الاتزان والاعتدال

Herkul-ARB | . | العربية

سؤال: ما هي الأمور التي يجب مراعاتها حتى لا يقع منا إفراط أو تفريط في عصرنا الحاضر، فإن فيه انحرافات فكرية خطيرة في كل ساحة من ساحات الحياة تقريبًا، ويُسمح فيها بأنواع من المغالاة، هلا تبينونها؟

الجواب: إن الاتزان والحفاظ على الاعتدال أمر مهم للغاية حتى نتمكن من أن نجعل الدين حياةً لحياتنا، ونعيشه بالشكل الذي يلائم المراد الإلهي. وذلك لأن الوقوع في الإفراط أو التفريط يتحقق حين يُفتقد الاتزان، وعندئذ تتكون دائرة فاسدة نظرًا لأن الإفراط يولّد التفريط، والتفريط يولّد الإفراط. والواقع أن السبيل إلى السلامة من الإفراط والتفريط هو اتباع سنة مفخرة الإنسانية الهادي إلى الصراط المستقيم، والذي أوصى أمته بالاعتدال دائمًا.

الصراط المستقيم

يُعرَّف الصراطُ المستقيم في منظومة الفكر الإسلامي بأنه اعتدالُ كلٍّ من “القوة الشهوية”، و”القوة الغضبية”، و”القوة العقلية”، ويعبّر عن اعتدال كل هذه القوى بعبارة “الصراط المستقيم”. ويمكن ملاحظة أمور أخرى كثيرة مثل المنافسة، والتنافس، والنية، والنظر وغيرها في هذا الإطار. وبتعبير أصح يمكن الحديث عن وجود صراط مستقيم لجميع الطباع الحسنة والسيئة التي جُبل عليها الإنسان.

فمثلًا إن تناولنا “النظر” الذي يعني قراءة الأشياء والحوادث وتقييمَها، وجدنا أن المتفائل يمثل الإفراط، والمتشائم يمثل التفريط، بينما يمثل الناظر إلى حقيقة الأمور الحالَ الوسطَ بينهما. معلومٌ أن المتفائل هو من يتغاضى عن الشرور والشناعات، ويتناول كل شيء بجوانبه الحسنة والجميلة فحسب؛ أما المتشائم فهو من يرى كل شيء سيِّئًا حالكَ السواد. أما الناظر إلى الحقيقة أو الناظر بالهُدى فإنه يسعى ويجهد كي يرى كل شيء على حقيقته. والواقع أن “مَنْ حسُنت رؤيتُه حَسُنتْ رويّتُه وجمُل فكرُه؛ ومن جمُل فكرُه تمتَّع بالحياة وعاش حياة طيبة” كما ذكر الأستاذ بديع الزمان في “نوى الحقيقة”. بالإضافة إلى أنه يلزم -حتى في الأشياء القبيحة- التوجهُ إلى الأفكار الطيبة، والتقييمات الجميلة طالما أمكن التأويل. لكن هذا لا يعني تجاهل الواقع، والعيش في عالم الخيال والأحلام. إذًا إن ما ينبغي فعله هو رؤية كل شيء كما هو دون هروب من الحقائق ولا تجاهلٍ لها، ودون الوقوع في تشاؤم أو يأس؛ وهذا هو الاتزان في “النظر”.

والواقع أن النفس التي وُضعت في ماهية الإنسان، والتي تبدو كأنها شرٌّ في الظاهر تصبح خيرًا له إن تحرك على الصراط المستقيم؛ حتى إن الشيطان الذي يُضِلّ الناس ويفتنهم بإغوائه وتسويلاته، إن فُهمت الحكمة من خلقه فربما يكون سببًا لأن يتوجه الإنسان إلى الحق تعالى دائمًا ويلجأَ إليه؛ غير أنه إذا ما نُظر إليه -حاشا لله- كأنه قوة مستقلة، فذلك يعني أنه قد نُسبت إليه قوة وسلطة وهمية، كحال من يتوهمون قوةً وسلطةً في النور والظلمة، فهذا ضلالة. وكما تعلمون أن من يعتقد ذلك يدّعي أن كلًّا من النور والظلمة مصدرُ قوة متفردة مستقلة عن الأخرى، وأنه لا ضرر يأتي به النورُ، ويظنون أنه من الضروري إسعاد من يمثلون الظلام، وبذلك يرتكبون سيّئات لا تخطر على عقل ولا خيال لهثًا وراء فهم معوجّ كهذا. وقد راح عبدة الشيطان الذين يتحركون بالفلسفة نفسها يسعون لإرضاء الشيطان ليتمكنوا من اتقاء شره كما يزعمون. وكما أنه من الإفراط أن يعتقد الإنسان أنّ بإمكان مخلوقٍ عاجزٍ امتلاكَ بعض القوى والقدرات الخاصة بالخالق -وهو المخلوق الذي لا يملك أيَّ سلاح أو قوة في مواجهة الإنسان سوى التسويل والتزيين-؛ فتفريطٌ كذلك التغاضي عن همز الشيطان ولمزه، والاستهانة بتسويله وتزيينه. وهذا يعني التغاضيَ عن بيانات القرآن الكريم والسنة النبوية، والإعراضَ عنها. وذلك لأن الشيطان للإنسان عدوّ مبين، وربما يخسر الإنسان سعادته الأبدية على يد ذلك المخلوق الغدّار المكّار إن ظل (أي الإنسانُ) في غفلة ولم يُعطِ إرادَته حقَّها.

ضحايا النجاح

كما أن التوازن مهمٌّ للغاية في الأمور السلبية التي تقود إلى الهلاك، فمهمٌّ كذلك فيما رُزقه الإنسانُ من خيرٍ. بمعنى أنه كما ينبغي على الإنسان أن يكون متوازنًا في استغلال المشاعر الجانحة إلى الشر في طريق الخير، فعليه أيضًا أن يتجنب الإفراط والتفريط في الأعمال البدنية والروحية المتعلقة بالإيمان والعبادة والأخلاق، وألا يضلّ عن الصراط المستقيم. فمثلًا لا بدّ للمرء أن يتحرّى الدقة والكمال في كلّ ما يقوم به من عبادات وأعمال مثل الصلاة والزكاة والصوم والدعاء بل والتفكّر والذكر والتدبّر؛ لأن الله تعالى يقول في كتابه الحكيم: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (سُورَةُ التَّوْبِةِ: 105/9). ففي هذا البيان القرآني أمرٌ من الله جلّ في عُلاه بأداءِ الأعمال على الوجه الأكمل وكأنها ستُعرض على رقابة الله ورسوله والمؤمنين من أرباب البصيرة. والخلاصة أنه ينبغي للمرء حين قيامه بجميع العبادات أن يكون مهمومًا بفكرة “يا ترى! هل أنا أديتها كما ينبغي؟”، وأن يسعى دائمًا وراء الكمال.

ولا ينبغي للمرء أن ينسب النتيجةَ إلى نفسه أبدًا، حتى وإن أدّى عباداتِه على أكمل وجه، وألا يعامل ربّه بسوء أدب ووقاحة بأن ينسب الفوز والنجاح إلى نفسه؛ لأن الله تعالى هو خالق النتيجة.

وهكذا فإن كان من التفريط التقصيرُ في أداء العبادات والأعمال، وأداءُها في غفلة وفتور بلا عناية أو اهتمام؛ فمن الإفراط اغترارُ المرء بما بذله من جهد فيما قام به من أعمال، ثم ينسى توفيقَ الله له وينسب النتيجة إلى نفسه، فيسيء بذلك الأدبَ مع الله تعالى، وهذا يؤدي إلى زعزعة إيمان الإنسان وهلاكه في أودية الشرك والنفاق؛ لأنه في البداية بذل في عمله الجهدَ الكبير وتحرى الدقّة والكمال فيه، لكنه في النهاية استغلّ النجاحات التي حقّقها في سبيل الصيت والشهرة.

وعلى ذلك فالجدير بالإنسان الذي أحرز نجاحًا وتفوُّقًا فيما عمله لله أن يتّسم بالتواضع والمحو والخجل، وأن يقول دائمًا: “إن هذه النجاحات لا تليق بي، فما السبب يا تُرى في هذا الفضل والإحسان؟!”.

أجل، على الإنسان أن يؤدي ما يقوم به على أكمل وجه من ناحية، وأن يحقّر نفسه من ناحية أخرى ويذلّها كما يضرب الدبّاغ الجلد بالأرض حتى يهذّبه ويحسّنه.

ويجب على الإنسان أيضًا ألا ينسى أبدًا أن ما أحرزه من فوز ونجاح قد يكون ابتلاءً له واستدراجًا، وأن يخشى دائمًا الضلالَ والهلاكَ.

تأملوا، فقد ظهر مَن يدّعي النبوة من أمثال الأسود العَنْسِيّ ومسيلمة الكذاب، في عصر أضاء فيه النور الحقيقي كلَّ مكان، وأفَلَت دونه الشموسُ والأقمار. فهؤلاء البؤساء كانوا ضحايا لبعض القدرات والمهارات التي اكتشفوها في أنفسهم، فمُحوا وهلكوا تحت براثن الكبر والأنانية.

كثرة “المهديِّين” (!) في عصر الأنانية

لا جرم أن هذه النوعية من الانحرافات والضلالات لا تختص بفترة دون غيرها، فهناك كثيرٌ من الحوادث المشابهة في كلّ عصر ومصر. فقد تَرى أناسًا في عصرنا يجيدون الكلام بلباقة إلى حد ما، أو يدبّجون شيئًا من سطر أو اثنين، أو قطعوا مسافةً يسيرةً في المعنويات.. ثم يضيّعون التوازن ويحاولون أن يجعلوا من أنفسهم محاريب وبوصلات، ويقومون ويقعدون بـ”الأنا” و”حبّ الذات”. إن هؤلاء لما رأوا السُّذَّج من الناس يتحلّقون حولهم رغم ضآلة ما قاموا به أخذوا يرون أنفسهم أقمارًا تهدي السالكين. وأظن أن هذا هو السبب في كثرة عدد من يدّعون المهدية في زماننا، حتى إنني قد تعرّفتُ على خمسة أو ستة “مهديِّين” (!) داخل مجتمعنا، بل إن ثلاثةً منهم أراد أن يلتقي بي.

فعلى سبيل المثال جاءني قبل زمن يسير شابٌّ أخبرني أنه يبلغ من العمر اثنين وعشرين عامًا، وقال لي: “أستاذي، لقد كنتُ أحسب نفسي قديمًا حُسينيًّا فقط، ولكن بعد دراسة وتمحيص عميق في الآونة الأخيرة تبين لي أنني “حَسَنِيٌّ” أيضًا.” فحدثتُه عن بعض الأمور المتعلقة بالمحو والتواضع، وحاولت أن أفهّمه أن أمارة الصغر عند الصِّغار التكبّرُ والتطاولُ لإظهار أنفسهم للآخرين، أما أمارة العظمة عند العظام فهي الانثناء تواضعًا كالعصا.

وبعدما ذكرتُ له ما ذكرتُ انصرفَ وأنا أحسب أنه قد اقتنع، إلا أنه عند خروجه من الباب قال: “حسنًا يا أستاذي، ولكن ماذا عساك أن تفعل إن لم يعطوا لك حقّ الاختيار في هذا الموضوع”.

ليس هناك مقام سوى النبوة يُلزِم الإنسانَ بالإعلان والإبلاغ عنه. حتى وإن كان الشخص أبا حنيفة أو الشافعيَّ ليس من وظائفه إبلاغ الناس عن كونه أبا حنيفة أو الشافعيَّ، والمهديةُ كذلك. غير أنه من الصعب جدًّا إقناع أشخاص انغلقوا على مثل هذه الفكرة. اللهم اهدِ المتكبّرين الأنانيِّين الذين يدّعون المهدية إلى صراطك المستقيم!

وأنوّه أخيرًا إلى ضرورة ألا نتجاهل احتمالية وجود أشخاص يدّعون مثل هذه الأمور وإن كانوا ضمن دائرة صالحة مؤسَّسة على مفهوم المحو والتواضع والإخلاص ونكران الذات، بل إقناعُهم أصعب لأنهم ينسبون أنانيتهم الذاتية إلى الأنانية الجماعية.

فمثلًا قد يقول أحدهم: “كنتُ إلى الآن تلميذًا، وكان فلان محظيًّا بألف من الملائكة والروحانيات، إلا أن تسعمائة منهم فارقوه وأتوني”.

وهناك أمثلة كثيرة ومختلفة في كل عهد على مثل هؤلاء الذين قد يتعرضون للإغواء والخداع ويصبحون أسرى للنفس والشيطان.

ومن ثم لا ينبغي أن يغيب عن بال الإنسان احتمالية انتشار الأشواك حتى في العصر الذي تنبت فيه البذور وتحفّ فيه الورودُ البساتينَ، ولا بدّ للإنسان أن يسير في طريقه على يقظة وحذر وبصيرة.

أجل، ظهورُ مضلّلين ممكن في كلّ وقت، مضلّلين يتبعهم السذّجُ من الناس؛ فكما تنمو الأشواك مع الورود قد تغرّد العقائق مع البلابل، وربما يعجب صوتُ العقائق أناسًا لم يسمعوا صوت البلبل الرائع ولم تألفه آذانهم.

بناء على ذلك فحتى لا نفسح المجال للانخداع بادعاءات هؤلاء الناس فعلينا أن نتحرك بحذر ويقظة دائمة وأن ننظر إلى الحوادث ونرصدها بفراسة سيدنا أبي بكر الصديق وسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنهما ألف ألف مرة.