الطريقُ إلى التوحيد الحقيقي يمرّ بالمصائب

Herkul-ARB | . | العربية

سؤال: هل للابتلاءات والمصائب دورٌ في إيصالِ أربابِها إلى التوحيد الحقيقي؟

الجواب: التوحيد الحقيقي هو تخلُّصُ الإنسانِ بإرادتِهِ من عالمِ الأسباب وما ينتج عنه ظاهرًا من البذخِ المذموم، ومراقبتُه اللهَ في كلّ أحواله، ومشاهدتُه قدرةَ الله وإرادته المُطلَقةَ مع كلّ حادثة، ومثل هذه النظرة العالية إلى التوحيد لا يصلُ إليها إلا العظماءُ من أبطالِ أفقِ القلب والروح، الذين نفوا أنفسهم واحتقروها، فاتّجهوا إلى الله سبحانه وتعالى لا إلى أحدٍ سواه، وانكبُّوا على مشاهدة ما تجب مشاهدته، فلم يروا الأسباب في وجه الحوادث، وإنما رأوا مسبِّبَ الأسباب الذي خلقها.

التوجُّهُ إلى التوحيد بلطفِ الله الجبري

ولمزيدٍ من التوضيح نقول: إذا كان الإنسان ضمنَ دائرة الأسباب يعيش وضعًا قد تَحَارُ فيه نظرتُه إلى الأشياء ويتشوّش عقله بتأثير الأسباب فإنَّ التوحيد الحقيقيّ عند ذلك يعني أنْ يُشيرَ الإنسان إلى الله مسبِّب الأسباب دائمًا دون أن يتذبذب أو يهتزَّ، وكأنه مؤشِّرٌ لا يُخطئ هدفَهُ في تحديد الاتجاه الصحيح، إلا أنَّ هذا التركيزَ وعدمَ الانحرافِ عن الهدف ولو مقدار ملليمتر واحد ليسَ سهلًا أبدًا في ظِلِّ سير الحياة وتدفُّقِها الطبيعي، لكنها عندما تُشابُ بالمصائب والابتلاءات ويعيش الناسُ فيها هزّاتٍ ورجفاتٍ، ويفقدون كلَّ السبلِ، وتبلغ قلوبُهم حناجرَهم، وتتقطّعُ بهم الأسباب؛ فإنّهم سيلجؤون باضطرارٍ إلى ربّهم جل جلاله، وكما ورد في الآية الكريمة: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ (سُورَةُ النَّمْلِ: 62/27)، وهكذا فإنَّ الناس المضطرين الذين ضعفت قوتهم وقلت حيلتهم ولم يبق بوسعهم شيء يفعلونه يدركون أنَّ ثمة واحدًا فحسب يستطيع مساعدتهم؛ إذ إنَّ قوته كَفَت كلّ شيء، وهو صاحب القدرة المطلقة فيتوجّهون إليه سبحانه وتعالى، فالناس حين يسمعون صوت ضمائرهم حيث تفشل الأسباب تمامًا يُحِسُّون أن تجليات رحمته الخارقة قد غمرتهم وطوقتهم وحمَتهم في مواجهة الأزمات والمصائب، والإنسان في مثل تلك اللحظة يفهم أن الأسباب هي مجرد ستار، وأنَّ وراءه تكمُن القدرة والإرادة الإلهية المطلقة، وهو ما يعني نافذة تنفتح على التوحيد الحقيقي.

سِرُّ الأحدية في نور التوحيد

وخيرُ مثالٍ على ذلك قصةُ سيدنا يونس بن متّى عليه وعلى نبينا أزكى الصلاة وأتم السلام؛ فكما هو معروف أنَّ الحوت اِلتقَمَه في بطنه، وحينما فشلت الأسباب في تحقيق النجاةِ نادى يونسُ ربَّه من قاعِ الظلماتِ: ﴿أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ: 87/21)، وتوجه إلى الله تعالى بالرجاءِ والتسبيحِ والتمجيدِ والتعظيم؛ فكان ذلك سببًا في نجاته، ويحلل الأستاذ بديع الزمان هذه المسألة تحليلًا رائعًا في كتابه “اللمعات”[1]، والواقعُ أنَّ البعض ربما يرون شرح بديع الزمان المتعلق بهذا الموضوع بسيطًا لأنهم ألفوه واعتادوا سماعه، إلا أنّ هذا الشرح في حقيقة الأمر عميقٌ وبليغٌ بالنسبة لحقيقة التوحيد وما يتعلق منه بأسس الإيمان.

لقد عرض يونس عليه السلام حاله والوضع الذي وقع فيه على الحق تعالى -وهو أعلم به-، ووضعَ في حسبانه مغادرَته “نينوى” وتركَه قومه وركوبَه السفينة وإبحارَه بعيدًا دون مجيء الأمر بذلك… إلخ، وأنَّ ما ألمَّ به من المصائب إنما كان بسبب تقصيره، فراح يُحاسب نفسه حسابًا دقيقًا، ثم لاذَ ببابِ الله تعالى؛ فهو سبحانه دون سواه مَنْ استطاع أَنْ يُنقِذه من ظلمة الليل البهيم وهولِ البحر العميم وبطن الحوت الظليم حيث سقطت الأسباب تمامًا وفشلت في تخليصه مما حلَّ به، وبفضل تضرُّعه إلى الله ورجائه إيّاه سبحانه وتعالى ظهر سر الأحدية الذي يعني توجُّهًا إلهيًّا خاصًّا في نور التوحيد، فانقشعت كلّ الظلمات في لحظة، وانمحى تأثير الأسباب، وخرج سيدنا يونس عليه السلام إلى شاطئ السلامة.

وباعتبارِ النبوّة التي نالَها يونسُ عليه السلام فربما يكون قد تلقّى رسالةً إلهيّة خاصّة تُبين له ما يجب عليه أن يفعله مع هذه المصيبة؛ فما حدث له إنما هو معجزة في الأساس، إذْ لا يمكن لإنسانٍ في الظروف العادية الطبيعية أن يواصل حياته في بطن الحوت؛ فطبيعةُ الإنسان لم تُخلق بحيث تلائم العيش في مكانٍ ما بدون الأوكسجين، غير أن يونس عليه السلام لم يقنط قطُّ بفضل ما فهِمَهُ من رسائلِ الوحي؛ فأخلص التوجُّه إليه سبحانه، واتجه إليه بشعور التوحيد الخالص فنجا وسَلِمَ.

نغمات التوحيد تصدحُ من معازف البلاء

إننا أيضًا نتعرض لما تعرض له يونس عليه السلام من مصائب وابتلاءات ونعيش ما عاشه منها على المستوى الفردي أحيانًا، والعائليّ أحيانًا، وعلى مستوى العشيرة أحيانًا أخرى؛ بل إنه قد تعيش الأمة قاطبة حالة من الاضطرار في بعض المواقف، فتظل تتلوى منها عجزًا وضعفًا، لكنّ المهمَّ أثناء الأزماتِ والمصائِبِ هو تحليلُها بتفحُّصٍ وتدقيقٍ حقيقيَّين، واستقراؤُها استقراءً جيّدًا، ودراستُها دراسة صحيحةً، وإنارةُ الطريق الموصلة إلى التوحيد الحقيقي؛ فربما أنّ الله جل جلاله المنزَّهَ والمبرَّأَ من العبث قد خلق مثلَ هذا العجز من أجل حصول الناس على بعض المكتسبات المهمة، فإنْ أدركنا هذا وقابلنا الأزمات بِالرِّضا والتسليم، وتوجهنا إلى الحق تعالى تمام التوجه بدفع العجز الذي نتعرض له تَسَنَّى لنا إعمارُ الدنيا والفوزُ بالآخرة؛ فالأزمات التي نتعرض لها ههُنا في الدنيا ستكون لها نتائج مختلفة تمامًا في الآخرة؛ فهناك ستصبح القطرة بحرًا، والذرةُ شمسًا.

أجل، إنَّ تعرُّضَ من ينتسبون إلى فكرة أو حركة معينة لمجموعة من المصائب قد يبدو بظاهِرِه شرًّا بالنسبة لهم، بيد أنَّه ربما تكون المشيئةُ الإلهيّةُ كتَبَتْ ذلك عليهم كي يتوجَّهوا إلى ربّهم ويلتجِئوا إليه دون سواه؛ فحالات الاضطرار قد تفتح لهم باب الفرصة للوصول إلى التوحيد الحقيقي، ولذلك فعليهم أن يعتبروا الابتلاءات والمصائب التي تحلُّ بهم لطفًا إلهيًّا، ويقولوا:

ما أعذب البلاء إن كان من جلالِهْ!

وما أحلى الوفاء إن كان من جمالِهْ!

فكلاهما للروح صفاء

فما أحلى اللطف منه! ومنه ما أعذب القهر والابتلاء!

فبعد أن ندرك أن الابتلاءات والمصائب التي نتعرض لها إنما جاءت من عنده سبحانه وتعالى ونُسلِّم بذلك ونقابلُه بالرضا فستكونُ كلُّ النوازلِ والمستجدّاتِ حُبلى بالخيرِ العميم.

ولكي تكون الأزمات الشخصية والأسرية والاجتماعية وسيلة إلى اليقظة والتوجه إلى الله تعالى فإنه ينبغي لنا أن ننظر إليها بتلك النظرة؛ أو على الأقل أن تكون تلك الأزمات علامةً على حياة وحيوية كامنةٍ فينا تمكننا من النظر إليها بهذا المنظار، وعلى سبيل المثالِ فإنْ أودِع المريضُ في العناية المركزة فربما يُعادُ إلى الحياة مجدَّدًا بصدمةٍ كهربية يُعَرّض لها ما دام قلبه ودماغه لم يموتا بعدُ، والمنطقةُ الجغرافية التي يعيش فيها المسلمون في يومنا هذا تشبه مريضًا راقدًا في غرفة العناية المركزة ما زالت فيه علامة من علامات الحياة أو مصابًا لا يزال قلبه ودماغه حيَّين لم يموتا رغم أنه تعرض لحادث سير خطيرٍ ومؤلِمِ جدًّا، ومهما كان سقيمًا وعليلًا بسبب حالته هذه إلا أنه يبدو من الممكن أن ينهض على قدميه يومًا ما؛ إذ إنَّ قلبه ودماغه لم يموتا بعدُ، ولهذا فثمة حاجة ماسة إلى إحداث صدمة كهربيّة حقيقية.

ومن سنن الكون الأزليّة أنَّ مَنْ تتكاثرُ عليهم المصائبُ والابتلاءاتُ وتضيقُ عليهم الأرضُ بما رحبت إذا ما التجؤوا إلى الحقِّ تعالى واتّجهوا إليه فإنّه يمنُّ عليهم ويُدرِكُهم بفيضِ لُطْفِهِ وسحائِبِ عنايتِه، واليوم أيضًا فإنّه جلَّ جلاله قادرٌ على أن يمُنَّ على جيلنا بصحوةٍ ويقظةٍ على ذلك المنوال، ولكن شريطةَ أن نُطالع نحن المصائبَ والابتلاءات مطالعة صحيحة، ونتوجه إليه توجُّهًا تامًا وصادقًا، وندرك بروحِ الاضطرار مدى عجزِنا وفقرِنا إليه سبحانه وتعالى.

 

[1] بديع الزمان سعيد النورسي، اللمعات، اللمعة الأولى، 6.