الأماكن الهادئة وبرامج القراءة

Herkul-ARB | . | العربية

سؤال: إن الإنسان المعاصر يضيق صدره في خضم أنواع وأنواع من ضوضاء الحياة ومشاغلها اليومية، فكلما وجد الفرصة سانحة يبحث عن مكان هادئ وشرم منعزل، كما ترغب القلوب المؤمنة في الاستفادة من تلك الأماكن الهادئة لصالح حياة القلب والروح. فما هي الأمور التي يجب الانتباه إليها حتى نستطيع الاستفادة الكاملة من برامج هدفُها تحقيق هذه الغاية؟

الجواب: لكلٍّ منّا مجموعة من الوظائف في الحياة الاجتماعية يجب عليه أداؤها؛ والواقع أن المؤمن مطالَبٌ بأن يُخالِط الناسَ ويعايشهم إن كان يريد نفع المجتمع، وتوجيهَ مخاطبيه إلى أفق معين، وإرواءَ أراوحهم بالقِيَم التي يملكها. أجل، على الإنسان المؤمن بالله واليوم الآخر إيمانًا حقيقيًّا، أن يخالط الناس وأن يكون كبوصلة القبلة يرشد من حوله إلى قبلة الحق والحقيقة دائمًا. فمفخرة الإنسانية (صلى الله عليه وسلم) قال: “اَلْمُسْلِمُ إِذَا كَانَ مُخَالِطًا النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ خَيْرٌ مِنَ الْمُسْلِمِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ” (الترمذي، صفة القيامة). ولهذا أرى أن العزلة الدائمة والخلوة المستمرة معناهما التنصل من المجتمع ومن الوظائف الاجتماعية. وبهذا الاعتبار فإنني أظن أن الإنسان الذي يهرب من تلك الوظائف يأثم، حتى وإن كان ذلك لنيل الكمالات والفيوضات الشخصية؛ لأن الأصل في الإسلام هو مصاحبة الحق بين الخلق، والسعي لخدمة الإنسانية.

نعم، إننا نواجه بعض المواقف التي نكرهها خلال مخالطتنا للناس لأجل الوصول إلى غاية عُلوية؛ حتى إننا قد نسير في الوحل بلا وعي ويصيب الوحل ملابسنا من باب البلوى العامة. أجل، قد تتلوث عيوننا ونحن في الحياة الاجتماعية، وتتدفق الشوائب إلى آذاننا دون أن ندرك، فيتعكر عالمنا الداخلي بلَوثيَّات عدة.

ومن ثم فإن الذين يصبرون على كل هذه السلبيات في سبيل فكرة مثالية سامية يحتاجون أحيانًا إلى الانزواء في مكان نقي الهواء، واستنشاق الأكسجين هناك حتى يستوفوا منه، واستعادة طاقتهم من جديد كي يتنقَّوا مما تعرضوا له من أوساخ، ويطرحوا عنهم ما علق فيهم من أقذار. وأنا على قناعة بأن فعاليات المدارسة والقراءة في إطار غاية كهذه تعتبر نوعًا من أنواع العبادة.

لكن ثمة أمر يجب الانتباه إليه في هذه النقطة وهو أن تلك الأماكن الهادئة والشروم المنعزلة التي يتوصل إليها بتكبُّد مجموعة من المشاقّ والنفقات ينبغي أن يُستفاد منها دون أن يُضيّع فيها ولو مجرد لحظة واحدة، وأن تُعمر بفعاليات القراءة المنتظمة، وتُحيا بالأوراد والأذكار. أجل، يجب أن تُشكَّل سمفونيات وجوقات موسيقية من الأذكار والتسبيحات التي تتفجر من القلوب وتهزّ الأرض والسماء، حتى يشعر سُكّان الملإ الأعلى بالرغبة في الاشتراك فيها.

مناخٌ منفتحٌ على الروحانيات 

كان الأصدقاء في مخيمات القراءة القديمة التي تُقام في أشهر الصيف ينزوون ليلًا هنا وهنالك يتلون القرآن ويرددون الأدعية، الأمر الذي كان له بالغ الأثر في نفسي؛  كما كانوا في الوقت ذاته يقرؤون في هذه المخيمات من الكتب حول الحقائق الإيمانية 200-300 صفحة يوميًّا، ويتذاكرون موضوعات شتى.

وظروف الحياة في هذه المخيمات بسيطة للغاية، حيث كان أهل المخيم يرقدون على الأرض فوق حصير، وكان عليّ أنا الفقير طهي الطعام وتقديمه لهم.

زارنا ذات يوم شخصيةٌ مرموقة، فلما رأى ما يجري في ظل هذه الظروف الصعبة للغاية قال: “لا أظن أن هناك مكانًا الآن على وجه البسيطة تسوده الروحانية كهذا المكان”، ثم عاود المجيء في العام التالي.

ويجب علينا في هذه الأجواء النقيّة أن نحاسب أنفسنا ونرصد تقصيرنا فيما نقوم به من أعمال في سبيل الخدمة، وأن نحسب المسافة بين المكانة التي نحن فيها والمكانة التي لا بد أن نصل إليها، وأن نتخلى عن الجسمانية، ونتجرد من الحيوانية، ونطرح القاذورات البشرية جانبًا، ونعزم السفر على مِحْوَر حياة الروح، ونسعى للانفتاح على الروحانيات.

وفي هذا الصدد أنوّه إلى أمر مهم:

كنت أفكر في أيام المخيمات أن أوصي إخواني بالصلاة مائة ركعة في كل ليلة، ولكني أخشى أن يكون هذا تكليفًا بما لا طاقة لهم به. إلا أننا عند النظر في سيرة العظماء نجدهم يصلّون مائة ركعة كل يوم حتى في طفولتهم.

فعلى من تُتاح لهم فرصة المشاركة في مثل هذه المخيمات والبرامج، عليهم أن يصلّوا مائة ركعة كل ليلة إن أمكن، وأن يستغلّوا تلك الليالي التي تفيض بالأسرار والأحزان بالدعاء والاستغفار وقراءة القرآن والأذكار.

مؤلَّفاتٌ غلب عليها الإلف بها

من جانب آخر ينبغي للمشاركين -لو أمكن- أن يقرؤوا 300 صفحة يوميًّا؛ حتى يتسنى لهم حسن الاستفادة من برامج الاسترواح التي يمكن أن نسمّيها بالعزلة المؤقتة. فإذا ما استطاع شخصٌ تنفيذ هذا البرنامج لمدة 15 يومًا، فإنه حينذاك يتمكن من قراءة 4500 صفحة. فإن قام هذا الشخص بذلك البرنامج مرتين سنويًّا استطاع أن يقرأ عددًا هائلًا من الكتب التي تدور حول  قِيَمنا الذاتية. 

علاوة على ذلك فمن المفيد جدًّا التخلص من الرتابة، والاشتغالُ بالقراءة المقارنة بين هذه المؤلفات النفيسة والمؤلفات الأخرى؛ وتحققُ هذا بالطبع مرهونٌ بموافقة الجميع.

 بناء على ذلك فإن هذا الأمر سيُجهِد من بهم الريادة في مهمة القراءة مع المذاكرة حتى يأتي يوم نتخلص فيه من الإلف والطراز القديم للقراءة.

لكن ما لا ينبغي أن يُنسى هو أن الناس يتشكلون تبعًا لرُوّادهم، فإن عُني الرُّوّاد بهذا الأمر وألحّوا على تطبيقه تأسَّى بهم الأتباع. فيا للأسف استولت علينا وأسَرَتْنا حالة عقيمة، ألا وهي قراءة هذه المؤلفات القيّمة دون تأمل، والمرورُ عليها مرورَ الكرام دون إجهاد النفس في فهمها بعمقها الحقيقي؛ وذلك لأنه لم يتكون عندنا منهج قراءة يعتمد على المقارنة والمحاكمة العقلية.

فإن هذه الكنوز المتشكلة من جوهر وياقوت وزبرجد قضى عليها الإلف، وإنني أعتقد أن هذا الأمر قد يُفضي إلى امتعاض أصحاب هذه المؤلفات القيّمة مِنّا.

وأنبّه هنا إلى مسألة أخيرة، ألا وهي:

إن الوصول إلى مثل هذا الصفاء والنقاء -ولو لفترة مؤقتة- في مكان هادئ، هو بمثابة “صوبة” تصوننا في حياتنا الاجتماعية فيما بعد.

والحق أن مجتمعنا لم يتلطخ منذ أن تشرَّف باعتناق الإسلام بمثل هذه القذارة التي نراها اليوم، فلقد باتت الشوارع والأسواق وصحون المعابد والمؤسساتُ التعليمية تشوبها النجاسة؛ وأعتقد أن التخلص من هذه الأدران، والتطهرَ في مكان طاهر، والإحساسَ بالطهارة مرة أخرى، والابتهاجَ بها، له أهمية بالغة في مواصلة الإنسان حياته على نهج طاهر قويم.

إن اللجوء إلى العناية الإلهية بالأدعية والأذكار هو مصدر قوة يصون الإنسان ويرعاه. يقول تعالى: ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾ (سورة البقرة: 2/152) فهذه الآية تشير إلى أننا إذا ذكرْنا الله بالتسبيح والتحميد والتكبير والتهليل، ذَكرَنا هو بعنايته عند المصائب وانقطاع السبل. ويمكن أن نفهم من هذه الآية أيضًا ما يلي: “تَوَجَّهوا إليّ بفقركم وعجزكم، أؤيّدكم بحولي وقوتي”. وإننا لنستشعر مدى تجلي اللطف الرباني في هذا التوجه الإلهي الذي أتى على صورة العقد؛ وكأن ربنا جلّ في علاه يتنزل إلى مستوانا ويقول لنا:”افعلوا لي هذا أفعل لكم ذلك”.

مجمل القول إننا جميعًا بحاجة ماسّة إلى مثل هذه العزلة المؤقتة حتى يكونَ بوسعنا تنقية أعيننا وآذاننا وألسنتنا من الذنوب والآثام، وتزكيةُ قلوبنا حتى نتجدد. لكن في مثل هذه اللقاءات لا بد أن تركّز العقولُ على قراءة الكتب، والقلوبُ على الأدعية والأذكار؛ كما يجب أن نعفّ ألسنتنا عن الحديث في أمور تافهة، وألا نخوض في اللغو ولهو الحديث، وأن يكون كل كلامنا في الأمور السامية.