الجَرَّة المشروخة: طرق تحقيق الشرعية في الدعوة

Herkul | . | العربية

سؤال: ما الأسس التي يجب مراعاتها حتى تستمر الخدمات المبذولة في سبيل الله ضمن الإطار الشرعي؟

الجواب: بادئ ذي بدء نقول: إنه كما يجب على المؤمن أن يؤدي عباداته وفقًا لأوامر الدين وتعاليمه، فعليه كذلك أن يراعي هذا بقدر الإمكان في علاقاته مع الناس، وأن ينعكس هذا على سلوكياته وتعاملاته عند القيام بعملية الإرشاد والتبليغ؛ لأن المؤمن يكسب ثوابًا حتى بعزمه على البحث والتحري في هذا الموضوع ومراعاة الدقة فيه، فمَن يجعل اتباع السنة السنية عادته، فقد حوّل عاداته إلى عبادات.

أما عن المصدر الرئيس الذي ينبغي الرجوع إليه في هذا الأمر فهو الكتاب والسنة، ثم مصادر التشريع الأخرى مثل الإجماع والقياس والاستحسان والمصلحة المرسلَة والعرف.. لقد استطاع الفقهاء العظام من عصر السعادة إلى يومنا هذا حلَّ جميع المسائل الفقهية التي قابلتهم، وسدّ الثغرات الحقوقية التي واجهتهم من خلال اعتمادهم على هذه المصادر في التشريع، وكذلك يمكن للمجتهدين في عصرنا الحاضر استنباط حلولٍ لتنظيم الحياة وفقًا للدين معتمدين على المصادر النيّرة نفسها.

ولكن بدلًا من التوجّه إلى الاجتهاد مباشرة في مسألةٍ ما؛ فالأسلَمُ هو البحثُ أولًا في الاجتهادات الصادقة الصافية للسلف الصالح عن حلٍّ لهذه المسألة؛ لأن هؤلاء سدّوا باجتهاداتهم واستنباطاتهم كلَّ الثغرات التي برزت في عصرهم خاصة، ولم يتجاهلوا أي ثغرة حقوقية، ولذا فإن اجتهادات هؤلاء هي مصدرٌ مهمٌّ للغاية، علينا أن نستفيد منه، فإن تعذر الوصول إلى حل المسألة عندها يُرجَع إلى مصادر التشريع الأخرى التي تحدثنا عنها آنفًا، ويؤخَذ بالاجتهادات الجديدة التي توصل إليها العلماء المؤهلون لهذا الأمر.

نعم، يجب أولًا حلُّ النوازل اعتمادًا على مصادر التشريع وإرجاعُ الخطط الموضوعة إلى أصل شرعي، لكن إذا تعذر هذا فعلى الأقل ينبغي ألا تتنافى مع الشرع؛ فكما هو معلوم إذا لم يأمر الشارعُ بشيءٍ ولم ينهَ عنه فقد دخل في دائرة المباح، وهذه الدائرة واسعة للغاية، فقد نصَّ الكتابُ والسنة على إباحة بعض الأمور، إلا أن من المسائل ما لم يرد في حكمها نصٌّ، مما يجعلها داخلة في دائرة المباح أيضًا؛ لأن القاعدة الشرعية تقول: “الأصل في الأشياء الإباحة”؛ وهذا يعني أنه إن لم يرد أيُّ حكمٍ شرعيٍّ ينصّ على تحريم شيءٍ ما فالأصل فيه هو الإباحة، فالمؤمن يتمتّع بحريّة التصرّف في هذه المسائل المسكوت عنها في إطار مقاصد الشريعة العامة.

فقه السيرة

ولقد اعتنى علمُ أصول الفقه بتوضيحِ مصادر التشريع؛ ومن المؤكد أن هذه المصادر هي أوّلُ ما يجب إعمالُ النظرِ فيها عند النوازل والمستجدّات، ولكن إلى جانب ذلك ينبغي عدم إغفال “فقه السيرة”؛ لأن فقه السيرة يعينُنا على حلّ المشكلة التي تعترضنا في الآونة التي لا نستطيع التوصل فيها إلى حكم واضح من خلال مصادر التشريع الأصيلة، فضلًا عن أنه يساعدنا على الفهم الصحيح لمصادر التشريع، فلا شك أن مواقفَ الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وصحابتِه الكرام من الأحداث التي وقعت في عصرِهم وأفعالَهم وتقريراتِهم بل وحتى سكوتَهم؛ هي مرجعٌ مهمّ بالنسبة إلينا؛ ولذا لا بد من الرجوع إلى فقه السيرة والاستفادة منه إلى جانب عموم مصادر التشريع في استنباط الأحكام.

إن رجالَ الخدمة اليوم يهتمّون بالجميع ويفتحون لهم صدورهم، ويقيمون حوارًا مع أتباع الثقافات الأخرى وأصحاب الديانات المختلفة، ويطوّرون علاقاتهم الاجتماعية معهم، ومن يقوّمون هذه الأنشطة يُرجعون الأمر إلى ما قام به أمثال مولانا جلال الدين الرومي، والشيخ أحمد يسوي، وحاجي بكداش ولي، ويونس أمره… ويعتبرون رحابةَ الصدر هذه تشبُّهًا واقتداءً بهذه الشخصيات العظيمة، إلا أن هؤلاء ليسوا سوى تلامذة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر، اتبعه أكبرُ المرشدين، بل ورأوا أن إرجاع كل المسائل التي تعترضهم إلى أقواله صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته هو أَقْوَمُ المناهج وأصحّها وأعلاها، فيتحتم علينا نحن توفيقُ تصرفاتنا مع سنته السنية صلى الله عليه وسلم كما هو الشأن في كل فعالياتنا ونشاطاتنا، فإننا لو نظرنا إلى حياته السنية وكيف كان يقيم جسور الحوار والتسامح مع أتباع كل الثقافات والديانات فسنقف على أمثلة لا حصر لها في هذا الصدد، ولذلك فمن الضروري إرجاع مثل هذه الفعاليات الحالية إلى الأسس والمبادئ المستفادة من سيرته صلى الله عليه وسلم.

يمكن القول بأن أصحاب الخدمة اليوم يحاولون في العديد من المواقف والإستراتيجيات التي يتبعونها في خدماتهم إجراءَ هذه الأنشطة وفقًا لفقه السيرة، وأن الذي يقتدون به في هذا الموضوع -كما في كل موضوع- النبيُّ الأكرم صلى الله عليه وسلم وسنّتُه وسيرتُه، وأنهم يبذلون كل جهدهم كي يبلغوا هذه الغاية السامية، فمن هذا مثلًا:

  • بذلُ المزيد من السعي والجهد الخارق لإيصال قيمنا الذاتية إلى القلوب الظامئة دون التخلي عن حسن العرض وصحة المنهج عند القيام بذلك، وإلا ضاق مجال الحركة.
  • والتعاملُ بوضوحٍ وشفافية مطلقة لعدم إثارة القلق في نفوس الآخرين تجاهنا.
  • وكسبُ ثقة الجميع بالتمثيل الأكمل لحقائق الدين.
  • واستغلالُ رصيد الثقة على الوجه الأمثل.

ولكن للأسف صار فقه السيرة بشكل عام من العلوم التي لا يُعبأ بها كثيرًا حتى في وقتنا الحالي، فأنا مثلًا لم أسمع عن تدريس مادة فقه السيرة في المدارس الشرعية التقليدية عندنا، ولم تدخل هذه المادة ضمن المقررات والمناهج الدراسية، ورغم تحرير الكثير من المؤلفات المهمّة حول السيرة النبوية فقد أُهمِل تقييم ما جاء في السيرة من أحداث ولم تتناول بفلسفاتها الرئيسة وخلفياتها التاريخية، علمًا بأن السيرة هي مصدر مهم وثريّ يجب دراسته وفهمه على الوجه الصحيح حتى يحسن فهمنا للدين ويتسنى لنا معايشته بشكل سليم.

ورغم أن معرفة اللغة العربية والعلوم الشرعية لها أهمية كبيرة في دائرة الفهم الصحيح للقرآن الكريم؛ إلا أن هذه الدائرة لا تكتمل دون الرجوع إلى فهم الصحابة الكرام في هذا الموضوع؛ لأن هؤلاء الصحابة هم أفضل الناس فهمًا للقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة بما يتوافق مع المراد الإلهي، ومن ثم كان لا بد من الرجوع إلى فهم الصحابة الكرام قبل آراء علماء اللغة عند استخراج أحكام القرآن الكريم ومقاصده في عهد التدوين، وتحري هذا الأمر في منبعه، وأريد أن أعبر عن أسفي وحزني في هذا السياق. أجل، رغم أن احترام السلف الصالح مبدأ عام ومهم بالنسبة لي إلا أنني لا أتمالك نفسي من إظهار هذا الأسف.

العرف العام والمصالح المرسلة

وإلى جانب هذا كله ينبغي عدم غض الطرف عن المستجدات التي أتى بها الزمان، فنحن لا نعيش في عهد الصحابة أو عهد التابعين أو عهد تابعي التابعين.. وإنما نعيشُ في عهد له ظروفه الخاصة، ونحن أبناءُ زماننا، ولذا يجب قطعًا أن نضع في حسباننا الوضع الراهن عند تحديد طريقنا ووجهتنا، وأن نعي جيّدًا ما يطلبُه منّا الزمان، ونفسِّر المسائل القابلة للتغيير وفق معطيات الزمان والمكان.

والواقع أن استخدام الفقهاء للعرف العام والمصلحة المرسلة باعتبارهما مصدرين مهمين من مصادر التشريع في استنباط الأحكام يؤيد هذه القضية، فمنذ عصر السعادة حتى يومنا هذا استطاع الفقهاء اعتمادًا على هذين المصدرين وضع الحلول للعديد من المشاكل، وسدّوا بهما الكثير من الثغرات الحقوقية، فالإسلام لم يعارض عمومَ العادات والتقاليد السائدة في المجتمعات التي دخل فيها، بل أقرّ الصالحَ منها بعد فَـــلْــتَـــرَتِــهِ بمصفاة أحكام الشرع، وما لم يصلح استبعَدَه نهائيًّا.

ولهذا يجب على الذين يتحركون ضمن دائرة الإرشاد أن يأخذوا بعين الاعتبارِ العاداتِ والأعرافَ السائدة في زمانهم، إلى جانب تمسّكهم بمصادر التشريعِ الرئيسة المذكورة سلفًا والأحكام المستنبطة منها عند قيامهم بأي فعالية أو اتخاذهم أي خطوة، كما يجب عليهم أن يحددوا ما فيه مصلحة مما لا مصلحةَ فيه؛ بعبارة أخرى لا بد أن تكون قراراتهم متماشيةً مع مراد الله سبحانه وتعالى ومصلحة المجتمع.

عموم البلوى

إذا كانت الأنشطة التي سيتم تنفيذها تخدم الدين، إلى جانب نفعها المجتمع، كأن تهدي قلوب الناس إلى الله، أو تهيّئَ بيئات مناسبة لتعريف الآخرين بالقيم الدينية التي تتبنونها فيتحتّم علينا الوفاء بمسؤولياتنا على الوجه الأمثل في هذا الشأن، وبذْلُ غاية ما في الوسع لتحقيقها، وإذا لزم الأمر فيجب علينا أن نُقَدّم بعضَ التنازلات فيما يخصّ حياتنا الشخصية -حتى وإن لم نرغب في ذلك- حتى تُحَقَّقَ مثل هذه الغاية السامية.

هناك مَنْ لا يضعون ظروف العصر الذي نعيشه في حسبانهم، ولذلك فقد ينتقدون مثل هذه المقاربة، وبصرفِ النظر عن العمل على تحقيق أهداف دينيّة سامية كالمشاركة في فعاليات الإرشاد فإن مسلمي عصرنا لا يستطيعون إنقاذ أنفسهم من الوقوع في بعض الذنوب ولا إعفاء أنفسهم من التنازل مرات عديدة في بعض شؤون حياتهم اليومية، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر أن القرآن الكريم يقول: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ (سورة النُّورِ: 24/30)، في حين أنه يلزمُ المسلم الراغبَ في الالتزام بأمر هذه الآية في يومنا هذا ألا يخرج من منزله وألا يذهب إلى السوق، بل ويُحتمل الوقوع في الحرام حتى أثناء الذهاب إلى المساجد لأداء عبادة مهمّة للغاية كالصلاة.

لا بد من الإقرار بأننا لا نعيش في عصر السعادة (صدر الإسلام) حيث عاش كل إنسان بأدبه وأخلاقه، محترمًا الأفكار والآراء، محافظًا على سلامة مشاعر الآخرين.. لذلك فإنه ما لم تضعوا في حسبانكم أن بعض المواقف المخالفة لحساسيتكم الدينية والتي لا تَرُوقُكم هي “بلوى عامة” فيستحيل عليكم العثور على فرصة تعبّرون من خلالها عن أنفسكم لأي شخص، ومن ثم تكونون قد ضيقتم نطاق حركتكم ومجالكم، وحتى وإن تحركتم شخصيًّا بحساسية وحذر تامٍّ فعليكم ألا تُعاملوا من رأيتموهم يقصرون في بعض الأمور الدينية الفرعية وكأنهم يرتكبون كبيرة أو يمرقون من الدين، وألا تُغلظوا لهم التهم والإدانات.. فإن فعلتم ذلك تسببتم في تعطيل العديد من أوامر الدين.

وزيادة في التوضيح؛ فإن فدائيي الخدمة ينفتحون في يومنا هذا على كل أنحاء العالم من أجل إيصال القيم الإنسانية والأخلاقية المتأصلة فيهم والمتجذرة في طبائعهم إلى صدور متعطشة ومحتاجة إليها، وكي يورِّثوا للأجيال القادمة عالَـمًا جميلًا يسوده مناخٌ من المحبة والتسامح عبر وَأْدِ الأحقاد والضغائن المتوارثة من الماضي، وهم أثناء ذلك يواجهون عادات وأعرافًا كثيرة في البلاد التي يذهبون إليها؛ فلكل بلد مناخه الثقافي الخاص به، كما أنَّ أنماط الحياة والناس والعادات… إلخ مختلفة ومتباينة، وفي هذه الفروق والاختلافات يصعب للغاية على الإنسان أن يطبق الأمور الدينية الفرعية بحذافيرها، وعلينا ألا ننسى أننا نعيش في عالمٍ يصعب فيه للغاية أداءُ وظيفةٍ كالتدريس في المدارس أو في الجامعات دون مواجهة الذنوب، حتى ولو كان ذلك في البلاد الإسلامية.

إن كنتم تجالسون أناسًا يخالفونكم في المعتقدات والمفاهيم وتريدون أن تسكبوا في صدورهم إلهامات أرواحكم، وأن تعرّفوهم بميراثكم الثقافي، وأن تستفيدوا من أوجه الجمال والحسن التي يمتلكونها؛ فيجب عليكم أن تكونوا جاهزين لتجاوز الطرق الموحِلة، وتسلُّق المرتفعات الحادة، والعبور من الجسور المنهدمة؛ لأنه ليس بإمكانكم تحقيق غايتكم المثالية ما لم تضعوا هذا في حسبانكم وتَجْسُروا عليه.. فإن قلنا “يلزم ألا تتسخ أعيننا ولا آذاننا ولا أفواهنا ولا أيدينا بالذنوب أبدًا؛ ولننفذ كل أوامر الدين بحساسية بالغة بواجباتها ومستحباتها وحتى آدابها”؛ فنعم القولُ هذا، ويدل على الدقة والحساسية الإيمانية، إلا أننا في ظروف عصرنا هذا لو ربطنا كل أمورنا بهذه الحساسية الإيمانية وقدَّمناها على كل شيء؛ فقد أهملنا وظائفَ وواجبات عديدة يجب علينا الوفاء بها في الحياة الاجتماعية، لأن ذلك سيقتضي -نوعًا ما- ألا نندمج في المجتمع الذي نعيش فيه وننعزل عن الناس، وربما أن البعض تعثروا بمثل تلك الأشياء في حقبة معينة؛ مما أدى بهم إلى ترك الساحة لغيرهم، وإحداث فراغ يصعب ملؤه، مع أنه حين يغيب المسلمون عن الحياة والمجتمع لن تكون الحياة التي يعيشونها موافقة لهم أيضًا، فإن كنتم تريدون للحياة أن تتشكل وفقًا لقيمكم فلا بد أن تتواجدوا فيها وألا تنسلخوا منها أبدًا.

والمسلمون المطالبون بالعبور من هذه الطرق جميعها يجب عليهم السعيُ إلى تحمل مجموعة من الامتحانات التي شاعت من ناحية، وتحرّي “أخفّ الضررين” -بتعبير أصول الفقه- من ناحية أخرى.. أي يجب عليهم اختيار أكثر أنماط الحركة موافقةً للدين أو أقلها مخالفة له، وينبغي لهم القيام بالخدمات الواجبة عليهم في سبيل غاياتهم المثالية.

والحقيقة أننا عندما ننظر إلى المسألة من زاوية المقاصد الشرعية التي يهدف الإسلام بأحكامه إلى تحقيقها منذ ظهوره يتضح أن مثل هذا النمط من التصرف والحركة موافق لروح الدين، لأنه عبارة عن دراسة المسائل بمصالحها ومفاسدها، بإيجابياتها وسلبياتها ثم التحركِ وفقًا لها، لا سيما وأنَّ مبدأ “المصلحة المرسلة” الذي اعتبره المالكية مصدرًا مستقلًّا من مصادر التشريع يستند إلى هذا الأساس.

وإن هذا النمط في الوقت ذاته موافق لمسألة نزول القرآن الكريم منجمًا وتشريع الأوامر والنواهي الإسلامية على مدى ثلاث وعشرين سنة. نعم، ليس لأحدٍ أن يغيّر من أحكام الشريعة شيئًا بعد أن تمت واستقرَّتْ، ولا يمكن أن نتجاهل الأحكام التي جاءت في العهد المدني، وأن نرجع للعمل من جديد بتلك التي كانت في العهد المكي، فبعد أن ثبتت أسسُ الدين وأحكامه المحكمة يستحيل أن نرجع إلى نقطة البداية من جديد، ولكننا إلى جانب هذا لا نستطيع أن نغفل ونتجاهل أن ثمة حكمةً تشريعيّةً في ذلك الانتقال التدريجي في فرض الصلاة والزكاة، ولا التدرّج في تحريم الربا على أربع مراحل، والخمر على ثلاث.

ومع ذلك كله ينبغي لي القول إنه ربما يتناثر الوحل بين الحين والآخر على ملابسنا بسبب ضرورات الزمان والظروف، وقد نتعرض لبعض الأشياء المحظورة المتعلقة بالفروع التي لا مفر منها بسبب شيوعها، وإننا لنعتبر هذه الأمور من قبيل “عموم البلوى”، ونواصل المسير على النهج النبوي حتى لا نضيّع الوظائف التي نجدها مهمّة للغاية، غير أنه يجب علينا أن نعزم بسعة نيّاتنا على المسير إلى الدار الآخرة أنقياء أطهارًا تمامًا كما ولدَتْنا أمهاتنا، ودون أن نُدَنِّسَ نيّاتنا بأيِّ وحلٍ وقذَر حتى وإن لم يكن ذلك ممكنًا فعلًا، بالإضافة إلى ذلك ينبغي ألا نتهاون في مثل هذه القضايا بدعوى أنها من البلوى العامة؛ بل يجب علينا أن نسعى من ناحية إلى عدم تلطيخِ أنفسنا بالوحل، وأن نشعر من ناحية أخرى بألمِ ما تعرضنا له على الأقل.

الخلاصة: ما دام الطريق الذي نسير فيه هو طريق الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين؛ فإننا مطالبون بالالتزام بأسسه الخاصة، وكما أن هدفَنا مشروعٌ فيجب علينا أثناء السير نحوه ألا نستخدم سوى الوسائل المشروعة، ولا ريب أن السبيل الرئيس لتحقيق هذا هو أن توافق تصرفاتُنا وسلوكياتُنا القرآنَ الكريم والسُّنةَ المطهرة، غير أن لتحقيق هذا التوافق سبلًا شتَّى؛ فكما يمكن أن يتحقق هذا من خلال استنباط الأحكام من هذين المصدرين الأساسيين بصورة مباشرة بالنسبة لذوي الكفاءة والمؤهلين، يمكن أن يتحقق من خلال اتباع الأحكام التي استنبطها أهلُها، وبالشكل نفسه أيضًا فإن التحركَ وفقًا للأعراف والمصالح الموافقة أو غير المخالفة للإسلام وروح الإسلام، والتي تمثل ديناميةً مهمة تسهل تطبيق الأحكام الدينية وفقًا لظروف العصر؛ يُعدُّ واحدًا من طرق تحقيق هذه المشروعية.. وإلى جانب هذا كله فإن كانت القدرة على الوفاء بحق واجب إعلاء كلمة الله أسمى غاياتنا في عصرنا تستلزم -بين الحين والآخر- مراعاة أمورٍ مثل الضرورات والمصالح وعموم البلوى والتدرج في التشريع واختيار أهون الشرين.. فإن التحرّكَ وفقًا لهذا يُعد تعبيرًا من وجهٍ آخر عن التحرك في حدود المشروعية.