الجَرَّة المشروخة: أخلاقيات النقد والانتقاد

Herkul | . | العربية

   سؤال: ما هي الأمور التي يجب على الناقد والمنتقَد أخذها في الاعتبار؟ وما هي المعوقات التي تحول دون الإنصاف وإحقاق الحق وغير ذلك من الأخلاقيات التي أولاها الدين أهمية كبيرة؟

   الجواب: النقد هو عبارة عن التدقيق في الأقوال والأفعال والتصرفات والأعمال التي يقوم بها شخص ما أو مجموعة من الأشخاص والكشف عما فيها من نواقص وزلَّات، فإذا ما صدر النقد وفقًا للأصول المتعارف عليها صار عاملًا مهمًّا في تصويب بعض الأخطاء وتلافي النقائص والزلات، وفي المقابل هناك النقد الهدّام وهو الذي يكبِّر المشكلة ويهوِّلها ويعمِّق من التخريبات، وبتعبير آخر هو استخدام أسلوب من شأنه تثبيط الروح المعنوية لدى الناس، واللجوء إلى الاستقصاء والاستجواب لدرجة تسوق إلى اليأس وتثبط الهمم عن القيام بأي فعاليات، أو تعميم القضايا وتهميشها، وهذا النوع من النقد غير مطلوب وغير مستحسن.

 ولذلك فالنقد يختلف عن السلوكيات والأساليب التي تهدف إلى الاعتراض من أجل الاعتراض مثل الغوغائية والمغالطة والتشهير بالطرف الآخر أو ذمّه والقدح فيه.

   النقد في الثقافة الإسلامية

وإذا ألقينا نظرة على التاريخ الإسلامي فسنجد أن النقد قد حافظ على وجوده من بداية نزول الوحي على الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن بصور وأشكال وقوالب مختلفة، فعلى سبيل المثال يمكننا النظر إلى ما وضعه العلماء المسلمون من قواعد لنقد متون وأسانيد الأحاديث للتفريق بين الأحاديث الصحيحة والموضوعة، فلقد استخدم العلماء المسلمون النقد كأداة لتصفية الأحاديث الشريفة مما نُسب إليها كذبًا وزورًا، ومن خلال الفحص والتدقيق في رواة الأحاديث ومتونها والشروح والتعليقات المتصلة بها أسهم هؤلاء العلماء في أن تظل الأقوال الزائفة الملفّقة خارج دائرة الدين.

وكما هو معلوم فالقرآن الكريم نُقل إلينا كله متواترًا، ومن هذه الجهة فكل آياته قطعية الثبوت، ولكن كما أن بعض الآيات قطعية الدلالة فهناك قسم من الآيات القرآنية الكريمة ظنية الدلالة، ولذلك فمن أجل التيقن من المعنى الصحيح وضع العلماءُ كلَّ الاحتمالات، وأعادوا النظر في كل التأويلات والتفسيرات المطروحة، وكان غرضهم من كل هذا التدقيق هو الوصول إلى الحكم الأصح، وبذلك خضعت حتى الآيات القرآنية الكريمة لفحصٍ وتدقيقٍ شديدين للوصول إلى المعنى الصحيح لمدلولات الألفاظ.

ورغم أن العلماء يعون جيدًا أن نقدَ رواة الحديث أو علماء الدين قد يكون سببًا في اقتراف بعض الذنوب مثل الغيبة وسوء الظن وتتبّع عورات الناس إلا أنهم ورغم خوفهم الشديد من الوقوع في مثل هذه الذنوب قد فعلوا ذلك من أجل المحافظة على الدين، فمثلًا الإمام “شعبة بن حجاج” -وهو من كبار علماء الحديث- كان قبل قيامه بنقد الأسانيد يقول “تعالوا حتى نغتاب في الله عز وجل”[1]، مبينًا بذلك مدى حساسية المسألة وأهميتها، فهؤلاء العلماء لم يحبذوا الصمت عند الحديث عن الدين أو عند إسناد حديث إلى الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن مثل هذا الصمت قد يؤدي إلى وقوع بعض التصدعات والانكسارات في الدين.

وفي ظل تبادل الأفكار ومناقشتها تطور علم المناظرة، فأثناء المناظرة تُناقش كل الأفكار المطروحة وتخضع للنقد بغية الوصول إلى الحقيقة في النهاية، ولقد كانت تُراعى قواعد المناظرة وآدابها من أجل الوصول إلى الهدف المنشود منها وظهور الحقيقة عيانًا بيانًا.

وكل هذه الجهود التي قدمها علماء السلف جديرة بالتقدير والاحترام، ونحمد الله آلاف المرات على أن هؤلاء هم أسلافنا، لأن كل ما بذلوه من جهود رائعة في خدمة القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف والعلوم الدينية كان هدفه الحفاظ على الإسلام، وتمهيد السبل التي توصلنا إلى الله ورسوله، فكانوا لنا هُداة مهديين لنسير على الطريق المستقيم دون أن نضل السبيل، ولا يمكن فهم أو إدراك قيمة هؤلاء دون الدخول إلى عالمهم والتدقيق الشديد في حياتهم.

   الإنصاف في النقد

لقد أعطى السلف أهمية كبيرة للإنصاف داخل منظومة النقد وعلم المناظرة؛ ولقد جعلوا الأساس في الانتقاد هو ظهور الحق أكثر من ظهورهم محقين في انتقاداتهم، بل إنهم كانوا يرون الشخص الذي يسعد بظهور الحق على يديه ويتباهى بذلك أنه يفتقد إلى الإنصاف، ومن جهة أخرى كانوا يرون أن من خرج منتصرًا في المناظرة لم يكسب شيئًا جديدًا، وأن المنهزم هو من استفاد لأنه تعلم شيئًا جديدًا.

والحادثة التالية المروية عن سيدنا عمر رضي الله عنه خيرُ مثالٍ على ما نقوله في هذا الصدد: خَطَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ النَّاسَ فَحَمِدَ اللهَ تَعَالَى وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: “أَلَا لَا تُغَالُوا فِي صَدَاقِ النِّسَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَبْلُغُنِي عَنْ أَحَدٍ سَاقَ أَكْثَرَ مِنْ شَيْءٍ سَاقَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ سِيقَ إِلَيْهِ إِلَّا جَعَلْتُ فَضْلَ ذَلِكَ فِي بَيْتِ الْمَالِ”، ثُمَّ نَزَلَ، فَعَرَضَتْ لَهُ امْرَأَةٌ مِنْ قَرِيبٍ، فَقَالَتْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَكِتَابُ اللهِ تَعَالَى أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَوْ قَوْلُكَ؟ قَالَ: “بَلْ كِتَابُ اللهِ تَعَالَى، فَمَا ذَاكَ؟” قَالَتْ: نَهَيْتَ النَّاسَ آنِفًا أَنْ يُغَالُوا فِي صَدَاقِ النِّسَاءِ وَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ (سورة النِّسَاءِ: 4/20)، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: “كُلُّ أَحَدٍ أَفْقَهُ مِنْ عُمَرَ” مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ لِلنَّاسِ: “إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ أَنْ تُغَالُوا فِي صَدَاقِ النِّسَاءِ أَلَا فَلْيَفْعَلْ رَجُلٌ فِي مَالِهِ مَا بَدَا لَهُ”[2].

ولكن مع الأسف فإن البرامج الحوارية التي تُقدّم في التلفاز، والأطوار والأساليب التي يتخذها السياسيون تجاه بعضهم البعض، وثقافاتنا الحديثة التي تفشّت فيها الأنانية؛ قد أفسدت كثيرًا من أفكارنا وأساليبنا وأقوالنا، وحوَّلتنا إلى كائنات هجومية، وأبعدتنا عن إنسانيتنا وعن امتثالنا وحبنا للحق والعدالة، فالناس اليوم عندما يتحدثون مع بعضهم البعض أو يتناقشون أو ينتقدون لا يفعلون ذلك ابتغاء الوصول إلى الحق والحقيقة، ولكن هدفهم هو إخضاع الطرف الآخر لأقوالهم وأفكارهم، والجميع يريد أن يكون هو المحِقّ، وأن ينفذ كلامه، وأن ينال التقدير والاستحسان من الجميع، وعندما يكون الوضع كذلك فإن ضرر النقد يكون أكبر من نفعه.

   العوامل التي تؤدي إلى عمى البصيرة

ولا شك أن هناك عواملَ كثيرةً تؤدي إلى عدم موضوعية الشخص الناقد في بحثه عن الحق والحقيقة وتجعله ينتقد بصورة ينقصها الكثير من الإنصاف، بل إن الإنسان الذي يتعرض لتلك العوامل تجعله لا يرى الحقيقة بل ربما تجعله يراها شيئًا أخر ولذلك تجد هذا الشخص يرى الأبيض أسود، والأسود أبيض، أو تجعله يرى المعوجّ مستقيمًا، والمستقيم معوجًّا.

فمثلًا من العوامل التي تؤدي لعماء بصيرة الإنسان حب الشهرة، فتصرفات الإنسان إن كان يقيسها بمدى تحقيقه لشهرته فوجهة نظره ستصبح ضيقة لهذا الحد، لأن مثل هذا الشخص لن يلفت نظره سوى الأشياء والأفعال التي ستوصله إلى أفق الشهرة الذي يرجوه فقط، بل الأكثر من ذلك سيكون كل بحثه وهمه هو البحث عن الأدوات والوسائط التي توصله إلى الشهرة، ولذلك فهذا الشخص وإن تصرف بموضوعية في بعض المسائل إلا أنه لن يكون موضوعيًّا بالمعنى العام.

وكذلك الشخص الذي ينصبّ كل تفكيره على مستقبله ومصالحه الشخصية فقط فهذا سيكون على عينيه غشاوة دائمة، فمن الصعب على من تطلع للوصول للرئاسة والسلطة وتقلد المقامات المختلفة أن يفكر أو يحلل الأمور بصورة سليمة، لأن تفكير هذا الإنسان وملاحظاته تتشكل وفقًا للأهداف التي يريد تحصيلها، وإن كان صائبًا في بعض الأمور إلا أنه بوجه عام سيحيد بفكره عن طريق الصواب، وحتى وإن كان هذا الشخص صالحًا ولديه عقل راجح إلا أنه سينظر إلى الأمور ويربطها بمصلحته ومنفعته الذاتية.

وثمة عامل أخر من العوامل التي تؤدي إلى عماء بصيرة الإنسان هو اتباعه أيديولوجية ما دون تدبّر وتبصّر.. نعم، فمن ينساق بلا وعي وراء أيديولوجية ما من الصعب عليه أن يرى الحقيقة وأن يكون موضوعيًّا، فهؤلاء أيا كانت الأيديولوجية التي يتبعونها، فإن تقييمهم للقضايا سيكون وفقًا لما تراه أيديولوجيتهم من صواب؛ ولهذا السبب سيضللون كثيرًا من الناس؛ لأنهم يريدون إجبار المجتمع على ما يرونه صحيحًا، ولذلك فكثيرًا ما سيؤدي هذا إلى انكسارات وانشقاقات وتغيرات غير طبيعية داخل المجتمع.

وإن الانحياز، والأنانية الذاتية، والأنانية الجماعية؛ يمثلون أحد أهم العوامل لعماء بصيرة الإنسان، فمن يحاولون إرغام الآخرين على مشربهم المنتمين إليه ويسعون إلى فرض آرائهم على الآخرين لن يروا المسائل بشكل موضوعي، لأنهم سيقيمون المسائل التي يتناولونها وفقًا للمعاني التي تعبر عنها بالنسبة لهم، ولكن عباد الله الذين تخلصوا من كل العبوديات ولا يريدون انفكاكًا عن عبوديتهم لربهم سبحانه وتعالى هم فقط الذين يمكنهم رؤية كل شيء حقيقة أو قريبًا منها.

والقوة أيضًا من أهم الأسباب التي تؤدي إلى عماء البصيرة، والأصل أن هناك حكمة من وجود القوة، فالقوة المستندة في وجودها للعقل والمنطق والمحاكمة العقلية فنِعمّ هي، أما القوة المتجردة من العقل والمنطق والتي يرى فيها صاحبها أنها الحل لكل مشكلة لن تؤدي بصاحبها إلا إلى أسارة عقله؛ ولذلك كنت دائمًا أنظر إلى مثل هذا الشخص بنسبة ثلاثة أرباع أعمى، ولا يمكن الاكتفاء بما يُعرَض من حلول ويجب البحث عن حلول بديلة، وكما أن هذا الشخص ستكون قوّتُه بلاءً على نفسه فكذلك سيكون بلاء على الأمة التي يتواجد فيها.

كثيرًا ما أتألم حين أنظر إلى تاريخنا؛ وذلك لاستخدام القوة في حل مشكلات كان يجب حلها عن طريق العقل والمنطق والتفكير، حتى إنني انتقدت بعضًا ممن أحبهم كثيرًا، وقلت متأسّفًا: “ليتهم حلوا تلك المشكلة بالتفكير والتدبّر، وليس بالقوة!”.. لقد حزنت بشدة لأن من يمتلكون القوة لا يبحثون عن حلول بديلة ولا يقومون بحل القضايا بطريقة أكثر ليونة وإنسانية؛ ففي رأيي أنه من الصعب للغاية حلُّ المشكلات من جذورها بواسطة القوة بعيدًا عن العقل والمنطق؛ حيث تزداد احتمالية تجدّدها مرة أخرى بعد فترة ما، وقد شهد تاريخ البشرية أمثلة عديدة على هذا حتى الآن؛ حيث تمرد المضطَهَدون والمقهورون لاحقًا بطرق مختلفة انطلاقًا من مشاعرهم.

لا يمكن الحديث عن الإنصاف في النقد الذي يوجهه من يعانون هذا النوع من العمى؛ فعندما ينتقدون أحدًا يتحدثون دائمًا بقصد تشويهه، بل إنهم لا يعتقدون أنهم ربما يكونون مخطئين، وبحسب ما يقول العامة “يحاولون دائمًا تقديم أنفسهم كملعقة بيضاء خرجت حديثًا من اللبن”، لذلك لا يمكن الاستفادة من كلامهم.

أجل، على المرء أن يبتعد عن كل هذه المظاهر من العمى حتى يكون منصفًا في نقده ويخدم ظهور الحقيقة.. ومن يرغبون في تنوير المجتمع بأفكارهم وإرشاد من حولهم إلى القبلة الحقيقية دائمًا ينبغي لهم التزام جانب الحق وعدم التضحية به أبدًا، وإلا فإن المصابين بأنواع العمى المذكور أعلاه ربما يُضِلُّون بأفكارهم أو كلماتهم أو كتاباتهم الآخرين في أحيان كثيرة، لأنهم في معظم الأحيان قد يعتقدون أن مشاعرهم وعواطفهم أفكارًا.

وعليه فينبغي لمن يتحدثون ويعلقون وينتقدون ما يتصل بالقضايا الاجتماعية أن يراجعوا أنفسهم جيدًا إذا كانوا يريدون خدمة الحق والحقيقة، عليهم أولًا أن يعرفوا كيف يحترمون الحقيقة، ولا يليق بهم التكلم دون تفكير ولا تدبرٍ.. وحتى وإن اعتقدوا لسنوات طويلة أن الفكرة التي قبلوها صحيحة؛ فيجب عليهم أن يعرفوا كيف يغيرون رأيهم وقناعتهم بسهولة شديدة حين يجدون الحقيقة كامنةً في فكرة معاكسة لما اعتنقوه؛ فيقول الواحد منهم: “المسألة ليست كما أعرف، كنتُ مخطئًا في ذلك، وهذا يعني أنني كنت أسيرًا لأهوائي الشخصية حتى يومنا هذا؛ فظننتُ أن أهوائي وحماسي فكرًا”.

   الانتباه إلى المنهج والأسلوب في النقد

هناك عامل مهم آخر يجب مراعاته في النقد حتى يتقبله الآخرون ألا وهو الأسلوب المستخدم فيه؛ فطريقة الحديث مهمة للغاية بقدر أهمية صحة الكلام المطروح ومعقوليته، ولكيلا يُزعج النقدُ الطرفَ الموجه إليه يجب أن يكون الأسلوب صحيحًا ونمط العرض إنسانيًّا أيضًا، فإذا حدث هذا وُضعت في الحسبان اقتراحاتكم وأفكاركم التي تهدف إلى حل المشكلة أو تصحيح الخطإ، بل وتسنى لها أن تكون وسيلة لحدوث حالة من الانفراج.

وعليه فمن الأهمية بمكان مراعاةُ الحالة العامة للمخاطب قبل توجيه النقد إليه واستخدامُ الأسلوب الذي يناسبه، فإن كان المخاطب لن يستطيع استيعاب ما نقوله، فلا فائدة من التحدث إذًا؛ لأن الكلمات التي تقال لمثل هذا الشخص سوف تستفزه، وستُحرك فيه مشاعر عدم احترام الحق.

فأحيانًا ما يكون الأسلوب الذي نستخدمه حائلًا بيننا وبين المخاطب أكثر من الموضوع ذاته الذي ننتقده فيه، مما يؤدي إلى أن يرفض ولا يستسيغ النقد أبدًا، فإذا وجّهنا إليه النقد على شكل مطرقة ثقيلة وكأننا نضربها بها على رأسه أصابته الكلمات التي نقولها بصدمة روحية، وحتى إن اعتقد مثلُ هذا الشخص أن كلامنا صحيحٌ فقد لا يرغب في قبوله لأنه منزعج من الطريقة التي نتحدث بها.. بل إنه قد يختلق أنواعًا مختلفة من الفلسفات ليُثبت أنه على صوابٍ أو ليُلبس الباطل بلباس الحق، وبالتالي نكون قد جعلناه نائبًا ومتحدثًا بلسان الملاحظات والآراء الشيطانية.

وإلى جانب أهمية مسألة النقد وأسلوبه فهناك أهمية أخرى خاصة بشخص الناقد؛ لدرجة أن الشخص الذي يعترض بشدة على ما نقوله له ربما يتقبّله ذاته ويفرح به عندما يسمعه من شخص آخر، وهذا يرتبط إلى حد ما بالعلاقة بين الناقد والمنتقَد؛ فالمرء قد يرى نقد من يحبهم نوعًا من التقدير والثناء.. وعليه يجب ألا نصرّ على أن نذكر بأنفسنا بعض السلوكيات التي نراها خاطئة، وألا نعاند في هذا الأمر، بل يجب أن نُحيل الأمر إلى مَن نراه أكثر فعالية وتأثيرًا منا، فإن كان المهم هو أن تتقبل بعضُ الصدور الحقيقةَ، وتنتصر للحقّ، فما أهمية من يعبر عنه؟! 

هناك نقطة أخرى يجب مراعاتها من حيث المنهج وهي: إذا كان المخاطب سينزعج إذا صارحناه مباشرة بأخطائه، فيمكننا أن نبحث عن بيئة يتسنى له أن يتعلم منها الدرس، ونتحدث إلى الجمهور؛ فلقد حدث عدة مرات أن استخدم رسول الله الطريقة نفسها للحديث عن أخطاء رآها؛ فقد جمع صلى الله عليه وسلم أصحابه بالمسجد بسبب خطإ رآه من أحد الناس، فتحدث على العموم لا على الخصوص، وبالتالي تمكن الشخص الذي أخطأ من إدراك خطئه وتصحيحه دون أن تتأذى نفسه ولا يُساء إليه.

وفي عالم اليوم المشحون بالأنانية صار من الأهمية بمكان الانتباه إلى مثل هذه التفاصيل الدقيقة في باب النقد؛ فترى الأنانيّين -مثل الجبال الجليدية التي في القطبين- عاجزين تمامًا عن تحمل النقد والانتقاد، وإذا أردنا في مثل هذه المرحلة ألا يُزدرى الحق والحقيقة، فعلينا إيجاد الإجراء والأسلوب الذي نعتقد أنه صحيح وفعّال في هذا الصدد.

   الانتباه للانتقادات ومقابلتها باحترام

وعلى الجانب الآخر، فعلى من تعرض للنقد أن يكون منصفًا، بل وأن يعرف كيف يشكر من بيّن له أخطاءه، وعلى حد قول بديع الزمان: “إن نبهني أحدٌ على وجود عقرب في أي جزء من جسمي، عليّ أن أرضى عنه، لا أمتعض منه”.

وبتعبير آخر: إذا انبعث الدخان من مكان في منزلنا، وعندها قال أحدهم: “تُرى هل هناك حريق في هذا المنزل؟”؛ فيجب التحرك وفحص جميع الغرف، والتصرف وفقًا لهذا الوضع، وإلا فإن محاولة إسكات ذلك الشخص بقولنا: “كم أنك رجل شؤم! لماذا تقول ذلك!”؛ لن تُفيد أحدًا على الإطلاق.. فلسنا ندري؛ ربما يكون الشخص المتحدث يدُلُّ وينبّه إلى كارثة بالفعل، ولكن الطريق إلى فهم ذلك يتمثّل في مراجعة المسألة التي انتقدها مرة أخرى.

في السنوات الماضية جاءني ضيفٌ مثقفٌ وعلى دراية ووعي، وعندما همّ بالمغادرة مال عليَّ قليلًا ودون أن يُسمع الجلوس قال: “ليت الإخوة يقرؤون الكتب قليلًا”، وانتقد بطريقة ضمنية قلة قراءة الكتب، فكان ما يجب القيام به إزاء هذا النقد هو التأكد إن كان ثمّة نقصٌ في هذا الجانب حقًّا أم لا، ومحاولة تلافيه إن وُجد بالفعل؛ أي بذل الجهد اللازم من أجل تطوير أشكال جديدة من القراءة مثل تكليف الناس بقراءة كتب مفيدة، وتمكينهم من معرفة دينهم والعالم الذي يعيشون فيه معرفة أفضل، وتوفير المناخ لتكون قراءةُ الكتب عمليةً أكثر انتظامًا مع المواظبة عليها، وتطوير أساليب القراءة كاللجوء إلى المذاكرة والمدارسة دفعًا للإلف والتعود، واستيعابها وفهمها بشكل أكبر.

ربما لا تكون الانتقادات الموجهة دقيقةً وصائبةً أحيانًا، وقد تحتوي على أحكام مسبقة وضغائن، لكننا إن اعترضنا على الانتقادات، وطرحناها كلها جانبًا فقد أضَعْنا السمين مع الغث، فإن استطعنا بدلًا من ذلك أن ننظر باحترام وبقدر معين إلى النقود النحاس والحديد بل والمزيفة إلى جانب النقود الذهبية والفضية فقد مهدنا الطريق للاستفادة منها هي الأخرى.

من جانب آخر إذا كنا نريد أن تُحترم أفكارنا وآراؤنا وتنال التقدير فعلينا أن نقدر أفكار الآخرين وآراءهم حق قدرها، وإن كنا نريد مقابلة المعقول بطريقة معقولة فعلينا أولًا أن ننظر إلى أفكار الآخرين غير المعقولة وكأنها معقولة، وبمعنى أصح: يجب علينا أن نبحث عن جانب معقول في هذه الأفكار؛ ففي مثل هذه القضايا ينبغي التخلي عن الإساءة والفظاظة، ولا بد من مراعاة اللين والدفء في تصرفاتنا وسلوكياتنا، وفتح صدورنا حتى للأفكار التي تبدو مخالفة لنا.

والحقيقة أنه لا مكان في الإسلام للأفكار القاسية غير المهذبة ولا المنقحة، لقد تناول الإسلام بعض الأفكار وعالجها وشكلها وجعلها على نحو يسهل دخولها منه إلى كل قلب، هذه هي الطريقة التي يجب أن نستخدمها في النقد، فإذا استطعنا أن نكون رَحْبِيِّي الصدور، ونتبنى مبدأ احترام الحق، ونتحمل الأفكار المختلفة فسنحول دون أن تكون بعض الانتقادات سببًا للصراع والشجار.

ذات مرة اقترحت على الأصدقاء أن يتخذ كل واحد منهم أخًا ينصحه وينبهه إلى أخطائه، وليقل له: “يمكنك بكل سهولة أن تخبرني بكل الأخطاء التي تراها تقع مني فيما يتعلق بديني وحياتي الدينية، وما أقوم به في عملي وعلاقاتي الإنسانية”؛ لأننا عندما ننظر إلى حياة ساداتنا الصحابة، نرى أن بعضهم كان يُصارح بسهولة شديدة البعضَ الأخر بأخطائه، وإن لم تكن لدينا معلومات قاطعة بوجود مثل هذا الاتفاق بينهم، فهم بالنسبة لنا نجوم ومصادر نور تضيء طريقنا في ليالينا المظلمة.

***

[1] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، 7/152.

[2]  البيهقي: السنن الكبرى، 7/380.

Tags: , , , ,