الإسلام الحقيقيُّ والإسلام الشكليّ

Herkul-ARB | . | العربية

سؤال: هل توضّحون حقيقة: “إنَّ الإسلام ليس مجرد شكلٍ وصورةٍ”؟

الجواب: إن الإسلام -كما ذُكر في السؤال- ليسَ مجرَّدَ شكلٍ وصورةٍ ومنظرٍ وصخبٍ وكلامٍ جزافٍ، ولا قيامٍ بمجموعةٍ من الأمور الشكلية، بل على العكس من ذلك: إنه أمرٌ قلبيٌّ، أي إنّ الأهمَّ والأساسَ إلى جانب الشكل هو الجوهرُ والمعنى؛ وقد لَفَتَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الانتباهَ إلى تلك الحقيقة بقوله: “إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلٰكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ[1]، وقد قال صوتُ الأناضول العذبُ الشاعرُ التركي “يونس أمره” في أحد أشعاره:

ليس التصوف بارتداء الخِرَقِ والتيجان

فمن يجعل قلبَهُ درويشًا لا يَحْتَاجُ خِرَقًا على الأبدان

ليؤكِّد بهذين المصراعين أنَّ ما يجب الوقوف والتركيز عليه أكثر من الشكل والمنظر إنما هو القلب.

ماذا إن بدا ما بداخلنا!؟

ومن هذه الناحية فثمّة أشخاص كثيرون يتقدّمون الصفوف، ويسعون إلى تمثيلِ الإسلامِ بصخبٍ وخيلاء؛ إلا أنَّهم لا يعدلون جناح بعوضةٍ في ميزان الله جل جلاله. أجل، إنّ هؤلاء وإن بدوا في مقدّمة ركْبِ الإسلامِ في الدنيا إلا أنهم سيكونون في وضع بائس ومؤسفٍ في الآخرة، وفي مقابل هؤلاء ثمة رجال آخرون لا يُقدَّرون حق قدرهم في هذه الدنيا، ويبدون في الصفوف الخلفية من المسيرة سوف يتبين في الآخرة أنهم سبقوا السابقين، وتباروا في حياتهم المعنوية مع الأولياء والأصفياء والأبرار والمقربين، وبناءً على ذلك: فإنَّ إصدار أحكامٍ بحقّ الآخرين بالنظر إلى مظهرهم الخارجي وأقوالهم وأشكالهم وصورهم ربما لا يؤدّي بنا إلى نتائج صائبة دائمًا، وهذه حقيقة أشار إليها رسولنا صلى الله عليه وسلم بقوله: “رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ[2].

ومن المهمّ ههنا عدم حملِ الكلامِ على غير محملِهِ؛ فإيّاكم أن تفهموا أنه لا بدَّ للإنسان أن يكون فقيرًا وحقيرًا حتى يتسنّى له إدراك وإحراز هذا النوع من المقامات والمراتب السامية؛ إذ إنَّ من يتولّون مناصب ومقامات دنيوية معينة قد يصلون بإذن الله عز وجلَّ إلى أعلى المراتب عنده سبحانه وتعالى طالما سلمت قلوبُهم ووفّوا بحقّ مسؤوليّاتهم، وكلُّ واحدٍ من ساداتنا الخلفاء الراشدين يُمثِّل نموذجًا أجملَ من الآخر في هذا الشأن.

حياة القادة الحقيقيين المؤثّرة في الأنفس

ها هو ذا سيدنا أبو بكر رضي الله عنه، عندما تولى الخلافةَ فَرضوا له من بيت المال ما يصلحه ويصلح عيالَه يومًا بيوم ويحجّ ويعتمر، فحينما حضرته المَنيَّةُ أوصى بأن يُسلَّم ما زاد عن حاجته من راتبه إلى من سَيَخلُفُه من بعده؛ وقال رضي الله عنه وهو على فراش الموت: “انظروا إلى ما زاد من مالي مذ دخلتُ في هذه الإمارة فردُّوه إلى الخليفة من بعدي”، فلما جيءَ بذلك إلى عمر بكى ثم قال: “رحم الله أبا بكر لقد أتعبَ من بعده إتعابًا شديدًا”[3]، ولقد كان سيدنا أبو بكر رضي الله عنه قبل الإسلامِ غنيًّا لكنه بعد الإسلامِ أنفقَ ثروته كلّها في سبيل الله، ولم يفكِّرْ في أن يستغلَّ لصالح نفسه ولو ذرة واحدةً مما يمتلِكُهُ، وبالرغم من كثرة النعم والإمكانيات التي وهبها الله تعالى له؛ إلا أنّه انتقل إلى الدار الآخرة خاوي الوفاض من النعم الدنيوية.

ولم تكن حياة سيدنا عمر بن الخطاب مختلفةً عن حياة أبي بكر الصديق رضي الله عنهما؛ فحين كان على رأس الدولة طلبَ تحديدَ راتبه الشخصيّ بقدر ما يتعيّش به أيّ إنسان متوسط الحال من الأمة، وفي عام الرمادة حرَّمَ على نفسه الطعام إلا بقدرِ ما يأكل أفقرُ الناس، وهو الخبز والزيت، فكانت بطنه تُقَرْقِرُ من شدّة الجوع، فَنَقَرَ بطنَه بإصبعه، وقال: “قرقري أو لا تُقَرْقِري، إنه ليس عندنا غيره حتى يحيا الناس”[4]، وقد رحل عن الدنيا ذلك الخليفة العظيم الذي هزم القوّتين العُظْمَيَيْن في ذلك العصر ولم يترك من المتاع شيئًا، وعليه فإن القاعدة الأساس لحصول التوفيق الدنيوي والأخروي تتأتَّى من مسلك ومنهج كهذا.

ولسيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه أيضًا فضائله الخاصة به؛ فكان من أغنى أغنياء المسلمين أنفق دون أدنى تردُّدٍ ستمائة بعيرٍ بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله تعالى استجابة لطلب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم القدوةِ الحسنة والمرشدِ الأكمل، فوصل هو الآخر بكرمه وجوده الفائق أفقًا يُدرِك من خلاله فضلَ الخليفتين السابقين عليه.

وكذلك سيدنا عليّ رضي الله عنه أنفقَ في سبيل الله تعالى ما تحصَّل عليه من مالٍ طيلة عمره؛ وكان يقول: “يَا دُنْيَا غُرِّي غَيْرِي”[5]، فانتقل إلى الدار الآخرة فقيرًا رغم كثرة الإمكانيات.

تلك القامات العظيمة لم تستخدم في سبيل مصالحها الشخصية قطُّ حقوقَ التصرّف الواسعة الإطار التي وهبها الله تعالى إياها، ولا الإمكانيّات التي توفّرت لها بسبب مناصبها، وكما أنها لم تلهث وراء منفعةٍ شخصية تحقِّقها لأنفسها، فإنها لم تستغل إمكانياتها وصلاحياتها التي تمتلكها كي تمنح شيئًا لأبنائها وبناتها وأقربائها وحاشيتها ومؤيِّديها.

أشباه القادة، والمجتمعاتُ المنجرفةُ إلى الهلاك

فهل يقع في الكفر من يستغلّون الإمكانيات التي اسْتَأْمَنَتهم عليها الأمة لصالح أنفسهم وأزواجهم وأولادهم ؟ لا بالطبع، إن هذا السلوك -رغم أنه سلوك شنيع- لا يُخرجهم من دائرة الإيمان ويدخلهم في دائرة الكفر، غير أنه لا ريب في أنهم يكونون قد اتصفوا بصفةٍ من صفات الكافرين، وإنهم حتى وإنْ صلّوا خمسَهم وصاموا شهرَهم وحجوا فرضَهم؛ فسيظلّون يُؤْوُون في أنفسهم وأجسادهم صفات الكافرين تلك كالجراثيم طالما أنهم لم يُصلحوا نقاط ضعفهم في هذا الشأن، وربما يتسببون في ظهور مجموعة من الانحرافات في تصرفاتهم وسلوكياتهم. أجل، إنهم سيُفكِّرون تفكيرًا خاطئًا، ويتَّخذون قرارات خاطئة، ويتصرَّفون تصرُّفات خاطئة نظرًا لإيوائهم فيروسًا خطيرًا في أبدانهم، ونتيجة لذلك فإنهم سيدفعون رعيَّتَهم إلى الهلاك بسياساتهم الخاطئة.

وينبغي ألّا ننسى أنّ الله جلَّ جلاله يحكم على الناس بحسب ما يتحلَّون به من أخلاق؛ فالأخلاق المتعلِّقة بالأوامر التكوينية أو التشريعية كالتحلِّي بالصدق، والحرص على حفظ أعراض الآخرين وشرفهم، والعيشِ في كنَفِ العفّة والعصمة، وعدمِ الطمع في مال أحدٍ ولا ملكه، والحرصِ على التعاون في الخير، والثورةِ على الكسل، وتنظيمِ الوقت، والاستفادةِ من الإمكانيات بصورة إيجابيّة تمامًا، والتفكُّرِ في الكون عشقًا للبحث والحقيقة؛ كلُّ ذلك متّحدًا هو صفة المؤمن الحقّ، يُوفّق الله من يتحلّى بها، ويُعاقب في الدنيا والآخرة مَنْ يُهمِلُها.

أجل، إن الإنسان، وإنْ قال: “إنني متديّنٌ”، ولم يرَ أحدًا غيره يُطبِّقُ الإسلام ويدافع عنه مثله، إن كان يجلس في المقاهي كسِلًا خاملًا، ولا يكتفي بذلك بل يغتاب الآخرين ويَنُمُّ ويفتري ويكذب، ويتحرك بالظنون فحسب لا بالحقائق، ويسيء التفكير بحق غيره من المؤمنين؛ فهذا يعني أنه يعيش حياة تتصف بأوصاف الكافرين، ومن يتصف بتلك الصفات ليست له أيَّة قيمة على الإطلاق عند الله تعالى حتى وإن أنزل النجوم من السماوات بحركة منه -وهذا افتراضُ محال- وأَبهَرَ مَن في الدنيا كما الألعاب النارية، ومدَّ موائد الأنوار فيها، وربما يُضلِّلُ ذلك الشخصُ الناسَ لفترةٍ مؤقتة بخداعه إيَّاهم، غير أنَّ مثلَه يومض كالضوء الكاذب وما يلبث أن يخبو سريعًا لأنه لم يُقِمْ علاقة سليمة قويّة بالله تعالى، ولم يسر على منهج الإيمان، ولم يقتفِ أثر الأنبياء ولم يَدُرْ في فلكهم، ولسوف يتسبب في هلاك من يتبعونه، فهناك كثيرون ضلَّلوا كمًّا هائلًا من الناس وجرّوهم خلفهم مدّةً من الزمان، غير أنهم زالوا وانمحوا دون أن يمضيَ كثير من الوقت، ولم يُخلّفوا وراءهم أثرًا يُذكَر على الإطلاق.

جَشَعٌ لا ينتهي

وعليه فينبغي للمؤمن ألا ينخدِعَ بالشكل، وألا ينسى أن الأصلَ هو المعنى والجوهر والروح، وعليه أن يلازم الإخلاص والصدق، وأن يربطَ كلَّ حركاته وسكناته برضا الله تعالى، ويسعى إلى تتبُّعِ الإرادة الإلهية في كلِّ خطواته؛ لأن من لا ينظِّمُ حياته وفقًا للأسس التي وضعها الله تعالى يصبح فريسةً سهلةً للنفس والشيطان وتوجيهاتهما، ومثل ذلك الشخص سوف يملأ خزائنه وحساباته المصرفية إذا ما وجد الفرصة لذلك، حتى إنه سيبدأ في إرسال الأموال إلى الخارج حين لا تكفيه بنوكُ وطنِه؛ فيسلبُ الأمة ويسرقها بِحِيَلٍ لا تخطر لأحدٍ على بالٍ، ويسعى لإقامة سلطنته الخاصة بأموال يغتصبها من الأمة، ومن يتحرك بهذه النوعية من الأفكار الشيطانية يسير في طريق الكفر وإن بدا مؤمنًا.

إن النجاحات والمكاسب وسائلُها ومناهجُها متعينةٌ لا بد من الالتزام بها، ويستحيلُ الوصولُ إلى هدفٍ مشروعٍ عبر سلوك طرق غير مشروعة، وكما يجب أن يكون الهدفُ معقولًا ومشروعًا وإلهيًّا؛ فلا بدَّ أيضًا أن يكون السبيل والمنهج المؤدِّي إليه مشروعًا بنفس الشكل، والفكرُ الوصولي الأناني (الميكافيلي) الذي يرى جواز استخدام الطرق غير المشروعة من أجل الوصول إلى هدفٍ مشروعٍ، وأنَّ الغايةَ تُبرِّرُ الوسيلة؛ إنّما هو همزٌ شيطاني بلا ريبٍ، وإنسانٌ هكذا وإن كان من الذين يرتادون المسجد فإنه لا يختلف حالُه عمن يرتَادُون الخمّارة، ويقيمون في معبد الأوثان.

محاولة سترِ ظلمٍ بظلمٍ أكبر

إن من يرتكبون جرائم عظمى كسرقة أموال الأمة ونهبها والتلاعب بالمناقصات والارتشاء وممارسة حياة بوهيمية أو محاباة ذويهم وتفضيلهم على الآخرين دون أن يستحقّوا ذلك؛ تراهم في أية مرتبة من مراتب الإدارة كانوا؛ لا يرغبون في اطِّلاع الآخرين على أفعالهم المشينة اللعينة تلك، ولذلك فإنهم ينزعجون من أن يتولى أناسٌ أطهار صادقون ليسوا على شاكلتهم ولا منهم ولا يُقرّون بأفعالهم غير المشروعة تلك أيَّ منصب أو مرتبة في الدولة تُمكِّنُ من الاطلاع على تلك الأفعال المشينة، ويخافون من أن يُعترض طريقهم، وأنْ يُفتَضحَ أمرُهم، وأنْ يَفقدوا رصيدهم لدى الناس، وكي يستطيعوا الحيلولة دون هذا كلِّه فإنهم يضغطون على أولئك الصادقين الأطهار ويقمعونهم بطرق ووسائل مختلفة لا يتخيلها عقل؛ ذلك لأن كلَّ مجرم يسعى لستر جريمته والانسلال مما اقترفت يداه، بل إنهم لا يتورعون عن عزو التُّهَمِ إلى غيرهم رغبة منهم في تبرئة أنفسهم.

وكما أنهم لا يرغبون في أن يطّلع الآخرون على جرائمهم؛ فإنهم يسعون إلى تشبيه من حولهم بأنفسهم كي يتحركوا براحةٍ في المستنقع الذي يغوصون فيه؛ فمرتكبو نفس المساوئ والجرائم يتفاهمون بكل سهولة مع بعضهم البعض؛ فيتفادون بذلك النقدَ واللومَ، ويحاولون إسكات تأنيب الضمير على ما ارتكبوه.

إنهم إلى جانب كل هذا يسعون إلى تشويه من يرونهم مخالفين لهم والانتقاصِ من قيمتهم بمجموعةٍ من الأسماء والألقاب يختلقونها في محاولةٍ منهم لِتأمين مستقبلهم والحفاظ على مناصبهم ومراتبهم، والأدهى من ذلك والأَمَرُّ أنهم يبذلون كلَّ هذا الجهد من أجلِ إغلاقِ جميع الأبواب في وجوه هؤلاء الأنقياء وعزلِـهم من مناصبهم، غير أنه ينبغي ألا يُنسى أنَّ كلَّ هذه الصفات والأفعال هي صفاتُ وأفعالُ أهل الكفر حتى وإن وُجدت لدى إنسان مسلم.

الثباتُ على الحقِّ، وعلوُّ الجنابِ في حلِّ المشكلات

وبالرغم من كلِّ شيءٍ فإنَّه يتوجَّب على المؤمنين الحقيقيّين ألَّا يخضعوا لجبروت وضغوط الطواغيت، وأن يواصلوا السير في الطريق الحقِّ الذي يعرفونه من ناحية، وأن يحاولوا العثور على سبيل خير وبرٍّ لإنقاذ حتى من يسيؤون إليهم؛ فيمنعونهم من ارتكاب الشرور والمساوئ بموجب قول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (سُورَةُ فُصِّلَتْ: 34/41)، فقد ورد أنَّ رجلًا تزيَّا بزيّ عالمٍ وكان منزعجًا من قول يُعزى إلى مولانا جلال الدين الرومي: “إحدى قدميّ في وسط الدين والأخرى في وسط اثنين وسبعين أمة” أو قوله “أَقْبِلْ، أَقْبِلْ، أيًّا كنتَ، فلتُقبِلْ؛ كافرًا كنتَ، أو مجوسيًّا، أو وثنيًّا! أقبل فتكيَّتُنا ليست تكيّة اليأس والقنوط، أَقْبِلْ وإنْ نقَضْتَ توبتَك مائةَ مرة! أقبلْ!”، فراح يكيل لمولانا كلَّ أنواع الشتائم والسباب مما يرد على لسانه قائلًا: “أنت زنديق، أنت فاسق، أنت تُضلل الناس، وتحتضن الجميع وتتملق إلى اليهود والنصارى والمجوس…”، وبينما كان ذلك الرجل يفرغ كل ما بداخله من سموم، كان مولانا جلال الدين الرومي يستمع بإخلاصٍ وتواضع كاملين لكل ما قاله، فلما انتهى الرجل من كلامه سأله مولانا: “هل قلت كلَّ ما عندك وانتهيتَ؟”، فأجابه الرجل: “نعم”، فقال له مولانا: “إنَّ صدري مفتوح لك أنت أيضًا، فأَقْبِلْ!”.

أجل، ربما يُغلِّق البعضُ جميع الأبواب في وجهكم مختلقًا حججًا واهية مختلفة، وربما يستكثرون عليكم أقل الحقوق والحريّات الأساسية، حتى إنهم قد يطلبون عرقلة مجموعة من خدماتكم الخيرية حتى ولو كانت في أقصى مكان من العالم، عليكم في مقابل هذا أن تقوموا بواجبكم، فتقولوا “حَسْبُنَا اللهُ“، وتواصلوا فعل الخير والعمل الصالح في الطريق الصحيح الذي تعرفونه، ولا ينبغي لكم الردُّ على تلك الإساءات بمثلها، إذ إنَّ مقابلة الظلم بالظلم ظلمٌ، إنَّ الإسلام اعتبر الردَّ على المظالم المرتكبة بمثلها ظلمًا؛ حيث قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ[6]، كما أن القاعدة الكلية تقول: “الضررُ لا يُزال بمثله”[7].

إن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحلى طيلة حياته السنيّة بالمعاملة الحسنة والصفح والعفو عمن أساؤوا إليه؛ حتّى إنه حينما دخل مكّة فاتحًا كان قد انحنى على راحلتِهِ، حتى إنَّ عُثْنُونه ليكاد يمسّ واسطة الرَّحل[8] تواضعًا منه لله أنْ فتح عليه مكة، وبينما كان مَن أذاقوه كل أنواع الشرِّ والأذى حتى ذلك اليوم ينتظرون بخوف وقلق شديدين الحكم الذي سيصدره عليه الصلاة والسلام بحقهم؛ إذ به يُطلِقُ حكمَه السمحَ الشهير: “اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ”[9]، مثلما فعلَ يوسف عليه السلام مع إخوته قبل آلاف السنين حينما قال لهم: ﴿لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ (سُورَةُ يُوسُفَ: 92/12)، وتلك هي المروءة، وعلوُّ الجناب! والطريقُ الذي يجبُ على ورثة الأنبياء أن يسلكوه في عصرنا وفي كل عصر ومصر إنما هو هذا الطريق!…

 

[1] صحيح مسلم، البر، 34؛ سنن ابن ماجه، الزهد، 9؛ مسند الإمام أحمد، 227/13.

[2] صحيح مسلم، البر، 138، الجنة، 48.

[3] ابن سعد: الطبقات الكبرى، 143/3؛ ابن عساكر: تاريخ دمشق، 229/30.

[4] ابن عساكر: تاريخ دمشق، 347/44.

[5] الإمام أحمد بن حنبل: فضائل الصحابة، 531/1.

[6] سنن ابن ماجه، الأحكام، 17 ؛ موطأ الإمام مالك، الأقضية، 26؛ مسند الإمام أحمد، 55/5.

[7] ابن نجيم: الأشباه والنظائر، ص 74.

[8] ابن هشام: السيرة النبويّة، 405/2. (والعُثْنُونُ من اللحية: ما نَبَتَ على الذقن وتحتهِ سِفْلًا).

[9] البيهقي: السنن الكبرى، 199/9.