الإمكانيات الدنيوية والمعيار في التخطيط للمستقبل

Herkul-ARB | . | العربية

سؤال: أوصى رسولنا (صلى الله عليه وسلم) أن يعيش الإنسان في الدنيا كأنه غريب أو عابر سبيل، حتى إن بعض السلف عدّ تفكير الإنسان فيما سيأكله ويشربه في غده من “طول الأمل” و”توهُّم الخلود”، غير أن الناس يرون التخطيط للمستقبل بدءًا من التفكير في الشهادة الدراسية والعمل في مهنة معينة مثلا أمرا ضروريا في يومنا الحاضر. فماذا ينبغي أن يكون المعيار في التفكير للمستقبل؟

الجواب: يقول رسولنا الأكرم (صلى الله عليه وسلم) كما ورد بالسؤال: “كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ”. (البخاري، الرقاق 3) والغريب: هو الإنسان الذي غادر بيته ووطنه ونزل في مكان يعيش فيه ضيفا وبشكل مؤقت، ولا شيء يربطه بما حوله من الأشياء والناس. أما عبارة “عابر سبيل” الواردة في الحديث الشريف فإنها تعني المسافر. والواقع أن الإنسان مسافر ينتقل من رحم الأم إلى مرحلة الطفولة، فالشباب، فالكهولة، فالشيخوخة، ومنها إلى القبر، ثم إلى حياة البرزخ، ثم إلى المحشر. وهكذا يوصي سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن نعدّ الحياة الدنيا في هذه الرحلة وكأنها عبور من أحد جانبي الطريق إلى الآخر.

ورُوي أن رسولنا الأكرم (صلى الله عليه وسلم) نام على حصير، فترك الحصيرُ أثره في جنبه الشريف، ولذلك أومأ إليه سيدُنا عمر رضي الله عنه بأن يستفيد قليلا من نعم الدنيا قائلا وعيناه تذرفان: “يا رسول الله! إن كسرى وقيصر فيما هما فيه وأنت رسول الله!…” فأجابه (صلى الله عليه وسلم): “مَا لِي وَمَا لِلدُّنْيَا مَا أَنَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا”. (الترمذي، الزهد 44) ونحن جميعا نعلم أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لو شاء لقدّم الصحابةُ كلَّ ما في بيوتهم ودورهم وفرشوه له. لكن مفخرة الإنسانية عدّ نفسه مسافرا استراح مؤقتا تحت شجرة وهو في طريقه إلى مكان يقصده، ثم راح وتركها، وصرّح بأن علاقته بالدنيا عبارة عن هذا فحسب، فكانت حياته دائما وفق هذا المعيار حتى لحظةِ صعوده إلى أفق روحه.

الثروات التي تُنفَق في سبيل الحق

عند النظر إلى المسألة عموما، وعند الأخذ بأوامر الدين ونواهيه كاملة يُفهم من عبارات رسولنا الأكرم (صلى الله عليه وسلم) أنه ينبغي اجتناب الانغماس في الدنيا طلبا للمُتَع والملذات الشخصية فحسب، لا إهمال الدنيا بالكلية. فمثلا يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (سُورَةُ الأَنْفَالِ: 8/41)

وحكم هذه الآية أن خمس الغنائم متروك أمرُه لرسول الله كي يوزّعه على المذكورين في الآية. ولو أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) خصّ نفسه بعُشر هذه الحصة، لعاش حياة مرفَّهة جدا، ولأقام في القصور. إلا أنه (صلى الله عليه وسلم) آثر أن يعيش حياته السنية في حجرة السعادة التي هي مجرد حجيرة صغيرة، لدرجة أنه (صلى الله عليه وسلم) كان -كما روت أمنا عائشة رضي الله عنها- عندما أراد أن يسجد أثناء قيام الليل يمسّ قدمي السيدة عائشة بيده، فيتسنى له السجود بعد أن تسحب رضي الله عنها قدميها. (انظر: البخاري، الصلاة 22) أي إنه (صلى الله عليه وسلم) ما كان يجد في الحجرة التي يعيش فيها -أرواحنا فداء لتلك الحجرة- موضعا للسجود. لكننا حين نضع أمام ناظرينا خُمُس الغنائم التي تُركت بأمر الله تعالى تحت تصرفه نرى أن سيد الأنام (عليه ألف ألف صلاة وسلام) فضّل أن يعيش حياة بسيطة جدا واستخدم هذا كله في سبيل الله، برغم امتلاكه من الإمكانيات ما يكفي لتجهيز جيش كامل. أجل؛ لقد كان يتحرك في حياته الشخصية والبدنية، وفي المتع والملذات بحكمة وضبط للنفس وبتوازن تامّ، بل إنه مثال الاستقامة التي أمره الله بها في قوله: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ﴾ [سُورَةُ هُودٍ: 11/112]

وَرَثة روح الاستغناء

لا ريب أن رسول الله(صلى الله عليه وسلم) كان شخصا فريدًا وفائقًا لامثيل له في صلته بالله تعالى، ومنزلته، ومكانته، وسعته، وعمقه. أجل، لقد كان (صلى الله عليه وسلم) ساميَ الطبيعة ومتميزَها حتى إنه يشير إلى أنه يشعر بمتعة ولذة من العبادة والطاعة، كالمتعة التي نشعر بها نحن من المأكل، والمشرب، وغيرهما من الملذات الجسمانية. ولذلك كان يستأذن زوجاته ليلا كي يروي عَطَشه إلى الحق، فيقوم ليله ويُدني فاه من نبع العبودية ينهل منه. وهو بهذا الاعتبار لا يُقارَن به أحد حتى صحابته الكرام. أجل، لا يمكن مقارنة أحد به ألبتة، بل إنني ربما أذهب إلى أبعد من ذلك وأقول -إن لم يُعتبر هذا نوعا من التجرؤ- إننا نخطئ حتى لو أننا قارنّا به جبريل (عليه السلام)؛ لأن جبريل (عليه السلام) لم يكن يحمل على عاتقه أعباءً جسمانية ولا نفسانية. أما سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فرغم أنه يحمل هذه الأعباء، قد سبق الملائكة الكرام. ولهذا السبب كان (عليه ألف ألف صلاة وسلام) -مثلما عاد من المعراج إلينا- يتنزل من أفقه إلى مستوانا كي يقدّم رسائله لنا ويرشدنا إلى الطريق الصحيح ويعرض أمامنا قضايا موضوعية تتناسب مع منطقنا وأسلوب معيشتنا.

وعندما ننظر إلى المسألة في إطار هذه المعايير، يمكننا القول بأنه ينبغي أن يعيش الناس حياتهم الشخصية في استغناء عملا بالرسائل التي بلّغها (صلى الله عليه وسلم) لأمته، وإن تعذرت مقارنة أي إنسان به. فالواقع أن الأكابر المتأسّين به قد فضّلوا أن يعيشوا مستغنين. ولو نظرتم إلى نمط حياة الأستاذ بديع الزمان مثلا، لرأيتم أنه ارتضى الاستغناء دستورا مهما في حياته كلها. فقضى أياما فوق شجرة أحيانا، وشهورا في قمة جبل أحيانا، وأحيانا أخرى في منزل خشبي غير ملائم للإقامة إطلاقا؛ والحاصل أنه فضّل أن يعيش حياة بسيطة حتى آخر عمره. وفي الحقيقة أن الذين حقّقوا إصلاحا وتجديدا في مجتمعاتهم قد عاشوا مستغنين عن الدنيا، ولو كانوا من الذين يدينون غير ديننا وينتمون إلى ثقافات أخرى.

ومن هذه الزاوية يمكننا القول إن هذه الخصائص التي تُعتبر أمارة للعظمة في القيم الإنسانية العالمية يمكن توفرها عند أي إنسان. والفارق هنا هو أنها أكثر سلامة في القلوب المؤمنة، وأنها تَعِد بالثبات والبقاء؛ لأن التأييد الإلهي ظهيرهم. أما الآخرون فإنهم –وإن تَحَلَّوا ببعض الصفات الإيمانية مثل الاستغناء والإخلاص في العمل والإيثار- إلا أنها لا تَعِد بالاستمرار والبقاء. ولكن ينبغي أن نعرف أن الله (جل جلاله) يُوفّق من اتصفوا بالصفات الإيمانية في أمورهم الدنيوية. لأن معاملة الله (جل جلاله) لعباده إنما هي بحسب تلك الصفات. ولذلك فإن الإنسان لا ينبغي له أن ينتظر من الله ما يليق بكرامة الإنسان إذا كان خمولا وأنانيّا وطمّاعا يلهث وراء جمع الأموال والثروات ويمضي عمره في ملذّاته فقط. لأنه بعُد عن حقيقة الإنسانية. والواقع أن المؤمن الذي يجب عليه أن يرقى باستمرار نحو الكمال، يستحيل تصويب انغماسه في الدنيا وحياتِه في فلك أهوائه، وتحركه وفقا للنزوات الحيوانية. ومن المؤكد أن طرز حياة كهذا ليس هدياً نبويًّا.

سبيل تخليد الإمكانيات الزائلة

لا ريب أننا لا نقصد مما نقوله أن ينزوي الإنسان في زاويةٍ كما يفعل بعض الدراويش ويهجر الدنيا بما فيها، ويُعرض عنها كلية؛ لأن هذا يتنافى مع الأمة القوية، فعلى المسلمين إذًا أن يتزودوا بالإمكانيات الدنيوية قدر ما أمكن، لكن يجب عليهم أن يستثمروها في سبيل الآخرة. وفي هذا الصدد أود أن أنقل لكم شيئا مما كان يطوف بخيالي أحيانا وتتمناه نفسي: أتمنى أن لو دخلتُ غرفتي فوجدت فيها بضعة تريليونات من الليرات، ثم وزّعتُ هذا المال على أصدقائي حتى يتسنى لهم فتح مدارس ومعاهد ثقافية في أرجاء العالم كافة، ليفتحوا قلوب الناس بها. لا ريب أن هذا مجرد خيال وحلم، وكل ما أقوله يذهب سُدى. لكن لو راودكم أنتم مثل هذا الخيال بدلا مني وأفصحتم لي عنه لقلتُ لكم: حتى بمثل هذه العملية الخيالية تنالون ثواب العبادات والطاعات؛ لأنه من المهم جدًّا الانشغال بهَمِّ تبليغ إلهامات أرواحنا للآخرين، وإنارةِ العوالم بالمشعلة النورانية التي نحملها في أيدينا، وللوصول باسم النبي الجليل إلى كل بقعة تطلع عليها الشمس؛ ورَبْطَ كل شيء حتى الأحلام بهذه الغاية المُثلى.

وبالرجوع إلى موضوعنا الرئيس نقول مرة أخرى إنه لا حرج من التزود بالإمكانيات والقوى الدنيوية بعد استخدامها بالشكل المناسب، لكن ما يسوق الإنسان إلى كارثة محققة في الدنيا والآخرة هو المحبة الشديدة للدنيا والولع بها الذَيْن يعبّر عنهما حُبُّ المال وحب المنصب وحب المنزل وحب الأولاد وحب الشهوات. ينبغي للإنسان أن يكون عبدا للحق ليس إلا، ويحبَّ كلَّ شيء لأجله تعالى.

أجل، يجب ذكر الله في بداية كل أمر ونهايته وأوله وآخره، وربطُ كل شيء برضاه. وإلا فإنْ تحركْنا وفقا لرغباتنا النفسية وأهوائنا الجسمانية تضاءل كل شيء في تلك البؤرة الضيقة، وحينذاك نقول: يا أَسَفَى علينا وعلى تلك الإمكانيات!. وفي رأيي أن على الإنسان ألا يكون سجين هذه البؤرة الضيقة، وهو الذي قَدْره يماثل قدر الكون، ولديه قوة كامنة ينقاد له العالم بها، والذي خلقه الله مهيأ لإحراز مقامات في الآخرة عرضها كعرض السماء والأرض. بل عليه أن يهرول وراء الأبدية والخلود، وأن ينشد رضى مولاه عز وجل على الدوام. فلا ينبغي له أن يتمنى أن يكون فاتح إسطنبول إن لم يَصِل به هذا إليه سبحانه. لأن قيمة مثل هذا الأمر ليست من ذاته، فالذي أكسَبه القيمةَ هو سعة النية؛ بمعنى أن الفتح إن ارتبط بغايةٍ مثلى مثل نيل بشارة النبي (صلى الله عليه وسلم)، ورفع كرامة الإسلام ورعايته، والبلوغ باسم النبي الجليل إلى كل بقاع الأرض، عند ذلك يكتسب فتحُ إسطنبول قيمةً.  

دَوْر النية

إن هذا الأمر يسري أيضا في أيامنا على كل جهد مبذول للتخرج في بعض المدارس والاشتغال ببعض المهن، وبعبارة أخرى لو أن الإنسان يريد أن يقوم بأعمال تخدم بلده وغايته المثلى، ولِتحقُّقها شروطٌ لا بد منها، فعليه أن يراعيها. فمثلا على الطالب الذي يريد الالتحاق بجامعة رفيعة المستوى أن يقول في نفسه: “لن أستطيع دخول الجامعة دون الانتهاء من مدرستي، ولن يتسنى لي الحصول على مناصب تتيح لي خدمة أمتي دون التخرج في الجامعة، ولن أحظى على أي مكانة دون الحصول على هذه المناصب، فإن لم أحظ بهذه المكانة فلن أستطيع القيام بشيء في سبيل خدمة بلدي وغايتي المثلى”، إذًا عليه أن يكون في نيته من البداية مثلُ هذه الغاية الجليلة.

أجل، إننا أحيانا لا نملك مع الأسف إلا أن نلوم السابقين قائلين: “لِمَ لم ينتبهوا إلى بعض الأمور، ولماذا خلّفوا وراءهم ثغرات في بعض المجالات؟”. ولذا علينا أن نبذل كل جهودنا لكي نسدّ الثغرات التي خلّفها السابقون وألاّ نفسح المجال لظهور ثغرات جديدة، حتى لا يلومَنا مَن بعدنا. ومن ثمّ لا بد من اجتياز العقبات حتى لا يلومنا أبناؤنا وأحفادنا. وعلى ذلك لا بدّ من أن نكون أولًا أصحاب إيمان قوي، وألا نقصر في أداء العبادات والطاعات، وأن نفعل كل ما نفعله بنية صادقة. فإنْ تحقق ذلك فإن الدراسة والتخطيط لها يُكسبه ثوابا مثل العبادات؛ لأن الوسائل المستخدمة في أي أمر تصطبغ بصبغة النية فيه. وعلى ذلك فلا بد من أداء أي عمل بما يتوافق مع نسيج النية.

والحاصل أن المؤمن لا يقوم ولا ينبغي له أن يقوم بأي أمر مطلقا لكسب ثناء الناس وامتداحهم أو لمجرد حسابات دنيوية، بل إن عليه أن يسعى سعيا حثيثا لتبليغ الآخرين القِيمَ العالية المنبثقة من جذوره الروحية والمعنوية، ويبذل جهده دائما ليكون لهذه القيم كلمتها في التوازن العالمي. ولا جرم أنه في هذا السبيل سيواجه كثيرا من المصاعب وسيتجرع الآلام ويَئِنّ وينقصم ظهره غمّا وكمدا، ولكنه يعرف جيدا أن المعاناة والمشقات التي يكابدها الإنسان وهو يتحرك في فلك غاية مثلى تفضي به إلى ثواب عظيم لا يصل إليه وإن سلك مسلك أهل السير والسلوك الروحاني.