الجَرَّة المشروخة: السبيل الأقوم للاستفادة بحق من القرآن الكريم

Herkul | | العربية


   سؤال: تكلمتم فيما سبق عن أهمية مراجعة القرآن الكريم بصفاء الحسّ والشعور بالحاجة حتى تتحقق الاستفادة الكاملة منه، فما المقصود بصفاء الحس والشعور بالحاجة هنا؟

   الجواب: ثمة عديدٌ من المبادئ والقواعد التي يجب مراعاتها من أجل فهم القرآن الكريم فهمًا صحيحًا وإدراك ما فيه من مقاصد إلهية، وكما تتبوّأ إيضاحات وهدي النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضوان الله عليهم مكانة مهمة في هذه المسألة فكذلك لا بد من تفعيل الضوابط التي وضعها علماء الإسلام فيما يتعلق بهذا الأمر، ولكن قبل الأخذ بهذه القواعد المتعلقة بعلوم القرآن فمن الأهمية بمكان أن يتحلى الإنسان بصفاء الفكر والشعور، وأن يشعر بحاجته الماسة إلى الأحكام والمبادئ التي بيّنها القرآن الكريم.

   صفاء الحس

صفاء الحس يعني أن يصفِّي الإنسانُ أفكاره، ويلتزم بالصدق والإخلاص، ويركز على المسألة التي يدرسها ويحاول فهمها، ويتجنب ما عداها من أفكار أخرى، ومن ثمَّ كان لهذا الأمر أهمية كبرى في كل مسألة، أما التعامل بصفاء الحسّ مع القرآن والسنة فيشير إلى سعي الإنسان وعزمه وتصميمه على فهم هذين المصدرين الكريمين بما يتوافق مع المراد الإلهي، مع الانسلاخ من كافة الأحكام المسبقة، والانغلاق دون الأيديولوجيات والأفكار الغريبة، والإنسان الذي يتحلى بصفاء الحس لا يفكر إلا في مرضاة الله تعالى فحسب، وبالتالي لا يجعل القرآنَ أداةً للحديث عن نفسه، أي إن الإنسان ذا الروح القرآنية لا يتّخذ من كلام الله وسيلة لأي منفعةٍ؛ لأن مقصده الأساس هو فهم البيان الإلهي وفقًا لمراد الله، والسعي على تبليغه للآخرين.

فلو كان الإنسان على علمٍ بحقٍّ بآيات القرآن الكريم وكلماته وموضوعاته ومحتواه لكنه يستغلّ كل هذا للتعبير عن نفسه وإبراز ذاتيته فحينها لا يمكننا وصف أفكاره ومشاعره بالصفاء والنقاء، لأن الإنسان إن كان يصبو من وراء علمه بالقرآن الكريم إلى احترام الناس له وإقبالهم عليه أو الوصول إلى منصب أو مقام معيّن فهذا يعني أن مشاعره مشوبةٌ بالنجاسة والقذارة، وأنه عديمُ المعاني القلبية، فاقدٌ للروح القرآنية، ومن المحال أن يصل إلى ما يأمله، فحتى وإن انخدع به الناس واتبعوه مؤقّـــتًا، فلن يظلّ الأمر يصبّ في صالحه على الدوام.

فثمة علاقة وطيدة بين صفاء الحس وبين النية والمقصد؛ حيث إن استفادة الإنسان من القرآن الكريم تختلف تبعًا لصلاح النية وفسادها، فمن توجَّهَ إلى القرآن الكريم رغبةً منه في أن يكون صاحب علم في هذا المجال، ولكن استولت عليه بعض النوايا الفاسدة كرغبته في إبراز سعة علمه ومعارفه، وتشوّفه إلى إقبال الناس عليه وتوجههم إليه واحترامهم وتقديرهم له؛ فلن يستفيد حقَّ الاستفادة من القرآن الكريم حتى وإن وصل إلى بعض آماله مؤقتًا.. وفي المقابل لو أن الإنسان ابتغى رضا الله فحسب، ولم يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، ولم يركض وراء حساباته الخاصة، وحاول أن يفهم مراد الله عن طريق القرآن الكريم الذي أنزله الله على كل الإنسانية ورغب عن طريق ذلك في أداء العبودية الكاملة لله تعالى؛ فلا شك أنه سيفهم القرآن بشكل أكبر وأعمق، وسيطّلع على الحقائق التي لم يستطع الكثيرون فهمها.

ولهذا ينبغي للإنسان أولًا أن يراجع أحاسيسه وأفكاره تجاه القرآن الكريم، وأن يراعي المكانة التي يضعها له في ذهنه، ولا ينسى أن القرآن هو كلام الله، ولا ينظر إليه نظرة سطحية وكأنه كلام بشر حاشا لله، وأن يتذكر دائمًا أن القرآن يتميّز بأسلوبٍ وأداءٍ معين خاص به، فإذا أراد أن يفتح القرآنُ له أبوابه ليدلف منها؛ فعليه ألا يجعل من أفكاره ومشاعره حائلًا دونه، ولا يجعلانه يعيش حالة من الخسوف والكسوف، إذ لا بد من صفاء النية والتخلص من شتى الأفكار القذرة؛ حتى يتسنى له رؤيةُ القرآن بشكلٍ صحيحٍ وإدراكُ معانيه على نحوٍ سليم، والوصولُ إلى مراد الله الكامن بين ثنايا عباراته.

ولا حرج على الشخص الذي يرغب في الوصول إلى مثل هذا الصفاء في النية في تعامله مع القرآن الكريم أن يدعو الله بلا حدود حيث إنه أمرٌ صعب المنال، فمن الأهمية بمكان أن يرفع الإنسانُ أكفّ الضراعة إلى الله عزّ وجلّ ويقول: “اللهم إني أريد فهمَ مقاصدك العليا في قرآنك الذي أرسلته إلينا، أريد أن أعرفك وأشعر بك من خلال كلامك، أريد أن أسمع كلامك وكأني أسمعه منك، أو أسمعه على الأقل من حبيبك محمد صلى الله عليه وسلم الذي يتناثر الدر والياقوت من فمه الشريف، فاللهم وفقني لفهم القرآن”، ولو دعا إنسانٌ ما بهذا الدعاء ألف مرة لقلنا له: “ولم لا يكون ألفي مرة”.

   الشعور بالحاجة

أما الشعور بالحاجة فيعني أن يرى الإنسانُ القرآنَ الكريم المنهلَ العذب المورود، وأن يشعر باحتياجه إليه، وبذلك سيُعمِل فكره ومنطقه ومحاكمته العقلية في سبيل الاغتراف منه، بل لن يقتصر على استيعاب المسألة بحدود عقله، وسيحاول سبر أغوارها بسعة قلبه وأعماق وجدانه، وينهل منها ما يستطيع، وإلا فمن المتعذر على ذلك الذي أدلى دلوَه أن يغترف شيئًا من ذلك المنهل، ومن المحقق أنه سيرجع خالي الوفاض.

وكما هو معلوم فالحاجة أمُّ الاختراع؛ إذ إنها عامل مهم يسوق الإنسان لتعلم أشياء جديدة واختراع أشياء مبتكرة، وإن الدرجة التي تفوق الحاجة هي الاضطرار، فالاضطرار هو أسلوب في غاية الأهمية للالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى، والله تعالى يجيب المضطر ويكشف عنه السوء بنص القرآن الكريم.

وهكذا إذا توجه الإنسان إلى القرآن بحاجةٍ تصل إلى مستوى الاضطرار، ودعا الله قائلًا: “اللهم إني لا أستطيع العيش ولا الاستقامة على الطريق السوي بدون القرآن”؛ وجد فيه ما ينشده.. فمثلًا لو صادف الإنسان محتاجًا مترفّعًا عن السؤال، معرضًا بوجهه عنه، غير مكترث بإعطائه من عدمه فهل سيهتم به ويعطيه شيئا؟! كلا، وفي المقابل لو أن هذا المحتاج أشعرَنا بحاله ومقاله وأفعاله باحتياجه الشديد فهل من الممكن أن نرد طلبه؟! كلا، ولذلك فإن من الأهمية بمكان في تحقيق الطلب والوصول إلى المقصد أن يدرك السائل لحاجته حقَّ الإدراك.

وكذلك فإن من يسأل سؤال المستغني المتعالم سيلقى ردًّا موافقًا لسؤاله، بمعنى أن مخاطبَه لن يردّ عليه، أو سيجبيه اعتباطيًّا ببضع كلمات كي يتخلّص من الموقف، ولكن إذا سأل الإنسانُ سؤالًا وهو يثق في المسؤول ويُظهِرُ حاجته إلى إجابته بالفعل فإن المخاطبَ المسؤول سيسعى حتمًا إلى إجابة طلبِه بكلّ وسعه.

وهكذا المؤمن إذا توجه إلى القرآن الكريم مستشعرًا حاجته إليه فلا ريب أن فهمه له سيكون على نحو أعمق وأوسع؛ لأن القرآن الكريم لا يفتح خزائنه إلا لمن أقبل عليه بمشاعر صادقة، أما من يتعامل معه باستغناء فسيضنّ بنفسه عليه، وسيسدل ستائره أمام وجهه، ويغلق أبوابه، ويقول: “لا تحاول عبثًا، فالأبواب موصدة”، ومهما فهم ذلك الإنسان شيئًا من معاني القرآن الظاهرة فلن ينفذ حتمًا إلى أعماقه، أو يصل إلى حقائقه، أو يدرك المقاصد الإلهية الكامنة بين ثنايا آياته.

   إدراك المرء حاجته إليه

من المفيد هنا الوقوف على أمر آخر، ألا وهو ضرورة أن يكون المرء واعيًا بحاجته إلى القرآن الكريم أولًا حتى يستطيع اللجوء إليه عبر الشعور بالحاجة، ومن ثمَّ تنبغي الاستفادة من بعض الديناميات حتى يتسنى الشعور بهذه الحاجة، فمثلًا يلزمنا أن نتمكن من تحذير وتوجيه بعضنا بعضًا في أمور مثل فهم ماهية القرآن الكريم، وإدراك دوره الحيوي في تلبية حاجاتنا الدنيوية والأخروية، وإذا لزم الأمر نستثمر إمكانياتنا لنكون أكثر تأهّلًا في هذا الشأن، وذلك عبر مدارسة ومذاكرة الكتب الخاصة بالقرآن الكريم، ونستطيع أن نبين للناس مدى حاجتهم إلى القرآن عبر عقد دروس ومجالس قرآنية، وتناول مجموعة من المواضيع في هذه المجالس، فإن نعمل دائمًا حول هذه القضايا، ونستنتج بعض المسائل المتعلقة بالقرآن بواسطة محاولاتنا لسبر أغواره ونسعى لجذب الانتباه إليها فإننا نستطيع أن نُشعر الناس بحاجتهم إلى القرآن الكريم ونوجههم إليه.

وإلا فإن القرآن يظل أمامنا مثل كنز نعجز عن الحصول على مفاتيحه، ويتعذر علينا الاستفادة منه بالشكل اللائق؛ إذ ثَمَّة حاجة إلى مفتاح حتى تتسنى الاستفادة من هذا الكنز السماوي العظيم.. وهكذا فإن الشعور بالحاجة وصفاء الحسّ مفتاحان مهمان لبوابات الاستفادة منه، ومن هذه الزاوية يجب أن نبحث بالدرجة الأولى عن طرق امتلاك هذه المفاتيح ومساعدة الآخرين في امتلاكهم لها أيضًا.

وفي القرآن الكريم يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (سورة الأَنْفَالِ: 8/24) وهذا يعني أن انبعاثَنا يتحقق باستجابتنا لدعوة الله ورسوله، أي باتّباعنا أحكام القرآن الكريم، ولا يمكن للحياة أن تستمرّ مع أولئك الذين انغلقوا دون هذا النداء، والطريق للقدرة على إجابة هذا النداء إجابة تامة هو أن يتخلص الإنسان من كل أنواع الأحكام المسبقة ومن الألفة والأنس، فيتمكن من النظر إلى القرآن الكريم بمشاعر صافية، ويكون مدركًا لاحتياجاته في الوقت نفسه ويسعى لتلبيتها بالقرآن.

وبعبارة أخرى يجب أن نستفيد من القرآن الكريم حتى يتسنى لنا الانبعاث، والقدرة على الاستفادة منه تتحقق بالشعور والإحساس به وأن نرتشف من معينه ما يقر ويستقر في صدورنا بالمعنى التام، فنجعله طبعنا وطبيعتنا، وبعبارة أبسط: يجب أن نستوعبه.. بل إنكم حين تلِجون القرآن بعقلكم ومنطقكم يجب عليكم التسليم التام الكامل بأنه كلام الله تعالى، وهذا التسليمُ الكاملُ بذلك هو أحد أهم الأشياء التي يجب علينا أن نطلبها منه تعالى.

علينا أن نُشبع عقلنا ومنطقنا وأحاسيسنا ولطائفنا -أو قُلْ: ماهيَّتنَا- بالإيمان بالقرآن وليس بالنظر إليه نظرة بسيطة من خلال العقيدة البسيطة والصافية التي دُرِّسَت لنا ونحن صغار، حتى إننا حين نقابل شيئًا ضده نستطيع أن نتمثّل رد فعل مناسب بصورة مباشرة ولا إرادية، وهذا يعني أنه من الواجب علينا أن يُصبح رد فعلنا بشأن الدفاع عن القرآن حالةً طبيعية فينا.. فيجب ردُّ الأفكار الخاطئة الواردة من الخارج، المخالفة والمنحرفة برد فعل نابع من طبيعتنا، فإن ظهرت شكوك بداخلنا في هذا الشأن ووقفنا على منحدر التعرض لهزة فإن هذا يمنعنا من فهم القرآن.

وعليه يجب علينا أن نرفع أيدينا إلى الله تعالى وندعوه “اللهم امنحنا إيمانًا تامًّا بالقرآن حتى إن اعترض طريقي ألفُ شيطان وشيطان وحاولوا إقناعي بالأدلة العقلية والمنطقية أن القرآن ليس كلام الله أستطع أن أردهم جميعًا بظهر يدي، اللهم جنِّبني أن تتسلل إلى إيماني بالقرآن أيةُ فكرة مخالفة تخالط خطتي الذهنية وخيالي وتصوري، وأعنّي على أن يتلاشى وينمحي أمام سبحات وجه إيماني كلُّ ما تسلل إليّ من ذلك”، وأن نتحلّى بالصمود والثبات، وكما قلنا سابقًا يجب علينا أن نلحّ على الله تعالى في الطلب، ومهما طلَبْنَا فليس على الله بكثير.. لكنه للأسف حينما نطالع الحالات الروحية للناس ونطّلع على كيفية دعائهم نجدهم لم يجدّوا ويجتهدوا في الطلب من الله تعالى.

إذا ألحَّ الإنسان على الله تعالى في الطلب حيال هذا الشأن فسوف يقول على الأقل: “تُرى كيف لي أن أحقق إيمانًا كهذا؟”، وسوف يسعى وراء تحقيق هذا الأمر، سوف يبحث عن هذا كالرَّحَّالة، ولن يكتفي بما يجد، وسيقول باستمرار “هل من مزيد؟”.. والإنسانُ الذي يسعى وراء هذا يكون جادًّا ومثابرًا، فإن انخرط في الأمر بكل ذاته وهويته وصل إلى مقصوده إن عاجلًا أو آجلًا.. لكنه يستحيل على القاعد عن البحث أن يصل إلى شيء.

لهذا السبب علينا أن نحاسب أنفسنا دائمًا، ونتحرى أين نحن في هذا الشأن، يجب أن نراقب ما نأمل فيه، وأن نفكر حول “ما هي أهم مسألة في حياتنا بالنسبة لنا”، وأن نجعل التعمق في الإيمان والمعرفة الغايةَ المثالية في حياتنا، وأن نمارس بعض الأنشطة الدنيوية أيضًا مثل المأكل والمشرب والزواج والإنجاب على نحو مرتبطٍ بهذا أيضًا، وإلا يتشتت أمرُنا، فننسى الغاية الأصلية من خَلْقِنا، ومع مرور الزمن تصبح بعض الأمور الدنيوية الغاية الأولى بالنسبة لنا.