الاستغفار

Herkul-ARB | . | العربية

سؤال: ما الذي تؤمّله القلوبُ المؤمنة من الاستغفار، لا سيما في أيامنا هذه التي تفشّت فيها الذنوبُ في كلّ الأنحاء وكأنها مرض معدٍ؟ وهل هناك أوقاتٌ معينة يحسُن تحرّيها خاصة للاستغفار؟

الجواب: قد ورد في حديثٍ عن سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم): “مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ” (البخاري: القدر، 3؛ مسلم: القدر، 6). والمقصد الأصلي من التكاليف الشرعية هو الحفاظ على هذه الفطرة الأصلية التي فطر الله الناس عليها. بمعنى أن الإنسان مكلّفٌ بالحفاظ على الفطرة الأصلية التي وهبها الله له حتى وفاته.

وكما أنّ كلّ الأمور التي تدخل في إطار “المُنْجِيات” تهدف إلى حماية الفطرة الأصلية، فكذلك ترمي كلُّ “المُهْلِكات” إلى إفساد الفطرة الأصلية. ومن ثمّ لا بدّ للإنسان من إقامة حصون منيعة لمجابهة الذنوب المهلكة من ناحية، ومن ناحية أخرى أن يتحرى الأعمالَ الصالحة دائمًا؛ ويبحثَ عن وسائل للمحافظة على فطرتها دون أن يعرِّضها للتلوث والفساد.

إن كلّ ذنبٍ نوع من الفساد للطبيعة الإنسانية، ولا يتأتى إعادة إنسان تعرض لمثل هذا الفساد إلى طبيعته الأصلية إلّا بالاستغفار. وبعبارة أخرى إن الذنوب تُحدث تغيّراتٍ سلبيةً في ماهية الإنسان، حتى يغدو القلب الملوث بالآثام لا قدرة له بمرور الوقت على القيام بوظيفته، فضلًا عن ذلك فإنّ كل ذنب يُبعد الإنسانَ عن الله ويقرّبه إلى الكفر؛ وبالاستغفار وحده يستطيع الإنسان أن يتخلص من الآثام التي تقرّبه إلى الكفر وأن يمحو الأوساخ والنّكات السوداء التي نُكتت في قلبه.

الطب الوقائي

الأصل أن يتّخذ الإنسانُ في البداية موقفًا حازمًا إزاء الذنوب والآثام، فلا يدنو ولو إلى أصغرها. وفي هذا الصدد ينبغي له أن يسعى إلى تهيئة جوّ نقيّ طاهرٍ يجنّبه الوقوع في الآثام، كما عليه أن يفرّ فراره من الأسد من ذلك الجو الذي يُغريه بالمعاصي. وما يتيسر هذا إلا لقلبٍ مؤمنٍ يشعر في وجدانه بأنه يتدحرج في نار جهنم عند كل ذنب يقترفه، فالقلب الذي لا يشمئز من الذنب يُعد ميّتًا.

أجل، إن القلب إنْ لم يُبدِ أيّ ردّ فعلٍ تجاه الذنوب، ولا ينزعج من المعاصي، ولا يجافيه النوم بسبب ما ارتكبه من أخطاء، فهو كالجسد الميت. فالقلب المؤمن يستنكر الذنوب لا محالة، والاستغفارُ أول عملية يجب فعلها تجاه الذنوب.

إنّ قول الإنسان “أستغفرُ الله” بصيغة المضارع يعني: “اللهم إني أرجو عفوك وغفرانك الآن وفيما بعد طوال حياتي”.

أجل، إن استعمال صيغة المضارع التي تدل على الزمن الواسع بدلًا من صيغة الماضي له مغزًى عميق جدًّا؛ حيث إن الإنسان بهذه الصيغة يعمّم طلب المغفرة مِن ذنبٍ ارتكبه في الماضي على المستقبل كله.

في الواقع قد يغفر الله ذنوب عبده باستغفارة واحدة منه. لكن على الإنسان ألا يكتفي بطلب المغفرة مرةً واحدةً من أجل عثرات يديه وعينيه وأذنيه، بل لا بدّ أن يشعر طوال عمره بالندم على الذنب الذي اقترفه وإن كان ذنبًا واحدًا، ويتوجه إلى الله قائلًا: “اللهم إني أستغفرك الآن، وسأظل أطلب غفرانك طوال عمري، فطلبُ المغفرة منك مرةً واحدةً لا يكفي، ولكن كما أنني أطلب غفرانك الآن فسأظل على طلب غفرانك والإحساس بالندم على ما ارتكبته من ذنبٍ طوال عمري، اللهم اغفر لي”.

أجل، ينبغي للمؤمن أن يفكر عند كلّ ذنب يقترفه أنّ من العيب الفظيع أن يسلك طريق السيئات رغم أن الله هداه إلى طريق الحسنات، وأن يعرف أنّ من القباحة أمام وعد الله له بالجنة أن يستغرق في طريق الآثام ويغضّ نظره عن هذا الوعد، بل عليه أن يشعر بالخجل، ويتوجه إلى الله بدوام الاستغفار، فيستغفر ربه على ذنبٍ واحدٍ عشرةَ آلاف مرة، بل ألف ألف مرة، ويستشعر بهذا في وجدانه.

إكسير يستأصل شأفة النزعة إلى الشرّ

وكما أن الاستغفار يُعيد إعمار الفطرة المخرَّبة فهو في الوقت ذاته يستأصل شأفة النزعة إلى الشرّ؛ لأن مواظبة الإنسان على التطهر بالاستغفار لا تسمح لتشكُّل أرضية تدعوه إلى ذنب جديد، بمعنى أنّ قلبه يتخلى عن أي فيروس يستدعي الميكروبات الأخرى.

فضلًا عن ذلك فلربما يُضعف الله بصورة لا نعرفها نزعةَ الإنسان إلى اقتراف الذنوب والآثام. يقول تعالى: ﴿مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (سُورَةُ الفُرْقَانِ: 70/25) ففي هذه الآية يبشّر الله عباده الذين يتوجهون إليه بالإيمان والعمل الصالح والاستغفار والتوبة بأنه سيبدّل سيئاتهم حسنات. أجل، بتوجهِ الإنسان إلى الله يمحو الحقُّ تبارك وتعالى ما في صفحات كتاب هذا الإنسان وسطوره من آثام اقترفها، وحتى لا تظلّ تلك الصفحات فارغة يملؤها ربنا تبارك وتعالى بواسع رحمته بالحسنات. وهذا تجلٍّ آخر لرحمته التي تسبق غضبه.

وللأستاذ بديع الزمان رحمه الله تفسيرٌ آخر لهذه الآية، فيذكر أن الله تعالى يبدّل نزعات الشرّ لدى الإنسان الذي يتوجه إليه بالتوبة والاستغفار بنزعات إلى الخير. أي إن توجَّهَ العبدُ إلى الله بعد أن اقترف ذنبًا وتاب إليه توبةً نصوحًا قال الله له: “بما أنك رجعتَ إليَّ فسأنعم عليك بتبديل نزعات الشرّ لديك بنزعات إلى الخير”.

أوقات مهمة للاستغفار

يُسنّ الاستغفار ثلاث مرات عقب الصلوات المفروضة (مسلم: المساجد، 135). هناك أمران يكشفان عن سبب فضيلة الاستغفار عقب أداء أحبِّ العبادات إلى الله والوصولِ إلى أقرب ما يكون العبد من ربه:

أولهما: أن عدمَ تركيز الإنسان في الصلاة، وتجولَه في عالمه الخاص، وانشغالَه بالأمور الدنيوية دون أن يستشعر حضوره بين يدي الله تعالى… هذه التصرفات التي تمارس في عبادة تعتبر معراجًا للعبد سوءُ أدبٍ مع الله. ما يجب بين يدي الله تعالى هو أن يهرول الإنسان سعيًا وراء المشاعر التي أحسّ بها سيدُ السادات (صلى الله عليه وسلم) في المعراج؛ لذلك إنّ تصرفات الإنسان دون وعي أو مبالاة لَيتطلب الاستغفار.

ثانيهما: إن الأدعية التي تُردد عقب الصلوات لها قيمة وقبول خاص؛ إذ إنها -أي الصلاة- مقام يُقبل فيه الدعاء والتضرع، لذا وصّى سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بالاستغفار والتوجه إلى الله في هذا المقام لبيان الحاجة إلى التطهر من الذنوب، فالصلوات الخمس بهذه الجهة قاعدةٌ وفرصة مهمة للاستغفار.

ولعل من أهم هذه الأوقات ما أشارت إليه الآية الكريمة: ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِاْلأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (سُورَةُ الذَّارِيَاتِ: 17/51-18) فهذه الآية تجذب الانتباهَ إلى فترة زمنية مهمة بالنسبة للاستغفار. حيث إنّ الآية تُثني على المؤمنين الذين يقومون بالأسحار يستغفرون الله، ويجأرون إليه تعالى، ويطيلون السجود وكأنهم ينسون أن يرفعوا رؤوسهم منها، وترفَعُ هذا الثناء إلى أهل السماء والروحانيين وجميع المؤمنين؛ ومن جانب آخر تدل المؤمنين على هدف؛ لأن ما ورد في القرآن والسنة من أوصاف المؤمنين يُعد تقديرًا من ناحية لأصحاب تلك الأوصاف، ومن ناحية أخرى وضعُ هدفٍ أمامهم ينبغي للكل وصوله. فإن القيام في وقت السحر والناسُ نيامٌ، وتقديمَ العبودية لرب العالمين بصلاة التهجد ولو ركعتين، والاستغفارَ بعدها مهمٌّ في تلك الدقائق خاصة حين لا يرى الإنسانَ أحدٌ.

ومن جانب آخر فإن الأوقات التي يرقّ فيها قلب الإنسان ويشعر في قلبه بثقل ذنوبه وتفيض مشاعره لا بد وأن تُستغل استغلالًا جيدًا من أجل الاستغفار، لأن تلك اللحظات تهبّ فيها نسائم القرب.

وسرعة التوجه إلى الحق تعالى عقب كل خطأٍ وذنبٍ يُرتكب تعتبر استغلالًا للحظة الأولى التي يُدرك فيها الإنسان أنه خطا خطوةً نحو الذنوب، وهذه اللحظة مهمة بالنسبة للاستغفار. وذلك لأن الذنب يشبه دُوامةً وفي نفس الوقت يجعل الإنسان مدمنًا له. ولذلك لا يمكن لأي إنسان يغوص في الذنوب أن يتخلص منه، بل إن الشخص الغارق في مختلف الآثام والشرور ربما يتمنى مع مرور الوقت أن لو لم تُحرّم تلك الذنوب؛ وذلك إن لم يعزم على الخروج من ذلك المستنقع عزمًا حقيقيًّا وعجز أن يعطي إرادته حقها؛ وهذا يعرّض الإنسان لمصيبة اعتقادية. وهلك من هلك عامةً بسبب تلك النوعية من الملاحظات، لذا فمن الأهمية بمكان أن يرجع الإنسان على الفور عن الذنوب التي وقع فيها قائلًا: “إن هذا الطريق يؤدي إلى المستنقع، وبعد بضع خطوات ربما أصل إلى موضع يستحيل الرجوع عنه”.

وأخيرًا، إن الأوقات المذكورة وإن شكّلت فرصةً للاستغفار، إلا أنه لا يُشترط تخصيص وقت معيَّن له، ولا يصح على الإطلاق حصرُ الاستغفار على هذه الأوقات، إن الإنسان يستطيع طلب العفو والمغفرة في كل وقت: صباحًا ومساءً، ليلًا ونهارًا، ويستطيع أن يستفيد بكل لحظة من لحظات عمره فرصةً للاستغفار. أجل، إن الإنسان يستطيع حين يجد الفرصة أن ينزوي جانبًا، ويستغفر الله في أيّ وضع كان، راكعًا أو ساجدًا أو جاثيًا، ويتوجه إليه تعالى بالتوبة؛ بل في كل أحواله: عندما يذهب من مكان إلى آخر، أو يقود سيارته، أو ينتظر أحدًا… بوسعه أن يبوح بكل ما في داخله إلى الله تعالى بأي شكل من أشكال الاستغفار. والأصل أن يستغل الإنسان كل لحظات حياته في هذا السياق، لأن الموت يأتي بغتةً، واستقبال الموت بشفاه مرطبة بالاستغفار وسيلةٌ مهمة للغاية لارتحال الإنسان إلى الآخرة طاهرًا مطهَّرًا.