آهات الندم

Herkul-ARB | . | العربية

سؤال: ما صفةُ الحياة التي يجب أن نحياها كي لا نقول “يا ليتنا!” لا في الدنيا ولا في الآخرة؟

الجواب: إذا كان المؤمن لا يرغب في أن يُدنِّس دنياه وعُقباه بآهات الندم فعليه أوَّلًا أن يعرفَ الله جل جلاله حقًّا، ويسير في سبيله ويسعى للوصولِ إليه ويجتهدَ مستخدِمًا في سبيلِ ذلك كلَّ الإمكانيات التي أنعمها عليه عز وجل استخدامًا إيجابيًا ومثمرًا، وفي سبيلِ ذلك عليه أن يعيش حياته على بصيرة من أمره دائمًا، وألا يتخلى عن الحيطة والحذر أبدًا، وأن يعملَ على قراءة الحوادث قراءة صحيحة، وأن يكون في كلِّ وقت وحينٍ واعيًا بمتطلّبات ومقتضيات مسؤوليّته وموقعه الذي يشغلُه.

“يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَنًا خَلِيلاً!”

ولقد تعرَّض القرآن الكريم في عدة آيات منه لندم التُّعساء الذين خسروا أُخراهم تمامًا؛ فمثلًا يشير الله تعالى في إحدى آياته إلى أنَّهم سيتحسرون على ما قدمت أيديهم ويتندم كلُّ واحدٍ منهم قائلًا: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ (سُورَةُ النَّبَأِ: 40/78)، وهكذا سيندمُ الكافرون الذين سيلقون عقاب ما ارتكبوه من مظالم وذنوب في الدنيا؛ حتى يتمنى كلُّ فردٍ فيهم أنْ لو كان ترابًا.

وثمة آية أخرى تُصوِّرُ حالَ مَنْ ضلَّ الطريق المستقيم واتبع غيره فغوى تقول: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَنًا خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولاً﴾ (سُورَةُ الفُرْقَانِ: 27/25-29) فإن كان الإنسان لا يرغب في التلوّي والتألُّـم على هذا النحو في الآخرة وجب عليه أن يعيش في الدنيا بحساسية وحيطة؛ فيُحدد قدوتَه الذي سيحذو حذوَه، ثم لا يبرحُ قيدَ أنملةٍ طريقَ الأنبياء والرسل الذين أرسلهم الله تعالى إلى الناس حتى لا يضلّوا ولا يزيغوا.

والحقيقة أنَّ الله تعالى ما ترك الناسَ في أيِّ وقت قط دونَ رُوّادٍ وهُداةٍ؛ إذ أنارَ طريقنا بالأنبياء العظام والأصفياء الكرام والأولياء الفخام الذين هم ضياءُ ومرآةُ وجودِه سبحانه وتعالى، غير أن الإنسان إن تجاهلَ في هذه الدنيا أولئك الأئمة والقدوة والروّاد، ولم يقتفِ أثرهم وسار ضحية للتَّشَرُّد والتيه فقد ضلّ طريقه وهوى في حفرةٍ من الضلال والشهوات تُؤدّي به في الآخرة إلى السقوط في “غَيّ” جهنم[1]، فيظل يتندّم ويتأوّه فيه متأسِّفًا على حاله يقول: “يا ليتني! يا ليتني!”.

صراخ الظالمين ندمًا: يا ليتنا!…

ولقد ذُكر في آية أخرى أنَّ هناك من سيأكله الندم عندما تتناثرُ الصُّحُفُ وتُوزَّع صحائف الأعمال على أصحابها؛ فبينما يُسَرُّ مَنْ يأخذ كتابه بيمينه فرحًا قائلًا: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ﴾ (سُورَةُ الْحَآقَّةِ: 19/69-20)، يَتَحَسَّرُ مَنْ يأخذ كتابه بشماله قائلًا: ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ (سُورَةُ الْحَآقَّةِ: 25/69-29)، ويتألّـم ندمًا على أَنْ فرّط في الدنيا ولم يعمل صالحًا، فخسرَ في وقت هو أدعى للكسب.

نعم، الذين عملوا الصالحات في هذه الدنيا وجعلوا الحركة الإيجابيّة والخير دَيدانَهم ومبدأَهم فيها واستقاموا على الطريق سَيُؤْتون كتبَهم في الآخرة بأيمانهم فيستبشرون ويفرحون، أما من يُؤتون كتبهم بشمائلهم فَسَيَجدون ذنوبهم المخزية وجرائمهم المثيرة للاشمئزاز مكتوبةً مسجَّلة عليهم، فسيرون أنَّ لكلٍّ منهم صحيفةً سُجِّلت فيها جميع الذنوب التي ارتكبها؛ إذ إنّهم قد نظروا إلى الحرام وساروا إليه ومدوا أيديهم له، وانتهكوا الحقوق والحرمات؛ فسيندمون عندئذ أشدَّ الندم وسيتحسّر كلٌّ منهم قائلًا: “يا ليتني…! يا ويلتى…!”، ولسوف يتَلوّون خجلًا مما اقترفوه من الذنوب حتى قبل أن يدخلوا جهنم.

ولذا فإنَّ هذا المخلوقَ الرائع الذي خلقه الحقُّ سبحانه وتعالى في أحسن تقويم، وجعله قبلةً للملائكة، وأرسله إلى الدنيا مزوّدًا بملكات وقدرات خاصة يجب عليه ألا يتردى في مثل تلك الرذائل والسفاهات من أجل دنيا ومقامات ومناصب وسلطنة زائلة فانية، وينبغي له ألا يدنس إنسانيته، لأنه إنْ لم يحافظ على تكريم الله تعالى إياه انطبق عليه قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ (سُورَةُ الأَعْرَافِ: 179/7)، ونال صفعة يتدحرج بسببها ربما إلى دركات أشدّ وضاعة ودناءة حتى من أكثر المخلوقات حقارةً وخسّة.

عذابُ الضمير يساوي عذاب جهنم

عندما يتردى الإنسان في هوةٍ فإنَّ عمقها يكون على مقدار علوّ المكانة والمرتبة التي كان عليها، وقد تحدَّث الأستاذ بديع الزمان في هذا الشأن فقال: “وما دام مسلكُنا هو “الـخليلية” فمشربنا إذًا “الـخُلّة”، والـخلة تقتضي صَديقًا صدوقًا ورفيقًا مضحّيًا، وأخًا شهمًا غيورًا.. وأسُّ الأساس لـهذه الـخلة هو “الإخلاص التام”، فـمن يقصّر منكم فيه فقد هوى من على برج الـخلة العالي، ولربـما يتردّى في وادٍ سحيق؛ إذ لا موضع في الـمنتصف”[2]، وبالشكل نفسه فإنَّ “المغنَمَ على قدرِ المغرَمِ”؛ أي إنَّ الخطر الذي قد يتعرّض له الإنسان يكون بقدرِ ما يحظى به من نِعم الله وألطافه، فالقاعدةُ أنَّ “الغنيمة تزدادُ أو تنقصُ بقدر الخطر المتوقّع”؛ فإن كان الإنسان مُحاطًا بكثيرٍ من ألطاف الله تعالى فهذا يعني أن مخاطره ستكون بقدر ما يتنعّم به، فربما يتردّى في حفرة عميقة حين يجحد نعمَ الله عليه ولا يُقدّرها حقَّ قدرها.

ومن يحتقر ماهيته الإنسانية وتكريمَ الله تعالى إيَّاه بما ارتكبه من ذنوب وأخطاء، ويُجالسُ الشيطان ويأنسُ به بالرغم من أنه خُلِقَ ليأنس بالله ويكون في معيته، ولا يعي أهمية وظيفته ورفعةَ رسالتِه، ويرتكب أفعالًا لا تليق به بحيث يُدنِّسُ ملكاته التي فُطِرت فيه؛ سيندم ويقول: “ليته حُكِم عليّ بالعدم.. ليتني لم أكن شيئًا مذكورًا، ولم أرَ كلَّ هذا، ولم أشعرْ به!”، وسيشعر بعذاب عميقٍ في وجدانه حين يرى ما دُوِّن في صحيفة أعماله ولما يَنَلْ بَعدُ العقابَ الذي يستحقه.

فإن كان الإنسان يريد ألا يتعرض لمثل تلك الحالة من الندم في الآخرة فعليه أن يتمسّك تمامًا باتباع الحق في هذه الدنيا، وأن يقتديَ برسول الله صلى الله عليه وسلم وبخلفائه الراشدين، ويسعى لأن يعيش مثلهم ويحذوَ حذوهم؛ إذ لم يخلدوا إلى الفرش الوثيرة الدافئة، ولم يركضوا طلبًا للقصور والنزل الساحلية، ولم يأبهوا بمتاع الدنيا حتى وهم يتربعون على قمة الدولة، ولقد انتقل النبيّ إلى أفق روحه تاركًا الدنيا ودرعُه مرهونةٌ عند يهوديٍّ مقابلَ قدرٍ من الشعير يسدُّ به النبيُّ صلوات الله عليه حاجةَ أهله[3]، وكذلك كان خلفاؤه الراشدون الذين ساروا على نهجه؛ فلم يتركوا شيئًا من متاع الدنيا حينما انتقلوا إلى الآخرة دار البقاء، فأرَونا بذلك وعلَّمونا كيف يجب أن نغادر هذه الدنيا ونرحل عنها، ومن بِهُداهم اقتدى فلن يندم أو يتحسّر لأنه لن يُقارِفَ ما يستدعي ذلك.

العُمرُ ليس زهرًا يُلقَى على طاولة القمار

وكي لا يندم الإنسان يجب عليه أن يعيش تلك الحياة التي عبّر عنها الشاعر قائلًا:

ولدَتْكَ أمّك يا ابن آدم ضاحكًا * * والناسُ حولك يضحكون سرورًا

فــاعـمـلْ لـيـومٍ أن تـكـون إذا بـكــوا * * في يــوم مـــوتـك ضـاحـكًا مسرورًا

أجل، يجب على مثل ذلك الإنسان ألا يحزن على موت نفسه، بل ينبغي للآخرين أن يشعروا بالحزن لرحيله عنهم وفراقهم إيَّاه؛ فالطفل يبكي حين يُولد بينما أقرباؤه مِنْ حوله يفرحون، ومن ثم يلزم الإنسان أن يعيش حياة صالحة فيفرح بالموت؛ إذ إنَّه سينتقل مسرورًا فرحًا إلى الآخرة، إنه ينتقل إلى أفق روحه، فإن كان لا بد من الحزن فليحزن غيرُه على فراقه، وإن كان لا بد من البكاء فليبكِه من سواه، وعلى من فرحوا لمولده أن يبكوا لوفاته؛ فمثل هؤلاء الناس لم يتحسّروا ولم يندموا قط، أما من يرون العمر -الذي هو رأسُ مالهم- زهرًا يُلقى على طاولة القمار ويُهدرونه فلسوف يتلوّون في الدنيا والآخرة حسرةً وندامةً.

ولا سيما من نذروا أنفسهم لخدمة الإيمان والقرآن فعليهم أن يحيوا حياة لا يعقبها ندمٌ ولا حسرةٌ؛ فلا تدخل آهة الندم “يا ليتني” عوالِمَهم اليوم ولا غدًا، وعليهم أن يغتنموا العمرَ اغتنامًا يجعلهم يفرحون بالنعم الأخروية التي سيحظون بها عندما يرحلون عن الدنيا، بينما يبكي العالم على رحيلهم وفقدانهم، وينبغي للأجيال التي ستخلفهم ولو حتى بعد رحيلهم بقرون أنْ تتذكّرهم بالقول الحسن والذكريات الطيبة؛ وهذا أفقٌ سامٍ أظهره لنا القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ (سُورَةُ الْحَشْرِ: 10/59).

وإننا حينما نستعرض ذاكرة التاريخ ونسترجع الماضي نقول: “اللهم ارضَ عن ساداتنا أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ ألف مرة ومرة! فما أعظم ما تركوه لنا من آثار وميراث! لقد ثمنوا نعمك التي مننت عليهم بها بعظيم رحمتك وشفقتك حتى جعلوها كالسنابل تنبت سبعًا، وتزدادُ إلى سبعينَ”، فنحن نتذكر أولئك الرجال بالخير والمعروف.

أمَّا من ينتهكون حقوق الناس ويغتصبون أموالهم ويأكلون ما تصل إليه أيديهم دون تفريقٍ بين حلال وحرام فلسوف يلعنُهم الناس ويلعنهم اللاعنون، وسيتذكرهم اللاحقون قائلين: “لا استراحوا في حياتهم ولا الناسَ أراحوا؛ ففارَقوا الدنيا؛ فليُعِنِ الله أهلَ القبور على أن يتحملوهم!”، ومن ثم فعلى الإنسان أن يحذرَ من ارتكاب ما يُخزيه في الآخرة ويجعله يتمنّى لو انشقّت الأرض فبَلَعَتْهُ، بل عليه أن يعيش طاهرًا دائمًا، فينتقل إلى مثواه الأخير محفوفًا بالطهر والنقاء، ولا سيما أنَّ من يحملون على عواتقهم أمانةً عظيمةً يسعون إلى تسليمها إلى الأجيال القادمة يجب عليهم أن يطلبوا الله في كل شيء ولا يطلبوا الدنيا في شيء، وألَّا يُلوّثوا أطرافَ ثيابهم بدنسِ الدنيا، وعليهم أن يدعوه عز وجلَّ: “اللهم لا تحرمنا منك!” فيعيشوا حياتهم بهذه القناعة، ويموتوا عليها، وكما وردَ في الأثر فإنَّ المرءَ يموتُ على ما عاش عليه، ويُحشَر على ما مات عليه، ويدخل الجنة أو النار على ما حُشر عليه.

“لا تنسَ أن الموت يأتي بغتة”

ويقول الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي: “يا أسفى، لقد خُدعنا، فظنَنَّا هذه الحياة الدنيا مستقرّة دائمة، وأضَعْنا بهذا الظنّ كلَّ شيءٍ… نعم، إن هذه الحياة غفوةٌ قد مضت كرؤيا عابرة! وهذا العمر الذي لا قرار له يذهب ذهابَ الريح”[4] فيلفت الانتباه إلى أن الدنيا فانيةٌ زائلةٌ، كما يقول في موضع آخر:

“أنا فانٍ، مَن كان فانيًا لا أريد

أنا عاجزٌ، من كان عاجزًا لا أريد

سلّمتُ روحي للرحمن، فسواه لا أريد

بل أريد..

حبيبًا باقيًا أريد

أنا ذرة.. شمسًا سرمدًا أريد

أنا لا شيء، ومن غير شيء، الموجوداتِ كلَّها أريد”[5].

فيؤكد على ضرورة أن يطلب الإنسانُ الأشياءَ العظيمة، وأنه لا قيمة لما يقدره أهل الدنيا ويعظمونه من أشياء؛ فنسأل الله تعالى ألّا يُضلّنا عن طريق السعداء؛ فطريقهم هو طريق مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم.

ونختم الموضوع بما يُنسب إلى سيدنا عليّ رضي الله عنه من القطعة الشعرية التي يقول فيها:

يَا مَنْ بِدُنْيَاهُ اشْتَغَلْ     قَدْ غَرَّهُ طُولُ الْأَمَلْ

أَوَلَمْ يَزَلْ فِي غَفْلَةٍ       حَتَّى دَنَا مِنْهُ الْأَجَلْ

المَوْتُ يَأْتِي بَغْتَةً      وَالْقَبْرُ صُنْدُوقُ الْعَمَلْ

اصْبِرْ عَلَى أَهْوَالِهَا     لَا مَوْتَ إِلَّا بِالْأَجَلْ.

 

 

[1] انظر: سورة مريم: 59/19.

[2] بديع الزمان سعيد النورسي، اللمعات، اللمعة الحادية والعشرون، الدستور الرابع، ص 224.

[3] صحيح البخاري، الجهاد والسير، 85.

[4] بديع الزمان سعيد النورسي: الكلمات، الكلمة السابعة عشر، المقام الثاني، ص 227.

[5] المصدر السابق: الكلمة السابعة عشر، المقام الثاني، اللوحة الثانية، ص 235.