الجَرَّة المشروخة: حقائق باتت ضحية الأسلوب

Herkul | | العربية


   سؤال: ركّزتم فيما سبق على ضرورة “ألَّا تتم التضحية بالأصول بسبب الأسلوب”، فهل يمكن توضيح هذا؟

   الجواب: لفظة “أصول” هي جمع كلمة “أصل”، وتأتي بمعني الأسس والثوابت، وقد اكتسبت في العلوم الإسلامية مثل الفقه والكلام والتصوّف والحديث، معاني اصطلاحية مختلفة وفقًا للعلم الذي تُستخدم فيه، لكنها باعتبار معناها العام تُستخدَم بمعانٍ مثل: أسس الإيمان، وأحكام الدين الثابتة، ومبادئ الإسلام الرئيسة، وعبر توسيع إطار المسألة نقصد من الأصول الواردة في العبارة السابقة أسسَ العقيدة الإسلامية، وكذلك جميع الأحكام التي طلب الإسلام فعلَها أو تركَها.

أما الأسلوب فهو شكل الحديث والحال والتصرف والسلوك الذي نلتزمه بينما نقدم للناس ما لدينا من قِيم، وبالتالي فإن توخي الحذرَ التامَّ والإخلاصَ في ذلك أساسٌ ومبدأٌ مهمّ للغاية لا سيما لدى أرباب الخدمة.

على سبيل المثال حقيقة “لا إله إلا الله، محمد رسول الله” أصل مهم للغاية يجب على المؤمنين الالتزام به، وألا يُفرطوا فيه أبدًا، لأنها تشكل ركن الإسلام الأول، تُرى كيف ينبغي لنا أن نقدّم للآخرين هذه الحقيقة التي يجب أن نثبتها في قلوبنا إلى أن تغدوَ جزءًا لا يتجزأ من طبيعتنا؟ هنا يأتي دور الأسلوب، إن لم نستطع استخدام أسلوبٍ صحيحٍ في هذه القضية فربما ننال صفعةً على خلاف مقصدنا، ذلك أنه حتى وإن كان مقصدنا هو تعريف الناس بالله جل جلاله وبرسوله صلى الله عليه وسلم وتحبيبهم فيهما فربما نجعلهم أعداء لهما في النهاية، ربما نتسبب في العديد من مظاهر الدمار بينما نروم البناء، وبالتالي فإن خطأً نرتكبه في الأسلوب يمكنه أن يدك نظامًا مهمًّا للغاية في الأصول.

إنكم حتى وإن تأجَّجَت قلوبكم حبًّا لله ورسوله، وكدتم تنفطرون من حماسكم تجاههما، وكنتم مغرمين بتعريفهما للإنسانية لدرجة فرار النوم من أعينكم؛ فقد يذهب هذا التفاني والسعي الحثيث وما تجرعتم من ألمٍ أدراجَ الرياح، إن عجزتم عن إيصال مشاعركم وأفكاركم هذه إلى الآخرين في إطار نظام صريح ومنطق صحيح، بل إنكم سترون أن هذه الحقائق المهمة للغاية -والتي أنتم على أتم الاستعداد للتضحية بأرواحكم عن طيب نفس من أجلها- قد فقدت قيمتها، بل وديست بالأقدام، وستتجرعون مرارة الألم على ذلك.

   معرفة المخاطب

إن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر التزام ديني مهمّ للغاية يرد الأمرُ به في العديد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة، فعلى سبيل المثال يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذٰلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ[1].

وهذا يعني أن دعوة الناس إلى التزامِ السلوكيات التي حضَّت عليها الحضرة الإلهية، ودعوتَهم إلى التغلبِ على الآثام التي نهى عنها العلم الإلهي أساس مهم للغاية..

وبعبارة مختلفة: إن ضمان التقاء القلوب بالله تعالى عبر إزالة الحواجز بين الناس والله جل جلاله أساس مهم للغاية في الإسلام، أي إنه من جملة المهام والمسؤوليات الأساسية التي يجب الوفاء بها.

وإذا اعتبرنا أن كل مسألة دينية “أصل”، وجب علينا أن نتناول تلك الأصول ونعرضها بأسلوب صحيح حتى تحظى بالقبول لدى المخاطبين، لأجل هذا أيضًا ثمة حاجة ماسة لمعرفة البيئة الثقافية والعالم الفكري الذي نشأ فيه المخاطَب ووضعهما في اعتبار المُخاطِب، ثم يجب عرض المسائل بأسلوب لين بقدر الإمكان بحيث لا يؤذي المخاطب ولا ينفِّره ولا يستفزّه.

يجب أن تتحلوا بأعلى درجات الحذر والحساسية والحكمة، لا سيما إزاء مَنْ تقابلونهم للمرة الأولى، لأنكم لن تستطيعوا بلوغ المكان الذي تريدون الوصول إليه ما لم تتخيّروا الأسلوب الصحيح لذلك، فإن أثَرتم أي مشاعر سلبية من ناحيتكم ولو لمرة واحدة في نفس مخاطبكم، سيصعُب عليكم للغاية فيما بعد أن تصحّحوا ذلك، فإنكم إذا ما قللتم من قيمة سلوكياتكم وتصرفاتكم في نظر المخاطبين منذ البداية فصارت كقيمة النحاس، فسوف يصعب عليكم تغيير أفكارهم بشأنها حتى وإن تلفّظتم كلامًا ثمينًا من عقيق وجواهر، إذا كنتم لا ترغبون في تحويل جواهركم النفيسة إلى نحاس، وجب عليكم أن تحاولوا العثور على الأسلوب الصحيح لفعل ذلك.

وبغض النظر عن وضع الشخص الذي أمامنا، فحتى وإن كان واحدًا من المساكين الذين استعبدَتهم أهواؤهم وشهواتهم فلا يستطيعون التخلّص منها بأي حالٍ؛ فلا ينبغي أبدًا لطمه في وجهه بأخطائه وعيوبه، على سبيل المثال، إذا قلتم له “لقد أطعت هوى نفسك وابتعدتَ كثيرًا عن الله، ألا تترك الهوى وتتجه إلى الله؟”؛ فقد دمرتم الأصول بمثل هذا الخطإ الذي ارتكبتموه في الأسلوب، بل إن تصرفًا هكذا غالبًا ما يغلق جميع الأبواب والنوافذ أمامكم ويمنع من اتخاذ أية خطوات أخرى، وبالتالي فإنكم تُضيّقون مساحة الحركة الخاصة بكم، مما يجعل السبل التي ستسلكونها مستحيلة عليكم.

ولتوضيح الأمر أكثر فإنني أسوق لكم مثالًا آخر؛ تخيلوا أن تقولوا لقاضٍ أعمى البصر سيحكم عليكم في قضية ما بالمحكمة: “أيها القاضي الأعمى، لا تحكم علينا دون الاستماع إلينا، إذا غابت عن عينك الحقائق فإنها لا تغيب عن أعيننا”؛ فإذا كان القاضي سيحكم عليكم بنزاهة وعدالة في الظروف العادية، فإنه في هذا الموقف سيستفيد من مرونة القوانين لِيَقلب المسألة ضدكم ويقهركم.. وعندها تنالون صفعةً على خلاف مقصدكم.

قد تضطرون أحيانًا إلى التعامل مع أوساط تنكر الحق والحقيقة تمامًا، وأحيانًا مع الحائرين والمترددين، وأحيانًا مع المؤمنين الذين يحاولون أن يعيشوا دينهم بطريقة مختلفة، بدايةً يجب قراءة الشخص المُخَاطَب قراءةً جيدة، والتعرف عليه بشكل صحيح من حيث مزاجه ومشربه، ومعرفة البيئة الثقافية التي نشأ فيها معرفة جيّدة والاقتراب إليه بعطف ولطف، بعد تقييم كل هذه الأشياء ووزنِها يجب تحديد كيفية بدء الخطاب، ونوعية الأدلة والبراهين التي سيتمّ استغلالها، واللغة التي سيجري استخدامها معه، وطبيعة الأسلوب الذي سيُتَّبعُ معه.

على سبيل المثال، إذا بدأتم الحديث وأنتم تخاطبون شخصًا منكِرًا لله بقولكم: “يا هذا، لماذا لا تقبل بوجود ووحدانية الله بينما هناك قدرٌ كبيرٌ من الأدلة الواضحة وضوحَ الشمس والمرئية رأيَ العين؟! توقفْ عن الإنكار والضلال، وقل: لا إله إلا الله”؛ فإن محاوركم سيسُدّ أذنيه عنكم، ويصبح فيما بعد أصم أبكم أعمى، لا يعقل ما تقولون.. نعم، كلنا يعلم جيّدًا أنه حتى تناول الطعام على المائدة له أسلوبه الخاص به، وكذلك بالنسبة لأية مسألة كهذه تقدمونها لمخاطبيكم؛ فإن لم تراعوا آداب المسألة وأركانها تتسبّبون في انغلاق الأفهام والأذهان المتلقية دون كلامكم القيِّم والثمين الذي تقولونه لاحقًا.

يقول الحق تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (سورة الأَنْعَامِ: 6/108)، إذا كنتم ستهينون وتسبّون آلهة المشرك؛ سواءً كانت “اللات” أو “مناة” أو “العزى” أو “نائلة” أو “إيساف”… فقد مهّدتم الطريق أمامه كي يُهين القيم التي تؤمنون بها ويُهاجمها، ونتيجة لذلك، فإن أولئك المشركين سيتشبثون بِقِيَمِ البيئة الثقافية التي نشؤوا فيها ولن يتخلوا عنها بسهولة، إذا لم تتصرفوا باحترام تجاه معتقداتهم مع الإقرار بأنها باطلة، فلن تستطيعوا إثارة مشاعر الاحترام في مخاطبيكم تجاه قيمكم الخاصة، إن طريقة تقديمكم للأمور مع مراعاة وضع مخاطبكم مسألة مهمة جدًّا، يجب عليكم أن تضعوا في الاعتبار بشكل جيد للغاية أي نوع من التعبيرات، والكلمات والمفاهيم التي ينزعج منها أو لا، وكيفية البدء في الكلام ومواصلته معه، وكيف تنسجون أفكاركم وتحبكونها وما إلى ذلك.

هذا الأسلوب والمنهاج في الدعوة يمكن استنباطه من بديع الزمان سعيد النورسي، إذ قال في رسائله: “عليك أن تقول الحق في كل ما تقول، ولكن ليس لك أن تذيع كل الحقائق، وعليك أن تصدق في كل ما تتكلمه، ولكن ليس صوابًا أن تقول كل صدق”[2]، لذلك يجب أن يتحرى المؤمن الصدقَ في حديثه دائمًا، وأن تكون كل كلمة في كلامه حقيقة بالتمام، لكن لا ينبغي له أن يقول في بعض البيئات، وأمام بعض الناس بعضَ الحقائق التي يعرفها بتمامها، إذا كانت هذه الحقائق سوف تثير ردة فعل في الجانب الآخر، وتؤدي إلى اتخاذهم موقفًا تجاهكم، وتقلِّلَ من قيمة حقائقكم الثمينة كاللؤلؤ والمرجان فتجعلها مثل قيمة النحاس، فمن الأفضل أن تبقى تلك الحقائق في أذهانكم، ينبغي للمرء أن يتحلّى بالحكمة القائلة “لكل شيء وقتٌ وحينٌ”، وأن يتحلى بالصبر في هذه القضية إزاء تباطؤ الزمان الذي قد يُوصِل إلى حد الجنون، لأن العديد من الحقائق التي تُرفض عندما تُقال لأول مرة، تحظى بحسن القبول عندما تُقال في وقتها المناسب.

في البداية قد لا يكون المرء قادرًا دائمًا على أن يحدد بشكل صحيح متى وأين وكيف يتحدث مع محاوره، وطبيعةَ الأسلوب الذي سيستخدمه، لا سيما أنه من الصعب للغاية بالنسبة لأصحاب الطبائع المتهيجة التحلي بالصبر والمحافظة على وداعتهم وهدوئهم تجاه التصرفات والسلوكيات التي ينزعجون منها، لكنّ تعوُّدَ المرءِ على هذا وجعلَه بعدًا من أبعاد طبيعته يعتمد أيضًا على إعطاء الإرادة حقّها، ومهما شقّ عليه الأمر في أوله فإنه يستطيع أن يُعوّد نفسه على ذلك مع مرور الوقت، بل يجب عليه ذلك، فالمواقف التي يحاول الرجل إظهار أنها تأتي منه طواعية، في حين أنه يُجبر نفسَه عليها، ستكون جزءًا من طبيعته مع مرور الوقت، ثم إن روح الإنسان وأحاسيسَه ستكتسب الدُّربة في هذه المسألة، وكما يفعل أرباب الصناعات المختلفة أعمالهم الخاصة دون أية صعوبة نتيجة لاكتسابهم الخبرة والدُربة مع تراكم السنين، فإنه أيضًا سيدرب نفسه إلى أن يجعل أسلوبه محميًّا من الخطر حتى في أكثر المواقف صعوبة وإشكالًا.

   المحافظة على الوحدة والترابط

من المعلوم أن الحق سبحانه وتعالى وصف في بيانه الكريم أن المؤمنين إخوة، وكثير من الآيات القرآنية الحكيمة نبّهت على أهمية الوحدة والترابط، وهذا يعني أن تحقيق الوفاق والاتفاق أحد أصول الإسلام المهمة، لكن إذا ألقينا نظرة عامة على أحوال المؤمنين اليوم فمع الأسف سنجد الفرقة والاختلاف تسود بينهم وتفرض حكمها عليهم، ومن أجل إصلاح هذه المسألة فعلى المؤمنين السالكين طريق الإصلاح هذا أن ينتبهوا إلى الوسائل والأسباب ويولوهما الدقة والاهتمام.

قد يقف البعض على مسافة منكم لمختلف الأسباب، ولكن وبغض النظر عن أسلوبهم وأطوارهم تجاهكم فالواجب عليكم عدم التخلي عنهم، لأن المسلم عليه ألا يتخلى عن المسلم، لذلك فمهما هربوا منكم فعليكم الاقتراب منهم، ولكن أهم شيء هنا أسلوبكم في التقرب إليهم، فلو أنكم قلتم لهم: “إننا نقوم بالأمر على الشكل المطلوب، وطريقُنا ثمارُه أكثر، وفوائدُه جمة، وأنوارُه ساطعة، فتعقلوا بنا وانضموا إلينا، وكونوا عونًا لنا”؛ فإنكم بقولكم هذا تكونون قد أبعدتموهم عنكم أكثر فأكثر.

ولكن بدلًا من ذلك عليكم أن تتخذوا أسلوبًا أكثر لطفًا ومعقولية وإنسانية، فمثلًا يمكنكم مخاطبتهم هكذا: “إننا نحارب الجهل والفقر والافتراق عبر إنشاء وفتح المراكز التعليمية، والفاعليات الخيرية، وفتح طريق الحوار بين الناس، ولكننا لا نجزم أن ما نقوم به هو الطريق الصائب، فلا ندري هو صائب أم لا؟ ولذلك نريد أن نستفيد من أفكاركم وخبراتكم، بل إننا نريد أن يكون لنا مكانًا في قلوبكم فتذكرونا في دعواتكم وتضرعاتكم، فإن دعمكم هذا سيكسب الأعمال التي نقوم بها بركة خاصة”.

فلو أن الأمر تم الاقتراب منه داخل هذا الإطار السابق، وأظهرتم للناس احترامًا وتوجهًا صادقًا، سيقابلونكم بنفس الاحترام والتوجه؛ إن لم يكن اليوم فغدًا، ولذلك فإن قوبلتم بالرد والرفض فعليكم ألا تستسلموا، وإن أُغلقت دونكم الأبواب خمسين مرة، فعليكم طرقها مرة تلو الأخرى، والاتصال الهاتفي بهم، وعليكم أن تبحثوا عن طرق جديدة ومتنوّعة لتحقيق الوفاق والاتفاق، وعلى الإنسان أن يقول لنفسه: “قد أكون ذكرتُ الكثير من الأمور الجميلة ومع ذلك فإنني تصرّفت بشيء من الخشونة والوقاحة؛ ما كان عليّ أن أقول هكذا، يجب أن أجد أسلوبًا لائقًا وملائمًا أفضل من أسلوبي السابق، فإنني عاجز لدرجة أنني لا أعرف ما يجب علي أن أقوله لهذا الإنسان…”، وعليه أن يتوجه لهذا الشخص مرة أخرى ولكن هذه المرة عليه أن يقول له على سبيل المثال: “من فضلك لا تتركنا بمفردنا، كن عونًا وسندًا لنا، أَنِرْ لنا الدرب والآفاق بأفكارك الآفاقية، ولا تحرمنا من ألطافك”.

وإذا أُغلق الهاتف أو الباب في وجوهكم مجددًا، فعليكم بالتفكير المستمر، والبحث الدؤوب للنفوذ إلى قلب مخاطَبكم، وعليكم إيجاد البدائل، واستخدام الطرق المختلفة، وإن لم يحدث فعليكم حينها مراجعة “العقل الجمعي” وعليكم وأنتم تفعلون هذا أن تضعوا نصب أعينكم مدى إدراك المخاطب، وعالمه الروحي، وموقفه الديني، وتصوراته الدنيوية، ثم تحاولون إيجاد طرق مختلفة للتلاقي معه والوصول إليه.

ومن حيث المبدأ فليس شرطًا أن يسير الأشخاص وفقًا للطريق الذي رسمتموه، ولا أن يشاركوكم مساركم الخاص؛ فكونكم تعيشون وفقًا لمسلككم الخاص الذي تحبونه، هذا لا يستلزم منكم الشعور بالحسد والتنافس والعداوة تجاه الآخرين، فلتعشقوا مذهبكم ومسلككم ومشربكم الخاص ولتكونوا صادقين ومخلصين له لأبعد الحدود من ناحية، ومن ناحية أخرى لا تنسوا أن للآخرين أشخاصًا وقدواتٍ يحترمونها، ومبادئَ يُعلون من شأنها، ومسالكَ يتبعونها، وما يقع على عاتقكم هو أن تفتحوا قلوبكم للجميع، وألا تظهروا أدنى درجات التحقير لما يعتقده الآخرون ويجلّونه، وعليكم أن تذكروا بالجميل كلَّ من يخدم الدين، ولتجعلوا أبوابكم مفتوحة على مصاريعها لهم دائمًا أبدًا، وعبر هذا السبيل تتم المحافظة على سلامة الطريق وأمنه وخلوه من الحوادث المرورية؛ وإلا فستواجهكم مقطورة في كل أركان الطريق، لتتوالى الحوادث، وتكثر الضحايا.   

   رعاية الأسلوب حتى أمام الفراعنة والجبابرة

وكما أفدنا سابقًا وفي مناسبات مختلفة، إن الله سبحانه وتعالى عندما اختار اثنين من أحب عباده إليه وأرسلهم إلى فرعون، قال لهم في محكم التنزيل ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (سورة طَهَ: 20/44) بينما فرعون هو الرجل الذي جمع قومه ليقول لهم ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ (سورة النَّازِعَاتِ: 79/24)، ففي الأساس كان لفرعون شخصية تبث الرهبة في نفوس الناس عند ذكر اسمه، ويتلعثمون ويرتجفون خوفًا إن مَثلوا أمامه، ورغم أن فرعون شخص من عِظم كبره وتكبره وتمرده يدعي الألوهية؛ لكن الله سبحانه وتعالى عندما أرسل إليه رسولَيه عليهما السلام أمرهما أن يستخدما معه أسلوبًا لطيفًا ليِّنًا، وكأن معنى الآية الكريمة: “نعم، إنه رجلٌ سيئ، ولكن هذا ليس مبررًا لأن تقذفوا أخطاءه في وجهه وتخاطبوه بأسلوبه، بل خاطبوه بتجرّدٍ تام، وقولٍ ليّن قد يسوقه إلى الحق ولا ينفّرُه منه”. 

وفي الظروف العادية فإن شخصًا متكبرًا متألِّهًا مثل فرعون، إذا جاءته مثل هذه الرسالة من الخارج فإن الفعل المنتظر منه -بالنظر إلى طبيعة شخصيّته وسلوكياته- هو أنه سيستشيط غضبًا، وسيقتل هؤلاء الرسل شرّ قتلة وعلى جناح السرعة -وهذا بغضّ النظر عن عصمة الله لهما من بطشه، فهذا أمر آخر- لكن بدلًا من ذلك نجد فرعون بدايةً يناقشهما في مسألة الرسالة الإلهية، وبعدها يقرّر عقد مناظرة ومنافسة بين سيدنا موسى عليه السلام والسحرة، وهذا يعني أن فرعون قد أصبح مجبرًا على فعل ذلك نتيجة الأسلوب اللين والكلمات المؤثرة والأطوار والأحوال والتصرفات والأفكار التي عرضها كلٌّ من سيدنا موسى وسيدنا هارون عليهما السلام. 

وعندما ينتصر سيدنا موسى عليه السلام على سحر السحرة يبدأ فرعون في اتخاذ موقف جدلي، ويبذل أقصى وسعه حتى لا يُساقَ إلى الإيمان، لكن كثيرًا من الحاضرين والمشاهدين لمعجزة سيدنا موسى عليه السلام تبدأ قلوبهم تشعّ بنور الإيمان، وعلى الأقل فجميعهم ينجون من دركة الكفر المطلق ويقعون في درجة التردّد، ومثل هؤلاء الناس الذين خطوا الخطوة الأولى تجاه الإيمان تكون خطواتهم التالية تجاه الإيمان أسهل وأيسر، انظروا كيف أن “القول اللين” و”الحال اللين” كانا سببًا في ذلك التوفيق العظيم.

وهنا أريد أن أستطرد قليلًا ثم أعود، فنبيّنا محمدٌ عليه الصلاة والسلام كان مثل نبيّ الله موسى عليه السلام، فقد كان يخرج مرات ومرات أمام فراعنة عصره من أمثال أبي جهل والوليد بن المغيرة، وعتبة بن ربيعة وغيرهم، ليبلّغهم الوحي الذي أنزله الله عليه، ورغم معاملتهم السيئة وفرضهم المقاطعة، إلا أنهم عاشوا سنوات عديدة في البداية دون أن يقرروا قتله ومن معه والخلاص منهم، ولو أنهم عزموا فعل ذلك ما كان الله تعالى ليعطيهم الفرصةَ بدليل ما حدث بعد ذلك، ولكن المهم هنا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعامل معهم بأسلوبٍ راقٍ غاية في اللطف واللين، فلم يقل لهم ما قد يمسّ مشاعرهم وينال منها، ولم يكن في ألفاظِه وأطوارِه وأحوالِه يثيرُ حفيظتهم أو يستثيرها، فقد كان في أغلب الأوقات يجذبهم إليه بأسلوبه وينتصر عليهم بأفكاره، وعلى الرغم من أن المخاطبين كانوا يحيدون بالنظر عنه عنادًا وكبرًا، إلا أنه صلى الله عليه وسلم كان يحرز انتصارات داخل الضمير العام للمجتمع.

ومن جهة أخرى فإن الله سبحانه وتعالى قد أمر سيدنا موسى وسيدنا هارون باتّباع أسلوب ليّن في تبليغ فرعون، حتى يكون قد أزال من يد فرعون أية معذرة واهية قد يلجأ إليها في الآخرة، فلا يقول: “نعم قد جاءني الرسول وبلغني الرسالة، ولكنه عرضها بأسلوب غاية في الفجاجة والفظاظة، وقلّل من شأني، فصرت خجلًا أمام قومي”، وبهذا المعيار فحتى مثل هذه المعذرة الصغيرة نزعها الله من يد فرعون بقوله تعالى: “فقولَا له قولًا لينًا”.

ولا أدري اليوم ونحن في هذا العصر ندعي التمدّن والتحضّر ونقول بأن القيم الإنسانية أصبحت في المقدمة، هل استطعنا فهمَ رسالة هذه الآية بدقائقها الحقيقية أم لا؟! هل استطعنا أن ندرك الحكمة والمصالح وراء القول الليّن؟!

وفي محكم التنزيل هناك آية متعلقة بأهل الكتاب يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (سورة العَنْكَبوتِ: 29/46)، إذًا هذا يعني البحث أثناء مخاطبتهم على أفضل أسلوب وأحسنه، والحديث بصورة لا تجرح مشاعرهم، لأنه يجب أن تضبطوا أنفسكم وفقًا لحال مخاطبكم، وحينها تُفتَح القلوب وتصِلون إلى الغاية المبتغاة، لكن إن نظرتم إلى حال المسلمين اليوم وأطوارهم سترونهم لم يستطيعوا الوصول إلى هذا الأفق بعد. 

وإن كان من الواجب استخدام الأسلوب اللين مع فرعون ومع أهل الكتاب، إذًا علينا أن نعيد النظر في خطابنا تجاه بعضنا البعض مرات ومرات، وعلينا ألا نهدم القلوب لأن القلب هو بيت الله، وهدمُه هدمٌ لبيت الله تعالى، وخطاب المؤمن تجاه المؤمن يجب ألا يكون هدمًا للقلوب بل ينبغي أن يكون إعمارًا لها، وعلى هذا يجب أن يكون هذا حال المؤمن في كل أطواره من عافية وابتلاء وأفراحٍ وأتراح، وذلك ليكون مقنعًا لمخاطبيه.

ومما يجب ذكره هنا أيضًا، أنه لكي يصدر القول اللين من إنسان يجب أن يكون ليِّنًا في كل أطواره وأحواله، لأن الإنسان وفقًا لشخصيته فإن لم يكن ليِّنًا ولطيفًا فكذلك أفكاره وأقواله لن تكون لطيفة ولا لينة.

***

[1] صحيح مسلم، الإيمان، 78؛ سنن الترمذي، الفتن، 11؛ سنن أبي داود، الصلاة، 239.

[2]  بديع الزمان سعيد النورسي: المكتوبات، المكتوب الثاني والعشرون، ص 323.