البكاء نصيب من وُضع لهم القبول من الحق تعالى

Herkul-ARB | . | النَّفَحات

تحميل الملف:       .mp4       .mp4 (HD)       .srt (ملف الترجمة)

من حوار أجراه الأستاذ أشرف أديب مع الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي:

يقول الأستاذ أشرف أديب:

سألته إن كان تعباً من سفر إسطنبول، فقال:

“- إنه لا يقلقني سوى المخاطر المحدقة بالإسلام. إذ كانت المخاطر سابقاً تأتي من الخارج وكانت مقاومتها يسيرة، أما الآن فإنها تأتي من الداخل حيث دبت الديدان في الجسد وانتشرت فيه فتعسرت المقاومة. إن أخشى ما أخشاه ألاّ تتحمل بِنْية المجتمع هذا الداء الوبيل، لأنه لا يشتبـه بالعدو. إذ يظن من يقطع شريانه ويمص دمه صديقاً. ومتى عميت بصيرة المجتمع إلى هذا الحد فقلعة الإيمان إذًا في خطر داهم. لذا لا قلق لي إلاّ هذا ولا أضطرب إلاّ من هذا. بل ليس عندي زمن أضيّعه في التفكير في التعب والمشاق التي أتعرض لها بنفسي. وليتني أتعرض لألف ضعف من شقائي ويسلم مستقبل قلعة الإيمان.”

قلت: ألا يمدّكم مئات الألوف من طلابكم بأمل وسلوى للمستقبل؟

“- بلى، لم ينقطع رجائي وأملي تماماً.. العالم يمر بأزمة خانقة وقلق معنوي عظيم. فالمرض الذي دب في جسم المجتمع الغربي وزعزع دعائمه المعنوية كأنه وباء طاعون وبيل. فما الحلول التي يجابه بها مجتمع الإسلام هذا المرض المعدي الرهيب؟ هل بوصفات الغرب النتنة المتفسخة الباطلة؟ أم بأسس الإيمان الحيوية لمجتمع قلعة الإسلام؟ إنني أرى الرؤوس الكبيرة سادرة في الغفلة. فقلعة الإيمان لا تسند بأعمدة الكفر النخرة، ولهذا أبذل كل جهدي وسعيي في الإيمان وحده.. لذا ركزت جهدي كله من أجل الإيمان فقط.

إنهم لا يفهمون رسائل النور، أو لا يريدون فهمها. يظنونني شيخ مدرسة جامداً في الأمور الدنيوية المادية. لقد اشتغلت بالعلوم الصرفة والعلوم والفلسفات المعاصرة كلها، وحللت أعقد مسائـلها، بل صنفت فيها مصنفات. لكني لا أعتـرف بالعاب المنطق ولا أصيخ سمعاً لحيل الفلسفة، بل أترنم بجوهر حياة المجتمع، وبوجوده المعنوي وبوجدانه وإيمانه. فقد حصرت اشتغالي في أساس التوحيد والإيمان الذي أسّسه القرآن، ألا وإن العمود الرئيس لمجتمع الإسلام هو هذا، فإذا تزلزل يضيع المجتمع.

يقولون: لماذا تجرح فلاناً وعلاناً؟ لا أدري، لم أشعر ولم أتبين مما أرى أمامي من حريق هائل يتصاعد لهيبه إلى الأعالي يحرق أبنائي ويضرم إيماني، وإذ أنا أسعى لإخماده وإنقاذ ايماني، يحاول أحدهم إعاقتي، فتـزل قدمي مصطدمةً به. فليس لهذه الحادثة الجزئية أهمية تُذكر أمام ضراوة النار؟ يا لها من عقول صغيرة ونظرات قاصرة!

أيظنونني رجلاً مهموماً بحاله يبغي إنقاذ نفسه؟ لقد افتديت دنياي وآخرتي في سبيل إنقاذ ايمان المجتمع. لم أذُق طوال عمري البالغ نيفاً وثمانين سنة شيئاً من لذائذ الدنيا. قضيت حياتي في ميادين الحرب، وزنزانات الأسر، أو سجون الوطن ومحاكم البلاد. لم يبق صنف من الآلام والمصاعب لم أتجرعه. عوملت معاملة المجرمين في المحاكم العسكرية العرفية، ونُفيت وغُربت في أرجاء البلاد كالمشردين. وحُرمت من مخالطة الناس شهوراً في زنزانات البلاد. وسُمّمت مراراً. وتعرضت لإهانات متـنوعة. ومرت عليّ أوقات رجّحت الموت على الحياة ألف ضعف. ولولا أن ديني يمنعني من قتل نفسي، فربما كان سعيد تراباً تحت التراب.

أنا لا أطيق ذلاً ولا إهانة بفطرتي وجبلتي. العزة والشهامة الإسلامية تمنعني بشدة من هذه الأحوال. فإذا تعرضتُ إلى مثل هذا الحال، لا أطأطئ رأسي مهما كان الذي يواجهني، سواءٌ أكان جبـاراً أشد الناس ظلماً أو قائداً عدواً سفّاحاً للدماء، بل أُلقي بظلمه ودمويته على وجهه، ولا أبالي إن رماني في غياهب السجن أو قادني إلى منصة الإعدام. وهذا ما وقع، وما جرى علي فعلاً. ولو صبر قلب ذلك القائد الدموي ووجدانه على الظلم دقائق أخرى لكان سعيد قد شنق والتحق بزمرة الأبرياء المظلومين.

هكذا انقضت حياتي كلها في نصب ومشقة، ونكبة ومصيبة. لقد افتديت نفسي ودنياي في سبيل إيمان المجتمع وسعادته وسلامته. فهنيئاً وحلالاً طيباً. حتى في دعواتي لا أدعو الله عليهم. فبهذه الأحوال صارت رسائل النور وسيلة لإنقاذ إيـمان مئات الألوف في الأقل، ربما الملايين – هكذا يقولون- فأنا أجهل عددهم، المدعي العام ذكر أنهم خمسمائة ألف أو يزيدون. بالموت كنتُ أنجو وحدي، لكن ببقائي في الحياة وصبري على الصعاب والمشقات خدمتُ في إنقاذ الإيمان بقدر هذه الأنفس. فالحمد لله ألف مرة.

لقد ضحيت حتى بآخرتي في سبيل تحقيق سلامة إيمان المجتمع، فليس في قلبي رغب في الجنة ولا رهب من جهنم، فليكن سعيد بل ألف سعبد قرباناً ليس في سبيل إيمان المجتمع التركي البالغ عشرين مليونًا فقط، بل في سبيل إيمان المجتمع الإسلامي البالغ مئات الملايين. ولئن ظل قرآننا دون جماعة تحمل رايته على سطح الأرض فلا أرغب حتى في الجنة إذ ستكون هي أيضاً سجناً لي، وإن رأيتُ إيمان أمتنا في خير وسلام فإنني أرضى أن أُحرق في لهيب جهنم إذ بينما يحترق جسدي يرفل قلبي في سعادة وسرور.”

هذا هو الهمّ الذي ننشده…