء والمغالطات حتى فيما يظنّه الإنسانُ نفسُه أصوبَ وأصحَّ أعمالِه وأفعالِه؛ فيجب -على سبيل المثال- ألا نتغاضى عن التفكير في أيّ وقتٍ أبدًا في أنَّ نقصًا كبيرًا جدًّا ربّما يوجد حتى في صلاةٍ يؤدّيها صاحبُها مراعيًا الشروط والأحكام الواردة في كتب الفقه وملتزمًا بها، والأمر نفسه بالنسبة للصوم والزكاة والحج؛ فلكلٍّ منها أسسه الكثيرةُ الخاصّة به، ويَصعُبُ جدًّا على المؤمن أن يؤدّي كل هذه العبادات تامّةً غير منقوصة ولا معيبة، وتتّضح صعوبة المسألة أكثرَ لا سيما إن وُضِعتْ في عين الاعتبار الجوانب الفطرية لدى الإنسان كأن تكون الأعمال المنجزة جزءًا من طبيعته وفطرته وأن يؤديها بإخلاص وصدق، ويبتعد فيها عن الرياء والسمعة.

الإنسان مخلوقٌ مؤهّلٌ للخطإ والوقوع في العثرات

وإن كان هذا القدر من النقص والعيب محتملًا وقوعُه حتى في العبادة والطاعة التي نقوم بها دائمًا؛ فإن حدوث خطإ في الأعمال الخاصّة بخدمات متباينةِ الأبعاد والأعماق مبذولةٍ في سبيل الإنسانية أمرٌ لا مفرّ ولا مهرب منه، والحقيقة أن السُّنة الصحيحة والقرآن الكريم أخبرانا بأمور ومبادئ أساسية تخصّ ما سيُنجَز من خدمات في سبيل الحق، وهي أمورٌ ثابتةٌ لا يؤثّر فيها تغيير الزمان والمكان، إلا أنه توجد -إلى جانب دساتير هذه المبادئ الثابتة- جوانب معينة تأخذ بعين الاعتبار اختلاف المكان والزمان، ومن الصعوبةِ بمكانٍ أن يوفَّقَ الإنسان دائمًا في الاختيار السليم في هذه النقطة، ومع هذا فإنَّه ينبغي للمقترحات المطروحة أن ترتبط بالمبادئ الأساسية من جانب، وأن تُطبَّق على الحياة في صورةٍ تلائم الزمان والمكان والظروف من جانبٍ آخر، ونظرًا لأنه يُحتمَل دائمًا الوقوع في خطإٍ -لا سيّما في عملٍ صعبٍ ومعقّدٍ متشعّب بهذا القدر- فإن تقبُّل هذا منذ البداية يُعتبر اعترافًا بالحقّ.

فإن حدث العكس؛ كان من المتوقّع أنْ يعتبر الإنسان كلّ أفعاله وأعماله صحيحةً وصوابًا، وينزعج من الانتقادات، ويتوقّع التقدير والإجلال دائمًا؛ بل ويمتنّ لامتداحه على أمرٍ لم يفعله أصلًا، وكلّ واحدة من هذه الأمور صفة من صفات المنافق، وفي سورة آل عمران يقول الحقّ تعالى في وصف المنافقين: ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 188/3).

ومن ثمَّ فإنه ينبغي للإنسان ألا ينسى أبدًا أنّه مخلوقٌ يُتوقّعُ منه حدوثُ الخطإ والتقصير، ولا بدّ أن يُدرك عيوبه ونقائصه منذ البداية، وألا يشعر بالانزعاج والضيق من لفتِ الآخرينَ انتباهَهُ إليها؛ بل يجب أن يحدثَ العكس؛ فيمتنّ ويُسَرُّ من تذكير الآخرين إيّاه بها وإظهارهم سبل خلاصه ونجاته منها.

وبعد أن تحدّثنا بإيجازٍ عن تقبّل النقد وضرورة عدم الانزعاج منه؛ يمكننا أن نُعدّد ما يأتي من معايير بشأن الحديث عن الخدمات في نهجٍ موضوعيٍّ وعقلانيٍّ.

السعي إلى الخدمة التزامًا بالمبادئ الأساسية

لا بدّ من تحديث المخاطبين عن الخدمات، وتوضيح أن إنجازها يُراد له أن يكون مرتبطًا بالمبادئ والقيم الإنسانية الكونية التي حدّدها الدين؛ إذ يستحيل أن تبقى وتثبُت قضايا وأمور تسير وفقًا لأفكار عابرة منافية لنصوص القرآن والسنة. أجل، إن من لا يرتبطون بالقواعد الكُلّية دائمًا ما يترنّحون ويسيرون في طرقٍ متعرّجة معوجّة، وكما أن أفعالهم الحالية تختلف عن أفعال سابقيهم فإن ما قد يضطلعون به من تصرّفاتٍ وأفعال لاحقًا سيتناقض حتمًا مع ما كان في تلك الأيام، ومن هنا فإنه يلزم لأفكار الإنسان وأحاسيسه وجميع خلايا مخّه العصبية أن ترتبط بمبادئ الدين الأساسية والقيم الأخلاقية الكونية العالمية حتى تستقيم تصرّفاته وسلوكيّاته.

والواقع أن مبادئنا الأساسية -نحن منتسبي دين الإسلام العالمي- مبادئ من شأنها أن تستوعب وتحتضن الجميع، ومن المهمّ أن نحدّد الخطّ والنهج الصحيح الواجب علينا الحفاظ في إطاره على هويّتنا وشخصيّتنا الأصلية، وبعد التمكّن من فعل هذا ينبغي لنا أن نبيّن ونثبّت لمخاطبينا أننا منفتحون على النقد والمساءلة بأن نقول: “كما أننا نؤمن بأن العطاء واجبٌ ووظيفةٌ فإننا نرى أن أخذ ما ستعطونه وتبذلونه من أشياء أمرٌ مهمٌّ جدًّا يصب في صالح التكامل، فإن كان هناك عيب أو نقص ترونه فينا فنرجوكم أن تصارحونا به؛ فنجلس نناقشه ونعالجه”.

فإن كنتم تقومون بالانفتاح على الآخرين التزامًا منكم بالمبادئ الأساسيّة فلن تفقدوا ارتباطكم بالمركز بإذن الله تعالى وإن تغيّر الزمان والمكان والأشخاص، وعلى حدّ قول مولانا جلال الدين الرومي: “فإنه وإن كانت إحدى قدميكم بين ظهراني كثيرٍ من الأمم والأخرى في المركز؛ فإنكم تحافظون على استقامتكم إن كنتم تختبرون كلَّ انفتاحاتكم وفقًا لقدمكم الثابتة”.

استحالة نسبة أي فرد أو مجموعة ما يُنجَز من خدمات لنفسه

الأمر الثاني الواجب التركيز عليه: هو عدم نسيان حقوق الآخرين في الخدمات المنجزة وعدم النظر إليها وكأنها قضيّة خاصّة بقطاع بعينه فحسب؛ فقد تكوّنت منذ القدم وحتى اليوم مجموعات وحركات مختلفة خدمت في مجتمعنا وفي مختلف المجتمعات الإسلامية على حدّ سواء، وقد قامت بجهودٍ مهمّةٍ جدًّا من شأنها أن تنير لكم الطريق وتشجعكم، وتهيّئ لكم أرضيّةً مناسبةً تتحركّون فيها بسهولةٍ ويُسرٍ، لقد أوصلوا القضية إلى نقطة معينة وكأنهم يقولون لكم: “واصلوا أنتم كذلك هذا الأمر” ويمكنكم أن تفكروا هكذا: جاء هذا الأمر في موسم الإثمار حين دخلتم المعترك بإمكانياتكم الخاصّة، وفي حين هيّأ البعض الأرضية؛ بذر البعض البذور، واضطلع البعض الآخر بخدماتٍ ضروريّةٍ لينمو النبات ويصبح شجرة، وسوف تزهر لكم هذه البذور لاحقًا بتقدير الله، وقد تحقّقت لكم إمكانية الخدمة في موسم الإثمار، إذًا فإن اعتبار الأمر مترتّبًا على سعيكم وجُهدكم أنتم فحسب، وهضمَ حقّ الآخرين فيه نكرانُ جميلٍ واضحٌ وصريحٌ.

أجل، إن مشاعر الفداء والإيثار كامنةٌ في جوهر رجل الأناضول وروحه، وما زال الكثيرون حتى الآن يستغلون هذا الجوهر النفيس، حتى جاء وقت وظهر مِن بين شرائح المجمتع المختلفة مَنْ يُعبّر عن هذه الجواهر النفيسة وينفتح على كلّ أرجاء العالم، فكان التجار والحرفيون والمرشدون والمعلّمون الذين يعتقدون بعموم نفع الخدمات التي يقدمونها إذا ما نجحوا في مكانٍ ما نادوا على نظرائهم وشجعوهم على الاستثمار والنجاح في هذا المكان، وبذلك تضاعفت الخدمات وتنامت، وكلّ هذا بأكمله تحقّق بفضلٍ من الله وعنايته، ولكن إن ربطنا الأمر بالأسباب وقيّمناه وفقًا لها اكتشفنا أن هذه الخدمات المبذولة ما كان لها أن تتمّ أبدًا بحساب الاحتمالات ولو بنسبةِ واحدٍ في المليون.

وكما لا يصح أن ننسب الإنجازات التي تحققت في سبيل خدمة الإنسانية إلى سعي وجهد جماعةٍ بعينها، كذلك ليس من المقبول أن ننسبها إلى أشخاصٍ بعينهم، فإن ريادة بعض الأصدقاء لهذه الخدمات هو تجلٍّ من تجلّيات القدر؛ من أجل ذلك ينبغي تجنُّب ذكر أسماء الأشخاص عند الحديث عمّا أُنجر من أعمال، وبدلًا من هذا علينا أن نعزو كلَّ هذه الخدمات إلى حركة الخدمة نفسها، ومدى حبِّنا للإنسانية، علاوةً على ما تكنّه الأمة من مشاعر وانفعالات صادقة، وما تتّسم به من إرادةٍ سليمةٍ وعزمٍ لا ينفد، وعلينا كذلك أن نبيّن أن هذه الخدمات كلّها ما هي إلا محصّلة سعي الأمة بأسرها، وبناءً على هذا السعي تكرّم الحقّ تبارك وتعالى بأن أنعم على أفراد الأمة ببيان وتبليغ قيمنا الثقافية إلى العالم أجمع، ولا جرم أننا عند نقلِ جماليّاتنا إلى شتّى أرجاء العالم نستلهم منهم أيضًا بعضَ الجماليات ونضفي مزيدًا من الثراء على ثرائنا.

إننا نعتقد أن هذه الخدمات المبذولة بمثابة محاولةٍ للردِّ الجميل على ألطاف الله تعالى التي تتنزّل علينا زخًّا زخًّا، فلو أننا أحسنّا توضيح هذه المسألة للمخاطبين فلن نتورّط في الظلم الذي يرتكبه أهل الغفلة عندما ينسبون هذه النجاحات -التي تمّ إحرازها بسعي وجهد الأمّة كاملةً- إلى عددٍ من الشخصيات الرائدة، حتى إن الغنيمة في الحرب تُوزَّع بالتساوي بين الأفراد الذين يشاركون فيها ولا يختصُّ بها القادة فقط، وإلا فنحن نوقع هذه الشخصيّات في الهلاك وننسب إليهم ما ليس من اختصاصهم بل من اختصاص الربوبية؛ لأنهم سيبدؤون حينذاك في نسبة هذه الخدمات إلى أنفسهم، ويتشوّفون إلى التصفيق والتهليل والتقدير من الناس؛ وبذلك يقضون في هذه الدنيا على ثمارهم الأخروية.

فِرّ من إثارة مشاعر الغبطة فرارَك من العقرب والحيّة

أما الجانب الأخطر في الأمر فهو: أن إبراز أسماء شخصيّات بعينها يثير مشاعر الغيرة لدى الآخرين، حيث تكمن في طبيعة كلّ إنسان مشاعر الغيرة والحسد، ولا سيّما إن قدّمتم بضعة أشخاص على الأكاديمين وعلماء اللاهوت ورجالات العلم البارزين فإنكم بذلك تكونون قد ضغطتم دون وعيٍ منكم على مشاعر الغيرة والحسد التي تكمن في داخلهم، وبذلك تجعلون من أصدقائكم أعداءً لكم بأيديكم، بل إن بعضًا من أهل الإيمان قد تُداخله مشاعرُ الحسد أيضًا إن لم يستطع أن يحقّق مثل هذا القدر من النجاحات رغم ما بذله من سعيٍ وجهد، ومن ثمّ تكونون أنتم -وإن كان دون سابق قصدٍ منكم- السببَ في الجرم، فضلًا عن ذلك يصبحُ من الصعب كثيرًا أن تُحدّثوا ذلك الإنسان بشيء بعدما كنتم السبب في إثارة مشاعر الحسد والغيرة لديه، من أجل ذلك علينا أن نضع في اعتبارنا الخدمة لا الأشخاص؛ حتى نتمكّن من الحيلولة دون إثارة مثل هذه المشاعر السلبية، وهذا يعني أن علينا أن نحدّث الناس عن الخدمات المبذولة وخلفياتها حتى نهدّئ من روعهم، ومن جانب آخر: علينا أن نتّخذ أسلوبًا خطابيًّا لا يثير مشاعر الغبطة عند أيّ أحدٍ؛ حتى لا نخلق لنا حسّادًا ومنافسين جددًا.

الخدمات المبذولة والشعور بالمسؤولية

قد يعتقد البعض أن هذه الخدمة كأنها عبارةٌ عن مؤسّسةٍ اجتمع فيها وأسّسها جماعةٌ من أهل الدينا بغيةَ الوصول إلى أهدافٍ معيّنة، بل قد يتوهّمون أن هذه الحركة ترمي إلى أغراض سياسية، بيد أن خدماتنا تنبع من المبادئ الرئيسة لتراثنا الثقافي، وبها نؤدّي الوظيفة التي حمّلنا الله إياها، بتعبيرٍ آخر: إن هذه الخدمات هي محاولةٌ للقيام بمسؤوليّتنا نحو الإنسانية، بل إننا إذا ما عمّقنا النظر في المسألة أكثر؛ فسنجد هذه الخدمات ليست بالعمل الذي يُضفي على الإنسان قيمةً إضافيةً، بل إنها أداءٌ لوظيفة العبودية الأساسية ووسيلة الحمد والشكر لله رب العالمين على ما أنعم علينا مسبقًا من نِعم، ولـمّا قام الناسُ بهذه الخدمات في إطار المسؤوليات التي حملهم الدين إياها، واتّبعوا في الوقت ذاته منهجًا يقوم على العقل والمنطق؛ تضاعفتْ هذه الخدمات وستظلّ تتضاعف وتتنامى إن شاء الله تعالى.

يمكن أن نعزو الخدمة إلى فكرة التنافس في تبليغ الحقّ والحقيقة؛ لأنها تدخل في باب التسابق في الخيرات الذي نصّت عليه الآية الكريمة: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (سُورَةُ البَقَرَةِ: 148/2). ولذا فإن مَن يرى ويسمع عن السابقين الأولين في الخدمة يحاول أن يقوم بالخدمات التي كُلِّفَ بها حتى لا يتخلّف عن أولئك.

صدق النية وعقلانية الأعمال

قد ينزعج البعض من هذه الخدمات ويساورهم القلق حيالها، وعلى ذلك فعلينا أن نعمل على إيضاح كل ما يفضي إلى الشبهة عند الناس، وأن نكشف عن صدق نوايانا وعقلانية أعمالنا؛ لأنّ الخدمات المبذولة ما هي إلا تعبير عن إقبال الله سبحانه وتعالى على هذه الأمة بسبب ما بذلته من سعي وهمّة، حيث أفاض الله تعالى على أرباب الخدمة بالمزيد من فضله وإحسانه لأنهم بذلوا الكثيرَ من التضحيات في سبيل الوفاق والاتّفاق بين أبناء الأمة، وإلّا فكثير من المشروعات لا يمكن لها أن تتم إلا من خلال أناسٍ يرتبطون فيما بينهم.

والبعض قد يتوهّم لعدم استيعابه ما بُذل من خدماتٍ بأن الحركة ذاتُ أجندة سريّة، من أجل ذلك ينبغي لنا أن نبيّن لهؤلاء ما يلي: إننا نعتبر التشوّف لأمر سوى رضا الله تعالى حرامًا بالنسبة لنا، وإننا نفضل احتضان البشرية كلّها بالقيم الإنسانية على كل جماليّات الدنيا؛ فإذا ما قال الله تعالى لنا في الآخرة: “لقد مددتم يد العون لهؤلاء، وساعدتموهم في معرفة الحقيقة، وأنا اليوم أجازيكم على ما قدمتموه في الدنيا”؛ فهذا القول بالنسبة لنا لا تعدله الدنيا وما فيها، علاوة على ذلك فإن التعلّق بأغراض أخرى يشبه سلوك ذلك التاجر الذي كان يعمل في تجارة الذهب في سوق الصاغة، ثم يمّمَ وجهه إلى سوق النحاسين بغية التجارة في النحاس.

وهكذا لا بدّ أن تفيض مشاعرنا بهذه الأفكار، وألا نمتعض ونستاء من التصرّفات أو الكلمات النابية، وأن نعمل على إزالة الأوهام والشكوك التي تساور البعضَ نحونا بالصبر والسكون.

 

 

التفكّر هو الخيط النوراني الذي يوصّل الإنسان إلى الحقيقة

Herkul-ARB | | العربية

 

 

سؤال: التفكّر من أهم المبادئ التي يرتكز عليها مسلكنا، فما الأسس التي ترتبط بها عملية التفكّر حتى تجري على المستوى المطلوب؟

الجواب: التفكّر هو: أن يُرغم الإنسان نفسه على التدبّر في عالمه الداخليّ، ويدقق النظر في الأشياء والأحداث، والتأمل في كل هذا مرّةً بعد أخرى؛ وبذلك يوسِّع الإنسان من دائرة فكره، ولفظة “تفكّر” تأتي على وزن “تفعّل”، الذي يحمل خاصّية التكلّف؛ بمعنى أن الإنسان يبذل وسعه ويُرغم نفسه على القيام بأمرٍ ما، ويوفّي إرادته حقَّها، ولذا يمكن القول ببساطة: إن التفكر وفقًا للصيغة الذي اشتُق منها ليس عمليةً فكريّةً بسيطةً، بل هو عملية فكرية تكتسب طابع النظام والتعمّق والديمومة.

القرآن يوجّه الأنظار إلى العقل الفاعل النشط

إن التفكّر أساسٌ مهمّ في مسلكنا، وهو من المبادئ الرئيسة في الإسلام أيضًا؛ لأن القرآن الكريم خلال تناوله -في الكثير من آياته- السمواتِ والأمطارَ والنباتات والسحاب والرياح والنجوم والجوّ وعملية الخلق وقضية الرزق وغير ذلك من الآيات المكتنزة في الآفاق والأنفس (العوالم الخارجية والداخلية) ربطَ المسألةَ بالتفكّر، فمثلًا يقول الحقّ تبارك وتعالى في سورة البقرة: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (سُورَةُ البَقَرَةِ: 164/2).

وفي القرآن الكريم كثيرٌ من الآيات التي تشبه الآية السابقة، بعضُها يربط المسالة بالعقل، وبعضها بالفكر، والبعض الآخر بالعلم، غير أنها جميعًا -وإن وجد فارقٌ بسيط بينها- تشير من حيث الأساس إلى نقطةٍ واحدةٍ؛ وهي أن يُفكّر الإنسان في الآيات الكامنة في الآفاق والأنفس، وأن يستغرق في التفكير باستخدام عقله.

وإن انتهاء الكثير من الآيات الكريمة بقول الله تعالى “لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ” ليشير إلى أن القرآن الكريم إنما عبّر عن التفكُّر بصيغة المضارع؛ ليوجه أنظارنا إلى العقل الفاعل النشط.

أجل، إن القرآن الكريم لم يتحدّث ولو مرّةً واحدةً عن العقل السلبيّ الخامل، كذلك لم يتناول أيّ عمليّةٍ عقليّة تتعلّق بالزمن الماضي فقط، بل إنه بحديثه عن التفكّر الذي يكتسب طابع الديمومة في الزمن المضارع يرشدنا إلى التفكّر في الحاضر والمستقبل علاوة على الماضي، ومن ثمّ يجب على الإنسان بعد أن يعقد صلةً منطقيّة وعقلية بالماضي أن يُخضع زمانه ومستقبله لمصفاة فِكرِه، وألا يخطو أي خطوةٍ إلا في إطارٍ من المعقوليّة، علاوةً على ذلك فمن الأهمية بمكان أن تشير هذه الآيات الكريمة إلى العقل الفاعل النشط؛ على اعتبار أنها بذلك تؤكّد على ديمومة التفكّر.

وأوَدّ هنا أن ألفت انتباهكم إلى شيءٍ بشكل استطرادي دون الدخول في التفاصيل وهو: أن لفظ “يعقلون” الوارد في ختام الآية السالفة الذكر يتضمن معاني كثيرة مهمّة، مثل: استغلال العقل في قراءة الأشياء والأحداث، والوصول عن طريق التفكر إلى نتائج يفرزها العقل، واستحلاب جماليّات الكون باستغلال العقل.

بالتفكّر يكتشف الإنسان نفسه

إن الله سبحانه وتعالى يلفت الأنظار في العديد من المواضع بالقرآن الكريم إلى التفكّر واستخدام العقل، مما يحتّم على المؤمنين أن يتعمّقوا في التفكّر في آيات الله الكامنة في الآفاق والأنفس.

ولو أنكم جعلتم الإنسان موضوعًا للتفكّر في الأنفس وتناولتموه من الناحية الفسيولوجية والتشريحية فسيتبيّن لكم وفقًا للتحليل الذي أجراه “ألكسي كاريل (Alexis Carrel)” في كتابه “الإنسان ذلك المجهول” أن الإنسان مخلوقٌ كريمٌ يستحقّ كلّ احترامٍ وتبجيلٍ.

أجل، إن الإنسان ببنيته الداخلية والخارجية مخلوق رائعٌ، ولو افترضنا -مُحالًا- جواز السجود لغير الله لكان ذلك الغير هو الإنسان، ولكن الله تعالى لم يُجزْ قطّ السجودَ لأحدٍ غيره، أما سجود الملائكة لآدم عليه السلام فهو أمرٌ تقتضيه طبيعة الابتلاء والامتحان حتى يدركوا مدى الدقّة والحساسية في امتثال الأمر الإلهيّ.

ومع ذلك فإن السجود لسيدنا آدم يبين لنا أن هذه الأفضلية والرفعة لم تتسنّ لمخلوق آخر غير آدم عليه السلام؛ لأن آدم عليه السلام هو بمثابة نقطة التقاءٍ بين المادة والمعنى والعوالم الفيزيقية والروحانية؛ بمعنى آخر: إن آدم عليه السلام هو مرآةٌ جامعةٌ لكل الأسماء الحسنى، فلو أننا دقّقنا النظر في هذا المخلوق البديع بأبعاده المادّيّة والمعنويّة فليس بمقدورنا سوى الاستغراق في التفكير العميق فيه.

أجل، إن شئتم فتناولوه من الناحية المادية، يعني اليد والرجل والعين والأذن والأنف واللسان والشفتين، أو من حيث ماهيّته الحقيقية، فسيتبدّى لكم -إن أحسنتم قراءته- أنه كتابٌ رائع يسوق الإنسان الى التعمّق في التفكير.

وعند النظر إلى الإنسان وما يحويه من نفس وقلب ومشاعر ووعي بما لديه من شعور، وتوجيه لإرادته؛ فسيبدو أن ذلك الإنسان صاحبُ آليّة رائعةٍ لا يشوبها أيّ خللٍ، وهو الذي يفهمها حقّ الفهم على اعتبار أنه يقف على أقرب نقطةٍ منها؛ فهو من يُديرها ويشغلها ويتربّع على أعلى وأسمى مكان فيها، فلو أن الإنسان غاص في أعماق نفسه، وأمعن النظر في جوانبه المادية والمعنوية فسينفتح على الآفاق أيضًا كهؤلاء الذين أحرزوا نجاحاتٍ كبيرةً على الأرض ثم انفتحوا على الفضاء؛ وبتعبيرٍ آخر: إن دقّق الإنسان النظرَ في الدلائل الكامنة في الأنفس وأدرك أن الله تعالى لم يخلق شيئًا عبثًا ثمّ جال بنظره في العوالم الخارجيّة؛ فسيعود لا محالة بصنوفٍ مختلفةٍ من الرحيق كالنحلة عندما تحطّ على الزهور.

ينبغي أن تكون مجالسنا مجالسَ تأمّلٍ وتفكّرٍ

أجل، إن ما يجب على الإنسان هو أن يستفيد بشكلٍ جيّدٍ من كِلا جناحي التفكّر والتدبّر: التفكر في الآفاق، والتفكر في الأنفس؛ فيجعل مجالسه كلها ساحاتٍ للوقوف على آيات الله تعالى التشريعية والتكوينيّة، والسياحةِ في تلال القلب الزمرّديّة بشكل أعمق، فإن لم يحدث هذا استحال على المجالس أن تتخلّص من التحرّر والطيش، وحيث يسود التحرّر والطيش يظلّ الناس أسرى لنقد هذا وذاك، والانشغال بعيوب غيرهم واغتياب فلان وعلان كالعجائز، والانشغال بمثل هذه الشائعات يدنّس الزمان والمكان وكذلك الجوّ العام؛ إذ يستحيل في مثل هذا المناخ الدنس أن يتبرعم ويورِق التفكّر والتأمّل، والواقع أن الإنسان الذي يُسلمُ نفسه ويتركها في مهبّ تيارات النفس وهواها إنسانٌ قيّدَ قدرة آليّة التفكّر التي تمكّنه من قراءة الوجود قراءة صحيحةً وتفسيره تفسيرًا سليمًا، بل إنه أصابها بالشلل.

وبهذه المناسبة أريد أن أنقل حكاية حكاها السيد “مدد أفندي”، وقد كان رائدًا ملازمًا للسلطان “عبد الحميد الثاني”أسكنه الله فسيح جناته، التقينا سويًّا في زمنٍ ما، وكنت حينها في الثانية أو الثالثة عشرة من عمري تقريبًا، بينما كان هو في الخامسة والسبعين، فكان نورانيّ الوجه ملتحيًا مهتمًا جدًّا بالعبادة والطاعة، علاوةً على أنه كان نموذجًا مثاليًّا للرجل العثمانيّ النبيل، فلما خُلع السلطان عبد الحميد عام (1908م) ألقاه الاتحاديون بمستشفى المجانين مثلما فعلوا بغيره، ولما جاور المجانين زمنًا طويلًا صار هو أيضًا مجنونًا بعض الشيء؛ فمن يضطرّ إلى العيش مع المجانين في مكانٍ واحدٍ يصبح مشكلةً بالنسبة إليهم ويسمّونه مجنونًا إن لم يشاركهم المناخ نفسه ويتكيّف معهم، وهكذا كان السيد مدد -الذي بقي فترة بين المجانين- ينقل أحوالهم وسلوكياتهم بين الحين والآخر؛ فكان أحدهم ينظر في المرآة فيتحدّث عن اكتساح السيول “أرضروم”، وآخر يحكي أن ثمّة كنزٌ في فتحة المدفأة مدفونٌ، وثالث يسُبُّ الكتابات الصادرة في الصحف…

وانطلاقًا من حكايةٍ نقلها السيد “مدد” حول المجانين أريد أن أصل إلى أننا إنْ ظللنا نتحدث عن مواضيع لا فائدة ولا طائل من ورائها لا دنيويًّا ولا أخرويًّا، ولم نحوّل مجالسنا إلى مجالس نورانيّة انقضى زماننا ووقتنا في الثرثرة والهراء؛ فنصبح تمامًا مثل أولئك الموجودين في مستشفى المجانين؛ يتحدّث أحدهم دون داعٍ، ويثرثر آخر في موضوع فارغٍ، وثالث ينهض فيتخاصم مع غيره، ونتيجةً لهذا تصبح مجالسنا أرضًا جدباء لا بركة فيها ولا نفع، ونُبحر في بحر المعاصي، فنضيّع وقتنا في سفاسف الأمور، فإن كان تحويل مجالسنا إلى مجالس ذكر وفكر أمرًا مطروحًا متاحًا فلماذا نحوّله بأيدينا نحن إلى مقبرةٍ خاليةٍ من الروح، محرومةٍ من المعنى؟! وفي حين يمكننا التجوّل في أودية الطاعة فلماذا نُبحر في بحرٍ من العصيان تصعبُ العودةُ منه؟! لماذا لا نستفيد من الفرص في مجالسنا؛ فنجد مداخل ومنافذ شتّى نبحر منها إلى أعماق القرآن الكريم المتنوعة؟!

إن السبيل إلى جعل مجالسنا مجالسَ مباركةً يتمثّل في تركيز الكلام وسحبه دائمًا إلى أرضية التفكّر والتدبّر التي نتفكّر فيها في الله ورسوله دائمًا، وتحويل المحاورات والمدارسات إلى الحديث عن الحبيب، فإن كان هناك من يريد أن يثرثِر ويتحدّث عبثًا ينبغي ثَنْيُهُ عن مراده بأدبٍ وذوقٍ؛ فيُنصح بأن يُقال له: “يا أخي! إن كنت متحدّثًا عن الله ورسوله عليه السلام فلتتحدّث نستمع إليك، وإلا فأحضِر كتابًا، وهلمّ نقرأه” ولنتدارس موضوعًا تَجِلُ منه القلوب وتذرف منه العيون، يُذَكِّرُنا بإنسانيّتنا من جديد. وربما يُطلب من أحد الحاضرين -على سبيل المثال- أن يقرأ القرآن الكريم، فإن كان هناك مَنْ له صلاحية وقدرة على تفسير الآيات المقروءة رُجِيَ منه تفسيرها، وبهذا نبث الانشراح والبهجة في نفوسنا، فإن لم يكن هناك من هو مؤهّلٌ للتفسير نسعى إلى فهم الآيات المقروءة عبر التعرّف على معانيها بمساعدة كتب التفاسير؛ لأننا كلّما فهمنا وتأمّلنا وتدبّرنا تخلصنا من الدناءة وضحالة الفكر، وانفتحنا على بحار ومحيطات المعرفة الواسعة.

والحاصل أننا في ظلّ ديناميّة التفكّر والتأمّل نفهم عجزَنا وفقرَنا ومدى حاجتنا إلى الشكر فهمًا أعمق، ونستمرّ بإذن الله تعالى في أداء خدمتنا -بنشاطٍ واشتياق- بحيث نحتضن المخلوقات بمزيدٍ من الشفقة والرحمة.

 

 

موقف المؤمن والمنافق من المصائب

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: شبه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث شريف له المؤمنَ بالزرع والمنافقَ بشجرة الأَرْز، فما معنى هذا الحديث؟

الجواب: تعددت وجوه رواية هذا الحديث المشار إليه في السؤال؛ فاختلفت ألفاظه، ومن ذلك ما ورد في صحيح مسلم، يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ الزَّرْعِ لَا تَزَالُ الرِّيحُ تُمِيلُهُ، وَلَا يَزَالُ الْمُؤْمِنُ يُصِيبُهُ الْبَلَاءُ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ شَجَرَةِ الْأَرْزِ، لَا تَهْتَزُّ حَتَّى تَسْتَحْصِدَ”[1].

وتشبيهُ النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنَ بالزرع إنما يدلّ على أن الزرع هو خيرُ مثالٍ للتعبير عن حال المؤمن إزاء ما يواجهه من بلايا ومصائب، فلا يغيب عن علمكم أن الرياح إذا ما هبّت هزّت الزرع وأمالته إلى اليمين مرّةً وإلى اليسار مرّةً، وإلى الأمام تارةً، وإلى الخلف تارةً أخرى؛ وبالتالي يهيم الزرع بوجهه على الأرض، ولكن لا تكاد تهدأ الرياح والعواصف حتى يعاود الاستواء مرّة أخرى، وهكذا المؤمن يتعرّض دائمًا للبلايا والمصائب، ولكنّه -بفضل الله وعنايته- لا يسقط أبدًا وإن اهتزّ. أجل، إن المؤمن يتعرّض دائمًا لكثيرٍ من الابتلاءات والمصائب في هذه الدنيا حتى يرتقي معنويًّا، وتصفو طويّته، ويرجع إلى فطرته الأصلية، ويحافظ على شدّه المعنوي في كفاحه للشرور والآثام، إلى غير ذلك من الحِكم التي نعلمها أو لا سبيل لنا إلى معرفتها، وثمة مقولةٌ دخيلة على اللغة العربية مفادها “المؤمن بَلَوِيٌّ”؛ وهذا يعني أنّ المؤمن دائمًا ما يتعرّض للبلاء وتحلّ به المصائب كلّ حين، وكما: يقولون العبرة بالمعاني لا بالألفاظ والمباني، فقد جاء في الحديث الذي رواه سيدنا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه سأل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ: “الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ[2].

وإذا نظرنا إلى المسألة من منطلق هذا الحديث سنجد أن آل البيت رضوان الله عليهم هم أكثر الناس تعرُّضًا للبلايا والمصائب، فلقد لاقوا شتّى أنواع العذاب والاضطهاد على أيدي مراكز القوّة والنفوذ؛ فقُطّعت أطرافهم، بل وشُنِق بعضهم، وذُبح البعض الآخر، ثم ارتحلوا إلى الحقّ تعالى بعد أن ذاقوا طعم الشهادة، ولكن مع هذا فإن ما أصاب هؤلاء أقلّ بكثير ممّا نزل بالسابقين الأولين، وما حلّ بالسابقين الأولين أقل بكثير ممّا لاقاه مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم؛ لأن كل إنسان ينزل به البلاء حسب مستواه وقدره وقيمته.

الثلوج والزوابع والعواصف تجد مكانها في الذرى

لما كانت الأرواح السامقة تتبوّأ مكانها دائمًا في الذرى العالية؛ فإن الثلوج إذا ما هطلت تجدها تهطل أوّلًا على هذه الأرواح، وإذا ما نزلت حبّات الثلوج اصطدمت بدايةً بهؤلاء، وعلى نفس الشاكلة تتحوّل رؤوس هؤلاء أوّلًا إلى كتلةٍ من الجليد؛ بمعنى أن هؤلاء هم أوّل مَن يتلقّى الضربات الأولى لكلّ شيءٍ، فمثلًا الإمام الغزالي لم يفهمه المجتمع الذي يعيش فيه خلال فترةٍ معينة من حياته، فتعرّض للتهجير؛ فأخذ نفسَه وانزوى بعيدًا عن أعين الناس، واضطرّ إلى أن يبيت وحيدًا بين المقابر، وإذا ما تأمّلنا في تضرّعات وابتهالات سيدي عبد القادر الجيلاني أدركنا جيّدًا قدر ما أصاب هذا الرجل الصالح من مصائب وابتلاءات، وكذلك لا يختلف سيدي أبو الحسن الشاذلي عن سابقَيه.

وإذا ما نظرنا إلى العصر الحالي وتأمّلنا المعاناة التي كان يكابدها مهندس الفكر في هذا العصر الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي سيُخيّل إلينا وكأن البسمة لا تعرف الطريق إليه، لقد جاء هذا الرجل العظيم إسطنبول وهو في ريعان شبابه، محمّلًا بأفكار رائعة لا تطرق أذهاننا اليوم حتى ولو في المنام ونظرًا لأن “مستشاري السلطان” لم يعقلوا ما جاء به فقد ألقوا به في مستشفى المجانين بحجّة أنه يهذي في كلامه، ولمّا وقف مستشارو السلطان في مواجهة هذه الأراء والأفكار تعذّر حتى على العقلاء من ذوي البصائر في زمانه أن يفهموا كلامه.

والحقّ أن الإنسان لا يصل إلى الكمال في الإيمان ما لم يُتّهم بالجنون بسبب إيمانه[3]، ولأن هذه القامة الشامخة قد بلغت الكمال في الإيمان فقد وصموها بالجنون.

بعد ذلك شارك الأستاذ النورسي في الحرب ضدّ الروس، فقضى أيامًا صعبةً في ظلّ الظروف القاسية هناك، ووقع أسيرًا، فتعرض في الأسْرِ للأذى والاضطهاد، ثم عاد إلى وطنه علّه يجد السعادة والهناء، لكنه تعرّض هذه المرة لتنكيلٍ آخر؛ حيث انزوى وحيدًا إلى غارٍ في مدينة “وَانْ”، فما لبِثَ أن قُبِضَ عليه فجأةً وهو يعيشُ عزلته هناك ولم يتخلّص -طوال خمس وثلاثين سنة عاشها بعد هذه الحادثة- ممّا يكنّه البعض له من مشاعر العداء في الدين، وما يضمره البعض الآخر من غلّ وحقدٍ وحسدٍ؛ فتوالت عليه الأحكام واحدًا تلوَ الآخر حتى إنه تعرّض للنفي والسجن والعزل والسمّ والمحاكمات وحُكم عليه بالإعدام، وغير ذلك.

كل هذا العناء يلاقيه هؤلاء ونحن نسمّي ما يصيبنا عناء!

حُمادى القول: إن أشدّ الناس بلاءً هم الأنبياء ثم الذين يلونهم، فالأقرب والأقرب كلٌّ حسب درجته ومرتبته، ومن أهمّ الحِكم في هذا الأمر أن هؤلاء الروّاد الذين تحمّلوا عبءَ الدعوة إن لم يتعرّضوا لمثل هذه البلايا والمصائب الكبيرة أخذ أتباعُهم ومَن ساروا خلفهم يشتكون ويتذمّرون مِن أدنى بليّةٍ تحلّ بهم، فقرصة البعوضة أو النحلة تؤرّقهم، وإذا ما رأوا عقربًا أو حيةً همّوا بالصراخ والصياح دون أن يقرباهم، ولكن إن رأى هؤلاء الأتباع الروادَ السابقين وهم يتحمّلون هذا القدر من المعاناة دعاهم ذلك إلى السلوى وقالوا في أنفسهم: كلّ هذا العناء يلاقيه هؤلاء ونحن نسمّي ما يصيبنا عناء!. ولذا فإن أحوال مَن هم في موقع القدوة تنبئ بأمورٍ كثيرةٍ لمن يأتون من بعدهم، فمن ينظر إليهم ويشاهد الأحداث التي نغّصت عليهم حياتهم تختلف رؤيته ومشاعره وقراءته لتلك الأحداث التي مرّوا بها، وفي النهاية تحلو له الآلام التي يعايشها.

أما المنافق “وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ شَجَرَةِ الْأَرْزِ”

فقد شبّه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم هنا المنافق بشجرة الأرز، ولا يعنينا هنا أن تكون الشجرة المشار إليها في الحديث هي شجرة السرو أو الصنوبر أو الأرز أو الدلب، أمّا ما يعنينا فهو الوصف الذي اكتسبه المنافق “لا تهتز حتى تُستحصد”؛ يعني أن هذه الشجرة التي تبدو ثابتة في الظاهر إذا ما تعرّضت لريحٍ شديدةٍ انخلعت من جذرِها وسقطت، ولم تستطع الاستواء مرة أخرى. أجل، إن ذلك المنافق الذي يمشي متبخترًا ويظنّ نفسه أنه غير معرّض للسقوط إذا ما اعترضته ريحٌ شديدةٌ سقط على الفور وعجز عن الاعتدال مرّة أخرى، أما الزرع فسرعان ما يستوي مرّةً أخرى وينهض مهما كانت شدة الريح الذي أصابته.

وهنا ملمحٌ لطيفٌ يرِدُ بالخاطرِ ويتعلّق بهذا الحديث الشريف: قد يهتزّ المؤمن ويتمايلُ منفردًا فيدورُ رأسه ويعشى بصره إزاء ما يُلاقيه من مغرَيات، فيتعرّض لهزّةٍ مؤقّتةٍ إن سلم نفسه للذنوب والآثام.

ومن ثمّ يجب علينا أن نأخذ بيديه ونسدي له النصح ونرشده إلى الطريق القويم، ونخلّصه ممّا تردّى فيه، وهذا أمرٌ يسيرٌ عمله بالنسبة للفرد الواحد، ولكن إن عمَّتِ البلوى وانغمس المجتمع كلّه في الذنوب، تفحّم من داخله وسقط سقوطًا مدوّيًا يشبه سقوط شجرة الدلب الضخمة، ولذا علينا أن نمدّ أيدينا إليه، ونساعده على القيام مرة أخرى، ونبثّ الحيوية فيه مجددًا، وهذا بالطبع أمرٌ شاق كثيرًا مقارنةً بما نفعله مع الفرد.

ولكن يجب أن تكون هذه الغاية السامية هي هدف تلك الأرواح التي نذرت نفسها لإقامة دين الإسلام المبين، بمعنى أنّ على هؤلاء أن يحتضنوا جميعَ شرائح المجتمع وأن يكونوا هم القلب النابض في كلّ مكان، وأن يدلّوا المجتمع الذي يعيشون فيه على طرق الانبعاث من جديد؛ لأن الوظيفة الأساسية والمسؤولية الحقيقية التي تقع على عاتق هؤلاء هي رفع شجرة الدلب الساقطة مرّةً أخرى، وبعث الحيوية والطمأنينة فيها من جديد.

 

[1] صحيح مسلم، صفة المنافقين، 58.

[2] سنن الترمذي، الزهد، 57؛ سنن ابن ماجة، الفتن، 23.

[3] يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم “أَكْثِرُوا ذِكْرَ اللهِ حَتَّى يَقُولُوا: مَجْنُونٌ” (مسند أحمد بن حنبل، 195/18؛ مسند أبي يعلى، 521/2).

العلاقة بين أنواع الصبر

Herkul-ARB | | العربية

سؤال: ذكر الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي ثلاثة أنواع للصبر؛ الصبر على الطاعة، والصبر على المعاصي، والصبر على المصيبة، فهل هناك علاقة تجمع بين هذه الأنواع الثلاثة؟

الجواب: جاء في مؤلفات الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي -وهو من الشخصيات العظيمة التي وجّهت الناس إلى آفاق القلب والروح- أن هناك ثلاثة أنواع للصبر تجمعهنّ علاقة وطيدة، دعونا الآن نحاول الوقوف عليها:

الاستقامة على الطاعة تقي الإنسانَ من الوقوع في المعاصي

إن أداء الإنسان للعبادات بإتقانٍ ومواظبتَه عليها على نحو تام يستلزم بالفعل صبرًا حقيقيًّا؛ لأنه من الصعوبة بمكانٍ أن يقوم الإنسان بعملٍ من البداية إلى النهاية دون أن يُصاب بالفتور، وبفضل هذا الصبر يحظى الإنسان بحبّ مولاه جلّ وعلا، وفي هذا الصدد يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ تَعَالَى أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ”[1].

وعلى ذلك فالمداومة على أداء الفرائض التي أمرنا اللهُ بها فضلًا عن النوافل لها أهميّة كبيرةٌ من حيث إنها تعبّر عن العبودية الكاملة، ولذا فإن الإنسان يحظى بمنزلةٍ متميّزةٍ عند ربّه سبحانه وتعالى بفضل صبره على الطاعة التي حضّ عليها الأستاذ النورسي بقوله “إنها تَرقى بالإنسان إلى مقام المحبوبية”.

فلو أن الإنسان أدّى العبادات التي افترضها الله عليه من صلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ وعباداتٍ أخرى في كلِّ مرحلة من مراحل حياته بدءًا من لحظة التكليف -مع الأخذ في الاعتبار مرحلة التدريب على أداء الطاعة- حتى وقت الوفاة فهذا يعني أنه قد أدّى العبوديّة الحقّة التي تؤهّله لنيل رضا ربّه سبحانه وتعالى، وعلى ذلك فإذا حرص الإنسان على أداء العبادات على نفس المستوى صارت صلاته وزكاته… إلخ بمثابة التُّرس الذي يتوقّى به من المعاصي، كما أنها تقيه من الوقوع في شباك المعاصي.

فعلى سبيل المثال نشاهد البعض يُكثِر من تناول المشروبات الخبيثة حتى يذهب وعيه ويتذرّع بأن هذا لا يحدث إلا في المناسبات الخاصّة فقط، فهؤلاء قد أظلموا حياتهم الدنيوية والأخروية، ووقعوا في أسارة أهوائهم ونوازعهم الخبيثة، أما الإنسان الذي لا يقصّر في أداء العبادات قطّ ويتوجه إلى المسجد ويؤدّي طاعتَه لربّه سبحانه وتعالى فمن غير الممكن أن نتصوّر مثل هذا الإنسان يقوم بعد خروجه من المسجد بارتكاب مثل هذا الذنب الشنيع الذي حرمه الدين، حتى وإن وقع بين ترغيبِ وضغطِ مَن حوله؛ لأن الصلاة التي كان يصليها والأوراد والأذكار التي كان يقرؤها كانت بفضل الله وعنايته وقايةً وسدًّا منيعًا بالنسبة له، كفلتْ له المداومة على السير باستقامة في طريقه دون أن تعترضه أيّ مشكلةٍ في مسيرة حياته، بمعنى آخر: كما أن الماء الجاري على الدوام يحتّ في الحجر ويبليه، فكذلك الثبات على الطاعة يستأصل نزوعَ النفس إلى المعصية.

العبادة تساعد على الاستقامة في الفكر

إنّ تحرّي الإنسان الدقةَ في أداء العبادات يُعينه على اتخاذ الموقف المناسب تجاه البلايا والمصائب؛ لأن العبادات تذكّر الإنسان دائمًا برضا الله سبحانه وتعالى وقضائه وقدره، ومن ثم يفكّر هذا المؤمن باستقامةٍ فيما ينزل به من بلايا ومصائب، ولا يقع في المعصية بفضل الله تعالى، ولا ينتقد القدر، بل إنه بسبب صلته القوية به سبحانه يعبّر عن رضاه بالقدر قائلًا: “كل هذا نزل بي من قِبل الحق تعالى الذي أقف أمامه معقود اليدين في عبوديةٍ وطاعةٍ كاملة”، بل إنه حتى في الأوقات التي يتأرجح فيها الآخرون ويوشكون على السقوط نراه يُحلّقُ دائمًا في أفق الرضا قائلًا:

إلهي قد قبلنا كلّ ما أتانا

خلعةً كان أو أكفانًا

إنْ وردةً طريّةً أو شوكةً قويّةً تلقانا

لك الحمد في السراء والضراء عرفانًا وإيمانًا

أجل، إن العبادة والعبودية والتوجّه بالعبودة إلى المعبود بحقٍّ والمقصودِ بالاستحقاق سبحانه وتعالى وإظهارَ العبودية الكاملة له، يحفظ الإنسانَ كالصُّوبة التي تحفظ النباتات، ويدفعه إلى التفكير بشكل سويّ في المصائب والنوازل التي تحلّ به، وعلى ذلك فإن أخذنا في الاعتبار كلّ هذا؛ استطعنا أن نقول في طمأنينةٍ تامّةٍ: إن ثمّة علاقة وطيدةٌ بين أنواع الصبر.

من جانب آخر يمكن القول: إن هناك ترتيبًا بين هذه الأنواع الثلاثة من حيث اليسر والعسر؛ لأن من الصعوبة بمكان أن يؤدي الإنسان ما كُلّف به من طاعةٍ دون أن ينتابه قصورٌ أو يمنعه عارض، ولكن إذا ما استطاع الإنسان تجاوزَ هذه الصعوبات كان من الأيسر له التغلبُ على أنواع الصبر الأخرى؛ لأن من يعبر بحرًا مليئًا بالقيح والصديد يكون من الأيسر له بفضلٍ من الله وعنايته أن يعبر نهرًا من الماء، ولذلك فإن أنواع الصبر التي تعرضنا للحديث عنها هنا تيسّر الأخذ بأنواع الصبر التي سنقف عندها فيما بعد.

سؤال: هل هناك أنواع أخرى للصبر يمكن أن نُلحقها بهذه الأنواع الثلاثة؟

الجواب: بوسعنا أن نذكر أنواعًا أخرى إضافةً إلى هذه الأنواع الثلاثة التي ذكرها بديع الزمان سعيد النورسي رحمه الله رحمة واسعة، فمثلًا: الصبر على تباطؤ الزمن الذي قد يُوصِل الإنسانَ إلى حدّ الجنون في الأمور المرتبطة بوقتٍ معين أمرٌ مهمٌّ للغاية، كحال الإنسان عندما يتمنّى أن يؤمن الجميع، وأن ترفرفَ أجنحةُ الحبّ على الإنسانية كلّها، ويسود الأمن والسلام في كلّ مكان، ويتآلف الناس مع بعضهم، وتذوب وتتلاشى جميع أشكال التمييز العنصري، ولكن علينا أن نعلم أنه لا بد لتحقق هذه الجماليات من تنشئة جيلٍ جديدٍ، ومعالجةِ الأمرِ من الأساس، ولا جرم أن تحقيق هذا يتطلّب ربعَ قرنٍ من الزمان على الأقل أو ربما نصف قرن، وهذا أمرٌ لا تطيقه الأرواح العجولة، وكما قال الشاعر:

العجول يتعثّر في سيره

والحذِر يصل إلى مرامه

وثمّة أناسٌ كانوا يطلبون السلطة فجاءتهم بقوّتها ونفوذها، يعتقدون في كثير من الأحيان أن بإمكانهم تغيير لون المجتمع وشكله ولهجته مرّةً واحدة، بيد أنكم إن لم تُعالجوا المسألة من الأساس ولم تحترموا حرّيّة الإرادة لدى الناس، ولم تتجمّلوا بالصبر الجميل من أجل تهيئة بيئةٍ جميلةٍ فبدهيّ أن الأمور ستنقلب عليكم دون وعيٍ منكم ولن تصبّ الأحداث ولا الأزمنة في مصلحتكم، فالبناء الذي أقمتموه بلا أساس -حتى في الأمور التي تعتقدون أن بمقدوركم النجاح فيها- سرعان ما ينهدم فوق رؤوسكم؛ لأن العجلة وعدم معالجة الأمر من الأساس يتنافى مع التطوّر الإنساني والاجتماعي، ولذا فإنّ مَن يتوق ويسعى إلى أن يجعل مجتمعه بل والإنسانية بأسرها تنعم بجوٍّ من الحبّ والسلام فعليه أن يكون على أهْبة الاستعداد للقيام بهذا الأمر، ربما تبذلون قصارى جهدكم ولا تقدرون على مشاهدة الجماليات التي كنتم ترغبون في رؤيتها، ويكتب الله المشاهدة للأجيال القادمة؛ ولذا ينبغي أن يكون مبدؤنا طوال حياتنا هو: “القيام بواجبنا وعدم التدخّل بعد ذلك في شأن الربوبية”.

وهناك نوعٌ آخر من الصبر، وهو الصبر على جماليات الدنيا الفانية وإن كانت تدخل في إطار المباح. أجل، إنّ الوقوف في ثباتٍ وعزيمةٍ وصبرٍ أمام الأشعّة البرّاقة التي ترسلها الدنيا إلى عيوننا يُعَدُّ نوعًا شاقًّا من أنواع الصبر، يحدّثنا بديع الزمان سعيد النورسي عن رجل بنى مسجدًا وأسماه “كأنني أكلتُ”، فهذا الرجل صبر وتحمّل وتجنّب كلّ ما تشتهيه نفسه من طعامٍ وشرابٍ، وادخّر النقود التي كان من المفترض أن ينفقها على هذا المأكل والمشرب قائلًا: كأنني أكلتُ، وفي النهاية بنى بما ادّخره من مالٍ مسجدًا جميلًا أطلق عليه اسم “كأنني أكلت”.

وهناك صبرٌ آخر فوق ذلك وهو صبر المقرّبين؛ وهو التحرّق شوقًا لرؤية جمال الله تعالى ولقاء روح سيد الأنام صلى الله عليه وسلم وتحمّل البقاء في الدنيا إلى أن يتمّ الرحيل إلى آفاق الروح، ومن بين الممثّلين العظام لهذا النوع من الصبر مولانا جلال الدين الرومي الذي كان يقول:

أريد صدرًا يتقطّع ألمًا من الهمّ

حتى أبثّه همّ هذا الفراق المُلِمّ

بمعنى أن يكون الإنسان مهمومًا حتى يفهم معنى الهمّ، فلا يمكنك أن تبثّ همَّك لمَن لا يدرك معنى الهمّ.

كان مولانا جلال الدين الرومي يقول -وهو يتحرّق شوقًا ولوعةً- إنه ابن جنّةٍ مفقودة، مسكينٌ جاء من قِبَلِ الله وأُلقي به في الدنيا، ودائمًا ما كان يترنّم بالليلة التي يتوفّاه الله فيها وكأنها ليلة عرسه، ورغم أن فؤاده يحترق ويتلوّى ألمًا قائلًا: “متى الوصال”؛ إلا أنه لم يفصِح عن مشاعره قائلًا: اللهم خذ روحي الآن حتى أتمكّن من الوصال بك، فقد كان يعطي إرادته حقّها ويصبر على شوقه للوصال.

لأن مَن أرسلَنا إلى الدنيا هو الله، والأمر يتقدّم على الأدب بل ويعلو العشق أيضًا، فحتى وإن أوصل العشقُ الإنسانَ إلى حدِّ الجنون فإنّ طلب الإنسان القدوم دون أن يُدعى إليه يُعدّ سوءَ أدبٍ مع الله سبحانه وتعالى، فمن جنّدنا هنا هو الله، ومَن سيملأ لنا شهادة التسريح من هذه الجنديّة هو أيضًا، فعلينا إذًا أن نصبرَ ونتحمّل حتى يملأ لنا تذكرتنا، وهذا أيضًا صبرٌ على العشق والاشتياق غير أن مثل هذا الصبر يجاوز حدّنا وقدراتنا؛ لأنه من شأن الصالحين الذين آمنوا بحقٍّ، وتعمّقوا في المعرفة، فوصلوا إلى المحبة، ومنها حلّقوا صوب العشق والاشتياق.

 

[1] صحيح البخاري، الرقاق، 18؛ صحيح مسلم، صلاة المسافرين، 216-218.