أسلوب الإرشاد وتأثيرُ الكلمة

Herkul-ARB | . | العربية

سؤال: ما الذي يجب مراعاته أثناء قيامنا بوظيفة “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” حتى لا نتسبب في دمار وهدم أثناء البناء؟

الجواب: إنّ مهمة “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” التي ذكرت في مواضع مختلفة من القرآن الكريم هي السمة والعلامة الفارقة المميزة لخيرِ أمة عن غيرها من الأمم؛ وقَولُ الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 110/3) بشارة لنا في هذا الصدد، كما أنَّه يُذكِّرنا في الوقت نفسه بمهمّتنا ووظيفتنا السامية المقدسة تلك؛ إذ يُخاطب القرآنُ معجزُ البيان القلوبَ المؤمنة مُبيِّنًا لها أنّها لم تُخرَج من أجل المسلمين فحسب، بل من أجل الناس قاطبة، فهم مكلفون بتعليم القيم الإنسانية للبشرية جمعاء، والواقع أنهم لم يُجبلوا على هذا الشعور بإرادتهم المحضة؛ بل إنَّ الله جل جلاله هو الذي شرح صدورهم للإنسانية، ووضعهم على الساحة وهيّأهم لأداء السيناريو الذي قدره.

وعليه فينبغي للأمة المحمدية أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر كي تستطيع الوفاء بالأمانة التي حملَتْها وتؤديَ الواجب الذي كُلّفت به تامًّا غير منقوص؛ والحقيقة أنَّ اختلافها عن غيرها من الأمم السابقة مرهونٌ بأدائها تلك الوظيفة.

المعروف والمنكر

المعروف: اسمٌ لكلِّ شيء وفِعْلٍ أمر به الدينُ وقَبِلَه العقلُ والحسّ السليم وارتضاه الضمير ففتح له أبوابه، وتقديمُ ذكر الأمر بالمعروف على النهي عن المنكر في الآية الكريمة أمرٌ مهمٌّ؛ وبناءً على ذلك لا بد أن ينتبه المؤمن إلى ألا يقول إلا معروفًا، وأن يعطيَ الأولوية إلى الحديث عن الجماليات والمحاسن أكثر من المنكرات والمساوئ؛ وعليه أثناءَ ذلك كله أن يضبط أسلوبه ضبطًا جيّدًا، وأن يُحدِّد مسبقًا بتأنٍّ ودقّة شديدة إلى مَنْ وبأي شكل وبأي أسلوب سيُقدم المعروف.

أما المنكر: فهو كل ما حرمه الدين ورفضه العقل السليم واعتبره ضارًّا، واستنكره الحس السليم، وأغلق الضمير أبوابه دونه، وعلى المؤمن إلى جانب الأمر بالمعروف أن يسعى للنهي عن المنكر ويجتهد للحيلولة دون رضوخ الناس للخطإ، واندفاعِهم إلى عالم المجهول بتأثير إحدى التيارات الجارفة، ومن ثم يغرقون في بحر لُجّيٍّ عميق، وعليه أن يكشف عن الوجه القبيح للظلم فيرُدَّ الظالم عن ظلمه، وأن يفضح الوجه المقزز للفسق والفجور فينهى الفاسق عن فسقه، ويُعرّي الوجه المرعب القبيح للكفر فيُثْنِيَ الكافر عن كفره، وبالطبع لا يفعل هذا بالكلام فحسب، بل عليه أن يعبر عنه بلسان حاله وتصرفاته بالدرجة الأولى، وأن يثير الاشمئزاز والتقزّز في قلوب مخاطبيه تجاه البوهيمية والشر والفحشاء، ويسعى لإبعادهم عن مثل تلك الأخطاء والذنوب.

ضرورة البعد عن تصوير الباطل

غير أنه يجب على المؤمن حين يعمل على كشف الوجه القبيح للمنكر ألّا يُظهر أنَّ المنكرَ قوي ومتألق، وإلا فقد يتكوّن لدى مخاطبيه نوعٌ من الميل والتقرّب إلى المنكر دون أن يشعر هو بذلك قط، وحريٌّ بنا أن نذكر هنا تحذير الأستاذ بديع الزمان في هذا الشأن؛ إذ يقول: “إن تصوير الأمور الباطلة تصويرًا جيّدًا جرحٌ للأذهان الصافية وإضلال لها”[1]. أجل، إنَّ الإنسان قد ينوي النهي عن المنكر فيرسمه بشكل يوقظ في مخاطبيه تطلُّعًا إليها أو غبطة لها، وهذا الخطأُ لا يُرتكب بالقول والكلام فحسب؛ فكما يحتمل أن يشوش الأذهانَ ويعكرَ صفوها إنسانٌ يعظ أو ينصح الناس أو يُحاضر فيهم في مكان ما بما يقوله من كلام فإنَّ مَنْ يصور فيلمًا أو مسلسلًا قد يقع في الخطإ نفسه بما يعرضه من مشاهد على الشاشة، وإن كان هؤلاء قد استهدفوا من وراء فعلهم ذلك تصويرَ الجانب القبيح من الباطل في ضمير المجتمع فقد يوقظون بفعلهم هذا -دون وعي- شعورًا بالغبطة والتطلّع إلى ممارسة تلك الذنوب لدى ضعاف الإرادة، وهكذا فإنَّ من يتحركون بهدف التعبير عن الحق وحمايته ربما يدفعون غيرهم للسير في طريق خاطئ.

ينبغي ألا نحطّم الآمال

وكذلك أيضًا حينما تحاولون تصوير الأشياء السلبية وضروبِ القبح والشر المختلفة على نحوٍ يعكّر المزاج ويحطّم القوة المعنوية فإنّكم تكونون بذلك قد خالفتم أمرَ النهي عن المنكر.

وربما تقولون وأنتم تعانون حالة من الاضطراب النفسي: “تعيش الإنسانية في يومنا هذا محرومة من البكاء، ولم يقع قحطٌ ولا جدبٌ في أي زمنٍ بقدر ما حدث في يومنا هذا؛ فالعالم الإسلامي يحترق في نار مُستعِرة، وتُداس عزته وشرفه وكبرياؤه تحت الأقدام، ويُلعبُ بشبابه وشيوخه، غير أن الناس لا يشعرون في مواجهة هذه اللوحة المؤلمة ولو حتى بمجرد الحزن، بل يتصرفون ببخلٍ وشحٍّ فلا يخصصون ولو بضع دقائق من وقتهم يتباكون ويتحسرون فيها على ذلك…”، غير أنكم حين تعبرون عن ذلك النوع من الأمور يساوركم بل يجب أن يساوركم قلقٌ من قبيلِ: “تُرى هل نخطئ بقول هذا؟”، لأن الإنسان وهو يرسم وضعًا سلبيًّا قد يصوّر -دون أن يشعر- مناخًا قاسيًا لا يتحمّله مخاطبوه، بل ويهزّ قوتهم المعنوية ويزعزعها.

إن الإنسان حين يقارن المناخ السلبي الذي يعيشه الآن بالماضي ربما يعيش نوعًا من التردد والتذبذب بسبب قلقٍ مشابهٍ؛ ولعلكم تتذكرون الأبيات الشعرية للسلطان أحمد الثاني؛ حيث يقول (ترجمة):

يا رسول الله خارت قواي بفراقك

وتقطع هذا القلب إربًا إربًا لبِعادك

ولم تبق محبةٌ في العشق

وأفاضَ مدمعي -وأنا المسكينُ- حكمُ القضاء

فلم يتبقّ لسيدنا يعقوب أيُّ نصيبٍ من البكاء

وعندما تُطالِعون هذا تدركون كم هو من المؤلم أن تؤول السلطنة من بعد هذا السلطان المبجل عاشق النبي صلى الله عليه وسلم والمُولَه به إلى أناس شغوفين بالسلطة مولعين بها! وتعبرون عن ملاحظاتكم تلك، وكم هو مؤلمٌ وباعثٌ على الحزن والأسى بالنسبة لمن عرفوا العصر الزاهر في الماضي أن يعيشوا الآن موسم الخريف؟! وربما أنَّه ليس هناك حالٌ ولا وضع أكثر إيلامًا وإيجاعًا وإيذاءً للنفس من عدم الإحساس بمثل هذا الحزن، ومن عدم مقارنتنا بين الماضي والحاضر! غير أنَّ الهوة التي تردينا فيها خطيرة للغاية؛ فلقد غيَّبَتْنا وجعلَتْنا لا نستطيع أن نشعر بالحفرة العميقة التي سقطنا فيها، ولا حتى بالأزمة التي نعيشها.

كل ما تقدم تعبيرٌ عن الحقيقة، غير أنه لا يحسُن التصريح بالحق في أي وقت، فأحيانًا ما تُصرّحون بحقيقة تؤمنون بصحتها غير أن مستوى فهمِ المخاطبين وأفقَ قلوبهم إن لم يكن في درجة من النضج تمكنهم من فهم تلك الحقيقة فقد تدفعونهم بكلامكم وحديثكم هذا إلى اليأس والقنوط وإلى تكوُّن قناعة خاطئة لديهم بأن أوجه الجمال والخير تلك تبدو وكأنه يستحيل أن تتكرر وتُعاشَ من جديد، وهكذا فإن من يحاولون تحذير الناس ونهيهم عن الأشياء السلبية الضارة بواسطة ما ينتجونه من أفلام ومسلسلات ومسرحيات ويحررونه من مقالات ويقدمونه من نصائح ومواعظ يتسبّبون أحيانًا في حدوث انكسارات يظل الناس بتأثيرها يُعانون انكسارًا دائمًا؛ فتتحطم بسببها قواهم وسواعدهم، فييأسون ويقنطون.

ومن هذه الناحية فإنَّه ينبغي لمن سيلقي كلمة في مكان ما أنْ يقرأ مشاعر مخاطبيه قراءةً صحيحة، ويقدم المسألة أو القضية التي يتناولها بأسلوب مناسب، وأن يضعَ في حسبانه أيضًا ما قد يتكون من ردود فعل محتملة لدى المخاطبين؛ لأن ما يُلقى من كلام وحديث دون أن يوضع في الاعتبار ما يقرّه المخاطبون وما يرفضونه ربما يؤدي إلى نتيجة عكسية مخالفة لتلك التي يُرجى الحصول عليها.

والحاصل أنه لا بد من تَوخّي الحيطة والحذر عند الأمر بالمعروف والحثِّ عليه، والنهي عن المنكر والترهيب منه، فلا يُبالَغنَّ في تصوير الباطل، ولا يُبخلَنَّ في بيان الحق وإظهاره كما ينبغي.

مراعاة الحق أثناء الحديث

قد تخرجون عن دائرة الأمر بالمعروف أحيانًا حيث ترغبون في الحديث عن الأشياء الإيجابية والجميلة؛ ومن ذلك على سبيل المثال أنكم ربما تبالغون وأنتم تتحدثون عما تقومون به من فعاليات وأنشطة، ومن المعلوم أن المبالغةَ كذبٌ خفيّ مستور، ويستحيل تمامًا خدمة الدين ولو حتى بِذَرَّةِ كذب واحدة أضف إلى ذلك فإنَّ المبالغةَ سببٌ رئيسٌ في انقطاع البركة الإلهية والفيض الرحمانيّ المتجلي في الفعاليات والأنشطة الجميلة الخيرة.

وحين تتحدثون عن الأشياء الإيجابية قد تنسبون شيئًا منها إلى أنفسكم وكأنكم أنتم مصدرُها، في حين أن (99.9%) من المسألة التي تتحدثون عنها هو من عند الله، أما نصيب الإرادة البشرية هنا فهو واحد في الألف، ونحن لا ننفي هذا، وإلا تردَّينا في نفس الخطإ الذي تردت فيه “الجبريّةُ”، وانزلقْنا دون شعورٍ منّا في نوعٍ من الفلسفة الحتمية والجبرية، ولكن إنْ تصرف مَنْ يرسُم أشياءَ جميلةً ويقدمها للآخرين وكأنه بطل هذا العمل ونسبَ إلى نفسه شيئًا منها ولو حتى في خياله فقد دنّس خياله بهَبَّات الشرك، وسيأتي يوم يصطدم فيه هذا الخيال القذِر بفهمه وأفكاره فيُحدِثُ فيها انكسارًا مروّعًا، ثم يصيب عقلَه فيؤدي إلى حدوث مجموعة من الصدوع فيه، ثم يبدأ مثل ذلك الإنسان يردد أولًا: “نحن.. نحن” التي تعتبر أبسطَ درجات الشرك باعتبارها “أنانية جماعية”، حتى يتطوّر به الأمر فيقول “أنا.. أنا” التي هي أغلظ درجات الشرك.

ابدأ بنفسك

وثمة أمر آخر ألا وهو أن يكون الناصح والواعظ لغيره إنسانًا يعيش شخصيًّا ما يقوله لمخاطبيه حتى يؤثر فيهم تأثيرًا إيجابيًّا؛ فقد ورد أنَّ الحق تعالى خاطب عيسى عليه السلام قائلًا: “يَا عِيسَى عِظْ نَفْسَكَ فَإنِ اتَّعَظَتْ بِهِ فَعِظِ النَّاسَ وَإِلَّا فَاسْتَحْيِ مِنِّي[2]، وهنا يبين الحقّ جل وعلا أنَّ الإنسان عندما ينصح الآخرين بشيءٍ دون أن يلتزم هو به يكون قد أساء الأدب مع الحضرة الإلهية، وإذا ما فكّرْنا في تنبيه الله تعالى لنبيٍّ من أولي العزم كسيدنا عيسى عليه السلام الذي كان يطبق على نفسه أضعاف أضعاف ما يبديه من نصحٍ للآخرين؛ يتّضح أكثر إلى أيِّ مدى يجب على الآخرين أن يتنبهوا ويكونوا يقظين في هذا الشأن.

وإنّ عجْزَنا عن التخلّص من الشكليات والصوريّات وعدمَ تجاوزنا الصورة إلى المعنى لهو عامل آخر من عوامل انعدام تأثير كلامنا في مخاطبينا، ولو أن مليونًا ونصفَ المليون من بين المسلمين البالغ عددهم حوالي مليار ونصف المليار في العالم طبقوا الإسلام كما طبقه المسلمون في عصر السعادة لكان وجهُ الإنسانية مختلفًا تمامًا عمَّا هو عليه الآن، وكي لا نُحرَم من النعم التي وعدَنا بها الحق تبارك وتعالى في قوله: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ: 7/14) فإنه ينبغي لنا أن نحمده على ما نحن عليه، فله الحمد على كل حال.

اللهم لا تحرمنا نعمك التي أنعمت علينا، ولا تجعلنا نكفر بها، اللهم اشرح صدورنا وبلِّغْنا حقيقةَ الإنسانيّة، اللهم مُنَّ علينا بقلوب تفيض لك شكرًا، وتقشعر منك خشية، وتتضرع إليك عجزًا وفقرًا.. آمين!

 

[1] بديع الزمان سعيد النورسي: الكلمات، اللوامع، ص 829.

[2] الإمام أحمد بن حنبل: الزهد، 54/1؛ أبو نعيم: حلية الأولياء، 382/2.